← Акыда

Акыда · id 151178

الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا

حميد بن أحمد نعيجات

Полный текст (1 390 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ولم يكن الأكل من حلال لم تنتفع (١) " (٢). ١٥٩ - حدثنا أحمد بن جميل المروزي، أنبأنا عبد اللَّه بن المبارك، أنبأنا سفيان، عن أبي حيان، عن أبي الزِّنباع، عن أبي الدهقان قال: صحب الأحنفَ بن قيس (٣) ﵀ رجلٌ فقال: ألا تميل فنحملك ونفعل؟ قال: لعلك من العَرَّاضين؟ قال: وما العَرَّاضون؟ قال: الذين يحبون أن يحمدوا ولا يفعلوا، قال: يا أبا بحر ما عرَّضت عليك حتى قال: "يا ابن أخي إذا عرض لك الحق فاقصد له، والْهُ عما سواه" (٤).

стр. 282

التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة بيان أهمية أمرين اثنين هما شرطا قبول العمل، وهما تحقيق شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه، فإن الآثار السابقة تفيد أهمية الإخلاص في العبادة وهو الشطر الأول من الشهادة، وأهمية الاتباع في صلاح العمل وهو الشطر الثاني منها، وحرص السلف على ذلك، وعلى هذا مدار الإسلام كما قال شيخ الإسلام: "الإسلام مبني على أصلين: أن لا تعبد إلا اللَّه، وأن نعبده بما شرع، لا نعبده بالبدع؛ فالنصارى خرجوا عن الأصلين، وكذلك المبتدعون من هذه الأمة من الرافضة وغيرهم" (١)، وقال: "وهو حقيقة قول: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه؛ فإن الإله هو الذي تألهه القلوب عبادة واستعانة، ومحبة وتعظيما، وخوفا ورجاء، وإجلالا وإكراما، وهو سبحانه له حق لا يشركه فيه غيره، فلا يعبد إلا اللَّه، ولا يدعى إلا اللَّه، ولا يخاف إلا اللَّه، ولا يطاع إلا اللَّه، والرسول هو المبلغ عن اللَّه طاعته، وأمره ونهيه، وتحليله وتحريمه، فهو واسطة بين اللَّه وبين

стр. 283

خلقه في تبليغ أمره وفيه ووعده ووعيده" (١). ولذلك حرص السلف كما ورد في الآثار السابقة على جعل الأعمال كلها خالصة للَّه مرادا بها وجهه، ولا يقدمون على عمل حتى يستحضروا النية فيه، ومن هنا كان همهم شديدا لقبول أعمالهم، ولما كان ظهور العمل مظنة الرياء حرصوا على إخفائه، وفضلوا عمل السر على عمل العلانية، واهتموا بإصلاح البواطن والسرائر؛ لأن ذلك يثمر صلاح الظاهر والعلنية، ويرجح الميزان يوم القيامة، قال شيخ الإسلام: "من صلح قلبه صلح جسده قطعا بخلاف العكس" (٢)، حتى إن بعض الأعمال التي يتركونها أنفة وحياء يخافون من عدم قبولها؛ لكان الإخلاص وأهميته، ويتركون أعمالا أخرى حتى يستحضروا النية فيها، ولا يفعلونها لمجرد جريان العادة، قال شيخ الإسلام: "العمل المجرد عن النية لا يثاب عليه؛ فإنه قد ثبت بالكتاب والسنة واتفاق الأئمة أن من عمل الأعمال الصالحة بغير إخلاص للَّه لم يقبل منه" (٣). ثم الآثار التي وردت في أهمية التابعة مع الإخلاص فيها بيان واضح أن هذين الأمرين لا بد من اجتماعهما ولا يستغنى بأحدهما عن الآخر، فإن أثر الفضيل المشهور في بيان اشتراط الاتباع والإخلاص في العمل،

стр. 284

وأثر النباحي في بيان ما يرتفع به العمل إلى اللَّه، وأنه إذا اختل شرط الإخلاص أو المتابعة، لم يرتفع العمل، وقد بيّن ابن القيم ﵀ التلازم الوارد بين كلمة التوحيد والأعمال الصالحة وارتفاعها إلى اللَّه ومن ثَمَّ قبولها فقال: "الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح، والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع، وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون: الكلمة الطيبة هي شهادة أن لا إله إلا اللَّه، فإنها تثمر جميع الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة، فكل عمل صالح مرضي للَّه ثمرة هذا الكلمة. . . وهذه الكلمة الطيبة تثمر كثيرا طيبا كلما يقارنه عمل صالح فيرفع العمل الصالح الكلم الطيب كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (١)، فأخبر سبحانه أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب، وأخبر أن الكلمة الطيبة تثمر لقائلها كل وقت عملا صالحا" (٢).

стр. 285

المطلب الثالث: الآثار الواردة في الدعاء . إن الدعاء من أهم مباحث التوحيد، كيف لا وقد حصر النبي ﷺ العبادة فيه فقال: "الدعاء هو العبادة"، وقال اللَّه ﵎: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ (١) فسماه عبادة (٢)، ولما كان هذا شأن الدعاء فقد وردت عدة آثار في كتب ابن أبي الدنيا تتحدث عن مسألة من المسائل المتعلقة به، وقد قسمتها في العناصر التالية: أولا: الآثار الواردة في أسباب الإجابة . ١٦٠ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني عمار بن عثمان الحلبي، حدثنا سرّار العنزي قال: سمعت عبد الواحد بن زيد (٣) قال: "الإجابة مقرونة بالإخلاص، لا فرقة بينهما" (٤). ١٦١ - حدثنا خالد بن خداش، حدثنا مهدي بن ميمون، عن غيلان

стр. 286

ابن جرير قال: "حُبس ابن أخٍ لمطرف بن عبد اللَّه (١)، فلبس خُلقان ثيابه، وأخذ عكّازة بيده، فقيل: ما هذا؟ قال: أستكين لربي، لعله أن يشفّعني في ابن أخي" (٢). ثانيا: الآثار الواردة في إنزال كل الحوائج باللَّه وحده . ١٦٢ - حدثني محمد بن الحسين، حدثنا الحجاج بن نصير، حدثني سهيل أخو حزم القُطَعي، حدثنا رجاء بن مسلم العبدي قال: "كنا نكون مع عَجَرَّدَة العمية (٣) في الدار، قال: فكانت تحيي الليل صلاة، قال: وربما

стр. 287

كانت تقوم من أول الليل إلى السحر، فإذا كان السحر نادت بصوت لها محزون: إليك قطع العابدون دجى الليالي بتبكير الدُّلج إلى ظلم الأسحار، يستبقون إلى رحمتك وفضل مغفرتك، فبك إلهي لا بغيرك أسألك أن تجعلني في أول زمرة السابقين إليك، وأن ترفعني إليك في درجة المقربين، وأن تلحقني بعبادك الصالحين، فأنت أكرم الكرماء وأرحم الرحماء وأعظم العظماء، ثم تخر ساجدة يُسمع وجبة سقوطها، فلا تزال تبكي وتدعو في سجودها حتى يطلع الفجر، وكان ذلك دأبها ثلاثين سنة" (١). ١٦٣ - حدثني محمد بن الحسين، حدثنا أبو الوليد الكلبي، حدثني سعيد بن صدقة أبو مهلهل قال: قال لي سفيان الثوري: "عليك بالاستغناء عن جميع الناس، وارغب إلى اللَّه في حوائجك، وافزع إليه فيما ينوبك، وليكن همُّك مرمةَ جهازك" (٢).

стр. 288

١٦٤ - حدثني محمد بن الحسن قال: حدثني أبو الوليد عيّاش بن عاصم الكلبي قال: حدثني سعيد بن صدقة أبو مهلهل قال: "أخذ بيدي سفيان الثوري ﵀، فأخرجني إلى الجبّان، فاعتزلنا ناحية عن طريق الناس، فبكى ثم قال: يا أبا مهلهل إن استطعت أن لا تخالط في زمانك هذا أحدا فافعل، فليكن همّك مرمّة جهازك، واحذر إتيان هؤلاء الأمراء، وارغب إلى اللَّه في حوائجك لديه، وافرغ إليه فيما ينوء بك، وعليك بالاستغناء عن جميع الناس، فارفع حوائجك إلى من لا تعظم الحوائج عنده، فواللَّه ما أعلم اليوم بالكوفة أحدا لو فزعت إليه في قرض عشرة دراهم فأقرضني لم يكتمها حتى يذهب ويجيء ويقول: جاءني سفيان فاستقرضني فأقرضته" (١). ١٦٥ - حدثني قاسم بن هاشم، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا عبيد اللَّه بن سهل (٢) العدني (٣)، حدثني عقبة بن أبي جسرة، عن محمد بن

стр. 289

سيرين (١) قال: "ما تمنّيت شيئا قط، قلنا له: وكيف ذلك؟ قال: إذا عرض لي شيء من ذاك سألته ربي" (٢). ١٦٦ - حدثني العلاء بن مسلمة التميمي، حدثني عبد اللَّه بن صالح كاتب الليث، حدثنا الليث بن سعد (٣): "أن أخا له ركب في البحر، فقام في بعض الليل ليتوضّأ، فزلّت رجله، فوقع في البحر، فجاءت موجة،

стр. 290

فغمرته حتى لم ير منه شيء، ثم جاءت أخرى فرفعته، فقال: يا حي لا إله إلا أنت، فجاءت موجة فغمرته حتى لم ير منه شيء، ثم جاءت أخرى فرفعته فقال: يا حي لا إله إلا أنت، فجاءت موجة فغمرته حتى لم ير منه شيء، ثم جاءت أخرى فرفعته فقال: يا حي لا إله إلا أنت، فأجيب: لبيك وسعديك، ها أنا ذا قد جئتك، فإذا آت قد جاء، فاحتمله حتى وضعه في المركب" (١). ١٦٧ - حدثني سويد بن سعيد، حدثني خالد بن عبد اللَّه اليمامي قال: "استودع محمد بن المنكدر وديعة، فاحتاج إليها، فأنفقها، فجاء صاحبها يطلبها فقام فتوضّأ وصلى، ثم دعا فقال: يا سادّ الهواء بالسماء، ويا كابس الأرض على الماء، ويا واحدا قبل كل أحد كان، ويا واحدا بعد كل أحد يكون، أدِّ عني أمانتي، فسمع قائلا يقول: خذ هذه، فأدِّها عن أمانتك، وأقصر في الخطبة، فإنك لن تراني" (٢).

стр. 291

١٦٨ - قال رجل من قريش: حلبنا الدهر أشطره ومرت ... بنا عقب الشدائد والرخاء فلم نأسف على دنيا تولت ... ولم نفزع إلى غير الدعاء هي الأيام تكلمنا وتأسو ... وتأتيتا السعادة والشقاء (١) ١٦٩ - حدثنا عمر بن شبَّة، حدثني محدِّث، عن أمية، عن خالد، عن وضاح بن خيثمة قال: "أمرني عمر بن عبد العزيز بإخراج من في السجن، فأخرجتهم إلا يزيد بن أبي مسلم، فنذر دمي، قال: فواللَّه إني لبإفريقية قيل لي: قدم يزيد بن أبي مسلم، فهربت منه، فأرسل في طلبي فأخذت، فأتي بي فقال لي وضاح؟ قلت: وضاح، قال: أما واللَّه لطالما سألت اللَّه أن يمكنني منك، قلت: أنا واللَّه لطالما استعذت باللَّه من شَرِّك، قال: فواللَّه ما أعاذك اللَّه، واللَّه لأقتلنّك، ثم واللَّه لأقتلنّك، ثم واللَّه لأقتلنّك، لو سابقني ملك الموت إلى قبض روحك لسبقته، عليّ بالسيف والنطع، فجيء

стр. 292

بالنِّطْع (١) فأقعدت فيه، وكتفت وقام قائم على رأسي بسيف مشهور، وأقيمت الصلاة فخرج إلى الصلاة، فلما خرّ ساجدا أخذته سيوف الجند فقتل، فجاءني رجل فقطع كتافي بسيفه ثم قال: انطلق" (٢). ١٧٠ - حدثنا يعقوب بن إسحاق بن زياد، ثنا أبو همام الصلت بن محمد الخاذكي، أخبرنا مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي محمد، حدثني محمد بن يزيد (٣): "لما قدم سليمان بن عبد الملك بعثني إلى العراق إلى الميسرين إلى أهل الديماس الذين حبسهم الحجاج، فأخرجتهم منهم يزيد الرقاشي ويزيد الضبي وعابدة من أهل البصرة، فأخرجتهم في عمل ابن أبي مسلم وعنفت على أبي مسلم بضيعة، وكسوت كل رجل منهم ثوبين، فلما مات سليمان ومات عمي كنت مستعملا على إفريقية فقدم عليّ يزيد بن أبي مسلم أميرا في عمل يزيد بن عبد الملك، فعذّبني عذابا شديدا حتى كسر عظامي، فأتي بي يوما أحمل في كساء عند المغرب، فقلت: ارحمني، فقال: التمس الرحمة عند غيري، لو رأيت ملك الموت عند

стр. 293

رأسك لبادرته نفسك، اذهب حتى أصبح لك، قال: فدعوت اللَّه فقلت: اللهم اذكرني ما كان مني في أهل ديماس، اذكرني يزيد الرقاشي وفلانا فلانا، واكفني شرّ ابن أبي مسلم، وسلّط عليه من لا يرحمه، واجعل ذلك من قبل أن يرتدّ إليّ طرفي، وجعلت أحبس طرفي رجاء الإجابة، فدخل عليّ ناس من البريد فقتلوه، ثم أتوني فأطلقوني، فقلت: اذهبوا ودعوني؛ فإني أخاف إن فعلتم أن يروا أن ذلك بسببى، فذهبوا وتركوني" (١). ١٧١ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني محمد بن سعيد، ثنا شريك، عن عبد الملك بن عمير، كتب الوليد بن عبد الملك إلى عثمان بن حيان المزني: انظر الحسن بن الحسن فاجلده مائة جلدة، وقفه للناس يوما، ولا أراني إلا قاتله، فبعث إليه فجيء به والخصوم بين يديه، قال: فقام إليه علي بن حسين فقال: يا أخي تكلم بكلمات الفرج يفرج اللَّه عنك: لا إله إلا اللَّه الحليم الكريم، سبحان اللَّه رب السموات السبع ورب العرش العظيم، الحمد للَّه رب العالمين، قال: فقالها فانفرجت فرجة من الخصوم فرآه، فقال: أرى وجه رجل قد قرفت عليه كذبة، خلُّوا سبيله، أنا كاتب إلى أمير المؤمنين بعذره، فإن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب" (٢).

стр. 294

١٧٢ - حدثنا هارون بن سفيان، حدثني رجل من أهل العلم: أن رجلا حدثه قال: "نزل علينا رجل من ولد أنس بن مالك فخدمته فلما أراد أن يفارقني أمر لي بشيء فلم أقبله فقال: ألا أعلمك دعاء كان جدي يدعو به، وما دعوت به إلا فرّج اللَّه عني؟ قلت: بلى، قال: قل: اللهم إن ذنوبي لم تبق لي إلا رجاء عفوك، وقد قدمت آلة الحرمان بين يديّ؟ ، فأنا أسألك بما لا أستحقّه، وأدعوك بما لا أستوجبه، وأتضرّع إليك بما لا أستأهله، فلن يخفى عليك حالي، وإن خفي على الناس كنه معرفة أمري، اللهم إن كان رزقي في السماء فأهبطه، وإن كان رزقي في الأرض فأظهره، وإن كان بعيدا فقرّبه، وإن كان قريبا فيسّره، وإن كان قليلا فكثّره، وبارك لي فيه" (١). ١٧٣ - حدثني القاسم بن هاشم، ثنا أبو اليمان، ثنا صفوان بن عمرو، عن الأشياخ: "أن حبيب بن مسلمة (٢) كان يستحب إذا لقي عدوا أو ناهض حصنا قول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، وأنه ناهض يوما

стр. 295

حصنا، فانهزم الروم، فقالها المسلمون فانصدع الحصن" (١). ثالثًا: الآثار الواردة في الدعاء وكرامات الصالحين . ١٧٤ - حدثنا خالد بن خداش بن العجلان، وإسماعيل بن إبراهيم قالا: حدثنا صالح المري، عن ثابت، عن أنس قال: "دخلنا على رجل من الأنصار وهو مريض، فلم نبرح حتى قضى، فبسطنا عليه ثوبه، وأمٌّ له عجوز كبيرة عند رأسه، فالتفت إليها بعضنا فقال: يا هذه احتسبي مصيبتك عند اللَّه، قالت: وما ذاك، أمات ابني؟ قلنا: نعم، قالت: أحقّ ما تقولون؟ قلنا: نعم، فمدّت يدها إلى اللَّه، فقالت: اللهم إنك تعلم أني أسلمت وهاجرت إلى رسولك رجاء أن تعينني عند كل شدّة ورخاء، فلا تحملني على هذه المصيبة اليوم، قال: فكشفنا عن وجهه، فما برحنا حتى طعمنا معه" (٢).

стр. 296

١٧٥ - حدثنا أحمد بن بجير وإسحاق بن إسماعيل وغيرهما قالوا: أخبرنا محمد بن عبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي: "أن قوما من المهاجرين، خرجوا متطوّعين في سبيل اللَّه، فنفق حمار رجل منهم، فأرادوه على أن ينطلق معهم فأبى، فانطلق أصحابه مترحّلين وتركوه، فقام فتوضّأ وصلّى، ثم رفع يديه فقال: اللهم إني خرجت من الدفينة (١)، مجاهدا في سبيلك، وابتغاء مرضاتك، وأشهد أنك تحيي الموتى، وتبعث من في القبور، اللهم فأحي لي حماري، ثم قام إلى الحمار فضربه، فقام الحمار ينفض أذنيه، فأسرجه وألجمه، ثم ركبه، فأجراه حتى لحق بأصحابه، فقالوا له: ما شأنك قال: شأني أن اللَّه بعث لي حماري، قال إسماعيل: قال الشعبي: أنا رأيت الحمار بيع أو يباع بالكناسة" (٢).

стр. 297

رابعا: الآثار الواردة في دعاء اللَّه في السراء والضراء . ١٧٦ - حدثني يعقوب بن عبيد ومحمد بن عباد قالا: أخبرنا يزيد بن هارون، أنا حريز بن عثمان الدجى، ثنا راشد بن سعد قال: "جاء رجل إلى أبي الدرداء فقال: أوصني فقال: اذكر اللَّه في السراء يذكرك في الضراء، وإذا ذكرت الموتى فاجعل نفسك كأحدهم، وإذا أشرفت نفسك على شيء من الدنيا فانظر إلى ما يصير" (١). خامسا: الآثار الواردة في بعض آداب الدعاء . ١٧٧ - حدثنا هارون بن عبد اللَّه، حدثنا سيّار، حدثنا جعفر، حدثنا أبو عمران الجوني (٢) قال: "أدركت أربعة من أفضل من أدركت، فكانوا يكرهون أن يقولوا: اللهم أعتقنا من النار، ويقولون: إنما يعتق منها من دخلها، كانوا يقولون: نستجير باللَّه من النار، ونعوذ باللَّه من النار" (٣).

стр. 298

١٧٨ - حدثني حمزة بن العباس، أنبأنا عبدان، أنبأنا عبد اللَّه، عن سليمان بن المغيرة عن ثابت، عن مطرف قال: "لِيُعَظَّم جلال اللَّه في صدوركم، فلا تذكروه عند مثل هذا، قول أحدكم للكلب: اللهم اخزِه، وللحمار وللشاة" (١). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة الموزعة على ما يناسبها من عناصر بيان مسائل هامة متعلقة بالدعاء. فشمل العنصر الأول أثرين فيهما بيان بعض أسباب الإجابة وهي الإخلاص والاستكانة للَّه، وهما من جملة أسباب إجابة الدعاء وقد ذكرهما وغيرهما ابن رجب ﵀ فقال: "من الأسباب التي تقتضي إجابة الدعاء أربعة: أحدها: إطالة السفر، والسفر بمجرده يقتضي إجابة الدعاء. والثاني: حصول التبذل في اللباس والهيئة بالشعث والإغبار. الثالث: مد يديه إلى السماء وهو من آداب الدعاء التي يرجى بسببها إجابته. الرابع: الإلحاح على اللَّه بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما

стр. 299

يطلب به إجابة الدعاء" (١). وشمل العنصر الثاني إنزل الحوائج كلها باللَّه، والمراد هذا العنصر بيان أن سؤال اللَّه وإنزال حاجات الناس به تعالى كان هو السائد بين هذه القرون الفاضلة، فلا نجد في أدعيتهم على اختلاف أسبابها وتنوع حاجاتهم، وتغاير عباراتهم وأساليب خطابهم، رغم كل ذلك نجدها تصب في كوثر واحد هو الرجوع إلى اللَّه والالتجاء إليه (٢)، وقد صرح بعضهم بهذا الأمر فإن أثر عجردة العابدة فيه: "فبك إلهي لا بغيرك أسألك"، ووصايا كثير من السلف لغيرهم أن ينزل حاجته باللَّه لا بغيره كأثر الثوري، وفي أثر الليث بيان أن دعاء اللَّه لم يقتصر على حال الرخاء بل حتى حال الشدَّة وهي الغرق لم يتوجهوا لغيره تعالى، وهكذا كان دعاء اللَّه حتى في ما ليس محبوبا إليه كالانتقام والقتل كانوا يدعونه أن يمكنهم من ذلك، وعند وقوعهم في الأسر، وفتح الحصون، كل ذلك لا يرجعون إلى غيره ولا يدعون سواه، هذا منهجهم وسبيلهم، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ

стр. 300

جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (١)، وما هذا إلا لعلمهم اليقيني أن الدعاء من أعظم العبادات وأن الشرك فيه من أعظم أنواع الشرك، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "إن لم يكن الإشراك فيه -أي الدعاء- شركا، فليس في الأرض شرك، وإن كان في الأرض شرك فالشرك في الدعاء أولى أن يكون شركا من الإشراك في غيره من أنواع العبادة، بل الإشراك في الدعاء هو أكبر شرك المشركين الذين بعث إليهم رسول اللَّه ﷺ " (٢). أما العنصر الثالث فقد شمل أمرا مهما من أمور الدعاء عند أهل السنة والجماعة وهو علاقة الدعاء بكرامات الأولياء والصالحين، حيث تضمن الأثران أثر أنس بن مالك ﵁ وأثر الشعبي ﵀ جواز إحياء اللَّه الموتى بدعاء بعض الصالحين، ففي أثر أنس أن الميت من البشر وهو ابن العجوز الأنصارية، وفي أثر الشعبي أنه من الحيوانات وهو حمار، وقد عد العلماء هذا الأمر من التوسل إلى اللَّه بالأعمال الصالحة، ولذلك أدرج شيخ الإسلام أثر أنس ﵁ مع أثر الثلاثة الذين انغلق عليهم الغار فدعوا بصالح أعمالهم (٣). ومسألة إحياء الموتى بدعاء الصالحين مسألة شائكة ودقيقة جدا؛ وذلك أن: "المراتب ثلاثة: آيات الأنبياء، ثم كرامات الصالحين، ثم خوارق

стр. 301

الكفار والفجار، كالسحرة والكهان، وما يحصل لبعض المشركين، وأهل الكتاب، والضلال من المسلمين. أما الصالحون الذين يدعون إلى طريق الأنبياء لا يخرجون عنها، فتلك خوارقهم من معجزات الأنبياء، فإنهم يقولون: نحن إنما حصل لنا هذا باتباع الأنبياء، ولو لم نتبعهم لم يحصل لنا هذا، فهؤلاء إذا قدر أنه جرى على يد أحدهم ما هم من جنس ما جرى للأنبياء، كما صارت النار بردا وسلاما على أبي مسلم، كما صارت على إبراهيم، وكما يكثر اللَّه الطعام والشراب لكثير من الصالحين، كما جرى في بعض المواطن للنبي ﷺ ، أو إحياء اللَّه ميتا لبعض الصالحين كما أحياه للأنبياء، وهي أيضًا من معجزاتهم بمنزلة ما تقدمهم من الإرهاص، ومع هذا فالأولياء دون الأنبياء والمرسلين، فلا تبلغ كرامات أحد قط مثل معجزات المرسلين كما أنهم لا يبلغون في الفضيلة والثواب إلى درجاتهم، ولكنهم قد يشاركونهم في بعضها كما قد يشاركونهم في بعض أعمالهم، وكرامات الصالحين تدل على صحة الدين الذي جاء به الرسول" (١). ولما تكلم عما ينقله أهل الكتاب من كرامات صالحيهم ومعجزات أنبيائهم قال: "أصحاب محمد ﷺ وتابعوهم صالحون، ولهم من الآيات أعظم مما للحواريين وغيرهم من الأمم، وفيهم من كان يحمل العسكر على الماء، ومن كان يشرب السموم القاتلة، ومن يحيي اللَّه الموتى

стр. 302

بدعوته، ومن يكثر الطعام والشراب، وكتب كرامات الأولياء فيها من ذلك أعظم مما عند أهل الكتاب" (١). وقال: "الآيات التي يبعث اللَّه بها أنبياء قد يكون مثلها لأنبياء أخر مثل: إحياء الموتى، فقد كان لغير واحد من الأنبياء، وقد يكون إحياء الموتى على يد أتباع الأنبياء كما قد وقع لطائفة من هذه الأمة ومن أتباع عيسى؛ فإن هؤلاء يقولون: نحن إنما أحيى اللَّه الموتى على أيدينا لاتباع محمد أو المسيح، فبإيماننا بهم وتصديقنا لهم أحيى اللَّه الموتى على أيدينا، فكان إحياء الموتى مستلزما لتصديقه عيسى ومحمدا، لم يكن قط مع تكذيبهما، فصار آية لنبوتهم، وهو أيضًا آية لنبوة موسى وغيره من أنبياء بني اسرائيل الذين أحيى اللَّه الموتى على أيديهم" (٢). فتلخص من هذا أن الأنبياء لهم من الآيات ما يختصون به عن غيرهم من سائر البشر كالنبوة، سواء من أتباعهم أو من غيرهم، وقد يختص النبي المعين بآية عن سائر إخوانه من الأنبياء فضلا عن غيرهم كناقة صالح وعصا موسى، وقد يشاركه فيها غيره من الأنبياء، كما قد يشاركه فيها بعض أتباعه، كإحياء الموتى فقد كان لغير واحد من الأنبياء، وكان لبعض الصالحين من أتباعهم واللَّه أعلم (٣).

стр. 303

واشتمل العنصر الرابع على بيان أهمية ذكر اللَّه في السراء وأنه عدة يدخرها المؤمن ليذكره اللَّه بها في الضراء، وفي ذلك إشارة إلى تحذير المؤمن من ذكر اللَّه ودعائه في الضراء والشدائد، ونسيانه في السراء والسمعة، لأن ذلك من أخلاق المشركين كما قال اللَّه عنهم: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١)، قال الإمام القصاب ﵀: "تقريع لمن يهمل الدعاء في الرخاء، ويفزع إليه في الشدة، وليس ذلك من أخلاق المؤمنين، إذ من أخلاقهم إكثار الدعاء في الرخاء عدة للشدة. . . فلا ينبغي للمؤمن أن يستن بالكافر، ولا يفزع إلى الدعاء إلا عند الشدائد" (٢). وإذا كان هذا كذلك فما بالك بمن يخص الشدائد والكرب بالفزع إلى غير اللَّه، وسؤاله ودعائه، لا شك أنه أسوأ من المشركين الذين نهينا عن اتباع سننهم، فإنهم يخلصون الدعاء للَّه في الشدائد دون الرخاء، وهؤلاء يخلصون الشرك في الشدائد فضلا عن الرخاء واللَّه المستعان (٣).

стр. 304

واشتمل العنصر الخامس بعض آداب الدعاء حيث فضّل الجوني الاستجارة والتعوذ من النار على العتق منها؛ لأن العتق يتضمن دخولها، وذكر مطرف أن من تعظيم اللَّه عدم سؤاله خزي الكلب والحمار والشاة (١)، أما عدم سؤال اللَّه العتق من النار وتفضيل سؤال الإجارة والتعوذ منها، بسبب أن السؤال يتضمن دخولها، فالذي يظهر واللَّه أعلم أن هذه المسألة نظير ما ورد من تحفّظ بعض السلف من سؤال شفاعة نبينا محمد ﷺ بحجة أن ذلك يتضمن دخول النار، وقد ناقشت ذلك في موضعه وبيّنت وجه جوازه بل استحبابه واللَّه يعصمنا من الخطأ والزلل (٢).

стр. 305

المطلب الرابع: الآثار الواردة في التوكل . أولا: الآثار الواردة في فضله . ١٧٩ - حدثني محمد بن إدريس، نا موسى بن محمد، نا زافر بن سليمان، عن المحاربي، عن عمر بن حسان -وسمعه موسى من المحاربي- قال: قال علي: "يا أيها الناس، توكلوا على اللَّه وثقوا به، فإنه يكفى ممن سواه" (١).

стр. 306

١٨٠ - نا علي، عن محمد بن الحسين، حدثني إبراهيم بن زكريا القرشي قال: سمعت هدابا البصري (١) يقول: قال لي قائل في منامي: "يا هذا توكل على من توكل المتوكلون قبلك، فإنه جل ثناؤه لا يكل متوكلا عليه إلى غيره" (٢). ١٨١ - نا إسحاق بن إسماعيل، نا جرير، عن يحيى بن سعيد، عن

стр. 307

سعيد بن المسيب قال: التقى عبد اللَّه بن سلام (١) وسلمان (٢) فقال أحدهما لصاحبه: "إن مُتَّ قبلي فالقني، فأخبرني ما لقيت من ربك، وإن أنا مِتُّ قبلك لقيتك فأخبرتك، فقال أحدهما للآخر: أَوَ يلقى الأمواتُ الأحياءَ؟ قال: نعم، أرواحهم تذهب في الجنة حيث شاءت، قال: فمات فلان (٣) فلقيه في المنام فقال: توكَّل وأبشر، فلم أر مثل التوكُّل قط، توكَّل وأبشر، فلم أر مثل التوكّل قط" (٤). ١٨٢ - حدثني أبو العباس البصري الأزدي، عن شيخ من الأزد قال:

стр. 308

جاء رجل إلى وهب بن منبه (١) فقال: علمني شيئا ينفعني اللَّه به، قال: "أكثر من ذكر الموت، وأقصر أملك، وخصلة ثالثة، إن أنت أصبتها بلغت الغاية القصوى وظفرت بالعبادة، قال: ما هي؟ قال: هي التوكل" (٢). ١٨٣ - نا محمد بن الحسين قال: نا عبد اللَّه بن غالب مولى الربيع بن صبيح قال: نا الربيع بن صبيح، عن الحسن قال: "العِزُّ والغِنَى يجولان في طلب التوكل، فإذا أُظفِرَ أوطنا" (٣). ١٨٤ - نا محمد بن الحسين، حدثني مخول الكوفي قال: حدثني بهيم أبو بكر العجلي، عن رجل من أهل الكوفة قال: "بينما أنا في بستان لي إذ خُيِّل لي رؤية شخص أسود، ففزعت منه، فقلت: حسبي اللَّه ونعم الوكيل، فساخ في الأرض، وأنا أنظر إليه، وسمعت صوتا من ورائي يقرأ

стр. 309

هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ (١) فالتفتُّ فلم أر شيئا" (٢). ١٨٥ - نا إسحاق بن إبراهيم قال: نا محمد بن منيب العدني قال: حدثني السري بن يحيى، عن وهيب بن الورد: "أن رجلين كسر بهما في البحر فوقعا إلى الأرض، فأتيا بيتا مبنيا من شجر، فكانا فيه، فبينما هما ذات ليلة، أحدهما نائم، والآخر يقظان، إذ جاءت امرأتان فوقفتا على الباب، بهما من قبح الهيئة شيء لا يعلمه إلا اللَّه، فقالت إحداهما للأخرى: ادخلي، فقالت: ويحك إني لا أستطيع، قالت: ويحك، لِمَه؟ قالت: أَوَ مَا ترين ما في البيت؟ فإذا لوح فيه كتاب: حسبي اللَّه وكفى، وسمع اللَّه لمن دعا، لي وراء اللَّه مرمى" (٣). ١٨٦ - قال محمد بن الحسين: حدثني أحمد بن سهل الأردني قال: حدثني أبو قدامة الرملي قال: قرأ رجل هذه الآية: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ

стр. 310

الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨)﴾ (١)، فأقبل عليه سليمان الخواص فقال: "يا أبا قدامة ما ينبغي لعبد بعد هذه الآية أن يلجأ إلى أحد غير اللَّه في أمره، ثم قال: انظر كيف قال اللَّه ﵎: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (٢) فأعلمك أنه لا يموت، وأن جميع الخلق يموتون، ثم أمر بعبادته فقال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ ثم أخبرك أنه خبير بصير، ثم قال: واللَّه يا أبا قدامة لو عامل عبدٌ اللَّه بحسن التوكل وصدق النية له بطاعته، لاحتاجت إليه الأمراء فمن دونهم، فكيف يكون هذا محتاجا، وموئله وملجأه إلى الغني الحميد" (٣). ١٨٧ - نا أبو خيثمة زهير بن حرب قال: نا وكيع، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن عيسى بن عاصم الأسدي، عن زر، عن عبد اللَّه عن النبي قال: "الطيرة شرك، الطيرة شرك" وما منا إلا، ولكن اللَّه يذهبه

стр. 311

بالتوكّل" (١). ثانيا: الآثار الواردة في تعريفه . ١٨٨ - نا الحسن بن محبوب، نا الفيض بن إسحاق قال: قلت

стр. 312

للفضيل: "تحدُّ لي التوكّل؟ فقال: آه، كيف تتوكّل عليه وأنت يُختار لك فتسخط قضاءه؟ أرأيت لو دخلت بيتك فوجدت امرأتك قد عَمِيَت، وابنتك قد أُقعِدَت، وأنت قد أصابك الفالج، فكيف كان رضاك بقضائه؟ قلت: كنت أخاف ألا أصبر، قال: فكيف؟ لا حتى يكون عندك واحدا، ترضى بكل ما صنع في العافية والبلاء، لا تسخط على ما زُوِي عنك، وتثق بما آتاك، قال: ثم ذكر رجلا -قد سماه- قال: إني لا (١) أكره أن أقول في سجودي: عليك توكلت" (٢). ١٨٩ - نا أحمد بن إبراهيم، نا أبو إسحاق الطالقاني، أنا زافر عن أبي رجاء، عن عباد بن منصور قال: سئل الحسن عن التوكل فقال: "الرضا عن اللَّه" (٣).

стр. 313

١٩٠ - نا سويد بن سعيد، نا معتمر بن سليمان، عن عبد الجليل قال: سمعت الحسن يقول: "إن من توكل العبد، أن يكون اللَّه هو ثقته" (١). ١٩١ - نا محمد بن يحيى بن أبي حاتم قال: سألت عبد اللَّه بن داود (٢) عن التوكّل فقال: "أرى التوكل حسن الظَّنِّ" (٣). ١٩٢ - نا محمد بن إدريس، أنا أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني (٤) يقول: "إذا بلغ غاية من الزهد أخرجه ذلك إلى

стр. 314

التوكّل" (١). ثالثا: الآثار الواردة في التوكل واتخاذ الأسباب . ١٩٣ - نا علي بن الحسين العامري قال: نا يزيد بن هارون قال: أنا عون بن موسى، عن معاوية بن قرة: "أن عمر بن الخطاب لقي ناسا من أهل اليمن، فقال: "من أنتم؟ "، قالوا: نحن المتوكِّلون، قال: بل أنتم المتَّكِلون، إن المتوكِّلَ الذي يُلقِي حبَّةً في الأرض، ويتوكَّل على اللَّه" (٢). ١٩٤ - حدثني علي بن الحسين، حدثني ابن أبي الحواري قال: قال أبو سليمان: "لو توكلنا على اللَّه حق توكله، ما بنينا حائطا على لبنتين ولا جعلنا على بابنا غلقا" (٣). ١٩٥ - قال ابن أبي الدنيا: وقال زهير البابي (٤): "ما أقدر أن أقول:

стр. 315

توكلت على اللَّه" (١). ١٩٦ - حدثني علي بن أبي مريم، عن محمد بن الحسين قال: سمعت أبا جعفر -عابدا رأيته بمكة عند قادم الديلمي- كان يقول: "توكل تساق إليك الأرزاق بلا تعب ولا تكلف" (٢). ١٩٧ - حدثني علي بن أبي مريم، عن محمد بن الحسين، عن حكيم ابن جعفر قال: سمعت أبا عبد اللَّه البراثي (٣) يقول: قال لي رجل من العباد: "إنك أيها الرجل إن فوضت أمرك إليه، اجتمع لك في ذلك أمران، قلت: ما هما؟ قال: قلة الاكتراث بما قد ضمن لك، وراحة البدن من تطلب ذلك، فأي حال أكبر من حال المطيع له والمتوكل عليه؟ كفاه اللَّه بتوكله عليه الهم، وأعقبه الراحة" (٤).

стр. 316

١٩٨ - حدثني علي بن أبي مريم، عن محمد بن الحسين قال: حدثني أحمد بن سهل الأردني قال: سمعت أبا فروة الزاهد (١) يقول: "قال لي رجل في منامي: أما علمت أن المتوكلين هم المستريحون؟ قلت: رحمك اللَّه مماذا؟ قال: من هموم الدنيا وعسر الحساب غدا، قال أبو فروة: فواللَّه ما اكترثت بعد ذلك بإبطاء رزق ولا سرعته، وذلك من أنه من أجمع التوكل عليه كفاه ما همّه، وساق الرزق والخير له، وقد قال اللَّه ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢) " (٣).

стр. 317

التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة في هذا المطلب بيان بعض المسائل المتعلقة بنوع مهم من أنواع توحيد العبادة ألا وهو التوكل، حيث اشتملت العناصر الثلاثة على فضله وتعريفه وعلاقته باتخاذ الأسباب: فأما فضله فقد تضمنت الآثار بيان فضله من أوجه عديدة؛ فمنها: أن اللَّه يكفى المتوكِّلَ عليه كما في أثر علي ﵁ وهدَّاب البصري، وبيان ذلك أن التوكل على اللَّه من أهم الأسباب لحصول النفع ودفع الضر، وليس التوكل مجرد عبادة محضة لا تأثير لها في حصول المقصود، بل هو سبب يحصل به ما يرجوه العبد من ربه، وقد ذكره اللَّه في معرض الترغيب فيه فقال تعالى ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ (١)، فرتب الجزاء على العمل وعلق الحسب على التوكل تعليق الشرط بالمشروط، فعلم أن توكله هو سبب كونه حسبا له، وهذا ما فهمه الخليفة الراشد أمير المؤمنين علي ﵁ في الأثر السابق حيث ورد كما في التخريج أنه قال له منجِّم حين انصرف إلى أهل النهروان: لا تسر في هذه الساعة. . . .، فخالفه عليٌّ وانتصر فقال: "إنما أردت أن أبين للناس خطأه، وخشيت أن يقول جاهل إنما ظفر لكونه وافقه، ومنها: أنه لم يُرَ عمل مثله كما في رؤيا ابن سلام ﵁، وأيده أثر وهب بن منبه من أنه الغاية القصوى، التي من ظفر بها فقد ظفر بالعبادة،

стр. 318

وهذا فقه عظيم يبيّن فضل التوكل ومنزلته، وأنه مقام عالٍ من مقامات الدين، وليس منزلة من منازل العوام، وقد شرح هذا المعنى ابن القيم ﵀ شرحا جميلا فقال: "العبد لا بد له من غاية مطلوبة، ووسيلة موصلة إلى تلك الغاية؛ فأشرف غاياته التي لا غاية له أجلُّ منها عبادة ربه والإنابة إليه، وأعظم وسائله التي لا وسيلة له غيرها ألبتة التوكل على اللَّه والاستعانة به، ولا سبيل له إلى هذه الغاية إلا بهذه الوسيلة، فهذه أشرف الغايات وتلك أشرف الوسائل" (١)، وقال: "التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان، ولجميع أعمال الإسلام، وأن منزلته منها منزلة الجسد من الرأس، فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن، فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل واللَّه أعلم" (٢)، ومنها: ما ورد من حصول بعض المقاصد في الدنيا للمتوكَّل؛ فإن المتوكِّل يحصل له الغنى والعز كما في أثر الحسن، ومنه احتياج الأمراء للمتوكل دون العكس كما في أثر سليمان الخواص، واندفاع المكروه عنه لا سيما ما كان من أذى الجن كما في أثر بعيم العجلي، وابن الورد، وكل هذا تأكيد لما سبق من أن التوكل سبب لكفاية اللَّه للعبد (٣)، ومنها: أنه يذهب الطيرة التي يجدها ولا

стр. 319

بد كل أحد من نفسه، كما في أثر ابن مسعود ﵁، ووجه ذلك أن: "الطيرة إنما تصيب المتطير لشركه، والخوف دائما مع الشرك، والأمن دائما مع التوحيد. . . فالتوحيد من أقوى أسباب الأمن من المخاوف، والشرك من أعظم أسباب حصول المخاوف، ولذلك من خاف شيئا غير اللَّه سُلِّط عليه، وكان خوفه منه هو سبب تسليطه عليه، ولو خاف اللَّه دونه ولم يخفه لكان عدم خوفه منه وتوكله على اللَّه من أعظم أسباب نجاته منه" (١). وأما تعريفه فقد وردت آثار مختلفة العبارة فمنها: أنه الثقة باللَّه، أو الرضا عنه، وعدم التسخط، أو حسن الظن به، أو أنه يأتي بعد بلوغ غاية الزهد، قال ابن القيم ﵀: "وحقيقة الأمر: أن التوكل حال مركبة من مجموع أمور لا تتم حقيقة التوكل إلا بها، وكلٌّ أشار إلى واحد من هذه الأمور أو اثنين أو أكثر" (٢)، ثم ذكر الأمور التي يتركب منها التوكل وهي: "فأول ذلك معرفة بالرب وصفاته. . . فكل من كان باللَّه وصفاته أعلم وأعرف كان توكله أصح وأقوى، الدرجة الثانية: إثبات في الأسباب والمسببات فإن من نفاها فتوكله مدخول. . . ولكن من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب، وقطع علاقة القلب بها، فيكون حال قلبه قيامه باللَّه لا بها، وحال بدنه قيامه بها، فالأسباب محل حكمة اللَّه وأمره ودينه، والتوكل متعلق بربوبيته وقضائه وقدره، فلا تقوم عبودية الأسباب إلا

стр. 320

على ساق التوكل، ولا يقوم ساق التوكل إلا على قدم العبودية، الدرجة الثالثة: رسوخ القلب في مقام توحيد التوكل؛ فإنه لا يستقيم توكل العبد حتى يصح له توحيده، بل حقيقة التوكل: توحيد القلب، فما دامت فيه علائق الشرك فتوكله معلول مدخول، وعلى قدر تجريد التوحيد تكون صحة التوكل. . . الدرجة الرابعة: اعتماد القلب على اللَّه واستناده إليه وسكونه إليه، بحيث لا يبقى فيه اضطراب من تشويش الأسباب، ولا سكون إليها، بل يخلع السكون إليها من قلبه ويلبسه السكون إلى مسببها. . . الدرجة الخامسة: حسن الظن باللَّه فعلى قدر حسن ظنك بربك ورجائك له يكون توكلك عليه، ولذلك فسر بعضهم التوكل بحسن الظن باللَّه، والتحقيق: أن حسن الظن به يدعوه إلى التوكل عليه؛ إذ لا يتصور التوكل على من ساء ظنك به ولا التوكل على من لا ترجوه. . . الدرجة السادسة: استسلام القلب له وانجذاب دواعيه كلها إليه وقطع منازعاته، وهذا في غير باب الأمر والنهي، بل فيما يفعله بك، لا فيما أمرك بفعله، فالاستسلام كتسليم العبد الذليل نفسه لسيده، وانقياده له، وترك منازعات نفسه وإرادتها مع سيده. . . الدرجة السابعة: التفويض، وهو روح التوكل ولُبُّه وحقيقته، وهو إلقاء أموره كلها إلى اللَّه، وإنزالها به طلبا واختيارا، لا كرها واضطرارا، بل كتفويض الابن العاجز الضعيف المغلوب على أمره، كل أموره إلى أبيه العالم بشفقته عليه ورحمته، وتمام كفايته وحسن ولايته له وتدبيره له. . . فإذا وضع قدمه في هذه الدرجة،
следующие страницы →