← Акыда

Акыда · id 151178

الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا

حميد بن أحمد نعيجات

Полный текст (1 390 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

١٩٨ - حدثني علي بن أبي مريم، عن محمد بن الحسين قال: حدثني أحمد بن سهل الأردني قال: سمعت أبا فروة الزاهد (١) يقول: "قال لي رجل في منامي: أما علمت أن المتوكلين هم المستريحون؟ قلت: رحمك اللَّه مماذا؟ قال: من هموم الدنيا وعسر الحساب غدا، قال أبو فروة: فواللَّه ما اكترثت بعد ذلك بإبطاء رزق ولا سرعته، وذلك من أنه من أجمع التوكل عليه كفاه ما همّه، وساق الرزق والخير له، وقد قال اللَّه ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢) " (٣).

стр. 317

التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة في هذا المطلب بيان بعض المسائل المتعلقة بنوع مهم من أنواع توحيد العبادة ألا وهو التوكل، حيث اشتملت العناصر الثلاثة على فضله وتعريفه وعلاقته باتخاذ الأسباب: فأما فضله فقد تضمنت الآثار بيان فضله من أوجه عديدة؛ فمنها: أن اللَّه يكفى المتوكِّلَ عليه كما في أثر علي ﵁ وهدَّاب البصري، وبيان ذلك أن التوكل على اللَّه من أهم الأسباب لحصول النفع ودفع الضر، وليس التوكل مجرد عبادة محضة لا تأثير لها في حصول المقصود، بل هو سبب يحصل به ما يرجوه العبد من ربه، وقد ذكره اللَّه في معرض الترغيب فيه فقال تعالى ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ (١)، فرتب الجزاء على العمل وعلق الحسب على التوكل تعليق الشرط بالمشروط، فعلم أن توكله هو سبب كونه حسبا له، وهذا ما فهمه الخليفة الراشد أمير المؤمنين علي ﵁ في الأثر السابق حيث ورد كما في التخريج أنه قال له منجِّم حين انصرف إلى أهل النهروان: لا تسر في هذه الساعة. . . .، فخالفه عليٌّ وانتصر فقال: "إنما أردت أن أبين للناس خطأه، وخشيت أن يقول جاهل إنما ظفر لكونه وافقه، ومنها: أنه لم يُرَ عمل مثله كما في رؤيا ابن سلام ﵁، وأيده أثر وهب بن منبه من أنه الغاية القصوى، التي من ظفر بها فقد ظفر بالعبادة،

стр. 318

وهذا فقه عظيم يبيّن فضل التوكل ومنزلته، وأنه مقام عالٍ من مقامات الدين، وليس منزلة من منازل العوام، وقد شرح هذا المعنى ابن القيم ﵀ شرحا جميلا فقال: "العبد لا بد له من غاية مطلوبة، ووسيلة موصلة إلى تلك الغاية؛ فأشرف غاياته التي لا غاية له أجلُّ منها عبادة ربه والإنابة إليه، وأعظم وسائله التي لا وسيلة له غيرها ألبتة التوكل على اللَّه والاستعانة به، ولا سبيل له إلى هذه الغاية إلا بهذه الوسيلة، فهذه أشرف الغايات وتلك أشرف الوسائل" (١)، وقال: "التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان، ولجميع أعمال الإسلام، وأن منزلته منها منزلة الجسد من الرأس، فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن، فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل واللَّه أعلم" (٢)، ومنها: ما ورد من حصول بعض المقاصد في الدنيا للمتوكَّل؛ فإن المتوكِّل يحصل له الغنى والعز كما في أثر الحسن، ومنه احتياج الأمراء للمتوكل دون العكس كما في أثر سليمان الخواص، واندفاع المكروه عنه لا سيما ما كان من أذى الجن كما في أثر بعيم العجلي، وابن الورد، وكل هذا تأكيد لما سبق من أن التوكل سبب لكفاية اللَّه للعبد (٣)، ومنها: أنه يذهب الطيرة التي يجدها ولا

стр. 319

بد كل أحد من نفسه، كما في أثر ابن مسعود ﵁، ووجه ذلك أن: "الطيرة إنما تصيب المتطير لشركه، والخوف دائما مع الشرك، والأمن دائما مع التوحيد. . . فالتوحيد من أقوى أسباب الأمن من المخاوف، والشرك من أعظم أسباب حصول المخاوف، ولذلك من خاف شيئا غير اللَّه سُلِّط عليه، وكان خوفه منه هو سبب تسليطه عليه، ولو خاف اللَّه دونه ولم يخفه لكان عدم خوفه منه وتوكله على اللَّه من أعظم أسباب نجاته منه" (١). وأما تعريفه فقد وردت آثار مختلفة العبارة فمنها: أنه الثقة باللَّه، أو الرضا عنه، وعدم التسخط، أو حسن الظن به، أو أنه يأتي بعد بلوغ غاية الزهد، قال ابن القيم ﵀: "وحقيقة الأمر: أن التوكل حال مركبة من مجموع أمور لا تتم حقيقة التوكل إلا بها، وكلٌّ أشار إلى واحد من هذه الأمور أو اثنين أو أكثر" (٢)، ثم ذكر الأمور التي يتركب منها التوكل وهي: "فأول ذلك معرفة بالرب وصفاته. . . فكل من كان باللَّه وصفاته أعلم وأعرف كان توكله أصح وأقوى، الدرجة الثانية: إثبات في الأسباب والمسببات فإن من نفاها فتوكله مدخول. . . ولكن من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب، وقطع علاقة القلب بها، فيكون حال قلبه قيامه باللَّه لا بها، وحال بدنه قيامه بها، فالأسباب محل حكمة اللَّه وأمره ودينه، والتوكل متعلق بربوبيته وقضائه وقدره، فلا تقوم عبودية الأسباب إلا

стр. 320

على ساق التوكل، ولا يقوم ساق التوكل إلا على قدم العبودية، الدرجة الثالثة: رسوخ القلب في مقام توحيد التوكل؛ فإنه لا يستقيم توكل العبد حتى يصح له توحيده، بل حقيقة التوكل: توحيد القلب، فما دامت فيه علائق الشرك فتوكله معلول مدخول، وعلى قدر تجريد التوحيد تكون صحة التوكل. . . الدرجة الرابعة: اعتماد القلب على اللَّه واستناده إليه وسكونه إليه، بحيث لا يبقى فيه اضطراب من تشويش الأسباب، ولا سكون إليها، بل يخلع السكون إليها من قلبه ويلبسه السكون إلى مسببها. . . الدرجة الخامسة: حسن الظن باللَّه فعلى قدر حسن ظنك بربك ورجائك له يكون توكلك عليه، ولذلك فسر بعضهم التوكل بحسن الظن باللَّه، والتحقيق: أن حسن الظن به يدعوه إلى التوكل عليه؛ إذ لا يتصور التوكل على من ساء ظنك به ولا التوكل على من لا ترجوه. . . الدرجة السادسة: استسلام القلب له وانجذاب دواعيه كلها إليه وقطع منازعاته، وهذا في غير باب الأمر والنهي، بل فيما يفعله بك، لا فيما أمرك بفعله، فالاستسلام كتسليم العبد الذليل نفسه لسيده، وانقياده له، وترك منازعات نفسه وإرادتها مع سيده. . . الدرجة السابعة: التفويض، وهو روح التوكل ولُبُّه وحقيقته، وهو إلقاء أموره كلها إلى اللَّه، وإنزالها به طلبا واختيارا، لا كرها واضطرارا، بل كتفويض الابن العاجز الضعيف المغلوب على أمره، كل أموره إلى أبيه العالم بشفقته عليه ورحمته، وتمام كفايته وحسن ولايته له وتدبيره له. . . فإذا وضع قدمه في هذه الدرجة،

стр. 321

انتقل منها إلى درجة الرضى، وهي ثمرة التوكل، ومن فسر التوكل بها فإنما فسره بأجل نمراته وأعظم فوائده. . . فباستكمال هذه الدرجات الثمان يستكمل العبد مقام التوكل وتثبت قدمه فيه" (١). وأما التوكل واتخاذ الأسباب فهي من أجل العلاقات وأمتن التلازمات، فقد سبق ذكره في درجات التوكل التي لا يتم إلا بها مجتمعة، وأن من نفاها فإن توكله مدخول، وقد تضمن أثر عمر بن الخطاب ﵁ بيانا شافيا للفرق بين التوكل والاتكال حيث بيّن أن التوكل مقارن للأسباب وضرب لذلك مثلا بأن المتوكل هو الذي يلقي الحبة ويتوكل، أما الجالس فهو متَّكِل لا متَوَكِّل، وهذا هو الأصل الذي لا شك فيه، وأما ما ورد من الآثار التي قد تدل على ترك الأسباب، كأثر أبي سليمان لو حققنا التوكل ما بنينا حائطا. . .، وأثر أبي جعفر في سوق الرزق للمتوكل بلا تعب ولا تكلف، ونصيحة العابد للبراثي في أن المتوكل يريح جسده من طلب الرزق، ويقل همه، وعدم اكتراث أبي فروة الزاهد بإبطاء الرزق ولا بسرعته، فإن هذه الآثار ليس فيها ترك اتخاذ الأسباب فضلا عن استحبابه، لكن في بعضها إيهام لشيء من ذلك، وكلما تأخر العهد عن زمن النبوة قلَّ الصواب فعلا وقولا، قال ابن القيم: "أجمع القوم على أن التوكل لا ينافي القيام بالأسباب؛ فلا يصح التوكل إلا مع القيام بها،

стр. 322

وإلا فهو بطالة وتوكل فاسد" (١)، وإنما تفيد هذه الآثار: "أن الناس إنما يؤتون من قلة تحقيق التوكل، ووقوفهم مع الأسباب الظاهرة بقلوبهم، ومساكنتهم لها؛ فلذلك يتعبون أنفسهم في الأسباب، ويجتهدون فيها غاية الاجتهاد، ولا يأتيهم إلا ما قدر لهم، فلو حققوا التوكل على اللَّه بقلوبهم لساق إليهم أرزاقهم مع أدنى سبب، كما يسوق الطير إلى أرزاقها بمجرد الغدو والرواح، وهو نوع من الطلب والسعي لكنه سعي يسير" (٢). وقد عقد ابن القيم فصلا في كتابه الروح في الفرق بين التوكل والعجز، ردّ فيه على من عطل السبب واعتمد على التوكل بزعم أن: "الرزق يطلب صاحبه كما يطلبه أجله، وسيأتيني ما قدر لي على ضعفي، ولن أنال ما لم يقدر لي مع قوتي، ولو أني هربت من رزقي كما أهرب من الموت للحقني" فقال ﵀: "فيقال له: نعم هذا كله حق، وقد علمت أن الرزق مقدر، فما يدريك كيف قُدِّر لك؟ بسعيك أم بسعي غيرك؟ وإذا كان بسعيك، فبأي سبب؟ ومن أي وجه؟ وإذا خفى عليك هذا كله، فمن أين علمت أنه يقدر لك إتيانه عفوا بلا سعي ولا كدٍّ؟ فكم من شيء سعيت فيه فقُدِّر لغيرك، وكم من شيء سعى فيه غيرك فقُدِّر لك رزقا؟ فإذا رأيت هذا عيانا، فكيف علمت أن رزقك كله بسعي غيرك؟ وأيضا فهذا الذي أوردته عليك النفس يجب عليك طرده في جميع الأسباب مع مسبباتها، حتى في أسباب دخول الجنة، والنجاة من النار، فهل تعطلها اعتمادا على التوكل؟ ! أم تقوم بها مع التوكل؟ بل لن

стр. 323

تخلو الأرض من متوكل صبر نفسه للَّه، وملأ قلبه من الثقة به، ورجائه وحسن الظن به، فضاق قلبه مع ذلك عن مباشرة بعض الأسباب فسكن قلبه إلى اللَّه، واطمأن إليه ووثق به، وكان هذا من أقوى أسباب حصول رزقه، فلم يعطل السبب، وإنما رغب عن سبب إلى سبب أقوى منه، فكان توكله أوثق الأسباب عنده (١)، فكان اشتغال قلبه باللَّه، وسكونه إليه، وتضرعه إليه، أحب إليه من اشتغاله بسبب يمنعه من ذلك، أو من كماله، فلم يتسع قلبه للأمرين، فأعرض أحدهما إلى الآخر، ولا ريب أن هذا أكمل حالا ممن امتلأ قلبه بالسبب، واشتغل به عن ربه، وأكمل منهما من جمع الأمرين، وهي حال الرسل والصحابة؛ فقد كان زكريا نجارا، وقد أمر اللَّه نوحا أن يصنع السفينة، ولم يكن في الصحابة من يعطل السبب اعتمادا على التوكل، بل كانوا أقوم الناس بالأمرين، ألا ترى أنهم بذلوا جهدهم في محاربة أعداء الدِّين بأيديهم وألسنتهم، وقاموا في ذلك بحقيقة التوكل، وعمروا أموالهم وأصلحوها وأعدوا لأهليهم كفايتهم من القوت اقتداء بسيد المتوكلين صلوات اللَّه وسلامه عليه وآله" (٢).

стр. 324

المطلب الخامس: الآثار الواردة في اليقين . ١٩٩ - حدثنا أبو عبد اللَّه الأزدي، عن الحسن بن محمد الخزاعي، عن رجل من ولد عثمان بن عفان ﵁: أن عمر بن عبد العزيز قال في بعض خطبه: "إن لكل سفر زادًا لا محالة، فتزوّدوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة بالتقوى، وكونوا كمن عاين ما أعدّ اللَّه من ثوابه وعقابه، ترغبون وترهبون. . . " (١). ٢٠٠ - حدثنا أبو زكريا البلخي (٢)، حدثنا مُعَمَّر بن سليمان (يعني) الرقي، عن الفرات بن سلمان، أن الحسن كان يقول: "إن للَّه عبادا هم

стр. 325

والجنة كمن رآها؛ فهم فيها متكئون، وهم والنار كمن رآها؛ فهم فيها معذبون، قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، وحاجاتهم خفية، وأنفسهم عفيفة، أما الليل فصافِّي أقدامهم، مفترشي جباههم، يناجون ربهم في فكاك رقابهم، وأما النهار فحكماء علماء، أبرار أتقياء، قد براهم الخوف، فهم أمثال القداح، فينظر إليهم الناظر فيقول: مرضى وما بهم من مرض، ويقول: قد خولطوا، وقد خالط القوم أمر عظيم" (١). ٢٠١ - حدثنا أحمد بن حاتم (٢)، سمعت شعيب بن حرب (٣) عن أبي عوانة (٤) قال: "لو قيل لمنصور بن زادان (٥): إنك تموت غدا أو بعد غد ما

стр. 326

كان عنده من مزيد" (١). ٢٠٢ - أنشدني أحمد بن العباس النمري (٢): وإني لأرجو اللَّه حتى كأنني ... أرى بجميل الظن ما اللَّه صانع (٣) ٢٠٣ - حدثني أبي، قال أخبرنا عبد العزيز القرشي، عن سفيان، عن زياد المصفر قال: سمعت الحسن يقول: "يا ابن آدم خف مما خوّفك اللَّه تعالى يكفيك ما خوّفك الناس،

стр. 327

وإن من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثق بما في يد اللَّه تعالى" (١). ٢٠٤ - حدثنا الحسن بن محبوب، ثنا الفيض بن إسحاق قال: قال فضيل بن عياض قال إبراهيم التيمي (٢): "إن حبسني فهو أهون عليّ، ولكن أخاف أن يبتليني فلا أدري على ما أكون عليه؟ ، قال فضيل: يخاف أن يفتنه، قال إبراهيم: فحبسني فدخلت على اثنين في قيد واحد بمكان ضيّق لا يجد الرجل إلا موضع مجلسه، فيه يأكلون وفيه يتغوّطون، وفيه يصلّون، قال: فحبسني برجل من أهل البحرين، فأدخل علينا فلم نجد مكانا، فجعلوا يترامون به، فقال: اصبروا فإنما هي الليلة، فلما كان الليل قام يصلي فقال: يا رب، مننت عليّ بدينك، وعلمتني كتابك، ثم سللت عليّ أشرّ خلقك، يا رب: الليلة الليلة لا أصبح فيه، فما أصبحنا حتى ضرب أبواب السجن أين البحراني، فقلنا: ما دعا له الساعة إلا ليقتل، فخلّا سبيله، فجاء فقام

стр. 328

على الباب، فسلّم علينا، وقال: أطيعوا اللَّه لا يعصكم" (١). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة بيان منزلة اليقين والحث على أعلى مراتبها كما في أثر عمر بن عبد العزيز والحسن، أن يكون المؤمن كمن عاين ما أعد اللَّه لعباده من الثواب والعقاب، وذلك أن اليقين درجات يرتقي فيها العبد في هذه الدنيا ليصل إلى كمالها بإذن اللَّه، وقد ذكرها أبو بكر الوراق فقال: "اليقين على ثلاثة أوجه: يقين خبر، ويقين دلالة، ويقين مشاهدة"، قال ابن القيم شارحا لذلك: "يريد بيقين الخبر: سكون القلب إلى خبر المخبر، وتوثقه به، وبيقين الدلالة: ما هو فوقه، وهو: أن يقيم له مع وثوقه بصدقه الأدلة الدالة على ما أخبر به، وهذا كعامة أخبار الإيمان والتوحيد والقرآن؛ فإنه سبحانه مع كونه أصدق الصادقين يقيم لعباده الأدلة والأمثال والبراهين على صدق أخباره، فيحصل لهم اليقين من الوجهين: من جهة الخبر، ومن جهة الدليل، فيرتفعون من ذلك إلى الدرجة الثالثة وهي: يقين المكاشفة؛ بحيث يصير المخبر به لقلوبهم كالمرئي لعيونهم، فنسبة الإيمان بالغيب حينئذ إلى القلب كنسبة المرئي إلى العين،

стр. 329

وهذا أعلى أنواع المكاشفة. . . قال بعضهم: رأيت الجنة والنار حقيقة، قيل له: وكيف؟ قال: رأيتهما بعيني رسول اللَّه، ورؤيتي لهما بعينيه آثر عندي من رؤيتي لهما بعيني؛ فإن بصري قد يطغى ويزيغ، بخلاف بصره" (١)، ولذلك ورد عن بعض السلف أنه لو أخبر أنه سيموت لم يكن عنده مزيد؛ لأنه وصل إلى أعلا درجة اليقين، وفي أبيات النمري من يقينه في حسن ظنه باللَّه أنه كأنه يرى ما اللَّه صانع به، وفي أثر الحسن والتيمي بيان علاقة التوكل باليقين، وذلك أنه إذا قوي اليقين قوي التوكل، وإذا ضعف ضعف، فإذا ضعف اليقين صارت ثقة العبد بما في يده أكثر مما في يد اللَّه، وإذا قوي اليقين، انقلب الأمر كما في قصة البحراني الذي دعا اللَّه أن يخرجه من السجن، فخرج كما دعا وتيقن، قال ابن القيم: "اليقين قرين التوكل، ولهذا فسر التوكل بقوة اليقين، والصواب: أن التوكل ثمرته ونتيجته. . . ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورا وإشراقا، وانتفى عنه كل ريب وشك وسخط وهمٍّ وغمٍّ، فامتلأ محبة للَّه وخوفا منه، ورضي به، وشكرا له، وتوكلا عليه، وإنابة إليه، فهو مادة جميع المقامات والحامل لها" (٢).

стр. 330

المطلب السادس: الآثار الواردة في حسن الظن باللَّه . أولا: الآثار الواردة في فضل حسن الظن باللَّه ومعناه . ٢٠٥ - نا محمد بن بشير، نا عبد اللَّه بن المبارك قال: "كنت آتي سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث على ركبتيه، وعيناه تهملان، فبكيت، فالتفت إليّ فقال: ما شأنك؟ فقلت: من أسوأ أهل الجمع حالا؟ قال: الذي يظن أن اللَّه لا يغفر لهم" (١). ٢٠٦ - ذكر عليّ بن يزيد بن عيسى، نا خلف بن تميم قال: "قلت لعليّ بن بكار (٢): ما حسن الظن باللَّه؟ قال: لا يجمعك والفجار في دار واحدة" (٣). ٢٠٧ - نا محمد بن عباد المكي، عن سفيان بن عيينة قال: صلى

стр. 331

محمد بن المنكدر على رجل من أهل المدينة كان يؤمن (١) بشر وقال: "إني لأستحيي من اللَّه أن يعلم من قلبي أني ظننت أن رحمته عجزت عنه" (٢). ٢٠٨ - نا أبو حفص الصيرفي قال: بلغني أن عمر بن ذر (٣) كان إذا تلا ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ (٤)، قال: "ونحن نقسم باللَّه جهد أيماننا ليبعث (٥) اللَّه من يموت، أتراك تجمع بين المرأين المُقْسِمَين في دار واحدة، قال أبو بكر: وبكى أبو حفص بكاءًا شديدا" (٦).

стр. 332

٢٠٩ - نا محمد بن صالح القرشي، عن عامر بن حفص (١) قال: وقف الحسن على وكيع بن أبي الأسود فقال: "اللهم ارحم وكيعا؛ فإن رحمتك لن تعجز عن وكيع" (٢). ٢١٠ - حدثني محمد بن الحسين، عن محمد بن جعفر بن عون (٣) قال: قال داود الطائي (٤): "ما نعوِّل إلا على حسن الظن باللَّه تعالى، فأما التفريط فهو المستولي على الأبدان" (٥). ٢١١ - نا محمد بن علي بن الحسن، عن إبراهيم بن الأشعث، عن الفضيل بن عياض، عن سليمان، عن خيثمة قال: قال عبد اللَّه: "والذي لا

стр. 333

إله غيره ما أعطي عبد شيئا خير من حسن الظن باللَّه، والذي لا إله غيره ما يحسن عبد الظن باللَّه إلا أعطاه اللَّه ظنه ذلك؛ فإن الخير في يده" (١). ٢١٢ - نا محمد بن الحسيم، نا أبو عمر الضرير، نا سهيل أخو حزم القطعي قال: "رأيت مالك بن دينار في منامي فقلت: يا أبا يحيى بماذا قدمت على اللَّه ؟ فقال: قدمت بذنوب كثيرة محاها عني حسن الظن باللَّه" (٢). ٢١٣ - ذكر محمد بن الحسين، نا عمار بن عثمان الحلبي، ذكر حصين بن القاسم الوزان، عن عبد الواحد بن زيد رحمه اللَّه تعالى قال: "رأيت حوشبا في منامي فقلت: يا أبا بشر كيف حالكم؟ قال: نجونا بعفو اللَّه، فقلت: ما تأمر به؟ قال: عليك بمجالس الذكر، وحسن الظن بمولاك

стр. 334

عزَّ وجلَّ فكفى بهما خيرا" (١). ٢١٤ - نا محمد بن الحسين، نا عبيد اللَّه بن موسى، نا عمار بن سيف قال: "رأيت الحسن بن صالح في منامي فقلت: قد كنت متمنيا لقاءك، فماذا عندك فتخبرنا به؟ فقال: أبشر فلم أر مثل حسن الظن باللَّه شيئا" (٢). ثانيا: الآثار الواردة في حسن الظن والعمل . ٢١٥ - ثنا أبو عبد اللَّه أحمد بن إبراهيم، عن هاشم بن القاسم، عن أبي محمد بن الكوفي قال: قال الحسن: "إن قوما ألهتهم أمانيّ المغفرة، حتى خرجوا من الدنيا وليست لهم حسنة، يقول: إني أحسن الظن بربّي، كذب، ولو أحسن الظن بربّه لأحسن العمل" (٣). ثالثا: الآثار الواردة في إحسان الظن باللَّه عند الموت . ٢١٦ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن قال: حدثنا سعدان بن

стр. 335

مسلم (١) قال: "دخلت على أخي يحيى وهو يجود بنفسه، فقال: اذكر لي شيئا مما يحسن به ظني، فحضرني هذا الشعر، فقلت له: يا كبير الذنب عفو اللّـ ... ـه من ذنبك أكبرْ أكبر الأشياء في أصـ ... ـغر عفو اللَّه يصغرْ (٢) ٢١٧ - ذكر أبو عبد اللَّه النقري، ذكر سوار بن عبد اللَّه (٣)، نا المعتمر قال: "قال أبي (٤) حين حضرته الوفاة: حدثني بالرخص لعلِّي ألقى اللَّه وأنا حسن الظن به" (٥).

стр. 336

٢١٨ - نا عمرو بن محمد الناقد، نا خلف بن خليفة، عن حصين، عن إبراهيم قال: "كانوا يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند موته، لكي يحسن ظنه بربه" (١). ٢١٩ - نا أبو عبد الرحمن الكوفي، ثنا سيار، نا جعفر قال: سمعت ثابتا (٢) قال: "كان شاب قد رهق، وكانت أمه تعظه تقول: أي بنيّ إن لك يوما فاذكر يومك، يا بني إن لك يوما فاذكر يومك، فلما نزل به الموت قالت: أي بنيّ قد كنت أحذّرك مصرعك هذا وأقول لك: إن لك يوما فاذكر يومك، فقال: يا أم إن لي ربا كثير المعروف، فأنا أرجو أن لا يعدمني ربي بعض معروف أن يرحمني، قال ثابت: فرحمه اللَّه بحسن ظنه بربّه في حاله تلك" (٣).

стр. 337

٢٢٠ - نا زهير بن حرب، نا شبابة بن سوار، نا هشام بن الغاز، ذكر حيان أبو النضر قال: قال لي واثلة بن الأسقع (١): "قدني إلى يزيد بن الأسود (٢)، فإنه قد بلغني أنه لِما به، قال: فقدته فدخل عليه وهو ثقيل، وقد وُجّه، وقد ذهب عقله، قال: فنادوه، فقلت: إن هذا واثلة أخوك، قال: فأبقى اللَّه من عقله ما سمع أن واثلة قد جاء، قال: فمدّ يده فجعل يلمس بها، فعرفت ما يريد، فأخذت كفّ واثلة فجعلتها في كفّه، وإنما أراد أن يضع يده في يد واثلة، ذاك لموضع يد واثلة من رسول اللَّه ﷺ ، فجعل يضعها مرّة على صدره، ومرة على وجهه، ومرّة على فيه، فقال واثلة: أما تخبرني عن شيء أسألك عنه؟ كيف ظنّك باللَّه؟ قال: أغرقتني ذنوب، وأشفيت على هلكة، ولكن أرجو رحمة اللَّه، قال: فكبّر واثلة وكبّر أهل البيت تكبيرة، وقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يقول اللَّه:

стр. 338

أنا عند ظن عبدي، فليظنّ بي ما شاء" (١). ٢٢١ - حدثني محمد قال: حدثنا خالد بن يزيد الكاهلي قال: حدثني أبو سلمة التيمي قال: سمعت عبد الأعلى التيمي (٢) يقول لجارٍ له وقد حضره الموت: "أكثر من جزعك من الموت، وأَعِدَّ لعظيم الأمور حسن الظن باللَّه" (٣). ٢٢٢ - حدثني محمد قال: حدثنا حاتم بن سليمان قال: "دخلنا على عبد العزيز بن سليمان وهو يجود بنفسه، فقلت: كيف تجدك؟ قال: أجدني أموت، فقال له بعض إخوانه: على أية حال رحمك اللَّه؟ فبكى، ثم قال: ما نعوِّل إلا على حسن الظن باللَّه، قال: فما خرجنا

стр. 339

من عنده حتى مات" (١). ٢٢٣ - حدثت عن بكر بن سليمان الصواف قال: "دخلنا على مالك بن أنس العشية التي قبض فيها فقلنا: يا أبا عبد اللَّه كيف تجدك؟ قال: ما أدري ما أقول لكم، إلا أنكم ستعاينون غدا عن عفو اللَّه ما لم يكن في حساب، قال: ثم ما برحنا حتى أغمضناه" (٢). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة بيان أمور مهمة تتعلق بحسن الظن باللَّه، فقد اشتمل العنصر الأول على بيان معنى حسن الظن، والثاني على علاقته بالعمل، والثالث على استحضاره عند الموت، بل واستحضار ما يرغب فيه ويحث عليه. أما تعريفه: فالآثار تدور على أن معناه متعلق بأسماء اللَّه وصفاته وفهمها؛ فلا يجوز الاعتقاد بأن اللَّه لا يغفر لعباده، أو يجمع بين الفجار والأبرار في دار واحدة، أو أن رحمته تعجز عن أهل التفريط والكبائر، وهذا كله من فقه الأسماء والصفات، لكن هذا الفقه يجب أن يكون شاملا لكل أسمائه سبحانه وصفاته، ولا يقتصر على نوع دون غيره، أو يُغَلَّب

стр. 340

جانب على آخر، كي لا يكون غِرَةً، فإن اللَّه "فوق ذلك (١)، وأجلُّ وأكرم، وأجود وأرحم، ولكن إنما يضع ذلك في محله اللائق به، فإنه سبحانه موصوف بالحكمة والعزة، والانتقام وشدة البطش، وعقوبة من يستحق العقوبة" (٢)، وهذا ما يتضح بعلاقة حسن الظن بالعمل. وأما علاقته بالعمل: فهي علاقة وطيدة، علاقة الشرط بالمشروط "فما ينفع المجرم أسماؤه وصفاته، وقد باء بسخطه وغضبه، وتعرض للعنته، وأوقع في محارمه، وانتهك حرماته، بل حسن الظن ينفع من تاب وندم وأقلع، وبدل السيئة بالحسنة، واستقبل بقية عمره بالخير والطاعة، ثم أحسن الظن فهذا حسن ظن، والأول غرور واللَّه المستعان" (٣)، ومن هنا كان حسن الظن مع اتباع الهوى عجزٌ، ولا يكون إلا مع انعقاد أسباب النجاة، وأما مع انعقاد أسباب الهلاك فلا يتأتى إحسان الظن (٤)، ولذلك كان أثر الحسن معيارا دقيقا في هذا الموضوع حيث بيّن أن العبد لو أحسن الظن بربّه لأحسن العمل، وعكس ذلك غرور وأماني (٥). أما إحسان الظن باللَّه عند الموت: فإن الآثار الواردة فيه تدل على

стр. 341

أهمية حسن الظن عند حضور الموت، وأنه إما أن يكون من مسيء فيحسن تذكيره بسعة عفو اللَّه ومغفرته، لصدق توبته في ذلك الوقف، وإما من محسن أو مخلط فيذكر بمحاسن عمله، كل ذلك ليقوى رجاؤه في اللَّه، ولا يقع فريسة لإبليس فيوقعه في القنوط واليأس من رحمة اللَّه، وسيأتي مزيد بسط وتوضيح للمسألة حسن الظن عند الموت في المبحث التالي عند الكلام على الخوف والرجاء عند الموت وأيهما أولى في تلك الحال.

стр. 342

المطلب السابع: الآثار الواردة في الرجاء . أولا: الآثار الواردة في رجاء ثواب الطاعة . ٢٢٤ - حدثنا أبو عبد الرحمن الخزاعي، عن عبد اللَّه بن أحمد قال: حدثنا محمد بن نصر قال: حدثنا عبد اللَّه بن المبارك، عن المفضل بن فضالة، عن أبيه قال: "استأذن قومٌ على عبد الملك بن مروان (١) وهو شديد المرض، فقالوا: إنه لِما به، فقالوا: إنما ندخل فنسلِّم قياما ثم نخرج، فدخلوا عليه وقد أسنده خصيٌّ إلى صدره، وقد اربدَّ لونه، وجرى منخراه، وشخصت عيناه، فقال: دخلتم عليّ في حال إقبال آخرتي وإدبار دنياي، وإني تذكّرت أرجى عمل فوجدته غزوةً غزوتها في سبيل اللَّه وأنا خِلو من هذه الأشياء، فإياكم وإيَّا أبو ابِنا هذه الخبيثة أن تطيفوا بها" (٢). ٢٢٥ - حدثني أبو جعفر مولى بني هاشم، حدثني أبو بكر المديني

стр. 343

قال: قال سعيد بن العاص (١): "يا بني، إن المكارم لو كانت سهلة يسيرة لسابقكم إليها اللئام، ولكنها كريهة مرة، لا يصبر عليها إلا من عرف فضلها ورجا ثوابها" (٢). ٢٢٦ - حدثني محمد بن الحسين، حدثنا الحميدي، عن سفيان قال: "سمع عمر بن عبد العزيز رجلا يقول: عَدَلَ واللَّه عمر بن عبد العزيز في الأمة، قال: فبكى عمر وقال: وددت واللَّه أنه كما قلت، ومن لِعُمَرَ بالذي قُلْتَ رحمك اللَّه" (٣). ثانيا: الآثار الواردة في رجاء مغفرة الذنب . ٢٢٧ - حدثنا أبو عقيل الأسدي قال: حدثنا عبيد اللَّه بن موسى قال: حدثنا إسرائيل، عن عبد اللَّه بن المختار، عن محمد بن سيرين قال:

стр. 344

"مرض معاوية (١) مرضا شديدا، فترل عن السرير، وكشف ما بينه وبين الأرض، وجعل يلزق ذا الخدَّ مرةً بالأرض ويبكى ويقول: اللهم إنك قلت في كتابك ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢)، اجعلني ممن تشاء أن تغفر لي" (٣). ٢٢٨ - ذكر أبي، عن أبي المنذر الكوفي (٤): "أن معاوية ﵀ يقول وهو في الموت: إن تناقش يكن نقاشك يا رب ... عذابا لا طوق لي بالعذاب

стр. 345

أو تجاوز فأنت رب رحيم ... عن مسيء ذنوبه كالتراب (١) ٢٢٩ - ذكر الحسين بن يحيى بن كثير العنبري، عن خزيمة أبي محمد العابد قال: كان عمر بن ذر يقول: "اللهم ارحم قوما أطاعوك في أحب طاعتك إليك، الإيمان بك والتوكل عليك، وارحم قوما أطاعوك في ترك أبغض العاصى إليك الشرك بك والافتراء عليك، قال: وكان بعضهم يقول: إن كان كل ما عصي اللَّه به عظيما؛ فإنه في سعة رحمته صغيرا" (٢). ٢٣٠ - حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا وهب بن جرير قال: حدثنا أسود بن شيبان، عن أبي نوفل بن أبي عقرب قال: "لما جَدَّ بعمرو بن

стр. 346

العاص، وضع يده موضع الغلال من رقبته فقال: اللهم أمرتنا فتركنا، ونهيتنا فركبنا، ولا يسعنا إلا مغفرتك، فكانت تلك هِجِّيراه (١) حتى مات" (٢). ٢٣١ - حدثني أبي ﵀، عن هشام بن محمد، عن محمد بن قيس الأسدي: "أن عمرو بن العاص قال وهو في الموت: اللهم لا ذو قوّة فأنتصر، ولا ذو براءة فأعتذر، اللهم إني مقرّ، مذنب، مستغفر" (٣). ٢٣٢ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن قال: حدثني عبد اللَّه بن صالح العجلي قال: قال ابن السماك عند وفاته: "اللهم إنك تعلم أني كنت إذ كنت أعصيك، أني أحبّ من يطيعك" (٤).

стр. 347

٢٣٣ - نا محمد بن الحسين، نا إبراهيم بن أشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: "لو أدخلني اللَّه النار فصرت فيها ما أيسته" (١). ٢٣٤ - نا أبو الحسن (٢) البصري أحمد بن عبد اللَّه، نا سليمان بن نوح (٣)، عن يونس، عن الحسن قال: "أتى أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا

стр. 348

رسول اللَّه من يحاسب الخلق يوم القيامة؟ قال: "اللَّه "، قال: أفلحت ورب الكعبة، إذًا يترك حقه، وربما قال إذا لا يأخذ حقّه" (١). ٢٣٥ - نا أبو جعفر المؤدّب أحمد بن بشير بن حبارة بشير بن الحارس، نا عطاء بن المبارك قال: قال بعض العباد: "لما علمت أن اللَّه يلي محاسبتي زال عني حزني؛ لأن الكريم إذا حاسب عبده تفضّل" (٢). ثالثا: الآثار الواردة في رجاء لقاء اللَّه . ٢٣٦ - قال أبو محمد أزهر: دخلنا على جعفر بن سليمان (٣) نعوده

стр. 349

في مرضه فقال: "ما أكره لقاء ربي " (١). ٢٣٧ - حدثني محمد قال: حدثنا حاتم بن سليمان الأسواري قال: حدثنا غاضرة بن قرهد قال: "دخلنا على حسان بن أبي سنان (٢) وقد حضره الموت، وقال له بعض إخوانه: كيف تجدك؟ قال: أجدني بحال الموت، قالوا: أفتجد له أبا عبد اللَّه كربا شديدا، فبكى ثم قال: إن ذاك، ثم قال: ينبغي للمؤمن أن يسلِّيه عن كرب الموت وألمه ما يرجو من السرور في لقاء اللَّه" (٣). ٢٣٨ - حدثنا داود بن عمرو قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن سريّة الربيع قالت: "لما احتضر الربيع (٤) بكت ابنته فقال: يا بنيّة لا تبكي، ولكن قولي: يا بشرى، اليوم لقي أبي الخير" (٥).

стр. 350

٢٣٩ - نا سلمة بن شبيب، نا الحسن بن محمد بن أعين قال: سمعت زهير بن معاوية يقول: سمعت أبا عيينة الزبيدي (١) يقول: "خفت نفسي ورجوت ربي ، فأنا أحب أن أفارق من أخاف إلى من أرجو" (٢). ٢٤٠ - حدثني أبو بكر محمد بن خلف، ثنا عبد اللَّه بن محمد بن عقبة، سمعت عبد اللَّه بن داود قال: "لما حضرت سفيان الثوري الوفاة قال لرجل: أدخل عليّ رجلين، فأدخل عليه أبا الأشهب وحماد بن سلمة، فقال له حماد (٣): يا أبا عبد اللَّه أبشر، فقد أمنت ممن كنت تخافه، وتقدم على من ترجوه، قال: إي واللَّه إني لأرجو ذلك" (٤). ٢٤١ - نا عبد اللَّه بن محمد بن إسماعيل المعمر (٥) قال: "لما احتضر

стр. 351

بشر بن منصور السليمي (١) ضحك وقال: أخرج من بين ظهراني من أخاف فتنته، وأقدم على من لا أشك في رحمته" (٢). ٢٤٢ - نا أبو عمرو محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة المروزي، أنا علي بن شقيق، أنا الحسين بن واقد، عن أبي غالب (٣) قال: "كنت أختلف إلى الشام في تجارة ومعظم ما كنت أختلف من أجل أبي أمامة، فإذا رجل من قيس من خيار المسلمين، فكنت أنزل عليه، ومعنا ابن أخ له مخالف، يأمره وينهاه ويضربه، ولا يطيعه، فمرض الفتى فبعث إلى عمه فأبى أن يأتيه، فأتيته أنا به حتى أدخلته عليه، وأقبل عليه يسبّه ويقول: يا عدو اللَّه الخبيث، ألم تفعل كذا، ألم تفعل كذا، قال: أفرغت؟ قال: نعم،

стр. 352

قال: أرأيت لو أن اللَّه دفعني إلى والدتي، ما كانت صانعة بي؟ قال: إذًا واللَّه كانت تدخدك الجنة، قال: فوالله لَلَّهُ أرحم بي من والدتي، فقبض الفتى فخرج عليه عبد الملك بن مروان، فدخلت القبر مع عمه، قال: فخطوا له خطا، ولم يلحدوا له، قال: فقلنا باللبن فسويناه، قال: فسقطت منها لبنة، فوثب عمه وتأخر، فقلت: ما شأنك؟ قال: ملئ قبره نورا، وفسح فيه مَدَّ البصر" (١). ٢٤٣ - ذكر الحسين بن عمرو بن محمد القرشي (٢)، عن الحسين بن علي، عن محمد بن أبان، عن حميد (٣) قال: "كان لي ابن أخت مُرَهَّق (٤)، فمرض فأرسلت إليّ أمه فأتيتها فإذا هي عند رأسه تبكي فقال: يا خالي

стр. 353

ما يبكيها؟ قلت: ما تعلم منك، قال: أليس إنما ترحمني؟ فقلت: بلى، قال: فإن اللَّه أرحم بي منها، فلما مات أنزلته القبر مع غيري، فذهبت أسوّي لبنة فاطّلعت إلى اللحد، فإذا هو مد البصر، فقلت لصاجي: رأيت ما رأيت؟ قال: نعم فليهنئك ذلك فيننت أنه بالكلمة التي قالها" (١). ٢٤٤ - ذكر الحسين بن عمرو عن يحيى بن بيان قال: قال لي سفيان الثوري: "ما أحب أن حسابي جعل إلى والدي، رب خير لي من والدي" (٢). ٢٤٥ - ذكر الحسين بن جهور (٣)، عن إدريس عن عبد اللَّه

стр. 354

المروزي (١) قال: "مرض أعرابي، فقيل له: إنك تموت قال: وأين أذهب؟ قالوا: إلى اللَّه، قال: فما كراهتي أن أذهب إلى من لا أرى الخير إلا منه" (٢). ٢٤٦ - ذكر مفضل بن غسان، عن أبيه قال: "احتضر النضر بن عبد اللَّه بن حازم، فقيل له: أبشر، فقال: ما أبالي أَمِتُّ أم ذُهب بي إلى الأيلة (٣)، واللَّه ما أخرج من سلطان ربي إلى غيره، ولا نقلني ربي من حال قط إلى حال إلا كان ما نقلني إليه خيرا مما نقلني عنه" (٤).

стр. 355

رابعا: الآثار الواردة في رجاء دفع الضر وجلب النفع . ٢٤٧ - أخبرني محمد بن أبي معاذ البصري، عن محمد بن يحيى الكناني، عن عبد العزيز بن عمران الزهري، عن محرَّر بن جعفر، عن أبيه (١) قال: "دخلت على عبد اللَّه بن الفضل بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب (٢) وهو يموت، فبكى ثم قال: أما واللَّه ما يبكيني إلا نُسَيَّات خلف هذا الستر، لولاهنّ لهان عليّ الموت، إني مؤمن باللَّه، وإني لتائب إلى اللَّه، وإن اللَّه لغفور، قال: قلت: أي أخى، الذي رجوته لمغفرة ذنبك فارجه لخير بناتك، فمغفرة الذنب أعظم من الرزق، فقال عبد اللَّه: جزاك اللَّه خيرا، صدقت" (٣). ٢٤٨ - حدثني الحسين بن محمد السعدي الذارع، حدثنا عمر بن أبي خليفة العبدي، حدثني عبد اللَّه بن أبي صالح قال: "دخل عليّ طاوس (٤)
следующие страницы →