← Акыда

Акыда · id 151178

الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا

حميد بن أحمد نعيجات

Полный текст (1 390 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

بشر بن منصور السليمي (١) ضحك وقال: أخرج من بين ظهراني من أخاف فتنته، وأقدم على من لا أشك في رحمته" (٢). ٢٤٢ - نا أبو عمرو محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة المروزي، أنا علي بن شقيق، أنا الحسين بن واقد، عن أبي غالب (٣) قال: "كنت أختلف إلى الشام في تجارة ومعظم ما كنت أختلف من أجل أبي أمامة، فإذا رجل من قيس من خيار المسلمين، فكنت أنزل عليه، ومعنا ابن أخ له مخالف، يأمره وينهاه ويضربه، ولا يطيعه، فمرض الفتى فبعث إلى عمه فأبى أن يأتيه، فأتيته أنا به حتى أدخلته عليه، وأقبل عليه يسبّه ويقول: يا عدو اللَّه الخبيث، ألم تفعل كذا، ألم تفعل كذا، قال: أفرغت؟ قال: نعم،

стр. 352

قال: أرأيت لو أن اللَّه دفعني إلى والدتي، ما كانت صانعة بي؟ قال: إذًا واللَّه كانت تدخدك الجنة، قال: فوالله لَلَّهُ أرحم بي من والدتي، فقبض الفتى فخرج عليه عبد الملك بن مروان، فدخلت القبر مع عمه، قال: فخطوا له خطا، ولم يلحدوا له، قال: فقلنا باللبن فسويناه، قال: فسقطت منها لبنة، فوثب عمه وتأخر، فقلت: ما شأنك؟ قال: ملئ قبره نورا، وفسح فيه مَدَّ البصر" (١). ٢٤٣ - ذكر الحسين بن عمرو بن محمد القرشي (٢)، عن الحسين بن علي، عن محمد بن أبان، عن حميد (٣) قال: "كان لي ابن أخت مُرَهَّق (٤)، فمرض فأرسلت إليّ أمه فأتيتها فإذا هي عند رأسه تبكي فقال: يا خالي

стр. 353

ما يبكيها؟ قلت: ما تعلم منك، قال: أليس إنما ترحمني؟ فقلت: بلى، قال: فإن اللَّه أرحم بي منها، فلما مات أنزلته القبر مع غيري، فذهبت أسوّي لبنة فاطّلعت إلى اللحد، فإذا هو مد البصر، فقلت لصاجي: رأيت ما رأيت؟ قال: نعم فليهنئك ذلك فيننت أنه بالكلمة التي قالها" (١). ٢٤٤ - ذكر الحسين بن عمرو عن يحيى بن بيان قال: قال لي سفيان الثوري: "ما أحب أن حسابي جعل إلى والدي، رب خير لي من والدي" (٢). ٢٤٥ - ذكر الحسين بن جهور (٣)، عن إدريس عن عبد اللَّه

стр. 354

المروزي (١) قال: "مرض أعرابي، فقيل له: إنك تموت قال: وأين أذهب؟ قالوا: إلى اللَّه، قال: فما كراهتي أن أذهب إلى من لا أرى الخير إلا منه" (٢). ٢٤٦ - ذكر مفضل بن غسان، عن أبيه قال: "احتضر النضر بن عبد اللَّه بن حازم، فقيل له: أبشر، فقال: ما أبالي أَمِتُّ أم ذُهب بي إلى الأيلة (٣)، واللَّه ما أخرج من سلطان ربي إلى غيره، ولا نقلني ربي من حال قط إلى حال إلا كان ما نقلني إليه خيرا مما نقلني عنه" (٤).

стр. 355

رابعا: الآثار الواردة في رجاء دفع الضر وجلب النفع . ٢٤٧ - أخبرني محمد بن أبي معاذ البصري، عن محمد بن يحيى الكناني، عن عبد العزيز بن عمران الزهري، عن محرَّر بن جعفر، عن أبيه (١) قال: "دخلت على عبد اللَّه بن الفضل بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب (٢) وهو يموت، فبكى ثم قال: أما واللَّه ما يبكيني إلا نُسَيَّات خلف هذا الستر، لولاهنّ لهان عليّ الموت، إني مؤمن باللَّه، وإني لتائب إلى اللَّه، وإن اللَّه لغفور، قال: قلت: أي أخى، الذي رجوته لمغفرة ذنبك فارجه لخير بناتك، فمغفرة الذنب أعظم من الرزق، فقال عبد اللَّه: جزاك اللَّه خيرا، صدقت" (٣). ٢٤٨ - حدثني الحسين بن محمد السعدي الذارع، حدثنا عمر بن أبي خليفة العبدي، حدثني عبد اللَّه بن أبي صالح قال: "دخل عليّ طاوس (٤)

стр. 356

وأنا مريض، فقلت: يا أبا عبد الرحمن ادع لي، قال: ادع لنفسك؛ فإنه يجيب المضطر إذا دعاه" (١). ٢٤٩ - ذكر محمد بن الحسين، نا يحيى بن راشد عن مطر أبي سعيد، عن عبد الواحد بن زيد قال: قلت لزياد النميري (٢): "ما منتهى الخوف؟ قال: إجلال اللَّه عن مقام السيئات، قال: قلت: فما منتهى الرجاء؟ قال: تأمل اللَّه على كل الحالات" (٣). خامسا: الآثار الواردة في الرجاء والعمل . ٢٥٠ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني عمرو بن مرزوق، حدثنا الربيع بن عبد الرحمن، قال: قال الحسن: "لقد صحبت أقواما يبيتون لربهم في سواد الليل سجدا وقياما، يقومون هذا الليل على أطرافهم تسيل دموعهم على خدودهم فمرة ركعا ومرة سجدا يناجون ربهم في فكاك

стр. 357

رقابهم، لم يمَلُّوا كلال السهر، لما قد خالط قلوبهم من حسن الرجاء في يوم المرجع؛ فأصبح القوم بما أصابوا من النصب للَّه في أبدانهم فرحين، وبما يأملون من حسن ثوابه مستبشربن، فرحم اللَّه امرءا نافسهم في مثل هذه الأعمال، ولم يرض لنفسه بالتقصير في أمره، واليسير من فعله؛ فإن الدنيا عن أهلها منقطعة، والأعمال عل أهلها مردودة، قال: ثم يبكي حتى تبتل لحيته بالدموع" (١). ٢٥١ - نا أزهر بن مروان، نا حماد بن زيد، عن عطاء بن السائب قال: "دخلنا على أبي عبد الرحمن (٢) نعوده، فذهب بعض القوم يرجّيه فقال: إني لأرجو ربي وقد صمت له ثمانين رمضان" (٣). ٢٥٢ - حدثنا هارون بن عبد اللَّه قال: حدثنا سيار قال: حدثنا

стр. 358

جعفر، عن محمد بن ثابت البناني قال: "ذهبت ألقِّن أبي عند الموت فقال: يا بني خلِّ عني؛ فإني في وردي السابع، كأنه يقرأ ونفسه تخرج" (١). ٢٥٣ - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا خلف بن الوليد قال: حدثني شيخ نهشلي كوفي قال: "دخلنا على أبي بكر النهشلي (٢) وهو في السّوق وهو يومئ، فقال له ابن السمّاك: على هذه الحال؟ فقال: أبادر طيّ الصحيفة" (٣).

стр. 359

٢٥٤ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنه سمع سفيان بن عيينة يقول: قال إبراهيم التيمي: "مثلت نفسي في الجنة آكل ثمارها، وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسها وأغلالها، فقلت لنفسي: أي نفسي؛ أي شيء تريدين؟ قالا: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحا، قال قلت: فأنت في الأمنية فاعملي" (١). ٢٥٥ - حدثني أبو اللَّه محمد بن عبد اللَّه المديني الزاهد، عن عثمان بن مطر عن ثابت عن مطرّف أنه كان يقول: "يا إخوتاه اجتهدوا في العمل؛ فإن يكن الأمر كما ترجون من رحمة اللَّه وعفوه، كانت لنا درجات، وإن يكن الأمر شديدا كما نخاف ونحاذر لم نقل: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ (٢)، نقول: قد عملنا، ولم يكن ينفعنا ذلك" (٣).

стр. 360

٢٥٦ - حدثني محمد بن عبد المجيد قال: سمعت سفيان قال: قال رجل لمحمد بن المنكدر ولرجل آخر من قريش: "الجِدَّ الجِدَّ، والحذر الحذر، فإن يكن الأمر على ما ترجون، كان ما قدّمتم فضلا، وإن يكن الأمر على غير ذلك، لم تلوموا أنفسكم" (١). ٢٥٧ - حدثنا محمد بن عبد المجيد التميمي، سمعت سفيان بن عيينة يقول: قال زياد مولى ابن عياش (٢) لمحمد بن المنكدر وصفوان بن سليم: "الجد الجدّ، والحذر الحذَر؛ فإن يكن الأمر على ما نرجوه كان ما عملناه فضلا، وإلا لم تلوما أنفسكما، قال سفيان: وقال عامر بن عبد اللَّه (٣): واللَّه لأجتهدنّ؛ فإن نجوت فبرحمة اللَّه، وإلا لم ألم نفسي" (٤). ٢٥٨ - حدثنا الحسن بن عبد العزيز الجروي، عن ضمرة بن ربيعة،

стр. 361

عن ابن شوذب قال: قال هرم بن حيان (١): "لو قيل لي إنك من أهل النار، ما تركت العمل؛ لئلا تلومني نفسي، تقول: ألا صنعت، ألا فعلت" (٢). ٢٥٩ - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال حدثنا أبو عبد اللَّه المروزي، قال: سمعت علي بن أبي بكر الأسفذني قال: "اشتهى وهيب بن الورد لبنا فجاءته به خالته من شاة لآل عيسى بن موسى، فسألها عنه فأخبرته فأبى أن يأكله، فقالت له: كل، فأبى، فعاودته وقالت: إني أرجو إن أكلته أن يغفر اللَّه لك، أي باتباع شهوتي، فقال: ما أحب أني أكلته، وأن اللَّه غفر لي، قالت: لم؟ قال: إني أكره أن أنال مغفرته بمعصيته" (٣).

стр. 362

٢٦٠ - حدثني القاسم بن هاشم، قال حدثني إسحاق بن عباد، قال حدثنا إسماعيل المؤدب، قال: جاء رجل إلى العمري (١) فقال: عظني فأخذ حصاة من الأرض فقال: زنة هذه من الورع يدخل قلبك، خير لك من صلاة أهل الأرض، قال: زدني، قال: "كما تحب أن يكون اللَّه لك غدا، فكن له اليوم" (٢).

стр. 363

٢٦١ - حدثني أبو محمد البزار، حدثنا المسيّب بن واضح، عن محمد ابن الوليد قال: "مرَّ عمر بن عبد العزيز برجل في يده حصًى يلعب به وهو يقول: اللهم زوِّجني من الحور العين، فقام عليه عمر فقال: بئس الخاطب أنت، ألا ألقيت الحصى، وأخلصت للَّه الدعاء" (١). ٢٦٢ - حدثني محمد قال: حدثني يونس بن يحيى الأموي أبو نباتة قال: حدثني محمد بن مطرّف قال: "دخلنا على أبي حازم الأعرج لما حضره الموت فقلنا: يا أبا حازم كيف تجدك؟ قال: أجدني بخير، أجدني راجيا اللَّه، حسن الظن به، ثم قال: إنه واللَّه ما يستوي من غدا وراح يعمر عقد الآخرة لنفسه فيقدّمها أمامه قبل أن ينزل به الموت حتى يقدم عليها فيقوم لها وتقوم له، ومن غدا وراح في عقد الدنيا يعمرها لغيره ويرجع إلى الآخرة لا حظّ له فيها ولا نصيب" (٢). ٢٦٣ - حدثني حمزة بن العباس، أنا عبدان بن عثمان، أنا عبد اللَّه،

стр. 364

أنا ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير (١) قال: "الغرور باللَّه أن يصرّ العبد في معصية اللَّه، ويتمنّى على اللَّه في ذلك المغفرة" (٢). ٢٦٤ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: "تسأله الجنة، وتأتي ما يكره، ما رأيت أحدا أقل نظرا منك لنفسك" (٣). ٢٦٥ - حدثني محمد بن إدريس، ثنا عبد العزيز بن الخطاب، ثنا موسى بن أبي حبيب الطائفي، عن علي بن حسين، سمع منه قال: "إنما التوبة بالعمل، والرجوع من الأمر، وليست التوبة بالكلام" (٤). ٢٦٦ - حدثني محمد بن إدريس، ثنا حماد بن حميد، ثنا أيوب بن سويد، عن أبي رافع (٥) قال: "إن إقامة العبد على الذنب يطبع على قلبه،

стр. 365

ويكتب من الغافلين، ومن الأمن لمكر اللَّه إقامة العبد على الذنب يتمنى على اللَّه المغفرة" (١). ٢٦٧ - حدثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن وهب بن منبه قال: قال رجل من العبّاد لابنه: "يا بنيّ، لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخِّر التوبة بطول الأمل" (٢). ٢٦٨ - أنشدني محمود الوراق (٣): يا ناظرا يرنو بعيني راقد ... ومشاهد الأمر غير مشاهد مننت نفسك ضلّة فأبحتها ... طرق الرجا وهنّ غير قواصد تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي ... درك الجنان بها وفوز العابد ونسيت أن اللَّه أخرج آدما ... منها إلى الدنيا بذنب واحد (٤)

стр. 366

٢٦٩ - حدثني محمد عن محمد بن أشكاب الصغار قال: قال داود الطائي: "اليأس سبيل أعمالنا هذه، ولكن القلوب تَحِنُّ إلى الرجاء" (١). ٢٧٠ - ذكر محمد بن الحسين، نا حكيم بن جعفر، نا عبان بن كليب الليثي، عن رجل من أهل الكوفة: "جلسنا إلى عون بن عبد اللَّه (٢) في مسجد الكوفة فسمعته يقول: إن من أغر الغِرَّة (٣) انتظار تمام الأماني وأنت مقيم على المعاصي، قال: وسمعته يقول: لقد خاب سعي المعرضين عن اللَّه، وسمعته يقول: "ما يؤمل إلا عفوه وغلبه البكاء فقام" (٤). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة الموزعة على العناصر الخمس أمورا مهمة تتعلق بمسألة الرجاء، حيث اشتملت العناصر الأربع الأولى بيان أنواع الرجاء وهي: رجاء ثواب الطاعة، ورجاء مغفرة الذنب، ورجاء لقاء اللَّه،

стр. 367

ورجاء اللَّه في جلب النفع ودفع الضر، وعلاقته بالعمل والأسباب. فأما ثواب الطاعة فقد تضمنت الآثار تمني بعض من حضره الموت كعبد الملك بن مروان وعمر بن عبد العزيز أن يتقبل اللَّه منهم بعض أعمالهم، وأثر سعيد بن العاص فيه أن المكارم تحتاج إلى جهاد وصبر، وذلك لا يكون إلا لمن رجا ثوابها. وأما رجاء مغفرة الذنب فهي كثيرة متنوعة الدلالة على المطلوب فبعضها دعاء ومناجاة كأثر معاوية ﵁ عند الموت حيث سأل اللَّه أن يجعله ممن يشاء أن يغفر له، أو سؤال اللَّه بصفاته المتعلقة بالرجاء كصفة الرحمة في أثر معاوية كذلك وأبياته، أو إظهار العبودية للَّه والفاقة والحاجة إلى ما يرجوه كأثرَي عمرو بن العاص وابن سماك، أو عدم اليأس من رحمة اللَّه كأثر الفضيل في عدم اليأس ولو كان في النار، أو فهمهم الصحيح لمعاني الأسماء والصفات ومعرفتهم بها كمن فهم من صفة الكرم تجاوز الكريم في المحاسبة عن حقه وتفضله كما في أثر الأعرابي مع النبي ﷺ وكلام العابد. وأما رجاء لقاء اللَّه فقد تضمنت الآثار بيان حب السلف لقاء اللَّه واستبشارهم به وفرحهم بذلك، وأنهم لا يكرهون ذلك، وأن السرور الذي يحصل لهم بلقاء اللَّه يسليهم عن كرب الموت وآلامه، وبعضهم ذكر تعليلا لذلك فمن ذلك: المقارنة بين الخوف والرجاء؛ فالخوف هي النفس والمَرْجُوُّ هو اللَّه فيحب المَرْجُوَّ لقاءَه ومفارقة الخوف كأثر الزبيدي

стр. 368

والثوري، أو المقارنة بين الخالق والمخلوق، فالمخلوق تخاف فتنته، والخالق لا يشك في رحمته، أو المقارنة بين صفات المخلوق وصفات الخالق، فالمخلوق الذي أودعت فيه الرحمة رحيم كالأم لو حاسبت ابنها أدخلته الجنة، فما بالك بمن هو أرحم منها بل أرحم الراحمين، أو المقارنة بين أفعال اللَّه وأفعال غيره، حيث استبشر الأعرابي بلقاء من لا يرى الخير إلا منه وهو اللَّه، وذلك أن أفعال اللَّه ليس فيها شر والشر ليس إليه، أو التسليم للَّه في اختياره والرضا بتصرفه في عباده، وأن ذلك كله خير للعبد، كما في أثر النضر بن عبد اللَّه. وهذه الأنواع إلى سبقت ذَكَرَهَا ابن القيم ﵀ في منزلة الرجاء فقال: "الرجاء ثلاثة أنواع: نوعان محمودان، ونوع غرور مذموم، فالأولان: رجاء رجل عمل بطاعة اللَّه على نور من اللَّه فهو راج لثوابه، ورجل أذنب ذنوبا ثم تاب منها فهو راج لمغفرة اللَّه تعالى وعفوه وإحسانه وجوده وحلمه وكرمه، والثالث: رجل متماد في التفريط والخطايا يرجو رحمة اللَّه بلا عمل فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب" (١)، ثم في شرح تقسيم شيخ الإسلام الهروي لدرجات الرجاء قال: "الدرجة الثالثة: رجاء أرباب القلوب، وهو رجاء لقاء الخالق. . . ." قال ﵀: "هذا الرجاء أفضل أنواع الرجاء وأعلاها، قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ

стр. 369

فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ (١) وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ (٢)، وهذا الرجاء هو محض الإيمان وزبدته، وإليه شخصت أبصار المشتاقين، ولذلك سلاهم اللَّه تعالى بإتيان أجل لقائه، وضرب لهم أجلا يسكن نفوسهم ويطمئنها" (٣). أما الرجاء في جلب النفع ودفع الضر، فقد تضمنت الآثار التنبيه إلى أن الرجاء ليس مقصورا عل أمر دون آخر، بل على السلم أن ينزل رجاءه في حصول مرغوب أو دفع مكروه على اللَّه في كل حالاته، ومن هنا كانت نصيحة جعفر أبي محرر لمن خاف على بناته بعد موته، بأن قال: الذي رجوته لمغفرة ذنبك فارجه لخير بناتك، فمغفرة الذنب أعظم من الرزق، ونصيحة طاووس للمحتضر بأن يدعو اللَّه بنفسه لأن اللَّه يجيب المضطر، وكذا أثر زياد النميري بأن منتهى الرجاء تأمل اللَّه على كل الحالات، وذلك "أن الدعاء مبني عليه -الطمع والرجاء-؛ فإن الداعى ما لم يطمع في سؤله ومطلوبه لم تتحرك نفسه لطلبة إذ طلب ما لا طمع فيه ممتنع" (٤)، ويتضح هذا أكثر ببيان أن الرجاء من أهم أسباب حصول المقصود كما سبق ذكره في التوكل قال ابن القيم: "قد يجعل اللَّه سبحانه تطيُّر العبد وتشاؤمه سببا لحلول

стр. 370

المكروه به، كما يجعل الثقة والتوكل عليه وإفراده بالخوف والرجاء من أعظم الأسباب التي يدفع بها الشر المتطير به. . . ومن رجا مع اللَّه غيره خذل من جهته، وهذه أمور تجربتها تكفي عن أدلتها" (١) وقال: "الرجاء من الأسباب التي ينال بها العبد ما يرجوه من ربه، بل هو من أقوى الأسباب" (٢)، ولذلك جعل الرجاء نظير التوكل (٣). أما الرجاء والعمل فيقال فيه ما قيل في سابقيه: حسن الظن والتوكل وعلاقتهما بالأسباب والأعمال؛ لاسيما وأن حسن الظن هو الرجاء (٤)، وهو نظير التوكل كما سبق، إلا أن الآثار التي وردت في هذا العنصر تضمنت معاني جليلة في بيان هذا الأمر، فالرجاء كما في أثر الحسن هو داعي العمل وحاديه، ولذلك لا يمل صاحبه كلال السهر ومجاهده القيام، وذلك أن قوة الرجاء تبعث على العمل: "إذا تجلى -أي اللَّه بصفات الرحمة والبر، واللطف والإحسان، انبعثت قوة الرجاء من العبد، وانبسط أمله وقوي طمعه، وسار إلى ربه وحادي الرجاء يحدو ركاب سيره، وكلما قوي الرجاء جد في العمل، كما أن الباذر كلما قوي طمعه في المغل غلق أرضه بالبذر" (٥)، ومن هنا كان بعض السلف يرجو اللَّه وقد صام له ثمانين رمضان، أو يستمر في العمل حتى عند

стр. 371

سكرات الموت بقراءة القرآن أو الصلاة بالإيماء، ويتفكر في الجنة والنار كأنه فيهما، ثم يطالب نفسه بالعمل لنيل الجنة أو البعد عن النار، كأنها طلبت الرجعة فأرجعت للعمل، قال ابن رجب: "وقد كان السلف الصالح يجتهدون في الأعمال الصالحة حذرا من لوم النفس عند انقطاع الأعمال على التقصير" (١)، حيث أقبلوا على إحسان العمل؛ فإن كان لهم ما يرجون برحمة اللَّه كان عملهم فضلا ودرجات عند اللَّه، وإن كان غير ذلك لم يلوموا أنفسهم على التقصير، بل لم يجترؤوا على المعصية اتكالا على الرجاء، كما قال وهيب بن الورد أكره أن أنال مغفرته بمعصتيه، وقول العمري: كما تحب أن يكون اللَّه لك غدا، فكن له اليوم، وقد أشار ابن القيم ﵀ إلى هذا المعنى عند كلامه على الأسباب التي تعين على الصبر عن المعصية فقال: "الثاني: مشهد محبته سبحانه فيترك معصيته محبة له؛ فإن المحب لمن يحب مطيع، وأفضل الترك ترك المحبين. . . الثالث: مشهد النعمة والإحسان؛ فإن الكريم لا يقابل بالإساءة من أحسن إليه" (٢)، ثم إن الآثار تضمنت أن الذي يرجو للَّه وهو غير آخذ بأسباب ذلك من العمل الصالح، بله مقيم على المعصية مصر عليها مغرورٌ، كما في أثر عمر بن عبد العزيز لمن سأل اللَّه الحور وهو يلعب بالحصى: "بئس الخاطب أنت"، ولا يستوي من هذا حاله مع من أفنى حياته في طاعة ربه، وأن التوبة ليست بالكلام، وَوَصَفَهُ الفضيل بأنه قليل النظر لنفسه، وأبو رافع بأن ذلك من الأمن لمكر اللَّه، وأوصى بعض العباد ابنه بأن لا يرجو الآخرة

стр. 372

بغير عمل، وفي أبيات الوراق مقارنة بين الرجاء مع تواصل الذنوب، بما فعله ذنب واحد بأبينا آدم، فمن يمني نفسه طرق الرجاء يجب أن يقصدها ويأتيها، وأخيرا فإن الأعمال مهما حسنت وصلحت فإن المعَوَّل على عفو اللَّه ورحمته، خوفا من التقصير الذي يعتريها، وكثرة نعم اللَّه التي لا توافي بعضها جميع أعمالنا؛ كما في أثري داود الطائي وعون بن عبد اللَّه، وهذا يؤكد أن الأعمال ليست عوضا، وإنما هي أسباب لدخول الجنة، وأن الجزاء يوم القيامة هو بأن يتغمّد اللَّه العباد برحمته.

стр. 373

المطلب الثامن: الآثار الواردة في الخوف . أولا: الآثار الواردة في تعريفه . ٢٧١ - حدثني أبو محمد، عن عثمان أبي سعيد البصري قال: "سئل بعض العلماء عن الحزن: أي شيء هو؟ قال: هو الأسف، فقيل له: المحزون يهنأ بما هو فيه؟ قال: لا، قيل: ولم ذلك؟ قال: لأن المحزون خائف، ومن خاف اتقى، ومن اتقى حذر، ومن حذر حاسب نفسه، قال: أما موقعه في القلب فهو مخافة أن يعذّب، وأما ما هو: فهو التعظيم لرب العالمين، والحياء منه، ثم أرخى عينيه، ثم قال: لو أن محزونا بكى في أمة لرحم اللَّه تلك الأمة ببكائه، قال: وسئل عالم آخر عن المحزونين لأي شيء حزنوا؟ قال: حزنوا على أنفسهم، وتلهفّوا عليها أن لا تكون مطواعة لرب العالمين" (١). ٢٧٢ - ذكر أحمد بن عمران الأخنس قال: سمعت أبا معاوية، نا الأعمش، عن شقيق قال: "خرجنا في غزاة لنا في ليلة مخيفة في يوم مخيف، وإذا رجل نائم فأيقظناه وقلنا: تنام في مثل هذا المكان فرفع رأسه فقال: إني أستحي من رب العرش أن يعلم أني أخاف شيئًا دونه ثم ضرب رأسه فنام" (٢).

стр. 374

ثانيا: الآثار الواردة في الخوف والعمل . ٢٧٣ - حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي (١) قال: "كان يقال: من استعمل التسويف والمنى لم ينبعث في العمل، وكان يقال: من أقلقه الخوف ترك: أرجو، وسوف، وعسى" (٢). ٢٧٤ - حدثنا علي بن الجعد قال: أخبرني المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: "كانوا يقولون: منع البرُّ النوم، ومن يخف يدلج (٣) " (٤). ٢٧٥ - حدثني أبو بكر، ثنا أبو مسهر، حدثني شيخ من حَكَم قال: قال الجراح بن عبد اللَّه الحكمي (٥) وكان فارس أهل الشام: "تركت

стр. 375

الذنوب خشيةً أربعين سنة، ثم أدركني الورع" (١). ٢٧٦ - حدثني حمزة، أنا عبيدان، أنا عبد اللَّه، أنا طلحة بن صبيح، عن الحسن قال: "المؤمن من يعلم أن ما قال اللَّه كما قال، والمؤمن أحسن الناس عملا، وأشد خوفا، لو أنفق جبلا من مالٍ ما أمن دون أن يعاين، لا يزداد صلاحا، وبِرًّا وعبادة، إلا ازداد فرقا، يقول: لا أنجو، والمنافق يقول: سواد الناس كثير، وسيغفر لي، ولا بأس عليّ، يسيء في العمل، ويتمنى على اللَّه " (٢). ٢٧٧ - حدثنا سعدوية، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال: "كان أبو عبيدة (٣) أميرا على الشام، فخطب الناس فقال: يا أيها الناس،

стр. 376

إني امرؤ من قريش، واللَّه ما منكم أحمر ولا أسود يفضلني بتقًى إلا وددت أني في مسلاخه (١) " (٢). ٢٧٨ - حدثني أحمد بن إبراهيم، عن علي بن شقيق، عن ابن المبارك، عن سعيد بن زيد قال: سأل المغيرة بن مخادش الحسن فقال: يا أبا سعيد كيف نصنع بمجالسة أقوام يحدّثونا حتى تكاد قلوبنا تطير؟ فقال: "أيها الشيخ إنك واللَّه إن تصحب أقواما يخوّفونك حتى تدرك أمنا، خير لك من أن تصحب أقواما يؤمنونك حتى تلحقك المخاوف" (٣). ٢٧٩ - حدثنا خالد بن خداش، حدثنا حماد بن زيد، عن هشام، عن الحسن: "أن عمر ﵁ لما حضرته الوفاة قال: لو أن لي ما على الأرض

стр. 377

لافتديت به من هول المُطَّلَّع (١) " (٢). ثالثا: الآثار الواردة في الخوف عند الموت . ٢٨٠ - حدثني عبيد اللَّه العتكي قال: حدثنا محمد بن أبي بكر قال: حدثنا محرر أبو سعيد، عن عبد الواحد بن زيد قال: "دخلنا على صاحب لنا نهوِّن عليه سكرات الموت، فأفاق فقال: قد سمعت ما قلتم، واللَّه لوددت أنها بقيت هاهنا أبدا، لا أدري ما أُبَشَّر به" (٣). ٢٨١ - حدثني الحسن بن عبد العزيز الجروي قال: حدثنا عاصم بن أبي بكر الزهري قال: أخبرني ابن أبي حازم قال: "لما نُزل بعبد اللَّه بن عامر بن عبد اللَّه بن أوس (٤) بكى، فاشتدّ بكاؤه، فأرسل أهله إلى أبي حازم أن أخاك قد جزع عند الموت، فأته فعزّه وصبّره، قال ابن أبي

стр. 378

حازم: فأتيته جمع أبي، فقال له أبي: يا عامر، ما الذي يبكيك؟ فواللَّه ما بينك وبين أن ترى السرور إلا فراق هذه الدنيا، وإن الذي تبكي منه للَّذي كنت تدأب له وتنصب، فأخذ عامر بجلدة ذراعه ثم قال: يا أبا حازم، ما صبر هذه الجلدة على نار جهنم؟ فخرج أبي يبكي لكلامه، وأُذِّن لصلاة الظهر، فقام يريد المسجد فسقط، وتوفي وهو صائم، ما أُفطر" (١). ٢٨٢ - حدثني الحسن قال: حدثنا الحارث بن مسكين، عن عبد اللَّه ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: "أنه ذكر عمر (٢) وأبا بكر (٣) ابني المنكدر قال: لما حضر أحدهما الموت بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ إن كنا لنغبطك بهذا اليوم، قال: أما واللَّه ما أبكى أن أكون ركبت شيئًا من معاصي اللَّه اجتراء على اللَّه، ولكني أخاف أن أكون

стр. 379

أتيت شيئًا هيّنا وهو عند اللَّه عظيم، قال: وبكى الآخر عند الموت، فقيل له مثل ذلك فقال: إني سمعت اللَّه يقول لقوم: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧)﴾ (١)، فأنا أنتظر ما ترون، واللَّه ما أدري ما يبدو لي" (٢). ٢٨٣ - حدثنا علي بن شعيب قال: حدثني عبد المجيد بن عبد العزيز، عن أبيه، عن نافع (٣) قال: "لما حضرته الوفاة جعل يبكي، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: ذكرت سعدا (٤) وضغطة القبر" (٥). ٢٨٤ - حدثني إبراهيم بن عبد اللَّه الهروي قال: حدثنا إسماعيل بن

стр. 380

إبراهيم، عن يونس بن عبيد قال: "دخلنا على محمد بن واسع نعوده فقال: وما يغني عني ما يقول الناس إذا أُخذ بيدي ورجلي فألقيت في النار" (١). ٢٨٥ - حدثني محمد قال: حدثنا عمر بن حفص بن غياث قال: حدثني أبي قال: "لما احتضر عمرو بن قيس الملائي بكى، فقال له أصحابه: علام تبكي من الدنيا؟ فواللَّه لقد كنت منغّص العيش أيام حياتك، فقال: واللَّه ما أبكي على الدنيا، إنما أبكي خوفا أن أحرم خير الآخرة" (٢). ٢٨٦ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا رستم بن أسامة قال: حدثنا جعفر بن سليمان قال: "لما حضر أبو عمران الجوني، جعل يبكي، فقيل له: ما يبكيك رحمك اللَّه؟ قال: ذكرت واللَّه تفريطي فبكيت" (٣).

стр. 381

٢٨٧ - حدثني محمد قال: حدثنا علي بن إسحاق قال: حدثنا عبد اللَّه ابن المبارك قال: حدثني حماد بن سعيد بن أبي عطية المذبوح قال: "لما حضر أبا عطية (١) الموت جزع منه، فقيل له: أتجزع من الموت؟ فقال: وما لي لا أجزع وإنما هي ساعة ثم لا أدري أين يسلك بي" (٢). ٢٨٨ - حدثني عمر (٣) بن الحسين قال: حدثنا سعيد بن عامر قال: حدثنا همام بن يحيى قال: "بكى عامر بن عبد اللَّه في مرضه الذي مات فيه بكاء شديدا، فقيل له: ما يبكيك يا أبا عبد اللَّه؟ قال: آية في كتاب اللَّه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ (٤) " (٥).

стр. 382

٢٨٩ - حدثنا خالد بن خداش وسعدويه، عن عبد اللَّه بن المبارك، عن عبد الوهاب بن ورد، عن سلم بن بشير بن حجل: "أن أبا هريرة (١) بكى في مرضه فقال: ما يبكيك؟ فقال: ما أبكى على دنياكم هذه، ولكن أبكي على بعد سفري، وقلّة زادي، فإني أمسيت في صَعود مُهْبِطَةٍ على جنة ونار، ولا أدري أيتهما يؤخذ بي" (٢). ٢٩٠ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا عمر بن شبيب المسلي قال: حدثنا ليث بن أبي سليم قال: "لما نزل بحذيفة بن اليمان (٣) الموت

стр. 383

جزع جزعا شديدا، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: ما أبكي على الدنيا، بل الموت أحب إليّ، ولكني لا أدري على ما أقدم، على الرضا أم على سخط؟ " (١). ٢٩١ - حدثني محمد الحسين قال: حدثنا أحمد بن إسحاق الحضرمي قال: حدثنا صالح المري، عن جعفر بن زيد العبدي: "أن أبا الدرداء لما نزل به الموت بكى، فقالت له أم الدرداء: وأنت تبكي يا صاحب رسول اللَّه؟ قال: نعم، ما لي لا أبكي ولا أدري ما أُهْجَمُ (٢) من ذنوبي" (٣). ٢٩٢ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي قال: حدثنا ربيعة بن كلثوم بن جبر، عن أبيه قال: "لما اشتد وجع الحسن بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: نفيسة ضعيفة، وأمر هؤول

стр. 384

عظيم، وإنا للَّه وإنا إليه راجعون" (١). ٢٩٣ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا أبو معاوية، عن محمد ابن سوقة، عن عمران الخيّاط قال: "دخلت على إبراهيم أعوده وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك يا أبا عمران؟ قال: أنتظر ملك الموت، لا أدري بالجنة يبشّرني أم بالنار" (٢). ٢٩٤ - حدثني إبراهيم بن سعيد الأصبهاني قال: كتب محمد بن يوسف الأصبهاني العابد (٣) إلى بعض إخوانه: "أقرئ من أقرأتنا منه السلامَ السلامَ، وتزوّد لأُخراك، وتجاف عن دنياك، واستعدّ للموت، وبادر الفوت، واعلم أن أمامك أهوالا وأفزاعا قد أرعبت الأنبياء والرسل، والسلام" (٤).

стр. 385

٢٩٥ - حدثني سلمة بن شبيب، عن علي بن معبد قال: حدثنا خالد ابن حيان، عن عبيد بن سعيد قال: "بكى عبد اللَّه عند الموت، فقيل له: أتبكي وقد صحبت رسول اللَّه ﷺ ؟ فقال: وكيف لا أبكي وقد ركبت ما نهاني عنه، وتركت ما أمرني به، وذهبت الدنيا لحال بالها، وبقيت الأعمال قلائد في أعناق بني الرجال، إن خير فخير، وإن شر فشرّ" (١). رابعا: الآثار الواردة في الخوف وتمني الموت . ٢٩٦ - حدثنا محمد بن يزيل العجلي، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة قال: "مرّ سليمان ابن صرد ﵁ (٢) بأمي، فطلب ماء ليتوضّأ به، فأتته الجارية بماء، فمرّوا برجل مجلود يقول: أنا واللَّه مظلوم، فقال: يا هذه، لمثل هذا كان زوجك (٣) يتمنى الموت" (٤).

стр. 386

٢٩٧ - حدثني الحسن بن محبوب قال: سمعت الفيض بن إسحاق قال: قال حذيفة بن قتادة المرعشي: "ينبغى لك لو أنك لم تعص اللَّه طرفة عين، أن تمنّى أنك لم تخلق" (١). ٢٩٨ - حدثني محمد بن قدامة قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: "دخلت على عبد اللَّه بن داود في مرضه الذي مات فيه، فجعل يقول أو يمر بيديه إلى الحائط: لو خيّرت بين دخول الجنة وبين أن أكون لَبِنَةً من هذا الحائط، لاخترت أن أكون لبنة منه، متى أدخل أنا الجنة" (٢). ٢٩٩ - حدثنا محمد بن عبد اللَّه المديني، حدثنا عبثر بن القاسم، عن برد بن سنان، عن حزام بن حكيم قال: قال أبو الدرداء: "لو تعلمون ما أنتم راؤون بعد الموت لما أكلتم طعاما على شهوة، ولا شربتم شرابا على شهوة، ولا دخلتم بيتا تسكنون فيه، ولخرجتم إلى الصعيد تضربون صدوركم وتبكون على أنفسكم، ولوددت أني شجرة

стр. 387

تعضد، ثم تؤكل" (١). ٣٠٠ - حدثني سلمة بن شبيب، حدثنا سهل بن عاصم، حدثنا محمد ابن المبارك، حدثني عبد اللَّه عبد الرحمن بن يزيد قال: سمعت عطاء: "أن أبا بكر ﵁ ذكر ذات يوم أهوال يوم القيامة، وفكّر فيها، حتى ذكر الموازين إذا نصبت، والجنّة إذا أزلفت، والنار حين أبرزت، وصفوف الملائكة، وطيّ السماء، ونسف الجبال، وتكوير الشمس، وانتثار الكواكب، فقال: وددت أني كنت خَضِرا من هذه الخُضر، تأتي عليّ بهيمة فتأكلني فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ (٢) " (٣). ٣٠١ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا أبو عبد اللَّه ابن عبيدة، حدثنا

стр. 388

يحيى بن راشد، حدثنا مرجَّى بن وداع الراسبي قال: "دخلنا على عطاء السليمي (١) وهو يوقد تحت قدر له، فقال له بعضنا: يا عطاء؛ أيسرّك أنك حرقت بهذه النار ولم تبعث؟ قال: وتصدّقوني؟ فواللَّه لوددت أني حرِّقت بها، ثم أخرجت ثم أحرقت، ثم أخرجت ثم أحرقت، وأني لم أبعث" (٢). ٣٠٢ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني شعيب بن محرز، حدثنا صالح المري قال: "قلت لعطاء السليمي: ما تشتهي؟ قال: فبكى ثم قال: أشتهي واللَّه يا أبا بشر أن أكون رمادا لا يجتمع منه سُفَّة (٣) أبدا في الدنيا ولا في الآخرة، قال: فأبكاني واللَّه، وعلمت أنه إنما أراد النجاة من عسر يوم الحساب" (٤). ٣٠٣ - حدثني عون بن إبراهيم بن الصلت، حدثني موسى بن الحجاج قال: قال مالك بن دينار: "يا ليتني لم أخلق، فإذا خلقت متّ

стр. 389

صغيرا، ويا ليتني إذ لم أمت صغيرا عُمِّرت حتى أعمل في خلاص نفسي" (١). ٣٠٤ - حدثنا أحمد بن عمران الأخنسي، حدثنا المحاربي، حدثنا مالك بن مغول، عن أبي إسحاق قال: سمعت أبا ميسرة (٢) يقول: "ليت أمى لم تلدني، فتقول امرأته: يا أبا ميسرة، أليس قد أحسن اللَّه إليك؟ هداك للإسلام، وعلّمك القرآن؟ قال: بلى، ولكن أُخبرنا أنا واردون النار، ولم نخبر أنا صادرون عنها" (٣). ٣٠٥ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، وخلف بن سالم قالا: حدثنا عبد اللَّه بن نمير، حدثنا عبد اللَّه بن مسلم، عن محمد بن عطاء بن خباب، عن

стр. 390

أبيه، عن جدّه خباب: "أن أبا بكر الصديق ﵁ وهو في داره جاء طير وهو عنده، فوقع على شجرة حمامٌ أو عصفور، فنظر إليه أبو بكر الصديق ﵁ فقال: طوبى لك يا طير ما أنعمك على هذه الشجرة، تأكل من هذه الثمرة، ثم تموت ثم لا تكون شيئًا، -في لفظ: لا حساب عليك ولا عذاب- ليتني مكانك"، وفي لفظ قال: وبلغني عن الحسن قال: "تمنَّوا تمنَّوا، فلما فاتهم جدُّوا" (١). ٣٠٦ - حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة، عن سيّار قال: حدثنا أبو وائل قال: قال عبد اللَّه: "وددت أن اللَّه غفر لي خطيئة من خطاياي وأنه لم يعرف نسبي" (٢).
следующие страницы →