← Акыда

Акыда · id 151178

الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا

حميد بن أحمد نعيجات

Полный текст (1 390 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

٢٩٧ - حدثني الحسن بن محبوب قال: سمعت الفيض بن إسحاق قال: قال حذيفة بن قتادة المرعشي: "ينبغى لك لو أنك لم تعص اللَّه طرفة عين، أن تمنّى أنك لم تخلق" (١). ٢٩٨ - حدثني محمد بن قدامة قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: "دخلت على عبد اللَّه بن داود في مرضه الذي مات فيه، فجعل يقول أو يمر بيديه إلى الحائط: لو خيّرت بين دخول الجنة وبين أن أكون لَبِنَةً من هذا الحائط، لاخترت أن أكون لبنة منه، متى أدخل أنا الجنة" (٢). ٢٩٩ - حدثنا محمد بن عبد اللَّه المديني، حدثنا عبثر بن القاسم، عن برد بن سنان، عن حزام بن حكيم قال: قال أبو الدرداء: "لو تعلمون ما أنتم راؤون بعد الموت لما أكلتم طعاما على شهوة، ولا شربتم شرابا على شهوة، ولا دخلتم بيتا تسكنون فيه، ولخرجتم إلى الصعيد تضربون صدوركم وتبكون على أنفسكم، ولوددت أني شجرة

стр. 387

تعضد، ثم تؤكل" (١). ٣٠٠ - حدثني سلمة بن شبيب، حدثنا سهل بن عاصم، حدثنا محمد ابن المبارك، حدثني عبد اللَّه عبد الرحمن بن يزيد قال: سمعت عطاء: "أن أبا بكر ﵁ ذكر ذات يوم أهوال يوم القيامة، وفكّر فيها، حتى ذكر الموازين إذا نصبت، والجنّة إذا أزلفت، والنار حين أبرزت، وصفوف الملائكة، وطيّ السماء، ونسف الجبال، وتكوير الشمس، وانتثار الكواكب، فقال: وددت أني كنت خَضِرا من هذه الخُضر، تأتي عليّ بهيمة فتأكلني فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ (٢) " (٣). ٣٠١ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا أبو عبد اللَّه ابن عبيدة، حدثنا

стр. 388

يحيى بن راشد، حدثنا مرجَّى بن وداع الراسبي قال: "دخلنا على عطاء السليمي (١) وهو يوقد تحت قدر له، فقال له بعضنا: يا عطاء؛ أيسرّك أنك حرقت بهذه النار ولم تبعث؟ قال: وتصدّقوني؟ فواللَّه لوددت أني حرِّقت بها، ثم أخرجت ثم أحرقت، ثم أخرجت ثم أحرقت، وأني لم أبعث" (٢). ٣٠٢ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني شعيب بن محرز، حدثنا صالح المري قال: "قلت لعطاء السليمي: ما تشتهي؟ قال: فبكى ثم قال: أشتهي واللَّه يا أبا بشر أن أكون رمادا لا يجتمع منه سُفَّة (٣) أبدا في الدنيا ولا في الآخرة، قال: فأبكاني واللَّه، وعلمت أنه إنما أراد النجاة من عسر يوم الحساب" (٤). ٣٠٣ - حدثني عون بن إبراهيم بن الصلت، حدثني موسى بن الحجاج قال: قال مالك بن دينار: "يا ليتني لم أخلق، فإذا خلقت متّ

стр. 389

صغيرا، ويا ليتني إذ لم أمت صغيرا عُمِّرت حتى أعمل في خلاص نفسي" (١). ٣٠٤ - حدثنا أحمد بن عمران الأخنسي، حدثنا المحاربي، حدثنا مالك بن مغول، عن أبي إسحاق قال: سمعت أبا ميسرة (٢) يقول: "ليت أمى لم تلدني، فتقول امرأته: يا أبا ميسرة، أليس قد أحسن اللَّه إليك؟ هداك للإسلام، وعلّمك القرآن؟ قال: بلى، ولكن أُخبرنا أنا واردون النار، ولم نخبر أنا صادرون عنها" (٣). ٣٠٥ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، وخلف بن سالم قالا: حدثنا عبد اللَّه بن نمير، حدثنا عبد اللَّه بن مسلم، عن محمد بن عطاء بن خباب، عن

стр. 390

أبيه، عن جدّه خباب: "أن أبا بكر الصديق ﵁ وهو في داره جاء طير وهو عنده، فوقع على شجرة حمامٌ أو عصفور، فنظر إليه أبو بكر الصديق ﵁ فقال: طوبى لك يا طير ما أنعمك على هذه الشجرة، تأكل من هذه الثمرة، ثم تموت ثم لا تكون شيئًا، -في لفظ: لا حساب عليك ولا عذاب- ليتني مكانك"، وفي لفظ قال: وبلغني عن الحسن قال: "تمنَّوا تمنَّوا، فلما فاتهم جدُّوا" (١). ٣٠٦ - حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة، عن سيّار قال: حدثنا أبو وائل قال: قال عبد اللَّه: "وددت أن اللَّه غفر لي خطيئة من خطاياي وأنه لم يعرف نسبي" (٢).

стр. 391

٣٠٧ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا هشام الدستوائي، عن قتادة قال: قال أبو عبيدة: "يا ليتني كبشا فذبحني أهلي فأكلوا لحمى وحسوا مرقي، قال: وقال عمران بن حصين: يا ليتني رمادا تذريني الرياح، قال وقال سالم مولى أبي حذيفة: وددت أني بمنزلة أصحاب الأعراف" (١). ٣٠٨ - حدثنا إسحاق، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي ذر (٢) قال: "وددت أن اللَّه خلقني يوم خلقني شجرة تعضد" (٣).

стр. 392

٣٠٩ - حدثنا عبيد اللَّه بن عمر الجشمي، حدثنا بضر بن المفضل، عن عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم، عن ابن أبي مليكة، حدثني ذكوان: "أن ابن عباس دخل على عائشة (١) ﵂ وهي في الموت، فجعل يرجّيها فقالت: "دعني منك يا ابن عباس، فواللَّه لوددت أني كنت نسيا منسيا" (٢). ٣١٠ - حدثنا هارون بن عبد اللَّه، حدثنا سيّار، حدثنا جعفر قال: سمعت مالك بن دينار قال: "لو كان لأحد أن يتمنّى، لتمنّيت أنا أن يكون لي في الآخرة خصٌّ (٣) من قصب، وأروى من الماء وأنجو من النار" (٤).

стр. 393

٣١١ - حدثنا هارون، حدثنا سيار، حدثنا جعفر قال: سمعت مالك ابن دينار يقول: "وددت أن اللَّه إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول لي: يا مالك، فأقول: لبيك، فيأذن لي أن أسجد بين يديه سجدة، فأعرف أنه قد رضي عني، فيقول: يا مالك كن اليوم ترابا" (١). ٣١٢ - حدثنا زكريا بن يحيى بن خلاد التميمي، حدثنا عون بن الحكم بن سيار، حدثنا حصين بن أبي بكر الباهلي قال: سمعت يزيد الرقاشي وقال له رجل: تمنَّ، نقال: "يا ليتني لم أخلق، وليتني إذ خلقت لم أوقف، وليتني إذ وقفت لم أحاسب، وليتني إذ حوسبت لم أناقش" (٢). ٣١٣ - حدثنا المفضل بن غسّان، حدثني شيخ من موالي قريش قال: كان يزيد الرقاشي (٣) يقول: "يا ليتنا لم نخلق، ويا ليتنا إن حوسبنا لم

стр. 394

نعذب، ويا ليتنا إن عذّبنا لم نخلد" (١). ٣١٤ - حدثنا أحمد بن عيسى المصري، حدثنا عبد اللَّه بن وهب، حدثني بكر بن مضر، حدثني محمد بن حكيم، أن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص (٢) قال: "يا ليتني كنت لبنة من هذا اللبن، لا عليّ ولا لي" (٣). ٣١٥ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل والقاسم بن هشام قالا: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا هشام بن حسان، عن الحسن قال: "خرج هرم بن حيّان وعبد اللَّه بن عامر يريدان الحجاز، فبينما هما يسيران على راحلتيهما إذ مرّا على مكان فيه كلأٌ حليّ ونصيّ، فجعلت راحلتهما تخالجان ذلك الشجر، فقال هرم بن حيّان: يا ابن عامر أيسرّك أنك شجرة من هذه الشجر أكلتك هذه الراحلة، فقذفتك بعرا، فاتّخذتَ جلّةً، قال: لا واللَّه،

стр. 395

لما أرجو من رحمة اللَّه تعالى أحب إليّ من ذلك، فقال هرم بن حيان: لكني واللَّه وددت أني شجرة من هذه الشجر، أكلتني هذه الناقة فقذفتني بعرا فاتخذت جلّةً، ولم أكابد الحساب يوم القيامة: إما إلى جنة وإما إلى نار، ويحك يا ابن عامر إني أخاف الداهية الكبرى، قال الحسن: كان واللَّه أفقههما وأعلمهما باللَّه " (١). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة بيان عدة مسائل متعلقة بالخوف من اللَّه ، من تعريفه، وعلاقته بالعلمل، واستحضاره عند الموت، وتمني الخائف للموت. فأما تعريفه فقد ورد في أثر أبي سعيد البصري أن بعض العلماء عرفه بأن: من خاف اتقى، وأنه التعظيم للرب والحياء منه، وفي أثر شقيق إفراد اللَّه بالخوف، والحياء منه أن يصرف لغيره، ولا شك أن الخوف من أفضل مقامات الدين وأجلِّها، فيجب إخلاصه للَّه، ولا يجوز تعلقه بغير اللَّه أصلا، فلا أحد يُخاف في إيصال مكروه، من موت أو قتل أو فقر أو

стр. 396

مرض ونحو ذلك إلا اللَّه، وهذا الخوف لا يكون العبد مسلما حتى يخلصه للَّه ويفرده بذلك دون من سواه (١)، ولذلك "الخوف والرجاء وما أشبه ذلك؛ فإن كمل خوف العبد من ربه لم يخف شيئا سواه. . . وإذا نقص خوفه خاف من المخلوق، وعلى قدر نقص الخوف وزيادته يكون الخوف، كما ذكرنا في المحبة، وكذا الرجاء وغيره، فهذا هو الشرك الخفي الذي لا يكاد أحد أن يسلم منه إلا من عصمة اللَّه تعالى" (٢). وإذا صرف الخوف للَّه وحده أورث ترك المخالفات، كما سبق أن من خاف اتقى قال ابن القيم: "الخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه وبين محارم اللَّه ؛ فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط" (٣). أما كونه تعظيما وحياءًا من اللَّه فالذي يظهر لي أن ذلك ليس مطلق الخوف، وإنما نوع خاص منه وهو الهَيْبَة، وهي: خوف مقارن للتعظيم والإجلال، وأكثر ما يكون مع المحبة والمعرفة، والإجلال تعظيم مقرون بالحب" (٤). وأما الخوف والعمل، فبينهما علاقة وطيدة كما سبق في الرجاء

стр. 397

والتوكل، ولذلك اشتملت الآثار السابقة على بيان أن الخوف داع للعمل وحاثٌّ عليه، فمن خاف ترك سوف وعسى، ومن يخف يدلج، وترك بعضهم الذنوب أربعين سنة خوفا من اللَّه، حتى أدركه الورع، بل إن كلام الحسن يعتبر قاعدة عامة في هذا الموضوع حيث قال: "المؤمن أحسن الناس عملا، وأشد خوفا"، وقد لخص ابن القيم ﵀ حال السلف مع الخوف والعمل الصالح فقال: "اللَّه سبحانه وصف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف، ووصف الأشقياء بالإساءة مع الأمن، ومن تأمل أحوال الصحابة ﵃ وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف، ونحن جمعنا بل التقصير بل التفريط والأمن؛ فهذا الصديق يقول: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن. . . . " ثم قال: "وهذا باب يطول تتبعه" (١). وأما الخوف عند الموت: فقد اشتملت الآثار أن بعض السلف غلب جانب الخوف على جانب الرجاء حال الموت، وعلّلوا ذلك بعدة تعليلات: إما بعدم الجزم بما سيبشرون به، أو استحضار خوف جهنم وعدم الصبر على نارها، أو الخوف أن يبدو له ما لم يكن يحتسب، أو ضغطة القبر، أو استحضار بعض التقصير والتفريط حال الحياة والصحة، أو الخوف من عدم قبول الأعمال الصالحة، أو الخوف من أهوال القيامة، وليس في هذه الآثار أن الخوف هو الأفضل حال الاحتضار وقرب الموت،

стр. 398

ولكن يؤخذ منها واللَّه أعلم أن ذلك بسبب التضرع والانكسار بين يدي اللَّه، والاعتراف بالتقصير المستلزم لطلب رجاء المغفرة والقبول والأمن، لأن الخوف مستلزم للرجاء والعكس، ولذلك كان خوف المقربين أعظم من خوف عامة المؤمنين واللَّه أعلم (١). وأما الخوف وتمني الموت: فقد وردت عدة آثار تمني فيها بعض السلف الموت أو أنه لم يخلق لشدة الخوف، فهي تدل على تمكن منزلة الخوف وقيامها بقلوبهم، وذلك أنهم كانوا أعرف الناس بربهم، وأعلمهم بصفاته وأسمائه، وحقه الذي أوجبه على عباده، وأعرفهم بضعف نفوسهم، وعدم توفيتها لحق مليكها وخالقها، فتمنّوا ما تمنوا خوفا من ذلك؛ لأنه كلما كان العبد باللَّه أعرف كان له أخوف، وكلما ازداد معرفة ازداد حياء وخوفا وحُبا، وخوف الخاصة أعظم من خوف العامة، وهم إليه أحوج، وهو بهم أليق، ولهم ألزم، ومن استقر في قلبه ذكر الدار الآخرة وجزاءها، وذكر المعصية والتوعد عليها، وعدم توثقه بإتيانه بالتوبة النصوح هاج في قلبه من الخوف ما لا يملكه ولا يفارقه حتى ينجو (٢).

стр. 399

المطلب التاسع: الآثار الواردة في الجمع بين الخوف والرجاء . ٣١٦ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني يزيد بن خليفة بياع الحرير قال: سمعت رجلا من العباد يقول: "ما جُليت القلوب بمثل الأحزان، ولا استنارت بمثل الفكر، وإن أكبر أمر المؤمن في نفسه لهمّه بمعاده، والمؤمن من ربه على كل خير، ولبئس معوّل المؤمن رجاء لا يشوبه بخوف" (١). ٣١٧ - نا سلمة بن شبيب، نا أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: "من حسن ظنه باللَّه ثم لا يخاف اللَّه فهو مخدوع" (٢). ٣١٨ - حدثنا أبي قال: أخبرنا روح بن عبادة، عن هشام بن أبي عبد اللَّه، عن جعفر بن ميمون، عن أبي العالية (٣) قال: "ليأتينَّ على الناس زمان تخرب صدورهم من القرآن، وتبلى كما تبلى ثيابهم، وتهافت لا يجدون له حلاوة ولا لذاذة، إن قصّروا عما أمروا به قالوا: إن اللَّه غفور رحيم، وإن عملوا بما نهوا عنه قالوا: سيغفر لنا أنا لا نشرك باللَّه شيئا،

стр. 400

أمرهم كله طمع، ليس معهم خوف، لبسوا جلود الضأن على قلوب الذئاب، أفضلهم في أنفسهم المداهن" (١). ٣١٩ - حدثنا العباس بن يزيد قال: حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي، عن موسى بن جميل، عن أبي روح، عن أبي الجلد (٢) قال: "أعوذ باللَّه من زمان يأمل فيه الكبير، ويمرد فيه الصغير، فلا يعتق فيه المحرّرون، في ذلك الزمان أقوام يرجون ولا يخافون، فلا يستجاب لهم، في ذلك الزمان أقوام قلوبهم قلوب الذئاب لا يتراحمون" (٣).

стр. 401

٣٢٠ - حدثني أبو جعفر الأدمي، حدثنا أبو اليمان، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن عطية بن قيس قال: "مرض كعب (١) فعاده رهط من أهل دمشق فقالوا: كيف تجدك يا أبا إسحاق؟ قال: بخير جسد، أخذ بذنبه، إن شاء ربه عذّبه، وإن شاء رحمه، وإن بعثَه بعثه خلقا جديدا لا ذنب له" (٢). ٣٢١ - حدثني الفضل بن جعفر قال: حدثنا النضر بن شداد بن عطية قال: حدثني أبي شداد بن عطية قال: حدثنا أنس بن مالك قال: "دخلنا على عبد اللَّه بن مسعود نعوده في مرضه فقلنا له: كيف أصبحت يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أصبحنا بنعمة اللَّه إخوانا، قلنا: كيف تجدك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أجد قلبي مطمئنا بالإيمان، قلنا: ما تشتكي أبا عبد الرحمن؟ قال: أشتكي ذنوبي وخطاياي، قلنا: ما تشتهي شيئا؟ قال:

стр. 402

أشتهي مغفرة اللَّه ورضوانه، قلنا له: ألا ندعو لك طبيبا؟ قال: الطبيب أمرضني" (١). ٣٢٢ - حدثني محمد بن عمر المقدّمي وهارون بن عبد اللَّه وغيرهما قالوا: حدثنا سعيد بن عامر، عن حزم قال: قال محمد بن واسع وهو في الموت: "يا إخوتاه تدرون أين يذهب بي؟ يذهب بي واللَّه الذي لا إله إلا هو إلى النار، أو يعفو عني" (٢).

стр. 403

٣٢٣ - حدثني أحمد بن إبراهيم بن كثير قال: حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثني مضر قال: حدثني عبد الواحد بن زيد قال: "حضرت محمد بن واسع عند الموت، فجعل يقول لأصحابه: عليكم السلام، إلى النار أو يعفو اللَّه" (١). ٣٢٤ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق المقرئ قال: حدثنا عبد المؤمن بن عبيد اللَّه السدوسي قال: سمعت زياد النميري يقول: "بلغني أن عامر بن عبد اللَّه لما نزل به الموت بكى ثم قال: لمثل هذا المصرع فليعمل العاملون، اللهم إني أستغفرك من تقصيري وتفريطي، وأتوب إليك من ذنوبي، لا إله إلا أنت، ثم لم يزل يردّدها حتى مات" (٢). ٣٢٥ - حدثنا كامل بن طلحة قال: حدثنا أبو هلال الراسبي، عن معاوية بن قرة: "أن أبا الدرداء اشتكى، فدخل عليه أصحابه فقالوا: ما تشتكي؟ قال: أشتكي ذنوبي، قالوا: فما تشتهي؟ قال: أشتهي الجنة، قالوا: أفلا ندعو لك طبيبا؟ قال: هو أضجعني" (٣).

стр. 404

٣٢٦ - حدثني محمد قال: حدثنا داود بن المحبَّر قال: حدثنا محمد بن ثابت العبدي، عن أبي عمران الجوني: "أن أبا الدرداء لما نزل به الموت، دعا أم الدرداء، فضمّها إليه وبكى، وقال: يا أم الدرداء قد ترين ما قد نزل من الموت، إنه واللَّه قد نزل بي أمر لم ينزل بي قط أمر أشد منه، وإن كان لي عند اللَّه خير فهو أهون ما بعده، وإن تكن الأخرى فواللَّه ما هو فيما بعده إلا كحلاب ناقة، قال: ثم بكى، ثم قال: يا أم الدرداء اعملي لمثل مصرعي هذا، يا أم الدرداء اعملي لمثل ساعتي هذه، ثم دعا ابنه بلالا فقال: ويحك يا بلال اعمل لساعة الموت، اعمل لمثل مصرعي أبيك، واذكر به صرعتك وساعتك فكأن قد، ثم قُبض" (١). ٣٢٧ - حدثنى محمد قال: حدثني عمار بن عثمان قال: سمعت بهيم العجلي (٢) يقول: "وعزّتك ما بكى الباكون إليك فخيّبتهم من فضلك، بل ظنّ أوليائك أحسن الظنون، ورجاؤهم لك أكثر الرجاء، قال: ثم يبكي حتى يبلّ لحيته بالدموع" (٣).

стр. 405

٣٢٨ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، حدثني شعيب بن راشد، عن أبي روح الأنصاري قال: كان من دعاء الحسين (١): "اللهم ارزقني الرغبة في الآخرة حتى اعرف صدق ذلك في قلبي بالزهد مني في دنياي، اللهم ارزقني بصرا في أمر الآخرة حتى أطلب الحسنات شوقا، وأفر من السيئات خوفا من ربي" (٢). ٣٢٩ - حدثنا محمد بن علي، نا إبراهيم قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: كتب الحسن بن أبي الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: "أما بعد: يا أمير المؤمنين. . . أهل البصائر الفضائل فيها يا أمير المؤمنين: مشيهم بالتواضع، وملبسهم بالاقتصاد، ومنطقهم بالصواب، ومطعمهم الطيّب من الرزق، قد نفذت أبصارهم في الآجل، كما نفذت أبصارهم في العاجل، فخوفهم في البر كخوفهم البحر، ودعاؤهم في السراء كدعائهم في الضرّاء، ولولا الأجل الذي كتب عليهم لم تقرّ أرواحهم في أبدانهم إلا قليلا، خوفا من العقاب، وشوقا إلى الثواب، عظم الخالق في أعينهم، وصغر المخلوق عندهم. . . " (٣).

стр. 406

٣٣٠ - ذكر شريح بن يونس، نا محمد بن حميد، عن سفيان عن صاحب له قال: قال مسلم بن يسار (١): "من رجا شيئا طلبه، ومن خاف من شيء هرب منه، ما أدري ما حسبت رجاء امرئ عرض له بلاء لم يصبر عليه لما يرجو، ولا أدري ما حسبت خوف امرئ عرضت له شهوة فلم يدعها لما يخاف" (٢). ٣٣١ - ثنا أبو يعقوب، ثنا العباس بن الوليد قثني أبي قثني الضحاك

стр. 407

ابن عبد الرحمن بن أبي حوشب قال: سمعت بلال بن سعد (١) يقول: "عبادَ الرحمن أمَّا ما وكلكم اللَّه به فتضيّعونه، وأما ما تكفل لكم به فتطلبونه، ما هكذا نعت اللَّه عباده الموقنين، أَذَوُوا عقول في طلب الدنيا، وبُلْهٌ عما خلقتم له، فكما ترجون رحمة اللَّه بما تؤدون من طاعة اللَّه فكذلك اشفقوا من عذاب اللَّه بما تنتهكون من معاصي اللَّه " (٢). ٣٣٢ - حدثنا محمود بن خداش قال: حدثنا شجاع بن الوليد، عن عمرو بن قيس: "أن معاذ بن جبل (٣) لما حضره الموت قال: انظروا أصبحنا؟ قال: فقيل: لم نصبح، حتى أُتي فقيل له: قد أصبحت، قال: أعوذ باللَّه من ليلة صباحها إلى النار، مرحبا بالموت مرحبا، زائر مغبّ حبيب جاء على فاقة، اللهم إنك تعلم أني كنت أخافك، فأنا اليوم أرجوك، إني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار، ولا لغرس الشجر، ولكن لظمأ

стр. 408

الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر" (١). ٣٣٣ - نا عبد اللَّه بن عمر بن محمد، نا الحسين بن علي الجعفي، عن سفيان بن عيينة، عن داود بن شابور قال: قال مطرف بن عبد اللَّه: "لو جيء بميزان تَرِيصٍ (٢) فَوُزِن خوف المؤمن ورجاؤه كانا سواءا، يذكر رحمة اللَّه فيرجوه، ويذكر عذاب اللَّه فيخاف" (٣). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة بيان العلاقة بيان أهمية اجتماع الخوف والرجاء في المؤمن، وأنه لا غِنَى بأحدهما عن الآخر، وأن وجود أحدهما دون الآخر مذموم، ولذلك اشتملت بعضها على ذم الرجاء الذي لم يشبه

стр. 409

خوف في أول أثر، ثم بيان أن من حسن ظنه ولم يخف فهو مخدوع، ثم في أثر أبي العالية ذم قوم يأتون في الزمان القادم بأن أمرهم كله طمع ليس معهم خوف، واستعاذة أبي الجلد من ذلك الزمان ووصفه أصحابه بأنهم يرجون ولا يخافون، كما ورد بيان أن الخوف وإن كان مسيطرا على حال المذنب لا ينبغي أن يمنعه من الرجاء في سعة عفو اللَّه، وهذا في الآثار السابقة فيمن حضره الموت فخاف ذنوبه ورجا ربه، كأثر ابن مسعود وغيره فهم يشتكون ذنوبهم، ويشتهون مغفرة من ربهم وذلك أن "الرجاء يستلزم الخوف ولولا ذلك للكان أمنا، فأهل الخوف للَّه والرجاء له هم أهل العلم الذين مدحهم اللَّه" (١)، قال ابن القيم في مقام تعداد بعض فوائد الرجاء: "ومنها: أن الخوف مستلزم للرجاء، والرجاء مستلزم للخوف، فكل راج خائف، وكل خائف راج، ولأجل هذا حسن وقوع الرجاء في موضع يحسن فيه وقوع الخوف. . . والتحقيق أنه ملازم له فكل راج خائف من فوات مرجوه، والخوف بلا رجاء يأس وقنوط" (٢)، ثم بيان أن الخوف والرجاء المقصود منهما الترغيب في العمل الصالح، والترهيب من العمل السيِّء، كما في دعاء الحسين أنه يطلب الحسنات شوقا، ويفر من السيئات خوفا، ووصف الحسن لأهل البصائر في الدنيا بأنهم كذلك، وأثر مسلم بن يسار في أن من رجا شيئا طلبه، ومن خاف من شيء هرب

стр. 410

منه، وأثر سعي بن بلال في أمر من يرجو ثواب الطاعة، بأن يشفق من عذاب المعصية وهذه من فوائد الرجاء قال ابن القيم: "الرجاء حادٍ يحدو به في سيره إلى الله، ويطيب له المسير، ويحثه عليه، ويبعثه على ملازمته، فلولا الرجاء لما سار أحد؛ فإن الخوف وحده لا يحرك العبد، وإنما يحركه الحب ويزعجه الخوف ويحدوه الرجاء" (١). ثم اشتملت الآثار بيان تغليب أحدهما على الآخر وأيهما أولى؛ وليست الآثار متفقة المعنى في ذلك، لكن الظاهر أنها امختلفة باختلاف الحالات التي قصدها كل واحد؛ فبينما نجد في أثر ابن مسعود تغليب جانب الخوف في الحياة، وتغليب جانب الرجاء حال الموت، نجد في أثر مطرف بأنهما سواء حتى لو وزن بأدق ميزان لوجداكذلك، وقد سبقت آثار تؤيد هذا أو ذاك في حسن الظن بالله، وفي الرجاء وفي الخوف، وقد شرح ابن حجر في الفتح قول البخاري ﵀: "باب الرجاء مع الخوف: أي استحباب ذلك؛ فلا يقطع النظر في الرجاء عن الخوف، ولا في الخوف عن الرجاء، لئلا يفضي في الأول إلى المكر، وفي الثاني إلى القنوط، وكل منهما مذموم، والمقصود من الرجاء أن من وقع منه تقصير فليحسن ظنه بالله، ويرجو أن يمحو عنه ذنبه، وكذا من وقع منه طاعة يرجو قبولها، وأما من انهمك على المعصية راجيا عدم المؤاخذة بغير ندم ولا إقلاع فهذا في غرور ... وهذا كله متفق على استحبابه في حالة الصحة،

стр. 411

وقيل: الأولى أن يكون الخوف في الصحة أكثر، وفي المرض عكسه، وأما عند الإشراف على الموت فاستحب قوم الاقتصار على الرجاء لما يتضمن من الافتقار إلى الله تعالى، ولأن المحذور من ترك الخوف قد تعذر فيتعين حسن الظن بالله برجاء عفوه ومغفرته ... وقال آخرون: لا يهمل جانب الخوف أصلا، بحيث يجزم بأنه آمن" (١)، وللنووي كلام قريب من هذا حيث ذكر عن العلماء قولهم: "فى حالة الصحة يكون خائفا راجيا ويكونان سواء، وقيل: يكون الخوف أرجح، فإذا دنت أمارات الموت غلَّب الرجاء أو محَّضَه؛ لأن مقصود الخوف الانكفاف عن المعاصي والقبائح، والحرص على الإكثار من الطاعات والأعمال، وقد تعذر ذلك أو معظمه في هذا الحال، فاستحب إحسان الظن المتضمن للافتقار إلى الله تعالى والإذعان له" (٢)، وقال ابن القيم: "السلف استحبوا أن يقوي في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء، وعند الخروج من الدنيا يقوي جناح الرجاء على جناح الخوف، هذه طريقة أبي سليمان وغيره ... وقال غيره: أكمل الأحوال اعتدال الرجاء والخوف وغلبة الحب؛ فالمحبة هي المركب، والرجاء حادٍ، والخوف سائق، والله المُوصِل بمَنِّه وكرمه" (٣)

стр. 412

المطلب العاشر: الآثار الواردة في الشكر . ٣٣٤ - حدثني محمد بن إدريس قال: سمعت عبدة بن سليمان، سمعت مخلد بن حسين (١) يقول: كان يقال: "الشكر ترك المعاصي" (٢). ٣٣٥ - حدثني إبراهيم بن سعيد، حدثنا موسى بن أيوب، حدثنا مخلد بن حسين، عن محمد بن لوط (٣): كان يقال: "الشكر ترك المعصية" (٤). التحليل والتعليق تضمن الأثران السابقان بيان معنى الشكر، وهو ترك المعاصي، قال ابن القيم ﵀: "أصل الشكر في وضع اللسان: ظهور أثر الغذاء في أبدان الحيوان ظهورا بينا، يقال: شكرت الدابة، تشكر شكرا، على وزن سمنت تسمن سمنا؛ إذا ظهر عليها أثر العلف، ودابة شكور إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تأكل، وتعطى من العلف. . . وكذلك حقيقته في العبودية: وهو ظهور أثر نعمة اللَّه على لسان عبده: ثناء واعترافا، وعلى قلبه: شهودا ومحبة، وعلى جوارحه: انقيادا وطاعة" (٥).

стр. 413

المطلب الحادي عشر: الآثار الواردة في التوسل . أولا: الآثار الواردة في التوسل بالطاعات . ٣٣٦ - زعم محمد بن الحسين، حدثني سعيد بن مسلم الحنفي، حدثني أبي مسلم بن سعيد (١) قال: "كنا جلوسا في مجلس من مجالس بني حنيفة، فمرّ بنا أعرابي كهيئة المهموم، فسلّم وانطلق، ثم أقبل علينا فقال: معشر العرب، قد سئمت لتكرار الليالي والأيام ودورها عليّ، فهل من شيء يدفع عني سآمة ذلك أو يسلّي عني بعض ما أجد من ذلك؟ ثم ولّى غير بعيد، ثم أقبل علينا فقال: واهًا لقلوب نقيّة من الآثام، واهًا لجوارح مسارعة إلى طاعة الرحمن، أولئك الذين لم يملّوا الدنيا لتوسّلهم منها بالطاعة إلى ربهم، ولما يكرهوا الموت إذا نزل بهم لما يرجون من البركة في لقاء سيدهم، وكلا الحالتين لهم حال حسنة: إن قدموا على الآخرة قدموا على ما قدَّموا من القربة، فإن تطاولت بهم المدَّة قدَّموا الزاد ليوم الرجعة، قال: فما سمعت موعظة أشدّ استكنانا في القلوب منها، فما ذكرتها إلا هانت عليّ الدنيا وما فيها" (٢).

стр. 414

٣٣٧ - حدثني غير محمد بن المغيرة (١): "أن عمر بن عبد العزيز قال له -أي لسليمان بن عبد الملك-: يا أمير المؤمنين بل الصبر؛ -وهذا جوابا عن قوله لما مات ابنه-: فإن صبرتُ فلم ألفظك من شبع ... وإن جزعتُ فعِلْقٌ (٢) منفس ذهبا فإنه أقرب إلى اللَّه وسيلةً، وليس الجزع بمحيي من مات، ولا برادّ ما فات، فقال سليمان: صدقت، وباللَّه العصمة والتوفيق" (٣). ٣٣٨ - حدثني محمد بن المثني النخعي قال: حدثنا عبد السلام بن حرب (٤): "أن خصيفا قال عند الموت: لِيَمُرَّ ملك الموت إذا أتانا، اللهم على ما فيَّ إنك لتعلم أني أحبّك وأحبّ رسولك" (٥). ٣٣٩ - حدثني القاسم بن هاشم، حدثنا أبو اليمان، حدثنا صفوان

стр. 415

ابن عمرو، عن أبي خير إسحاق العراوي قال: "زحف إلينا إزدمهر (١) عند مدينة الكيرج (٢) في ثمانين فيلا، فكادت تنقض الخيول والصفوف، فكرب لذلك محمد بن القاسم (٣)، فنادى عمر: إن النعمان أمير حمص وأم الأجناد، فنهضوا بما استطاعوا، فلما أعيته الأمور نادى مرارا: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، فكفّ اللَّه الفيلة بذلك، سلّط اللَّه عليها الحرّ، فأنضجها ففزعت إلى الماء، فما استطاع سوّاسها ولا أصحابها حبسها، وحملت الجند عند ذلك، فكان الفتح بإذن اللَّه" (٤). ٣٤٠ - حدثني القاسم بن هاشم، ثنا أبو اليمان، ثنا صفوان بن عمرو، عن الأشياخ: "أن حبيب بن مسلمة كان يستحب إذا لقى عدوا

стр. 416

أو ناهض حصنا قول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، وأنه ناهض يوما حصنا، فانهزم الروم، فقالها المسلمون فانصدع الحصن" (١). ثانيا: الآثار الواردة في التوسل بأسماء اللَّه وصفاته . ٣٤١ - حدثني عبد اللَّه بن بسطام قال: "احتضر بعض الملوك (٢)، فجعل يقول: "يا من لا يزول ملكه، ارحم من قد زال ملكه" (٣). ٣٤٢ - حدثني محمد بن عباد بن موسى، ثنا كثير بن هشام، عن الحكم بن هشام الثقفي (٤): "أخبرت أن رجلا أخذ أسيرا فألقى في جبّ،

стр. 417

ووضع على رأس الجب صخرة، فلقِّن فيها: سبحان الملك القدوس، سبحان اللَّه وبحمده، فأخرج من غير أن يكون أخرجه إنسان" (١). ٣٤٣ - حدثني إبراهيم بن سعيد، ثنا أبو سفيان الحميري قال: سمعت أبا بلج الفزاري: "أتي الحجاج بن يوسف برجل كان جعل على نفسه إن ظفر به أن يقتله، فلما أدخل عليه تكلم بشيء فخلى سبيله، فقيل له أي شيء قلت؟ قال: قلت: يا عزيز يا حميد، يا ذا العرش المجيد، اصرف عني شرّ كل جبار عنيد" (٢). ٣٤٤ - أخبرني أبي قال: أخبرني ابن عليّة، عن أيوب، عن حميد بن هلال، قال: قال رجل: "رحم اللَّه رجلا أتى على هذه الآية ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (٣)، فسأل اللَّه بذاك الوجه الباقي الكريم" (٤).

стр. 418

ثالثا: الآثار الواردة في التوسل بدعاء الصالحين . ٣٤٥ - حدثني علي بن الحسن بن موسى، نا أبو عبد الرحمن القرشي، عن شيخ من أهل المدينة، عن ابن عباس ﵁ (١): "أن عمر قال للعباس: قم فاستسق وادع ربّك، فقام العباس فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: إن عندك سحابا، وإن عندك ماءًا، فانشر السحاب ثم أنزل فيه الماء، ثم أنزل علينا فيه الماء، ثم أنزل علينا فاشدد به الأصل، وأطل به الفرع، وأدر به الضرع، اللهم إنا شفعاء إليك عمن لا منطق له من بهائمنا وأنعامنا، اللهم في أنفسنا وأهلينا، [اللهم اسقنا سقيا وادعةً بالغةً، طبقًا (٢)، عامًا، محييًا، اللهم لا نرغب إلا إليك وحدك لا شريك لك، اللهم إنا نشكو إليك سغب كل ساغب (٣)، وغرم كل غارم، وجوع كل جائع، وعري كل عار، وخوف كل خائف، في دعاء له (٤) " (٥).

стр. 419

التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة بيان أنواع التوسل إلى اللَّه وأنه: يكون بطاعته، أو بأسمائه وصفاته، أو بطلب الدعاء من الصالحين الأحياء ورجاء الاستجابة. فأما التوسل بالطاعات: فقد تنوعت الآثار في الدلالة على هذا النوع فهي إما عامة في اتخاذ الطاعات وسيلة إلى اللَّه كقول الأعرابي، وإما آثار وردت في توسل بعض السلف ببعض أنواع العبادة كالتوسل بحب اللَّه ورسوله، والتوسل ببعض الأذكار كقول لا حول ولا قوة إلا باللَّه. وأما التوسل بالأسماء والصفات: فقد وردت فيه آثار متنوعة أيضًا، اشتملت على سؤال اللَّه تعالى ببعض أسمائه وصفاته، قضاء بعض الحاجات، سواء الأخروية كطلب الرحمة، أو الدنيوية كالفكاك من الأسر أو جور السلطان، وليست هذه التوسلات من أولئك السلف أمرا عفويا حصل اتفاقا، بل كان هذا منهجا عاما لهم كما في قول حميد بن هلال: قال رجل: "رحم اللَّه رجلا أتى على هذه الآية: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ

стр. 420

وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (١)، فسأل اللَّه بذاك الوجه الباقي الكريم"، فعلم أن هذا مبني على استدلال وعقيدة في هذه الأسماء والصفات واللَّه أعلم. وأما التوسل بدعاء بعض الصالحين: ففيه الأثر المشهور في استسقاء عمر بن الخطاب ﵁ بعم النبي ﷺ العباس ﵁، وهو النوع الثالث من أنواع التوسل المشروع، بطلب الدعاء ممن يتوسم فيه الصلاح والخير، ورجاء استجابة الدعوة، ولا شك أن الذي يقف على التوسل الذي كان شائعا بين هذه القرون المفضلة لا يجد توسلا بذوات الصالحين، والإقسام على اللَّه بهم، سواء كانوا أحياء أو أمواتا، وإنما هذا التوسل المعروف عنهم بأقسامه الثلاثة، وقد استقرأ ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: "التوسل به بمعنى الإقسام على اللَّه بذاته، والسؤال بذاته، فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه، في الاستسقاء ونحوه، ولا في حياته، ولا بعد مماته، ولا عند قبره، ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم، وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة، أو عن من ليس قوله حجة" (٢).

стр. 421

المطلب الثاني عشر: الآثار الواردة في حقوق المصطفى ﷺ -. ٣٤٦ - حدثني أحمد بن عبد الأعلى الشيباني وأحمد بن عبيد العنبري: "أن عبد اللَّه بن جعفر (١) كان في سفر له، فمر بفتيان يوقدون تحت قدر لهم، فقام إليه أحدهم فقال: أقول له حين ألفيته ... عليك السلام أبا جعفر فوقف وقال: السلام عليك ورحمة اللَّه وبركاته، وقال: وهذي ثياب قد أُخلقت ... وقد عضّني زمن منكر قال: فهاذي ثيابي مكانها -وعليه جبّة خز وعمامة خزّ ومطرف خز- وتعينك على زمانك المنكر، قال: وأنت كريم بني هاشم ... وفي البيت منها الذي يذكر قال: ابن أخي، ذلك رسول اللَّه ﷺ ، قال أبو بكر: قال مصعب: الذي أنشده هذا الشعر الحزين الكناني" (٢).

стр. 422

٣٤٧ - حدثني يعقوب بن عبيد قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أنها قالت وأبو بكر يقضي: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمة للأرامل فقال أبو بكر: ذاك رسول اللَّه ﷺ " (١). ٣٤٨ - حدثني الحسن بن جهور بن زياد، عن شيخ من قريش قال: "دخل رؤبة بن العجاج على سليمان بن عبد الملك، وقد جلس للصحابة وهيّأ الجوائز فقال: خرجتَ بين قمر وشمس ... بين ابن مروان وعبد شمس يا خير نفس خرجت من نفس فقال له عمر بن عبد العزيز -وهو جالس إلى جنب سليمان-: "كذبت ذاك رسول اللَّه ﷺ " (٢).

стр. 423

التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة بيان بعض حقوق النبي ﷺ التي حرص السلف الصالح على حفظها، وذلك أن اللَّه خصه بخصائص لم يشاركه فيها أحد (١)، وأنزله منزلة لم ينزلها غيره من البشر، فهو سيّد البشر ولا فخر، وأما الصفات الفاضلة التي شاركه فيها غيره فله منها النصيب الأوفر، وقصب السبق، ولما ذكر العز بن عبد السلام بعض فضائله ﷺ قال: "ومنها: أن اللَّه تعالى أثنى على خلقه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ (٢)، واستعظام العظماء للشيء دليل على إيغاله في العظمة، فما الظن باستعظام أعظم العظماء" (٣)، ولذلك أنكر الصحابي عبد اللَّه بن جعفر لمن وصفه بأنه كريم بني هاشم، وعمر بن عبد العزيز ﵀ أبيات المادح للخليفة عبد الملك بن مروان لما وصفه بأنه خير نفس خرجت من نفس؛ ومن جميل كلام القاضي عياض ﵀ في هذا قوله: "وأما شرف نسبه، وكرم بلده ومنشئه فمما لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه، ولا بيان مشكل ولا خفي منه؛ فإنه نخبة بني هاشم، وسلالة قريش وصميمها، وأشرف العرب وأعزهم نفرا من قبل أبيه وأمه، ومن أهل مكة

стр. 424

من أكرم بلاد اللَّه على اللَّه وعلى عباده" (١)، بل إن الصديق ﵁ لما مدحته ابنته الصديقة عائشة ﵂ بما مدح أبو طالب ابن أخيه رسول اللَّه ﷺ استدرك عليها؛ وهذا من كمال صديقيته ﵁، وهذا حال سلف عرفوا حقوق النبي ﷺ فحفظوها له (٢).

стр. 425

المطلب الثالث عشر: الآثار الواردة في التبرك . ٣٤٩ - حدثني سويد بن سعيد قال: حدثنا سفيان، عن عليّ بن زيد قال: قال ثابت لأنس بن مالك: "مَسَسْت يد رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: نعم، قال: فناولني يدك، فناوله يده فيقبّلها" (١). ٣٥٠ - حدثني هارون بن سفيان، عن عبد اللَّه بن بكر السهمي قال: حدثني ثمامة بن كلثوم: "أن آخر خطبة خطبها معاوية أن قال: أيها الناس، إني من زرع قد استحصد، وإني قد وليتكم، ولن يليكم بعدي إلا من هو شرّ مني، كما كان قبلي خير مني، ويا يزيد إذا وفي أجلي فولِّ غسلى رجلا لبيبا، فإن اللبيب من اللَّه بمكان، فلينعم الغسل، وليجهر بالتكبير، ثم اعمد إلى منديل في الخزانة فيه ثوب من ثياب النبي ﷺ ، وقُرَاضَة (٢) من شعره وأظفاره، فاستودع القراضة أنفي وفمي وأذني وعينى، واجعل الثوب يلي جلدي دون أكفاني، ويا يزيد احفظ وصية اللَّه
следующие страницы →