← Акыда

Акыда · id 151178

الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا

حميد بن أحمد نعيجات

Полный текст (1 390 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

المطلب الثاني عشر: الآثار الواردة في حقوق المصطفى ﷺ -. ٣٤٦ - حدثني أحمد بن عبد الأعلى الشيباني وأحمد بن عبيد العنبري: "أن عبد اللَّه بن جعفر (١) كان في سفر له، فمر بفتيان يوقدون تحت قدر لهم، فقام إليه أحدهم فقال: أقول له حين ألفيته ... عليك السلام أبا جعفر فوقف وقال: السلام عليك ورحمة اللَّه وبركاته، وقال: وهذي ثياب قد أُخلقت ... وقد عضّني زمن منكر قال: فهاذي ثيابي مكانها -وعليه جبّة خز وعمامة خزّ ومطرف خز- وتعينك على زمانك المنكر، قال: وأنت كريم بني هاشم ... وفي البيت منها الذي يذكر قال: ابن أخي، ذلك رسول اللَّه ﷺ ، قال أبو بكر: قال مصعب: الذي أنشده هذا الشعر الحزين الكناني" (٢).

стр. 422

٣٤٧ - حدثني يعقوب بن عبيد قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أنها قالت وأبو بكر يقضي: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمة للأرامل فقال أبو بكر: ذاك رسول اللَّه ﷺ " (١). ٣٤٨ - حدثني الحسن بن جهور بن زياد، عن شيخ من قريش قال: "دخل رؤبة بن العجاج على سليمان بن عبد الملك، وقد جلس للصحابة وهيّأ الجوائز فقال: خرجتَ بين قمر وشمس ... بين ابن مروان وعبد شمس يا خير نفس خرجت من نفس فقال له عمر بن عبد العزيز -وهو جالس إلى جنب سليمان-: "كذبت ذاك رسول اللَّه ﷺ " (٢).

стр. 423

التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة بيان بعض حقوق النبي ﷺ التي حرص السلف الصالح على حفظها، وذلك أن اللَّه خصه بخصائص لم يشاركه فيها أحد (١)، وأنزله منزلة لم ينزلها غيره من البشر، فهو سيّد البشر ولا فخر، وأما الصفات الفاضلة التي شاركه فيها غيره فله منها النصيب الأوفر، وقصب السبق، ولما ذكر العز بن عبد السلام بعض فضائله ﷺ قال: "ومنها: أن اللَّه تعالى أثنى على خلقه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ (٢)، واستعظام العظماء للشيء دليل على إيغاله في العظمة، فما الظن باستعظام أعظم العظماء" (٣)، ولذلك أنكر الصحابي عبد اللَّه بن جعفر لمن وصفه بأنه كريم بني هاشم، وعمر بن عبد العزيز ﵀ أبيات المادح للخليفة عبد الملك بن مروان لما وصفه بأنه خير نفس خرجت من نفس؛ ومن جميل كلام القاضي عياض ﵀ في هذا قوله: "وأما شرف نسبه، وكرم بلده ومنشئه فمما لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه، ولا بيان مشكل ولا خفي منه؛ فإنه نخبة بني هاشم، وسلالة قريش وصميمها، وأشرف العرب وأعزهم نفرا من قبل أبيه وأمه، ومن أهل مكة

стр. 424

من أكرم بلاد اللَّه على اللَّه وعلى عباده" (١)، بل إن الصديق ﵁ لما مدحته ابنته الصديقة عائشة ﵂ بما مدح أبو طالب ابن أخيه رسول اللَّه ﷺ استدرك عليها؛ وهذا من كمال صديقيته ﵁، وهذا حال سلف عرفوا حقوق النبي ﷺ فحفظوها له (٢).

стр. 425

المطلب الثالث عشر: الآثار الواردة في التبرك . ٣٤٩ - حدثني سويد بن سعيد قال: حدثنا سفيان، عن عليّ بن زيد قال: قال ثابت لأنس بن مالك: "مَسَسْت يد رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: نعم، قال: فناولني يدك، فناوله يده فيقبّلها" (١). ٣٥٠ - حدثني هارون بن سفيان، عن عبد اللَّه بن بكر السهمي قال: حدثني ثمامة بن كلثوم: "أن آخر خطبة خطبها معاوية أن قال: أيها الناس، إني من زرع قد استحصد، وإني قد وليتكم، ولن يليكم بعدي إلا من هو شرّ مني، كما كان قبلي خير مني، ويا يزيد إذا وفي أجلي فولِّ غسلى رجلا لبيبا، فإن اللبيب من اللَّه بمكان، فلينعم الغسل، وليجهر بالتكبير، ثم اعمد إلى منديل في الخزانة فيه ثوب من ثياب النبي ﷺ ، وقُرَاضَة (٢) من شعره وأظفاره، فاستودع القراضة أنفي وفمي وأذني وعينى، واجعل الثوب يلي جلدي دون أكفاني، ويا يزيد احفظ وصية اللَّه

стр. 426

في الوالدين، فإذا أدرجتموني في جريدتي، ووضعتموني في حفرتي، فخلّوا معاوية وأرحمَ الراحمين" (١). ٣٥١ - حدثنا خالد بن خداش بن عجلان، نا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد قال: "جاءت امرأة إلى رسول اللَّه ﷺ يوما ببردة، قال سهل: هل تدرون ما البردة؟ قالوا: هي الشملة منسوج فيها حاشيتاها، فقالت: يا رسول اللَّه، نسجت هذه بيدي جئت أكسوكها، فأخذها رسول اللَّه ﷺ محتاجا إليها فخرج علينا وإنها لإزاره، فجسّها رجل من القوم فقال: اكسنيها، قال: نعم، فجلس ما شاء اللَّه في المجلس، ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه، فقال القوم: ما أحسنت، سألته إياها وقد علمت أنه لا يردّ سائلا، فقال الرجل: إي واللَّه، ما سألتها رسول ﷺ إلا لتكون كفني يوم أموت، قال سهل: فكانت كفنه" (٢).

стр. 427

التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة تبرك الصحابة بالنبي ﷺ ، إما ببعض بقايا من جسده الشريف كالشعر والأظفار، أو بقايا من ملبوسه كالثوب والبردة، بل حتى من بعدهم من التابعين كما في أثر ثابت الذي كان يقبل يد أنس لأنها مسّت يد رسول اللَّه ﷺ ، ولهذا بوب الإمام البخاري ﵀ في صحيحه بابا بعنوان: "باب ما ذكر من درع النبي ﷺ وعصاه وسيفه وقدحه وخاتمه، وما استعمل الخلفاء بعده من ذلك مما لم تذكر قسمته، ومن شعره ونعله وآنيته مما يتبرك به أصحابه وغيرهم بعد وفاته" (١). ويحسن التنبيه في هذا المقام أن هذا التبرك بذات النبي ﷺ أو مقتنياته رجاء البركة ونحوها هو من خصائصه ﷺ التي لا يشاركه غيره، ولا يجوز قياس غيره من الصالحين عليه ﷺ ، لاعتبارات كثيرة وأدلة متنوعة؛ لأن هذا القياس معارض بفعل الصحابة ﵃ وإجماعهم كما قال الشاطبي ﵀: "الصحابة ﵃ بعد موته ﵇ لم يقع من أحد منهم شيء من ذلك بالنسبة إلى من خلفه، إذ لم يترك النبي ﷺ بعده في الأمة أفضل من أبي بكر الصديق ﵁، فهو كان خليفته، ولم يُفْعَل به شيء من ذلك، ولا عمر ﵄، وهو كان في الأمة، ثم كذلك عثمان ثم علي ثم سائر الصحابة الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة، ثم لم يثبت لواحد منهم من طريق صحيح معروف أن متبركًا تبرك

стр. 428

به على أحد تلك الوجوه أو نحوها، بل اقتصروا فيهم على الاقتداء بالأفعال والأقوال والسير التي اتبعوا فيها النبي ﷺ ، فهو إذًا إجماع منهم على ترك تلك الأشياء" (١)، وهناك وجه آخر من منع هذا القياس وهو باب سد الذرائع كما قال الشيخ عبد اللَّه بن باز ﵀ -بعد نقله للوجه الأول الذي سبق وهو فعل الصحابة-: "الوجه الثاني سد ذريعة الشرك؛ لأن جواز التبرك بآثار الصالحين يفضي إلى الغلو فيهم، وعبادتهم من دون اللَّه، فوجب المنع من ذلك" (٢).

стр. 429

المبحث الثاني: الآثار الواردة في نواقض وقوادح التوحيد وفيه مطلبان: المطلب الأول: نواقض التوحيد. المطلب الثاني: الآثار الواردة في قوادح التوحيد.

стр. 430

المطلب الأول: الآثار الواردة في نواقض التوحيد . وفيه خمس مسائل: المسألة الأولى: الآثار الواردة في النهي عن الشرك. المسألة الثانية: الآثار الواردة في ذم الشرك. المسألة الثالثة: الآثار الواردة في التحذير من الشرك. المسألة الرابعة: الآثار الواردة في السحر. المسألة الخامسة: الآثار الواردة في سد الذرائع إلى الشرك.

стр. 431

المسألة الأولى: الآثار الواردة في النهي عن الشرك . ٣٥٢ - حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثني أحمد بن حنبل قال: سمعت ابن سماك: "كتبت إلى أخ لي، أو كتب إليّ أخٌ لي: أما بعد، فلا تكن لأحد غير اللَّه عبدا ما وجدت من العبودية بُدًّا" (١). التحليل والتعليق تضمن أثر ابن السماك النهى عن الشرك والتحذير منه، ووجوب إفراد اللَّه تعالى بالعبادة، وقد اشتمل هذا الأثر على جانبين مهمين من جوانب العبادة هما النفي والإثبات، فالعبادة الحقة لا تتم إلا بإفراد اللَّه بها، ونفيها عمن سواه؛ إذ لا يصح التوحيد إلا بنفي الشرك، ولا بد منهما مجتمعين، قال ابن القيم: "طريقة القرآن في مثل هذا أن يقرن النفي بالإثبات، فينفي عبادة ما سوى اللَّه، ويثبت عبادته، وهذا هو حقيقة التوحيد، والنفي المحض ليس بتوحيد، وكذلك الإثبات بدون نفي، فلا يكون التوحيد إلا متضمنا للنفي والإثبات، وهذا حقيقة لا إله إلا اللَّه" (٢)، وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "لا بد في الإسلام من النفي والإثبات، فيثبت العبادة للَّه وحده، وينفي عبادة ما سواه وهو التوحيد" (٣)، وقال في شرح قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (٤): "فائدة هذه الجملة بيان أن التجرد من الشرك لا بد منه في العبادة، وإلا فلا يكون العبد آتيا بعبادة اللَّه بل مشرك" (٥).

стр. 432

المسألة الثانية: الآثار الواردة في ذم الشرك . ٣٥٣ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن وبرة، عن أبي الطفيل قال: قال ابن مسعود: "أكبر الكبائر الشرك باللَّه، والقنوط من رحمة اللَّه، والأمن من مكر اللَّه، واليأس من روح اللَّه" (١). ٣٥٤ - ذكر الحسن بن يحيى بن كثير العنبري، عن خزيمة أبي محمد العابد قال: كان عمر بن ذر يقول: "اللهم ارحم قوما أطاعوك في أحب طاعتك إليك، الإيمان بك والتوكل عليك، وارحم قوما أطاعوك في ترك أبغض المعاصي إليك الشرك بك والافتراء عليك، قال: وكان بعضهم يقول: إن كان كل ما عصي اللَّه به عظيما؛ فإنه في سعة رحمته صغيرا" (٢).

стр. 433

التحليل والتعليق تضمن الأثران السابقان ذم الشرك، وبيان أنه أكبر الكبائر، وأبغض المعاصي إلى اللَّه، وهذه من أهم الأشياء التي يذم بها الشرك، وقد بيّن وجه ذلك ابن القيم ﵀ فقال: "من أعظم القسط التوحيد، بل هو رأس العدل وقوامه، وأن الشرك ظلمٌ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ (١)؛ فالشرك أظلم الظلم، والتوحيد أعدل العدل، فما كان أشد منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر، وتفاوتها في درجاتها بحسب منافاتها له، وما كان أشد موافقة لهذا المقصود فهو أوجب الواجبات، وأفرض الطاعات، فتأمل هذا الأصل حق التأمل واعتبر به تفاصيله، تعرف به أحكم الحاكمين، واعلم العالمين فيما فرضه على عباده وحرمه عليهم، وتفاوت مراتب الطاعات والمعاصي، فلما كان الشرك باللَّه منافيا بالذات لهذا المقصود كان أكبر الكبائر على الإطلاق. . . " (٢)، وهو كذلك أبغض المعاصي إلى اللَّه كما في أثر عمر بن ذر وذلك أنه "لما كان أظلم الظلم، وأقبح القبائح، وأنكر المنكرات؛ كان أبغض الأشياء إلى اللَّه تعالى، وأكرهها له، وأشدها مقتا لديه، ورتب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس، ومنعهم من قربان حرمه، وحرَّم ذبائحهم ومناكحتهم، وقطع الموالاة بينهم وبين

стр. 434

المؤمنين، وجعلهم أعداء له سبحانه ولملائكته ورسله وللمؤمنين، وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم، وأن يتخذوهم عبيدا" (١). ولا ينافي هذا ما ورد من تسمية غير الشرك بأنه من أكبر الكبائر؛ كشتم الرجل والديه وسوء الظن باللَّه وغيرها، لأنه لا يلزم من كون الذي ذكر أنه أكبر الكبائر استواؤها؛ فإن الشرك باللَّه أعظم من جميع ما ذكر معه (٢).

стр. 435

المسألة الثالثة: الآثار الواردة في التحذير من الشرك . ٣٥٥ - حدثني إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثني جرير، عن ليث، عن أبي العالية: "اجتمع إليّ أصحاب محمد ﷺ فقالوا: يا أبا العالية، لا تعمل عملا تريد به غير اللَّه فيجعل اللَّه ثوابك على من أردت، لا تتّكل على غير اللَّه فيكلك اللَّه إلى من توكّلت عليه" (١). ٣٥٦ - حدثني عبد الرحيم بن بحر (٢) قال: حدثنا عثمان بن عمارة، عن إسماعيل بن كثير السليمي قال: "قيل لعطاء السليمي: ما الحذر؟ قال: الاتقاء بالعمل ألا يكون للَّه" (٣). ٣٥٧ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا ابن أبي خالد، عن مولى لابن عباس، عن ابن عباس ﵄، أحسب هكذا قال: "إن أحدكم ليشرك حتى يشرك بكلبه، يقول: لولاه لسرقنا الليلة" (٤).

стр. 436

٣٥٨ - حدثنا يوسف بن موسى، نا أبو أسامة، عن النضر بن عربي، عن عكرمة ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ (١) قال: الغيث يسقي هذه، وتُمنع هذه، ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠)﴾ يقولون: مطرنا بالأنواء (٢) " (٣). التحليل والتعليق تضمنت الآثار التحذير من الشرك، وكيفية ذلك، مع ذكر بعض أنواع

стр. 437

الشرك التي قد تخفى على كثير من الناس، فيأتونها وهم لا يشعرون، وقد وقع التحذير من الشرك من جية خطورته والجزاء المترتب عليه حيث إن صاحبه يُتْرَك وشِرْكَه، ومن جهة خفائه وكثرة وقوعه كمن يشرك في كلبه وبسبب الأنواء، فينسب السلامة وحصول الخير لهما، ولهذا قال المقريزي: "وأما الشرك في الإرادات والنيات، فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقلّ من ينجو منه" (١)، وقد عقد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بابا في الخوف من الشرك قال شارحه الشيخ عبد الرحمن: "نبه المصنف بهذه الترجمة على أنه ينبغي للمؤمن من أن يخاف منه ويحذره، ويعرف أسبابه ومبادئه وأنواعه لئلا يقع فيه. . . "، فإخلاص العمل للَّه شرط في قبول العمل والإثابة عليه، كما سبق في مبحث الإخلاص وصلاح العمل، ولذلك كان هو الحذر كما في أثر السليمي، وهو وصية الصحابة لمن بعدهم من التابعين كما في أثر أبي العالية، ولذلك يقع فيه من قلَّ حذره منه وذلك بنسبة السلامة من السراق في البيت إلى الكلب، ونسبة نزول المطر إلى الأنواء في الشرك والكفر، والمراد بهذا الكفر والشرك هنا الأصغر بنسبة ذلك إلى غير اللَّه وكفران نعمته، وهو من باب الشرك الخفي في الألفاظ، وسمر ذلك أن العبد يتعلق قلبه بمن يظن حصول الخير له من جهته وإن كان صنع له في ذلك، وذلك نوع شرك خفي فمنع من

стр. 438

ذلك (١)، وهذا يتضمن: "قطع إضافة النعمة إلى من لولاه لم تكن، وإضافتها إلى من لا يملك لنفسه ولا لغيره ضرا ولا نفعا، وغايته أن تكون جزء من أجزاء السبب، أجرى اللَّه تعالى نعمته على يده، والسبب لا يستقل بالإيجاد، وجعله سببا هو من نعم اللَّه عليه، وهو المنعم بتلك النعمة، وهو المنعم بما جعله من أسبابها، فالسبب والمسبب من أنعامه، وهو سبحانه قد ينعم بذلك السبب، وقد ينعم بدونه فلا يكون له أثر، وقد يسلبه تسبيبته، وقد يجعل لها معارضا يقاومها، وقد يرتب على السبب ضد مقتضاه" (٢).

стр. 439

المسألة الرابعة: الآثار الواردة في السحر . ٣٥٩ - حدثنا محمد بن عبد اللَّه الأرزي قال: حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت زيدا قال: حدثني شرطي لسنان بن سلمة قال: "أُتي بامرأة زعموا أنها ساحرة فأمر بها فألقيت في العين أو كلمة غيرها فَطَفَتْ، ثم أعيدت فَطَفَتْ، فأمر بنحت خشبها وتُصْلَب، فجاء زوجها كأنه سَفُّود (١) فقال: أصلحك اللَّه مرها أن تحل عني، قال: حلي عنه، قالت: ائتوني بباب وكُبَّة غَزْل، فجلست على الباب وأخذت الكُبَّة من الغزل كأنها تعالجها، وقد أبرزت للناس وأحاطت بها الخيل، فارتفع الباب فصدتنا يمينا وشمالا فلم نقدر منها على شيء" (٢). ٣٦٠ - حدثني عبد العزيز بن منيب قال: حدثنا علي بن الحسن بن شقيق قال: أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك قال: أخبرنا رجل، عن رجل، عن عروة بن رويم قال: "لما قدم مسلمة بن عبد الملك هاهنا أميرا قيل له: إن هاهنا رجلا دخل على هاروت وماروت فأرسل إليه: فإذا شيخ جليل

стр. 440

فثنيت له وسادة بين السماطين، فقال له مسلمة: أنت الذي دخلت على هاروت وماروت؟ ! فأرسل عينيه فبكى، ثم شف دموعه، فقال: إني كنت غلاما يافعا في حجر أمي، وكنت لا أدعو بشيء من الدنيا إلا أتيت به، فلما أدركت وعقلت قلت: يا أمه من أين لكم هذا المال؟ ! قالت: يا بني كل حلالا ولا تسأل، فأبيت عليها فأبت عليَّ، فقلت: إن لم تخبريني فجعتك بنفسي، فلما رأت الجد قالت: فإن أباك كان ساحرا، وإنه جمع هذا المال من السحر، قلت: فمن أين تعلمه؟ فأبت علي وأبيت عليها، فقالت: ما تريد إلى هذا؟ فأخبرتني أنه كان يختلف إلى نصراني ببابل (١)، فارتحلت إليه حتى قدمت عليه، فلما نظر إليَّ قال: ما أَقْدَمَكَ؟ ما أظن أباك إلا قد ترك لك من المال ما لا يحتاج (٢) إلى أحد، فقلت: إني أحب أن تدخلني على هاروت وماروت أنظر إليهما، فواعدني لشهر كذا في يوم كذا، فقال: إذا دخلت عليهما فلا تذكرنَّ للَّه اسما، قال: فذهب بي فرداني في الأرض ثلاثمائة وستين مرقاة ما أنكر من ضوء النهار شيئا، ثم قال: لا تذكرن للَّه اسما، فذهب فرقاني ثلاثمائة وستين مرقاة ما أنكر من ضوء النهار شيئا، فنظرت إليهما فإذا هما معلقين من السماء، منكوسين مُكَبَّلِين في الحديد، أعينهما مثل التِّرَسَة (٣)، ولهما أجنحة، فلما رأيتهما قلت: لا

стр. 441

إله إلا اللَّه فانتفضا في أجنحتهما، وجالا جوالان الثور (١)، فعدت ثلاثا ثم سكت فسكنا، فقالا: ممن الرجل؟ قلت: من أمة محمد ﷺ ، قالا: وقد بعث محمد ﷺ ، قلت: نعم، فساءهما ذلك، قالا: فتلبسون الحرير والديباج (٢) في المغازي؟ قلت: نعم، فنظر أحدهما إلى صاحبه، فَسُرَّا بذلك، قلت: إنكما قد سألتماني، فأنا سائلكما، قالا: سل، قلت: أرأيت جزعكما من قول: لا إله إلا اللَّه، ما هو؟ ! قالا: كلمة لم نسمعها منذ فارقنا العرش، قلت: أرأيت مساءتكما من قولي: اجتماع الأمة على رجل ما هو؟ ! قالا: إن الساعة لا تقوم ما اجتمعت الأمة على رجل واحد، قلت: أرأيت سروركما بلبس الحرير والديباج ما هو؟ ! قالا: من علامات الساعة، قلت: فما تأمراني؟ قالا: إن استطعت ألا تنام ولا تنيم فافعل؛ فإن الأمر جد، قال عبد اللَّه: طمس ذلك المكان فلا يعرف اليوم" (٣).

стр. 442

التحليل والتعليق تضمن الأثران السابقان إثبات السحر، وشيء من أنواعه، وقصة تعليم هاروت وماروت للسحرة، ومنافاته للتوحيد، وعقوبة صاحبه. فأما إثباته: فإن قصة الساحرة التي طارت بالباب مع كبة الغزل، وقصة الرجل الذي رأى هاروت وماروت وكان أبوه تعلم السحر من النصراني البابلي، فيهما إثبات وجود السحر وأنه حقيقة يفعلها الساحر، وله طرق وأساليب، وأنه مما يتعلم ويؤخذ من أهله، وأن هذا أمر لم يكن منكرا في تلك الأوساط المتقدمة، بل معروف عندهم، مشهور أمره، وهذا من عقيدة أهل السنة فقد ذكروه في كتبهم المعروفة الجامعة كقول اللالكائي: "سياق ما روي في أن السحر له حقيقة" (١)، ولم ينكر حقيقة السحر إلا طائفة من أهل الكلام كالمعتزلة قال ابن القيم: "وهذا خلاف ما تواترت به الآثار عن الصحابة والسلف، واتفق عليه الفقهاء، وأهل التفسير والحديث، وأرباب القلوب من أهل التصوف، وما يعرفه عامة العقلاء، والسحر الذي يؤثر مرضا وثقلا، وحلا وعقدا، وحُبا وبُغضا، وتزيينا وغير ذلك من الآثار، موجود تعرفه عامة الناس، وكثير منهم قد علمه ذوقا بما أصيب به منه" (٢)، وذكره أبو الحسن في جملة عقائد أهل السنة والأثر أصحاب الحديث فقال: "ويصدقون بأن في الدنيا سحرة،

стр. 443

وأن الساحر كافر. . . وأن السحر كائن موجود في الدنيا" (١). وأما بعض أنواعه: فتضمن الأثران استعمال كبة الغزل، والطيران على الباب، والطفو على الماء، وهي بعض أنواع السحر وله أنواع كثيرة جدا، منها ما يكون حقيقة ومنها ما هو خيال فقط، ومنها ما هو حيل وتمويهات (٢). وأما تعليم هاروت وماروت للسحرة: فقد تضمن الأثر بعض تفاصيل ذلك، وقد ذكر ذلك ابن حجر في الفتح فقال: "قصة هاروت وماروت جاءت بسند حسن من حديث ابن عمر في مسند أحمد، وأطنب الطبري في إيراد طرقها، بحيث يقضى بمجموعها على أن للقصة أصلا، خلافا لمن زعم بطلانها كعياض ومن تبعه، ومحصلها: أن اللَّه ركب الشهوة في ملكين من الملائكة اختبارا لهما، وأمرهما أن يحكما في الأرض، فنزلا على صورة البشر، وحكما بالعدل مدة، ثم افتتنا بامرأة جميلة فعوقبا بسبب ذلك بأن حبسا في بئر ببابل منكسين، وابتليا بالنطق بعلم السحر، فصار يقصدهما من يطلب ذلك، فلا ينطقان بحضرة أحد حتى يحذراه وينهياه، فإذا أصر تكلما بذلك، ليتعلم منهما ذلك، وهما قد عرفا ذلك، فيتعلم منهما ما قص اللَّه عنهما واللَّه أعلم" (٣)، كما نص الإمام عبد اللَّه

стр. 444

ابن المبارك ﵀ كما في نهاية القصة أن ذلك المكان طمس فلم يعد يعرف واللَّه أعلم. وأما منافاته للتوحيد: ففى انتفاض هارون وماروت من قول: لا إله إلا اللَّه، وتعليلهم ذلك بأنهما لم يسمعاها منذ فارقا العرش، وهذا حق قال ابن القيم: "قَلَّمَا يتأتَّى المسحر بدون نوع عبادة للشيطان، وتقرب إليه: إما بذبح باسمه، أو بذبح يقصد به هو، فيكون ذبحا لغير اللَّه، وبغير ذلك من أنواع الشرك والفسوق، والساحر وإن لم يسم هذا عبادة للشيطان، فهو عبادة له وإن سماه بما سماه به؛ فإن الشرك والكفر هو شرك وكفر لحقيقته ومعناه، لا لاسمه ولفظه" (١)، ومن هنا أورده شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد مبوبا له بقوله: "باب ما جاء في السحر" قال شارحه عبد الرحمن بن حسن: "لما كان السحر من أنواع الشرك؛ إذ لا يتأتى السحر بدونه. . . أدخله المصنف في كتاب التوحيد ليبين ذلك تحذيرا منه، كما ذكر غيره من أنواع الشرك" (٢). وأما عقوبة صاحبه: فهي القتل كما هو صريح في الأثرين، وهو مذهب الجمهور إلا الشافعي الذي علق القتل بالسحر الذي يكون كفرا لا مطلق السحر، ومذهب الجمهور أولى وأرجح لفعل الصحابة له من غير نكير فكان كالإجماع واللَّه أعلم (٣).

стр. 445

المسألة الخامسة: الآثار الواردة في سد ذرائع الشرك . ٣٦١ - حدثني محمد قال: حدثني عمر بن حفص قال: حدثني سكين ابن مكين هذا قال: "لما مات ورّاد العجلي، فحملوه إلى حفرته، نزلوا ليدلوه في حفرته، فإذا القبر مفروش بالريحان، فأخذ بعض القوم الذين نزلوا القبر من ذلك الريحان شيئا، فمكث سبعين يوما طريا لا يتغيّر، يغدو الناس ويروحون ينظرون، إليه، قال: وكثر الناس في ذلك، حتى خاف الأمر أن يفتن الناس، فأرسل إلى الرجل، فأخذ ذلك الريحان، وفرّق الناس، ففقده الأمير من منزله، لا يدري كيف ذهب" (١). ٣٦٢ - كتب إلي أبو عبد اللَّه محمد بن خلف بن صالح التيمي عن إسحاق بن أبي نباتة من بني عمرو بن سعد بن زيد مناه بن تميم: "مكث ستين يؤذن لقومه في مسجد بني عمرو بن سعد وكان يعلم الغلمان الكتاب، ولا يأخذ الأجر، ومات قبل أن يحفر الخندق بثلاثين سنة، فلما حفر الخندق وكان بين المقابر ذهب بعض أصحابه يستخرجه ووقع قبره في الخندق، فاستخرجوه كما دفن لم يتغير منه شيء، إلا أن الكفن قد جفّ عليه ويبس، والحنوط محطوط عليه، وكان خضيبا فرأوا وجهه مكشوفا وقد فصل الحناء في أطراف لحيته، فمضى المسيب بن زهير إلى أبي جعفر وهو في قصر أم موسى بنت هشام بن عبد الملك على شاطئ

стр. 446

الفرات، فأخبره فركب أبو جعفر في الليل حتى رآه، فأمر به فدفن بالليل لأن لا يفتتن الناس" (١). التحليل والتعليق تضمن الأثران السابقان مشروعية سد الذرائع إلى الشرك، وقطع كل الوسائل الموصلة إليه، وحرص حكام المسلمين في ذلك العصر على ما يعكر عقائد الناس، أو يشوش على فطرتهم، فكلا الأميرين رحمهما اللَّه قطعا مادة الشرك التي قد يفتن بها الناس وأزالاها، ولهما في ذلك أسوة بالرسول الكريم ﷺ الذي حمي: "جانب التوحيد أعظم حماية، حتى نهى عن صلاة التطوع للَّه سبحانه عند طلوع الشمس وعند غروبها، لئلا يكون ذريعة إلى التشبه بعُبَّاد الشمس، الذين يسجدون لها في هاتين الحالتين، وسد الذريعة بأن منع الصلاة بعد العصر والصبح لاتصال هذين الوقتين بالوقتين اللذين يسجد المشركون فيهما للشمس" (٢)، وعلى ذلك سار الصحابة من بعده رضوان اللَّه عليهم قال شيخ الإسلام: "ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان في سفر فرأى قوما ينتابون مكانا للصلاة

стр. 447

فقال: ما هذا؟ ! فقالوا: هذا مكان صلى فيه رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم بهذا، أنهم اتخذوا آثار أنبيائهم مساجد؛ من أدركته الصلاة فليصل، وإلا فليمض، وبلغه أن قوما يذهبون إلى الشجرة التي بايع النبي ﷺ أصحابه تحتها، فأمر بقطعها، وأرسل إليه أبو موسى يذكر له أنه ظهر بتستر قبر دانيال، وعنده مصحف فيه أخبار ما سيكون، قد ذكر فيه أخبار المسلمين، وأنهم إذا أجدبوا كشفوا عن القبر فمطروا، فأرسل إليه عمر يأمره أن يحفر بالنهار ثلاثة عشر قبرا، ويدفنه بالليل، في واحد منها، لئلا يعرفه الناس، لئلا يفتنوا به" (١)، وقال ابن القيم: "فإذا كان هذا فعل عمر ﵁ بالشجرة التي ذكرها اللَّه تعالى في القرآن، وبايع تحتها الصحابة رسول اللَّه، فماذا حكمه فيما عداها من هذه الأنصاب والأوثان التي قد عظمت الفتنة بها واشتدت البلية بها" (٢)، "فهذا وأمثاله مما كانوا يحققون به التوحيد الذي أرسل اللَّه به الرسول إليهم ويتبعون في ذلك سنته ﷺ " (٣)، ولذلك عقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب بابا في كتاب التوحيد بعنوان: "ما جاء في حماية النبي ﷺ جناب التوحيد وسد ذرائعه" قال شارحه عبد الرحمن بن حسن: "اعلم أن في الأبواب المتقدمة شيئا من حمايته ﷺ لجناب التوحيد، ولكن أراد المصنف هنا بيان حمايته الخاصة، ولقد

стр. 448

بالغ ﷺ ، وحذَّر وأنذر، وأبدأ وأعاد، وخصّ وعم في حماية الحنيفية السمحة التي بعثه اللَّه بها، فهي حنيفية في التوحيد، سمحة في العمل، كما قال بعض العلماء: هي أشد الشرائع في التوحيد والإبعاد عن الشرك، وأسمح الشرائع في العمل" (١).

стр. 449

المطلب الثاني: الآثار الواردة في قوادح التوحيد . وفيه ست مسائل: المسألة الأولى: الآثار الواردة في الرياء. المسألة الثانية: الآثار الواردة في الحلف بغير اللَّه. المسألة الثالثة: الآثار الواردة في قول الرجل: لولا اللَّه وأنت. المسألة الرابعة: الآثار الواردة في التمائم. المسألة الخامسة: الآثار الواردة في الطيرة. المسألة السادسة: الآثار الواردة في النهي عن بناء القبور بالآجر.

стр. 450

المسألة الأولى: الآثار الواردة في الرياء . أولا: الآثار الواردة في تعريفه . ٣٦٣ - حدثني محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، أنا إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل يقول: "من استوحش من الوحدة، واستأنس بالناس، لم يسلم من الرياء" (١). ٣٦٤ - ذكر عبد الرحيم بن يحيى، نا عثمان بن عمارة قال: "خرجنا مرة عشرة من أصحاب عبد الواحد بن زيد من البصرة حتى ركبنا البحر فسرنا في خدافه (٢) حتى انتهينا إلى سراب فدخلنا مسجدها فتذاكرنا الرياء فيما بيننا، فقلنا حدّث عبد الواحد عن الحسن: أن أصل الرياء حب المحمدة، فإذا شيخ يصلي طوال أبيض الرأس واللحية به جنا (٣)، في جبهته سجادة قريب منه، فلما سمع قولنا: إن أصل الرياء حب المحمدة، صاح صيحة ظننا أن نفسه قد خرجت، ثم انحئ فأخذ من رمل المسجد فوضعه على رأسه ثم قال: يا ويلي ويا عولي إني لأعبد اللَّه في هذا المكان منذ أربعين سنة، ما أقوى على ذلك إلا بحب محمدة الناس إياي" (٤).

стр. 451

ثانيا: الآثار الواردة في خطورته . ٣٦٥ - حدثني الحسن بن الصباح، حدثني يعقوب بن إسحاق الحضرمي، حدثنا سلام بن سليمان، حدثنا عمرو بن عتبة قال: قال معاوية ﵁: "آفة العلم النسيان، وآفة العبادة الرياء. . . " (١). ٣٦٦ - حدثني يعقوب بن إسماعيل قال: حدثنا حبان بن موسى، أخبرنا عبد اللَّه، أخبرنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير (٢) قال: "يصعد الملك بعمل العبد مبتهجا، فإذا انتهى إلى ربه قال: اجعلوه في سِجِّين؛ فإني لم أُرد بهذا" (٣).

стр. 452

ثالثا: الآثار الواردة في خوف السلف وتحذيرهم منه . ٣٦٧ - حدثنا يعقوب بن إسماعيل قال: أخبرنا حبان قال: أخبرنا عبد اللَّه (١) قال: أخبرنا المعتمر، عن كهمس بن الحسن: "أن رجلا تنفّس عند عمر بن الخطاب، كأنه يتجاذب، فلكزه لكزة (٢) - أو قال: لكمه (٣). ٣٦٨ - حدثنا محمد بن علي بن الحسن، عن إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت أبا عصام الرملي، عن رجل، عن الحسن: "أنه حدّث يوما، أو وعظ فتنفّس في مجلسه رجل، فقال الحسن: إن كان للَّه فقد شهّرت نفسك، وإن كان لغير اللَّه فقد هلكت" (٤).

стр. 453

٣٦٩ - حدثني محمد بن عثمان العجلي، حدثنا أبو أسامة، عن الربيع قال: "وعظ الحسن يوما، فانتحب رجل، فقال الحسن: ليسألنّك اللَّه يوم القيامة ما أردت بهذا" (١). ٣٧٠ - حدثنا الهيثم بن خارجة، حدثنا عبد ربه بن عبد اللَّه الفلسطيني، عن مولى لابن محيريز قال: "دخلت مع ابن محيريز (٢) حانوت بزّاز (٣) ليشتري منه متاعا فرفع السَّوم ولم يعرفه، فأشرت إليه أنه ابن محيريز فقال: اخرج؛ إنما نشتري بأموالنا لا بأدياننا" (٤).

стр. 454

٣٧١ - حدثني أبو هاشم، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا المضّاء ابن عيسى الدمشقي قال: "مرّ سليمان الخواص بإبراهيم بن أدهم، وهو عند قوم قد أضافوه وأكرموه، فقال: نعم الشيء هذا يا إبراهيم إن لم يكن تكرمة دين" (١). رابعا: الآثار الواردة في الفرق بينه وبين حب الذكر الحسن . ٣٧٢ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، نا يحيى بن معين، حدثني الهيثم بن عبيد الصيد، عن أبيه قال: قلت لزيد بن أسلم (٢): "الرجل يعمل بشيء من الخير فيسمع الذاكر له فيسرّه، هل يحبط ذلك شيئا من عمله؟ قال: ومن ذا الذي يحب أن يكون له لسان سوء؟ حتى إن إبراهيم خليل الرحمن ﷺ قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ (٣) " (٤).

стр. 455

خامسا: الآثار الواردة في الرياء وقبول الأعمال. ٣٧٣ - حدثني عبد الرحمن بن صالح الأزدي، حدثنا حسين الجعفي عن الضحاك بن الطيب الجعفي (١)، عن أبي سهل الخراساني (٢) قال: "كان شاب يقرأ عند الحسن وكان يعجبه صوته فقال: يا أبا سعيد إني قد رزقت هذا الصوت، وإني أقوم الليل فيجيئني الشيطان فيقول: إنما تريد أن تسمع، فقال الحسن: نيّتك حين تقوم من فراشك" (٣). ٣٧٤ - حدثنا عبد المتعال بن طالب، حدثنا عبد اللَّه بن وهب، حدثني حرملة بن عمران، عن حميد بن أفلح الخولاني (٤)، عن عبد الرحمن

стр. 456

ابن شريح (١) قال: "من قام إلى شيء من الخير لا يريد به إلا اللَّه ثم عرض له من يريد أن يرائيه بذلك، أعطاه اللَّه بالأصل ووضع عنه الفرع، ومن قام إلى شيء من الخير لا يريد به إلا المراءاة ثم فكر أو بدا له فجعل آخر ذلك للَّه أعطاه اللَّه الفرع ووضع عنه الأصل" (٢). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة أمورا مهمة تتعلق بالرياء، من تعريفه، وخطورته، وخوف السلف وتحذيرهم منه، والفرق بينه وبين حب الذكر الحسن، وعلاقة الرياء بقبول الأعمال. فأما تعريفه: فعرفه الحسن بأن أصله حب المحمدة، وإظهار العمل الصالح للناس ليحمدوه عليه، كما في أثر الحسن وقصة الشيخ العابد الذي لا يقوى على العبادة إلا بسبب حب المحمدة، ولذلك كان علامة ذلك أن المرائي يستوحش من الوحدة فضلا عن العبادة فيها، قال ابن حجر: "الرياء بكسر الراء وتخفيف التحتانية والمد، وهو مشتق من الرؤية، والمراد به: إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها؛ فيحمدوا صاحبها" (٣).

стр. 457

وأما خطورته: فقد تضمنت الآثار بيان خطورته، فهو آفة العبادة كما قال معاوية ﵁، ثم بيّن يحيى بن أبي كثير أن العمل الذي لا يراد به اللَّه يوضع في سجين، وخلاصة خطورته أنه من باب الشرك وهو مناف للتوحيد بحسبه، وقد سبق الكلام على أهمية الإخلاص في مبحث الإخلاص والعمل الصالح، وأنه شرط لقبول العمل. وأما خوف السلف وتحذيرهم منه: فإنك تقف على العجب في هذه الآثار حيث نهوا عن التنفس المبالغ فيه عند الموعظة، فلكز عمر بن الخطاب ﵁ فاعله، ونهى الحسن جليسه عنه وبيَّن له أنه دائر بين الهلاك في الرياء، أو الشهرة إن كان لخلصا، وأنه مسؤول عن فعله ماذا أراد به، ومن حذرهم من الرياء خوفهم من إكرام الناس لهم بسبب منزلتهم الدينية، فلا يرضون بتنزيل السعر عن المثل، ولا بالإكرام والإضافة التي يكون دافعها ما عرف عنهم من الصلاح والديانة، ومن أجمل ما نقل في هذا الصدد ابن رجب قوله: "فما أحسن قول سهل بن عبد اللَّه: ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب، وقال يوسف بن الحسين الرازي: أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لون آخر" (١). وأما الفرق بينه وبينه حب الذكر الحسن: فقد بيّن أثر زيد بن أسلم أنه لا تنافي بينهما، وذكر دعاء إبراهيم ﵇ بأن يجعل اللَّه له

стр. 458

لسان صدق في العالمين، ويؤيده من شريعتنا قول النبي ﷺ : "تلك عاجل بشرى المؤمن" (١) وقد بوب له النووي ﵀ في رياض الصالحين بقوله: "باب ما يتوهم أنه رياء وليس كذلك" (٢)، قال ابن رجب: "إذا عمل العمل للَّه خالصا ثم ألقى اللَّه له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك بفضل ورحمة واستبشر بذلك لم يضره ذلك" (٣). أما علاقة الرياء بقبول العمل: فقد سبق أن شرط قبول العمل الإخلاص فيه، وأن من أشرك مع اللَّه أحدا تركه اللَّه وشركه، والمقصود هنا بيان بعض تفاصيل هذه المسألة، حيث تضمن أثرا الحسن وابن شريح، أن من قام بعمل ولم يقصد به غير اللَّه، ثم طرأ عليه الرياء لم يضره ذلك، بل يجازيه اللَّه على أصل نيته ويعفو له عما طرأ، وزاد أثر ابن شريح أنه من قام إلى شيء من الخير لا يريد به إلا المراءاة، ثم فكر أو بدا له فجعل آخر ذلك للَّه، أعطاه اللَّه الفرع، ووضع عنه الأصل، وهذان الأثران يفيدان أن المسألة فيها تفصيل، وقد جمع ابن رجب هذا التفصيل وحالاته فقال: "اعلم أن العمل لغير اللَّه أقسام: فتارة يكون رياء محضا: بحيث لا يراد به سوى مرئيات المخلوقين، لغرض دنيوي، كحال المنافقين في صلاتهم. . . وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر عن مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة

стр. 459

والحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة، والتي يتعدى نفعها فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من اللَّه، والعقوبة. وتارة يكون العمل للَّه ويشاركه الرياء؛ فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضًا وحبوطه. . . ولا نعرف عن السلف في هذا خلافا، وإن كان فيه خلاف عن بعض المتأخرين؛ فإن خالط نيته الجهاد مثلًا نية يخل الرياء مثل أخذه أجرة للخدمة، أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة، نقص بذلك أجر جهاده ولم يبطل بالكلية. . . وأما إن كان أصل العمل للَّه ثم طرأت عليه نية الرياء فلا يضره؛ فإن كان خاطرا ودفعة فلا يضره بغير خلاف، فإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك، ويجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري، وأرجو أن عمله لا يبطل بذلك وأنه يجازى بنيته الأولى. . . وذكر ابن جرير أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة والصيام والحج، فأما ما لا ارتباط فيه كالقراءة والذكر وإنفاق المال ونشر العلم! فإنه ينقطع بنية الرياء الطارئة عليه، ويحتاج إلى تجديد نية. . . " (١).

стр. 460

المسألة الثانية: الآثار الواردة في الحلف بغير اللَّه . ٣٧٥ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا المحاربي، عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن كعب ﵁ قال: "إنكم تشركون في قول الرجل: كلا وأبيك، كلا والكعبة، كلا وحياتك، وأشباه هذا، احلف باللَّه صادقا أو كاذبا، ولا تحلف بغيره" (١). ٣٧٦ - حدثني حمزة، أنبأنا عبدان، أنبأنا عبد اللَّه، أنبأنا شريك، عن أبي إسحاق الشيباني، عن خناس بن سُحيم قال: "أقبلت مع زياد بن حُدَير (٢) من الكُناسة، فقلت في كلامي: لا والأمانة، فجعل زياد يبكي ويبكي، فظننت أني أتيت أمرا عظيما، فقلت له: أكان يُكرَه ما قلت؟ قال: نعم، كان عمر ﵁، ينهانا عن الحلف بالأمانة، أشدَّ النهي" (٣).
следующие страницы →