← Акыда

Акыда · id 151178

الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا

حميد بن أحمد نعيجات

Полный текст (1 390 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ابن شريح (١) قال: "من قام إلى شيء من الخير لا يريد به إلا اللَّه ثم عرض له من يريد أن يرائيه بذلك، أعطاه اللَّه بالأصل ووضع عنه الفرع، ومن قام إلى شيء من الخير لا يريد به إلا المراءاة ثم فكر أو بدا له فجعل آخر ذلك للَّه أعطاه اللَّه الفرع ووضع عنه الأصل" (٢). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة أمورا مهمة تتعلق بالرياء، من تعريفه، وخطورته، وخوف السلف وتحذيرهم منه، والفرق بينه وبين حب الذكر الحسن، وعلاقة الرياء بقبول الأعمال. فأما تعريفه: فعرفه الحسن بأن أصله حب المحمدة، وإظهار العمل الصالح للناس ليحمدوه عليه، كما في أثر الحسن وقصة الشيخ العابد الذي لا يقوى على العبادة إلا بسبب حب المحمدة، ولذلك كان علامة ذلك أن المرائي يستوحش من الوحدة فضلا عن العبادة فيها، قال ابن حجر: "الرياء بكسر الراء وتخفيف التحتانية والمد، وهو مشتق من الرؤية، والمراد به: إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها؛ فيحمدوا صاحبها" (٣).

стр. 457

وأما خطورته: فقد تضمنت الآثار بيان خطورته، فهو آفة العبادة كما قال معاوية ﵁، ثم بيّن يحيى بن أبي كثير أن العمل الذي لا يراد به اللَّه يوضع في سجين، وخلاصة خطورته أنه من باب الشرك وهو مناف للتوحيد بحسبه، وقد سبق الكلام على أهمية الإخلاص في مبحث الإخلاص والعمل الصالح، وأنه شرط لقبول العمل. وأما خوف السلف وتحذيرهم منه: فإنك تقف على العجب في هذه الآثار حيث نهوا عن التنفس المبالغ فيه عند الموعظة، فلكز عمر بن الخطاب ﵁ فاعله، ونهى الحسن جليسه عنه وبيَّن له أنه دائر بين الهلاك في الرياء، أو الشهرة إن كان لخلصا، وأنه مسؤول عن فعله ماذا أراد به، ومن حذرهم من الرياء خوفهم من إكرام الناس لهم بسبب منزلتهم الدينية، فلا يرضون بتنزيل السعر عن المثل، ولا بالإكرام والإضافة التي يكون دافعها ما عرف عنهم من الصلاح والديانة، ومن أجمل ما نقل في هذا الصدد ابن رجب قوله: "فما أحسن قول سهل بن عبد اللَّه: ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب، وقال يوسف بن الحسين الرازي: أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لون آخر" (١). وأما الفرق بينه وبينه حب الذكر الحسن: فقد بيّن أثر زيد بن أسلم أنه لا تنافي بينهما، وذكر دعاء إبراهيم ﵇ بأن يجعل اللَّه له

стр. 458

لسان صدق في العالمين، ويؤيده من شريعتنا قول النبي ﷺ : "تلك عاجل بشرى المؤمن" (١) وقد بوب له النووي ﵀ في رياض الصالحين بقوله: "باب ما يتوهم أنه رياء وليس كذلك" (٢)، قال ابن رجب: "إذا عمل العمل للَّه خالصا ثم ألقى اللَّه له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك بفضل ورحمة واستبشر بذلك لم يضره ذلك" (٣). أما علاقة الرياء بقبول العمل: فقد سبق أن شرط قبول العمل الإخلاص فيه، وأن من أشرك مع اللَّه أحدا تركه اللَّه وشركه، والمقصود هنا بيان بعض تفاصيل هذه المسألة، حيث تضمن أثرا الحسن وابن شريح، أن من قام بعمل ولم يقصد به غير اللَّه، ثم طرأ عليه الرياء لم يضره ذلك، بل يجازيه اللَّه على أصل نيته ويعفو له عما طرأ، وزاد أثر ابن شريح أنه من قام إلى شيء من الخير لا يريد به إلا المراءاة، ثم فكر أو بدا له فجعل آخر ذلك للَّه، أعطاه اللَّه الفرع، ووضع عنه الأصل، وهذان الأثران يفيدان أن المسألة فيها تفصيل، وقد جمع ابن رجب هذا التفصيل وحالاته فقال: "اعلم أن العمل لغير اللَّه أقسام: فتارة يكون رياء محضا: بحيث لا يراد به سوى مرئيات المخلوقين، لغرض دنيوي، كحال المنافقين في صلاتهم. . . وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر عن مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة

стр. 459

والحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة، والتي يتعدى نفعها فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من اللَّه، والعقوبة. وتارة يكون العمل للَّه ويشاركه الرياء؛ فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضًا وحبوطه. . . ولا نعرف عن السلف في هذا خلافا، وإن كان فيه خلاف عن بعض المتأخرين؛ فإن خالط نيته الجهاد مثلًا نية يخل الرياء مثل أخذه أجرة للخدمة، أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة، نقص بذلك أجر جهاده ولم يبطل بالكلية. . . وأما إن كان أصل العمل للَّه ثم طرأت عليه نية الرياء فلا يضره؛ فإن كان خاطرا ودفعة فلا يضره بغير خلاف، فإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك، ويجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري، وأرجو أن عمله لا يبطل بذلك وأنه يجازى بنيته الأولى. . . وذكر ابن جرير أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة والصيام والحج، فأما ما لا ارتباط فيه كالقراءة والذكر وإنفاق المال ونشر العلم! فإنه ينقطع بنية الرياء الطارئة عليه، ويحتاج إلى تجديد نية. . . " (١).

стр. 460

المسألة الثانية: الآثار الواردة في الحلف بغير اللَّه . ٣٧٥ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا المحاربي، عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن كعب ﵁ قال: "إنكم تشركون في قول الرجل: كلا وأبيك، كلا والكعبة، كلا وحياتك، وأشباه هذا، احلف باللَّه صادقا أو كاذبا، ولا تحلف بغيره" (١). ٣٧٦ - حدثني حمزة، أنبأنا عبدان، أنبأنا عبد اللَّه، أنبأنا شريك، عن أبي إسحاق الشيباني، عن خناس بن سُحيم قال: "أقبلت مع زياد بن حُدَير (٢) من الكُناسة، فقلت في كلامي: لا والأمانة، فجعل زياد يبكي ويبكي، فظننت أني أتيت أمرا عظيما، فقلت له: أكان يُكرَه ما قلت؟ قال: نعم، كان عمر ﵁، ينهانا عن الحلف بالأمانة، أشدَّ النهي" (٣).

стр. 461

٣٧٧ - حدثنا علي بن الجعد، أنبأنا هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن القاسم بن مخيمرة (١) ﵀ قال: "لأن أحلف بالصليب، أحب إليّ من أن أحلف بحياة رجل" (٢). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة النهي عن الحلف بغير اللَّه، وتسمية ذلك شركا، كما في أثر كعب ﵁ وقد ذكر ابن حجر وجه هذا النهي فقال: "السر في النهي عن الحلف بغير اللَّه أن الحلف بالشيء يقتضي

стр. 462

تعظيمه والعظمة في الحقيقة إنما هي للَّه وحده" (١)، بل إن الحلف باللَّه كاذبا أهون من الحلف بغير اللَّه ولو كان صادقا؛ وقد علل شيخ الإسلام ذلك بقوله: "لأن الحلف بغير اللَّه شرك، والحلف باللَّه توحيد، وتوحيد معه كذب خير من شرك معه صدق" (٢)، ومن خطورة هذا الشرك أن القاسم بن مخيمرة قرنه بالحلف بالصليب، وجعله أهون من الحلف بحياة الرجل، وذلك لأن الحلف بالصليب لا يشكل على أحد، فلذلك قرنه به حتى تعلم خطورته ولا يتساهل الناس به، هذا وجهه واللَّه أعلم، ومن جملة الحلف بغير اللَّه: الحلف بالأب، وبالكعبة، وبالأمانة، قال شيخ الإسلام: "فصل وأما الحلف بغير اللَّه من الملائكة والأنبياء والمشايخ والملوك وغيرهم، فإنه منهي عنه، وغير منعقد باتفاق الأئمة، ولم ينازعوا إلا في الحلف برسول اللَّه خاصة، والجمهور على أنه لا تنعقد اليمين لا به ولا بغيره. . . فمن حلف بشيخه، أو بتربته، أو بحياته، أو بحقه على اللَّه، أو بالملوك، أو بنعمة السلطان، أو بالسيف، أو بالكعبة، أو أبيه، أو تربة أبيه، أو نحو ذلك كان منهيا عن ذلك ولم تنعقد يمينه باتفاق المسلمين" (٣).

стр. 463

المسألة الثالثة: الآثار الواردة في قول الرجل: لولا اللَّه وأنت . ٣٧٨ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أبو يحيى التيمي، حدثنا مغيرة قال: "كان إبراهيم ﵀ يكره أن يقول الرجل: أعوذ باللَّه وبك، ويرخِّص أن يقول: أعوذ باللَّه ثم بك، ويكره أن يقول: لولا اللَّه وفلان، ويرخص أن يقول: لولا اللَّه ثم فلان" (١). التحليل والتعليق تضمن أثر النخعي ﵀ كراهية عطف المخلوق على الخالق في الاستعاذة والاعتماد، كقول: أعوذ باللَّه وبك، وأن الصواب قول: أعوذ

стр. 464

باللَّه ثم بك، وهذه المسألة والتي قبلها من الشرك الأصغر، وهو من شرك الألفاظ، قال ابن القيم: "أما الشرك الأصغر: فكيسير الرياء، والتصنع للخلق، والحلف بغير اللَّه كما ثبت عن النبي أنه قال: "من حلف بغير اللَّه فقد أشرك"، وقول الرجل للرجل: ما شاء اللَّه وشئت، وهذا من اللَّه ومنا، وأنا باللَّه وبك، ومالي إلا اللَّه وأنت، وأنا متوكل على اللَّه وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا، وقد يكون هذا شركا أكبر بحسب قائله ومقصده" (١)، وقال الشيخ مبارك الميلي لما تكلم عن أقسام الحلف بغير اللَّه وأن منه المخرج من الملة ومنه غير المخرج، ومنه الأصغر والأكبر، وحالات كل منها، قال ﵀: "خلاصة هذه النقول أن الاختلاف في حكم الحلف بغير اللَّه إنما هو مع سلامة الحالف من تعظيم المخلوق تعظيما من نوع تعظيم الخالق. . . فأما إن حل بالقلب تعظيم المخلوق كتعظيم الخالق فجرى اللسان لذلك بتلك اليمين وخشيت النفس في الحنث بها ما تخشاه في الحنث باللَّه، فهذه اليمين مظهر من مظاهر الشرك لا نزاع في ذلك ولا شك" (٢).

стр. 465

المسألة الرابعة: الآثار الواردة في التمائم . ٣٧٩ - حدثنا أبو خيثمة، وإسحاق بن إسماعيل، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: "كان رسول اللَّه ﷺ يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع: "بسم اللَّه، أعوذ بكلمات اللَّه التامة من غضبه وعقابه، ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، قال: وكان عبد اللَّه بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده، ومن لم يبلغ أن يقولها، كتبه فعلقه عليه" (١). ٣٨٠ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبان بن تغلب، عن يونس بن خباب قال: "سألت أبا جعفر (٢) عن التعويذ يعلق على الصبيان؟ قال: لا بأس به" (٣).

стр. 466

٣٨١ - حدثنا الحسين بن محمد السعدي، حدثنا عمرو بن محمد، حدثنا يونس بن خباب قال: "استشرت أبا جعفر محمد بن علي في تعليق العاذة، قال: نعم؛ إذا كان من كتاب اللَّه ، أو عن كلامٍ عن نبي اللَّه ﷺ ، وأمرني أن أستشفى به ما استطعت، فكتب لي كتابا من الحمى الربع: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿الْأَخْسَرِينَ﴾ (١)، اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل اشف صاحب هذا الكتاب" (٢). ٣٨٢ - حدثنا علي بن الجعد، حدثنا شعبة، عن رجلين من أهل خراسان يقال لأحدهما: أبو عصمة، عن رجل من أهل المدينة، أنه سأل سعيد بن المسيب عن التعويذ؟ فقال: "لا بأس إذا كان في أديم، أو فضة" (٣). ٣٨٣ - حدثني قاسم بن هاشم، حدثنا موسى بن داود، حدثنا هضيم، عن حجاج قال: "أخبرني من رأى سعيد بن جبير يكتب التعاويذ للناس" (٤).

стр. 467

٣٨٤ - وبه عن حجاج قال: "سألت عطاء عن ذلك؟ فقال: إنما جاءنا كراهيته من قبلكم يا أهل العراق" (١). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة جواز تعليق نوع من التمائم والتعاويذ، وهي التي تكون بما في كتاب اللَّه أو سنة نبيه ﷺ ، حيث ورد تقييدها بذلك إما بحكاية الواقع الذي كانوا يفعلونه كما في أثر ابن عمرو أنه كتب ما علمه رسول اللَّه ﷺ لمن لم يعقل من أولاده أن يحفظه، أو باشتراط من أجاز التعليق أن لا يكون بغير ما ذكر كما في كلام أبي جعفر، وبعضها اشترط عدم امتهانها بأن توضع في جلد أو فضة ونحو ذلك، كما في كلام سعيد ابن جبير، كما تضمنت هذه الآثار الإشارة إلى وجود خلاف في المسألة من القرون الأولى، حيث ذكر عطاء أن الكراهة جاءت من قبل أهل العراق. والمسألة بصرف النظر عما صح ولم يصح من الآثار فيها، هي مسألة خلافية بين السلف، ذكرها غير واحد من العلماء، وسأذكر أقوال العلماء في التمائم عموما، لكي تتضح هذه المسألة أكثر، ولا يلتبس نوع بنوع آخر، فيحمل ما فيه خلاف على الجواز على ما فيه اتفاق على المنع.

стр. 468

القسم الأول: ما كان بغير العربية وبكلام لا يعرف، وهذا القسم داخل في عموم النهي الوارد في التمائم، كحديث عقبة بن عامر مرفوعا: "من تعلق تميمة فلا أتم اللَّه له" (١)، وفي بعض رواياته: "من تعلق تميمة فقد أشرك" (٢)، وعن ابن مسعود ﵁ قال سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" (٣). القسم الثاني: ما كان بالقرآن الكريم، وسنة رسول اللَّه ﷺ ، والكلام المشروع. وهو مذهب مالك ﵀ في إحدى الروايتين، اختارها الباجي وابن رشد ونقل عن مالك أنه سئل: "أتعلق شيء من هذه الكتب أو يعلقها؟ قال: كذلك أيضًا إن ما لا بأس به فلا بأس بذلك" (٤)، وقال: "و [هو أولى بالصواب من جهة النظر" (٥)، وقال الباجي: "الصحيح من قول العلماء جواز ذلك في الوجهين [قبل نزول البلاء وبعده وهو قول مالك والفقهاء" (٦).

стр. 469

وذهب إليه من المتقدمين عطاء (١) وسعيد بن المسيب (٢) كما في الآثار السابقة، وأبو عبيدة بن الهروي (٣)، والبيهقي (٤)، وحملوا أحاديث النهي على ما كان بغير لغة العرب مما لا يدرى ما هو. وللسلف في هذه المسألة قولان آخران هما: الأول: قول من يرى جواز ذلك لكن يخصه بما كان بعد نزول البلاء، ولا يجيزه قبل ذلك، قال الشيخ سليمان آل الشيخ: "وهو قول عبد اللَّه بن عمرو بن العاص وغيره، وهو ظاهر ما روي عن عائشة، وبه قال أبو جعفر الصادق وأحمد في رواية" (٥). وقد وجه ابن رشد ﵀ سبب تخصيص ما بعد نزول البلاء بالجواز فقال: "لا وجه له من طريق النظر للتفرقة فيما كان منها [التمائم بذكر اللَّه، بين الصحة والمرض إلا اتباع قول عائشة في ذلك إذ لا تقوله رأيا واللَّه أعلم" (٦)، وهذا ما نص عليه الحاكم ﵀ فقال: "لعل متوهما يتوهم أنها من الموقوفات على عائشة ﵂، وليس كذلك فإن رسول اللَّه ﷺ قد ذكر التمائم في أخبار كثيرة فإذا فسرت عائشة التميمة

стр. 470

فإنه حديث مسند" (١). وأثر عائشة المشار إليه هو قولها: "ليست التميمة ما تعلق به بعد البلاء، إنما التميمة ما تعلق به قبل البلاء" (٢). الثاني: تحريم تعليق التمائم مطلقا دون تفريق بين ما كان من القرآن أو غيره، أو ما كان قبل نزول البلاء أو بعده. وذلك للأمور التالية: ١ - عموم الأدلة الواردة في تحريم التمائم ولم يأت مخصص يخص ما كان بالقرآن من غيره، قال الشيخ سليمان آل الشيخ ﵀: "يؤيد ذلك أن الصحابة الذين رووا الحديث فهموا العموم كما تقدم عن ابن مسعود، وروي عن عيسى بن حمزة قال: دخلت على عبد اللَّه بن عكيم وبه حمرة فقلت: ألا تعلق تميمة؟ فقال: نعوذ باللَّه من ذلك قال رسول اللَّه ﷺ : "من تعلق شيئا وكل إليه"، وروى وكيع عن ابن عباس قال: دخلت على عبد اللَّه بن عكيم وبه حمرة فقلت: ألا تعلق تميمة؟ قال: اتفل بالمعوذتين ولا تعلق"، وأما القياس على الرقية بذلك فهذا إلى الرقى

стр. 471

المركبة من حق وباطل أقرب" (١). ٢ - "سد الذريعة، فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك. ٣ - أنه إذا علق فلا بدّ أن يمتهنه المعلق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك" (٢). ويجاب عن الأثرين الواردين عن عبد اللَّه بن عمرو وعائشة بأن الأول ضعيف لا يثبت سنده عنيه، أما أثر عائشة فإنه على سلامة سنده من مطعن فهو معارض بفهم غيرها من الصحابة الذين فهموا العموم من النصوص الواردة في التمائم وكذلك من بعدهم من كبار التابعين الذين أدركوا الصحابة، قال إبراهيم النخعي ﵀: "كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن" (٣)، قال الشيخ عبد الرحمن آل الشيخ: "مراده بذلك أصحاب عبد اللَّه بن مسعود كعلقمة والأسود وأبي وائل والحارث بن سويد وعبيدة السلماني ومسروق والربيع خيثم وسويد ابن غفلة وغيرهم، وهم من سادات التابعين، وهذه صيغة يستعملها إبراهيم في حكاية أقوالهم" (٤) واللَّه أعلم. وقد ختم الشيخ مبارك الميلي كلامه على التمائم وأقسامها بقوله:

стр. 472

"وقد علمت من الأحاديث السابقة استعظام من استعظم من الصحابة للتعليق، حتى قال: الموت أقرب من ذلك، هذا مع كمال توحيدهم ومعرفتهم بربهم، فلندع التمائم وما في معناها ولنُقَوِّ إيماننا بآية: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ (١) " (٢).

стр. 473

المسألة الخامسة: الآثار الواردة في الطيرة . ٣٨٥ - حدثني محمد بن عمار الأسدي، نا مالك بن إسماعيل، نا مسلمة بن جعفر، عن عمرو بن عامر البجلي، عن وهب بن منبّه قال: "ثلاث من مناقب الكفر: الغفلة عن اللَّه ، وحب الدنيا، والطيرة" (١). التحليل والتعليق تضمن أثر وهب بن منبه أن الطيرة من مناقب الكفر، والظاهر أن مراده مناقب الكفر أي من طريقه فقد ورد تفسير المنقبة بأنها الطريق الضيق بين دارين (٢)، فكأن ما ذكره كعب ﵁ من الطرق المؤدية إلى الكفر، وهي طريق بين الإيمان والكفر، من سلكها أو شك أن يقع في الكفر، ولا شك في كون الطيرة شركا وقد سبق قول النبي ﷺ "الطيرة شرك، الطيرة شرك" قال ابن القيم: "الطيرة نوع من الشرك" (٣)، وقد بيَّن الشيخ عبد الرحمن بن حسن أن: "التطير هو التشاؤم بالشيء المرئي أو المسموع، فإذا استعملها الإنسان فرجع بها عن سفره، وامتنع بها عما عزم

стр. 474

إليه، فقد قرع باب الشرك، بل ولجه وبرئ من التوكل على اللَّه، وفتح على نفسه باب الخوف والتعلق بغير اللَّه، وذلك قاطع له عن مقام إياك نعبد وإياك نستعين، فيصير قلبه متعلقا بغير اللَّه، وذلك شرك، فيفسد عليه إيمانه، ويبقى هدفا لسهام الطيرة، ويقيض له الشيطان من ذلك ما يفسد عليه دينه ودنياه، وكم ممن هلك بذلك وخسر الدنيا والآخرة" (١).

стр. 475

المسألة السادسة: الآثار الواردة في النهي عن بناء القبور بالآجر . ٣٨٦ - حدثني المثنى بن معاذ قال: حدثنا المؤمل، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم في قوله: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ (١) قال: بناه بالآجر، قال إبراهيم: "كانوا يكرهون أن يبنوا بالآجر، ويجعلوه في قبر" (٢). التحليل والتعليق تضمن أثر إبراهيم النخعي ﵀ النهي عن البناء على القبر، والأثر ليس في البناء وإنما أن يوضع الآجر مكان اللبن، وهي مسألة مطروقة في كتب الفقه، وقد كرهها جماعة من العلماء ونصوا على استحباب اللبن والقصب، بدل الآجر، والفرق بينهما أن اللبن هو الطين يعجن ويجفف، فإذا أُحرق صار آجرّ (٣)، وقد ذكروا تعليلات عدة لهذا النهى والكراهة، منها: أنها من بناء المترفين كما هو ظاهر كلام إبراهيم في هذا الأثر، ولأنه مسته النار تفاؤلا بأن لا تمسه النار (٤)، ومحل الشاهد أن السلف عظموا أمر البناء على القبور وتشددوا فيه، إلى درجة نهيهم عن اتخاذ الآجر في اللحد، وهو وإن كان سيردم بالتراب، لكن سدا لأي

стр. 476

ذريعة أو باب من أبواب الشرك أن يفتح، وهو داخل واللَّه أعلم في عموم البناء على القبور، فإذا كان السلف تورعوا عن غلق اللحد بالآجر لما ذُكِر، ولأنه نوع من البناء، فما بال البناء عليها وإيقاد السرج والعكوف عليها وزيارتها للتبرك بأصحابها ودعائهم. . .، وقد عقد ابن القيم ﵀ مقارنة لطيفة بين هدي الرسول ﷺ وصحابته وسلف هذه الأمة وحال عباد القبور في زمانه فقال: "من جمع بين سنة رسول اللَّه في القبور وما أمر به ونهي عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضادا للآخر، مناقضا له بحيث لا يجتمعان أبدا، فنهى رسول اللَّه عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون عندها، ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد، ويسمونها مشاهد، مضاهاة لبيوت اللَّه تعالى، ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها، ونهى أن تتخذ عيدا وهؤلاء يتخذونها أعيادا ومناسك، ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر، وأمر بتسويتها. . . وهؤلاء. . . يرفعونها عن الأرض كالبيت، ويعقدون عليها القباب، ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه. . . ونهى عن الكتابة عليها. . . وهؤلاء يتخذون عليها الألواح، ويكتبون عليها القرآن وغيره، ونهى أن يزاد عليها غير ترابها. . . وهؤلاء يزيدون عليه سوى التراب الآجر والأحجار والجص. . . والمقصود أن هؤلاء المعظمين للقبور، المتخذين لها أعيادا، الموقدين عليها السرج، الذين يبنون عليها المساجد والقباب، مناقضون لما أمر به رسول اللَّه محادون لما جاء به" (١).

стр. 477

الفصل الثالث: الآثار الواردة في توحيد الأسماء والصفات . وفيه أربعة عشر مبحثا: المبحث الأول: الآثار الواردة في أن أسماء اللَّه حسنى. المبحث الثاني: الآثار الواردة في فهم معاني الصفات. المبحث الثالث: الآثار الواردة في قطع الطمع عن إدراك الكيفية. المبحث الرابع: الآثار الواردة في العلو والفوقية. المبحث الخامس: الآثار الواردة في المجيء والنزول. المبحث السادس: الآثار الواردة في اليد. المبحث السابع: الآثار الواردة في الساق. المبحث الثامن: الآثار الواردة في النظر إلى اللَّه ورؤيته. المبحث التاسع: الآثار الواردة في المكر. المبحث العاشر: الآثار الواردة في الاستهزاء. المبحث الحادي عشر: الآثار الواردة في الخداع. المبحث الثاني عشر: الآثار الواردة في الغضب والأسف. المبحث الثالث عشر: الآثار الواردة في السخط. المبحث الرابع عشر: الآثار الواردة في الغيرة.

стр. 478

المبحث الأول: الآثار الواردة في أن أسماء اللَّه حسنى . ٣٨٧ - حدثنا الحسن بن عبد العزيز، عن ضمرة بن ربيعة، عن رجاء ابن أبي سلمة (١) قال: "الحلم أرفع من العقل، لأن اللَّه تسمى به" (٢). التحليل والتعليق تضمن أثر رجاء بن أبي سلمة أن أسماء اللَّه تعالى حسنى وليست حسنة فقط، وذلك أن الحِلم بكسر الحاء في اللغة هو العقل والأناة، وهو ضد السفه (٣)، فرغم أنهما يجتمعان في المعنى العام لكن اللَّه تسمى باسم الحليم ولم يتسم بالعاقل؛ لأن له الأسماء الحسنى، وهذه قاعدة مهمة من قواعد السلف في باب الأسماء والصفات، قال ابن القيم: "له من كل صفة كمال أحسن اسم، وأكمله، وأتمه معنى، وأبعده وأنزهه عن شائبة عيب أو نقص، فله من صفة الإدراكات العليم الخبير دون العاقل الفقيه، والسميع البصير دون السامع والباصر والناظر، ومن صفات الإحسان البر الرحيم الودود دون الرفيق والشفوق ونحوهما، وكذلك العلي العظيم دون

стр. 479

الرفيع الشريف، وكذلك الكريم دون السخي، والخالق البارئ المصور دون الفاعل الصانع المشكل، والغفور العفو دون الصفوح الساتر، وكذلك سائر أسمائه تعالى يجري على نفسه منها أكملها، وأحسنها، وما لا يقوم غيره مقامه، فتأمل ذلك، فأسماؤه أحسن الأسماء، كما أن صفاته أكمل الصفات، فلا تعدل عما سمى به نفسه إلى غيره، كما لا تتجاوز ما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، إلى ما وصفه به المبطلون والمعطلون" (١).

стр. 480

المبحث الثاني: الآثار الواردة في فهم معاني الصفات . ٣٨٨ - حدثني عبيد اللَّه بن جرير، عن أحمد بن مُعَذل (١) قال: "دخلت على أختي وهي مريضة، فقلت: يا خيَّة كيف تجدينك؟ قالت: أجدني ضعيفة ومولاي قويّ، وفي قوّته ما يقوِّي به ضعفي، وأجدني فقيرة ومولاي غنيّ، وفي غَنَائِه ما يسدّ به فقري" (٢). ٣٨٩ - حدثنيا أبو المنهال المهبلي، حدثنا أبو غسان اليشكري، عن أبي عمر المديني قال: قال أبو الأسود الدؤلي (٣) لابنه: "يا بنيّ إذا وسّع اللَّه عليك فوسِّع، وإذا قتَّر عليك فاقتر، ولا تجاود اللَّه؛ فإنه أكرم وأقدر وأجود" (٤).

стр. 481

٣٩٠ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا عبد اللَّه بن قبيصة، عن ليث، عن مجاهد ﵀ أنه كان يكره أن يقول: "اللهم أدخلني في مستقر من رحمتك، فإن مستقر رحمته هو نفسه" (١). ٣٩١ - حدثنا علي بن الجعد، أنبأنا ابن عيينة، عن منصور، عن إبراهيم ﵀ أنه كان يكره أن يقال: "على قراءة ابن مسعود، ولكن: كما كان ابن مسعود يقرأ" (٢). ٣٩٢ - حدثني محمد بن إدريس، نا عبد الصمد بن محمد، عن أبيه قال: قال عبد اللَّه بن ثعلبة (٣): "إلهي، مِن كرمك أنك (٤) تطاع فلا

стр. 482

تعصى، ومن حلمك أنك تُعصى وكأنك لا ترى، وأي زمن لم يعصك فيه سكّان أرضك؟ ، فكنت واللَّه بالخير عليهم عوَّادا" (١). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة فهم السلف لمعاني الصفات، وفقههم لها، حيث فهمت أخت ابن المعذل قوة الرب وغناه، وأن المتصف بهذه الصفات هو الذي يقويها ويغنيها، كما أن نصيحة أبي الأسود الدؤلي لابنه فيها أن صفات اللَّه هي صفات كمال لا نقص فيها بحال، ولذلك فإن إحسانه وبره لا ينقطع عن خلقه، بخلاف العبد فإن قدرته محدودة وغناه مقيد، وكراهية مجاهد لمن سأل اللَّه أن يدخله في مستقر رحمته، وفسّر ذلك بأن مستقر رحمته هو نفسه، وكذا كراهية إبراهيم النخعي نسبة القراءة لابن مسعود، واستحبابه نسبة فعل القراءة إليه، دليل واللَّه أعلم أنه فهم من صفة كلام اللَّه أنه هو المتكلم به ابتداء، وأن المتكلم به بعده إنما مؤدٍ لكلام رب العالمين، فيفرق واللَّه أعلم بين القراءة التي هي المقروء نفسه وهو كلام اللَّه، والفعل الذي يصدر من العبد، وفي مناجاة ابن ثعلبة للَّه فهم من صفة كرم اللَّه تعالى منتهى الكمال حيث يحسن لعباده رغم

стр. 483

إساءتهم، ومن صفة الحلم وكمالها كأنه لا يرى ما يعصيه به عباده. والمقصود بهذا المبحث الإشارة إلى فهم السلف لنصوص الصفات وتدبرهم لمعانيها، وأن مذهبهم ليس التفويض المطلق، كما ينسبه لهم المتأخرون زورا وبهتانا، "ومن هنا قال من قال من النفاة: إن طريقة الخلف أعلم وأحكم، وطريقة السلف أسلم؛ لأنه ظن أن طريقة الخلف فيها معرفة النفي، الذي هو عنده الحق، وفيها طلب التأويل لمعاني نصوص الإثبات، فكان في هذه عندهم علم بمعقول، وتأويل لمنقول، ليس في الطريقة التي ظنها طريقة السلف. . . ومذهب السلف عنده عدم النظر في فهم النصوص، لتعارض الاحتمالات، وهذا عنده أسلم؛ لأنه إذا كان اللفظ يحتمل عدة معان فتفسيره ببعضها دون بعض فيه مخاطرة، وفي الإعراض عن ذلك سلامة من هذه المخاطرة، فلو كان قد بُيِّن وتبَيَّن لهذا وأمثاله أن طريقة السلف إنما هي إثبات ما دلت عليه النصوص من الصفات، وفهم ما دلت عليه، وتدبره، وعقله، وإبطال طريقة النفاة، وبيان مخالفتها لصريح المعقول، وصحيح المنقول، علم أن طريقة السلف أعلم، وأحكم، وأسلم، وأهدى إلى الطريق الأقوم، وأنها تتضمن تصديق الرسول فيما أخبر به، وفهم ذلك، ومعرفته. . . وأن من جعل طريقة السلف عدم العلم بمعاني الآيات، وعدم إثبات ما تضمنته من الصفات، فقد قال غير الحق، إما عمدا وإما خطأ" (١).

стр. 484

المبحث الثالث: الآثار الواردة في قطع الطمع عن إدراك الكيفية ٣٩٣ - حدثنا عبيد اللَّه بن جرير، ثنا عمرو بن كنيز أبو حفص، حدثني يحيى بن حماد الهباري، عن رجل، عن الرجل الذي أُخذ، وكان الحجاج بن يوسف قد طلبه، فأتي به الحجاج عشية، فأمر به فقُيِّد بقيود كثيرة، وأمر الحرس فأدخل في ثلاثة أبيات، وأقفلت عليه، وقال: إذا كان غدوة فآتوني به، قال: "فبينا أنا مُكَبٌّ على وجهي إذ سمعت مناديا ينادي في الزاوية: يا فلان؟ قلت: من هذا؟ قال: ادع بهذا الدعاء، قلت: بأي شيء أدعو؟ قال: قل: يا من لا يعلم كيف هو إلا هو، يا من لا يعلم قدرته إلا هو، فرِّج عني ما أنا فيه، قال: واللَّه ما فرغت منها حتى تساقطت القيود من رجلي، ونظرت إلى الأبواب مفتحة، فخرجت إلى صحن الدار، فإذا الباب الكبير مفتوح، وإذا الحرس نيام عن يميني وعن شمالي، فخرجت حتى كنت بأقصى واسط (١)، فلبثت في مسجدها حتى أصبحت" (٢).

стр. 485

التحليل والتعليق تضمن الأثر السابق قاعدة مهمة من قواعد أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات، وهي قطع الطمع عن إدراك الكيفية، وذلك في دعاء السجين بقوله: "يا من لا يعلم كيف هو إلا هو"، وهو أثر مهم جدا، حيث تضمن إثبات كيفية للَّه ، وأن هذه الكيفية لا يعلمها إلا هو من نفسه، وهذه العبارة وردت كما سبق في التخريج في رسالة عبد العزيز بن الماجشون في الرد على الجهمية، ولأهميتها ودقتها نوّه بها العلماء ونقلوها واستشهدوا بها على مذهب أهل السنة ومرادهم، قال شيخ الإسلام: "بيَّن -أي الإمام مالك في أثره المشهور في الاستواء- أن كيفية استواءه مجهولة للعباد، فلم ينفوا ثبوت ذلك في نفس الأمر، ولكن نفوا علم الخلق به، وكذلك مثل هذا في كلام عبد العزيز بن عبد اللَّه الماجشون، وغير واحد من السلف والأئمة، ينفون علم الخلق بقدره وكيفيته، وبنحو ذلك قال عبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبي سلمة الماجشون في كلامه المعروف" (١)، ولهذا قال الشيخ خليل هراس في تعليقه على

стр. 486

الواسطية: "وليس المراد من قوله: (من غير تكييف) أنهم ينفون الكيف مطلقا؛ فإن كل شيء لا بد أن يكون على كيفية ما، ولكن المراد أنهم ينفون علمهم بالكيف؛ إذ لا يعلم كيفية ذاته وصفاته إلا هو سبحانه" (١)، وشرح ابن القيم قول شيخ الإسلام الهروي في منازل السائرين (٢): "الإياس من إدراك كنهها وابتغاء تأويلها"، بقوله: "العقل قد يئس من تعرف كنه الصفة وكيفيتها؛ فإنه لا يعلم كيف اللَّه إلا اللَّه، وهذا معنى قول السلف: بلا كيف، أي بلا كيف يعقله البشر؛ فإن من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف نعوته وصفاته، ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك" (٣).

стр. 487

المبحث الرابع: الآثار الواردة في العلو والفوقية . ٣٩٤ - حدثني يحيى بن عبد اللَّه المقدمي قال: حدثني صفوان بن هبيرة قال: "قدم علينا عبد الملك بن أيوب النميري (١) واليا من قبل أبي جعفر، فاستحفيناه، فخطبنا يوم الجمعة فقال: الحمد للَّه الذي علا في سمائه، وقهر في ملكه، وعدل في حكمه، وسمي الجبّار لجبروته، فله الأسماء والأمثال العلا، يعلم السرّ وأخفى، وهو بالمنظر الأعلى. . . " (٢). ٣٩٥ - حدثني إسحاق بن بهلول التنوخي، قال: حدثني إسحاق بن عيسى بن بنت داود بن أبي هند، عن الحارث البصري عن أبي عمرو أبو السرايا قال: "كنت أعبر في بلاد الروم وحدي، فبينما أنا ذات يوم نائم، إذ ورد عليّ عِلْجٌ (٣) فحرّكني برجله فانتبهت، فقال: يا عربي اختر إن شئت مطاعنة، وإن شئت مسايفة، وإن شئت مصارعة، فقلت: أما المسايفة وأما المطاعنة، فلا بقيا لهما، ولكن المصارعة، فنزل فلم ينهنهني (٤)

стр. 488

أن صرعني، وجلس على صدري فقال: أي قتلة أقتلك؟ فذكرت الدعاء (١) فرفعت طرفي إلى السماء فقلت: أشهد أن كل معبود دون عرشك إلى قرار الأرضين باطل غير وجهك الكريم، قد ترى ما أنا فيه، ففرّج عني، فأغمي عليّ ثم أفقت فإذا الرومي قتيل إلى جنبي، قال إسحاق بن بنت داود: جربته وعلمته الناس فوجدوه نافعا، وهو الإخلاص بعينه" (٢). ٣٩٦ - حدثنا داود بن عمرو الضبي، حدثنا محمد بن الحسن الأسدي، عن مفضل، عن رجل، عن إبراهيم التيمي قال: "أخبرني من صحب الربيع بن خثيم عشرين سنة، فلم يتكلم بكلام لا يصعد" (٣). ٣٩٧ - حدثني حمزة قال: حدثنا عبدان قال: أخبرنا عبد اللَّه قال: أخبرنا سفيان، عن سليمان، عن خيثمة، عن عبد اللَّه قال: "إن الرجل ليشرف على الأمر من التجارة أو الإمارة، حتى يرى أنه قد قَدَر عليه، ذكره

стр. 489

اللَّه فوق سبع سموات، فيقول للمك: اذهب فاصرف عن عبدي هذا، فإني إن أيسّره له أدخله جهنّم، فيجيء الملك فيعوقه فيصرف عنه، فيظل يتطيّر بجيرانه إنه دهاني فلان، سبقني فلان، وما صرفه عنه إلا اللَّه" (١). ٣٩٨ - حدثني سليمان بن أبي الشيخ، ثنا أبو سليمان الحميري، عن العوام بن حوشب فقال: "صحبنا إبراهيم التيمي إلى سجن الحجاج، فقلنا له: أوصنا؟ قال: أوصيكم أن تذكروني عند الرب الذي فوق الرب الذي سأل يوسف أن يذكره عند ربه" (٢). ٣٩٩ - حدثنا وليد بن شجاع قال: حدثني ابن وهب قال: حدثني أسامة بن زيد الليثي، أن نافعا حدّثه قال: "كانت لابن رواحة (٣) امرأة وكان يتّقيها، وكانت له جارية فوقع عليها، فقالت له، وفرقت أن يكون قد فعل، فقال: سبحان اللَّه! ، قالت: اقرأ عليّ القرآن فإنك جنب، فقال: شهدت بإذن اللَّه أن محمدا ... رسول الذي فوق السماوات من علُ

стр. 490

وأن أبا يحيى ويحيى كليهما ... له عمل في دينه متقبّل (١) ٤٠٠ - حدثنا الوليد بن شجاع بن الوليد السكوني قال: حدثني عبد اللَّه بن وهب، عن عبد الرحمن بن سلمان، عن ابن الهاد: "أن امرأة ابن رواحة رأته على جارية له، فقالت له وهي تكلمه: وعلى فراشي أيضًا، فقام يجاحدها، فقالت له: فاقرأ القرآن؛ فإني أعلم أنك لا تقرأ القرآن وأنت جنب، فقال: شهدت بأن وعد اللَّه حق ... وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا وتحمله ملائكة شداد ... ملائكة الإله مسوّمينا (٢)

стр. 491

التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة إثبات علو اللَّه على خلقه، واستوائه على عرشه، حيث تضمن أثر الوالي النميري بأن علو اللَّه في سمائه، غير قهره في ملكه، وهذا مهم في أن العلو الذي كان يقصده السلف وفهموه من النصوص هو علو الذات، لا علو القهر والغلبة فقط كما يذهب إليه الأشاعرة، وأثر أبي السرايا حيث رفع رأسه إلى السماء وشهد أن كل معبود دون العرش باطل، فله أن اللَّه فوق عرشه في سمائه وعليائه، ومكوث الربيع بن خيثم عشرين سنة لا يتكلم بكلام لا يصعد، ثم الآثار التي تضمنت ذكر فوقية اللَّه كأثر ابن مسعود، كل ذلك يبيّن عقيدة السلف المشهورة عنهم من إثبات علو اللَّه على خلقه، علو ذات يليق بجلاله وكماله ، قال ابن القيم: "الآيات والأخبار الدالة على علو الرب تعالى على خلقه، وفوقيته، واستوائه على عرشه، قد قيل: إنها تقارب الألف، وقد أجمعت عليها الرسل من أولهم إلى آخرهم" (١)، بل إن ذلك أمر فطري مركوز في النفوس قال شيخ الإسلام: "علو اللَّه على العرش معلوم بالفطرة الضرورية، وقد تواطأت عليه الآثار النبوية، واتفق

стр. 492

عليه خير البرية" (١)، ولكثرة نصوص علو اللَّه على خلقه اهتم العلماء بتنويعها وذكر كل دليل تحت نوعه، قال ابن أبي العز الحنفي: "النصوص الواردة المتنوعة المحكمة على علو اللَّه على خلقه، وكونه فوق عباده، التي تقرب من عشرين نوعا" (٢)، وقد أثبت السلف من صفة العلو والفوقية كل أنواعها ولم يقتصروا على نوع دون غيره، وقد نقل الإمام سعد بن علي الزنجاني في هذا الإجماع فقال: "أجمع المسلمون على أن اللَّه هو العلي الأعلى، ونطق بذلك القرآن، بقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ (٣)، وأن للَّه علو الغلبة، والعلو الأعلى من سائر وجوه العلو؛ لأن العلو صفة مدح عند كل عاقل، فثبت بذلك أن للَّه علو الذات، وعلو الصفات، وعلو القهر والغلبة" (٤).

стр. 493

المبحث الخامس: الآثار الواردة في المجيء والنزول . ٤٠١ - دثنا يوسف، دثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (١)، قال: جاء اللَّه وأهل السماوات، كل سماء صفًّا" (٢). ٤٠٢ - دثنا حمزة، أدنا عبيد اللَّه بن عثمان، دثنا ابن المبارك، نا عوف، عن أبي المنهال سيار بن سلامة الرياحي، دثنا شهر بن حوشب، حدثني ابن عباس قال: "إذا كان يوم القيامة مدّت الأرض مدَّ الأديم، وحمع الخلائق بصعيد واحد، جنّهم وإنسهم بالضعف، فإذا كان ذلك، قيّضت هذه السماء الدنيا عن أهلها، فنضروا على وجه الأرض، ولأهل هذه السماء الدنيا وحدهم أكثر من جميع أهل الأرض جنهم وإنسهم بالضعف، فإذا رآهم أهل الأرض فزعوا إليهم، ويقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، ويقولون: سبحان ربنا، ليس فينا، وهو آت، ثم تقبض السماء الثانية، وأهل السماء الثانية أكثر وحدهم من أهل هذه السماء الدنيا، ومن جميع أهل الأرض بالضعف، فإذا نثروا على وجه الأرض، فزع إليه أهل الأرض، فيقولون لهم: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، فيقولون: سبحان ربنا ليس فينا، وهو آت، ثم تقبض السماوات

стр. 494

سماء سماء، كلما قبضت سماء كانت أكثر من السماوات التي تحتها، ومن جميع أهل الأرض بالضعف جنّهم وإنسهم، كلما نثروا على وجه الأرض، فزع إليهم أهل الأرض، ويقولون مثل ذلك ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى تقبض السماء السابعة، فلأهلها وحدهم أكثر من أهل ست سموات، وجميع أهل الأرض بالضعف، ويجيء اللَّه فيهم، والأمم جثيّ صفوف. . . " (١).

стр. 495

٤٠٣ - دثني المثنى بن معاذ بن معاذ العنبري، دثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت أبي قال: دثنا أبو نضرة، عن ابن عباس قال: "ينادي منادي بين يدي الصيحة: يا أيها الناس أتتكم الساعة، قال: فسمعها الأحياء والأموات، قال: وينزل اللَّه إلى السماء الدنيا، فينادي منادي: لمن الملك اليوم؟ للَّه الواحد القهّار" (١). ٤٠٤ - دثني حمزة، أدنا عبدان بن عثمان، ادنا ابن المبارك، أدنا جويبر، عن الضحاك قال: "إذا كان يوم القيامة أمر اللَّه السماء الدنيا فتشقّقت بأهلها، فتكون الملائكة على حافاتها، حتى يأمرهم الرب ، فينزلون إلى الأرض فيحيطون بالأرض ومن فيها، ثم يؤمر أهل السماء التي تليها فينزلون فيكونون صفا في جوف ذلك الصف، ثم السماء الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة، فينزل (٢) الملك الأعلى في
следующие страницы →