← Акыда

Акыда · id 151178

الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا

حميد بن أحمد نعيجات

Полный текст (1 390 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة إثبات علو اللَّه على خلقه، واستوائه على عرشه، حيث تضمن أثر الوالي النميري بأن علو اللَّه في سمائه، غير قهره في ملكه، وهذا مهم في أن العلو الذي كان يقصده السلف وفهموه من النصوص هو علو الذات، لا علو القهر والغلبة فقط كما يذهب إليه الأشاعرة، وأثر أبي السرايا حيث رفع رأسه إلى السماء وشهد أن كل معبود دون العرش باطل، فله أن اللَّه فوق عرشه في سمائه وعليائه، ومكوث الربيع بن خيثم عشرين سنة لا يتكلم بكلام لا يصعد، ثم الآثار التي تضمنت ذكر فوقية اللَّه كأثر ابن مسعود، كل ذلك يبيّن عقيدة السلف المشهورة عنهم من إثبات علو اللَّه على خلقه، علو ذات يليق بجلاله وكماله ، قال ابن القيم: "الآيات والأخبار الدالة على علو الرب تعالى على خلقه، وفوقيته، واستوائه على عرشه، قد قيل: إنها تقارب الألف، وقد أجمعت عليها الرسل من أولهم إلى آخرهم" (١)، بل إن ذلك أمر فطري مركوز في النفوس قال شيخ الإسلام: "علو اللَّه على العرش معلوم بالفطرة الضرورية، وقد تواطأت عليه الآثار النبوية، واتفق

стр. 492

عليه خير البرية" (١)، ولكثرة نصوص علو اللَّه على خلقه اهتم العلماء بتنويعها وذكر كل دليل تحت نوعه، قال ابن أبي العز الحنفي: "النصوص الواردة المتنوعة المحكمة على علو اللَّه على خلقه، وكونه فوق عباده، التي تقرب من عشرين نوعا" (٢)، وقد أثبت السلف من صفة العلو والفوقية كل أنواعها ولم يقتصروا على نوع دون غيره، وقد نقل الإمام سعد بن علي الزنجاني في هذا الإجماع فقال: "أجمع المسلمون على أن اللَّه هو العلي الأعلى، ونطق بذلك القرآن، بقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ (٣)، وأن للَّه علو الغلبة، والعلو الأعلى من سائر وجوه العلو؛ لأن العلو صفة مدح عند كل عاقل، فثبت بذلك أن للَّه علو الذات، وعلو الصفات، وعلو القهر والغلبة" (٤).

стр. 493

المبحث الخامس: الآثار الواردة في المجيء والنزول . ٤٠١ - دثنا يوسف، دثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (١)، قال: جاء اللَّه وأهل السماوات، كل سماء صفًّا" (٢). ٤٠٢ - دثنا حمزة، أدنا عبيد اللَّه بن عثمان، دثنا ابن المبارك، نا عوف، عن أبي المنهال سيار بن سلامة الرياحي، دثنا شهر بن حوشب، حدثني ابن عباس قال: "إذا كان يوم القيامة مدّت الأرض مدَّ الأديم، وحمع الخلائق بصعيد واحد، جنّهم وإنسهم بالضعف، فإذا كان ذلك، قيّضت هذه السماء الدنيا عن أهلها، فنضروا على وجه الأرض، ولأهل هذه السماء الدنيا وحدهم أكثر من جميع أهل الأرض جنهم وإنسهم بالضعف، فإذا رآهم أهل الأرض فزعوا إليهم، ويقولون: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، ويقولون: سبحان ربنا، ليس فينا، وهو آت، ثم تقبض السماء الثانية، وأهل السماء الثانية أكثر وحدهم من أهل هذه السماء الدنيا، ومن جميع أهل الأرض بالضعف، فإذا نثروا على وجه الأرض، فزع إليه أهل الأرض، فيقولون لهم: أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم، فيقولون: سبحان ربنا ليس فينا، وهو آت، ثم تقبض السماوات

стр. 494

سماء سماء، كلما قبضت سماء كانت أكثر من السماوات التي تحتها، ومن جميع أهل الأرض بالضعف جنّهم وإنسهم، كلما نثروا على وجه الأرض، فزع إليهم أهل الأرض، ويقولون مثل ذلك ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى تقبض السماء السابعة، فلأهلها وحدهم أكثر من أهل ست سموات، وجميع أهل الأرض بالضعف، ويجيء اللَّه فيهم، والأمم جثيّ صفوف. . . " (١).

стр. 495

٤٠٣ - دثني المثنى بن معاذ بن معاذ العنبري، دثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت أبي قال: دثنا أبو نضرة، عن ابن عباس قال: "ينادي منادي بين يدي الصيحة: يا أيها الناس أتتكم الساعة، قال: فسمعها الأحياء والأموات، قال: وينزل اللَّه إلى السماء الدنيا، فينادي منادي: لمن الملك اليوم؟ للَّه الواحد القهّار" (١). ٤٠٤ - دثني حمزة، أدنا عبدان بن عثمان، ادنا ابن المبارك، أدنا جويبر، عن الضحاك قال: "إذا كان يوم القيامة أمر اللَّه السماء الدنيا فتشقّقت بأهلها، فتكون الملائكة على حافاتها، حتى يأمرهم الرب ، فينزلون إلى الأرض فيحيطون بالأرض ومن فيها، ثم يؤمر أهل السماء التي تليها فينزلون فيكونون صفا في جوف ذلك الصف، ثم السماء الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة، فينزل (٢) الملك الأعلى في

стр. 496

بهائه وملكه، ومجنبته اليسرى جهنم، فيسمعون زفيرها وشهيقها فيندّون فلا يأتون قطرا من أقطارها إلا وجدوا صفا من الملائكة قياما، فذلك قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ (١)، والسلطان العذر، وذلك قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٢)، ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ (٣)، يعني بأرجائها ما تشقّق منها، فبينا هم كذلك إذ سمعوا الصوت فأقبلوا للحساب" (٤). ٤٠٥ - قال عمار بن نصر، دثنا الوليد بن مسلم، دثنا سعيد بن بشمير، دنا القاسم بن الوليد الهمداني، أن سعيد بن جبير حدثه، عن ابن عباس ﵁ قال: "يحشر الجن والإنس إلى صُقْع (٥) من الأرض، فيأخذون

стр. 497

مقامهم منها، ثم ينزل اللَّه سبطا (١) من الملائكة، فيطيفون بالجن والإنس، أي يحدّقون بهم، ثم ينزل سبطا من الملائكة يطيفون بالملائكة، وبالجن والإنس، ثم ينزل سبطا ثالثا، ورابعا، وخامسا، وسادسا، وينزل اللَّه تعالى في السبط السابع مجنبتاه (٢) جهنم، فإذا رأوه الخلائق، فيقول: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾ (٣)، ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ (٤) " (٥). التحليل والتعليق تضمن أثرا ابن عباس ﵁ والضحاك إثبات النزول والمجيء للَّه ، والآية التي فسرها الضحاك من أقوى الأدلة على إثبات هذه الصفة، قال الإمام القصاب ﵀: "هي حجة خانقة لهم، شديدة عليهم" (٦)، وقد أوضح ابن القيم وجه ذلك في معرض بيان أوجه إثبات صفة النزول

стр. 498

فقال: "الإتيان والمجيء من اللَّه نوعان: مطلق ومقيد، فإذا كان مجيء رحمته أو عذابه كان مقيدا. . . النوع الثاني: المجيء والاتيان المطلق كقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (١)، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (٢) وهذا لا يكون إلا مجيئه سبحانه. هذا إذا كان مطلقا فكيف إذا قيّد بما يجعله صريحا في مجيئه نفسه كقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ (٣)، فعطف مجيئه على مجيء الملائكة ثم عطف مجيء آياته على مجيئه" (٤)، ولذلك فإن سياق الآثار الأخرى عن ابن عباس ﵁ لا يحتمل بأي وجه تأويل الصفة؛ فإن سؤال أهل الأرض لأهل كل سماء: أفيكم ربنا؟ وجوابهم بأنه ليس فينا، وهو آت، هكذا سماءً سماءً حتى السابعة: "يجيء اللَّه فيهم"، قال ابن القيم: "دلّ القرآن والسنة والإجماع على أنه سبحانه يجيء يوم القيامة، وينزل لفصل القضاء بين عباده، ويأتي في ظلل من الغمام والملائكة، وينزل كل ليلة إلى يماء الدنيا، وينزل عشية عرفة، وينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، وينزل إلى أهل الجنة، وهذه أفعال يفعلها

стр. 499

بنفسه في هذه الأمكنة، فلا يجوز نفيها عنه بنفي الحركة والنقلة المختصة بالمخلوقين؛ فإنها ليست من لوازم أفعاله المختصة به، فما كان من لوازم أفعاله لم يجز نفيه عنه، وما كان من خصائص الخلق لم يجز إثباته له" (١).

стр. 500

المبحث السادس: الآثار الواردة في اليد . ٤٠٦ - دثنا عبيد بن عمر، دثنا معاذ بن هشام، دثنا أبي، عن قتادة، قال: دثنا النضر بن أنس، عن ربيعة الجرشي (١) أنه قال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٢)، قال: ويده الأخرى خلو، ليس فيها شيء" (٣). التحليل والتعليق تضمن أثر ربيعة الجرشي إثبات صفة اليدين للَّه تعالى، وأن له يدين سبحانه إحداهما يقبض ويطوي بها، وأن إحديهما خلو ليس فيها شيء، وهذه الأفعال وغيرهما المضافة إلى اليد أو اليدين، تفيد أنهما صفتان للَّه مضافتان إليه إضافة صفة إلى موصوف، قال ابن القيم: "إن اقتران لفظ الطيّ والقبض والإمساك، باليد يصير المجموع حقيقة، هذا في الفعل، وهذا في الصفة، بخلاف اليد المجازية؛ فإنها إذا أفردت لم يقترن بها ما يدل على

стр. 501

اليد حقيقة، بل ما يدل على المجاز، كقولهم: له عندي يد وأنا تحت يدهم ونحو ذلك، وأما إذا قيل: قبض بيده، وأمسك بيده، أو قبض بإحدى يديه كذا، وبالأخرى كذا، وجلس عن يمينه، أو كتب كذا، وعمله بيمينه، أو بيديه، فهذا لا يكون إلا حقيقة " (١).

стр. 502

المبحث السابع: الآثار الواردة في الساق . ٤٠٧ - دثنا فضيل، دثنا سلام أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة (١): " ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ (٢) قال: شدة يوم القيامة" (٣). ٤٠٨ - دثنا يوسف بن موسى، دثنا وكيع، دثنا أسامة بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "عن شِدَّة، ألم تسمع قول الشاعر: وقامت الحرب بنا على ساق" (٤).

стр. 503

التحليل والتعليق تضمن الأثران السابقان عن ابن عباس وعكرمة تفسير الساق الواردة قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، بالشدة، وهو قول مشهور عنهما وقال به بعض السلف، ولم أجد في كتب ابن أبي الدنيا التي وقفت عليها إشارة إلى القول الآخر في تفسير هذه الآية، وهو قول أبي سعيد الخدري ﵁ وغيره من السلف، حيث فسروا الساق هنا بأنها ساق اللَّه، لكن الاختلاف هنا ليس من باب الاختلاف في إثبات الصفة ونفيها؛ إذ لا يوجد نزاع بين السلف في باب الأسماء والصفات، وإنما النزاع في دلالة الآية على الصفة أو على غيرها، قال ابن القيم: "الصحابة متنازعون في تفسير الآية هل المراد الكشف عن الشدة، أو المراد بها أن الرب تعالى يكشف عن ساقه، ولا يحفظ عن الصحابة والتابعين نزاع فيما يذكر أنه من الصفات أم لا في غير هذا الموضع، وليس في ظاهر القرآن ما يدل على أن ذلك صفة للَّه؛ لأنه سبحانه لم يضف الساق إليه، وإنما ذكره مجردا عن الإضافة منكرا، والذين أثبتوا ذلك صفة كاليدين والإصبع لم يأخذوا ذلك من ظاهر القرآن، وإنما أثبتوه بحديث أبي سعيد الخدري المتفق على صحته، وهو حديث الشفاعة الطويل، وفيه: "فيكشف الرب عن ساقه، فيخرون له سجدا"، ومن حمل الآية على ذلك قال: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، مطابق لقوله: "فيكشف عن ساقه فيخرون له سجدا"، وتنكيره للتعظيم والتفخيم، كأنه قال:

стр. 504

يكشف عن ساق عظيمة، جلت عظمتها، وتعالى شأنها، أن يكون لها نظير، أو مثيل، أو شبيه" (١)، وهناك وجه آخر لإثبات الصفة من الآية فقط وهو ما ذكره شيخ الإسلام: "قد يقال: إن ظاهر القرآن يدل على ذلك من جهة أنه أخبر أنه يكشف عن ساق، ويدعون إلى السجود، والسجود لا يصلح إلا للَّه، فعلم أنه هو الكاشف عن ساقه. . . لكن هذا الظاهر ليس ظاهرا من مجرد لفظ: ساق، بل بالتركيب والسياق وتدبر المعنى المقصود" (٢).

стр. 505

المبحث الثامن: الآثار الواردة في النظر إلى اللَّه ورؤيته . إن عقيدة رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، وإيمانهم بأن ذلك واقع لا محالة، هي من أصول عقائد أهل السنة والجماعة، وخالص مذهب أهل الحديث والأثر، الذي تميزوا به عن سائر أهل البدع، وهي من أشرف المسائل وأجل المعارف، فهي غاية كل عابد، ومرام كل مجتهد، وأعظم نعيم في دار الخلد، كل نعيم دونهما، ولا لذة فوقها، ولا غرو أن مثل هذه المسائل يكون لها شأن كبير، فقد تواردت الأدلة المتنوعة على إثباتها، وانتصر السلف الصالح لتقريرها، قال اللَّه : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (١)، وفي السنة الصحيحة أن النبي ﷺ : قال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا" (٢)، وأجمع علماء السلف على القول بها؛ فإن أدلتها كما قال ابن بطة: "من كتاب اللَّه تعالى، وسنة نبيه محمد ﷺ ، وإجماع العلماء، وأئمة المسلمين، ولغات العرب" (٣).

стр. 506

وللسلف أقوال كثيرة في تقرير هذه العقيدة والاستدلال لها من الكتاب والسنة، ورد منها في كتب ابن أبي الدنيا ما سأذكره في عناصر بارزة، لبيان تنوعها وأنها أقسام تحت كل قسم جملة من الأدلة كلها تدل على إثبات هذا المعتقد العظيم: أولا: الآثار الواردة في تفسير الزيادة بالنظر إلى اللَّه -. ٤٠٩ - حدثنا فضيل بن عبد الوهاب، ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد البلخي، عن أبي بكر الصدّيق ﵁ قال: "الزيادة النظر إلى وجه اللَّه تعالى" (١). ٤١٠ - حدثنا حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا أبو بكر الهذلي، أنا أبو تميمة الهجيمي قال: سمعت أبا موسى

стр. 507

الأشعري (١) يخطب على منبر البصرة يقول: "إن اللَّه يبعث يوم القيامة ملكا إلى أهل الجنة فيقول: يا أهل الجنة هل أنجزكم اللَّه ما وعدكم؟ فينظرون فيرون الحليّ والحلل والثمار والأنهار والأزواج المطهرّة فيقولون: نعم، قد أنجزنا اللَّه ما وعدنا، ثم يقول الملك: هل أنجزكم اللَّه ما وعدكم ثلاث مرات، فلا يفقدون شيئًا مما وعدوا فيقولون: نعم، فيقول: قد بقي لكم شيء؛ إن اللَّه يقول: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (٢)، ألا إن الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجهه الكريم" (٣).

стр. 508

٤١١ - حدثنا حمزة بن العباس، أنا عبد بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا سليمان بن المغيرة، ثنا ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (١) في قوله : ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ قال: قيل له: أرأيت قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: "إن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة فأعطوا فيه ما أعطوا من الكرامة والنعيم، نودوا يا أهل الجنة إن اللَّه وعدكم الزيادة فيتجلّى لهم ، قال ابن أبي ليلى: فما ظنّك بهم حين ثقلت موازينهم، وحين صارت الصحف في أيمانهم، وحين جاوزوا جسر جهنم، ودخلوا الجنة، وأعطوا ما أعطوا من الكرامة والنعيم، كأن ذا لم يكن شيئًا رأوه" (٢). ثانيا: الآثار الواردة في أن رؤية اللَّه أعظم نعيم في الجنة . ٤١٢ - ثنا علي بن الحسن، عن ثابت بن محمد العابد قال: سمعت سلمة العابد (٣) يقول: "لولا الجماعة (٤) ما خرجت من بابي أبدا حتى أموت، وسمعته يقول: ما وجد المطيعون للَّه لذّة في الدنيا أحلى من

стр. 509

الخلوة بمناجاة سيّدهم، ولا أحب لهم في الآخرة من عظيم الثواب أكثر في صدورهم وألذّ في قلوبهم من النظر إليه، قال: ثم غشي عليه" (١). ثالثا: الآثار الواردة في زيارة المؤمنين ربهم يوم الجمعة . ٤١٣ - حدثنا حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا يحيى بن أيوب، حدثني عبيد بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة (٢) قال: "إن أهل الجنة لا يتغوّطون، ولا يتمخّطون، ولا يُمْنون، إنما نعيمهم الذي هم فيه: مسك يتحدّر من جلودهم كالجُمَان (٣)، وعلى ألوانهم كُثْبَان (٤) من مسك، يزورون اللَّه في الجمعة مرتين، فيجلسون على كراس من ذهب، مكللة باللؤلؤ والزبرجد، ينظرون إلى اللَّه وينظر إليهم فإذا قاموا انقلب أحدهم إلى الغرفة من غرفة لها سبعون بابا مكللة باللؤلؤ والياقوت" (٥).

стр. 510

رابعا: الآثار الواردة في تجلي اللَّه لعباده . ٤١٤ - حدثني عمار بن نصر المروزي، ثنا يحيى بن يمان، عن شريك، عن أبي اليقظان، عن أنس بن مالك: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ (١) قال: "يتجلى لهم كل جمعة" (٢). خامسا: الآثار الواردة في بروز اللَّه لعباده . ٤١٥ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا يحيى بن كثير، ثنا المسعودي،

стр. 511

عن المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، عن عبد اللَّه قال: "سارعوا إلى الجمعة، فإن اللَّه يبرز أهل الجنة في كل جمعة إلى كثيب من كافور أبيض، فيكونون في القرب منه على قدر تسارعهم إلى الجمعات في الدنيا، فيحدث لهم من الكرامة ما لم يكن قبل ذلك" (١). سادسا: الآثار الواردة في الفرق بين نظر المؤمنين لربهم ونضارة وجوههم . ٤١٦ - حدثني أزهر بن مروان، ثنا عبد اللَّه بن عرادة الشيباني، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن صيفي اليماني قال: سألت عبد العزيز ابن مروان (٢) عن وفد أهل الجنة قال: "إنهم يفدون إلى اللَّه في كل يوم

стр. 512

خميس فيوضع لهم أسرّة، كل إنسان منهم أعرف بسريره منك بسريرك هذا الذي أنت عليه -قال: وأقسم صيفي على ذلك-، فإذا قعدوا عليه وأخذ القوم مجالسهم قال ﵎: عبادي عبادي وخلقي وجيراني ووفدي أطعموهم، قال: فيؤتون بطير بيض أمثال البُخْت (١)، فيأكلون منها ما شاءوا، ثم يقول: عبادي عبادي وخلقي وجيراني ووفدي قد طعموا، اسقوهم، فيؤتون بآنية من ألوان شيء مختّمة فيسقون منها، ثم يقول: عبادي عبادي وخلقي وجيراني ووفدي قد طعموا وشربوا فكِّهوهم، فتجيء ثمرات شجر مدلّى فيأكلون منها ما شاءوا، ثم يقول: عبادي عبادي وخلقي وجيراني ووفدي قد طعموا وشربوا وفكهوا اكسوهم، فتجيء ثمرات شجر أصفر وأخضر وأحمر وكل لون، لم تنبت إلا الحلل -وأقسم صيفي ما أنبتت غيرها- فتنشر عليهم حُلَلًا وقُمُصًا، ثم يقول: عبادي عبادي وخلقي وجيراني ووفدي قد طعموا وشربوا وفكهوا وكسوا وطيبوا، لأتجلينّ لهم حتى ينظروا إليّ، فإذا تجلى لهم فنظروا إليه نضرت وجوههم، ثم يقال لهم: ارجعوا إلى منازلكم، فيقول أزواجهم: خرجتم من عندنا على صورة ورجعتم على غيرها، فيقولون: ذلك أن اللَّه تجلى لنا فنظرنا إليه فنضرت وجوهنا" (٢).

стр. 513

سابعا: الآثار الواردة في كون رؤية اللَّه جزاءا لأعمال معينة . ٤١٧ - حدثني محمد قال: حدثني شعيب بن محرز قال: حدثني صالح المرّي قال: بلغني عن كعب أنه كان يقول: "من بكى خوفا من ذنب غُفر له، ومن بكى اشتياقا إلى اللَّه أباحه النظر إليه ﵎ يراه متى يشاء" (١). ٤١٨ - حدثني محمد قال: حدثني مالك بن ضيغم قال: سمعت بكر ابن مصاد يقول: سمعت عبد الواحد بن زيد قال: "يا إخوتاه ألا تبكون شوقا إلى اللَّه؟ ألا إنه من بكى شوقا إلى سيّده لم يحرمه النظر إليه" (٢). ثامنا: الآثار الواردة في يقين السلف بهذه العقيدة . ٤١٩ - حدثني محمد بن الحسين، حدثنا إسحاق بن منصور السلولي، حدثني أم سعيد بن علقمة النخعي وكانت أمه طائية قالت: "كانت بيننا وبين داود الطائي جدار قصير، قالت: فكنت أحسه عامة الليل لا يهدأ، قالت: وربما سمعته يقول في جوف الليل: اللهم همّك عطل عليّ الهموم،

стр. 514

وخالف بيني وبين السهاد، وشوقي إلى النظر إليك أوثق مني الشهوات، ومنع مني اللذات، فأنا في سجنك أيها الكريم مطرّح، قالت: وربما ترنم (١) في السحر بالشيء من القرآن، فارى أن جميع نعيم الدنيا في ترنّمه، وقالت: وكان يكون في الدار وحده، وكأنه لا يصبح فيها" (٢). ٤٢٠ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه قال: ". . . كنت أرى ورّادا العجلي (٣) يأتي المسجد مقنّع الرأس، يعتزل ناحية، فلا يزال مصليا وداعيا وباكيا كم شاء اللَّه من النهار، ثم يخرج، ثم يعود فيصلي الظهر، فهو كذلك بين صلاة ودعاء وبكاء حتى يصلي العشاء، ثم يخرج لا يكلم أحدا، ولا يجلس، فسألت عنه رجلا من حيّه، ووصفته له، قلت: شاب من صفته، من هيئته، قال: بخ يا أبا عمر، تدري عمن تسأل؟ ذاك ورّاد العجلي الذي عاهد اللَّه أن لا يضحك حتى ينظر إلى وجه رب العالمين، قال

стр. 515

أبي: فكنت إذا رأيته بعد هبته" (١). تاسعا: الآثار الواردة في الحجب، واحتجابه تعالى عن الكفار . ٤٢١ - حدثنا محمد بن الحسين، أخبرني شعيث بن محرز الأسدي أو الأودي (٢)، حدثنا الهيثم بن جماز البكاء (٣)، قال: قال حبيب أبو محمد ليزيد الرقاشي كلاما بالفارسية معناه: "بأي شيء تقر عيون العابدين في الدنيا؟ وبأي شيء تقرُّ عيونهم في الآخرة؟ قال له يزيد: يا أبا محمد أما الذي تقر به عيونهم في الدنيا فما أعلم شيئًا لعيون العابدين في دار الدنيا من التهجد في ظلم الليل، وأما الذي تقر عيونهم به في الآخرة فما أعلم شيئًا من نعيم الجنة وخيرها وسرورها ألذ عند العابدين ولا أقر لعيونهم من النظر إلى ذي الكبرياء العظيم إذا رفعت تلك الحجب وتجلى لهم الكريم، قال: فصاح عند ذلك صيحة خر مغشيا عليه" (٤). ٤٢٢ - حدثنا يعقوب بن إسحاق قال: سمعت نعيم بن حماد قال:

стр. 516

سمعت ابن المبارك (١) قال: "ما حجب اللَّه أحدا عنه إلا عذّبه، ثم قرأ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾ (٢) قال: بالرؤية" (٣). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابق ذكرها إثبات عقيدة السلف في رؤية اللَّه تعالى يوم القيامة، فقد ورد عنهم تفسير الزيادة في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ بأن الزيادة هي النظر إلى وجه اللَّه تعالى، وهذا التفسير أخذوه عن رسول اللَّه ﷺ كما قال البيهقي ﵀: "فسر رسول اللَّه ﷺ المبين عن اللَّه ، فمن بعده من الصحابة الذين أخذوا عنه، والتابعين

стр. 517

الذين أخذوا عن الصحابة: أن الزيادة في هذه الآية النظر إلى وجه اللَّه ﵎، وانتشر عنه وعنهم إثبات رؤية اللَّه في الآخرة بالأبصار" (١). كما تضمنت الآثار بيان أن أعظم نعيم أهل الجنة هو رؤيتهم لربهم وأن كل نعيم دونه، فقد بين ابن أبي ليلى أن كل نعيم بل وكل أهوال القيامة بعد تجلي اللَّه لهم كان كل ذلك لم يكن شيئًا، وكذلك سلمة العباد بين أن ألذ نعيم وأكثره هو النظر إلى اللَّه، وهي مسألة أنكرها بعض من أثبت رؤية الرب تعالى قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "مثبتة الرؤية منهم من أنكر أن يكون المؤمن ينعم بنفس رؤية ربه. . . وأكثر مثبتي الرؤية يقرون بتنعم المؤمنين برؤية ربهم، وهو مذهب سلف الأمة وأئمتها ومشايخ الطريق كما جاء في الحديث: "وأسألك لذة النظر إلى وجهك" (٢)، وذكر الإمام القصاب ﵀ في بيان الرد على من استدل بقوله تعالى: ﴿نَاظِرَةٌ﴾ بأنها منتظرة، بأن ذلك ليس بخلاف لما دلّ عليه القرآن من إثبات الرؤية وقال: "إذ لا ثواب أجل من انتظاره رؤية

стр. 518

الرب سبحانه؛ لأنه غاية الطالبين، وأمتع تمتع المتمتعين" (١). كما أن الآثار التي وردت في بروز اللَّه وتجليه لعباده وزيارتهم له وازدياد حسنهم هي من الآثار الدالة على الرؤية، وهذه الآثار هي فيما يحصل يوم الجمعة للمؤمنين من الكرامة والنعيم، فقد ورد ذكر الزيارة والتجلى والرؤية وسوق الجنة، وفي بعضها كلام، كما أنها وردت بصيغ مختلفة بعضها مختصر وبعضها اشتمل على زيادات مختلفة في بيان سبب ازدياد حسن وجوه أهل الجنة هل هو الرؤية أم الريح، وكل لا يقدح في الاستدلال بها على ما تضمنته من الرؤية والكرامة؛ لأن تلك الزيادات تكون بمنزلة أخبار مستقلة لكل خبر دلالة زائدة على ما في غيره؛ لأن هذا من باب الأخبار وليس من باب الأحكام (٢)، قال شيخ الإسلام: "وهذا الذي أخبر به ابن مسعود (٣) أمر لا يعرفه إلا نبي أو من أخذ عن نبي"، فما يحدث يوم الجمعة في الجنة أشياء كثير منها بروز اللَّه لعباده وتجليه لهم ورؤيتهم له وازدياد حسنهم بسبب ذلك أو بعضه (٤). ومن ذلك ما ورد عن بعض السلف من جعل رؤية اللَّه هي جزاء لبعض الأعمال كالبكاء من خشيته سبحانه، وما ورد عن بعضهم الآخر

стр. 519

من كونه امتنع من الضحك أو من المعاصي لما يؤمله من رؤية اللَّه تعالى، يؤكد أن هذه العقيدة كانت راسخة في نفوسهم لا يداخلهم فيها أدنى شك. وبعد هذا كله فإن من عقيدتهم المتعلقة برؤية اللَّه ما ورد عنهم في ذكر الحجب التي احتجب اللَّه بها عن خلقه، واحتجابه عن الكفار يوم القيامة لأعظم دليل على رؤية المؤمنين له ، قال الشافعي ﵀: "لما حجبهم في السخط، كان هذا دليلا على أنهم يرونه في الرضا"، وهذا من أدل الأدلة وأبينها على المسألة كما قال القصّاب وأبو المظفر السمعاني رحمهم اللَّه تعالى (١)، واللَّه أعلم.

стр. 520

المبحث التاسع: الآثار الواردة في المكر . ٤٢٣ - حدثني الحسن بن جهور قال: أخبرنا محمد بن كناسة قال: سمعت ابن ذر يقول: "أيها الناس أحلوا. . . اللَّه بالتوبة عما لا يحل؛ فإن اللَّه لا يؤمن إذا عصي" (١). ٤٢٤ - أخبرنا الحسن بن جهور قال: أخبرنا محمد كناسة قال: سمعت عمر بن ذر يقول: "آنسك جانب حلمه فتوثبت على معاصيه، أفأسفه تريد؟ أما سمعته يقول: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ (٢) " (٣). التحليل والتعليق تضمن الأثران السابقان أن الاستمرار على المعصية، والاسترسال فيها، لا يؤمن على صاحبه من العقوبة، فإن المعاصي تورث غضب الرب، وإذا غضب لم يؤمن انتقامه، وهذا من أنواع المكر الذي

стр. 521

يضاف إلى اللَّه ويخافه أولياؤه وعباده المتقون، قال ابن القيم: "أما خوف أوليائه من مكره فحق؛ فإنهم يخافون أن يخذلهم بذنوبهم وخطاياهم، فيصيرون إلى الشقاء، فخوفهم من ذنوبهم، ورجاؤهم لرحمته، وقوله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ (١) إنما هو في حق الفجار والكفار، ومعنى الآية: فلا يعصي ويأمن مقابلة اللَّه له على مكر السيئات بمكره به إلا القوم الخاسرون، والذي يخافه العارفون باللَّه من مكره: أن يؤخر عنهم عذاب الأفعال، فيحصل منهم نوع اغترار، فيأنسوا بالذنوب، فيجيئهم العذاب على غرة وفترة، وأمر آخر وهو: أن يغفلوا عنه، وينسوا ذكره، فيتخلى عنهم إذا تخلوا عن ذكره وطاعته، فيسرع إليهم البلاء والفتنة، فيكون مكره بهم تخليه عنهم، وأمر آخر: أن يعلم من ذنوبهم وعيوبهم ما لا يعلمونه من نفوسهم، فيأتيهم المكر من حيث لا يشعرون، وأمر آخر: أن يمتحنهم ويبتليهم بما لا صبر لهم عليه فيفتنون به وذلك مكر" (٢).

стр. 522

المبحث العاشر: الآثار الواردة في الاستهزاء . ٤٢٥ - حدثني حمزة بن العباس قال: حدثنا عبد اللَّه بن عثمان قال: أخبرنا ابن المبارك قال: أخبرنا الكلبي، عن أبي صالح (١) في قول اللَّه جلّ وعزَّ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (٢) قال: "يقال لأهل النار وهم في النار: اخرجوا، ويفتح لهم أبواب، فإذا رأوها قد فتحت أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليه على الأرائك (٣) فإذا انتهوا إلى أبوابها غلِّقت دوهم، فذلك قول اللَّه ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، ويضحك (٤) منهم المؤمنون حين غلقت دونهم، فذلك قوله: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ (٥) " (٦).

стр. 523

التحليل والتعليق تضمن أثر أبي صالح تفسير استهزاء اللَّه بالكفار، وأنه يقع يوم القيامة لما يفتح للكفار باب فيهرعون إليه لكي يخرجوا من النار ثم يغلق عليهم، وهو مروي عن ابن عباس، وللآية تفسيرات أخرى لا تخرج عن مثل هذا معنى (١)، كما سيأتي بعد هذا في الخداع، قال ابن جرير الطبري ﵀ بعدما نقل الأقوال في تفسير الاستهزاء: "الصواب في ذلك من القول والتأويل عندنا: أن معنى الاستهزاء في كلام العرب: إظهار المستهزئ للمستهزئ به من القول والفعل ما يرضيه، ويوافقه ظاهرا، وهو بذلك من قبله وفعله به مورثه مساءةً باطنا، وكذلك معنى الخداع والسخرية والمكر. . . إذ كان معنى الاستهزاء والسخرية والمكر والخديعة ما وصفنا قبل، دون أن يكون ذلك معناه في حالٍ فيها المستهزئ بصاحبه له ظالم، أو عليه فيها غير عادل، بل ذلك معناه في كل" (٢)، قال ابن كثير: "المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب والعبث منتف عن اللَّه بالإجماع، وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك" (٣).

стр. 524

المبحث الحادي عشر: الآثار الواردة في الخداع . ٤٢٦ - ثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، دثنا أبي، أدنا ابن المبارك، أدنا صفوان بن عمرو قال: دثني سليم بن عامر قال: "خرجنا على جنازة في باب دمشق، ومعنا أبو أمامة فلما صلى على الجنازة، وأخذوا في دفنها، قال أبو أمامة: أيها الناس، إنكم أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسنات والسيئات، وتوشكون أن تظعنوا (١) منه إلى منزل آخر، وهو هذا يشير إلى القبر - بيت الوحدة، وبيت الظلمة، وبيت الدود، وبيت الضيق إلا ما وسع اللَّه، ثم تنتقلون منه إلى مواطن يوم القيامة، فأيكم لفي بعض تلك المواطن إذا يغشى الناس أمر من أمر اللَّه، فتبيضّ وجوه وتسودّ وجوه، ثم تنتقلون إلى منزل آخر، فتغشى الناس ظلمة شديدة، ثم يقسم النور، فيعطى المؤمن نورا، ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئًا، وهو المثل الذي ضربه اللَّه في كتابه فقال: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ (٢)، فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن كما لا يستضيء الأعمى بنور البصير، ويقول المنافقون للذين آمنوا: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا

стр. 525

نُورًا﴾ (١)، وهي خدعة اللَّه التي خدع بها المنافقين، قال اللَّه: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ (٢)، فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور، فلا يجدون شيئًا، فينصرفون إليهم، وقد ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ (٣) نصلى صلاتكم، ونغزو مغازيكم؟ ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)﴾ (٤)، يقول سليم: فما يزال المنافق مغترا حتى يقسم الفور، ويميّز اللَّه بين المؤمن والمنافق" (٥). التحليل والتعليق تضمن أثر أبي أمامة إثبات صفة الخداع للَّه ، وتفسيرها بالنور

стр. 526

الذي يعطاه المؤمن يوم القيامة وطمع المنافق فيه، فيضرب بينهما بباب فينقطع النور عن المنافق ويبقى في الظلمة، جزاء وفاقا، قال ابن القيم: "في هذا المثل إيذانا وتنبيها على حالهم في الآخرة، وأنهم يعطون نارا ظاهرا، كما كان نورهم في الدنيا ظاهرا، ثم يطفأ ذلك النور أحوج ما يكونون إليه؛ إذ لم تكن له مادة باقية تحمله، ويبقون في الظلمة على الجسر، لا يستطيعون العبور؛ فإنه لا يمكن أحدا عبوره إلا بنور ثابت، يصحبه حتى يقطع الجسر، فإن لم يكن لذلك النور مادة من العلم النافع والعمل الصالح، وإلا ذهب اللَّه تعالى به أحوج ما كان إليه صاحبه، فطابق مثلهم في الدنيا بحالتهم التي هم عليها في هذه الدار، وبحالتهم يوم القيامة عندما يقسم" (١). وليس في إثبات هذه الصفة والتي قبلها على الوجه اللائق باللَّه أي محذور كما يتوهمه المعطلة، بسبب غلبة استعمالهما في المعاني المذمومة قال ابن القيم: "لما كان غالب استعمال هذه الألفاظ في المعاني المذمومة ظن المعطلون أن ذلك هو حقيقتها، فإذا أطلقت لغير الذم كان مجازا، والحق خلاف هذا الظن، وأنها منقسمة إلى محمود ومذموم، فما كان منها متضمنا للكذب والظلم فهو مذموم، وما كان منها بحق وعدل ومجازاة على القبيح فهو حسن محمود، فإن المخادع إذا خادع بباطل وظلم، حسن من المجازي له أن يخدعه بحق وعدل، وكذلك إذا مكر واستهزأ

стр. 527

ظالما متعديا كان المكر به والاستهزاء عدلا حسنا. . . والمكر والكيد والخداع لا يذم من جهة العلم ولا من جهة القدرة؛ فإن العلم والقدرة من صفات الكمال، وإنما يذم من جهة سوء القصد وفساد الإرادة، وهو أن الماكر المخادع يجور ويظلم بفعل ما ليس له فعله أو ترك ما يجب عليه فعله. إذا عرف ذلك فنقول: إن اللَّه تعالى لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع والاستهزاء مطلقا، ولا ذلك داخل في أسمائه الحسن. . . فإن هذه الأفعال ليست ممدوحة مطلقا بل تمدح في موضع وتذم في موضع، فلا يجوز إطلاق أفعالها على اللَّه مطلقا، فلا يقال: إنه تعالى يمكر ويخادع ويستهزئ ويكيد. . . والمقصود أن اللَّه لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق" (١).

стр. 528

المبحث الثاني عشر: الآثار الواردة في الغضب والأسف . ٤٢٧ - حدثني محمد بن عمران الضبي قال: سمعت أبي يحكي قال فذكر قصة ثم ذكر قول سفيان: "بلغني أن الأدب يطفئ غضب الرب" (١). ٤٢٨ - حدثني محمد بن الحارث الخرّاز قال: حدثنا سيار قال: حدثنا جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يقول: "إن اللَّه إذا غضب على قوم سلّط عليهم صبياهم" (٢). ٤٢٩ - حدثنا يعقوب بن هارون قال: حدثنا العوام بن حوشب قال: قال إبراهيم التيمي: "إن اللَّه عندما يريد أن يقيم الساعة أغضب ما يكون على خلقه، قال العوام: وقال الحسن: الزجرة من الغضب: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾ (٣) " (٤).

стр. 529

٤٣٠ - أخبرنا أحمد بن إبراهيم العبدي قال: حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس قال: سمعت سفيان يقول في قول اللَّه ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ (١) قال: أغضبونا" (٢). ٤٣١ - أخبرنا الحسن بن جهور قال: أخبرنا محمد كناسة قال: سمعت عمر بن ذر يقول: "آنسك جانب حلمه فتوثبت على معاصيه أفأسَفَه تريد؟ أما سمعته يقول: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ (٣) " (٤). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة إثبات صفة الغضب اللَّه تعالى، وتفسير

стр. 530

الأسف الوارد في القرآن بالغضب، وهذا التفسير هو قول جمهور المفسرين (١)، وهو قول أهل اللغة (٢)، وذكر في تفسيرها أيضًا خالفونا وأسخطونا ومعانيها متقاربة كما قال العيني في عمدة القاري (٣). وصفة الغضب من الصفات الفعلية كما يشير أثر التيمي في قيام الساعة وأنها تكون أغضب ما يكون اللَّه تعالى، وكما يشير أثر سفيان في كون الأدب يطفئ غضب الرب، وفي أثر سفيان بيان أثر هذه الصفة وهو العقوبة، وكما يشير تفسير الأسف بالغضب، وترتيب العقاب عليه بفاء التعقيب، كل هذا يفيد أن هذه الصفة تحصل في وقت دون آخر، وتكون في وقت أشد منها في غيره، وأنها ليست نفس العذاب، بل العذاب يترتب عليها، قال ابن القيم: "عذابه مفعول منفصل، وهو ناشئ عن غضبه، ورحمته هاهنا هي الجنة، وهي رحمة مخلوقة ناشئة عن الرحمة التي هي صفة الرحمن، فههنا أربعة أمور: رحمة هي وصفه سبحانه، وثواب منفصل هو ناشئ عن رحمته، وغضب يقوم به سبحانه، وعقاب منفصل ينشأ عنه" (٤)، "وقد فطر اللَّه عباده على قولهم: هذا الفعل يحبه اللَّه، وهذا يكرهه اللَّه ويبغضه، وفلان يفعل ما لا يحبه اللَّه، والقرآن مملوء بذكر سخطه وغضبه على أعدائه، وذلك صفة قائمة به، ويترتب عليها العذاب واللعنة" (٥).
следующие страницы →