← Акыда

Акыда · id 151178

الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا

حميد بن أحمد نعيجات

Полный текст (1 390 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الذي يعطاه المؤمن يوم القيامة وطمع المنافق فيه، فيضرب بينهما بباب فينقطع النور عن المنافق ويبقى في الظلمة، جزاء وفاقا، قال ابن القيم: "في هذا المثل إيذانا وتنبيها على حالهم في الآخرة، وأنهم يعطون نارا ظاهرا، كما كان نورهم في الدنيا ظاهرا، ثم يطفأ ذلك النور أحوج ما يكونون إليه؛ إذ لم تكن له مادة باقية تحمله، ويبقون في الظلمة على الجسر، لا يستطيعون العبور؛ فإنه لا يمكن أحدا عبوره إلا بنور ثابت، يصحبه حتى يقطع الجسر، فإن لم يكن لذلك النور مادة من العلم النافع والعمل الصالح، وإلا ذهب اللَّه تعالى به أحوج ما كان إليه صاحبه، فطابق مثلهم في الدنيا بحالتهم التي هم عليها في هذه الدار، وبحالتهم يوم القيامة عندما يقسم" (١). وليس في إثبات هذه الصفة والتي قبلها على الوجه اللائق باللَّه أي محذور كما يتوهمه المعطلة، بسبب غلبة استعمالهما في المعاني المذمومة قال ابن القيم: "لما كان غالب استعمال هذه الألفاظ في المعاني المذمومة ظن المعطلون أن ذلك هو حقيقتها، فإذا أطلقت لغير الذم كان مجازا، والحق خلاف هذا الظن، وأنها منقسمة إلى محمود ومذموم، فما كان منها متضمنا للكذب والظلم فهو مذموم، وما كان منها بحق وعدل ومجازاة على القبيح فهو حسن محمود، فإن المخادع إذا خادع بباطل وظلم، حسن من المجازي له أن يخدعه بحق وعدل، وكذلك إذا مكر واستهزأ

стр. 527

ظالما متعديا كان المكر به والاستهزاء عدلا حسنا. . . والمكر والكيد والخداع لا يذم من جهة العلم ولا من جهة القدرة؛ فإن العلم والقدرة من صفات الكمال، وإنما يذم من جهة سوء القصد وفساد الإرادة، وهو أن الماكر المخادع يجور ويظلم بفعل ما ليس له فعله أو ترك ما يجب عليه فعله. إذا عرف ذلك فنقول: إن اللَّه تعالى لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع والاستهزاء مطلقا، ولا ذلك داخل في أسمائه الحسن. . . فإن هذه الأفعال ليست ممدوحة مطلقا بل تمدح في موضع وتذم في موضع، فلا يجوز إطلاق أفعالها على اللَّه مطلقا، فلا يقال: إنه تعالى يمكر ويخادع ويستهزئ ويكيد. . . والمقصود أن اللَّه لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق" (١).

стр. 528

المبحث الثاني عشر: الآثار الواردة في الغضب والأسف . ٤٢٧ - حدثني محمد بن عمران الضبي قال: سمعت أبي يحكي قال فذكر قصة ثم ذكر قول سفيان: "بلغني أن الأدب يطفئ غضب الرب" (١). ٤٢٨ - حدثني محمد بن الحارث الخرّاز قال: حدثنا سيار قال: حدثنا جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يقول: "إن اللَّه إذا غضب على قوم سلّط عليهم صبياهم" (٢). ٤٢٩ - حدثنا يعقوب بن هارون قال: حدثنا العوام بن حوشب قال: قال إبراهيم التيمي: "إن اللَّه عندما يريد أن يقيم الساعة أغضب ما يكون على خلقه، قال العوام: وقال الحسن: الزجرة من الغضب: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾ (٣) " (٤).

стр. 529

٤٣٠ - أخبرنا أحمد بن إبراهيم العبدي قال: حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس قال: سمعت سفيان يقول في قول اللَّه ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ (١) قال: أغضبونا" (٢). ٤٣١ - أخبرنا الحسن بن جهور قال: أخبرنا محمد كناسة قال: سمعت عمر بن ذر يقول: "آنسك جانب حلمه فتوثبت على معاصيه أفأسَفَه تريد؟ أما سمعته يقول: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ (٣) " (٤). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة إثبات صفة الغضب اللَّه تعالى، وتفسير

стр. 530

الأسف الوارد في القرآن بالغضب، وهذا التفسير هو قول جمهور المفسرين (١)، وهو قول أهل اللغة (٢)، وذكر في تفسيرها أيضًا خالفونا وأسخطونا ومعانيها متقاربة كما قال العيني في عمدة القاري (٣). وصفة الغضب من الصفات الفعلية كما يشير أثر التيمي في قيام الساعة وأنها تكون أغضب ما يكون اللَّه تعالى، وكما يشير أثر سفيان في كون الأدب يطفئ غضب الرب، وفي أثر سفيان بيان أثر هذه الصفة وهو العقوبة، وكما يشير تفسير الأسف بالغضب، وترتيب العقاب عليه بفاء التعقيب، كل هذا يفيد أن هذه الصفة تحصل في وقت دون آخر، وتكون في وقت أشد منها في غيره، وأنها ليست نفس العذاب، بل العذاب يترتب عليها، قال ابن القيم: "عذابه مفعول منفصل، وهو ناشئ عن غضبه، ورحمته هاهنا هي الجنة، وهي رحمة مخلوقة ناشئة عن الرحمة التي هي صفة الرحمن، فههنا أربعة أمور: رحمة هي وصفه سبحانه، وثواب منفصل هو ناشئ عن رحمته، وغضب يقوم به سبحانه، وعقاب منفصل ينشأ عنه" (٤)، "وقد فطر اللَّه عباده على قولهم: هذا الفعل يحبه اللَّه، وهذا يكرهه اللَّه ويبغضه، وفلان يفعل ما لا يحبه اللَّه، والقرآن مملوء بذكر سخطه وغضبه على أعدائه، وذلك صفة قائمة به، ويترتب عليها العذاب واللعنة" (٥).

стр. 531

المبحث الثالث عشر: الآثار الواردة في السخط ٤٣٢ - حدثني عبد العظيم بن عبد اللَّه بن محمد بن إبراهيم بن جشم -مولى عبد اللَّه بن عامر- قال: حدثني أبي قال: سمعت صالحا المري (١) يقول: "دخلت دار المورياني وهي خراب فقلت: يا دار ما فعل أهلك؟ فإذا أنا بمناد ينادي من أقصى الدار: قف يرحمك اللَّه يا صالح، هذا سخط مخلوق على مخلوق، فكيف سخط الخالق على المخلوق؟ لا إله إلا اللَّه" (٢). التحليل والتعليق تضمن أثر صالح المري إثبات صفة السخط اللَّه تعالى، وهي الغضب نفسه (٣)، لكن السخط هو أشد ما يكون من الغضب (٤)، ونقل القرطبي عن الماوردي قوله: "الفرق بينهما: أن السخط إظهار الكراهة، والغضب إرادة الانتقام" (٥)، وكما سبق في التعليق السابق أن الغضب والسخط صفة قائمة باللَّه تعالى، ويترتب عليها العذاب واللعنة.

стр. 532

المبحث الرابع عشر: الآثار الواردة في الغيرة . ٤٣٣ - حدثني محمد بن ناصح قال: حدثنا بقيّة بن الوليد، عن يزيد ابن عبد اللَّه الجهني قال: حدثني أبو العلاء، عن أنس بن مالك: "أنّه دخل على عائشة ﵂ ورجل معه، فقال لها الرجل: يا أم المؤمنين، حدثينا عن الزلزلة، فقال: إذا استباحوا الزنا، وشربوا الخمر، وضربوا بالمغاني، وغار اللَّه في سمائه، فقال للأرض: تزلزلي بهم، فإن تابوا ونزعوا، وإلا هدمها عليهم، قال: قلت: يا أم المؤمنين، أعذاب لهم؟ قالت: بل موعظة ورحمة وبركة للمؤمنين، ونكال وعذاب وسخط على الكافرين، قال أنس: ما سمعت حديثا بعد رسول اللَّه ﷺ أنا أشد فرحا مني بهذا الحديث" (١). التحليل والتعليق تضمن أثر عائشة ﵂ إثبات صفة الغيرة للَّه تعالى، وأنه

стр. 533

يغير في سمائه، وأن غيرته بسبب ما يحدثه عباده من الفواحش من استباحة الزنا، وشرب الخمور، وضرب المغاني، وحينئذ ينزل عذابه وعقابه بالزلزلة تذكيرا لعباده ونكالا على أعدائه، وأصلها كراهة القبائح وبغضها (١)، قال شيخ الإسلام: "ثبت في الأحاديث الصحيحة (٢) أن اللَّه يوصف بالغيرة وهي مشتقة من التغير" (٣) وقال ابن القيم: "المغيرة من صفات الرب ﷻ " (٤) وقال: "اللَّه يغار على قلب عبده، أن يكون معطلا من حبة، وخوفه ورجائه، وأن يكون فيه غيره، فاللَّه خلقه لنفسه، واختاره من بين خلقه. . . ويغار على لسانه أن يتعطل من ذكره، ويشتغل بذكر غيره، ويغار على جوارحه أن تتعطل من طاعته، وتشتغل بمعصيته. . . وإذا أراد اللَّه بعبده خيرا سلط على قلبه إذا أعرض عنه، واشتغل بحب غيره أنواع العذاب، حتى يرجع قلبه إليه، وإذا اشتغلت جوارحه بغير طاعته ابتلاها بأنواع البلاء، وهذا من غيرته على عبده. . . ومن غيرته ، غيرته على توحيده، ودينه وكلامه، أن يحظى به من ليس من أهله، بل حال بينهم وبينه غيرة عليه" (٥).

стр. 534

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي - الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عمادة البحث العلمي - رقم: (١٣٠) الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا «جمعًا ودراسة» تأليف الدكتور حميد بن أحمد نعيجات [الجزء الثاني]

стр. 535

(ح) الجامعة الإسلامية ١٤٣١ هـ فهرس مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر نعيجات، حميد بن أحمد الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا جمعًا ودراسة / حميد أحمد نعيجات. - المدينة المنورة، ١٤٣١ هـ. ٣ مج. ردمك: ٥ - ٦٢٧ - ٠٢ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ٩ - ٦٢٩ - ٠٢ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٢) ١ - ابن أبي الدنيا، عبد اللَّه بن محمد، ت ٢٨١ ٢ - العقيدة الإسلامية أ. العنوان ديوي: ٢٤٠ ... ٤٠٢٠/ ١٤٣١ رقم الإيداع: ٤٠٢٠/ ١٤٣١ ردمك: ٥ - ٦٢٧ - ٠٢ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ٩ - ٦٢٩ - ٠٢ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٢) أصل هذا الكتاب رسالة دكتوراه نوقشت في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وحصلت على تقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى. الآراء الواردة في هذا الكتاب تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الجامعة جميع حقوق الطبع محفوظة للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

стр. 536

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 537

الفصل الرابع: الآثار الواردة في القدر . وفيه تسعة مباحث: المبحث الأول: الآثار الواردة في حتمية القدر ووجوب وقوعه. المبحث الثاني: الآثار الواردة في القبضتين من أهل الجنة والنار. المبحث الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الخصومة في القدر. المبحث الرابع: الآثار الواردة في مراتب القضاء والقدر. المبحث الخامس: الآثار الواردة في الهداية والضلال. المبحث السادس: الآثار الواردة في نفي الجور عن اللَّه (العدل الإلهي). المبحث السابع: الآثار الواردة في الرضا بالقضاء والقدر. المبحث الثامن: الآثار الواردة في ذم القدرية والتحذير منهم. المبحث التاسع: الآثار الواردة في براءة الحسن البصري من القدر.

стр. 538

المبحث الأول: الآثار الواردة في حتمية القدر ووجوب وقوعه . ٤٣٤ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا مبشِّر بن إسماعيل الحلبي، حدثني فرات بن سلمان (١) قال: كان يقال: إذا سُئلت فلا تَعِد، وقل: "أَسْمَعُ ما تقول، فإن يُقَدَّر شيء يكن" (٢). ٤٣٥ - حدثني المفضل بن غسان الغلابي، نا أبو مسهر، عن سعيد ابن عبد العزيز قال: قال شريح (٣): "ما أصيب عبد بمصيبة إلا كان للَّه فيها ثلاث نعم: ألا تكون كانت في دينه، وألا تكون أعظم مما كانت، وأنها لا بدّ كائنة فقد كانت" (٤). ٤٣٦ - حدثني المفضل بن غسان قال: حدثنا أبي، عن أبي زيد

стр. 539

العبدي (١): "نظر علي بن أبي طالب ﵁ إلى عدي بن حاتم كئيبا فقال: يا عديّ، ما لي أراك كئيبا حزينا؟ قال: وما يمنعني وقد قتل أبنائي، وفقئت عيني، فقال: يا عديّ، إنه من رضي بقضاء اللَّه جرى عليه وكان له أجر، ومن لم يرض بقضاء اللَّه جرى عليه وحبط عمله" (٢). ٤٣٧ - حدثنا الهيثم بن خارجة، قال: أخبرنا إسماعيل بن عياش، عن ثعلبة بن مسلم عن المحرر بن أبي هريرة عن أبية، عن عمر ﵁ أنه قال: "ما من امرئ إلا وله أثر هو واطؤه، ورزق هو بالغه، وحتف هو قاتله، حتى لو أن رجلا هرب من رزقه لاتّبعه حتى يدركه، كما أن الموت مدرك من هرب منه" (٣). ٤٣٨ - حدثني الحسين بن جهور، عن شيخ من قريش قال: قال الحسن البصري: "الحريص الجاهل، والقانع الزاهد، كلٌّ مستوٍ في أكله،

стр. 540

موفَّى رزقه، فعلام التهافت في النار" (١). ٤٣٩ - حدثنا محمود بن خداش، حدثنا أشعث بن عبد الرحمن، حدثنا رجل يقال له: عبد الملك، عن الحسن قال: "ابن آدم، لا تحمل همّ سنة على يوم، كفى يومك بما فيه، فإن تكن السنة من عمرك يأتك اللَّه فيها برزقك، وإلا تكن من عمرك فأراك تطلب ما ليس لك" (٢). ٤٤٠ - حدثني الحسن بن داود بن محمد بن المنكدر قال: ثنا معتمر ابن سليمان، عن عدي بن الفضل، عن عمر بن عبد العزيز قال: "يا أيها الناس اتقوا اللَّه وأجملوا في الطلب؛ فلو كان رزق أحدكم في قُلَّة (٣) جبل، أو في حضيض (٤) أرض، لأكل رزقه، فاتقوا اللَّه وأجملوا في الطلب" (٥).

стр. 541

٤٤١ - حدثنا الحسن بن يحيى بن كثير العنبري، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عبد الملك بن عبد اللَّه بن محمد بن سيرين، عن أبيه قال: "أردت أن أخرج في وجه فبينا أنا في الطريق إذ قال رجل: هذا أبوك خلفك، فقمت حتى لحقني فقال: يا بنيّ اتّق اللَّه حيث كنت، واعلم أن لك رزقا لن تعدوه، فاطلبه من حلّه، فإنك إن طلبته من حلّه، رزقك اللَّه طيبا، واستعملك صالحا، وأستودعك اللَّه، والسلام عليك" (١). ٤٤٢ - حدثني أبو جعفر محمد بن يزيد الأدمي، قال: حدثنا أبو مسهر، قال: ثنا سعيد بن عبد العزيز قال: "قيل لأبي أسيد الفزاري (٢): من أين تعيش؟ فكبر اللَّه وحمده وقال: يرزق اللَّه القرد والخنزير، ولا يرزق أبا أسيد" (٣). ٤٤٣ - حدثني أبي ﵀ قال: "لما قدِّم هدبة بن الخشرم العذري (٤)

стр. 542

ليقتل ومعه أبواه يبكيان، التفت إليهما فقال: أبلياني اليوم صبرا منكما ... إنَّ حزنا منكما بادٍ لشرّ لا أدرى ذا الموتَ إلا هيّنًا ... إن بعد الموت دار المستقرّ اصبرا اليوم فإني صابر ... كلّ حَيٍّ لفَنَاء وقَدَرْ (١) ٤٤٤ - أنشدني أبي ﵀: إذا المرء لم يطلب معاشا ولم ... يتحاش من طول الجلوس جفاه الأقربون وصار كلًّا ... على الإخوان كالثوب اللّبيس وما الأرزاق عن جلَدٍ ولكن ... بما قدر المقدِّر للنفوس (٢) ٤٤٥ - حدثني أحمد بن سعيد الدارمي، قال: حدثنا النضر بن شميل، قال: "كتب سليمان بن حبيب المهلبي إلى الخليل بن أحمد (٣) وولي

стр. 543

الأهواز (١) يدعوه، فأبى أن يأتيه وكتب إليه: أبلغ سليمان أني عنه في سعة غنى وفي ... غير أني لست ذال مال شخّا بنفسي إني لا أرى أحدا ... يموت هزلا ولا يبقى على حال ٤٤٦ - قال أبو بكر: وزادني غيره: الرزق عن قدر، لا الضعف ينقصه ... ولا يزيدك فيه حول محتال (٢) ٤٤٧ - حدثني على بن الحسن بن موسى، قال: حدثني زكريا بن أبي خالد، قال: "كان ابن عباس ﵁ يتمثل بهذين البيتين: إن المقادير لا تناولها الأوهام ... لطفا ولا تراها العيون وسيجري عليك ما قدر اللَّه ... ويأتيك رزقك المضمون (٣)

стр. 544

٤٤٨ - حدثني الحسن بن عبد الرحمن، عن عصمة بن سليمان الخزاز، قال: حدثنا جعفر بن أبي شعيب الكندي (١) قال: "كان لرجل من أهل البصرة له جِدَةٌ وعطايا ومعروف، فأصابه ريب الزمان فاجتاح ماله، فأراد أن يضرب في الأرض لتغي من فضل اللَّه ، فقالت بنيّة له في ذلك قولا حكاه عنها في شعر له فقال: تقول ابنتي والسير قد جدّ جدّه ... -وقد حصرتني بغتة- ورحيل لعل المنايا في ارتحالك تنذري ... بنفسك قوما أو تغولك غول فتتركني أدعى يتيمة بعد ما تبين ... وعزي يوم ذاك ذليل أفي طلب الدنيا وربك للَّذِي ... تحاول منها والشخوص كفيل أليس ضعيف القوم يأتيه رزقه ... يساق إليه والبلاء محول ويحرم جمع المال من لم تزل له ... بكل بلاد رحلة وحلول فلو كنت في طود (٢) على رأس هضبة ... لها لجف فيه الوعول تقيل مصدّعة لا يستطاع ارتقاؤها ... وليس إلى منها النزول سبيل إذًا لأتاك الرزق يحدوه سائق ... حثيث ويهديه إليك دليل (٣)

стр. 545

٤٤٩ - حدثني محمد بن عباد بن موسى العكلي، قال: ثنا الحسن بن علي زبان البصري مولى بني هاشم، قال ثنا سفيان بن عبدة الحميدي وعبيد بن يحيى الهجري، قالا: "خرج إلى عبد اللَّه بن عامر بن كريز (١) -وهو عامل العراق لعثمان بن عفان ﵁ رجلان من أهل المدينة، أحدهما: ابن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري، والآخر من ثقيف، فكتب به إلى عبد اللَّه بن عامر فيما تكتب به من الأخبار، فأقبلا يسيران حتى إذا كانا بناحية البصرة، قال الأنصاري للثقفي: هل لك في رأي رأيته؟ قال: اعرضه، قال: رأيت أن ننيخ رواحلنا ونتناول مطاهرنا فنتوضّأ، ثم نصلي ركعتين، ونحمد اللَّه على ما قضى من سفرنا، قال: هذا الذي لا يردّ، فتوضّينا ثم صليا ركعتين، فالتفت الأنصاري إلى الثقفي فقال: يا أخا ثقيف: ما رأيك؟ قال: وأي لموضع رأي هذا؟ قضيت سفري، وأنصبت بدني، وأنضيت (٢) راحلتي، ولا مؤمل دون ابن عامر، فهل لك رأي غير هذا؟ قال: نعم، قال: إني لما صلّيت هاتين الركعتين فكّرت فاستحييت من ربي ﵎ أن يراني طالبا رزقا من غيره، اللهم رازق ابن عامر ارزقني من فضلك، ثم ولّى راجعا إلى المدينة، ودخل الثقفي البصرة فمكث أياما فأذن له ابن عامر، فلما رآه رحّب به ثم قال: ألم أخبر أن

стр. 546

ابن جابر خرج معك فخبَّره خبرَه، فبكى ابن عامر ثم قال: أما واللَّه ما قالها أشرًا، ولا بطرًا، ولكن رأى مجرى الرزق عليَّ ومخرج النعمة، فعلم أن اللَّه ﵎ الذي فعل ذلك، فسأله من فضله، [فأمر للثقفي بأربعة ألف درهم وكسوة وطرف وأضعف ذلك كله للأنصاري فخرج الثقفي (١) وهو يقول: أمامة ما حرص الحريص فتيلا بزائدي ... ولا زهد الضعيف بضائر خرجنا جميعا من مساقط رؤوسنا ... على ثقة منا بخير ابن عامر فلما أنخنا الناعجات ببابه ... تأخّر عني اليثربي ابن جابر وقال: ستكفيني عطية قادر ... على ما يشاء اليوم بالخلق قاهر وإن الذي أعطى العراق ابن عامر ... لرب الذي أرجو لسدّ معاقر فلما رآني سال عنه صبابة إليه ... كما حنّت ظراب الأباعر فأضعف عبد اللَّه إذ غاب حظّه ... على حظّ لهفان من الحرص فاغر فأتيت وقد أيقنت أن ليس نافعي ... ولا صائر شيء خلاف المقادر (٢) ٤٥٠ - أخبرني أبو زيد النميري، حدثني عمر بن محمد بن أقيصر

стр. 547

السلمي، حدثني يحيى بن عروة بن أذينة قال: "أتى أبي وجماعة من الشعراء هشام بن عبد الملك (١)، فأنشدوه فنسبهم فلما عرف أبي (٢) قال: ألست القائل: لقد علمت وما الإشراف في طمعي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى له فيعنِّيني تطلّبه ... ولو قعدتُّ أتاني لا يعنّينِّي فهلَّ جلست حتى يأتيك؟ فلما خرجوا من عنده جلس أبي على راحلته حتى أتى المدينة، وتنبّه هشام عليهم فأمر بجوائزهم ففقد أبي فسأل عنه فأُخبر بانصرافه فقال: لا جرم، واللَّه ليعلمنَّ أن ذلك سيأتيه في بيته، ثم أضعف له ما أعطى واحدا من أصحابه وكتب له فريضتين كنت أنا آخذهما" (٣). ٤٥١ - حدثني محمد بن صالح القرشي، حدثني محمد بن عمر

стр. 548

الأسلمي، نا ابن أبي الزناد، عن أبيه قال: "أنا بالرصافة حين قدم ابن أذينة على هشام فلما دخل عليه قال له: ألست الذي يقول: ولو قعدت أتاني لا يعنّيني فقال: قد خرجت وأنا أعلم أن ذلك كذاك (١)، قال محمد بن عمر، قال بعضهم: أتبعه حين انصرف أربع مائة دينار وقالوا: أقلّ، واختلفوا في ذلك" (٢). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة إثبات حتمية وقوع القدر، وأنه لا مفرَّ منه، فمن قدر له شيء أتاه، مهما كانت العوائق، ومهما بدا حصوله مستبعدا، ومن قدّر عليه شيء من المصائب أو غيرها، جرى عليه القدر سواء رضى أم سخط، كما تضمنت الآثار التأكيد على ضمان الرزق حتى ضرب له مثل بمن يطلبه الموت؛ فالرزق لو لم تطلبه طلبك، سواء كان في قلة جبل، أو حضيض أرض، والذي رزق الحيوان كالقرد والخنزير كيف لا يرزق عباده، وقد ضمَّن شعراء السلف أشعارهم هذه المعاني، سواء قضاء الموت

стр. 549

الذي لا مفر منه، أو قضاء الرزق الذي لا تبطؤه البلادة والغفلة، ولا يعجله الذكاء والفطنة، ولا ينقصه عجز الضعيف، ولا يزيده سعى القوي، وإنما كل ذلك بقضاء وقدر، وإذا قدر اللَّه شيئًا هيّأ له أسبابه، وسخر من يدلّه عليك ويدلُّك عليه، وفي هذا المعنى بوَّب البيهقي رحمه اللَّه تعالى بابا في كتابه القضاء والقدر فقال: "باب ذكر البيان أن القلم لما جرى بما هو كائن كان فيما جرى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ (١). وإذا كان قد قدر وقضي وكتب على آدم ﵇ قبل أن يخلق أنه يأكل من شجرة ينهى عن أكلها، لم يجد آدم ﵇ بدا من فعله، ولم يتهيأ له دفعه عن نفسه؛ لأن خلاف ما كتب عليه يوجب خلاف ما علم منه، وخلاف ما أخبر عن كونه، وخبر اللَّه تعالى صدق، وعلمه حق فما علم أنه كائن لا يجوز أن يكون غير كائن، وما أخبر عن كونه فهو كائن في حينه، لا خلف فيه" (٢)، وهذا معتقد أهل السنة خلفا عن سلف أن: "ما شاء اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن، وهذا كلام أخذته الصحابة عن رسول اللَّه ﷺ ، وأخذه التابعون عنهم، ولم يزل يأخذه الخلف عن السلف من غير نكير، وصار ذلك إجماعا منهم على ذلك" (٣).

стр. 550

المبحث الثاني: الآثار الواردة في القبضتين من أهل الجنة والنار . ٤٥٢ - حدثنا محمد بن عبد اللَّه الأرزي قال: حدثنا أسد بن راشد، عن البراء بن عبد اللَّه أو ابن يزيد، أراه عن الحسن: "أن معاذ بن جبل لما احتضر دُخل عليه وهو يبكي، فقيل: ما يبكيك، فقد صحبت محمدا ﷺ ؟ قال: ما أبكى جزعا من الموت إن حلّ بي، وعلى دنيا أتركها بعدي، ولكن بكائي أن اللَّه قبض قبضتين، فجعل واحدة في النار، وواحدة في الجنة، فلا أدري في أي القبضتين أكون" (١). التحليل والتعليق تضمن أثر معاذ ﵁ السابق أن أمر الجنة والنار مفروغ منه؛ حيث إن أمر الجنة والنار، وأمر أهل كل منهما مفروغ منه، حدَّد اللَّه هؤلاء وهؤلاء،

стр. 551

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "هذا المعنى مشهور عن النبي ﷺ من وجوه متعددة" (١) وقال ابن كثير ﵀ -بعد إيراده أحاديث القبضتين-: "وأحاديث القدر في الصحاح والسنن والمسانيد كثيرة جدا" (٢). وذكر شيخ الإسلام أن من فوائد أحاديث القبضتين إثبات القدر السابق وهو علم اللَّه بالأشياء قبل كونها: "القدر السابق وهو أن اللَّه سبحانه علم أهل الجنة من أهل النار، من قبل أن يعملوا الأعمال، وهذا حق يجب الإيمان به، بل قد نص الأئمة كذلك، والشافعي، وأحمد أن من جحد هذا فقد كفر، بل يجب الإيمان أن اللَّه علم ما سيكون كله قبل أن يكون" (٣). وتقدير القبضتين ذكره ابن القيم ﵀ في المرتبة الثانية من مراتب التقدير الذي قدره اللَّه على عباده فقال: "الرب تعالى قدر مقادير الخلائق تقديرا عاما، قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وهنا كتب السعادة، والشقاوة، والأعمال، والأرزاق، والآجال، الثاني: تقدير بعد هذا، وهو أخص منه، وهو التقدير الواقع عند القبضتين، حين قبض ﵎ أهل السعادة بيمينه وقال: هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، وقبض أهل الشقاوة باليد الأخرى وقال: هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون" (٤).

стр. 552

المبحث الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الخصومة في القدر . ٤٥٣ - حدثني الحارث بن محمد التميمي، ثنا سعيد بن عامر، ثنا جسر أبو جعفر قال: قلت ليونس: يا أبا عبد اللَّه مررت بقوم يختصمون في القدر؟ قال: "لو كان أهمتهم ذنوبهم ما اختصموا في القدر" (١). التحليل والتعليق تضمن أثر يونس النهي والإنكار على المتخاصمين في القدر، والخصومة في الدين ليست من منهج أهل السنة عموما، سواء في القدر أو في الدين عموما، كما سبق في الباب الأول بيان النهي عن الخصومات في الدين، قال ابن عبد البر ﵀: "قد تواترت الآثار عن السلف الصالح بالنهي عن الجدال فيه، والاستسلام له، والإيمان به" (٢) وقال شيخ الإسلام: "الناس تنازعوا في معنى هذا الظلم تنازعا صاروا فيه بين طرفين متباعدين، ووسط بينهما، وخيار الأمور أوساطها، وذلك بسبب البحث

стр. 553

في القدر ومجامعته للشرع؛ إذ الخوض في ذلك بغير علم تام، أوجب ضلال عامة الأمم، ولهذا نهى النبي أصحابه عن التنازع فيه" (١)، ونقل عن السلف قولهم: "الكلام في القدر هو أبو جاد الزندقة" (٢).

стр. 554

المبحث الرابع: الآثار الواردة في مراتب القضاء والقدر . وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: الآثار الواردة في مرتبة العلم. المطلب الثاني: الآثار الواردة في مرتبة المشيئة. المطلب الثالث: الآثار الواردة في مرتبة الكتابة. المطلب الرابع: الآثار الواردة في مرتبة الخلق.

стр. 555

المطلب الأول: الآثار الواردة في مرتبة العلم . ٤٥٤ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن قال: حدثني الحسن بن عبد الرحمن الفزاري قال: سمع الحسن رجلا يقول: واحزناه على الحزن، فقال له الحسن: "يا هذا فهلا على ما سلف من علمه فيك" (١). ٤٥٥ - بلغني عن حامد بن عمر البكراوي قال: سمعت عبد اللَّه بن ثعلبة يقول لسفيان بن عيينة: يا أبا محمد، واحزناه على الحزن، فقال سفيان: "يا عبد اللَّه، هل حزنت قط لعلم اللَّه فيك؟ " قال عبد اللَّه: "تركتني لا أفرح أبدا" (٢). ٤٥٦ - حدثني أبو عياش القطان قال: حدثني قاسم الخواص قال: قال محمد بن واسع لرجل: "أبكاك قط سابق علم اللَّه فيك" (٣).

стр. 556

٤٥٧ - حدثنا حجاج بن يوسف (١) قال: حدثنا سهل بن حماد قال: حدثنا ثابت الأنصاري قال: حدثني الزهري، عن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف قال: "مرض عبد الرحمن بن عوف (٢)، فظننا أنه لِما به، فأُغمي عليه، فخرجت أم كلثوم، فصرخت عليه، فلما أفاق قال: أُغمي عليّ؟ قلنا: نعم، قال: أتاني رجلان فقالا لي: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين، فأخذا بيدي، فانطلقا بي، فلقيهما رجل فقال: أين تنطلقان بهذا؟ قالا: ننطلق به إلى العزيز الأمين، قال: لا تنطلقا به؛ إن هذا ممن سبقت له السعادة في بطن أمه" (٣).

стр. 557

٤٥٨ - حدثني القاسم بن هاشم، حدثنا أبو عبد اللَّه الصوفي (١) قال: "كتب رجل إلى أخ له: أما بعد، فإني أوصيك بتقوى اللَّه والرضى بالقدر، والتسليم لما علم الجبار من مكنون الأجل، ومقسوم الرزق، فإن اللَّه جعل لكل نفس رزقا موصوفا، ليس لشيء منه إلى غيرها منصرف، فلا يشغلك الرزق المضمون لك عن العمل المفروض عليك، فقد شغلت رجالا أتعبت أبدانهم، وطالت أسفارهم ثم لم يزيدوا ولم يزدادوا على المقسوم لهم رزقا، رزقنا اللَّه وإياك القنوع والرضا، فإنه من رضي قنع، ومن قنع رضي بما قسم اللَّه والسلام" (٢). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة إثبات علم اللَّه بالأشياء قبل كونها، وهذا العلم أحزن السلف الذين فقهوا معناه، وأبكاهم كما في الآثار الثلاث الأولى، حيث خافوا على أنفسهم أن يكون علم من حالهم أنهم ليسوا أهلا السعادة في الآخرة، ولهذا تضمنت رؤيا عبد الرحمن بن

стр. 558

عوف ﵁ علم اللَّه بحاله وهو في بطن أمه، كما تضمن أثر أبي عبد اللَّه علم اللَّه السابق بالأجل والرزق، وهذه المرتبة أول مراتب القضاء التي من لم يؤمن ها جميعا لم يؤمن بالقضاء والقدر (١)، ومعناها: "الإيمان بأن اللَّه تعالى عليم بما الخلق عاملون، بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا وأبدا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال" (٢)، "فكل ما يوجد في ما يوجد من أعيان وأوصاف، ويقع من أفعال وأحداث، فهو مطابق لما علمه اللَّه أزلا" (٣)، وهي مما اتفقت عليه الرسل من أولها إلى آخرها، والصحابة ومن تبعهم من الأمة على إثباتها، وخالفهم مجوس هذه الأمة (٤)، قال شيخ الإسلام: "إثبات علمه، وتقديره للحوادث قبل كونها، ففي القرآن، والحديث، والآثار، ما لا يكاد يحصر، بل كل ما أخبر اللَّه به قبل كونه فقد علمه قبل كونه، وهو سبحانه يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وقد أخبر بذلك، والنزاع في هذا مع غلاة القدرية ونحوهم" (٥).

стр. 559

المطلب الثالث [*]: الآثار الواردة في مرتبة الكتابة . ٤٥٩ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن أبي حمزة، عن يحيى بن عقيل، على ابن يعمر قال: قال علي ﵁: "إن الأمر ينزل من السماء إلى الأرض كقطر المطر، لكل نفس بما كتب اللَّه لها من زيادة أو نقصان. . . (١)، الحرث حرثان، فحرث الدنيا: المال والبنون، وحرث الآخرة الباقيات الصالحات، وقد يجمعهما اللَّه تعالى لأقوام، قال سفيان: ومن ذا يتكلم بهذا الكلام إلا علي" (٢). ٤٦٠ - حدثني سويد بن سعيد، قال: ثنا علي بن مسهر، عن هشام ابن عروة عن أبيه قال: أخبرني عبد الملك بن مروان قال: "كنت جالسا عند معاوية فأتي بطعامه فأخذ لقمة فرفعها إلى فيه، ثم حدث نفسه، ثم أخذها فرفعها إلى فيه، ثم حدث نفسه فوضعها فتناولتها فأكلتها، وطلبها فلم يجدها، فخطب الناس فيها عشية على المنبر فقال: أيها الناس اتقوا اللَّه؛ فإنه ما لامرئ منكم إلا ما كتب اللَّه له، وواللَّه إن أحدكم ليرفع

стр. 560

اللقمة إلى فيه مرة ومرتين ثم تقضى لغيره" (١). ٤٦١ - ذكر أبي، نا إسماعيل بن إبراهيم، ذكر أبو مخزوم (٢)، ذكر عمر بن الوليد (٣) قال: "خرج عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة، وهو ناحل الجسم، فخطب كما كان يخطب ثم قال: يا أيها الناس من أحسن منكم فليحمد اللَّه، ومن أساء فليستغفر اللَّه، ثم إن عاد فليستغفر اللَّه؛ فإنه لا بدّ لأقوام أن يعملوا أعمالا وضعها اللَّه في رقابهم وكتبها عليهم" (٤).

стр. 561

٤٦٢ - حدثنا علي بن الجعد قال: أنا أبو مغيرة، عن محمد بن سوقة، عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ (١) قال: "ليلة النصف من شعبان يُدَبِّر أمر السنة، وتُنسَخ الأموات من الأحياء، ويكتب الحاج فلا ينقص منهم ولا يزيد فيهم أحد" (٢). ٤٦٣ - حدثنا عبد اللَّه بن خيران قال: ثنا المسعودي، عن مهاجر أبي الحسن، عن عطاء قال: "لم يكن رسول اللَّه ﷺ في شهر أكثر صياما منه في شعبان؛ وذلك لأنه تُنسخ فيه آجال من يموت إلى العام المقبل" (٣).

стр. 562

٤٦٤ - حدثني محمد بن يحيى المروزي: "أن قوما من الأعراب زرعوا زرعا، فلما بلغ أصابته آفة فذهبت به فاشتدّ ذلك عليهم، حتى رؤي فيهم، فخرجت أعرابية منهم فقالت: "ما لي أراكم متغيّرة ألوانكم، ميّتة قلوبكم، هو ربنا فليفعل بنا ما يشاء، فرزقنا عليه، يأتي به من حيث يشاء ثم أنشأت تقول: لو كان في صخرة في البحر راسية ... صمّاء ملمومة ملس نواحيها رزقٌ لنفس براها اللَّه لانفَلَقَتْ ... حتى تؤدّي إليه كل ما فيها أو كان بين أطباق السبع مسلكها ... لسهل اللَّه في المرقى مراقيها حتى تنال الذي في اللوح المحفوظ خط لها ... فإن أتته وإلا سوف يأتيها (١) ٤٦٥ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن، عن محمد بن مقاتل العباداني أنه أنشد هذه الأبيات لبعض السلف: إذا يقدر لك الرحمن رزقا ... يُعدّ لرزقه المقضيِّ بابا وإن يحرمك لم تستطع بحول ... ولا رأي الرجال له اكتسابا فاقصر في خطاك فليس تعدو ... بحيلتك القضاء ولا الكتابا (٢) التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة إثبات المرتبة الثانية من مراتب القضاء والقدر وهي الكتابة، وذلك أن اللَّه كتب ما علمه من أحوال الخلق جميعا، وقد

стр. 563

تنوعت دلالة هذه الآثار على مرتبة الكتابة، بحيث اشتملت على عدة أنواع من الأدلة الدالة عليها؛ فمن جهة المكتوب فيه اشتملت أبيات الأعرابية الكتابة في اللوح المحفوظ، ومن جهة وقت الكتابة تضمن أثر علي الإشارة إلى التقدير اليومي لكل نفس بما كتب لها من زيادة أو نقصان، كما اشتمل أثر عكرمة الكتابة ليلة النصف من شعبان، من نسخ آجال الأحياء، وتقدير حجاج تلك السنة، كما اشتملت آثار كل من معاوية ﵁ وعمر بن عبد العزيز وابن مقاتل نفوذ الكتاب السابق ووجوب وقوعه، وأنها مهما حاول المرء جاهدا كسب شيء أو تركه مما لم يكن مكتوبا عليه، فإنه لن يعدو ما كتب، وقد سبق بيانه في حتمية وقوع القدر، قال شيخ الإسلام: "التقدير التابع لعلمه سبحانه، يكون في مواضع جملة وتفصيلا" (١)، وقد استقصى ابن القيم ﵀ مواضع الجملة والتفصيل في ذلك، وهي: التقدير العام: وهو التقدير الأول قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كتب اللَّه فيه كل شيء كائن إلى يوم القيامة، وكان ذلك حين خلق القلم، وأمره بكتابة ما هو كائن، وهذه الكتابة هي أول التقديرات التي قدرها اللَّه وكتبها على عباده. التقدير الخاص: وهو تقدير أصحاب الجنة وأصحاب النار خاصة، عقيب خلق آدم ﵇، فقدّر اللَّه أعمال كل فريق منهما، وأخرج

стр. 564

ذرية آدم من ظهره، وأخذ عليهم ميثاقه وأشهدهم على أنفسهم بأنه ربهم. التقدير العمري: وهو حين يكون الجنين في بطن أمه، فيرسل المَلَك بكتابة رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، وقد ورد في هذا التقدير عدة أحاديث وآثار ظن بعض الناس التعارض بينها، أوردها ابن القيم ﵀ وجمع بينها فقال: "اجتمعت هذه الأحاديث والآثار على تقدير رزق العبد، وأجله، وشقاوته، وسعادته وهو في بطن أمه، واختلفت في وقت هذا التقدير، وهذا تقدير بعد التقدير الأول السابق على خلق السماوات والأرض، وبعد التقدير الذي وقع يوم استخراج الذرية بعد خلق أبيهم آدم، ففي حديث ابن مسعود أن هذا التقدير يقع بعد مائة وعشرين يوما من حصول النطفة في الرحم، وحديث أنس غير مؤقت، وأما حديث حذيفة بن أسيد فقد وقت فيه التقدير بأربعين يوما، وفي لفظ بأربعين ليلة، وفي لفظ ثنتين وأربعين ليلة، وفي لفظ بثلاث وأربعين ليلة، وهو حديث تفرد به مسلم، ولم يروه البخاري، وكثير من الناس يظن التعارض بين الحديثين، ولا تعارض بينهما بحمد اللَّه، وأن الملك الموكل بالنطفة يكتب ما يقدره اللَّه سبحانه على رأس الأربعين الأولى، حتى يأخذ في الطور الثاني، وهو العلقة، وأما الملك الذي ينفخ فيه فإنما ينفخها بعد الأربعين الثالثة، فيؤمر عند نفخ الروح فيه بكتب: رزقه، وأجله، وعمله، وشقاوته وسعادته، وهذا تقدير آخر غير التقدير الذي كتبه الملك الموكل بالنطفة، ولهذا قال في حديث ابن مسعود ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع

стр. 565

كلمات، وأما الملك الموكل بالنطفة فذاك راتب معها، ينقلها بإذن اللَّه من حال إلى حال، فيقدر اللَّه سبحانه شأن النطفة، حتى تأخذ في مبدأ التخليق، وهو العلق، ويقدر شأن الروح حين تتعلق بالجسد بعد مائة وعشرين يوما، فهو تقدير بعد تقدير، فاتفقت أحاديث رسول اللَّه ﷺ ، وصدق بعضها بعضا، ودلَّت كلها على إثبات القدر السابق، ومراتب التقدير، وما يؤتى أحد إلا من غلط الفهم، أو غلط في الرواية، ومتى صحت الرواية، وفهمت كما ينبغي، تبيَّن أن الأمر كله من مشكاة واحدة صادقة، متضمنة لنفس الحق وباللَّه التوفيق" (١). التقدير الحولي: وقد ورد في أثر عطاء أنه في شهر النصف من شعبان، وخصها عكرمة بليل النصف منه، وجمهور العلماء على أنها ليلة القدر من رمضان، قال ابن العربي المالكي: "ليس في ليلة النصف من شعبان حديث يعوَّل عليه، لا في فضلها، ولا في نسخ الآجال فيها فلا تلتفتوا إليها" (٢) وقال ابن القيم: "من زعم أنها ليلة النصف من شعبان فقد غلط (٣) " (٤). التقدير اليومي: وقد واردت الإشارة إليه في أثر علي ﵁، وهو ما
следующие страницы →