← Акыда

Акыда · id 151178

الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا

حميد بن أحمد نعيجات

Полный текст (1 390 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

٤٦٢ - حدثنا علي بن الجعد قال: أنا أبو مغيرة، عن محمد بن سوقة، عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ (١) قال: "ليلة النصف من شعبان يُدَبِّر أمر السنة، وتُنسَخ الأموات من الأحياء، ويكتب الحاج فلا ينقص منهم ولا يزيد فيهم أحد" (٢). ٤٦٣ - حدثنا عبد اللَّه بن خيران قال: ثنا المسعودي، عن مهاجر أبي الحسن، عن عطاء قال: "لم يكن رسول اللَّه ﷺ في شهر أكثر صياما منه في شعبان؛ وذلك لأنه تُنسخ فيه آجال من يموت إلى العام المقبل" (٣).

стр. 562

٤٦٤ - حدثني محمد بن يحيى المروزي: "أن قوما من الأعراب زرعوا زرعا، فلما بلغ أصابته آفة فذهبت به فاشتدّ ذلك عليهم، حتى رؤي فيهم، فخرجت أعرابية منهم فقالت: "ما لي أراكم متغيّرة ألوانكم، ميّتة قلوبكم، هو ربنا فليفعل بنا ما يشاء، فرزقنا عليه، يأتي به من حيث يشاء ثم أنشأت تقول: لو كان في صخرة في البحر راسية ... صمّاء ملمومة ملس نواحيها رزقٌ لنفس براها اللَّه لانفَلَقَتْ ... حتى تؤدّي إليه كل ما فيها أو كان بين أطباق السبع مسلكها ... لسهل اللَّه في المرقى مراقيها حتى تنال الذي في اللوح المحفوظ خط لها ... فإن أتته وإلا سوف يأتيها (١) ٤٦٥ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن، عن محمد بن مقاتل العباداني أنه أنشد هذه الأبيات لبعض السلف: إذا يقدر لك الرحمن رزقا ... يُعدّ لرزقه المقضيِّ بابا وإن يحرمك لم تستطع بحول ... ولا رأي الرجال له اكتسابا فاقصر في خطاك فليس تعدو ... بحيلتك القضاء ولا الكتابا (٢) التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة إثبات المرتبة الثانية من مراتب القضاء والقدر وهي الكتابة، وذلك أن اللَّه كتب ما علمه من أحوال الخلق جميعا، وقد

стр. 563

تنوعت دلالة هذه الآثار على مرتبة الكتابة، بحيث اشتملت على عدة أنواع من الأدلة الدالة عليها؛ فمن جهة المكتوب فيه اشتملت أبيات الأعرابية الكتابة في اللوح المحفوظ، ومن جهة وقت الكتابة تضمن أثر علي الإشارة إلى التقدير اليومي لكل نفس بما كتب لها من زيادة أو نقصان، كما اشتمل أثر عكرمة الكتابة ليلة النصف من شعبان، من نسخ آجال الأحياء، وتقدير حجاج تلك السنة، كما اشتملت آثار كل من معاوية ﵁ وعمر بن عبد العزيز وابن مقاتل نفوذ الكتاب السابق ووجوب وقوعه، وأنها مهما حاول المرء جاهدا كسب شيء أو تركه مما لم يكن مكتوبا عليه، فإنه لن يعدو ما كتب، وقد سبق بيانه في حتمية وقوع القدر، قال شيخ الإسلام: "التقدير التابع لعلمه سبحانه، يكون في مواضع جملة وتفصيلا" (١)، وقد استقصى ابن القيم ﵀ مواضع الجملة والتفصيل في ذلك، وهي: التقدير العام: وهو التقدير الأول قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كتب اللَّه فيه كل شيء كائن إلى يوم القيامة، وكان ذلك حين خلق القلم، وأمره بكتابة ما هو كائن، وهذه الكتابة هي أول التقديرات التي قدرها اللَّه وكتبها على عباده. التقدير الخاص: وهو تقدير أصحاب الجنة وأصحاب النار خاصة، عقيب خلق آدم ﵇، فقدّر اللَّه أعمال كل فريق منهما، وأخرج

стр. 564

ذرية آدم من ظهره، وأخذ عليهم ميثاقه وأشهدهم على أنفسهم بأنه ربهم. التقدير العمري: وهو حين يكون الجنين في بطن أمه، فيرسل المَلَك بكتابة رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، وقد ورد في هذا التقدير عدة أحاديث وآثار ظن بعض الناس التعارض بينها، أوردها ابن القيم ﵀ وجمع بينها فقال: "اجتمعت هذه الأحاديث والآثار على تقدير رزق العبد، وأجله، وشقاوته، وسعادته وهو في بطن أمه، واختلفت في وقت هذا التقدير، وهذا تقدير بعد التقدير الأول السابق على خلق السماوات والأرض، وبعد التقدير الذي وقع يوم استخراج الذرية بعد خلق أبيهم آدم، ففي حديث ابن مسعود أن هذا التقدير يقع بعد مائة وعشرين يوما من حصول النطفة في الرحم، وحديث أنس غير مؤقت، وأما حديث حذيفة بن أسيد فقد وقت فيه التقدير بأربعين يوما، وفي لفظ بأربعين ليلة، وفي لفظ ثنتين وأربعين ليلة، وفي لفظ بثلاث وأربعين ليلة، وهو حديث تفرد به مسلم، ولم يروه البخاري، وكثير من الناس يظن التعارض بين الحديثين، ولا تعارض بينهما بحمد اللَّه، وأن الملك الموكل بالنطفة يكتب ما يقدره اللَّه سبحانه على رأس الأربعين الأولى، حتى يأخذ في الطور الثاني، وهو العلقة، وأما الملك الذي ينفخ فيه فإنما ينفخها بعد الأربعين الثالثة، فيؤمر عند نفخ الروح فيه بكتب: رزقه، وأجله، وعمله، وشقاوته وسعادته، وهذا تقدير آخر غير التقدير الذي كتبه الملك الموكل بالنطفة، ولهذا قال في حديث ابن مسعود ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع

стр. 565

كلمات، وأما الملك الموكل بالنطفة فذاك راتب معها، ينقلها بإذن اللَّه من حال إلى حال، فيقدر اللَّه سبحانه شأن النطفة، حتى تأخذ في مبدأ التخليق، وهو العلق، ويقدر شأن الروح حين تتعلق بالجسد بعد مائة وعشرين يوما، فهو تقدير بعد تقدير، فاتفقت أحاديث رسول اللَّه ﷺ ، وصدق بعضها بعضا، ودلَّت كلها على إثبات القدر السابق، ومراتب التقدير، وما يؤتى أحد إلا من غلط الفهم، أو غلط في الرواية، ومتى صحت الرواية، وفهمت كما ينبغي، تبيَّن أن الأمر كله من مشكاة واحدة صادقة، متضمنة لنفس الحق وباللَّه التوفيق" (١). التقدير الحولي: وقد ورد في أثر عطاء أنه في شهر النصف من شعبان، وخصها عكرمة بليل النصف منه، وجمهور العلماء على أنها ليلة القدر من رمضان، قال ابن العربي المالكي: "ليس في ليلة النصف من شعبان حديث يعوَّل عليه، لا في فضلها، ولا في نسخ الآجال فيها فلا تلتفتوا إليها" (٢) وقال ابن القيم: "من زعم أنها ليلة النصف من شعبان فقد غلط (٣) " (٤). التقدير اليومي: وقد واردت الإشارة إليه في أثر علي ﵁، وهو ما

стр. 566

يقدره اللَّه تعالى في كل من موت ومرض وفقر وغنى ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ (١). قال ابن القيم ﵀: "هذا تقدير يومي، والذي قبله تقدير حولي، والذي قبله تقدير عمري، عند تعلق النفس به، والذي قبله كذلك عند أول تخليقة وكونه مضغة، والذي قبله تقدير سابق على وجوده، لكن بعد خلق السماوات والأرض، والذي قبله تقدير سابق على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكل واحد من هذه التقادير كالتفصيل من التقدير السابق، وفي ذلك دليل على كمال علم الرب، وقدرته، وحكمته، وزيادة تعريف لملائكته، وعباده المؤمنين بنفسه وأسمائه" (٢).

стр. 567

المطلب الثاني: الآثار الواردة في مرتبة المشيئة . ٤٦٦ - حدثني شيخ من بنى تميم قال: "أوصى رجل ابنه فقال: يا بنيّ اغتنم مسالمة من لا يدين لك بمحاربته، وليكن هربك من السلطان إلى الوحش في الفيافي حتى تأمن من سعاية الساعي بك، وطمع الطامع فيك، ولا يغرّنّك بشاشة امرئ حتى تعلم ما وراءها، فإن دفائن الناس في صدورهم، وجزعهم في وجوههم، ولتكن شكايتك من الدهر إلى رب الدهر، واعلم أن اللَّه إذا أراد بك خيرا أو شرا أمضاه فيك على ما أحبّ العباد أو كرهوا" (١). ٤٦٧ - حدثني عمر بن أبي الحارث الهمداني، نا محبوب بن عبد اللَّه النميري، نا عبيد اللَّه بن أبي المغيرة القرشي قال: كتب إليّ الفضل بن عيسى (٢): "أما بعد فإن الدار التي أصبحنا فيها دار بالبلاء محفوفة، والفناء موصوفة، كل ما فيها إلى زوال ونفاذ، بينما أهلها منها في رخاء وسرور، إذ صيّرتم في وعثاء ووعور، أحوالها مختلفة، وطبقاتها منصرفة، يضربون ببلائها، ويمتحنون برخائها، العيش فيها مذموم، والسرور فيها لا يدوم، وكيف يدوم عيش تغيّره الآفات، وتنوبه الفجيعات، وتفجع فيه الرزايا، وتسوق أهلها المنايا، إنمها هم بها أغراض مستهدفة، والحتوف لها

стр. 568

مستشرفة، ترميهم بسهامها، وتغشاهم بحماها، لا بدّ من الورود بمشارعه، والمعاينة لفظائعه، أمر قد سبق من اللَّه في قضائه، وعزم عليه في إمضائه، فليس منه مذهب، ولا عنه مهرب. . ." (١). ٤٦٨ - حدثني مفضل بن غسان حدثني، أبي نا ابن عيينة، عن ابن طاووس، عن أبيه قال: "إن هذه الأخلاق منائح يمنحها اللَّه من يشاء من عباده، فإذا أراد اللَّه بعبد خيرا منائح منها خلقا حسنا" (٢). ٤٦٩ - أنشدني أبو بكر التيمي من ولد أبي بكر الصديق، أنشدني إبراهيم بن محمد بن عبد اللَّه بن عثمان من ولد أبي بكر الصديق ﵁: فخل الجواد على جوده ... وخلّ البخيل على بخله ولا تسأل الناس من فضلهم ... ولكن سل اللَّه من فضله إذا أذن اللَّه في حاجة ... أتاك النجاح على رسله وليس القضا بأيد العباد ... على حزنه وعلى سهله وللعسر يسر فلا تجزعنّ ... سيعقب غيث على محله إذا قنع المرء نال الغنى ... تدعر المطيّة مرحله (٣)

стр. 569

التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة إثبات مشيئة اللَّه، وأنها نافذة على خلقه على ما أراد، وهذه هي الرتبة الثالثة من مراتب القضاء والقدر وهي: "الإيمان بأن ما شاء اللَّه كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السماوات، وما في الأرض من حركة، ولا يكون، إلا بمشيئه اللَّه سبحانه، لا يكون في ملكه ما لا يريد، وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعلومات" (١)، وفي الآثار السابقة بيان أن المشيئة نافذة ففى وصية الرجل لابنه أن اللَّه إذا أراد به خيرا أو شرا أمضاه، أحبّ العباد أم كرهوا، وفي أثر الفضل بن عيسى أن الموت لا مفر منه؛ لأن اللَّه عزم على إمضائه (٢)، وسبق به قدره (٣)، وفي أثر طاووس أن اللَّه يخص بمنحه من يشاء ممن يريد به خيرا (٤)، قال ابن القيم: "هذه المرتبة قد دل عليها إجماع الرسل من أولهم إلى آخرهم، وجميع الكتب المنزلة من عند اللَّه، والفطرة

стр. 570

التي فطر اللَّه عليها خلقه، وأدلة العقول، والعيان، وليس في الوجود موجب ومقتض إلا مشيئة اللَّه وحده، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، هذا عموم التوحيد الذي لا يقوم إلا به، والمسلمون من أولهم إلى آخرهم مجمعون على أنه ما شاء اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن" (١). وفي الأبيات الواردة في آخر المطلب تعلق قضاء الحاجات بإذن اللَّه، فإذا أذن في حاجة قضيت وإن اختلفت أسباب وطرق قضائها، وهذا أمر مهم جدا فإن إذن اللَّه بالشيء على ما فهمه السلف ﵏ هو مشيئته وما في معناها، فعن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٢) قال: "إلا بما سبق في قضاء اللَّه وقدره" (٣) وقال عطاء: "بمشيئة اللَّه" (٤) وقال الزجاج: "وما كان لنفس الوصول إلى الإيمان إلا بتوفيق اللَّه وهو إذنه" (٥) وقال الشيخ عبد الرحمن

стр. 571

ابن سعدي ﵀ فقال: "بإرادته ومشيئته، وإذنه القدري الشرعي" (١)، وليس مجرد علمه بالشيء كما زعم المعتزلة (٢).

стр. 572

المطلب الرابع: الآثار الواردة في مرتبة الخلق . ٤٧٠ - حدثني أبو الخطاب زياد بن يحيى الحسّاني، حدثني عبد اللَّه بن بكر السهمي، حدثني ابن لمحمد بن حصين، أن الحسن بن أبي الحسن مرّ على مجلس لثقيف فقالوا له: يا أبا سعيد لو وعظتنا بكلمات لعل اللَّه أن ينفعنا بهن، فتكلم وهو قائم فقال: "إن ربنا لا شريك له، جعل الدنيا دار مرحلة، وجعل الخير والشر فيها فتنة لأهلها، ليبلوهم أيهم أحسن عملا، فهم يتقلبون فيها لسعي مختلف في مدّة من آجال منقطعة، تجري عليهم فيها أرزاق، يأكلون منها ما صحبوها، ويتركونها عما قليل لمن بعدهم، كما ورثوها عمّن كان قبلهم، كذلك حتى تلفظ الدنيا أهلها، وتبلغ مداها، وتفنوا كما فنوا، وجعل الآخرة دار الحيوان في جنة ونار، نزل بكم الخير والشرّ من قضائه (١)، الخير من الشرّ بعيد، والشر من الخير بعيد، فنسأل الذي خلقنا لماء أن يجعل متقلّبنا ومتقلّبكم إلى داره دار السلام" (٢). ٤٧١ - حدثنا خالد بن مرداس، حدثنا أبو عقيل، عن القاسم بن عبيد اللَّه، عن أبيه، عن جدّه عبد اللَّه بن عمر، أن عمر بن الخطاب قال: "ما خلق اللَّه ميتة أموتها، بعد القتل في سبيل اللَّه أحب إليّ من

стр. 573

أموت بين شعبتي رحل، أضرب في الأرض، أبتغي من فضل اللَّه" (١). ٤٧٢ - حدثني عبد الرحيم بن يحيى الدبيلي، نا عثمان بن عمارة أبو سعيد عن المبارك بن فضالة، عن حميد بن هلال قال: "دخلت الكوفة وجلست إلى الربيع بن خيثم فقال: يا أخا بني عديّ، عليك بمكارم الأخلاق، فكن بها عاملا، ولها صاحبا، واعلم أن الذي خلق مكارم الأخلاق لم يخلقها ولم يدلّ عليها حتى أحبها وحبّبها إلى أهلها" (٢).

стр. 574

التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة التنصيص على إثبات خلق اللَّه لبعض أفعال العباد كمكارم الأخلاق، بل وخلق الخير والشر عموما، كما في موعظة الحسن حيث قال: "نزل بكم الخير والشر من قضائه"، وكذلك أثر عمر ابن الخطاب ﵁ فيه تمني الموت حال الجهاد أو طلب الرزق في الأرض، وهذه أعمال خير وبر وطاعة، وهي مخلوقة للَّه، ولهذا تمنى أن يدركه قضاء اللَّه على تلك الحال. قال ابن القيم ﵀: "هذا أمر متفق عليه بين الرسل صلى اللَّه تعالى عليهم وسلم، وعليه اتفقت الكتب الإلهية، والفطر، والعقول، والاعتبار، وخالف في ذلك مجوس الأمة، فأخرجت طاعات ملائكته، وأنبيائه، ورسله، وعباده المؤمنين، وهي أشرف ما في العالم، عن ربوبيته، وتكوينه، ومشيئته، بل جعلوهم هم الخالقون لها، ولا تعلق لها بمشيئته، ولا تدخل تحت قدرته، وكذلك قالوا في جميع أفعال الحيوانات الاختيارية، فعندهم أنه سبحانه لا يقدر أن يهدي ضالا، ولا يضل مهتديا، ولا يقدر أن يجعل المسلم مسلما، والكافر كافرا، والمصلي مصليا، وإنما ذلك بجعلهم أنفسهم كذلك، لا بجعله تعالى، وقد نادى القرآن، بل الكتب السماوية كلها، والسنة، وأدلة التوحيد، والعقول على بطلان قولهم، وصاح بهم أهل العلم والإيمان من أقطار الأرض، وصنف حزب الإسلام، وعصابة الرسول وعسكره، التصانيف في الرد عليهم، وهي

стр. 575

أكثر من أن يحصيها إلا اللَّه، ولم تزل أيدي السلف وأئمة السنة في أقفيتهم، ونواصيهم تحت أرجلهم؛ إذ كانوا يردون باطلهم بالحق المحض، وبدعتهم بالسنة، والسنة لا يقوم لها شيء" (١).

стр. 576

المبحث الخامس: الآثار الواردة في الهداية والضلال . ٤٧٣ - حدثني محمد قال: حدثنا شعيب بن محرز قال: حدثنا صالح المري قال: سمعت يزيد الرقاشي يقول: "بلغنا أن عامر بن عبد اللَّه لما احتضر بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: هذا الموت غاية الساعين، وإنا للَّه وإنا إليه راجعون، واللَّه ما أبكي جزعا من الموت، ولكن أبكي على حرّ النهار وبرد الليل، وإني أستعين باللَّه على مصرعي هذا بين يديه" (١). ٤٧٤ - أنبأنا إسحاق بن إبراهيم، أنا علي بن بزيع الهلالي، عن أبي حمزة الهجيمي قال: قال عامر بن عبد قيس: "إلهي خلقتني ولم تؤمرني في خلقي، وتميتني ولا تلمني، وخلقت معي عدوًّا وجعلته يجري مني مجرى الدم، وجعلته يراني ولا أراه، ثم قلت لي: استمسك، إلهي، كيف أستمسك إن لم تمسكني؟ إلهى في الدنيا الغموم والأحزان، وفي الآخرة العقاب والحساب، فأين الراحة والفرح" (٢). ٤٧٥ - نا محمد بن أبي عمر المكي، وأحمد بن إبراهيم، عن عبد اللَّه

стр. 577

ابن يزيد القرئ، نا سعيد بن أبي أيوب، حدثني عبد اللَّه بن الوليد قال: سمعت عبد الرحمن بن حجيرة يحدث عن عبد اللَّه بن مسعود يقول: "إنكم من الليل والنهار في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، من زرع خيرا يوشك أن يحصد رغبة، ومن زرع شرا يوشك أن يحصد ندامة، ولكل زارع مثلما زرع، لا يسبق بطيء بحظّه، ولا يدرك حريص ما لم يقدَّر له، فمن أعطي خيرا فاللَّه أعطاه، ومن وقي شرا فاللَّه وقاه، المتقون سادة، والعلماء قادة، ومجالسهم ريادة" (١). ٤٧٦ - حدثني يوسف بن موسى، ثنا عبد اللَّه بن وهب، عن خالد ابن وردان، عن محمد بن كثير أنه كان يقول: "اللهم إنك سألتنا من أنفسنا ما لا نملك، فأعطنا من أنفسنا ما يرضيك عنّا، حتى تأخذ رضى نفسك من أنفسنا؛ إنك على كل شيء قدير" (٢).

стр. 578

٤٧٧ - حدثنا سويد بن سعيد، ثنا الحكم بن سنان قال: كان مالك ابن دينار يقول: "اللهم أنت أصلحت الصالحين فأصلحنا حتى نكون صالحين" (١). ٤٧٨ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن، حدثني محمد بن القاسم خراط العنبر (٢) عن سفيان بن عيينة قال: "بينما أنا أطوف بالبيت وإلى جانبي أعرابي، وهو ساكت، فلما أتمّ طوافه جاء إلى المقام فصلى ركعتين، ثم جاء فقام بحذاء البيت، فقال: إلهي من أولى بالزلل والتقصير مني، وقد خلقتني ضعيفا، ومن أولى بالعفو عني منك، وعلمك فِيَّ سابق، وقضاؤك بي محيط، أطعتك بإذنك، والمنة لك، وعصيتك بعلمك، والحجة لك، فأسألك بوجوب حجّتك عليّ وانقطاع حجتي، وفقري إليك وغناك عني، إلا ما غفرت لي، قال سفيان: ففرحت فرحا ما أعلم متى فرحت مثله حين سمعته يتكلم بهؤلاء الكلمات" (٣).

стр. 579

٤٧٩ - حدثنا عبد اللَّه بن الهيثم الدوري، أخبرنا شعيب بن حرب، حدثنا الوليد بن نمير بن أوس الأشعري، عن أبيه (١) قال: "كانوا يقولون: الأدب من الآباء، والصلاح من اللَّه" (٢). ٤٨٠ - حدثني محمد قال: حدثني عمر بن حفص قال: حدثني سكين ابن مكين -رجل من بني عج- قال: "كانت بيننا وبينه قرابة - يعني ورّادا، فسألت أختا له أصغر منه، قال: قلت: كيف كان ليله؟ قالت: بكاء عامة الليل وتضرع، قلت: فما كان طُعمه؟ قالت: قرص في أول الليل، وقرص في آخره عند السحر، قلت: فتحفظين من دعائه شيئًا؟ قالت: نعم، كان إذا كان أو قريب من طلوع الفجر سجد، ثم بكى، ثم

стр. 580

قال: مولاي عبدك يحب الاتّصال بطاعتك، فأعنه عليها بتوفيقك أيها المنّان، مولاي عبدك يحبّ اجتناب سخطك فأعنه على ذلك بمنّك عليه أيها المنان، مولاي عبدك عظيم الرجاء لخيرك، فلا تقطع رجاءه يوم يفرح بخيرك الفائزون، قالت: فلا يزال على هذا ونحوه حتى يصبح، قالت: وكان قد كلّ من الاجتهاد، وتغيّر لونه جدا" (١). ٤٨١ - حدثني محمد قال: حدثنا يحيى بن السكن قال: حدثنا أيوب (٢) بن محمد العجلي، عن يحيى بن أبي كثير قال: "لما حضر عمر بن عبد العزيز الموت بكى، فقيل له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ أبشر؛ فإن اللَّه قد أحيا بك سننا، وأظهر بك عدلا، فبكى ثم قال: أليس أوقف فأُسأل عن أمر هذا الخلق؟ فواللَّه لو رأيت أني عدلت فيهم لخفت على نفسي أن لا تقوم بحجّتها بين يدي اللَّه إلا أن يلقنها حجتها، فكيف بكثير مما صنعنا؟ قال: ثم فاضت عيناه، فلم يلبث إلا يسيرا بعدها حتى مات ﵀" (٣).

стр. 581

٤٨٢ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، حدثنا محمد بن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن عبيد اللَّه بن عبد الرحمن القرشي، عن عبد اللَّه بن عكيم قال: "خطبنا أبو بكر الصديق ﵁ فقال: اعلموا عباد اللَّه أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه، فإن استطعتم أن ينقضي وأنتم في عمل اللَّه فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا باللَّه، فسارعوا في مهل أعماركم من قبل أن تقضى آجالكم، فيردّكم إلى أسوأ أعمالكم" (١). ٤٨٣ - قال محمد بن الحسين: حدثني خلف بن إسماعيل قال: "سمعت رجلا مبتلى من هؤلاء الزمنى يقول: وعزّتك لو أمرت هوام الأرض فقسمتني مضغا، ما ازددت لك بتوفيقك إلا صبرا، وعنك بمنِّك وحمدك إلا رضا، قال خلف: وكان الجذام قد قطع يديه ورجليه، وعامة بدنه" (٢).

стр. 582

٤٨٤ - ذكر الحسين بن عبد الرحمن قال: قال ابن السماك: "تباركت يا عظيم، لو كانت المعاصي التي عصيتها طاعة أُطعت فيها، ما زاد على النعماء التي تبتليها (١)، وإنك لتزيد في الإحسان إلينا كأن الذي أتيناه من الإساءة إحسان، فلا أنت بكثرة الإساءة منا تدع الإحسان، ولا نحن بكثرة الإحسان منك إلينا عن الاساءة نقلع، أبيت إلا إحسانا وأبينا إلا إساء واجتراء، فمن ذا الذي يحصي نعمك، ويقوم بإحسانك وبأداء شكرك، إلا بتوفيقك ونعمك، ولقد فكّرت في طاعة المطيعين، فوجدت رحمتك مقدمة لطاعتهم، ولولا ذلك لما وصلوا إليها، فنسألك بالرحمة المتقدّمة للمطيعين قبل طاعتهم لما مننت على العاصين بعد معصيتهم" (٢). ٤٨٥ - حدثني إبراهيم بن عبد اللَّه قال: حدثني محمد بن إسماعيل بن عياش قال: حدثني أبي قال: حدثني صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد

стр. 583

وغيره قال: "كان مروان بن الحكم (١) إذا ذكر الإسلام قال: بنعمة ربي لا بما قدّمت يديّ ولا بإرادتي، إني كنت خاطئا" (٢). ٤٨٦ - حدثني محمد بن إسحاق المسيّبي المخزومي قال: حدثنا أنس ابن عياض، عن يزيد بن أبي عبيد قال: قال سلمة بن الأكوع: "كان رسول اللَّه ﷺ وأصحابه في سفر نحو حنين ذاهبين فقال رجل: يا عامر بن سنان (٣) أسمعنا من هَنَاتِك (٤) فنزل عامر فقال: واللَّه لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا فاغفر لذاك اليوم ما أتينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا

стр. 584

إنا إذا صيح بنا أبينا ... وبالصياح عوَّلوا علينا فقال رسول اللَّه ﷺ من السائق؟ ، قالوا: عامر، قال: يرحمه اللَّه، فقال رجل من القوم: وجبت واللَّه يا رسول اللَّه، لو متّعتنا به، قال: فأصيب بحنين" (١). ٤٨٧ - حدثني مفضل بن غسان حدثني، أبي نا ابن عيينة، عن ابن طاووس، عن أبيه قال: "إن هذه الأخلاق منائح يمنحها اللَّه من يشاء من عباده، فإذا أراد اللَّه بعبد خيرا منحه منها خلقا حسنا" (٢). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة بيان أمر مهم من أمور القدر وهو إثبات أن التوفيق للأعمال الصالحة، والهدى والطاعة متعلق بمشيئه اللَّه، وأنه إذا حصل توفيق اللَّه للعبد نال كل خير، ولذلك فإنك تجد في هذه الآثار فقه السلف لهذا الأمر، فعند سكرات الموت يستعين عامر بن عبد اللَّه باللَّه على مصرعه، ويناجي عامر بن عبد قيس ربه فيطلب منه أن يمسكه عن فعل المعاصي، وأنه إن لم يحصل هذا الإمساك فكيف سيستمسك؟ ، وهكذا ابن مسعود ﵁ ذكر أن اللَّه هو المعطي للخير، الواقي من الشر، ومحمد بن كثير ذكر أن رضا اللَّه لا نملكه بل هو سبحانه يعطينا ما نرضيه

стр. 585

به، ومالك بن دينار يسأل اللَّه أن يصلحه لأنه هو الذي أصلح الصالحين، والأعرابي الذي طاف بالبيت ناجى ربه واعترف بأنه أطاعه بإذنه والمنة له، وفي أثر نمير الأشعري توضيح أدق حيث ذكر أن الأدب من الآباء وهو فعلهم وهم سببه، لكن نتيجة ذلك وأثره وهو الصلاح فمن اللَّه، وكذا وراد العجلي يناجي ربه بأن يعينه بتوفيقه لفعل طاعته واجتناب نواهيه، بل إن عمر بن عبد العزيز رغم عدله في الرعية، فإنه خاف أن لا تقوم نفسه بحجتها أمام اللَّه إلا أن يلقنه إياها اللَّه تعالى، وخطبة أبي بكر الصديق ﵁ بيّنت أن فعل العبل واستطاعته ليس ممكنا إلا باللَّه، وهكذا بقية الآثار في أن كل خير وفعل حسن فإنه بتوفيق اللَّه ومنه ونعمته على عبده. ومسألة الهداية والضلال هي: "قلب أبواب القدر ومسائله؛ فإن أفضل ما يقدر اللَّه لعبده، وأجل ما يقسمه له الهدى، وأعظم ما يبتليه به، ويقدره عليه الضلال، وكل نعمة دون نعمة الهدى، وكل مصيبة دون مصيبة الضلال، وقد اتفقت رسل اللَّه من أولهم إلى أخرهم، وكتبه المنزلة عليهم، على أنه سبحانه يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، وأنه من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأن الهدى والإضلال بيده، لا بيد العبد، وأن العبد هو الضال أو المهتدي، فالهداية والإضلال فعله سبحانه وقدره، والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه، ولا بد قبل الخوض في تقرير ذلك من ذكر مراتب الهدى والضلال في القرآن؛ فأما مراتب الهدى فأربعة؛ إحداها: الهدى العام، وهو هداية كل نفس إلى مصالح معاشها، وما

стр. 586

يقيمها، وهذا أعم مراتبه. المرتبة الثانية: الهدى بمعنى البيان والدلالة، والتعليم والدعوة إلى مصالح العبد في معاده، وهذا خاص بالمكلفين، وهذه المرتبة أخص من المرتبة الأولى، وأعم من الثالثة. المرتبة الثالثة: الهداية المستلزمة للاهتداء، وهي هداية التوفيق، ومشيئة اللَّه لعبده الهداية، وخلقه دواعي الهدى، وإرادته، والقدرة عليه للعبد، وهذه الهداية التي لا يقدر عليها إلا اللَّه . المرتبة الرابعة: الهداية يوم المعاد إلى طريق الجنة والنار" (١).

стр. 587

المبحث السادس: الآثار الواردة في نفي الجور عن اللَّه (العدل الإلهي) . ٤٨٨ - حدثني سلمة بن شبيب قال: حدثني سهل بن عاصم (١) قال: "كان يقال: عقوبة الذنبِ الذنبُ" (٢). ٤٨٩ - حدثني أبو عبد اللَّه التميمي، عن سليمان بن الحكم بن عوانة (٣): "أن رجلا دعا بعرفات فقال: لا تعذبنا بالنار بعد أن سكَّنت توحيدك قلوبنا، قال: ثم بكى وقال: ما أخالك تفعل بعفوك، ثم بكى، وقال: ولئن فعلت فبذنوبنا، لتجمعنّ (٤) بيننا وبين قوم طال ما عاديناهم فيك" (٥).

стр. 588

٤٩٠ - حدثنا خلف بن هشام قال: ثنا الحكم بن سنان، عن حوشب، عن الحسن قال: "خلق اللَّه آدم حين خلقه، فأخرج أهل الجنة فدبّوا على وجه الأرض، منهم الأعمى والأصمّ والمبتلى، فقال آدم: يا ربّ، ألا سوّيت بين ولدي، قال: يا آدم، إني أردت أن أُشكر" (١). ٤٩١ - حدثنا أحمد بن عبيد التميمي قال: قال أعرابي: "الحمد للَّه الذي لا يحمد على المكروه غيره" (٢). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة نفي الجور عن اللَّه ، وإثبات العدل له في أفعاله وأحكامه، فالذنب الذي يفعله العبد هو عقوبة على ذنب سبقه كما في أثر سهل بن عاصم، وفي دعاء الرجل بعرفات أن اللَّه لا يظلم

стр. 589

الناس شيئًا؛ فلا يعذبهم بالنار بعد أن وحدوه، وهذا مقتضى عفوه، ولو عذبهم فبذنوبهم، وكذلك خلق اللَّه العباد مختلفي الحالات منهم المبتلى والأعمى والأصم ولم يسوِّ بينهم؛ لأنه سبحانه يحب أن يشكر، وهو الذي لا يحمد على المكروه سواه. وهذه المسألة من أهم مسائل القضاء والقدر قال شيخ الإسلام: "اتفق المسلمون وسائر أهل الملل، على أن اللَّه تعالى عدل، قائم بالقسط، لا يظلم شيئًا، بل هو منزه عن الظلم، ثم لما خاضوا في القدر، تنازعوا في معنى كونه عدلا وفي الظلم لذي هو منزه عنه. . . وهذا الأصل وهو عدل الرب، يتعلق يحميع أنواع العلم والدين؛ فإن جميع أفعال الرب، ومخلوقاته داخلة في ذلك، وكذلك أقواله، وشرائعه، وكتبه المنزلة، وما يدخل في ذلك من مسائل المبدأ، والمعاد، ومسائل النبوات، وآياتهم، والثواب، والعقاب، ومسائل التعديل والتجوير وغير ذلك" (١). وقد بين ابن أبي العز ﵀ لما شرح قول الطحاوي: (يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدا) أن توفية هذا المقام حقه يبلغ به المسلم أعلى مقامات العبودية فقال: "روى أبو داود والحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس وعبادة بن الصامت وزيد بن ثابت عن النبي ﷺ : "لو أن اللَّه عذب أهل سمواته، وأهل أرضهن لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم

стр. 590

كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم" (١)، وهذا الحديث مما يحتج به الجبرية، وأما القدرية فلا يتأتى على أصولهم الفاسدة، ولهذا قابلوه إما بالتكذيب أو بالتأويل، وأسعد الناس به أهل السنة الذين قابلوه بالتصديق، وعلموا من عظمة اللَّه وجلاله، قدر نعم اللَّه على خلقه وعدم قيام الخلق بحقوق نعمه عليهم، إما عجزا وإما جهلا وإما تفريطا وإضاعة، وإما تقصيرا في المقدور من الشكر، ولو من بعض الوجوه. . . وغاية ما يقدر توبة العبد من ذلك واعترافه، وقبول التوبة محض فضله وإحسانه، . . .وسأله -أي النبي ﷺ الصديق دعاء يدعو به في صلاته فقال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" (٢)، فإذا كان هذا حال الصديق الذي هو أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين، فما الظن بمن سواه؟ بل إنما صار صديقا بتوفيته هذا المقام حقه، الذي يتضمن معرفة ربه، وحقه وعظمته، وما ينبغي له، وما يستحقه على عبده، ومعرفة تقصيره" (٣). وقد أورد على كون الذنب عقوبة على ذنب قبله، سؤالٌ قال ابن القيم: "يبقى أن يقال في الكلام: فالذنب الأول الجالب لما بعده من الذنوب؟ فيقال: هو عقوبة أيضًا على عدم ما خلق له وفطر عليه، فإن اللَّه

стр. 591

سبحانه خلقه لعبادته وحده لا شريك له، وفطره على محبته وتألهه والإنابة إليه. . .فلما لم يفعل ما خلق له وفطر عليه من محبة اللَّه وعبوديته والإنابة إليه، عوقب على ذلك بأن زين له الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصي، فلأنه صادف قلبا فارغا خاليا قابلا للخير وللشرّ ولو كان فيه الخير الذي يمنع ضده لم يتمكن من الشر. . .وأما إذا صادفه فارغا من ذلك تمكن منه بحسب فراغه وخلوه، فيكون جعله مذنبا مسيئا في هذه الحال عقوبة على عدم هذا الإخلاص وهذا محض العدل. فإن قلت: فذلك العدم من خلقه فيه؟ قلت: هذا سؤال فاسد فإن العدم كاسمه يفتقر إلى تعلق التكوين والإحداث به، فإن عدم الفعل ليس أمرا وجوديا حتى يضاف إلى الفاعل، بل هو شر محض والشر ليس إلى الرب ﵎" (١). ومن هنا لم يسوِّ بين جميع عباده في الخِلْقَة، ولا في الهداية والضلال؛ لأن له في ذلك حكما كثيرة، وهو سبحانه لذلك يحمد على كل حال، قال ابن القيم ﵀: "فصل في بيان أن حمده تعالى شامل لكل ما يحدثه، والمقصود بيان شمول حمده سبحانه وحكمته لكل ما يحدثه، من إحسان، ونعمة، وامتحان، وبلية، وما يقضيه من طاعة ومعصية، واللَّه تعالى محمود على ذلك مشكور, حمد المدح، وحمد الشكر، أما حمد المدح

стр. 592

فاللَّه محمود على كل ما خلق؛ إذ هو رب العالمين، والحمد للَّه رب العالمين، وأما حمد الشكر فلأن ذلك كله نعمة في حق المؤمن؛ إذا اقترن بواجبه من الإحسان والنعمة، إذا اقترنت بالشكر صارت نعمة، والامتحان والبلية إذا اقترنا بالصبر كانا نعمة، والطاعة من أجل نعمه، وأما المعصية فإذا اقترنت بواجبها من التوبة، والاستغفار، والإنابة، والذل، والخضوع فقد ترتب عليها من الآثار المحمودة، والغايات المطلوبة ما هو نعمة أيضًا، وإن كان سببها مسخوطا مبغوضا للرب سبحانه، ولكنه يحب ما يترتب عليها من التوبة، والاستغفار. . .هذا بالإضافة إلى الرب سبحانه، وأما بالإضافة إلى العبد؛ فإنه قد يكون كمال عبوديته وخضوعه موقوفا على أسباب لا تحصل بدونها، فتقدير الذنب عليه إذا اتصل به التوبة، والإنابة. . .فهو عين مصلحة العبد، والاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية، وإن لم يتصل به ذلك، فهذا لا يكون إلا من خبث نفسه. . . ومعلوم أن هذه النفس فيها من الشر والخبث ما فيها، فلا بد من خروج ذلك منها من القوة إلى الفعل ليترتب على ذلك الآثار المناسبة لها. . . والرب سبحانه محمود على ذلك أيضًا، كما هو محمود على إنعامه وإحسانه على أهل الإحسان. . .فحمده وحكمته تقتضي أن لا يودع نعمه وإحسانه وكنوزه في محل غير قابل لها، ولا يبقى إلا أن يقال: فما الحكمة في خلق هذه الأرواح، التي هي غير قابلة لنعمته؟ فقد تقدم من الجواب عن ذلك ما فيه كفاية، وأن خلق الأضداد، والمقابلات، وترتيب آثارها

стр. 593

عليها، موجب ربوبيته، وحكمته، وعلمه وعزته، وأن تقدير عدم ذلك هضم من جانب الربوبية، وأيضا فإن هذه الحوادث نعمة في حق المؤمن؛ فإنها إذا وقعت فهو مأمور أن ينكرها بقلبه، ويده، ولسانه، أو بقلبه ولسانه فقط، أو بقلبه فقط، ومأمور أن يجاهد أربابها بحسب الإمكان، فيترتب له على الإنكار والجهاد من مصالح قلبه، ونفسه، وبدنه، ومصالح دنياه وآخرته، ما لم يكن ينال بدون ذلك" (١).

стр. 594

المبحث السابع: الآثار الواردة في الرضا بالقضاء والقدر وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: الآثار الواردة في تعريفه. المطلب الثاني: الآثار الواردة في فضله. المطلب الثالث: الآثار الواردة في أنواع التسليم والرضا بالقدر وعلاقته بالأسباب. المطلب الرابع: الآثار الواردة في معنى موافقة المشيئة. المطلب الخامس: الآثار الواردة في علاقة الرضا بالمعرفة. المطلب السادس: الآثار الواردة في الفرق بين الرضا بالقدر. والصبر عليه، وبين العزم على ذلك.

стр. 595

المطلب الأول: الآثار الواردة في تعريفه . ٤٩٢ - حدثني محمد بن إسحاق الثقفي، عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان -يعني الداراني- يقول: "ما أعرف للرضا حدًّا، ولا للزهد حدًّا، ولا للورع حدًّا، ما أعرف من كل شيء إلا طريقه، قال أحمد: فحدثت به سليمان ابنه فقال: لكني أعرفه: من رضي في كل شيء فقد بلغ حدّ الرضا، ومن زهد في كل شيء فقد بلغ حدّ الزهد، ومن تورّع في كل شيء فقد بلغ حدّ الورع، وسمعت أبا سليمان يقول: "الورع من الزهد بمنزلة القناعة من الرضا" (١). ٤٩٣ - حدثنا زياد بن أيوب قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان يقول: "إذا سلا العبد عن الشهوات فهو راض" (٢). ٤٩٤ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني قادم الديلمي العابد قال: قلت لفضيل بن عياض: "من الراضي عن اللَّه؟ قال: الذي لا يحب

стр. 596

أن يكون على غير منزلته التي جعل فيها" (١). ٤٩٥ - حدثنا محمد بن علي بن الحسن قال: حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل يقول: "الراضي لا يتمنّى فوق منزلته" (٢). ٤٩٦ - حدثني أبو عبد اللَّه المروزي رجل من أهل مرو قال: قال حفص بن حميد: "كنت عند عبد اللَّه بن المبارك بالكوفة (٣) حين ماتت أمه، فسألته ما الرضا؟ قال: الرضا لا يتمنى (٤) خلاف حاله، فجاء أبو بكر بن عياش (٥) فعزّى عبد اللَّه، قال حفص: ولم أعرفه، فقال عبد اللَّه:

стр. 597

سله عما كنا فيه، فسألته فقال: من لم يتكلم بغير الرضا، فهو راض، قال حفص: وسألت الفضيل بن عياض فقال: ذلك للخواص" (١). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة بيان معنى الرضا وتعريفه، وهي عبارات مختلفة فسليمان الداراني عرفه بأنه الرضى في كل شيء، وأبو عرفه بأنه السلوة عن الشهوات، والفضيل عرفه بأنه عدم تمني منزلة فوق ما أنت عليه، وقريب منه تعريف ابن المبارك، وأبو بكر بن عياش عرفه بأنه عدم التكلم بغير الرضا، قال ابن رجب: "الرضا انشراح الصدر وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال الألم، وإن وجد الإحساس بألم، لكن الرضا يخففه ما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة، وإذا قوي الرضا فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية" (٢)، وقد استحسن شيخ الإسلام بعض هذه التعاريف لا تكلم عما أورده القشيري من ذلك ووجهها بقوله: "ذكر آثارا حسنة، بأسانيد حسنة، مثل ما رواه عن الشيخ أبي سليمان الداراني أنه قال: إذا سلا العبد عن الشهوات فهو راض. . . وذكر عن الشيخ أبي

стр. 598

عبد الرحمن أنه قال سمعت النصرآباذي يقول: من أراد أن يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل اللَّه رضاه فيه؛ فإن هذا الكلام في غاية الحسن؛ فإنه من لزم ما يرضي اللَّه من امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، لا سيما إذ قام بواجبها، ومستحبها يرضي اللَّه عنه. . . وكذلك قول الشيخ أبي سليمان. . . وذلك أن العبد إنما يمنعه من الرضا والقناعة طلب نفسه لفضول شهواتها، فإذا لم يحصل سخط، فإذا سلا عن شهوات نفسه رضي بما قسم اللَّه له من الرزق، وكذلك ما ذكره عن الفضيل بن عياض أنه قال لبشر الحافي: الرضا أفضل من الزهد في الدنيا؛ لأن الراضي لا يتمنى فوق منزلته، كلام حسن، لكن أشك في سماع بشر الحافي من الفضيل، وكذلك ما ذكره معلقا قال: وقيل: قال الشبلي بين يدي الجنيد: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، فقال الجنيد: قولك ذا ضيق صدر، وضيق الصدر لترك الرضا بالقضاء؛ فإن هذا من أحسن الكلام، وكان الجنيد ﵁، سيد الطائفة، ومن أحسنهم تعليما، وتأديبا، وتقويما، وذلك أن هذه الكلمة هي كلمة استعانة، لا كلمة استرجاع، وكثير من الناس يقولها عند المصائب بمنزلة الاسترجاع، ويقولها جزعا لا صبرا، فالجنيد أنكر على الشبلي حاله في سبب قوله لها، إذ كانت حالا ينافي الرضا، ولو قالها على الوجه المشروع لم ينكر عليه" (١).

стр. 599

المطلب الثاني: الآثار الواردة في فضله . ٤٩٧ - قال نصر بن علي: حدثنا أبي، عن شداد بن سعيد الراسبي، عن غيلان بن جرير (١) قال: "من أعطى الرضا، والتوكّل، والتفويض فقد كفي" (٢). ٤٩٨ - حدثنا الحسن، عن سفيان قال: "سمعت المفسرين من كل جانب يقولون في قوله: ﴿أَغْنَى﴾: أرضى، قال سفيان: لا يكون غنيا أبدا حتى يرضى بما قسم اللَّه له فذللك الغنى" (٣). ٤٩٩ - حدثنا الفضل بن جعفر قال: حدثنا يحيى بن عمير العنزي قال: حدثنا الربيع بن صبيح قال: كان الحسن يقول: "ارض عن اللَّه يرض اللَّه عنك، واعط اللَّه الحق من نفسك، أما سمعت ما قال ﵎: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٤) " (٥).

стр. 600

٥٠٠ - حدثني الحسن بن الصباح قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي هارون المديني قال: قال ابن مسعود: "إن اللَّه ﵎ بقسطه وحلمه، جعل الروح والفرج في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط" (١). ٥٠١ - حدثنا الحسن بن الصباح، عن سفيان، قال: قال الحسن: "من رضي بما قسم اللَّه له وَسِعَه، وبارك اللَّه له فيه، ومن لم يرض لم يَسَعْه ولم يبَارَك له فيه" (٢). ٥٠٢ - حدثنا علي بن الحسن، عن مصعب بن ماهان، عن سفيان في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤)﴾ (٣) قال: المطمئنين، الراضين بقضائه، المستسلمين له" (٤).
следующие страницы →