← Акыда

Акыда · id 151178

الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا

حميد بن أحمد نعيجات

Полный текст (1 390 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

أن يكون على غير منزلته التي جعل فيها" (١). ٤٩٥ - حدثنا محمد بن علي بن الحسن قال: حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل يقول: "الراضي لا يتمنّى فوق منزلته" (٢). ٤٩٦ - حدثني أبو عبد اللَّه المروزي رجل من أهل مرو قال: قال حفص بن حميد: "كنت عند عبد اللَّه بن المبارك بالكوفة (٣) حين ماتت أمه، فسألته ما الرضا؟ قال: الرضا لا يتمنى (٤) خلاف حاله، فجاء أبو بكر بن عياش (٥) فعزّى عبد اللَّه، قال حفص: ولم أعرفه، فقال عبد اللَّه:

стр. 597

سله عما كنا فيه، فسألته فقال: من لم يتكلم بغير الرضا، فهو راض، قال حفص: وسألت الفضيل بن عياض فقال: ذلك للخواص" (١). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة بيان معنى الرضا وتعريفه، وهي عبارات مختلفة فسليمان الداراني عرفه بأنه الرضى في كل شيء، وأبو عرفه بأنه السلوة عن الشهوات، والفضيل عرفه بأنه عدم تمني منزلة فوق ما أنت عليه، وقريب منه تعريف ابن المبارك، وأبو بكر بن عياش عرفه بأنه عدم التكلم بغير الرضا، قال ابن رجب: "الرضا انشراح الصدر وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال الألم، وإن وجد الإحساس بألم، لكن الرضا يخففه ما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة، وإذا قوي الرضا فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية" (٢)، وقد استحسن شيخ الإسلام بعض هذه التعاريف لا تكلم عما أورده القشيري من ذلك ووجهها بقوله: "ذكر آثارا حسنة، بأسانيد حسنة، مثل ما رواه عن الشيخ أبي سليمان الداراني أنه قال: إذا سلا العبد عن الشهوات فهو راض. . . وذكر عن الشيخ أبي

стр. 598

عبد الرحمن أنه قال سمعت النصرآباذي يقول: من أراد أن يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل اللَّه رضاه فيه؛ فإن هذا الكلام في غاية الحسن؛ فإنه من لزم ما يرضي اللَّه من امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، لا سيما إذ قام بواجبها، ومستحبها يرضي اللَّه عنه. . . وكذلك قول الشيخ أبي سليمان. . . وذلك أن العبد إنما يمنعه من الرضا والقناعة طلب نفسه لفضول شهواتها، فإذا لم يحصل سخط، فإذا سلا عن شهوات نفسه رضي بما قسم اللَّه له من الرزق، وكذلك ما ذكره عن الفضيل بن عياض أنه قال لبشر الحافي: الرضا أفضل من الزهد في الدنيا؛ لأن الراضي لا يتمنى فوق منزلته، كلام حسن، لكن أشك في سماع بشر الحافي من الفضيل، وكذلك ما ذكره معلقا قال: وقيل: قال الشبلي بين يدي الجنيد: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، فقال الجنيد: قولك ذا ضيق صدر، وضيق الصدر لترك الرضا بالقضاء؛ فإن هذا من أحسن الكلام، وكان الجنيد ﵁، سيد الطائفة، ومن أحسنهم تعليما، وتأديبا، وتقويما، وذلك أن هذه الكلمة هي كلمة استعانة، لا كلمة استرجاع، وكثير من الناس يقولها عند المصائب بمنزلة الاسترجاع، ويقولها جزعا لا صبرا، فالجنيد أنكر على الشبلي حاله في سبب قوله لها، إذ كانت حالا ينافي الرضا، ولو قالها على الوجه المشروع لم ينكر عليه" (١).

стр. 599

المطلب الثاني: الآثار الواردة في فضله . ٤٩٧ - قال نصر بن علي: حدثنا أبي، عن شداد بن سعيد الراسبي، عن غيلان بن جرير (١) قال: "من أعطى الرضا، والتوكّل، والتفويض فقد كفي" (٢). ٤٩٨ - حدثنا الحسن، عن سفيان قال: "سمعت المفسرين من كل جانب يقولون في قوله: ﴿أَغْنَى﴾: أرضى، قال سفيان: لا يكون غنيا أبدا حتى يرضى بما قسم اللَّه له فذللك الغنى" (٣). ٤٩٩ - حدثنا الفضل بن جعفر قال: حدثنا يحيى بن عمير العنزي قال: حدثنا الربيع بن صبيح قال: كان الحسن يقول: "ارض عن اللَّه يرض اللَّه عنك، واعط اللَّه الحق من نفسك، أما سمعت ما قال ﵎: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٤) " (٥).

стр. 600

٥٠٠ - حدثني الحسن بن الصباح قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي هارون المديني قال: قال ابن مسعود: "إن اللَّه ﵎ بقسطه وحلمه، جعل الروح والفرج في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط" (١). ٥٠١ - حدثنا الحسن بن الصباح، عن سفيان، قال: قال الحسن: "من رضي بما قسم اللَّه له وَسِعَه، وبارك اللَّه له فيه، ومن لم يرض لم يَسَعْه ولم يبَارَك له فيه" (٢). ٥٠٢ - حدثنا علي بن الحسن، عن مصعب بن ماهان، عن سفيان في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤)﴾ (٣) قال: المطمئنين، الراضين بقضائه، المستسلمين له" (٤).

стр. 601

٥٠٣ - حدثني محمد بن إدريس قال: حدثني عمرو بن أسلم العابد قال: سمعت أبا معاوية الأسود (١) يقول في قوله: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (٢) قال: هي الرضا والقناعة" (٣). ٥٠٤ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني حكيم بن جعفر قال: سمعت عبد اللَّه البراثي يقول: "من وهب له الرضا فقد بلغ أفضل الدرجات" (٤). ٥٠٥ - حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثني مسكين بن عبد اللَّه

стр. 602

قال: سمعت هدابا يقول: قال لي بعض العباد: "إن أنت رضيت مهما أعطيت، خفّ الحساب فيما أوتيت" (١). ٥٠٦ - حدثنا سريج بن يونس قال: حدثنا مروان بن معاوية، عن شيخ من أهل البصرة، عن مالك بن دينار، عن الحسن قال: "من رضي من اللَّه بالرزق اليسير، رضي اللَّه منه بالعمل القليل" (٢). ٥٠٧ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني حكيم بن جعفر قال: سمعت أبا عبد اللَّه البراثي يقول: "لن يرد الآخرة أرفع درجات من الراضين عن اللَّه على كل حال" (٣). ٥٠٨ - حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: حدثنا أبو أسامة

стр. 603

قال: حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق (١) قال: "كان رجل بالبادية له كلب وحمار وديك، فالديك يوقظه للصلاة، والحمار ينقلون عليه الماء، والكلب يحرسهم، قال: فجاء الثعلب فأخذ الديك، فحزنوا لذهاب الديك، وكان الرجل صالحا، فقال: عسى أن يكون خيرا، ثم مكثوا ما شاء اللَّه، ثم جاء ذئب فخرق بطن الحمار فقتله، فحزنوا لذهاب الحمار، فقال الرجل الصالح: عسى أن يكون خيرا، ثم مكثوا ما شاء اللَّه بعد ذلك، ثم أصيب الكلب، فقال الرجل الصالح: عسى أن يكون خيرا، ثم مكثوا بعد ذلك ما شاء اللَّه، فأصبحوا ذات يوم فنظروا فإذا قد سبي من حولهم، وبقوا هم، قال: وإنما أخذوا أولئك بما كان عندهم من الصوت والجلبة، ولم يكن عند أولئك شيء يجدب، قد ذهب كلبهم وحمارهم وديكهم" (٢). ٥٠٩ - حدثني الحسن بن عبد العزيز، عن ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب قال: "اجتمع مالك بن دينار ومحمد بن واسع، فتذاكرا العيش، فقال مالك: ما شيء أفضل من أن يكون للرجل غلة يعيش فيها، وقال محمد: طوبى لمن وجد غداء ولم يجد عشاء، ووجد عشاء ولم يجد غداء،

стр. 604

وهو عن اللَّه راض، أو فقال: واللَّه عنه راض" (١). ٥١٠ - حدثني محمد بن إدريس، عن زهير بن عباد، عن السري بن حيان قال: قال عبد الواحد بن زيد: "الرضا باب اللَّه الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين" (٢). ٥١١ - حدثني علي بن الحسين العامري قال: حدثني أبو ذر قال: حدثنا عمر بن ذر قال: "بلغنا أن أم الدرداء (٣) كانت تقول: "إن الراضين بقضاء اللَّه: الذين ما قضى اللَّه لهم رضوا به، لهم في الجنة منار (٤) ليغبطهم

стр. 605

بها الشهداء يوم القيامة" (١). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة فضل الرضا بالقدر والتسليم له، وذكر أئمة السلف عدة فضائل للرضا بالقدر، فمنها: حصول الكفاية والغنى لصاحبه، وهو سبب رضا اللَّه، وسبب حصول البركة، وصاحبه له البشرى من اللَّه، وهو الحياة الطيبة، وصاحبه بلغ أفضل الدرجات، ويخف حسابه فيما أوتي، والراضي بيسير الرزق، يجازيه اللَّه بالرضا بيسير العمل، وعاقبة صاحبه إلى خير كصاحب الكلب والحمار والديك، الذي رضي فجوزي بالنجاة من السبي، وهو باب اللَّه الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين، ويغبطهم الشهداء يوم القيامة، هذا ملخص الفضل الذي ورد في الآثار السابقة للرضا. قال ابن القيم ﵀: "أجمع العلماء على أنه مستحب، مؤكد استحبابه، واختلفوا في وجوبه على قولين، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس اللَّه روحه يحكيهما على قولين لأصحاب أحمد، وكان يذهب إلى القول باستحبابه. . . ولم يجئ الأمر به كما جاء الأمر بالصبر، وإنما جاء الثناء على أصحابه ومدحهم" (٢).

стр. 606

المطلب الثالث: الآثار الواردة في أنواع التسليم والرضا بالقدر وعلاقته بالأسباب . ٥١٢ - حدثني أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم العبدي، حدثنا عامر ابن صالح، عن هشام بن عروة، عن أبيه (١): "أنه خرج إلى الوليد بن عبد الملك حتى إذا كانوا بوادي القرى (٢) وجد في رجله شيئًا، فظهرت به قرحة، وكانوا على رواحل فأرادوه أن يركب محملا فأبى عليهم، فرحلوا ناقة له بمحمل فركبها ولم يركب محملا قبل ذلك، فلما أصبح تلا هذه الآية: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ (٣)، حتى فرغ منها، فقال: لقد أنعم اللَّه على هذه الأمة في هذه المحامل بنعمة لا يؤدّون شكرها، وترقّى في رجله الوجع، حتى قدم على الوليد، فلما رآه الوليد قال: يا أبا عبد اللَّه اقطعها؛ فإني أخاف أن يبالغ فوق ذلك، قال: فدونك، فدعا له الطبيب، فقال له: اشرب المُرقِد (٤)، قال: لا أشرب

стр. 607

مُرقِدا أبدا (١)، قال: فعذرها الطبيب واحتاط بشيء من اللحم مخافة أن يبقى منها شيء فيرقى، فأخذ منشارا فأمسّه بالنار واتّكأ له عروة، فقطعها من نصف الساق، فما زاد على أن يقول: حسّ حسّ (٢)، فقال الوليد: ما رأيت شيخا قط أصبر من هذا (٣)، وأصيب عروة بابن له يقال له: محمد في ذلك السفر، ودخل اصطبل دواب من الليل ليبول، فركضته بغلة فقتلته، وكان من أحب ولده إليه (٤)، ولم يُسمَع من عروة في ذلك كلمة، حتى رجع فلما كان بوادي القرى قال: ﴿لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ (٥)، اللهم كان لي بنون سبعة، فأخذت منهم واحدا وأبقيت ستة، وكانت لي أطراف أربعة فأخذت مني طرفا وبقيت ثلاث، وأيمك لئن ابتليت لقد عافيت، ولئن أخذت لقد أبقيت، فلما قدم المدينة جاء رجل من قومه

стр. 608

يقال له عطاء بن ذويب فقال: يا أبا عبد اللَّه واللَّه ما كنا نحتاج أن نسابق بك، ولا أن نصارع بك، ولكنا كنا نحتاج إلى رأيك، والأنس بك، فأما ما أصبت به فهو أمر ذخره اللَّه لك، وأما ما كنا نحب أن يبقى لنا منك فقد بقى (١) " (٢). ٥١٣ - حدثنا محمد بن علي بن الحسن، قال: حدثنا: إبراهيم بن الأشعث، قال: قال فضيل بن عياض: "ما اهتممت لرزق أبدا، أو قال: "إني لأستحيي من ربي أن أحزن لرزقي بعد رضائه" (٣).

стр. 609

٥١٤ - حدثني يعقوب بن إبراهيم العبدي، ومحمد بن عباد العكلي، قالا: حدثنا يحيى بن عبد الملك عن أبي غنية قال: ثنا زمعة قال: كتب بعض بني أمية إلى أبي حازم يعزم عليه أن يرفع إليه حوائجه فكتب إليه: "أما بعد: فقد جاءني كتابك تعزم عليّ إلا رفعت فيه إليك حوائجي، وهيهات رفعت حوائجي إلى من لا تقضى (١) الحوائج دونه، فما أعطاني منها قبلت، وما أمسك عني منها رضيت" (٢). ٥١٥ - حدثنا هارون بن عبد اللَّه قال: حدثنا محمد بن الحسن المخزومي قال: حدثني القاسم بن نافع، عن جسر، عن عامر بن عبد قيس قال: "ما أبالي ما فاتني من الدنيا بعد آيات في كتاب اللَّه قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٣)، وقوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٤)،

стр. 610

قوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ (١) " (٢). ٥١٦ - حدثنا الحسين قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل وأحمد بن إبراهيم قالا: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: أخبرني زياد بن أبي حسان: أنه شهد عمر بن عبد العزيز حين دفن ابنه عبد الملك قال: "فلما سوّي عليه قبره بالأرض، وجعلوا في قبره خشبتين من زيتون، إحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه، ثم جعل بينه وبين القبلة، ثم استوى قائما، وأحاط به الناس فقال: رحمك اللَّه يا بني، فقد كنت برا بأبيك، وما زلت منذ وهبك اللَّه لي مسرورا بك، ولا واللَّه ما كنت قط أشد سرورا ولا أرجى لحظي من اللَّه فيك منذ وضعتك في الموضع الذي صيّرك اللَّه إليه،

стр. 611

فرحمك اللَّه، وغفر لك ذنبك، وجزاك بأحسن عملك وتجاوز عن سيّئه، ورحم كل شافع يشفع لك بخير من شاهد وغائب، رضينا بقضاء اللَّه وسلمنا لأمره، والحمد للَّه رب العالمين، ثم انصرف" (١). ٥١٧ - حدثنا الحسين بن علي بن يزيد قال: قال رجل لفتح الموصلى (٢): ادع اللَّه فقال: "اللهم هَبْنا عطاءك، ولا تكشف عنا غطاءك، وارضنا بقضائك" (٣). ٥١٨ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي حيان التيمي قال: "دخلوا على سويد بن مثعبة (٤) -وكان من

стр. 612

أفاضل أصحاب عبد اللَّه- وأهله تقول له: نفسي فداؤك، أما نطعمك؟ أما نسقيك؟ قال: فأجابها بصوت له ضعيف: دبرت الحراقف (١)، وطالت الضجعة، واللَّه ما يسرّني أن اللَّه نقصني منه قدر قلامة" (٢). ٥١٩ - حدثني محمد بن عباد بن موسى، عن محمد بن مسعر اليربوعي قال: حدثنا عطيّة بن سليمان قال: "صليت الجمعة ثم انصرفت، فجلست إلى يونس بن عبيد حتى صلينا العصر، فقال: هل لكم في جنازة فلان؟ فمشينا ناحية بني سعد فصلينا على جنازة، ثم قال: هل لكم في فلان العابد نعوده؟ فأتينا رجلا قد وقعت فيه الخبيثة حتى أبدت عن أضراسه، فكان إذا أراد أن يتكلّم دعا بقعب (٣) من ماء، وبقطنة فيبلّ لسانه حتى يبتلّ، ثم يتكلّم بكلمات يحسن فيهن، فلما دخلنا عليه دعا بالقَدَح ليفعل ما كان يفعل، فبينما هو بلّ لسانه إذ سقطت حدقتاه في القدح، فأخذ بهما، فمسهما بيده، ثم قال: إني لأجد فيهما دسما، وما

стр. 613

كنت أظنه بقى فيهما، ثم استقبل القبلة فقال: الحمد للَّه الذي أعطانيهما فأمتعني بهما شبابي وصحّتي، حتى إذا فنيت أيامي وحضر أجلي، أخذهما مني ليبدلني بهما إن شاء اللَّه خيرا منهما، فقال له يونس: قد كنا تهيّأنا لنعزّيك، فنحن الآن نستهنئك، فقال خيرا ودعا" (١). ٥٢٠ - حدثني علي بن الحسين قال: "كان رجل بالمصيصة (٢) ذاهب النصف الأسفل لم يبق منه إلا روحه في بعض جسده، ضرير على سرير مثقوب، فدخل عليه داخل فقال له: كيف أصبحت يا أبا محمد؟ قال: ملك الدنيا، منقطع إلى اللَّه ما لي إليه من حاجة إلا أن يتوفّاني على الإسلام" (٣). ٥٢١ - حدثني سلمة بن شبيب قال: حدثنا سهل بن عاصم قال: حدثنا محمد بن عيينة، عن مخلد بن حسين قال: "كان بالبصرة رجل يقال

стр. 614

له: شداد، أصابه الجذام فتقطّع، فدخل عليه عوّاده من أصحاب الحسن فقالوا له: كيف تجدك؟ قال: بخير، قال: أما إنه ما فاتني جزئي بالليل منذ سقطت، وما بي إلا أني لا أقدر على أن أحضر صلاة الجماعة" (١). ٥٢٢ - حدثني محمد بن عباد بن موسى، عن الحسن بن علي البصري (٢) قال: "أصبح أعرابي وقد مات له أباعر كثير فقال: لا والذي أنا عبد في عبادته ... لولا شماتة أعاديه أظن (٣) فما سرّني أن إبلى في مباركها ... وأن شيئًا قضاه اللَّه لم يكن (٤)

стр. 615

٥٢٣ - حدثنا علي بن الجعد قال: أخبرنا معاوية، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن علقمة ﴿يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (١) قال: "هي المصيبة تصيب الرجل فيعلم أنها من عند اللَّه فيسلّم لها ويرضى" (٢). ٥٢٤ - حدثت عن إسحاق بن موسى الخطمي قال: حدثنا محمد بن زائدة أبو هشام الكوفي، عن رقبة قال: "قيل لإبراهيم التيمي وهو في الديماس: لو دعوت اللَّه أن يفرج عنك؟ قال: إني لأستحي أن أدعو اللَّه أن يفرج عني مما لي فيه أجر" (٣). ٥٢٥ - حدثني علي بن الجعد وإسحاق بن إسماعيل قالا: ثنا سفيان ابن عيينة، عن أبي السوداء، عن أبي مجلز قال: قال عمر بن الخطاب: "ما أبالي على أي حال أصبحت، على ما أحب، أو على ما أكره؛ لأني لا

стр. 616

أرى الخير فيما أحب أو فيما أكره" (١). ٥٢٦ - حدثنا إبراهيم بن سعيد، حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: "إن لم يكن لنا خير فيما نكره، لم يكن لنا خير فيما نحب" (٢). ٥٢٧ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، حدثني أبو روح قال: قال ابن عيينة: "ما يكره العبد خير له مما يحب؛ لأن ما يكرهه يهيّجه الدعاء، وما يحبّه يلهيه" (٣). ٥٢٨ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني عمار بن عثمان، حدثني بشر بن بشارة المجاشعي وكان من العابدين قال: "قلت لعابد: أوصني، قال: ألق نفسك مع القدر حيث ألقاك، فهو أحرى أن يفرغ قلبك، وأن

стр. 617

يقل همّك، وإياك أن تسخطك ذلك، فيحل بك السخط، وأنت عنه في غفلة لا تشعر به" (١). ٥٢٩ - حدثني علي بن أبي مريم، عن أبي خالد يزيد بن تميم قال: "لما أدخل إبراهيم التيمي سجن الحجاج، رأى قوما مقرّنين في السلاسل، إذا قاموا قاموا معا، وإذا قعدوا قعدوا معا، فقال: يا أهل بلاء اللَّه في نعمته، ويا أهل نعمة اللَّه في بلائه، إن اللَّه قد رآكم أهلا ليبليتكم، فأروه (٢) أهلا للصبر، فقالوا: من أنت رحمك اللَّه؟ قال: أنا ممن يتوقع من البلاء مثل ما أنتم عليه، فقال أهل السجن: ما نحب أنَّا أُخرجنا" (٣).

стр. 618

التحليل والتعليق تضنمت الآثار السابقة بيان أهمية التسليم للقضاء والقدر، وخطورة تسخطه وعدم الرضا به، ولئن كان الرضا بالقضاء المكروه للعبد فيه مشقة على النفس، فقد ذكر السلف ما جعلهم يرضون بذلك، فعروة بن الزبير ﵁ خفّف على نفسه مصابه برجله وولده، بما بقي له من سائر جسده، وبقية أولاده، والفضيل رضي بالرزق الذي رضيه اللَّه له، وكذا أبو حازم قَبِلَ العطاء، ورضي بما لم يقسم له من السماء، وذكر عامر بن عبد قيس سبب ذلك أنه ما وجده في القرآن من تكفل اللَّه بالرزق، وأن الأمور كلها بيده فرضي بقسمة اللَّه له، ولشدة حرصهم على تحقيق هذا كان من دعائهم للَّه أن يرضيهم بقضائه، ولما حصلت لهم المصائب فإنهم قابلوها بالتسليم والرضا، ولم يتمنوا على اللَّه زوالها، لأمور هي أعظم من تلك المصائب التي أصيبوا بها، حيث رجوا ثوابها عند اللَّه، أو رأوا خيرا فيها لأنها كانت سبب تفرغهم للطاعة، أو أنهم لم يتيقنوا أين الخير في الصحة أم في العافية ففوَّضوا أمرهم للَّه يختار لهم ما فيه الخير، بل إن إبراهيم التيمي بيّن أن الخير إن لم يكن في القضاء الذي نكرهه، فلن يكون فيما نحب، وقد ذكر ابن عيينة توجيها لذلك بأن ما يكرهه يهيجه على الدعاء -وهو من أجَلِّ العبادات-، أما ما يحب فهو يلهيه، وفي الرضا بالقضاء تفريغ القلب، وقلة الهم وقد ذكر العلماء عدة أسباب تسهل الرضا والتسليم للقدر جمعها شيخ الإسلام الهروي عند كلامه على درجة

стр. 619

الصبر على البلاء بقوله: "الصبر في البلاء بملاحظة حسن الجزاء، وانتظار روح الفرج، وتهوين البلية بِعَدِّ أيادي المنن، وبذكر سوالف النعم" (١)، قال شارحه ابن القيم: "هذه ثلاثة أشياء تبعث المُتَلَبِّس بها على الصبر في البلاء، إحداها: ملاحظة حسن الجزاء، وعلى حسب ملاحظته، والوثوق به، ومطالعته، يخف حمل البلاء، لشهود العوض. . . والثاني: انتظار روح الفرج؛ يعني راحته، ونسيمه، ولذته؛ فإن انتظاره ومطالعته وترقبه يخفف حمل المشقة، ولا سيما عند قوة الرجاء. . . الثالث: تهوين البلية بأمرين؛ أحدهما: أن يعد نعم اللَّه عليه وأياديه عنده، فإذا عجز عن عدها، وأيس من حصرها، هان عليه ما هو فيه من البلاء، ورآه بالنسبة إلى أيادي اللَّه ونعمه كقطرة من بحر، الثاني: تذكر سوالف النعم التي أنعم اللَّه بها عليه، فهذا يتعلق بالماضي، وتعداد أيادي المنن يتعلق بالحال، وملاحظة حسن الجزاء، وانتظار روح الفرج يتعلق بالمستقبل، وأحدهما في الدنيا، والثاني يوم الجزاء" (٢). ومسألة الاستسلام للقدر والرضا به فيها تفصيل ضل بسبب عدم إتقانه طوائف كثيرة من أهل البدع، بل وكثير من عوام وجهال أهل السنة، وأنصاف متعلميهم، تجد في كلام بعضهم خلطا أو عدم وضوح رؤية حتى إنك لتقف أمام بعض الآثار في هذا الباب مستغربا ومتحيرا،

стр. 620

وخير الهدي هدي محمد ﷺ . قال القشيري: "اعلم أن الواجب على العبد أن يرضى بقضاء اللَّه الذي أمر بالرضا به؛ إذ ليس كل ما هو بقضائه يجوز أو يجب على العبد الرضا به، كالمعاصي وفنون محن المسلمين" (١)، قال شيخ الإسلام معلقا على كلامه: "وهذا الذي قاله، قاله قبله، وبعده، ومعه، غير واحد من العلماء" (٢). قال ابن القيم: "غلط في هذا الأصل طائفتان أقبح الغلط، فقالت القدرية النفاة: الرضا بالقضاء طاعة وقربة، والرضا بالمعصية لا يجوز فليست بقضائه وقدره وقالت غلاة الجبرية الذين طَوَوا بساط الأمر والنهي: المعاصي بقضاء اللَّه وقدره، والرضا بالقضاء قربة وطاعة، فنحن نرضى بها ولا نسخطها" (٣)، ثم فصّل القول وميّز الحقّ من الباطل فقال: "الحكم والقضاء نوعان: ديني وكوني؛ فالديني: يجب الرضا به وهو من لوازم الإسلام. والكوني: منه ما يجب الرضا به، كالنعم التي يجب شكرها ومن تمام شكرها الرضا بها، ومنه ما لا يجوز الرضا به كالمصائب والذنوب التي يسخطها اللَّه، وإن كانت بقضائه وقدره، ومنه ما يستحبّ الرضا به

стр. 621

كالمصائب، وفي وجوبه قولان، هذا كلّه في القضاء الذي هو المقضِيّ" (١). وذكر تفصيلا أطول في القضاء الكوني فقال: "الحكم الكوني القدري الذي للعبد فيه كسب واختيار وإرادة، والذي إذا حكم به يسخطه ويبغضه، ويذم عليه، فهذا حقه أن ينازع ويدافع بكل ممكن، ولا يسالم ألبتة، بل ينازع بالحكم الكوني أيضًا، فينازع حكم الحق بالحق للحق، فيدافع به وله، كما قال شيخ العارفين في وقته عبد القادر الجيلي: (الناس إذا دخلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، وأنا انفتحت لي روزنة، فنازعت أقدار الحق بالحق للحق، والعارف من يكون منازعا للقدر، لا واقفا مع القدر) اهـ، فإن ضاق ذرعك عن هذا الكلام وفهمه، فتأمل قول عمر بن الخطاب، وقد عوتب على فراره من الطاعون، فقيل له: أتفر من قدر اللَّه؟ ! فقال: نفر من قدر اللَّه إلى قدره. أما القضاء الذي هو وصفه سبحانه وفعله، كعلمه وكتابته وتقديره ومشيئته، فالرضا به من تمام الرضا باللَّه ربا وإلها ومالكا ومدبّرا، فبهذا التفصيل يتبيّن الصواب ويزول اللبس في هذه المسألة العظيمة التي هي مفرق طرق بين الناس" (٢).

стр. 622

المطلب الرابع: الآثار الواردة في معنى موافقة المشيئة . ٥٣٠ - حدثني محمد بن إدريس قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري، عن أبي عبد اللَّه النباجي قال: "إن أحببتم أن تكونوا أبدالا (١)، فأحبوا ما شاء اللَّه، ومن أحب ما شاء لم ينزل به من مقادير اللَّه وأحكامه شيء إلا أحبّه" (٢). ٥٣١ - حدثنا العباس بن يزيد قال: يعلى بن عبد الرحمن العنزي

стр. 623

قال: حدثنا سيار بن سلامة قال: "دخل رجل على أبي العالية في مرضه الذي مات فيه فقال: إن أحبّه إليّ، أحبه إلى اللَّه " (١). ٥٣٢ - حدثنا العباس بن يزيد البصري، حدثنا يعلى بن عبد الرحمن العنبري، حدثنا سيار بن سلامة قال: "دخلت على أبي العالية في مرضه الذي مات فيه، فقال: إن أحبه إليّ أحبّه إلى اللَّه " (٢). ٥٣٣ - حدثنا علي بن الحسن بن موسى قال: قال رجل: "لأمتحننّ أهل البلاء، فقال: فدخلت على رجل بطَرَسوس (٣) وقد أكلت الأكلة أطرافه، فقلت له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت واللَّه، وكل عرق، وكل عضو يألم على حدته من الوجع، لو أن الروم في كفرها وشركها، اطّلعت عليّ لرحمتني مما أنا فيه، وإن ذلك لبعين اللَّه، أحبّه إليّ أحبّه إلى اللَّه، وما قدر ما أخذ ربي مني؟ وددت أن ربي قطع مني الأعضاء التي اكتسبت بها الإثم، وأنه لم يبق مني إلا لساني يكون له ذاكرا، فقال له

стр. 624

رجل: متى بدأت بك هذه العلة؟ قال: أما كفاك؟ الخلق كلهم عبيد اللَّه وعياله، فإذا نزلت بالعباد علة فالشكوى إلى اللَّه، ليس يشتكى اللَّه إلى العباد" (١). ٥٣٤ - حدثني حمزة قال: أخبرنا عبدان قال: حدثنا عبد اللَّه قال: أخبرنا جرير بن حازم قال: سمعت حميد بن هلال يحدث قال: حدثني مطرف قال: "أتيت عمران بن حصين يوما فقلت له: إني لأدع إتيانك لما أراك فيه، ولما أراك تلقى، قال: فلا تفعل، فواللَّه إن أحبّه إليّ أحبّه إلى اللَّه، قال جرير: سقى بطنه، فبقي ثلاثين سنة على سرير مثقوب" (٢). ٥٣٥ - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن يونس، عن الحسن قال: "اشتكى عمران بن حصين فدخل عليه جار له، فاستبطأه في العيادة، فقال له: يا أبا نجيد، إن بعض ما يمنعني عن عيادتك ما أرى بك من الجهد، قال: فلا تفعل؛ فإن أحبّه إليّ أحبّه إلى اللَّه، فلا

стр. 625

تبتئس لي بما ترى، أرأيت إذا كان ما ترى مجازاة بذنوب قد مضت، وأنا أرجو عفو اللَّه على ما بقي؛ فإنه قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ (١) " (٢). ٥٣٦ - حدثنا أحمد بن إبراهيم العبدي قال: حدثنا يعلى بن الحارث المحاربي قال: حدثنا أبي، عن سليمان بن حبيب قال: "لما مات عبد الملك ابن عمر بن عبد العزيز دخل عليه هشام بن الغاز (٣) فعزّاه، فقال عمر: وأنا أعوذ باللَّه أن يكون لي محبة في شيء من الأمور يخالف محبّة اللَّه، فإن ذلك لا يصلح لي في بلائه عندي وإحسانه إليّ" (٤). ٥٣٧ - حدثني هاشم بن قاسم قال: حدثنا إسحاق بن عباد بن موسى، عن أبي على الرازي قال: "صحبت فضيل بن عياض ثلاثين سنة، ما رأيته ضاحكا، ولا متبسّما، إلا يوم مات عليّ ابنه، فقلت له في ذلك،

стр. 626

فقال: إن اللَّه أحب أمرًا، فأحببت ما أحب اللَّه" (١). ٥٣٨ - حدثني عبد الرحيم بن يحيى قال: حدثني عثمان بن عمارة، عن عبد الواحد بن زيد قال: "خرجنا أنا وفرقد السبخي، ومحمد بن واسع، ومالك بن دينار، نزور أخا لنا من فارس، فلما جاوزنا رامهرمز (٢) إذ نحن بصوت في سفح جبل فتراكضنا نحوه، فإذا نحن برجل مجذوم يتفطّر قيحا ودما، فقال له بعضنا: يا هذا لو دخلت هذه المدينة فتداويت وتعالجت من ذلك؟ فرفع طرفه إلى السماء ثم قال: إلهي أتيت بهؤلاء ليسخطوني عليك، لك الكرامة والعتبى بأن لا أخالفك أبدًا" (٣). ٥٣٩ - حدثني زياد بن أيوب قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: حدثني أحمد بن صاعد قال: سمعت عبد العزيز بن عمير (٤) يقول: "كان في

стр. 627

خرابات القبائل بمصر رجل مجذوم، وكان شاب من أهل مصر يختلف إليه يتعاهده، ويغسل خرقه، ويخدمه، فتعرّى (١) فتى من أهل مصر، فقال للذي كان يخدمه: إنه يعرف اسم اللَّه الأعظم، وأنا أحب أن أجيء معك إليه، فأتاه فسلم عليه وقال: يا عم إنه بلغني أنك تعرف اسم اللَّه الأعظم، فلو سألته أن يكشف ما بك، قال: يا ابن أخي هو الذي ابتلاني، فأنا أكره أن أردّه" (٢). ٥٤٠ - حدثنا محمد بن زياد الآدمي قال: حدثنا ابن عيينة، عن رجل، عن محمد بن علي: "أن بعض أهله اشتكى فوجد عليه، ثم أخبر بموته فسرّي عنه، فقيل له، فقال: ندعو اللَّه فيما نحب، فإذا وقع ما نكره لم نخالف اللَّه فيما أحبّ" (٣).

стр. 628

٥٤١ - حدثني أسد بن عمار التميمي قال: حدثنا سعيد بن عامر، عن جويرية بن أسماء، عن نافع قال: "اشتكى ابن لعبد اللَّه بن عمر (١) فاشتدّ وجده عليه، حتى قال بعض القوم: لقد خشينا على هذا الشيخ أن يحدث هذا الغلام حدث، فمات الغلام فخرج ابن عمر في جنازته، وما رجل أشد سرورا منه، فقيل له في ذلك، فقال ابن عمر: إنما كانت رحمة له، فلما وقع أمر اللَّه رضينا به" (٢). ٥٤٢ - حدثني سريج بن يونس، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا المسعودي، عن علي بن بذيمة، عن قيس بن حبتر قال: سمعت عبد اللَّه بن مسعود يقول: "ما هو إلا الغنى والفقر، وما أبالي بأيهما ابتدأت، إنهما سواء، إن كان الغنى إنَّ عليّ فيه لتعطّف (٣)، وإن كان فقرا إنَّ عليَّ فيه لصبر" (٤).

стр. 629

٥٤٣ - حدثني عبيد اللَّه بن جرير العتكي قال: حدثنا علي بن عثمان ابن عبد الحميد (١) قال: حدثني أبي (٢) قال: عن زياد بن زاذان قال: قال عمر بن عبد العزيز: "ما كنت على حالة من حالات الدنيا فسرَّني أني على غيرها" (٣). ٥٤٤ - حدثنا حمزة قال: أخبرنا عبدان قال: أخبرنا عبد اللَّه قال: أخبرنا هشام، عن الحسن قال: قال عبد اللَّه بن مسعود: "ما أبالي إذا رجعت إلى أهلي على أي حال أراهم أبسرّاء أم بضرّاء، وما أصبحت

стр. 630

على حال فتمنّيت أني على سواها" (١). ٥٤٥ - حدثنا علي بن الجعد قال: أخبرنا ابن عيينة، عن أبي السوداء، عن أبي مجلز لاحق بن حميد قال: قال عمر بن الخطاب: "ما أبالي على أي (٢) حال أصبحت، على ما أحب، أو على ما أكره؛ إني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره" (٣). ٥٤٦ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد قال: قال عمر بن عبد العزيز: "ما لي في الأمور هوى سوى مواقع قضاء اللَّه فيها" (٤). ٥٤٧ - حدثنا أبو سعيد المديني قال: حدثني إسحاق بن محمد

стр. 631

الفروي قال: حدثنا مالك، عن يحيى بن سعيد: أن عمر بن عبد العزيز كان يقول: "لقد تركتني هؤلاء الدعوات، وما لي في شيء من الأمور كلها أردت (١) إلا في مواقع قدر اللَّه (٢)، قال: وكان كثيرا مما يدعو بها: اللهم رضّني بقضائك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أحب تعجيل شيء أخرته، ولا تأخير شيء عجلته" (٣). ٥٤٨ - حدثني محمد قال: حدثنا أحمد، عن أبي عبد اللَّه النباجي قال: "إن في خلق اللَّه خلقا يستحيون (٤) من الصبر، لو يعلمون مواقع أقداره تلقفوها تلقفا" (٥). ٥٤٩ - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا أبي، عن منصور، عن إبراهيم: "أن أم الأسود قعدت من رجليها فجزعت ابنة

стр. 632

لها، فقالت: لا تجزعي، اللهم إن كان خيرا فزد" (١). ٥٥٠ - حدثنا حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبدان قال: أخبرنا عبد اللَّه قال: أخبرنا عمارة بن زادان، عن مكحول قال: سمعت ابن عمر يقول: "إن الرجل ليستخير اللَّه فيختار له فيتسخّط على ربه، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة، فإذا هو قد خير له" (٢). ٥٥١ - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا المحاربي، عن سفيان قال: "كنا نعود زبيد اليامي فنقول: استشف اللَّه؟ فيقول: اللهم خر لي، اللهم خر لي" (٣).

стр. 633

٥٥٢ - حدثني زياد بن أيوب قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: حدثني جعفر بن محمد من الأبناء (١) قال: "ذكروا عند رابعة العدوية (٢) عابدا كان في بني إسرائيل، لا ينزل في كل سنة إلا مرة، ينزل من متعبّده فيأتي مزبلة على باب الملك فيتقمّم من فضول مائدته، فقال رجل عندها: وما على هذا إذ كان في هذه المنزلة أن يسأل اللَّه أن يجعل رزقه من غير هذا؟ فقالت رابعة: يا هذا، إن أولياء اللَّه إذا قضى لهم قضاء لم يتسخّطوه" (٣). ٥٥٣ - حدثنا داود بن رشيد قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبيد اللَّه، عن أبي مسلم: "أنه دخل على أبي الدرداء في اليوم الذي قبض فيه، وكان عندهم في العزّ

стр. 634

كأنفسهم، فجعل أبو مسلم يكبّر، فقال أبو الدرداء: أجل، فهكذا فقولوا؛ فإن اللَّه ﵎ إذا قضى قضاء أحبّ أن يرضى" (١). ٥٥٤ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني إبراهيم بن داود قال: قال بعض الحكماء: "إن للَّه عبادا يستقبلون المصائب بالبِشْر، أولئك الذين صفت من الدنيا قلوبهم" (٢). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة حرص السلف على موافقة مشيئة اللَّه فيما قضاه وأحبه، وأن أحب شيء إليهم هو أحب شيء إلى اللَّه، وأن الذي

стр. 635

هوّن عليهم البلاء رؤيتهم القدر وأن اللَّه أراد بهم ذلك، وهو أعلم بعباده فلم يعارضوا هذه الإرادة بإرادة غيرها، وأنهم لا يحبون أن يردوا قضاء اللَّه، وفي أثر محمد بن علي وابن عمر ﵁ بيان قاعدة مهمة في هذا الباب وهي أنهم يدعون اللَّه قبل وقوع البلاء فإذا وقع لم يخالفوا ما أحب اللَّه وقوعه بل رضوا به وسلموا له، ومن هنا نظروا إلى ما أوجب اللَّه عليهم في حالتي السراء والضراء، ولم يلتفتوا إلى تسخط القضاء ومعارضته، بل نظروا إلى واجب اللَّه عليهم فيه، فإن كان سراء شكروا، وإن كان ضراء صبروا أو رضوا، كما في أثر ابن مسعود ﵁، ولذلك لم يبالوا على أي الحالين أصبحوا، وفي أيهما كانوا، وقد زاد عمر بن الخطاب ﵁ هذا المعنى شرحا بأنه لا يدري الخير في أي الحالين، ولذلك لم يتمنوا على اللَّه شيئًا سوى ما قدَّره، وقد عبر بعضهم عن هذا المعنى بأن سال اللَّه أن يختار له كما في أثر زبيد اليامي. ولما شرح ابن رجب ﵀ منزلة الرضا، ومعنى أقوال السلف الواردة في موافقتهم ما أحبه اللَّه من القضاء قال: "الرضا أن لا يتمنى غير ما هو عليه من شدة ورخاء، كذا روي عن عمر وابن مسعود وغيرهما. . . فمن وصل إلى هذه الدرجة كان عيشه كله في نعيم وسرور، قال اللَّه تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوأُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (١). . . وأهل الرضا تارة يلاحظون حكمة المبتلي،
следующие страницы →