← Акыда

Акыда · id 151178

الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا

حميد بن أحمد نعيجات

Полный текст (1 390 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الفروي قال: حدثنا مالك، عن يحيى بن سعيد: أن عمر بن عبد العزيز كان يقول: "لقد تركتني هؤلاء الدعوات، وما لي في شيء من الأمور كلها أردت (١) إلا في مواقع قدر اللَّه (٢)، قال: وكان كثيرا مما يدعو بها: اللهم رضّني بقضائك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أحب تعجيل شيء أخرته، ولا تأخير شيء عجلته" (٣). ٥٤٨ - حدثني محمد قال: حدثنا أحمد، عن أبي عبد اللَّه النباجي قال: "إن في خلق اللَّه خلقا يستحيون (٤) من الصبر، لو يعلمون مواقع أقداره تلقفوها تلقفا" (٥). ٥٤٩ - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا أبي، عن منصور، عن إبراهيم: "أن أم الأسود قعدت من رجليها فجزعت ابنة

стр. 632

لها، فقالت: لا تجزعي، اللهم إن كان خيرا فزد" (١). ٥٥٠ - حدثنا حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبدان قال: أخبرنا عبد اللَّه قال: أخبرنا عمارة بن زادان، عن مكحول قال: سمعت ابن عمر يقول: "إن الرجل ليستخير اللَّه فيختار له فيتسخّط على ربه، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة، فإذا هو قد خير له" (٢). ٥٥١ - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا المحاربي، عن سفيان قال: "كنا نعود زبيد اليامي فنقول: استشف اللَّه؟ فيقول: اللهم خر لي، اللهم خر لي" (٣).

стр. 633

٥٥٢ - حدثني زياد بن أيوب قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: حدثني جعفر بن محمد من الأبناء (١) قال: "ذكروا عند رابعة العدوية (٢) عابدا كان في بني إسرائيل، لا ينزل في كل سنة إلا مرة، ينزل من متعبّده فيأتي مزبلة على باب الملك فيتقمّم من فضول مائدته، فقال رجل عندها: وما على هذا إذ كان في هذه المنزلة أن يسأل اللَّه أن يجعل رزقه من غير هذا؟ فقالت رابعة: يا هذا، إن أولياء اللَّه إذا قضى لهم قضاء لم يتسخّطوه" (٣). ٥٥٣ - حدثنا داود بن رشيد قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبيد اللَّه، عن أبي مسلم: "أنه دخل على أبي الدرداء في اليوم الذي قبض فيه، وكان عندهم في العزّ

стр. 634

كأنفسهم، فجعل أبو مسلم يكبّر، فقال أبو الدرداء: أجل، فهكذا فقولوا؛ فإن اللَّه ﵎ إذا قضى قضاء أحبّ أن يرضى" (١). ٥٥٤ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني إبراهيم بن داود قال: قال بعض الحكماء: "إن للَّه عبادا يستقبلون المصائب بالبِشْر، أولئك الذين صفت من الدنيا قلوبهم" (٢). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة حرص السلف على موافقة مشيئة اللَّه فيما قضاه وأحبه، وأن أحب شيء إليهم هو أحب شيء إلى اللَّه، وأن الذي

стр. 635

هوّن عليهم البلاء رؤيتهم القدر وأن اللَّه أراد بهم ذلك، وهو أعلم بعباده فلم يعارضوا هذه الإرادة بإرادة غيرها، وأنهم لا يحبون أن يردوا قضاء اللَّه، وفي أثر محمد بن علي وابن عمر ﵁ بيان قاعدة مهمة في هذا الباب وهي أنهم يدعون اللَّه قبل وقوع البلاء فإذا وقع لم يخالفوا ما أحب اللَّه وقوعه بل رضوا به وسلموا له، ومن هنا نظروا إلى ما أوجب اللَّه عليهم في حالتي السراء والضراء، ولم يلتفتوا إلى تسخط القضاء ومعارضته، بل نظروا إلى واجب اللَّه عليهم فيه، فإن كان سراء شكروا، وإن كان ضراء صبروا أو رضوا، كما في أثر ابن مسعود ﵁، ولذلك لم يبالوا على أي الحالين أصبحوا، وفي أيهما كانوا، وقد زاد عمر بن الخطاب ﵁ هذا المعنى شرحا بأنه لا يدري الخير في أي الحالين، ولذلك لم يتمنوا على اللَّه شيئًا سوى ما قدَّره، وقد عبر بعضهم عن هذا المعنى بأن سال اللَّه أن يختار له كما في أثر زبيد اليامي. ولما شرح ابن رجب ﵀ منزلة الرضا، ومعنى أقوال السلف الواردة في موافقتهم ما أحبه اللَّه من القضاء قال: "الرضا أن لا يتمنى غير ما هو عليه من شدة ورخاء، كذا روي عن عمر وابن مسعود وغيرهما. . . فمن وصل إلى هذه الدرجة كان عيشه كله في نعيم وسرور، قال اللَّه تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوأُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (١). . . وأهل الرضا تارة يلاحظون حكمة المبتلي،

стр. 636

وخِيرَتَه لعبده في البلاء، وأنه غير مُتَّهَمٍ في قضائه، وتارة يلاحظون ثواب الرضا بالقضاء، فينسيهم ألم المقضي به، وتارة يلاحظون عظمة المبتلي، وجلاله، وكماله، فيستغرقون في مشاهدة ذلك، حتى لا يشعروا بالألم، وهذا يصل إليه خواص أهل المعرفة والمحبة، حتى ربما تلذذوا بما أصابهم؛ لملاحظتهم صدوره عن حبيبهم" (١). وناقش ابن القيم ﵀ شيخ الإسلام الهروي في تعريفه الرضا عن اللَّه بقوله: "الرضا عنه في كل ما قضى" (٢)، فقال: "الرضا عنه وإن كان من أَجَلِّ الأمور، وأشرف أنواع العبودية، فلم يطالب به العموم، لعجزهم ومشقته عليهم، وأوجبته طائفة واحتجوا بحجج. . . أن الرب ﵎ يختار شيئًا ويرضاه، فلا يختاره العبد ولا يرضاه، وهذا مناف للعبودية"، فأجابهم بقوله: "هذا موضع تفصيل، لا يسحب عليه ذيل النفي والإثبات، فاختيار الرب تعالى لعبده نوعان: أحدهما: اختيار ديني شرعي، فالواجب على العبد أن لا يختار في هذا النوع غير ما اختاره له سيده. . . فاختيار العبد خلاف ذلك مناف لإيمانه، وتسليمه ورضاه باللَّه ربا، وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا. النوع الثاني: اختيار كوني قدري، لا يسخطه الرب، كالمصائب

стр. 637

التي يبتلى اللَّه بها عبده، فهذا لا يضره فراره منها إلى القدر الذي يرفعها عنه، ويدفعها، ويكشفها، وليس في ذلك منازعة للربوبية، وإن كان فيه منازعة للقدر بالقدر، فهذا يكون تارة واجبا، وتارة يكون مستحبا، وتارة يكون مباحا مستوى الطرفين، وتارة يكون مكروها، وتارة يكون حراما، وأما القدر الذي لا يحبه ولا يرضاه مثل قدر المعائب، والذنوب، فالعبد مأمور بسخطها، ومنهي عن الرضى بها، وهذا هو التفصيل الواجب في الرضى بالقضاء، وقد اضطرب الناس في ذلك اضطرابا عظيما، ونجا منه أصحاب الفرق والتفصيل؛ فإن لفظ الرضى بالقضاء لفظ محمود مأمور به، وهو من مقامات الصديقين، فصارت له حرمة أوجبت لطائفة قبوله من غير تفصيل، وظنوا أن كل ما كان مخلوقا للرب تعالى فهو مقضي مرضي، مخلوقا له ينبغي له الرضى به". وهناك تقسيم آخر للقدر الكوني باعتبار ملاءمته للنفس ومنافرته لها، والمراد رضا العبد "بحسن اختيار اللَّه له، وليس المراد استواؤها عنده في ملاءمته ومنافرته، فإن هذا خلاف الطبع البشري، بل خلاف الطبع الحيواني" (١)، قال ابن القيم: "الرضى بالقضاء الكوني القدري الموافق لمحبة العبد، وإرادته، ورضاه، من الصحة، والغنى، والعافية، واللذة، أمر لازم بمقتضى الطبيعة؛ لأنه ملائم للعبد محبوب له، فليس في الرضى به عبودية، بل العبودية في مقابلته بالشكر. . . والرضى بالقضاء الكوني القدري الجاري

стр. 638

على خلاف مراد العبد ومحبته، مما لا يلائمه، ولا يدخل تحت اختياره مستحب، وهو من مقامات أهل الإيمان، وفي وجوبه قولان، وهذا كالمرض، والفقر، وأذى الخلق له، والحر والبرد، والآلام ونحو ذلك" (١). وعلى كل حال فإن العبد مأمور بعبودية اللَّه في كل حالاته "فعبودية أمره الكوني القدري: أن لا يتقدم بين يديه إلا حيث كانت المصلحة الراجحة في ذلك، فيكون التقدم أيضًا بأمره الكوني والديني، فإذا كان فرضه الصبر، أو ندبه، أو فرضه الرضى، حتى ترك ذلك فقد تقدم بين يدي شرعه وقدره" (٢)، وقد ذكر ﵀ أوجه استواء رضا العبد بالنعمة والبلية فبلغت اثنان وستون وجها (٣). وهنا مسألة وردت في أثناء بعض الآثار وهي ترك بعض السلف الدعاء، وأن ذلك من تمام الرضا، أو من شرطه؛ كأثر إبراهيم التيمي الذي ترك الدعاء لأن في الابتلاء أجرا، أو أثر ابن عمير في الذي ترك الدعاء وكان يعرف اسم اللَّه الأعظم كي لا يرد قضاء اللَّه، أو أثر زبيد اليامي الذي ترك سؤال اللَّه وفضّل اختياره له عن اختياره لنفسه، فكان يقول: "اللهم خر لي" إذا طلب منه أن يستشفي اللَّه، وأثر رابعة العدوية عن قصة الإسرائيلي الذي كان يأكل من القمامة، وترك دعاء اللَّه أن يجعل

стр. 639

رزقه من غير ذلك، وتعليلها بأن أولياء اللَّه إذا قضي لهم قضاء كرهوا أن يتسخطوه، وهذه مسألة مهمة جدا، تحتاج إلى تفصيل وليست على إطلاقها، ولذلك قال ابن القيم: "هذا يصح في وجه دون وجه؛ فيصح إذا كان الداعي يلح في الدعاء بأغراضه وحظوظه العاجلة، وأما إذا ألحّ على اللَّه في سؤاله بما فيه رضاه والقرب منه، فإن ذلك لا ينافي الرضا أصلا. . . بل الذي ينافي الرضا أن يلح عليه متحكما عليه، متخيرا عليه ما لم يعلم: هل يرضيه أم لا؟ كمن يلحّ علي ربه في ولاية شخص، أو إغنائه أو قضاء حاجته، فهذا ينافي الرضا؛ لأنه ليس على يقين أن مرضاة الرب في ذلك" (١). وعلاقة الرضا بالدعاء علاقة وطيدة، وذلك أن المطلوب من العبد طاعة اللَّه ورضاه في كل حال؛ فإن كان الدعاء مأمورا به أمر إيجاب، أو استحاب، وجب فعله، أو استحب، والواجب والمستحب من جملة الرضا فكيف يعارضه، وإن كان الدعاء محرما، أو مكروها، حَرُم، أو كُرِه، ومن فعله كان متسخطا وغير راض، أما إن كان مباحا مستوي الطرفين، فهو مثله مستو الطرفين، ولا يكون ساخطا أو راضيا، إلا بأمر يضاف إليه، ليخرجه عن الإباحة، إلى الدرجتين السابقتين من الحرمة والكراهة، أو الوجوب والاستحباب، وهذا كالأكل والشرب واللباس، فإنه لا ينافي الرضا، وليس ترك ذلك من شرط الرضا، لكن قد يأخذ كل واحد من

стр. 640

هذه الأمور حكما آخر غير الإباحة، لأمر خارجي اتصل به، ولذلك غلط من غلط في هذا الباب بأحد أمرين؛ إما أنه ظن بأن الرضا بكل مقدور أمر يحبه اللَّه ويرضاه، والثاني أنهم لم يفرقوا بين أنواع الدعاء وأحكامه الخمسة التكليفية، وهذا الذي أدخل كثيرا منهم في الرهبانية، والخروج عن شريعة اللَّه، حتى تركوا الأكل والشرب واللباس والنكاح وما لا تتم مصلحة دينهم إلا به (١). ومن هنا يتبيّن أن من ادعى من الصوفية أن الدعاء يقدح في الرضا مطلقا فقد غلط غلطا بيّنا، ولذلك بوّب البخاري باب ما رخص للمريض أن يقول: إني وجع، أو وارأساه، أو اشتد بي الوجع، قال ابن حجر: "لعل البخاري أشار إلى أن مطلق الشكوى لا يُمْنَع، ردا على من زعم من الصوفية أن الدعاء بكشف البلاء يقدح في الرضا والتسليم، فنَبَّه على أن الطلب من اللَّه ليس ممنوعا بل فيه زيادة عبادة" (٢).

стр. 641

المطلب الخامس: الآثار الواردة في علاقة الرضا بالمعرفة . ٥٥٥ - حدثني محمد بن إسحاق قال: "قيل لبعض العلماء: بم يبلغ أهل الرضى الرضا؟ قال: بالمعرفة، وإنما الرضا غصن من أغصان المعرفة" (١). ٥٥٦ - حدثني محمد بن الحسين، قال: حدثنا داود بن المحبر، قال: ثنا صالح المري، عن أبي عمران الجوني، عن أبي الجلد: "كان لنا جار، وكان أثر الفاقة والسكينة عليه، فقلت له: لو عالجت شيئًا، لو طلبت شيئًا؟ قال: يا أبا الجلد، وأنت تقول هذا؟ من عرف ربّه فلم يستغن فلا أغناه اللَّه" (٢). ٥٥٧ - حدثني أبو محمد القاسم بن هاشم البزاز، عن محمد بن عبد اللَّه الحذاء، قال سمعت أبا عبد الرحمن العمري: "كنت جنينا في بطن أمي وكان يؤتى برزقي حتى يوضع في فمي، حتى إذا كبرت وعرفت ربي ساء ظني، فأي عبد أشر مني" (٣). ٥٥٨ - حدثني إبراهيم بن الحسين، قال: قال لي رجل من أصحابنا: "ضاعت نفقتي مرة وأنا في بعض الثغور، فأصابتني حاجة شديدة، فإني في

стр. 642

بعض أيامى لَكَذَلِك أفكر في جهد ما أنا فيه إذ خرج رجل من المتعبّدين من أحسن من رأيت وجها وهو يقول: تبارك اللَّه وسبحانه ... من جهل اللَّه فذاك الفقر من ذا الذي تلزمه فاقة ... وذخره اللَّه العليّ الكبير قال: فكأنما ملئت غنى، وذهب عني ما كنت أجده" (١). ٥٥٩ - حدثني علي بن الحسن بن موسى، عن محمد بن سعيد قال: أخبرنا أشعث بن شعبة قال: قال ابن عون: "ارض بقضاء اللَّه على ما كان من عسر ويسر؛ فإن ذلك أقلّ لهمّك، وأبلغ فيما تتطلب من آخرتك، واعلم أن العبد لن يصيب حقيقة الرضا حتى يكون رضاه عند الفقر والبلاء كرضاه عند الغنى والبلاء، كيف تستقضى اللَّه في أمرك ثم تسخط إن رأيت قضاء مخالفا لهواك، ولعل ما هويت من ذلك لو وفّق لك لكان فيه هلكتك، وترضى قضاءه إذا وافق هواك، وذلك لقلّة علمك بالغيب، وكيف تستقضيه إن كنت كذلك، ما أنصفت من نفسك، ولا أصبت باب الرضا" (٢).

стр. 643

٥٦٠ - حدثنا زياد بن أيوب قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: حدثنا أبو عمرو الكندي (١) قال: "أغارت الروم على جواميس (٢) لبضير الطبري نحو من أربعمائة جاموس، قال: فاستركبني فركبت معه أنا وابن له، قال: فلقينا عبيدة الذين كانوا مع الجواميس معهم قالوا: يا مولانا ذهبت الجواميس فقال: وأنتم أيضًا فاذهبوا معها، فأنتم أحرار لوجه اللَّه، فقال له ابنه: يا أباه أفقرتنا، فقال: اسكت يا بنيّ إن ربي اختبرني، فأحببت أن أزيده" (٣). ٥٦١ - حدثني أحمد بن العباس النمري قال: حدثني يونس بن محمد المكي (٤) قال: "زرع رجل من أهل الطائف زرعا، فلما بلغ أصابته آفة

стр. 644

فاحترق، فدخلنا عليه نواسيه عنه فبكى وقال: واللَّه ما عليه أبكي، ولكن سمعت اللَّه ﵎ يقول: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ (١)، فأخاف أن أكون من هذه الصفة، فذلك الذي أبكاني" (٢). ٥٦٢ - حدثنا الحسين بن عبد الرحمن قال: "كتب بكر بن المعتمر إلى أبي العتاهية (٣) من السجن يشكو إليه طول الحبس، وشدة الغمّ، فكتب إليه: هي الأيام والغِيَرُ (٤) ... وأمر اللَّه ينتظر أتيأس أن ترى فرجا ... فأين اللَّه والقدر (٥)

стр. 645

التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة بيان علاقة المعرفة بالرضا بالقضاء والقدر؛ وأن الرضا غصن من أغصان المعرفة، كما في أثر ابن إسحاق، حيثما بيّن أن بلوغ الرضا يكون بالمعرفة، ثم الآثار التي بعده تؤكد هذا المعنى، حيثما تضمنت أن رضا السلف بحالهم التي كانوا عليها إنما حصل لهم بالمعرفة، فمن عرف ربه استغنى عن الناس، ولم يسُؤ ظنه به، والفقير هو الذي جهل اللَّه، وأن الذي يرضى بالقضاء الموافق لهواه، ويتسخط المخالف لهواه إنما أوتي لقلة علمه بالغيب، ولذلك عامل بشير الطبري ربه بمقتضى هذه المعرفة فأعتق عبيدة بعد سرقة جواميسه، رغبة فيما عند اللَّه من الأجر، وكذا المزارع الذي أصابت الآفة زرعه، فبكى خوفا من أيكون ذلك بسبب ذنب اقترفه، فيكون من الظالمين، وأجاب أبو العتاهية من شكى إليه طول السجن، بأن لا ييأس من الفرج، وهو يعرف أنه من اللَّه وبقضائه، وبهذا كله يتبيّن أهمية المعرفة وأثرها على الرضا بالقضاء والقدر، وأنه كلما قويت معرفة العبد كان أرضا لحكمه، وأتبع لدينه وأمره، وأبعد عن نهيه وسخطه، وقد سبق في الفصل الأول بيان فضل المعرفة واستلزامها للعبادة ومن أجل العبادات العباداتُ القلبية كالرضا والتسليم للقدر، قال ابن القيم: "من عرف اللَّه صفا له

стр. 646

العيش، وطابت له الحياة. . . وأورثته المعرفة: الحياء من اللَّه، والتعظيم له والإجلال، والمراقبة والمحبة، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والرضا به، والتسليم لأمره" (١)، ووجه هذه المعرفة التي تثمر هذا الرضا هو: "أن يعلم أن منع اللَّه لعبده المؤمن المحب عطاء، وابتلاءه إياه عافية، قال سفيان الثوري: منعه عطاء، وذلك أنه لم يمنع عن بخل ولا عدم، وإنما نظر في خير عبده المؤمن، فمنعه اختيار، وحسن نظر، وهذا كما قال. . . ولكن لجهل العبد وظلمه، لا يعد العطاء والنعمة والعافية إلا ما التذ به في العاجل، وكان ملائما لطبعه، ولو رزق من المعرفة حظا وافرا لعد المنع نعمة، والبلاء رحمة. . . وهذه كانت حال السلف. . . فالراضي هو الذي يعد نعم اللَّه عليه فيما يكرهه أكثر وأعظم من نعمه عليه فيما يحبه" (٢)، وقال: "من صحت له معرفة ربه، والفقه في أسمائه وصفاته، علم يقينا أن المكروهات التي تصيبه، والمحن التي تنزل به، فيها ضروب من المصالح والمنافع التي لا يحصيها علمه ولا فكرته، بل مصلحة العبد فيما يكره أعظم منها فيما يحب؛ فعامة مصالح النفوس في مكروهاتها، كما أن عامة مضارها وأسباب هلكتها في محبوباتها، فأنظر إلى غارس جنة من الجنات، خبير بالفلاحة، غرس جنة، وتعاهدها بالسقي والإصلاح، حتى أثمرت أشجارها، فأقبل عليها يفصل أوصالها، ويقطع أغصانها، لعلمه أنها لو

стр. 647

خليت على حالها، لم تطب ثمرتها، فيطعمها من شجرة طيبة الثمرة، حتى إذا التحمت بها، واتحدت، وأعطت ثمرتها، أقبل يقلمها، ويقطع أغصانها الضعيفة، التي تذهب قوتها، ويذيقها ألم القطع، والحديد، لمصلحتها، وكمالها، لتصلح ثمرتها أن تكون بحضرة الملوك، ثم لا يدعها ودواعي طبعها من الشرب كل وقت، بل يعطشها وقتا، ويسقيها وقتا، ولا يترك الماء عليها دائما، وإن كان ذلك أنضر لورقها، وأسرع لنباتها، ثم يعمد إلى تلك الزينة التي زينت بها من الأوراق، فيلقى عنها كثيرا منها؛ لأن تلك الزينة تحول بين ثمرتها وبين كمال نضجها واستوائها، كما في شجر العنب ونحوه، فهو يقطع أعضاءها بالحديد، ويلقى عنها كثيرا من زينتها، وذلك عين مصلحتها فلو أنها ذات تمييز وإدراك كالحيوان، لتوهمت أن ذلك إفساد لها، وإضرار بها، وإنما هو عين مصلحتها. . . فأحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، وأعلم العالمين الذي هو أرحم بعباده منهم بأنفسهم ومن آبائهم وأمهاتهم، إذا أنزل بهم ما يكرهون كان خيرا لهم من أن لا ينزله. . ولو مكنوا من الاختيار لأنفسهم لعجزوا عن القيام بمصالحهم، علما وإرادة وعملا، لكنه سبحانه تولى تدبير أمورهم، بموجب علمه، وحكمته، ورحمته، أحبوا أم كرهوا، فعرف ذلك الموقنون بأسمائه وصفاته، فلم يتهموه في شيء من أحكامه، وخفى ذلك على الجهال به، وبأسمائه، وصفاته. . . ومتى ظفر العبد بهذه المعرفة سكن في الدنيا قبل الآخرة، في جنة لا يشبه فيها إلا نعيم الآخرة. . . وهذا الرضا هو بحسب معرفته بعدل

стр. 648

اللَّه، وحكمته، ورحمته، وحسن اختياره، فكلما كان بذلك أعرف كان به أرضى" (١).

стр. 649

المطلب السادس: الآثار الواردة في الفرق بين الرضا بالقدر والصبر عليه، وبين العزم على ذلك . ٥٦٣ - حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدثنا محمد بن كثير، عن سليمان الخواص قال: مات ابن لرجل فحضره عمر بن عبد العزيز، فكان الرجل حسن العزاء، فقال رجل من القوم: هذا واللَّه الرضا، فقال عمر بن عبد العزيز: أو الصبر، قال سليمان: الصبر دون الرضا، الرضا أن يكون الرجل قبل نزول المصيبة راضيا بأي ذلك كان، والصبر أن يكون بعد نزول المصيبة يصبر" (١). ٥٦٤ - حدثني زكريا بن عبد اللَّه التميمي، أن محمد بن عبد اللَّه القرشي حدثه، أن أباه حدثه: أن سليمان بن عبد الملك قال لعمر بن عبد العزيز عند موت ابنه: "أيصبر المؤمن حتى لا يجد لمصيبته ألما؟ قال: يا أمير المؤمنين لا يستوي عندك ما تحب وما تكره، ولكن الصبر معوَّل المؤمن" (٢).

стр. 650

٥٦٥ - حدثني محمد بن إدريس الرازي قال: حدثني أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني قال: "أرجو أن أكون قد رزقت من الرضا طرفا، لو أدخلني النار لكنت بذلك راضيا" (١). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة ذكر الفرق بين الصبر والرضا، وبين الرضا والعزم على الرضا، فورد في أثر سليمان الخواص أن الفرق بينهما أن الرضا يكون قبل وقوع المصيبة راضيا بأي ذلك كان، فإذا وقعت صبر، وإن كان في نفس الأثر ورد ذكر الفرق بينهما عن عمر بن عبد العزيز في إشارة إلى أن درجة الصبر دون درجة الرضا، من غير بيان لنوع الفرق، وهو مفسَّر في الأثر الثاني بأن الرضا هو أن يستوي عندك ما تحب وما تكره (٢)، والصبر دون ذلك وهو معوّل المؤمن، فهو لا يستوي عنده ما يحب وما يكره، لكنه يصبر على ما يكره، كما أن أثر الداراني فيه الفرق بين الرضا والعزم على الرضا. ولا شك أن الرضا درجة أعلى من الصبر كما قال ابن رجب:

стр. 651

"الصبر كف النفس وحبسها عن السخط، مع وجود الألم، وتمني زوال ذلك، وكف الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع، والرضا انشراح الصدر، وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال الألم، وإن وجد الإحساس بألم، لكن الرضا يخففه ما يباشر القلب، من روح اليقين والمعرفة، وإذا قوي الرضا فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية" (١). لكن ليس من شرط الرضا ألا يحس بالألم والمكاره، بل من شرطه ألا يعترض الحكم ولا يتسخطه، وقد ذكر ابن القيم ﵀ لذلك مثالا جيدا فقال: "المريض الشارب للدواء الكريه، متألم بصومه، راض به، والصائم في شهر رمضان، في شدة الحر، متألم بصومه، راض به، والبخيل متالم بإخراج زكاة ماله، راض بها، فالتألم كما لا ينافي الصبر، لا ينافي الرضا به" (٢). أما الذي يكون قبل المصيبة فليس رضا وإنما هو عزم على الرضا قال شيخ الإسلام: "ما يكون قبل القضاء فهو عزم على الرضا، لا حقيقة للرضا، ولهذا كان طائفة من المشايخ يعزمون على الرضا قبل وقوع البلاء، فإذا وقع انفسخت عزائمهم كما يقع نحو ذلك في الصبر وغيره" (٣). ثم شرح هذا الكلام بقوله: "ما قاله أبو سليمان ليس هو رضا،

стр. 652

وإنما هو عزم على الرضا، وإنما الرضا ما يكون بعد القضاء، وإن كان هذا عزما، فالعزم قد يدوم، وقد ينفسخ، وما أكثر انفساخ العزائم، خصوصا عزائم الصوفية. . . ومثل هذا ما يذكرونه عن سمنون المحب، أنه كان يقول: وليس في سواك حظ، فكيفما شئت فاختبرني، فأخذه العسر من ساعته، أي حصر بوله، فكان يدور على المكاتب، ويفرق الجوز على الصبيان، ويقول: ادعوا لعمكم الكذاب" (١). وهنا لطيفة يجب التنبه لها وهي أن العزم على الرضا منوط بالشرع فلا يجوز العزم على الرضا بما لم يشرع للمرء الرضا به، وقد أوفى ابن القيم ﵀ هذا المقام حقه في مدارج السالكين فقال: "وأما رضاه بمراده منه وإن عذبه: فهذا هو الرعونة كل الرعونة؛ فإن مراده سبحانه نوعان: مراد يحبه ويرضاه؛ ويمدح فاعله ويواليه؛ فموافقته في هذا المراد هي عين محبته، وإرادة خلافه رعونةٌ ومعارضةٌ واعتراضٌ، ومراد يبغضه ويكرهه، ويمقت فاعله ويعاديه، فموافقته في هذا المراد عين مشاقته ومعاداته ومخالفته والتعرض لمقته وسخطه، فهذا الموضع موضع فرقان، فالموافقة كل الموافقة معارضة هذا المراد واعتراضه بالدفع والرد بالمراد الآخر، فالعبودية الحق: معارضة مراده بمراده، ومزاحمة أحكامه بأحكامه، فاستسلامه لهذا المراد المكروه المسخوط وما يوجبه ويقتضيه عين الرعونة، والخروج عن العبودية، وهو عين الدعوى الكاذبة؛ إذ لو كان مصدر ذلك

стр. 653

الاستسلام والموافقة وترك الاعتراض والمعارضة لكان ذلك مخصوصا بمحابه ومراضيه وأوامره التي الاستسلام لها والموافقة فيها، وترك معارضتها والاعتراض عليها هو عين المحبة والموالاة. . . ومن العجب: دعواهم خروجهم عن نفوسهم، وهم أعظم الناس عبادة لنفوسهم، وليس الخارج عن نفسه إلا من جعلها حبسا على مراد اللَّه الدينى الأمري النبوي، وبذلها للَّه في إقامة دينه، وتنفيذه بين أهل العناد والمعارضة والبغي، فانغمس فيهم يمزقون أديمه، ويرمونه بالعظائم، و. . .، قد تجرد عن الأوضاع والقيود والرسوم، وتعلق بمراضي الحي القيوم، مقامه ساعة في جهاد أعداء اللَّه، ورباطه ليلة على ثغر الإيمان، آثر عنده وأحب إليه من فناء ومشاهدات وأحوال، هي أعظم عيش النفس، وأعلى قوتها، وأوفر حظها، ويزعم أنه قد خرج عن نفسه فكيف حظها؟ ! ، ولعله قد خرج عن مراد ربه من عبوديته إلى عين مراده وهو حظه، ولو فتش نفسه لرأى ذلك فيها عيانا، وهل الرعونة كل الرعونة إلا دعواه أنه يحب ربه لعذابه لا لثوابه، وأنه إذا أحبه وأطاعه للثواب كان ذلك حظا وإيثارا لمراد النفس، بخلاف ما إذا أحبه وأطاعه ليعذبه فإنه لا حظ للنفس في ذلك، فواللَّه ليس في أنواع الرعونة والحماقة أقبح من هذا ولا أسمج، وماذا يلعب الشيطان بالنفوس، وإن نفسا وصل بها تلبيس الشيطان إلى هذه الحالة لمحتاجة إلى سؤال المعافاة، فزن أحوال الأنبياء والرسل والصديقين وسؤالهم ربهم على أحوال هؤلاء الغالطين الذين مرجت بهم نفوسهم ثم قايس بينهما وانظر

стр. 654

التفاوت. . . -ثم ذكر آيات وأحاديث في تعوذهم من عذاب اللَّه وبلائه وسؤالهم العافية والسلام- فأين هذا من حال من قال: لا أحبك لثوابك؛ لأنه عين حظي، وإنما أحبك لعقابك؛ لأنه لاحظ لي فيه. . . فهذا وأمثاله أحسن ما يقال فيهم: إنه شطح قد يعذر فيه صاحبه إذا كان مغلوبا على عقله كالسكران ونحوه، ولا تهدر محاسنه ومعاملاته وأحواله وزهده، ولكن الذي ينكر كون هذا من الأحوال الصحيحة والمقامات العلية التي يتعاطاها العبد، ويشمر إليها، فهذا الذي لا تلبس عليه الثياب، ولا تصبر عليه نفوس العلماء" (١).

стр. 655

المبحث الثامن: الآثار الواردة في ذم القدرية والتحذير منهم . ٥٦٦ - حدثني يحيى بن عبد اللَّه المقدمي، حدثني عبد الوهاب بن يزيد الكندي قال: "رأيت أبا عمر الضرير في النوم فقلت: ما فعل اللَّه بك؟ قال: غفر لي ورحمني، قلت: فأي الأعمال وجدت أفضل؟ قال: ما أنتم عليه من السنة والعلم، قلت: فأي الأعمال وجدت شرًّا؟ قال: احذر الأسماء، قلت: وما الأسماء؟ قال: قدري، معتزلي، مرجئ، فجعل يعد أصحاب الأهواء" (١). ٥٦٧ - حدثنا أبو إسحاق الأزدي، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: سألت مالك بن أنس عن القدري والمخنث؛ أيجوز لي أن أجعله سترا بين يدي؟ فقال: "إذا تحققت أنهما كذلك فلا تجعلهما سترة في الصلاة" (٢). التحليل والتعليق تضمن الأثران السابقان التحذير من أهل القدر وذمهم، وقد سبق هذان الأثران في الباب الأول من هذه الرسالة في المطلب الأول: التحذير من أهل البدع والرأي والقياس الفاسد، ولا شك أن بدعة القدر من أوائل البدع ظهورا وكان السلف أشد إنكارا لها وتحذيرا من أهلها، قال شيخ الإسلام: "لم يكن على عهد الخلفاء الراشدين أحد ينكر القدر، فلما ابتدع هؤلاء التكذيب بالقدر رده عليهم من بقى من الصحابة، كعبد اللَّه

стр. 656

ابن عمر، وعبد اللَّه بن عباس، وواثلة بن الأسقع، وكان أكثره بالبصرة والشام، وقليل منه بالحجاز، فأكثر كلام السلف في ذم هؤلاء القدرية، ولهذا قال وكيع بن الجراح القدرية: يقولون الأمر مستقبل، وإن اللَّه لم يقدر الكتابة والأعمال. . . وهو كله كفر. . . ولكن لما اشتهر الكلام في القدر، ودخل فيه كثير من أهل النظر، والعباد، صار جمهور القدرية يقرون بتقدم العلم، وإنما ينكرون عموم المشيئة والخلق. . . وقول أولئك كفرهم عليه مالك، والشافعي، وأحمد وغيرهم، وأما هؤلاء فهم مبتدعون ضالون، لكنهم ليسوا بمنزلة أولئك، وفي هؤلاء خلق كثير من العلماء، والعباد كتب عنهم العلم، وأخرج البخاري ومسلم لجماعة منهم، لكن من كان داعية إليه، لم يخرجوا له، وهذا مذهب فقهاء أهل الحديث كأحمد وغيره أن من كان داعية إلى بدعة فإنه يستحق العقوبة، لدفع ضرره عن الناس، وإن كان في الباطن مجتهدا، وأقل عقوبته أن يهجر، فلا يكون له مرتبة في الدين، لا يؤخذ عنه العلم، ولا يستقضى، ولا تقبل شهادته، ونحو ذلك" (١)، وقال: "قد رويت أحاديث في ذم القدرية والمرجئة، روى بعضها أهل السنن، كأبي داود، وابن ماجه، وبعض الناس يثبتها ويقويها، ومن العلماء من طعن فيها، وضعفها، ولكن الذي ثبت في ذم القدرية ونحوهم هو عن الصحابة كابن عمر وابن عباس" (٢).

стр. 657

المبحث التاسع: الآثار الواردة في براءة الحسن البصري من القدر ٥٦٨ - حدثنا يعقوب بن إبراهيم العبدي، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن منصور بن عبد الرحمن قال: "كنت جالسا مع الحسن فقال لي رجل اسأله عن قول اللَّه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (١)، فسألته عنها فقال: سبحان اللَّه من يشكّ في هذا؟ كل مصيبة بين السماء والأرض، ففى كتاب من قبل أن تبرأ النسمة" (٢). ٥٦٩ - حدثنا أبو جعفر الصفار قال: حدثنا حماد بن زيد، عن خالد الحذّاء (٣) قال: "خرجت إلى فارس (٤)، فجئت وقد رمي الحسن بالقدر، فأتيته فقلت: يا أبا سعيد، آدم خُلق للأرض أم للجنة؟ قال: يا أبا منازل

стр. 658

ليس هذا من مسائلك، قلت: أحببت أن أعلم ذلك، قال: للأرض خُلق، قلت: أرأيت لو اعتصم فلم يأكل من الشجرة؟ فقال: لم يكن بدٌّ من أن يأتي على الخطيئة" (١). التحليل والتعليق تضمن الأثران السابقان تبرئة الإمام الحسن البصري ﵀ من تهمة القول بالقدر، وهي مسألة مهمّة في مباحث العقيدة السلفية والرّد على المخالفين لها، ألا وهي تعلّق أصحاب الباطل بأئمة من أهل السنة وانتسابهم إليهم، ليروج باطلهم وتستساغ بدعتهم عند العوام، وضعاف العقول والنفوس، خصوصا من كان له لسان صدق وكلمة مسموعة، وصيت ذائع ومكانة في قلوب الأمة، وهذا ما حدث للحسن البصري ﵀ حيث نسبه المعتزلة إليهم وترجموا له في طبقاتهم (٢)، كما نسبت إليه رسالة كتبها إلى عبد الملك بن مروان، جوابا على سؤاله له عن مذهبه في القدر فأجاب على طريقة القدرية (٣)، وقد اعتنى علماء

стр. 659

السلف والمحدثون نفي هذه التهم عن مثل هؤلاء الأئمة، خصوصا منهم من اهتم بالتأليف في العقيدة، حيث أوردوا ذلك في كتبهم، فنجد الآجري واللالكائي وابن بطة كلهم اعتنوا بالرد على هذه التُّهَم (١)، خصوصا ما كان من ذلك في حقّ الحسن البصري لأنهم اتخذوه حجة على أهل السنة، فأثبتوا لهم من عدة طرق أنه يثبت القدر كسائر أهل السنة ويقول بقولهم فلا داعي للتعلق بما لا متعلق لهم فيه. والذي يبدو من خلال التأمّل في ما روي عنه في هذا الباب نفيا وإثباتا، أن الحسن بريء من هذه التهمة، وأن سبب إلصاقها به عدّة أمور، أوجزها فيما يلي:

стр. 660

أولا: استغلال المبتدعة لمكانته العلمية والعملية في قلوب الناس، لترويج مذهبهم، وقد نصّ على ذلك عصريه، وزميله الذي كان يناصحه أيوب السختياني، وكلّ من دافع عن الحسن بعده، قال أيوب: "كذب -يعني على الحسن البصري- صنفان من الناس؛ قوم القدر رأيهم، فهم يريدون أن ينفقوا بذلك قولهم، وقوم في قلوبهم له شنآن وبغض، يقولون: من قوله كذا، وليس من قوله كذا" (١). ثانيا: وجود خصوم له وأعداء وحسدة يريدون تشويه سمعته لأغراض دنيئة غير المعتقد، كما في الأثر السابق عن أيوب. ثالثا: صدور بعض العبارات منه أوهمت بعض من كان في قلبه حاجة، أنه يقول بالقدر وهذا قد صرح به هو نفسه كما قال حمزة بن دينار: "عوتب الحسن في شيء من القدر، فقال: كانت موعظة فجعلوها دينا"، وقال أيوب: "إن قوما جعلوا غضب الحسن دينا" (٢). رابعا: وضع رسالة زعموا أنه أجاب بها عن سؤال لعبد الملك بن مروان سأل فيها الحسن عن مذهبه في القدر فأجابه على مذهب المعتزلة مستدلا بآيات ودلائل عقلية، وقد استبعد الشهرستاني (٣) صدورها عن الحسن، واحتمل أن تكون لواصل بن عطاء، بسبب أن كون القدر خيره

стр. 661

وشرّه من اللَّه كالمجمع عليه بين السلف، قلت: ولو كان الكتاب صحيح النسبة للحسن، لما تردّد السلف في تخطئته، والتبري منه، خصوصا وأنه ثارت ضجّة كبيرة في عصره عليه، بسبب هذه التهمة، فلو كان الكتاب له لكان أولى ما يتهم به، بدلا من التعلق بالموعظة واستغلال حالة الغضب منه وجعلها دينا واللَّه أعلم.

стр. 662

الباب الثالث: الآثار الواردة في مباحث الإيمان . وفيه خمسة فصول: الفصل الأول: الآثار الواردة في تعريف الإيمان. الفصل الثاني: الآثار الواردة في الزيادة والنقصان. الفصل الثالث: الآثار الواردة في الاستثناء. الفصل الرابع: الآثار الواردة في الإسلام والإيمان. الفصل الخامس: الآثار الواردة في الأسماء والأحكام.

стр. 663

الفصل الأول: الآثار الواردة في تعريف الإيمان . ٥٦٩ - حدثنا إبراهيم بن سعيد، ثنا موسى بن أيوب، ثنا عطاء بن مسلم، عن جعفر بن برقان، عن وهب بن منبه قال: "الإيمان قائد، والعمل سائق، والنفس بينهما حَرُون (١)، فإذا قاد القائد ولم يسق السائق لم يغن ذلك شيئا، وإذا ساق السائق ولم يقد القائد لم يغن ذلك شيئا، وإذا قاد القائد وساق السائق اتّبعته النفس طوعا وكرها وطاب العمل" (٢). ٥٧٠ - حدثني إبراهيم بن سعيد، حدثني عبد الصمد بن النعمان، ثنا هارون البربري، عن عبد اللَّه بن عبيد بن عمير (٣) قال: "الإيمان قائد، والعمل سائق، والنفس حرون، فإذا وني قائدها لم تستقم لسائقها، وإذا وني سائقها لم تستقم لقائدها، فلا يصلح هذا إلا مع هذا، حتى يقوم

стр. 664

على الخير الإيمان باللَّه مع العمل للَّه، والعمل للَّه مع الإيمان باللَّه" (١). ٥٧١ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا حفص بن بغيل، عن زهير، عن أبي إسحاق، وعن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه قال: "إن من الإيمان أن يحبّ الرجلُ الرجلَ ليس بينهما نسب قريب، ولا مال أعطاه إياه، ولا محبة إلا للَّه " (٢). ٥٧٢ - حدثني محمد بن إدريس، حدثنا عبيدة أبو سعيد، حدثنا إبراهيم بن عيينة، حدثنا صالح بن حسان، عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس ﵁ قال: "المؤمن ملجم، فلا يبلغ حقيقة الإيمان حتى يذوق طعم الذل" (٣).

стр. 665

٥٧٣ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا شبابة بن سوَّار، حدثنا شعبة، عن الحكم ﵀ قال: قال ابن عمر ﵄: "لا يبلغ رجل حقيقة الإيمان، حتى يدع المراء وهو محق، والكذب في المزاح" (١). ٥٧٤ - حدثنا إسماعيل بن عبد اللَّه بن زرارة، نا عبد المجيد يعني ابن عبد العزيز، عن الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن وهب بن منبه قال: "الإيمان عريان ولباسه التقوى، وزينته الحياء، وماله العفّة" (٢).

стр. 666

٥٧٥ - حدثنا أبو كريب الهمداني، نا محمد بن الصلت، نا يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن أبي الزعراء قال: قال عبد اللَّه: "الإيمان عريان، وزينته التقوى، ولباسه الحياء" (١). ٥٧٦ - حدثني حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبدان قال: أخبرنا عبد اللَّه قال: أخبرنا بقية بن الوليد قال: حدثني بجير بن سعيد، عن خالد بن معدان قال: حدثنا يزيد بن مرشد الهمداني أن أبا الدرداء قال: "ذروة الإيمان أربع خلال: الصبر للحكم (٢)، والرضا بالقدر، والإخلاص للتوكّل، والاستسلام للرب " (٣).

стр. 667

٥٧٧ - نا إسحاق بن إبراهيم، نا جرير، عن ضرار بن مرة، عن سعيد ابن جبير ﵀ قال: "التوكل على اللَّه جماع الإيمان" (١). ٥٧٨ - حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي، نا أبو عوانة، عن المغيرة، عن عامر قال: "الشكر نصف الإيمان، والصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله" (٢).

стр. 668

٥٧٩ - حدثني عبد الرحيم بن يحيىى، قال: حدثنا عثمان بن عمارة، عن شيخ قال: "خرجت من البصرة أريد عسقلان (١)، فصحبت قوما حتى وردنا بيت المقدس، فلما أردت أن أفارقهم، قالوا لي: نوصيك بتقوى اللَّه ولزوم درجة الورع، فإن الورع يبلغ بك إلى الزهد في الدنيا، وإن الزهد في الدنيا يبلغ بك حب اللَّه، قلت لهم: فما الورع؟ فبكوا حتى تقطّع قلبي رحمة لهم، ثم قالوا: يا هذا، الورع: محاسبة النفس، قلت: وكيف ذاك قال: تحاسب نفسك مع كل طرفة وكل صباح ومساء، فإذا كان الرجل حذرا كيِّسا، لم يخرج عليه الفضل، فإذا دخل في درجة الورع احتمل المشقّة وتجرّع الغيظ والمرار، أعقبه اللَّه روحا وصبرا، واعلم أن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، وملاك هذا الأمر الصبر، وأما الزهد فهو أن يقيم الرجل على راحة تستر إليها نفسه، وأما المحب للَّه فهو مستقل لعمله أبدا، وإن ضيق واحتبس عليه رزقه فهو في ضيق ذلك لا يزداد للَّه إلا حبا ومنه إلا دنوًّا" وذكر الحديث بطوله (٢).

стр. 669

٥٨٠ - أنشد بعضهم: ليس الدنيا إلا بدين وليس ... الدين إلا مكارم الأخلاق (١) ٥٨١ - قال عبد الرحمن: "فليتق الرجل دناءة الأخلاق كما يتقي الحرام، فإن الكرم من الدين" (٢). ٥٨٢ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه قال: "مثل الإسلام كمثل شجرة، فأصلها الشهادة، وساقها كذا وكذا، وورقها كذا شيء سماه، وثمرها

стр. 670

الورع، لا خير في شجرة لا ثمر لها، ولا خير في إنسان لا ورع له" (١). ٥٨٣ - حدثني أبو عبد الرحمن الخزاعي، نا محمد بن أبي السري العسقلاني، نا بكر بن بشر السلمي، نا عبد الحميد بن السوّار، حدثني إياس بن معاوية بن قرّة قال: "كنت عند عمر بن عبد العزيز فذكر عنده الحياء فقالوا: الحياء من الدين، فقال عمر: بل هو الدين كله. . " (٢). ٥٨٤ - حدثني مفضل بن غسان، نا محمد بن كثير المصيصي، عن ابن أبي الرجال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: "لقد جاء الإسلام وفي العرب بضع وستون خصلة كلها زادها الإسلام شِدَّة، منها قرى الضيف، وحسن الجوار، والوفاء بالعهد" (٣). ٥٨٥ - حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبد اللَّه بن وهب، حدثنا عبد اللَّه بن المسيب، عن الضحاك بن شرحبيل، عن أبي هريرة ﵁ أنه
следующие страницы →