← Акыда

Акыда · id 151178

الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا

حميد بن أحمد نعيجات

Полный текст (1 390 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

٥٧٥ - حدثنا أبو كريب الهمداني، نا محمد بن الصلت، نا يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن أبي الزعراء قال: قال عبد اللَّه: "الإيمان عريان، وزينته التقوى، ولباسه الحياء" (١). ٥٧٦ - حدثني حمزة بن العباس قال: أخبرنا عبدان قال: أخبرنا عبد اللَّه قال: أخبرنا بقية بن الوليد قال: حدثني بجير بن سعيد، عن خالد بن معدان قال: حدثنا يزيد بن مرشد الهمداني أن أبا الدرداء قال: "ذروة الإيمان أربع خلال: الصبر للحكم (٢)، والرضا بالقدر، والإخلاص للتوكّل، والاستسلام للرب " (٣).

стр. 667

٥٧٧ - نا إسحاق بن إبراهيم، نا جرير، عن ضرار بن مرة، عن سعيد ابن جبير ﵀ قال: "التوكل على اللَّه جماع الإيمان" (١). ٥٧٨ - حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي، نا أبو عوانة، عن المغيرة، عن عامر قال: "الشكر نصف الإيمان، والصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله" (٢).

стр. 668

٥٧٩ - حدثني عبد الرحيم بن يحيىى، قال: حدثنا عثمان بن عمارة، عن شيخ قال: "خرجت من البصرة أريد عسقلان (١)، فصحبت قوما حتى وردنا بيت المقدس، فلما أردت أن أفارقهم، قالوا لي: نوصيك بتقوى اللَّه ولزوم درجة الورع، فإن الورع يبلغ بك إلى الزهد في الدنيا، وإن الزهد في الدنيا يبلغ بك حب اللَّه، قلت لهم: فما الورع؟ فبكوا حتى تقطّع قلبي رحمة لهم، ثم قالوا: يا هذا، الورع: محاسبة النفس، قلت: وكيف ذاك قال: تحاسب نفسك مع كل طرفة وكل صباح ومساء، فإذا كان الرجل حذرا كيِّسا، لم يخرج عليه الفضل، فإذا دخل في درجة الورع احتمل المشقّة وتجرّع الغيظ والمرار، أعقبه اللَّه روحا وصبرا، واعلم أن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، وملاك هذا الأمر الصبر، وأما الزهد فهو أن يقيم الرجل على راحة تستر إليها نفسه، وأما المحب للَّه فهو مستقل لعمله أبدا، وإن ضيق واحتبس عليه رزقه فهو في ضيق ذلك لا يزداد للَّه إلا حبا ومنه إلا دنوًّا" وذكر الحديث بطوله (٢).

стр. 669

٥٨٠ - أنشد بعضهم: ليس الدنيا إلا بدين وليس ... الدين إلا مكارم الأخلاق (١) ٥٨١ - قال عبد الرحمن: "فليتق الرجل دناءة الأخلاق كما يتقي الحرام، فإن الكرم من الدين" (٢). ٥٨٢ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه قال: "مثل الإسلام كمثل شجرة، فأصلها الشهادة، وساقها كذا وكذا، وورقها كذا شيء سماه، وثمرها

стр. 670

الورع، لا خير في شجرة لا ثمر لها، ولا خير في إنسان لا ورع له" (١). ٥٨٣ - حدثني أبو عبد الرحمن الخزاعي، نا محمد بن أبي السري العسقلاني، نا بكر بن بشر السلمي، نا عبد الحميد بن السوّار، حدثني إياس بن معاوية بن قرّة قال: "كنت عند عمر بن عبد العزيز فذكر عنده الحياء فقالوا: الحياء من الدين، فقال عمر: بل هو الدين كله. . " (٢). ٥٨٤ - حدثني مفضل بن غسان، نا محمد بن كثير المصيصي، عن ابن أبي الرجال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: "لقد جاء الإسلام وفي العرب بضع وستون خصلة كلها زادها الإسلام شِدَّة، منها قرى الضيف، وحسن الجوار، والوفاء بالعهد" (٣). ٥٨٥ - حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبد اللَّه بن وهب، حدثنا عبد اللَّه بن المسيب، عن الضحاك بن شرحبيل، عن أبي هريرة ﵁ أنه

стр. 671

كان يقول: "من لم ير أن كلامه من عمله، وأن خلقه من دينه، هلك وهو لا يشعر" (١). ٥٨٦ - حدثني أحمد بن بحير، حدثنا قبيصة حدثنا سفيان الثوري، عن أبي حيان، عن إبراهيم التيمي ﵀ قال: "ما عرضت قولي على عملي، إلا خشيت أن أكون مكذبا" (٢). ٥٨٧ - حدثنا عصمة بن الفضل قال: حدثنا يحيى بن يحيى، عن داود ابن المغيرة قال: سمعت أبا حازم يقول: "السرّ أملك بالعلانية من العلانية بالسرّ، والفعل أملك بالقول من القول بالفعل" (٣).

стр. 672

التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة دخول الأعمال في مسمى الإيمان، حيث نصت الآثار على دخول الأعمال بنوعيها -الباطنة والظاهرة، وهي أعمال القلب وأعمال الجوارح- في مسمى الإيمان، فأثر عبد اللَّه بن عمير بيّن أنه لا يصح الإيمان إلا بالعمل، ولا العمل إلا بالإيمان، ثم الآثار التي بعده نصت على دخول بعض الأعمال في الإيمان، كالحب في اللَّه، وضرب طاوس ﵀ لذلك مثلا بالشجرة التي لها أصل وفروع، وأن له حقيقة لا يبلغها العبد إلا بفعل بعض الأعمال، كترك الانتصار للنفس، وترك المراء، والكذب في المزاح، وأنه بدون الأعمال فهو عريان، وإنما لباسه التقوى، وزينته الحياء، وماله العفة، وأن له ذروة ذكر أبو الدرداء ﵁ أنها أربع خلال: الصبر للحكم، والرضا بالقدر، والإخلاص للتوكّل، والاستسلام للرب ، والتوكل هو جماع الإيمان، والشكر نصفه، والصبر نصف، واليقين الإيمان كله، ومنزلة الصبر منه كمنزلة الرأس من الجسد، والتنصيص على أن مكارم الأخلاق من الدين، أو على بعضها كالكرم، والحياء، وأن الإسلام زاد بعض الصفات التي كانت في العرب

стр. 673

شدة وقوة كقرى الضيف، وحسن الجوار، والوفاء بالعهد، ولهذا كله كان السلف يخافون على نفسهم النفاق، كما في آخر أثر لإبراهيم التيمي ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا؛ لأن الفعل أملك بالقول من القول بالفعل. وقد اشتملت هذه الآثار على ثلاث مسائل مهمة تحتاج إلى تحرير وهي: أن الإيمان حقيقة مركبة، لا يصح إلا بوجود أجزائه مجتمعة، والتنصيص على دخول بعض الأعمال في مسمى الإيمان، ثم الخوف من النفاق وعدم توافق الظاهر مع الباطن، أو القول مع الفعل. فكون الإيمان حقيقة مركبة هو معتقد أهل السنة والجماعة قال ابن القيم: "حقيقة مركبة من: معرفة ما جاء به الرسول ﷺ علما، والتصديق به عقدا، والإقرار به نطقا، والانقياد له محبة وخضوعا، والعمل به باطنا وظاهرا، وتنفيذه والدعوة إليه، بحسب الإمكان، وكماله في الحب في اللَّه، والبغض في اللَّه، والعطاء للَّه، والمنع للَّه، وأن يكون اللَّه وحده إلهه ومعبوده" (١)، قال ابن جرير الطبري: "الإيمان كلمة جامعة للإقرار باللَّه، وكتبه، ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل" (٢)، وقد نقل كلامه ابن كثير ثم علّق عليه بقوله: "الإيمان الشرعي المطلوب، لا يكون إلا اعتقادا، وقولا، وعملا، هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي، وأحمد بن

стр. 674

حنبل، وأبو عبيدة، وغير واحد إجماعا، أن الإيمان: قول وعمل، يزيد وينقص، وقد ورد فيه آثار كثيرة وأحاديث" (١)، وقال الآجري: "الإيمان لا يتم لأحد حتى يكون مصدقا بقلبه، وناطقا بلسانه، وعاملا بجوارحه" (٢). ولئن كان هذا معتقدهم فلا غرو أن توجد نصوص كثيرة وآثار عديدة كما قال ابن كثير في بيان هذا المعنى، من جملتها ما نقلته سابقا، وأما النصوص الشرعية فهى كثيرة جدا كذلك، لعل أشهر ذلك في القرآن الكريم وأصرحه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٣)، قال أبو عبيد: "أي شاهد يلتمس على أن الصلاة من الإيمان بعد هذه الآية" (٤)، وقال ابن عبد البر: "لم يختلف المفسرون أنه أراد: صلاتكم إلى بيت المقدس"، وقال النووي: "إطلاق اسم الإيمان على الأعمال فمتفق عليه عند أهل الحق، ودلائله في الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تشهر، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، أجمعوا على أن المراد: صلاتكم، وأما الأحاديث فستمر بك في هذا الكتاب منها جمل

стр. 675

مستكثرات واللَّه أعلم" (١). وأما من السنة فمن أشهر وأصرح دليل في ذلك حديث وفد عبد القيس الذي رواه ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ لما قدم عليه وفد عبد القيس، فقالوا: إنا من هذا الحى من ربيعة، ولسنا نصل إليك إلا في الشهر الحرام، فمرنا بشيء نأخذه عنك، وندعو إليه من وراءنا، فقال: آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع، الإيمان باللَّه، هل تدرون ما الإيمان باللَّه؟ شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغانم الخمس" (٢)، قال ابن أبي العز: "أي دليل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان فوق هذا الدليل؟ فإنه فسَّر الإيمان بالأعمال، ولم يذكر التصديق، مع العلم بأن هذه الأعمال لا تفيد مع الجحود" (٣). فانتظمت نصوص الكتاب، والسنة، وإجماع الصحابة، فمن بعدهم على دخول الأعمال في مسمى الإيمان، ولهذا قال ابن رجب: "أنكر السلف على من أخرج الأعمال من الإيمان إنكارا شديدا" (٤)، ولم يستثنوا من ذلك حتى أخف الطوائف إرجاء، وهم مرجئة الفقهاء قال شيخ الإسلام: "لم يكفر أحد من السلف أحدا من مرجئة الفقهاء، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا من بدع العقائد، فإن كثيرا من النزاع فيها لفظي، لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب، فليس لأحد أن يقول بخلاف قول اللَّه

стр. 676

ورسوله، لا سيما وقد صار ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام، من أهل الإرجاء وغيرهم، وإلى ظهور الفسق، فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ، سببا لخطأ عظيم في العقائد والأعمال، فلهذا عظم القول في ذم الإرجاء، حتى قال إبراهيم النخعي: لفتنتهم -يعني المرجئة- أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة" (١). وأما مسألة الخوف من النفاق، والتلازم بين الظاهر والباطن، والقول والفعل؛ لأن أهل السنة والجماعة لما أدخلوا الأعمال في مسمى الإيمان، خافوا من عدم توفية هذا الركن حقه، فخشوا على نفسهم النفاق، أما المرجئة فلما لم يدخلوا الأعمال في مسماه قالوا بأن إيمانهم كإيمان جبريل، قال ابن رجب: "الآثار عن السلف في هذا كثيرة جدا، قال سفيان الثوري: خلاف ما بيننا وبين المرجئة ثلاث، فذكر منها قال: نحن نقول نفاق، وهم يقولون: لا نفاق (٢)، وقال الأوزاعي: قد خاف عمر النفاق على نفسه، قيل له: إنهم يقولون: إن عمر لم يخف أن يكون يومئذ منافقا حتى سأل حذيفة، ولكن خاف أن يبتلي بذلك قبل أن يموت، قال: هذا قول أهل البدع، يشير إلى أن عمر كان يخاف على النفاق على نفسه في الحال، والظاهر أنه أراد أن عمر كان يخاف نفسه في الحال من النفاق الأصغر، والنفاق الأصغر وسيلة إلى النفاق الأكبر، كما أن المعاصي بريد الكفر" (٣).

стр. 677

الفصل الثاني: الآثار الواردة في الزيادة والنقصان . ٥٨٨ - حدثنا محمد بن جعفر الوركاني (١)، نا معمر بن سليمان، عن سعيد بن عوسجة، أن أبا الدرداء قال: ". . . ما لكم تناصحون في أمر الدنيا، لا يملك أحدكم النصيحة لمن يحبه ويعينه على أمر آخرته، ما هذا إلا من قلة الإيمان في قلوبكم، لو كنتم توقنون بخير الآخرة وشرها، كما توقنون بالدنيا لآثرتم طلب الأخرة، لأنها أملك بأموركم، فإن قلتم: حب العاجلة غالب؟ فإنا نراكم تدعون العاجل من الدنيا للآجل منها، تكدّون أنفسكم بالمشقّة، والاحتراق في أمر لعلكم لا تدركونه، فبئس القوم أنتم، ما حقّقتم إيمانكم بما يعرف به الإيمان البالغ فيكم، فإن كنتم في شك مما جاء محمد ﷺ فأتونا فلنبيّن لكم، ولنريكم من النور ما تطمئن إليه قلوبكم، واللَّه ما أنتم بالمنقوصة عقولكم فنعذركم، إنكم لتبيّنون صواب الرأي في دنياكم، وتأخذون بالحزم في أمركم. . . " (٢). ٥٨٩ - كتب إليّ عليّ بين حرب، ثنا القاسم بن يزيد الجرمي، ثنا

стр. 678

قيس بن مسلم الجدلي قال: "كان عطاء الخراساني (١) لا يقوم من مجلسه حتى يقول: اللهم هب لنا يقينا بك حتى تهون علينا مصيبات الدنيا، وحتى نعلم أنه لا يصيبنا إلا ما كتبت لنا، ولا يأتينا من هذا الرزق إلا ما قسمت لنا" (٢). ٥٩٠ - أخبرنا خالد بن خداش، ثنا جعفر بن سليمان، عن فطر (٣)، عن أبي يزيد المديني قال: كان من دعاء أبي بكر الصديق ﵁: "اللهم هب لي إيمانا، ويقينا، ومعافاة، ونيّة" (٤). ٥٩١ - حدثني سلم بن جنادة، نا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: "ما نقصت أمانة عبد إلا نقص إيمانه" (٥).

стр. 679

٥٩٢ - حدثنا علي بن الجعد، قال: أخبرنا محمد بن طلحة، عن سعيد ابن كعب المرادي، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود قال: "الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع، والذكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع" (١). ٥٩٣ - حدثنا علي بن الجعد، أنبأنا شعبة، أخبرني عمرو بن مرة قال: سمعت مرة الهمداني قال: كان عبد اللَّه ﵁ يقول: "عليكم بالصدق، فإنه يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق حتى يكتب عند اللَّه صديقا، ويثبت البر في قلبه، فلا يكون للفجور موضع إبرة يستقر فيها"، وبه: "إياكم والكذب، فإنه يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند اللَّه كذابا، ويثبت الفجور في قلبه، فلا يكون للبر موضع إبرة يستقر فيها" (٢).

стр. 680

٥٩٤ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، وبيان، سمعا قيس بن أبي حازم، سمع أبا بكر ﵁ يقول: "أيها الناس، إياكم والكذب، فإنه مجانب للإيمان" (١). ٥٩٥ - حدثني أسد بن عمار التميمي، حدثنا سعيد بن عون البصري، حدثنا جعفر قال: سمعت مالك بن دينار ﵀ يقول: "الصدق والكذب يعتركان في القلب، حتى يخرج أحدهما صاحبه" (٢).

стр. 681

التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة إثبات زيادة الإيمان ونقصانه، فقد علّل أبو الدرداء ﵁ في موعظته تناصح الناس في أمر الدنيا دون أمر الآخرة، بأنه من قلة الإيمان في قلوبهم، وكذا عروة بن الزبير بأن قلة الأمانة من نقصان الإيمان، وسؤال أبي بكر الصديق وعطاء الخراساني أن يهب اللَّه إيمانا يدل على طلب الزيادة فيه لأنهما كانا مؤمنين حال السؤال، وعن ابن مسعود ﵁ أن الذكر ينبت الإيمان في القلب أي يزيده، وكذا الصدق يثبت البر في القلب أي يزيده وهو من الإيمان، والكذب يجانب الإيمان كما في أثر أبي بكر الصديق، ووجه الدلالة منه يوضحه الأثر الذي بعده عن مالك بن دينار، بأن الكذب والصدق يعتركان في القلب، حتى يخرج أحدهما صاحبه، فإذا غلب الصدق فقد زادت نسبته في القلب وبالتالي زاد

стр. 682

الإيمان؛ لأن الصدق من الإيمان. وهذه الآثار اشتملت على عدة أنواع من أدلة زيادة الإيمان ونقصانه، منها أنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ومنها سؤال اللَّه الإيمان، ومنها التعارك الحاصل بين المعصية والطاعة في القلب، أيهما غلب كان له الحكم. فكونه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية فيزيد بالذكر وبالصدق، وينقص بالمعصية والكذب وحب الدنيا، أمر مجمع عليه عند أهل السنة، قال ابن عبد البر: "أجمع أهل الفقه والحديث، على أن الإيمان: قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والايمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية" (١)، وقال الذهبي: "أجمع سبعون رجلا من التابعين، وأئمة المسلمين، والسلف، وفقهاء الأمصار، على أن السنة التي توفي عليها رسول اللَّه ﷺ . . . الإيمان قول وعمل ونية، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية" (٢)، ولفظ الزيادة والنقصان ثبت عن الصحابة كذلك كما مرّ في هذه الآثار، وليس الإجماع من بعدهم فقط، ولهذا قال البغوي: "اتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من علماء المسلمين على. . . أن الإيمان قول عمل وعقيدة، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية" (٣)، وقال شيخ الإسلام: "ثبت لفظ الزيادة والنقصان منه عن الصحابة، ولم يعرف فيه

стр. 683

مخالف من الصحابة" (١)، والآثار في هذا الصدد والنصوص الشرعية لا تكاد تحصر ولهذا نقل ابن حجر قول "البخاري: قال: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار: فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن: الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص، وأطنب ابن أبي حاتم، واللالكائي في نقل ذلك بالأسانيد، عن جمع كتير من الصحابة، والتابعين، وكل من يدور عليه الاجماع، من الصحابة، والتابعين، وحكاه فضيل بن عياض، ووكيع، عن أهل السنة والجماعة" (٢). وسؤال اللَّه الإيمان أو اليقين يدل على زيادة الإيمان، وهو نظير سؤال نبي اللَّه إبراهيم ﵇ ربه أن يريه كيف يحيي الموتى وقوله: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (٣)، قال الحليمي: معلوم أن طمأنينة القلب بصدق وعد اللَّه، أو بقدرته على ما أخبر أنه فاعله إيمانٌ، فإنما يسأل اللَّه تعالى ما يزيده إيمانا على إيمان، فثبت بذلك أن الإيمان قابل للزيادة" (٤). أما التعارك بين المعصية والطاعة في القلب، وأن الحكم للغالب منهما، وهذا يعني أن القلب قد يكون فيه نفاق وإيمان، وشعبة من هذا وشعبة من هذا، وأن زيادة أحدهما نقصان للآخر حتى يقضي أحدهما على الثاني، وإلا بقيا يتعاركان والحرب دول، نسأل اللَّه حسن الختام، قال

стр. 684

شيخ الإسلام: "من نفى عنه الرسول اسم الإيمان أو الإسلام، فلا بد أن يكون قد ترك بعض الواجبات فيه، وإن بقي بعضها، ولهذا كان الصحابة والسلف يقولون: إنه يكون في العبد إيمان ونفاق. . . عن حذيفة قال: القلوب أربعة. . . وقلب فيه إيمان ونفاق، فمثل الإيمان فيه كمثل شجرة، يمدها ماء طيب، ومثل النفاق مثل قرحة، يمدها قيح ودم، فأيهما غلب عليه غلب. . . وهذا الذي قاله حذيفة يدل عليه قوله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ (١)، فقد كان قبل ذلك فيهم نفاق مغلوب، فلما كان يوم أحد غلب نفاقهم، فصاروا إلى الكفر أقرب. . . و. . . عن علي ابن أبي طالب قال: إن الإيمان يبدو لمظة بيضاء في القلب، فكلما ازداد العبد إيمانا، ازداد القلب بياضا، حتى إذا استكمل الإيمان ابيضَّ القلب كله، وإن النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب، فكلما ازداد العبد نفاقا، ازداد القلب سوادا، حتى إذا استكمل العبد النفاق اسودَّ القلب. . . وقال ابن مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل. . . وهذا كثير في كلام السلف، يبينون أن القلب قد يكون فيه إيمان ونفاق، والكتاب والسنة يدلان على ذلك" (٢).

стр. 685

الفصل الثالث: الآثار الواردة في الاستثناء . ٥٩٦ - حدثني الفضل بن جعفر قال: حدثنا النضر بن شداد بن عطية قال: حدثني أبي شداد بن عطية قال: حدثنا أنس بن مالك قال: "دخلنا على عبد اللَّه بن مسعود نعوده في مرضه فقلنا له: كيف أصبحت يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أصبحنا بنعمة اللَّه إخوانا، قلنا: كيف تجدك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: أجد قلبي مطمئنا بالإيمان، قلنا: ما تشتكي أبا عبد الرحمن؟ قال: أشتكى ذنوبي وخطاياي، قلنا: ما تشتهي شيئا؟ قال: أشتهي مغفرة اللَّه ورضوانه، قلنا له: ألا ندعو لك طبيبا؟ قال: الطبيب أمرضني" (١). التحليل والتعليق تضمن أثر ابن مسعود ﵁ جواز شهادة المرء على نفسه بالإيمان، واطمئنان قلبه بذلك، رغم شكواه من ذنوبه وخطاياه، ورجائه في مغفرة اللَّه ورضوانه، وفائدة هذا الأثر في هذه المسألة أن الشهادة على النفس بالإيمان في الحال، لا تنافي الخوف عليها من العاقبة، كما أنها لا تستلزم تزكية النفس مطلقا؛ لأن المراد به أصل الإيمان الذي في القلب، وهذا واضح كل الوضوح في أثر ابن مسعود ﵁ الذي معنا، فإنه شهد على نفسه بالإيمان، لكن إيمان القلب بصريح عبارته: "أجد قلبي مطمئنا بالإيمان"، وفي نفس الوقت اشتكى ذنوبه ورجا ربه، وهذا يعني الاستثناء

стр. 686

في الإيمان باعتبار الأعمال، لأن المحظور من تزكية النفس هذا مربط فرسه، فإذا اعترف بالتقصير في العمل، ولم يجزم بدخول الجنة، وإنما علَّقها بالمشيئة والرجاء، فهو معنى قول السلف أنا مؤمن إن شاء اللَّه، بل ومعنى قوله هو ﵁ أن الذي قال: أنا مؤمن، لزمه أن يقول إنه في الجنة، وإذا استثنى في الأخيرة تعيّن عليه الاستثناء في الأولى، ولعل ابن مسعود ﵁ رأى أن هذا التفصيل يخرجه من كل إشكال، فجزم بالإيمان القلبي، ووكل علم حاله إلى اللَّه، وخاف ذنوبه، قال شيخ الإسلام: "الرجل يعلم من نفسه أنه ليس بكافر، بل يجد قلبه مصدقا بما جاء به الرسول، فيقول: أنا مؤمن، فيثبت أن الإيمان هو التصديق؛ لأنك تجزم بأنك مؤمن، ولا تجزم بأنك فعلت كل ما أمرت به" (١). وعلى هذا فلا يكون بين قولي ابن مسعود ﵁ تعارضا، بل يحمل قوله على التفصيل المعروف عن السلف، وهو جواز الاستثناء باعتبار، وعدمه باعتبار آخر، فهذه حقيقة قوله ﵁ وليس ذلك اختلافًا كما قد يتبادر للقارئ، وهذا ما رجحه أبو عبيد القاسم بن سلام: "وهذا عندي وجه حديث عبد اللَّه حيث أتاه صاحب معاذ فقال: "ألم تعلم أن الناس كانوا على عهد رسول اللَّه ﷺ ثلاثة أصناف: مؤمن، ومنافق، وكافر، فمن أيهم كنت؟ قال: من المؤمنين"، إنما نراه أراد أني كنت من أهل هذا الدين لا من الآخرين، فأما الشهادة بها عند اللَّه فإنه كان عندنا أعلم باللَّه

стр. 687

وأتقى له من أن يريده"، قلت: وهذا الظن الذي ظنه به أبو عبيد هو صريح الأثر الذي أورته عنه فالحمد للَّه رب العالمين. وقد أنكر جمع من أهل العلم ثبوت عدم الاستثناء عن ابن مسعود ﵁ منهم يحيى بن سعيد (١) والإمام أحمد (٢)، وعللوه بأن أصحاب عبد اللَّه بن مسعود يستثنون في الإيمان، والجمع أولى من الترجيح، لا سيما وأن الأثر المذكور في تراجعه ليس صريحا في أنه لا يرى الاستثناء، وإنما هو جار على مذهب السلف في أن الاستثناء في أمور الدنيا وأحكامها مشروع، ولهذا لما عدد شيخ الإسلام الأقوال في الاستثناء ذكر قول من قال: "هو مستحب ويجوز القطع باعتبار آخر" (٣) واللَّه أعلم. وقد جمع شيخ الإسلام الأقوال في الاستثناء فقال: "صار الناس في الاستثناء على ثلاثة أقوال: قول أنه يجب الاستثناء، ومن لم يستثن كان مبتدعا. وقول أن الاستثناء محظور؛ فإنه يقتضى الشك في الإيمان. والقول الثالث: أوسطها وأعدلها، أنه يجوز الاستثناء باعتبار، وتركه باعتبار، فإذا كان مقصوده أني لا أعلم أني قائم بكل ما أوجب اللَّه عليَّ، وأنه يقبل أعمالي، ليس مقصوده الشك فيما في قلبه، فهذا استثناؤه

стр. 688

حسن، وقصده أن لا يزكى نفسه، وأن لا يقطع بأنه عمل عملا كما أُمر، فقُبل منه، والذنوب كثيرة والنفاق مخوف على عامة الناس. . . " (١)، لكن مع جوازه فالأفضل أن يقرنه. بما يدل على مراده، قال شيخ الإسلام: "الصحيح أنه يجوز أن يقال: أنا مؤمن بلا استثناء؛ إذا أراد ذلك -أي الإيمان المقيد، إيمان القلب-، لكن ينبغي أن يقرن كلامه بما يبين أنه لم يرد الإيمان المطلق الكامل ولهذا كان أحمد يكره أن يجيب على المطلق بلا استثناء يقدمه" (٢).

стр. 689

الفصل الرابع: الآثار الواردة في الإسلام والإيمان . ٥٩٧ - حدثنا إبراهيم بن سعيد، ثنا موسى بن أيوب، ثنا عطاء بن مسلم، عن جعفر بن برقان، عن وهب بن منبه قال: "الإيمان قائد، والعمل سائق، والنفس بينهما حَرُون، فإذا قاد القائد ولم يسق السائق لم يغن ذلك شيئا، وإذا ساق السائق ولم يقد القائد لم يغن ذلك شيئا، وإذا قاد القائد وساق السائق اتّبعته النفس طوعا وكرها وطاب العمل" (١). ٥٩٨ - حدثني إبراهيم بن سعيد، حدثني عبد الصمد بن النعمان، ثنا هارون البربري، عن عبد اللَّه بن عبيد بن عمير قال: "الإيمان قائد، والعمل سائق، والنفس حرون، فإذا وني قائدها لم تستقم لسائقها، وإذا وني سائقها لم تستقم لقائدها، فلا يصلح هذا إلا مع هذا، حتى يقوم على الخير الإيمان باللَّه مع العمل للَّه، والعمل للَّه مع الإيمان باللَّه" (٢). ٥٩٩ - حدثنا إسماعيل بن عبد اللَّه بن زرارة، نا عبد المجيد يعني ابن عبد العزيز، عن الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن وهب بن منبه قال: "الإيمان عريان ولباسه التقوى، وزينته الحياء، وماله العفّة" (٣). ٦٠٠ - حدثنا أبو كريب الهمداني، نا محمد بن الصلت، نا يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن أبي الزعراء قال: قال عبد اللَّه: "الإيمان

стр. 690

عريان، وزينته التقوى، ولباسه الحياء" (١). ٦٠١ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه قال: "مثل الإسلام كمثل شجرة، فأصلها الشهادة، وساقها كذا وكذا، وورقها كذا شيء سماه، وثمرها الورع، لا خير في شجرة لا ثمر لها، ولا خير في إنسان لا ورع له" (٢). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة بيان الإشارة إلى العلاقة بين العمل والإيمان، وأنه لا غنى بأحدهما عن الآخر، فإذا وجد الإيمان الذي مثَّله السلف بالقائد، ولم يوجد السائق وهو العمل والذي يراد به الإسلام الذي مقابل الإيمان، ومَثَّل بعضهم الآخر الإيمان بدون الأعمال بأنه عريان ولباسه الأعمال الصالحة، بينما مثَّلَه بعضهم الآخر بالشجرة التي لها أصل وهو الشهادتان، وفروع وأوراق وثمر وهي باقي الأعمال الصالحة؛ فإنه وإن كان الإيمان هو القائد، فالقائد لا يسير بدون سائق يسوقه، والسائق لا يعرف كيف يسير بدون قائد يقوده ويوجهه، وهكذا الإيمان بدون تقوى ولا حياء كعريان لا حِلْية له ولا لباس، وكذا الشجرة لا تكون بدون أصلها وجذورها إلى مثَّلَها طاووس بالشهادتين، ولا شك أن قصده ليس مجرد النطق بهما، بل النطق مع ما يتضمنه من الإيمان الباطن من الإقرار

стр. 691

والتصديق والعلم والانقياد، فالشجرة بأصلها دون باقي مكوناتها لا خير فيها، وهكذا لا يتصور وجود الثمار وباقي أجزاء الشجرة دون أصلها، فكذلك الإيمان وسائر أعمال الإسلام الظاهرة، هما شيئان بحقيقتين مختلفتين، لكنهما متلازمان في الوجود إذ لا يوجد أحدهما بدون الآخر، ولا بد من أحدهما لصحة الآخر، فهذه الآثار فيها الإشارة إلى التلازم بينهما في الوجود، والترابط في التأثير والإجزاء والصحة، والتغاير في الحقيقة، ولم تتعرض إلى إطلاق أحدهما على الآخر هل هو من باب الترادف أم لا؟ ، وللسلف في ذلك أقوال أجملها فيما يلي: القول الأول: من قال بالترادف بينهما . ذهب إلى هذا القول البخاري صاحب الصحيح (١)، وأبو بكر الإسماعيلي (٢)، ومحمد بن نصر المروزي -وانتصر له بقوة- (٣)، وابن حبان البستي (٤)، وابن منده (٥)، وابن حزم (٦)، والبيهقي (٧)، والبغوي (٨)، وابن

стр. 692

عبد البر وقال: "وعلى هذا جمهور أصحابنا وغيرهم من الشافعية والمالكية، وهو قول داود وأصحابه، وأكثر أهل السنة والنظر، المتّبعين للسلف والأثر" (١). وهو أيضا مذهب الأشاعرة كما نص عليه الإيجي والتفتازاني (٢)، وقول الخوارج والمعتزلة والرافضة (٣). القول الثاني: قول من قال بالتغاير . ذهب إلى هذا القول ابن عباس ﵁ والزهري والحسن البصري وابن سيرين (٤)، وحماد بن زيد ومحمد بن عبد الرحمن أبي بن ذئب ومالك وشريك (٥)، والخلال وأحمد بن حنبل (٦)، وابن بطة (٧) وأبو يعلى الفراء (٨)، وأبو القاسم التيمي (٩).

стр. 693

القول الثالث: قول من قال بالتلازم بينهما . ذهب بعض المحققين من أهل السنة إلى أن بين الإسلام والإيمان تلازما، وأنهما يجتمعان ويفترقان، فإذا اجتمعا افترقا ودلّ كل واحد منهما على معنى غير الذي دلّ عليه الآخر، فيختصّ الإيمان بالقلب ويختصّ الإسلام بالأعمال الظاهرة، وإذا افترقا اجتمعا فدلّ كلّ واحد منهما على ما يدلّ عليه الآخر. وقد اختلفت عبارات العلماء في التعبير عن هذا المعنى، وضربوا له الأمثال لتقريبه وتقريره، فمِمَّن نقل عنه ذلك أبو حنيفة النعمان ﵀ حيث قال: "لا يكون إيمان بلا إسلام، ولا يوجد إسلام بلا إيمان، فهما كالظهر مع البطن" (١). وقال أبو طالب المكّي ﵀: "مثل الإسلام من الإيمان كمثل الشهادتين، إحداهما من الأخرى في المعنى والحكم، فشهادة الرسول غير شهادة الوحدانية، فهما شيئان في الأعيان، وإحداهما مرتبطة بالأخرى في المعنى والحكم كشيء واحد، كذلك الإيمان والإسلام أحدهما مرتبط بالآخر فهما كشيء وأحد، لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له؛ إذ لا يخلو المسلم من إيمان يصحّ به إسلامه، ولا يخلو المؤمن من إسلام يحقّق به إيمانه" (٢).

стр. 694

وقال أبو بكر الإسماعيلي ﵀: "إذا ذكر كلّ اسم على حدته مضموما إلى الآخر، فقيل: المؤمنون والمسلمون جميعا مفردين، أريد من أحدهما معنى لم يرد به الآخر، وإذا ذكر أحد الاسمين شمل الكلَّ وعمَّهم" (١). وقال ابن تيمية ﵀: "مثل الإيمان والإسلام أيضا الفسطاط (٢) قائم في الأرض، له ظاهر وباطن، وله عمود في باطنه، فالفسطاط مثل الإسلام له أركان من أعمال العلانية والجوارح، وهي الأطناب إلى تمسك أرجاء الفسطاط، والعمود الذي في وسط الفسطاط، مثله كالإيمان لا قوام للفسطاط إلا به، فقد احتاج الفسطاط إليها؛ إذ لا قوام له ولا قوة إلا بها، كذلك أعمال الجوارح لا قوام له إلا بالإيمان والإيمان من أعمال القلوب، لا نفع له إلا بالإسلام وهو صالح العمل" (٣)، وهذا القول هو الذي تشير إليه الآثار السابقة وتفيده عند التأمل واللَّه أعلم.

стр. 695

الفصل الخامس: الآثار الواردة في الأسماء والأحكام . وفيه مبحثان: المبحث الأول: الآثار الواردة في الأسماء. المبحث الثاني: الآثار الواردة في الأحكام.

стр. 696

المبحث الأول: الآثار الواردة في الأسماء . وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الآثار الواردة في أنواع الكفر. المطلب الثاني: الآثار الواردة في الكلام على الحجاج بن يوسف. المطلب الثالث: الآثار الواردة في الولاء والبراء.

стр. 697

المطلب الأول: الآثار الواردة في أنواع الكفر . ٦٠٢ - حدثنا أبو كريب، ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي الزبير قال: قلت لجابر (١): "أكنتم تعدون شيئا من الذنوب كفرا؟ قال: معاذ اللَّه" (٢). ٦٠٣ - حدثنا يوسف بن حماد المعنيّ قال: حدثنا أبو عثمان صاحب الرقيق قال: "سئل الحسن عن النفاق؟ فقال: لو رفعوا عنكم لاستوحشتم، نافق هؤلاء بالتكذيب، ونافق هؤلاء بالعمل" (٣). التحليل والتعليق تضمن الأثران السابقان بيان أن الكفر ليس نوعا واحدا، بل هو أنواع، وورد ذكر الكفر العملي، وكفر التكذيب، والكفر الأصغر؛ فإن

стр. 698

أثر جابر بيّن أنهم كانوا لا يعدون شيئا من الذنوب كفرا، ولا يخفى ما ورد من النصوص الكثيرة في إطلاق الكفر على بعض الذنوب، فأفاد ذلك أنه ليس كل عمل وصف بالكفر يكون المراد به الكفر الأكبر المخرج من الملة، وكذا أثر الحسن الذي فرَّق بين نفاق التكذيب، ونفاق العمل، أي النفاق الأكبر والأصغر، والمقصود أن الكفر أنواع وليس نوعا واحدا، قال شيخ الإسلام: "إن الظلم يتناول الكفر، ولا يختص بالكفر، بل يتناول ما دونه أيضا، وكلٌّ بحسبه؛ كلفظ الذنب والخطيئة والمعصية، فإن هذا يتناول الكفر والفسوق والعصيان" (١)، وقال ابن القيم: "أصل آخر، وهو أن الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود وعناد، فكفر الجحود أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند اللَّه، جحودا وعنادا، من أسماء الرب، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، وهذا الكفر يضادّ الإيمان من كلّ وجه. وأما كفر العمل، فينقسم إلى ما يضادّ الإيمان، وإلى ما لا يضادّه، فالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبّه. . . وهذا التفصيل هو قول الصحابة، الذين هم أعلم الأمة بكتاب اللَّه، وبالإسلام والكفر ولوازمهما، فلا تتلقى هذه المسائل إلا عنهم، فإن المتأخرين لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين: فريقا أخرجوا من الملّة بالكبائر وقضوا على أصحابها بالخلود في النار، وفريقا جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان، فهؤلاء غلوا وهؤلاء جفوا، وهدى اللَّه أهل السنة للطريقة المثلى والقول الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل، فهاهنا كفرٌ دون كفر، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك، وفسوق دون فسوق وظلم دون

стр. 699

ظلم" (١)، قال ابن القيم: "أما الكفر الأكبر فخمسة أنواع: كفر تكذيب، وكفر استكبار وإباء مع التصديق، وكفر إعراض، وكفر شك، وكفر نفاق؛ فأما كفر التكذيب: فهو اعتقاد كذب الرسل. . . وأما كفر الإباء والاستكبار: فنحو كفر إبليس؛ فإنه لم يجحد أمر اللَّه، ولا قابله بالإنكار، وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار، ومن هنا كفر من عرف صدق الرسول، وأنه جاء بالحق من عند اللَّه، ولم ينقد له إباء واستكبارا، وهو الغالب على كفر أعداء الرسل، . . . وأما كفر الإعراض: فأنه يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول؛ لا يصدقه، ولا يكذبه، ولا يواليه، ولا يعاديه، ولا يصغي إلى ما جاء به ألبتة. . . وأما كفر الشك: فإنه لا يجزم بصدقه ولا بكذبه، بل يشك في أمره، وهذا لا يستمر شكه، إلا إذا ألزم نفسه الإعراض عن النظر في آيات صدق الرسول جملةً؛ فلا يسمعها، ولا يلتفت إليها، وأما مع التفاته إليها، ونطره فيها؛ فإنه لا يبقى معه شك؛ لأنها مستلزمة للصدق، ولا سيما بمجموعها؛ فإن دلالتها على الصدق كدلالة الشمس على النهار. وأما كفر النفاق: فهو أن يظهر بلسانه الإيمان، وينطوي بقلبه على التكذيب، فهذا هو النفاق الأكبر" (٢).

стр. 700

المطلب الثاني: الآثار الواردة في الحجاج بن يوسف ٦٠٤ - حدثني إسماعيل بن زكريا قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم والأعمش قالا: "سمعنا الحجاج بن يوسف على المنبر يقول: عبد هذيل -يعني ابن مسعود- يقرأ القرآن رجزا كرجز الأعراب، ويقول: هذا القرآن، أما لو أدركته لضربت عنقه" (١). ٦٠٥ - حدثني واصل بن عبد الأعلى قال: حدثنا عمار بن أبي مالك الجنبي عن أبيه، عن الأجلح (٢) قال: "اختصمت أنا وعمرو بن قيس الملائي في الحجاج (٣)، فقلت: إن الحجاج كافر، وقال: عمرو بن قيس: الحجاج

стр. 701

مؤمن ضال، فأتينا الشعبى فقلنا له: يا أبا عمرو إني قلت: إن الحجاج كافر، وإن هذا قال: الحجاج مؤمن ضال، فقال له الشعبي: يا عمرو شمّرت ثيابك وحللت إزارك، وقلت: الحجاج مؤمن ضال؟ كيف يجتمع في مؤمن إيمان وضلال؟ الحجاج مؤمن بالجبت والطاغوت، كافر باللَّه العظيم" (١). ٦٠٦ - نا علي بن الجعد، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن محمد بن المنكدر قال: "كان عمر بن عبد العزيز يبغض الحجاج، فنفس عليه بكلمة قالها عند الموت: اللهم اغفر لي؛ فإنهم زعموا أنك لا تفعل، قال عبد اللَّه (أي: ابن أبي الدنيا) فحدثني غير علي بن الجعد أن ذلك بلغ الحسن البصري فقال: "أقالها؟ قالوا: نعم، قال: عسى" (٢). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة ما كان عليه الحجاج بن يوسف من الأعمال الفظيعة، والقبائح الكبيرة التي جعلت الناس يبغضونه،

стр. 702

والعلماء يحكمون عليه بما يناسبه، كلٌّ حسب اجتهاده، وما بلغة عنه من أفعاله المنكرة، فمن ذلك همّه بقتل الصحابي الجليل عبد اللَّه بن مسعود، وإنكاره قراءته ﵁، ووصفها بأنها رجز من رجز الأعراب، واختلاف الأجلح والشعبي مع عامر الملائي في تكفيره، وبغض الخليفة العادل عمر ابن عبد العزيز له، رغم أنهما كانا من حكام الدولة الأموية، وقبيلة واحدة، لكنه رجا له هو والحسن البصري بعدما بلغهما عنه من الاستغفار عند الموت. والحجاج بن يوسف كما قال الذهبي: "أهلكه اللَّه في رمضان سنة خمس وتسعين كهلا، وكان ظلوما، جبارا، ناصبيا، خبيثا، سافكا للدماء، وكان ذا شجاعة وإقدام، ومكر ودهاء، وفصاحة وبلاغة، وتعظيم للقرآن، قد سقت من سوء سيرته في تاريخى الكبير، وحصاره لابن الزبير بالكعبة، ورميه إياها بالمنجنيق، وإذلاله لأهل الحرمين، ثم ولايته على العراق والمشرق كله عشرين سنة، وحروب ابن الأشعث له، وتأخيره للصلوات، إلى أن استأصله اللَّه، فنسبه ولا نحبه، بل نبغضه في اللَّه؛ فإن ذلك من أوثق عرى الإيمان، وله حسنات مغمورة في بحر ذنوبه، وأمره إلى اللَّه وله توحيدٌ في الجملة، ونظراء من ظلمة الجبابرة والأمراء" (١)، بل إن فسقه أمر مسفيض معلوم لا يمتري فيه أحد، قال شيخ الإسلام: "العدالة والفسق تثبت بالاستفاضة، ويُشهَد بها بذلك، كما يشهد المسلمون كلهم

стр. 703

أن: عمر بن عبد العزيز كان عادلا، وأن الحجاج كان ظالما" (١). ومن أفعاله ما جعل بعض علماء عصره يكفره، قال ابن عبد البر: "كان الحجاج عند جمهور العلماء أهلا أن لا يروى عنه، ولا يؤثر حديثه، ولا يذكر بخير؛ لسوء سره، وإفراطه في الظلم، ومن أهل العلم طائفة تكفره" (٢)، وقد عقد ابن كثير فصلا في كتابه البداية والنهاية في ما وقع منه مما يوجب كفره (٣)، ووجه كلامه في ابن مسعود ﵁ بقوله: "وإنما نقم على قراءة ابن مسعود ﵁، لكونه خالف القراءة على المصحف الإمام، الذي جمع الناس عليه عثمان، والظاهر أن ابن مسعود رجع إلى قول عثمان وموافقيه واللَّه أعلم" (٤). وخلاصة القول فيه كما حققه ابن كثير أنه: "كان ناصبيا يبغض عليا وشيعته في هوى آل مروان بني أمية، وكان جبارا، عنيدا، مقداما على سفك الدماء بأدنى شبهة، وقد روي عنه ألفاظ بشعة شنيعة، ظاهرها الكفر كما قدمنا؛ فإن كان قد تاب منها، وأقلع عنها، وإلا فهو باق في عهدتها، ولكن قد يخشى أنها رويت عنه بنوع من زيادة عليه؛ فإن الشيعة كانوا يبغضونه جدا لوجوه (٥)، وربما حرفوا عليه بعض الكلم،

стр. 704

وزادوا فيما يحكونه عنه بشاعات وشناعات، وقد روينا عنه أنه كان يتدين بترك المسكر، وكان يكثر تلاوة القرآن، ويتجنب المحارم، ولم يشتهر عنه شيء من التلطخ بالفروج، وإن كان متسرعا في سفك الدماء، فاللَّه تعالى أعلم بالصواب، وحقائق الأمور وسرائرها، وخفيات الصدور وضمائرها، قلت -أي ابن كثير-: الحجاج أعظم ما نقم عليه، وصح من أفعاله، سفك الدماء، وكفى به عقوبة عند اللَّه ، وقد كان حريصا على الجهاد، وفتح البلاد، وكان فيه سماحة بإعطاء المال لأهل القرآن، فكان يعطي على القرآن كثيرا ولما مات لم يترك فيما قيل إلا ثلثمائة درهم واللَّه أعلم" (١). وهذا الذي حققه ابن كثير هو مذهب جماهير أهل السنة، وهو موافق لعقيدتهم في الفاسق الملي، ومرتكب الكبيرة، وعصاة الموحدين، من أنهم لا يسلبون إيمانه مطلقا، ولا يطلقونه عليه مطلقا، وإنما يطلق عليه مقيدا، فيقال: مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، أو مؤمن ناقص الإيمان، ونحو ذلك، ولهذا لم يكفره من أدركه من الصحابة، كعبد اللَّه بن عمر، وأنس ابن مالك، بل صلوا وراءه رغم تأخيره الصلاة عن وقتها (٢)، ولما ناقش شيخ الإسلام من كفّر معاوية ﵁ قال: "ولو قال قائل هذا فيمن هو دون معاوية، من ملوك بني أمية، وبنى العباس، كعبد الملك بن مروان وأولاده،

стр. 705

وأبي جعفر المنصور وولديه الملقبين بالمهدي والهادي والرشيد وأمثالهم، من الذين تولوا الحلافة وأمر المؤمنين، فمن نسب واحدا من هؤلاء إلى الردة، وإلى أنه مات على دين النصارى، لعلم كل عاقل أنه من أعظم الناس فرية، فكيف يقال مثل هذا في معاوية وأمثاله من الصحابة، بل يزيد ابنه مع ما أحدث من الإحداث، من قال فيه: إنه كافر مرتد، فقد افترى عليه، بل كان ملكا من ملوك المسلمين، كسائر ملوك المسلمين، وأكثر الملوك لهم حسنات، ولهم سيئات، وحسناتهم عظيمة، وسيئاتهم عظيمة، فالطاعن في واحد منهم دون نظرائه إما جاهل وإما ظالم، وهؤلاء لهم ما لسائر المسلمين، منهم من تكون حسناته أكثر من سيئاته، ومنهم من قد تاب من سيئاته، ومنهم من كفَّر اللَّه عنه، ومنهم من قد يدخله الجنة، ومنهم من قد يعاقبه لسيئاته، ومنهم من قد يتقبل اللَّه فيه شفاعة نبي أو غيره من الشفعاء، فالشهادة لواحد من هؤلاء بالنار هو من أقوال أهل البدع والضلال، وكذلك قصد لعنة أحد منهم بعينه، ليس هو من أعمال الصالحين والأبرار" (١)، بل "في الجملة الملوك حسناتهم كبار، وسيئاتهم كبار، والواحد من هؤلاء وإن كان له ذنوب ومعاص لا تكون لآحاد المؤمنين، فلهم من الحسنات ما ليس لآحاد المسلمين: من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، وجهاد العدو،
следующие страницы →