← Акыда

Акыда · id 151178

الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا

حميد بن أحمد نعيجات

Полный текст (1 390 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

مؤمن ضال، فأتينا الشعبى فقلنا له: يا أبا عمرو إني قلت: إن الحجاج كافر، وإن هذا قال: الحجاج مؤمن ضال، فقال له الشعبي: يا عمرو شمّرت ثيابك وحللت إزارك، وقلت: الحجاج مؤمن ضال؟ كيف يجتمع في مؤمن إيمان وضلال؟ الحجاج مؤمن بالجبت والطاغوت، كافر باللَّه العظيم" (١). ٦٠٦ - نا علي بن الجعد، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن محمد بن المنكدر قال: "كان عمر بن عبد العزيز يبغض الحجاج، فنفس عليه بكلمة قالها عند الموت: اللهم اغفر لي؛ فإنهم زعموا أنك لا تفعل، قال عبد اللَّه (أي: ابن أبي الدنيا) فحدثني غير علي بن الجعد أن ذلك بلغ الحسن البصري فقال: "أقالها؟ قالوا: نعم، قال: عسى" (٢). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة ما كان عليه الحجاج بن يوسف من الأعمال الفظيعة، والقبائح الكبيرة التي جعلت الناس يبغضونه،

стр. 702

والعلماء يحكمون عليه بما يناسبه، كلٌّ حسب اجتهاده، وما بلغة عنه من أفعاله المنكرة، فمن ذلك همّه بقتل الصحابي الجليل عبد اللَّه بن مسعود، وإنكاره قراءته ﵁، ووصفها بأنها رجز من رجز الأعراب، واختلاف الأجلح والشعبي مع عامر الملائي في تكفيره، وبغض الخليفة العادل عمر ابن عبد العزيز له، رغم أنهما كانا من حكام الدولة الأموية، وقبيلة واحدة، لكنه رجا له هو والحسن البصري بعدما بلغهما عنه من الاستغفار عند الموت. والحجاج بن يوسف كما قال الذهبي: "أهلكه اللَّه في رمضان سنة خمس وتسعين كهلا، وكان ظلوما، جبارا، ناصبيا، خبيثا، سافكا للدماء، وكان ذا شجاعة وإقدام، ومكر ودهاء، وفصاحة وبلاغة، وتعظيم للقرآن، قد سقت من سوء سيرته في تاريخى الكبير، وحصاره لابن الزبير بالكعبة، ورميه إياها بالمنجنيق، وإذلاله لأهل الحرمين، ثم ولايته على العراق والمشرق كله عشرين سنة، وحروب ابن الأشعث له، وتأخيره للصلوات، إلى أن استأصله اللَّه، فنسبه ولا نحبه، بل نبغضه في اللَّه؛ فإن ذلك من أوثق عرى الإيمان، وله حسنات مغمورة في بحر ذنوبه، وأمره إلى اللَّه وله توحيدٌ في الجملة، ونظراء من ظلمة الجبابرة والأمراء" (١)، بل إن فسقه أمر مسفيض معلوم لا يمتري فيه أحد، قال شيخ الإسلام: "العدالة والفسق تثبت بالاستفاضة، ويُشهَد بها بذلك، كما يشهد المسلمون كلهم

стр. 703

أن: عمر بن عبد العزيز كان عادلا، وأن الحجاج كان ظالما" (١). ومن أفعاله ما جعل بعض علماء عصره يكفره، قال ابن عبد البر: "كان الحجاج عند جمهور العلماء أهلا أن لا يروى عنه، ولا يؤثر حديثه، ولا يذكر بخير؛ لسوء سره، وإفراطه في الظلم، ومن أهل العلم طائفة تكفره" (٢)، وقد عقد ابن كثير فصلا في كتابه البداية والنهاية في ما وقع منه مما يوجب كفره (٣)، ووجه كلامه في ابن مسعود ﵁ بقوله: "وإنما نقم على قراءة ابن مسعود ﵁، لكونه خالف القراءة على المصحف الإمام، الذي جمع الناس عليه عثمان، والظاهر أن ابن مسعود رجع إلى قول عثمان وموافقيه واللَّه أعلم" (٤). وخلاصة القول فيه كما حققه ابن كثير أنه: "كان ناصبيا يبغض عليا وشيعته في هوى آل مروان بني أمية، وكان جبارا، عنيدا، مقداما على سفك الدماء بأدنى شبهة، وقد روي عنه ألفاظ بشعة شنيعة، ظاهرها الكفر كما قدمنا؛ فإن كان قد تاب منها، وأقلع عنها، وإلا فهو باق في عهدتها، ولكن قد يخشى أنها رويت عنه بنوع من زيادة عليه؛ فإن الشيعة كانوا يبغضونه جدا لوجوه (٥)، وربما حرفوا عليه بعض الكلم،

стр. 704

وزادوا فيما يحكونه عنه بشاعات وشناعات، وقد روينا عنه أنه كان يتدين بترك المسكر، وكان يكثر تلاوة القرآن، ويتجنب المحارم، ولم يشتهر عنه شيء من التلطخ بالفروج، وإن كان متسرعا في سفك الدماء، فاللَّه تعالى أعلم بالصواب، وحقائق الأمور وسرائرها، وخفيات الصدور وضمائرها، قلت -أي ابن كثير-: الحجاج أعظم ما نقم عليه، وصح من أفعاله، سفك الدماء، وكفى به عقوبة عند اللَّه ، وقد كان حريصا على الجهاد، وفتح البلاد، وكان فيه سماحة بإعطاء المال لأهل القرآن، فكان يعطي على القرآن كثيرا ولما مات لم يترك فيما قيل إلا ثلثمائة درهم واللَّه أعلم" (١). وهذا الذي حققه ابن كثير هو مذهب جماهير أهل السنة، وهو موافق لعقيدتهم في الفاسق الملي، ومرتكب الكبيرة، وعصاة الموحدين، من أنهم لا يسلبون إيمانه مطلقا، ولا يطلقونه عليه مطلقا، وإنما يطلق عليه مقيدا، فيقال: مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، أو مؤمن ناقص الإيمان، ونحو ذلك، ولهذا لم يكفره من أدركه من الصحابة، كعبد اللَّه بن عمر، وأنس ابن مالك، بل صلوا وراءه رغم تأخيره الصلاة عن وقتها (٢)، ولما ناقش شيخ الإسلام من كفّر معاوية ﵁ قال: "ولو قال قائل هذا فيمن هو دون معاوية، من ملوك بني أمية، وبنى العباس، كعبد الملك بن مروان وأولاده،

стр. 705

وأبي جعفر المنصور وولديه الملقبين بالمهدي والهادي والرشيد وأمثالهم، من الذين تولوا الحلافة وأمر المؤمنين، فمن نسب واحدا من هؤلاء إلى الردة، وإلى أنه مات على دين النصارى، لعلم كل عاقل أنه من أعظم الناس فرية، فكيف يقال مثل هذا في معاوية وأمثاله من الصحابة، بل يزيد ابنه مع ما أحدث من الإحداث، من قال فيه: إنه كافر مرتد، فقد افترى عليه، بل كان ملكا من ملوك المسلمين، كسائر ملوك المسلمين، وأكثر الملوك لهم حسنات، ولهم سيئات، وحسناتهم عظيمة، وسيئاتهم عظيمة، فالطاعن في واحد منهم دون نظرائه إما جاهل وإما ظالم، وهؤلاء لهم ما لسائر المسلمين، منهم من تكون حسناته أكثر من سيئاته، ومنهم من قد تاب من سيئاته، ومنهم من كفَّر اللَّه عنه، ومنهم من قد يدخله الجنة، ومنهم من قد يعاقبه لسيئاته، ومنهم من قد يتقبل اللَّه فيه شفاعة نبي أو غيره من الشفعاء، فالشهادة لواحد من هؤلاء بالنار هو من أقوال أهل البدع والضلال، وكذلك قصد لعنة أحد منهم بعينه، ليس هو من أعمال الصالحين والأبرار" (١)، بل "في الجملة الملوك حسناتهم كبار، وسيئاتهم كبار، والواحد من هؤلاء وإن كان له ذنوب ومعاص لا تكون لآحاد المؤمنين، فلهم من الحسنات ما ليس لآحاد المسلمين: من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، وجهاد العدو،

стр. 706

وإيصال كثير من الحقوق إلى مستحقيها، ومنع كثير من الظلم وإقامة كثير من العدل" (١). والذي يظهر لي واللَّه أعلم بالصواب، أن الحجاج كان عنده خلل فكري وعقدي، وافق طبعه الحادّ، فنتج عنه تلك العظائم في استباحة الدماء، وهو ما أشار إليه شيخ الإسلام من الخلل في مفهوم الطاعة لخليفة المسلمين في العهد الأموي، من بعض أنصارهم وشيعتهم، حيث قال: "كثير من أتباع بني أمية، أو أكثرهم، كانوا يعتقدون أن الإمام لا حساب عليه، ولا عذاب، وأن اللَّه لا يؤاخذهم على ما يطيعون فيه الإمام، بل تجب عليهم طاعة الإمام في كل شيء، واللَّه أمرهم بذلك" (٢)، ولهذا كان لا يتورع عن أي عقوبة لمن رأى منه ما يعكر صفو هذه الطاعة المطلقة، أو يقلل من قدرها وأهميتها، وهذا واضح في قصته مع أبيه حين قام ليسلم على قاضي مصر التجيي، وكان من كبار التابعين، وكان ممن شهد خطبة عمر بن الخطاب بالجابية، وكان من الزهادة والعبادة على جانب عظيم، وكان يختم القرآن في كل ليلة ثلاث ختمات في الصلاة، وغيره فقال له: "يا أبة أتقوم إلى رجل من تجيب وأنت ثقفي؟ ! فقال له: يا بني واللَّه إني لأحسب أن الناس يرحمون بهذا وأمثاله، فقال: واللَّه ما على أمير المؤمنين أضر من هذا وأمثاله، فقال: ولم يا بني؟ ! قال: لأن هذا وأمثاله يجتمع الناس إليهم، فيحدثونهم عن سيرة أبي بكر وعمر، فيحقر الناس سيرة أمير

стр. 707

المؤمنين، ولا يرونها شيئا عند سيرتها، فيخلعونه ويخرجون عليه، ويبغضونه، ولا يرون طاعته، واللَّه لو خلص لي من الأمر شيء لأضربن عنق هذا وأمثاله، فقال له أبوه: يا بني واللَّه إني لأظن أن اللَّه خلقك شقيا" (١)، بل إن وصيته عند موته كان فيها: "أنه يشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأنه لا يعرف إلا طاعة الوليد بن عبد الملك؛ عليها يحي، وعليها يموت، وعليها يبعث. . . فرفع أبو جعفر رأسه إلى أبي العباس الطوسي -وكان قائما على رأسه- فقال: هذه واللَّه الشيعة لا شيعتكم" (٢)، وهذا فساد نظري أوجب هذا الفساد الأخلاقي الخاص، ولهذا لم يعرف عنه فساد أخلاقي في الشرب والفروج ونحو ذلك كما سبق عن ابن كثير، بل روي عنه نوع عبادة واهتمام بالقرآن وأهله. وعلى كل حال هذا الكلام يقال في حياته، أما بعد موته وثبوت تراجعه، وندمه وسؤال اللَّه المغفرة والتوبة، ورجائه في عفو اللَّه، فينبغي أن لا يختلف في عدم تكفيره، بل يوكل أمره إلى اللَّه، وقد رويت في هذا المعنى آثار كثيرة، لخص محتواها الذهبي بقوله: "له حسنات مغمورة في بحر ذنوبه، وأمره إلى اللَّه، وله توحيد في الجملة، ونظراء من الجبابرة والأمراء" (٣).

стр. 708

المطلب الثالث: الآثار الواردة في الولاء والبراء . ٦٠٧ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا أبو سلمة (١)، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: "من أحب للَّه وأبغض للَّه، وأعطى للَّه ومنع للَّه فقد استكمل الإيمان" (٢). ٦٠٨ - حدثنا خلف بن هشام، حدثنا شريك، عن أبي سنان قال: قلت لسعيد بن جبير: "المجوسي يولّيني من نفسه ويسلّم عليّ، أفأردّ عليه؟ فقال سعيد: سألت ابن عباس عن نحو من ذلك فقال: لو قال لي فرعون خيرا لرددت عليه" (٣).

стр. 709

٦٠٩ - حدثنا يعقوب بين إبراهيم، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، حدثنا حسن بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "من سلم عليك من خلق اللَّه فاردد عليه وإن كان مجوسيا، ذلك بأن اللَّه يقول: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (١) " (٢).

стр. 710

٦١٠ - حدثنا خلف بن هشام، حدثنا خالد بن عبد اللَّه، عن عبد الملك، عن عطاء: "قوله : ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (١): للناس كلهم، المشرك وغيره" (٢). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة بيان مفاهيم هامة في عقيدة الولاء والبراء، فمن جهة بيَّن أثر أبي أمامة أن الإيمان يكمل بالبغض في اللَّه والحب في اللَّه، ثم الآثار التي بعده بيَّنت أن الإحسان إلى المشرك أو الكافر، ورد

стр. 711

سلامه إذا سلّم لا ينافي هذا الحب وهذا البغض، ومعنى الولاء والبراء كما قال شيخ الإسلام: "أصل الموالاة الحب، وأصل المعاداة البغض، وأصل الموالاة هي المحبة، كما أن أصل المعاداة البغض؛ فإن التحاب يوجب التقارب والاتفاق، والتباغض يوجب التباعد والاختلاف، وقد قيل المولى من الولي وهو القرب، وهذا يلي هذا أي هو يقرب منه، والعدو من العدواء. وهو البعد، ومنه العدوة، والشيء إذا ولي الشيء ودنا منه وقرب إليه اتصل به، كما أنه إذا عدى عنه، ونأى عنه وبعد منه كان ماضيا عنه، فأولياء اللَّه ضد أعدائه يقربهم منه، ويدنيهم إليه، ويتولاهم ويتولونه، ويحبهم ويرحمهم، ويكون عليهم منه صلاة، وأعداؤه يبعدهم ويلعنهم، وهو إبعاد منه ومن رحمته، ويبغضهم ويغضب عليهم، وهذا شأن المتوالين والمتعادين" (١)، ولذلك فإن: "الواجب على كل مسلم أن يكون حبه وبغضه، وموالاته ومعاداته، تابعا لأمر اللَّه ورسوله، فيحب ما أحبه اللَّه ورسوله، ويبغض ما أبغضه اللَّه ورسوله، ويوالي من يوالي اللَّه ورسوله، ويعادي من يعادي اللَّه ورسوله" (٢)؛ لأن هذه العقيدة من أهم عقائد الإيمان، وهي من شروط تحقيق كلمة التوحيد فهي الشرط السابع قال الشيخ حافظ حكمي: "السابع: المحبة لهذه الكلمة، ولما اقتضته، ودلَّت

стр. 712

عليه، ولأهلها العاملين بها، الملتزمين لشروطها، وبغض ما ناقض ذلك. . . وعلامة حب العبد ربه تقديم محابِّه وإن خالفت هواه، وبغض ما يبغض ربُّه وإن مال إليه هواه، وموالاة من والى اللَّه ورسوله، ومعاداة من عاداه، واتباع رسوله ﷺ ، واقتفاء أثره، وقبول هداه، وكل هذه العلامات شروط في المحبة، لا يتصور وجود المحبة مع عدم شرط منها" (١). وإذا كان الولاء والبراء بهذه المرتبة؛ فإنه لا يعارضه الإحسان إلى الكافر، وردّ السلام عليه، فأما رد السلام فقد ورد التنصيص عليه في السنة قال ابن القيم: "أما الرد عليهم فأمر أن يقتصر به على "عليكم"، واختلفت الرواية في إثبات الواو وحذفها، وصح هذا وهذا. . . هذا كله إذا تحقق أنه قال: السام عليكم، أو شك فيما قال، فلو تحقق السامع أن الذمي قال له: سلام عليكم لا شك فيه، فهل له أن يقول: وعليك السلام، أو يقتصر على قوله: وعليك، فالذي تقتضيه الأدلة الشرعية، وقواعد الشريعة أن يقال له: وعليك السلام؟ فإن هذا من باب العدل، واللَّه يأمر بالعدل والإحسان، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (٢)، فندب إلى الفضل، وأوجب العدل، ولا ينافي

стр. 713

هذا شيئا من أحاديث الباب بوجه ما؛ فإنه إنما أمر بالاقتصار على قول الراد: "وعليكم"، بناء على السبب المذكور، الذي كانوا يعتمدونه في تحيتهم. . . فإذا زال هذا السبب، وقال الكتابي: سلام عليكم ورحمة اللَّه، فالعدل في التحية يقتضي أن يرد عليه نظير سلامه وباللَّه التوفيق" (١)، لكن هذه المسألة فيها اتفاق واختلاف، فمحل الاتفاق أن يرد عليه بقوله: "وعليكم" كما ورد النص بذلك على خلاف في إثبات الواو وحذفها، والخلاف أن يرد عليه بغيره، ويشتد الخلاف أكثر إذا رد عليه بالرحمة والبركة (٢)، والذي يظهر أنه إذا سلم بصيغة السلام المعروفة عند المسلمين، ولم يشك السامع في ذلك فيقتصر على "وعليكم السلام"؛ لأنه لا يظهر فيه محذور شرعي، أما عطف الرحمة والبركة عليه فلا وجه له؛ إذ الكافر لا يدعى له بالرحمة والبركة واللَّه أعلم.

стр. 714

المبحث الثاني: الآثار الواردة في الأحكام . وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الآثار الواردة في حكم عصاة الموحدين. المطلب الثاني: الآثار الواردة في أطفال المشركين. المطلب الثالث: الآثار الواردة في توبة القاتل.

стр. 715

المطلب الأول: الآثار الواردة في حكم عصاة الموحدين . ٦١١ - ذكر أبي قال: ذكر إسماعيل بن علية، عن القاسم بن الفضل الحدائي، عن لبطة بن الفرزدق، عن أبيه قال: "لقيت أبا هريرة فقال: من أنت؟ فقلت: أنا الفرزدق، قال: أرى قدميك صغيرتين، وكم من محصنة قد قذفت، وإن لرسول اللَّه ﷺ حوضا ما بين أيلة إلى كذا وكذا؛ فإن استطعت فلا تحرمه، فلما قمت قال: مهما صنعت فلا تقنط" (١).

стр. 716

٦١٢ - حدثني محمد بن حاتم، ثنا الحسن بن موسى الأشيب قال: سمعت زهير بن معاوية الجعفي، حدثنا عن أبي إسحاق الهمداني، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود قال: "إذا رأيتم الرجل منكم قارف ذنبا فلا تدعوا اللَّه عليه، ولا تسبّوه، ولكن ادعوا اللَّه أن يعافيه، وأن يتوب عليه، فإنا كنا إذا رأينا الرجل ختم له بخير رجونا له، وإذا ختم له بشر خفنا عليه" (١). ٦١٣ - ذكر أحمد بن بجير، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي، عن بعض رجاله قال: "جاء حبيب أبو محمد إلى خشبة ابن برجان وهو مصلوب فجعل يدعو له ويترحم عليه، فقيل له: أتدعو لابن برجان (٢)؟

стр. 717

قال: فلمن أدعو؟ أللحسن وابن سيرين؟ قال: فرئي لابن برجان أنه في الجنة قال: دخلتها بدعوة حبيب أبي محمد" (١). ٦١٤ - ذكر محمد بن هارون، نا عمرو بن جعفر (٢)، نا سهل بن هاشم، ذكر إبراهيم بن أدهم، عن أبي حازم المديني قال: "من أعظم خصلة تُرجى للمؤمن، أن يكون أشد خوفا على نفسه، وأرجاه لكل مسلم" (٣). ٦١٥ - ذكر أبي، نا إسماعيل بن إبراهيم، نا ابن عون قال: "ما رأيت أحدا كان أعظم رجاء للموحّدين من محمد بن سيرين، وكان يتلو هذه الآيات: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ (٤)، ويتلو: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)

стр. 718

وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ (١)، ويتلو: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾ (٢) " (٣). ٦١٦ - نا إسماعيل بن زكريا الكوفي، نا منصور بن عجاج (٤) قال: قال عمر بن ذر: "إن لي في ربي أملين: أملا أن لا يعذّبني بالنار، فإن عذّبني لم يخلدني فيها مع من أشرك به" (٥). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة بيان عقيدة السلف في عصاة الموحدين،

стр. 719

والمذنبين من أهل القبلة، فكانت عادة السلف من لدن عهد الصحابة، الرجاء لهم، وعدم إخراجهم من جملة المسلمين، فهذا أبو هريرة ﵁، يوصى الشاعر المشهور بالمجون والهجاء الفرزدق بأنه مهما فعل فلا يقنط من رحمة اللَّه، وهذه القصة قد سبق إيرادها في فضائل التوحيد، وكان الفرزدق هناك التقى مع الحسن البصري، فنبهه إلى مثل ما قال أبو هريرة، وحذره مثل تحذيره من قذق المحصنات، ثم بيّن له أن الرجاء يجب أن يتبعه عمل، وإلا كان غرورا، فشهادة التوحيد كما قال الحسن: "إن معها شروطا، فإياك وقذف المحصنة، قال: هل من توبة؟ قال: نعم"، وهكذا حبيب أبو محمد دعا لابن برجان وهو لص يضرب به المثل في السرقة، وبيّن أن أحق الناس بالرجاء والدعاء هم العصاة وأصحاب الكبائر، قال شيخ الإسلام عند ذكره مكفرات الذنوب العشرة: "السبب الرابع الدافع للعقاب: دعاء المؤمنين للمؤمن، مثل صلاتهم على جنازته. . . وهذا دعاء له بعد الموت، فلا يجوز أن تحمل المغفرة على المؤمن التقي الذي اجتنب الكبائر، وكفرت عنه الصغائر وحده؛ فإن ذلك مغفور له عند المتنازعين، فعلم أن هذا الدعاء من أسباب المغفرة للميت" (١). بل كانوا أشد رجاء للمؤمنين، وخوفا على أنفسهم، كما في أَثري أبي حازم وابن سيرين، واستدلال ابن سيرين بالآيات الثلاثة بان أصحاب النار كانوا يستكبرون عن قول لا إله إلا اللَّه، ويكذبون بها، وهذا منتف

стр. 720

في حق الموحد وإن كان عاصيا؛ لأنه لم يكذب ولم يستكبر، بل مؤمن غلبته شهوته. ولذلك جاء أثر عمر بن ذر الأخير، يبيّن مسألة مهمة في حكم عصاة الموحدين في الآخرة، خلاصتها أنهم تحت المشيئة إن شاء اللَّه عذبهم، وإن شاء عفا، لكن إن عذبهم فلن يخلدوا في جهنم، مع أهل الشرك، قال شيخ الإسلام عند تعليقه على قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١): "لما أثبت أنه يغفر ما دون ذلك، وأن المغفرة هي لمن يشاء، دَلَّ ذلك على وقوع المغفرة العامة مما دون الشرك، لكنها لبعض الناس، وحينئذ فمن غفر له لم يُعَذَّب، ومن لم يُغْفَر له عُذِّب، وهذا مذهب الصحابة والسلف والأئمة، وهو القطع بأن بعض عصاة الأمة يدخل النار، وبعضهم يغفر له" (٢)، وقال ابن أبي العز الحنفي: "وأحاديث الشفاعة صريحة في خروج عصاة الموحدين من النار، وأن هذا حكم مختص بهم، فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم، ولم يختص الخروج بأهل الإيمان" (٣).

стр. 721

المطلب الثاني: الآثار الواردة في أطفال المشركين . ٦١٧ - حدثني أحمد بن عبد الأعلى الشيباني، حدثنا رزام أبو محمد التميمي -وكان من قرّاء القرآن- عن الحسن بن دينار، عن الحسن البصري قال: قيل له: "أين أطفال المشركين؟ قال: في الجنة، فقيل له: عمن؟ قال: قلت: عن اللَّه ؛ قال اللَّه ﵎: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾ (١)، وهذا لم يكذّب ولم يتول" (٢). التحليل والتعليق تضمن أثر الحسن البصري ﵀ أن أطفال المشركين في الجنة، واستدل بأن النار يدخلها الذي كذّب وتولى، وهم لم يصدر منهم ذلك، وهذه المسألة كما قال ابن كثير: "مسألة قد اختلف الأئمة رحمهم اللَّه تعالى فيها، قديما وحديثا" (٣)، وسبب هذا الاختلاف اختلاف النصوص الواردة فيها، ووجود قائل من المتقدمين بمقتضى كل واحد منها، قال القرطبي: "وهذه المسألة اختلف فيها لاختلاف الآثار" (٤). وقد استقصى ابن القيم ﵀ الأقوال فيها فأوصلها إلى عشرة

стр. 722

أقوال (١)، متفاوتة الصحة والضعف، لخصتها فيما يلي: المذهب الأول: الوقف في أمرهم، ولا نحكم لهم بجنة ولا نار، ونكل علمهم إلى اللَّه، وهذا قد يعبر عنه بمذهب الوقف، وقد يعبر عنه بمذهب المشيئة، وأنهم تحت مشيئة اللَّه، يحكم فيهم بما يشاء، ولا يدرى حكمه فيهم ما هو، وخلاصة أدلتهم جواب النبي ﷺ لما سئل عنهم بقوله: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين"، وخلاصة الجواب عن هذا الاستدلال أن النبي ﷺ لم يجب بالوقف في أمرهم، وإنما وَكَلَ علم ما كانوا عاملين إلى اللَّه. المذهب الثاني: أنهم في النار، وهذا قول جماعة من المتكلمين، وأهل التفسير، وأحد الوجهين لأصحاب أحمد، وحكاه القاضي نصا عن أحمد، وغَلَّطَه شيخنا، وأدلة أصحاب هذا المذهب إما أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حجة، أو أحاديث صحيحة أخص من الدعوى، ومعارضة بأحاديث أقوى منها نصَّت على أنهم في الجنة، أو محمولة على نوع خاص منهم قال ابن القيم: "هذا خاص ببعض أطفال المشركين، الذين ماتوا ودخلوا النار، ولا يلزم منه أن يكون هذا حكما عاما لجميع الأطفال" (٢). المذهب الثالث أنهم في الجنة، وهذا قول طائفة من المفسرين

стр. 723

والفقهاء والمتكلمين والصوفية وهو اختيار أبي محمد ابن حزم وغيره، قال النووي: "الصحيح الذي ذهب إليه المحققون، أنهم من أهل الجنة، ويستدل لي بأشياء؛ منها: حديث إبراهيم الخليل ﷺ حين رآه النبي ﷺ في الجنة، وحوله أولاد الناس، قالوا: يا رسول اللَّه وأولاد المشركين؟ قال: "وأولاد المشركين"، رواه البخاري في صحيحه، ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ (١)، ولا يتوجه على المولود التكليف، ويلزمه قول الرسول حتى يبلغ، وهذا متفق عليه واللَّه أعلم" (٢). الرابع: أنهم في منزلة بين الجنة والنار، وهذا قول طائفة من المفسرين، قالوا: وهم أهل الأعراف، قال ابن القيم: "وأرباب هذا القول، إن أرادوا أن هذا المنزل مستقرهم أبدا فباطل؛ فإنه لا مستقر إلا الجنة أو النار، وإن أرادوا أنهم يكونون فيه مدة، ثم يصيرون إلى دار القرار، فهذا ليس بممتنع" (٣)، وقال ابن كثير: "هذا القول يرجع إلى قول من ذهب إلى أنهم من أهل الجنة؛ لأن الأعراف ليست دار قرار، ومآل أهلها الجنة" (٤).

стр. 724

المذهب الخامس: أنهم مردودون إلى محض مشيئة اللَّه بلا سبب ولا عمل، وهذا المذهب مبني على أصول الجبرية، المنكرين للأسباب، والحكم والتعليل، وهو مذهب مخالف للعقل، والفطرة، والقرآن، والسنة، وجميع ما جاءت به الرسل. المذهب السادس: أنهم خدم أهل الجنة، ومماليكهم معهم، بمنزلة أرقائهم ومماليكهم في الدنيا، وهو قول سلمان الفارسي ﵁، وورد فيه قول النبي ﷺ في أولاد المشركين: "هم خدم أهل الجنة" قال ابن القيم: "هذا الحديث ضعيف" (١). المذهب الرابع: أن حكمهم حكم آبائهم في الدنيا والآخرة، فلا يفردون عنهم بحكم في الدارين، فكما أنهم منهم في الدنيا فهم منهم في الآخرة، والفرق بين هذا المذهب وبين مذهب من يقول هم في النار، أن صاحب هذا المذهب يجعلهم معهم تبعا لهم، حتى لو أسلم الأبوان بعد موت أطفالهما، لم يحكم لأفراطهما بالنار، وصاحب القول الآخر يقول هم في النار لكونهم ليسوا بمسلمين، ولم يدخلوا النار تبعا. المذهب الثامن: أنهم يكونون يوم القيامة ترابا، حكاه أرباب المقالات عن ثمامة بن أشرس، وهذا قول لعله اخترعه من تلقاء نفسه، فلا يعرف عن أحد من السلف، وكأن قائله رأى أنهم لا ثواب لهم ولا عقاب، فألحقهم بالبهائم، والأحاديث الصحاح، والحسان، وآثار

стр. 725

الصحابة، تكذب هذا القول وترد عليه. المذهب التاسع: مذهب الإمساك، وهو ترك الكلام في المسألة نفيا وإثباتا بالكلية، وجعلها مما استأثر اللَّه بعلمه، وطوى معرفته عن الخلق، ولعل سبب هذا المذهب ما قاله ابن كثير ﵀: "لما كان الكلام في هذه المسألة يحتاج إلى دلائل صحيحة جيدة، وقد يتكلم فيها من لا علم عنده عن الشارع، كره جماعة من العلماء الكلام فيها" (١). المذهب العاشر: أنهم يمتحنون في الآخرة، ويرسل إليهم اللَّه ﵎ رسولا، وإلى كل من لم تبلغة الدعوة، فمن أطاع الرسول دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، وعلى هذا فيكون بعضهم في الجنة، وبعضهم في النار، وهذا قول جميع أهل السنة والحديث، نقله عنهم الأشعري، وحكى اتفاقهم عليله، وذكره ابن فورك، وابن عساكر. وبعد هذا العرض للأقوال في هذه المسألة الشائكة، يظهر واللَّه أعلم، أنها تنقسم إلى الأقسام التالية: أقوال ظاهرة الضعف: كإطلاق القول بأنهم في النار دون تفصيل، قال القاسمى: "لم يصح في تعذيب الأطفال بغير ذنب منهم حديث قط، ولا صح ذلك عمن ينظر إليه من أئمة السنة" (٢)، وإطلاق القول بإرجاعهم إلى محض المشيئة بلا سبب ولا عمل؛ لأنه قول مبني على نفي

стр. 726

الحكمة والتعليل في أفعال اللَّه، ونفي الأسباب، وكذا من جعلهم تبعا لآبائهم في النار؛ لأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وإلحاقهم بهم في الدنيا، لا يلزم منه إلحاقهم بالآخرة، ولهذا قال القاسمي: "اللَّه تعالى لا يعذب أطفال المشركين بذنوب آبائهم، ولا بغير ذنب، وهذه من فروع إثبات الحكمة" (١)، ناهيك عما شذّ به ابن أشرس بأنهم يصيرون ترابا، فهو قول مخترع لا دليل عليه ولا قائل به غيره. أقوال ضعيفة عند التأمل والتحقيق: وهي القول بالوقف، أو ترك الخوض في المسألة أصلا، لأن الوقف يعارضه نصوص صريحة صحيحة في مصيرهم (٢)، أما ترك الخوض فيها رأسا فإنه أمر اعتباري ونسبي، لا يمكن أن يتخذ قاعدة عامة، ولا يمنع أن يكون في المسألة راجح ومرجوح، لا سيما إذا تكلم فيها أهل البدع وأبدوا فيها وأعادوا، فيتعيّن إبراز القول الحق والرد على المخالف واللَّه أعلم، قال شيخ الإسلام: "ليس كل واحد قد بلغته النصوص كلها، ولا كل أحد يفهم ما دلت عليه النصوص؛ فإن اللَّه يختص من يشاء من عباده من العلم والفهم بما يشاء؛ فمن اشتبه عليه الأمور فتوقف لئلا يتكلم بلا علم، أو لئلا يتكلم بكلام يضر ولا ينفع، فقد أحسن، ومن علم الحق فبيَّنه لمن يحتاج إليه، وينتفع به فهو أحسن

стр. 727

وأحسن" (١). أقوال ظاهرة القوة يمكن التوفيق بينها، وإلحاق غيرها بها: وهي قولان: أنهم في الجنة، أو أنهم يمتحنون يوم القيامة، والقول الأول يلحق به قولان هما: أنهم خدم لأهلها، أو أنهم في منزلة بين المنزلتين وهم أصحاب الأعراف. فكونهم في الجنة ثبت بالنص الصحيح الصريح ولهذا جعله بعضهم نصا في مورد النزاع كما قال القاسمي: "وهذا نص في موضع النزاع، من أصح كتب الإسلام عند أئمة الحديث" (٢)، ثم كونهم خدما لأهلها لا يعارض هذا لأنهم في الجنة، وكونهم أصحاب الأعراف سبق نقل كلام ابن كثير أن مآل أصحاب الأعراف إلى الجنة. وكونهم يمتحنون يوم القيامة ورد فيه جملة من النصوص قال عنها ابن القيم "أحاديث هذا الباب قد تضافرت، وكثرت بحيث يشد بعضها بعضا، وقد صحح الحفاظ بعضها. . . هذه الأحاديث يشد بعضها بعضا؛ فإنها قد تعددت طرقها، واختلفت مخارجها، فيبعد كل البعد أن تكون باطلة على رسول اللَّه، لم يتكلم بها، وقد رواها أئمة الإسلام، ودَوَّنوها، ولم يطعنوا فيها. . . القول بموجبها هو قول أهل السنة والحديث. . . قد صح بذلك القول بها عن جماعة من الصحابة، ولم يصح عنهم إلا هذا القول،

стр. 728

والقول بأنهم خدم أهل الجنة صح عن سلمان، وفيه حديث مرفوع قد تقدم، وأحاديث الامتحان أكثر وأصح وأشهر. . . أحاديث هذا الباب. . . وإن أنكرها بعضهم، فقد قبلها الأكثرون، والذين قبلوها أكثر من الذين أنكروها، وأعلم بالسنة والحديث" (١)، وهذه الأحاديث لا تعارض القول الأول بأنهم في الجنة (٢)، بل عليه تجتمع الأدلة قال شيخ الإسلام: "هذا أجود ما قيل في أطفال المشركين، وعليه تتنزل جميع الأحاديث" (٣)، وقال: "وأما أولاد المشركين فأصح الأجوبة فيهم جواب رسول اللَّه ﷺ . . .: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين"؛ فلا يحكم على معين منهم لا بجنة ولا بنار، ويروى أنهم يوم القيامة يمتحنون في عرصات القيامة، فمن أطاع اللَّه حينئذ دخل الجنة، ومن عصى دخل النار، ودلت الأحاديث الصحيحة أن بعضهم في الجنة، وبعضهم في النار" (٤). ولهذا قال شيخ الإسلام: "وهذا التفصيل يذهب الخصومات، التي كره الخوض فيه لأجلها من كرهه؛ فإن من قطع لهم بالنار كلهم جاءت نصوص تدفع قوله، ومن قطع لهم بالجنة كلهم، جاءت نصوص تدفع قوله، ثم إذا قيل: هم مع آبائهم، لزم تعذيب من لم يذنب، انفتح باب

стр. 729

الخوض في الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والقدر والشرع، والمحبة والحكمة والرحمة، فلهذا كان أحمد يقول: هو أصل كل خصومة، فأما جواب النبي ﷺ الذي أجاب به أحمد آخرا، وهو قوله: "اللَّه أعلم بما كانوا عاملين"، فإنه فصل الخطاب في هذا الباب، وهذا العلم يظهر حكمه في الآخرة، واللَّه تعالى أعلم" (١)، وهذا القول لا يعارض القول بأنهم في الجنة، وإنما يبيّن طريقة دخولهم الجنة، وهي بعد حصول الامتحان في الآخرة، فيدخل من علم اللَّه منه الإيمان لو عاش، فيكون دخوله بعد ظهور علم اللَّه فيه، وليس بمجرد علم اللَّه فيه، غاية ما فيه أنهم لا يدخلونها جميعهم، وهذا حق فقد وردت نصوص تنص على دخول بعض أولاد المشركين النار.

стр. 730

المطلب الثالث: الآثار الواردة في توبة القاتل . ٦١٨ - دثنا حميد بن زنجويه، دثني ابن أبي أويس، حدثني أبي (١)، عن عبد اللَّه بن الفضل، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن عبد اللَّه بن عباس ﵁ أنه سأله سائل فقال: "يا ابن عباس، للقاتل توبة؟ فقال له ابن عباس كالمتعجّب من مسألته: ماذا تقول؟ فقال: ما تقول؟ مرتين أو ثلاثا، ثم قال ابن عباس ﵁: ويحك، أنَّى له التوبة؟ سمعت نبيّكم ﷺ يقول: "سيؤتى بالمقتول معلّقا رأسه بإحدى يديه، متلببا قاتله بيده الأخرى، تشخب أوداجه دما حتى يدفعا إلى العرش، فيقول: رب هذا قتلني، فيقول اللَّه للقاتل: تعست، ويذهب به إلى النار" (٢).

стр. 731

٦١٩ - دثنا إسحاق بن إسماعيل، دثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أبي الدرداء: "يجيء المقتول يوم القيامة، فيجلس على الجَادَّة (١)، فإذا مرّ به القاتل، قام إليه فأخذ بتلبيبه (٢)، فقال: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ فيقول: أمرني فلان، فيؤخذ الآمر والقاتل فيلقيان في النار" (٣). ٦٢٠ - دثنا خلف بن هشام، دثنا أبو شهاب، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل قال: "يؤتى بالقاتل والمقتول يوم القيامة، فيقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني، فيقال له: لم قتلته؟ فيقول: لتكون لك العزة، فيقول: لي العزة، بوء (٤) بذنبه" (٥).

стр. 732

التحليل والتعليق تضمن أثر ابن عباس ﵁ السابق أن القاتل ليس له توبة، وفي أثري أبي الدرداء وعمرو بن شرحبيل، بيان اقتصاص المقتول من القاتل لا محالة، وجلوسه على الجادة ينتظره، وكأن هذا يؤيّد قول ابن عباس في أنه ليس له توبة، بمعنى تعين القصاص، وأخذ المقتول حقه منه واللَّه أعلم. وقد ذهب الجمهور من سلف الأمة وخلفها، إلى أن القاتل له توبة فيما بينه وبين اللَّه ، فإن تاب، وأناب، وخشع، وخضع، وعمل عملا صالحا، بدل اللَّه سيئاته حسنات، وعوّض المقتول من ظلامته وأرضاه (١)، قال النووي: "قوله ﷺ : "إن رجلا قتل تسعا وتسعين نفسا، ثم قتل تمام المائة، ثم أفتاه العالم بأن له توبة"، هذا مذهب أهل العلم وإجماعهم، على صحة توبة القاتل عمدا، ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس، وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا، فمراد قائله الزجر عن سبب التوبة، لا

стр. 733

أنه يعتقد بطلان توبته، وهذا الحديث ظاهر فيه، وهو وإن كان شرعا لمن قبلنا، وفي الاحتجاج به خلاف، فليس موضع الخلاف، وإنما موضعه إذا لم يرد شرعنا بموافقته وتقريره، فإن ورد كان شرعا لنا" (١). وقد أوضح ابن القيم وجه من قال ليس له توبة ومعناه فقال: "التحقيق في المسألة: أن القتل يتعلق به ثلاث حقوق؛ حق للَّه، وحق للمقتول، وحق للولي، فإذا أسلم القاتل نفسه، طوعا واختيارا إلى الولي، ندما على ما فعل، وخوفا من اللَّه، وتوبة نصوحا، سقط حق اللَّه بالتوبة، وحق الأولياء بالاستيفاء، أو الصلح، أو العفو، وبقي حق المقتول يعوضه اللَّه تعالى عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن، ويصلح بينه وبينه، فلا يذهب حق هذا، ولا تبطل توبة هذا" (٢)، قال المرداوي: "وهو الصواب" (٣)، وقد ختم ابن القيم بحث توبة القاتل بعبارة لطفة فقال ﵀: "فهذا الذي يمكن أن يصل إليه نظر العالم واجتهاده، والحكم بعد ذلك للَّه، إن ربك يقضي بينهم بحكمه، وهو العزيز العليم" (٤). وهنا مسألة مهمة في توبة القاتل، وهي أنه لا علاقة بين قبول توبته

стр. 734

وخلوده في النار؛ فإنه حتى لو مات من غير توبة، أو تاب ولم تقبل توبته، واستوفى المقتول حقه منه، ودخل النار، فإنه لا يخلد فيها كما سبق في حكم عصاة الموحدين (١).

стр. 735

الباب الرابع: الآثار الواردة في الصحابة والإمامة . وفيه خمسة فصول: الفصل الأول: الآثار الواردة في الصحابة عموما، والخلفاء الراشدين خاصة. الفصل الثاني: الآثار الواردة في فضائل بقية العشرة ﵃. الفصل الثالث: الآثار الواردة في فضائل بعض أهل البيت ﵃. الفصل الرابع: الآثار الواردة في فضائل بقية الصحابة ﵃. الفصل الخامس: الآثار الواردة في مسائل الإمامة والفتن.

стр. 736

الفصل الأول: الآثار الواردة في الصحابة عموما، والخلفاء الراشدين خاصة . وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل الصحابة عموما. المبحث الثاني: الآثار الواردة في النهي عن سبهم. المبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل أبي بكر الصديق ﵁. المبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل عمر بن الخطاب ﵁. المبحث الخامس: الآثار الواردة في فضائل عثمان بن عفان ﵁. المبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل علي بن أبي طالب ﵁.

стр. 737

المبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل الصحابة عموما . أولا: الآثار الواردة في أفضليتهم وخيريتهم وأسبقيتهم . ٦٢١ - أنبأنا علي بن الجعد، أخبرني عمرو بن شمر، حدثني إسماعيل السُّدِّي قال: سمعت أبا أراكة قال: "صلّيت مع علي بن أبي طالب صلاة الفجر، فلما انفتل عن يمينه مكث كأن عليه كآبة، حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح قال: واللَّه لقد رأيت أصحاب محمد ﷺ فما أرى اليوم شيئا يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا، بين أعينهم أمثال ركب المعزى، قد باتوا للَّه سجّدا وقياما، يتلون كتاب اللَّه، يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا فذكروا اللَّه مادوا كما تميد الشجر في يوم الريح (١)، وهملت أعينهم حتى تبلّ ثيابهم، واللَّه لكأن القوم باتوا غافلين، ثم نهض، فما رئى بعد ذلك مُفْتَرًّا يضحك حتى ضربه ابن ملجم عدو اللَّه الفاسق" (٢). ٦٢٢ - حدثنا يوسف بن موسى قال: حدثنا جرير، عن خلف بن

стр. 738

حوشب، عن الحسن البصري قال: كان يقول: إني أدركت صدر هذه الأمة ثم طال بي عمر حتى أدركتكم، فوالذي لا إله غيره لَهُم كانوا أبصر في دينهم بقلوبهم منكم في دنياكم بابصاركم، ولَهُم كانوا فيما أحلَّ (١) اللَّه لهم أزهد منكم فيما حرّم اللَّه عليكم، ولَهُم كانوا من حسناتهم ألا تقبل منهم أشدّ شفقة منكم من سيئاتكم أن تؤخذوا بها" (٢). ٦٢٣ - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ثابت بن الوليد بن جميع قال: حدثني أبي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: "كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ ليسوا بالمنخزقين (٣) ولا متماوتين، يتناشدون الأشعار، ويجلسون في مجالسهم، ويذكرون جاهليتهم، فإن أريد إنسان منهم على شيء من أمر

стр. 739

دينه دارت عيناه فترى حماليقها (١) غضبا" (٢). ٦٢٤ - حدثنا محمد الحارث الخزاز، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا صاحب لنا كان يختلف معنا إلى مالك بن دينار قال: "رأيت مالك ابن دينار في المنام فقلت: يا أبا يحيى ما صنع اللَّه بك؟ قال: خيرا، لم نر مثل العمل الصالح، لم نر مثل الصحابة الصالحين، لم نر مثل مجالس السلف الصالح، لم نر مثل مجالس الصالحين" (٣). ٦٢٥ - حدثني أحمد بن المقدام قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، عن ليث صاحب السقاية قال: حدثني إبراهيم بن خلف الوهبي: "أن رجلا من بني عجل، ورجلا من بني حنيفة افتخرا فقاما إلى يحيى بن أبي كثير

стр. 740

ليقضي بينهما، فقال: إن مثلي لا يقضي في مثل هذه، ولكن لو خيّرت قبائل العرب لاخترت أن أكون من قريش، فإن حيل دون ذلك لاخترت أن أكون رجلا من الأنصار، ولو حيل دون ذلك لاخترت أن أكون رجلا من بني عجل، فقال إبراهيم: ليتني سألته لم اختار أن يكون من بني عجل؟ فلقيت بعدُ يزيد بن سيدان فحدّثته هذا الحديث وقال (١): ليتني علمت تفسيره، فقال: أنا أخبرك؟ إن يحيى قال: إن رسول اللَّه ﷺ قال يوم ذي قار: "هزمت الميمنة، هزمت الميسرة، هذه بنو عجل تقتل الأعاجم، أرى عجل قومٌ ميامين، اللهم اجبر عظمهم" (٢). ٦٢٦ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، نا معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد اللَّه: "أنتم أكثر صلاة، وأكثر صياما، وأكثر جهادا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، وهم كانوا خيرا منكم، قالوا: فيم ذاك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب في الآخرة" (٣).
следующие страницы →