← Акыда

Акыда · id 151178

الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا

حميد بن أحمد نعيجات

Полный текст (1 390 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الفصل الأول: الآثار الواردة في الصحابة عموما، والخلفاء الراشدين خاصة . وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل الصحابة عموما. المبحث الثاني: الآثار الواردة في النهي عن سبهم. المبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل أبي بكر الصديق ﵁. المبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل عمر بن الخطاب ﵁. المبحث الخامس: الآثار الواردة في فضائل عثمان بن عفان ﵁. المبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل علي بن أبي طالب ﵁.

стр. 737

المبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل الصحابة عموما . أولا: الآثار الواردة في أفضليتهم وخيريتهم وأسبقيتهم . ٦٢١ - أنبأنا علي بن الجعد، أخبرني عمرو بن شمر، حدثني إسماعيل السُّدِّي قال: سمعت أبا أراكة قال: "صلّيت مع علي بن أبي طالب صلاة الفجر، فلما انفتل عن يمينه مكث كأن عليه كآبة، حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح قال: واللَّه لقد رأيت أصحاب محمد ﷺ فما أرى اليوم شيئا يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا، بين أعينهم أمثال ركب المعزى، قد باتوا للَّه سجّدا وقياما، يتلون كتاب اللَّه، يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا فذكروا اللَّه مادوا كما تميد الشجر في يوم الريح (١)، وهملت أعينهم حتى تبلّ ثيابهم، واللَّه لكأن القوم باتوا غافلين، ثم نهض، فما رئى بعد ذلك مُفْتَرًّا يضحك حتى ضربه ابن ملجم عدو اللَّه الفاسق" (٢). ٦٢٢ - حدثنا يوسف بن موسى قال: حدثنا جرير، عن خلف بن

стр. 738

حوشب، عن الحسن البصري قال: كان يقول: إني أدركت صدر هذه الأمة ثم طال بي عمر حتى أدركتكم، فوالذي لا إله غيره لَهُم كانوا أبصر في دينهم بقلوبهم منكم في دنياكم بابصاركم، ولَهُم كانوا فيما أحلَّ (١) اللَّه لهم أزهد منكم فيما حرّم اللَّه عليكم، ولَهُم كانوا من حسناتهم ألا تقبل منهم أشدّ شفقة منكم من سيئاتكم أن تؤخذوا بها" (٢). ٦٢٣ - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ثابت بن الوليد بن جميع قال: حدثني أبي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: "كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ ليسوا بالمنخزقين (٣) ولا متماوتين، يتناشدون الأشعار، ويجلسون في مجالسهم، ويذكرون جاهليتهم، فإن أريد إنسان منهم على شيء من أمر

стр. 739

دينه دارت عيناه فترى حماليقها (١) غضبا" (٢). ٦٢٤ - حدثنا محمد الحارث الخزاز، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا صاحب لنا كان يختلف معنا إلى مالك بن دينار قال: "رأيت مالك ابن دينار في المنام فقلت: يا أبا يحيى ما صنع اللَّه بك؟ قال: خيرا، لم نر مثل العمل الصالح، لم نر مثل الصحابة الصالحين، لم نر مثل مجالس السلف الصالح، لم نر مثل مجالس الصالحين" (٣). ٦٢٥ - حدثني أحمد بن المقدام قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، عن ليث صاحب السقاية قال: حدثني إبراهيم بن خلف الوهبي: "أن رجلا من بني عجل، ورجلا من بني حنيفة افتخرا فقاما إلى يحيى بن أبي كثير

стр. 740

ليقضي بينهما، فقال: إن مثلي لا يقضي في مثل هذه، ولكن لو خيّرت قبائل العرب لاخترت أن أكون من قريش، فإن حيل دون ذلك لاخترت أن أكون رجلا من الأنصار، ولو حيل دون ذلك لاخترت أن أكون رجلا من بني عجل، فقال إبراهيم: ليتني سألته لم اختار أن يكون من بني عجل؟ فلقيت بعدُ يزيد بن سيدان فحدّثته هذا الحديث وقال (١): ليتني علمت تفسيره، فقال: أنا أخبرك؟ إن يحيى قال: إن رسول اللَّه ﷺ قال يوم ذي قار: "هزمت الميمنة، هزمت الميسرة، هذه بنو عجل تقتل الأعاجم، أرى عجل قومٌ ميامين، اللهم اجبر عظمهم" (٢). ٦٢٦ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، نا معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد اللَّه: "أنتم أكثر صلاة، وأكثر صياما، وأكثر جهادا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، وهم كانوا خيرا منكم، قالوا: فيم ذاك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب في الآخرة" (٣).

стр. 741

٦٢٧ - ثنا عبد الرحمن بن صالح، نا المحاربي، عن مبارك، عن الحسن قال: "إن أصحاب رسول اللَّه ﷺ كانوا أكياسا، عملوا صالحا، وأكلوا طيبا، وقدّموا فضلا، ولم ينافسوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم ينافسوهم في عزها، ولم يجزعوا لذُلِّها، أخذوا صفوها، وتركوا كدرها، واللَّه ما تعاظم في أنفسهم حسنة عملوا، ولا تصغر في أنفسهم سيئة" (١). ٦٢٨ - حدثنا محمد بن عبيد اللَّه (٢)، نا يونس بن محمد، نا المعتمر بن سليمان قال: كتب ليث: من ليث بن أبي سليم (٣) إلى سليمان بن طرخان: "سلام عليك، . . . حدثني من أدرك أصحاب رسول اللَّه ﷺ أنهم قالوا: كنا إذا أسلمنا أقبلنا على الآخرة، وتركنا الدنيا لأهل الشرك، وإن الناس اليوم أقبلوا على أمر دنياهم، وتركوا أمر آخرتهم" (٤).

стр. 742

٦٢٩ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن سعد بن أبي وقاص قال: "لقد رأيتنا مع رسول اللَّه ﷺ وما طعامنا إلا ورق الحُبْلة والسَّمُر (١)، حتى إن أحدنا ليضع كما تضع العنز، ما له خلط (٢) " (٣). ٦٣٠ - حدثنا خالد بن خداش قال: حدثنا مهدي بن ميمون، عن محمد بن سيرين قال: إن كان الرجل من أصحاب النبي ﷺ يأتي عليه ثلاثة أيام لا يجد شيئا، فيأخذ الجلدة فيشويها فيأكلها، فإذا لم يجد شيئا أخذ حجرا فشدّ به صلبه" (٤). ٦٣١ - حدثنا علي بن الجعد الجوهري قال: أخبرني المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: "خطب عتبة بن غزوان (٥) الناس بالبصرة فقال في

стр. 743

خطبته: لقد رأيتني سابع سبعة مع رسول اللَّه ﷺ قريبا من شهر رمضان، ما لنا طعام إلا ما نصيب من أوراق الشجر، حتى قرحت أشداقنا (١) من أكل الشجر، ولقد رأيتني التقطت بُرْدَة (٢) فشققتها بيني وبين سعد بن مالك (٣) " (٤). ٦٣٢ - حدثني أزهر بن مروان الرقاشي قال: أخبرنا غسّان بن بُرزين قال: حدثني راشد أبو محمد الحماني قال: قال ابن عمر: "لقد أتى علينا زمان وما أحد أحقّ بديناره ودرهمه من أخيه المسلم" (٥).

стр. 744

٦٣٣ - حدثنا علي بن الحسين العامري، نا علي بن حفص المدائني، أنا شيخ من البصريين يقال له: أبو الدرقاء قال: سمعت أنس بن مالك وسمع رجلا يقول: "أين الزاهدون في الدنيا، الراغبون في الآخرة؟ قال: أولئك أهل بدر (١) " (٢). ثانيا: الآثار الواردة في جهادهم ودفاعهم عن رسول اللَّه ﷺ ، وحبهم له . ٦٣٤ - حدثنا عبيد اللَّه بن جرير قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: أخبرنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه (٣): "أن رجلا مرّ على رجل من

стр. 745

الأنصار وهو يتشحّط (١) في دمه، فقال: إني فلان، أشعرت أن محمدا قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلّغ، فقاتلوا عن دينكم" (٢). ٦٣٥ - حدثنا عبيد بن جرير، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد ابن سلمة، عن علي بن زيد، عن القاسم بن محمد (٣) قال: "ذهب بصر رجل من أصحاب النبي ﷺ ، فأتاه أصحابه يعزّونه، فقال لهم: إنما كنت أريدهما لأنظر بهما إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأما إذ قبض اللَّه نبيّه ﷺ فما يسرّني أن ما بهما بظبي من ظباء تَبَالَة (٤) " (٥).

стр. 746

٦٣٦ - حدثنا أبو إسحاق، نا معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية (١) قال: "بعث رسول اللَّه ﷺ جيشا فيهم ابن رواحة وخالد، فلما صافوا المشركين أقبل رجل منهم يسبّ رسول اللَّه ﷺ فقال رجل من المسلمين: أنا فلان بن فلان وأمي فلانة فسبّني وسبّ أمي وكفّ عن رسول اللَّه ﷺ ، فلم يزده ذلك إلا إغراء فأعاد مثل ذلك وأعاد الرجل مثل ذلك فقال: لئن عدت الثالثة لأرحلنّ إليك بسيفي، فعاد فحمل عليه الرجل فولّى الرجل مدبرا فاتّبعه الرجل حتى خرق صف المشركين فضربه بسيفه فأحاط به المشركون فقتلوه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أعجبيم من رجل يضر (٢) اللَّه ورسوله؟ " ثم إن الرجل برأ من جراحته فأسلم وكان يسمّى الرُحيل" (٣).

стр. 747

٦٣٧ - حدثنا أبو إسحاق، نا معاوية، عن أبي إسحاق، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: "لما كان يوم جرح رسول اللَّه ﷺ قال رجل من القوم: وجهى أحقّ بالكُلُوم (١) من وجهك، ثم تقدّم فقال: يا معشر الشباب من جشم (٢)، من يريد معي الموت؟ " (٣). ثالثا: الآثار الواردة في الألفة والتحاب فيما بينهم . ٦٣٨ - حدثني أبو الحسن قال: حدثنا أبو مسهر قال: حدثنا سعيد ابن عبد العزيز قال: "قال بلال (٤) حين حضرته الوفاة: غدا نلقى الأحبة، محمدا وحزبه، قال: تقول امرأته: واويلاه، قال: يقول: وافرحاه" (٥).

стр. 748

٦٣٩ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثني معن بن عيسى قال: حدثنا عثمان بن محمد الزبيري قال: قال أبو بكر الصدّيق في بعض خطبه: "نحن واللَّه والأنصار كما قال: جزى اللَّه عنّا جعفرا حين أشرفت ... بنا نعلنا للواطئين فزّلت أبَوا أن يملّونا ولو أن أمَّنا ... تلاقي الذي لاقوا من الشرِّ ملَّتِ (١) ٦٤٠ - حدثنا خالد بن مرداس السرّاج قال: حدثنا حماد بن يحيى الأبحّ، عن أبيه، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان (٢) قال: "ثلاث أعجبتني ثم أضحكتني، مؤمل الدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وضاحك ملء فيه ولا يدري أساخط رب العالمين عليه أم راض عنه، وثلاثة أحزنتني حتى أبكتني: فراق محمد ﷺ

стр. 749

وحزبه والأحبة، وهول المطلع، والوقوف بين يدي ربي، لا أدري إلى الجنة يؤمر بي أو إلى النار" (١). رابعا: الآثار الواردة في كريم أفعالهم، ومحاسن أخلاقهم . ٦٤١ - حدثنا داود بن عمرو بن زهير الضبي، حدثنا محمد بن الحسن الأسدي، حدثنا سعيد بن مسلم، عن عبد الوارث، عن أنس ﵁ قال في قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٢) قال: نزلت في رجل من الأنصار أرسل النبي ﷺ ضيفا من أضيافه، فأتى منزله، فقالت له امرأته: ما هذا؟ قال: هذا ضيف رسول اللَّه ﷺ ، قالت: والذي بعث محمدا بالحق، ما أمسى عندنا إلا قُرْص (٣)، فذلك القرص لي أو لك أو للضيف أو للخادم، قال: اثردي (٤) هذا القرص، وآدميه بسمن ثم قرّبيه، وأمري الخادم يطفئ السراج، وجعلت تتلمّظ (٥) هي وهو حتى رأى

стр. 750

الضيف أنهما يأكلان، وأصبح فصلى مع رسول اللَّه ﷺ ، فانصرف رسول اللَّه ﷺ فقال: "أين صاحب الضيف؟ " ثلاث مرات، والرجل ساكت، قال: أنا صاحب الضيف، قال: "حدثني جبريل أن اللَّه تعالى ضحك حين قلت لخادمك أطفئ السراج" ونزلت ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ " (١). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة فضل الصحابة ﵃ أجمعين، وبيان بعض محاسنهم، ومكارم أخلاقهم، وقد جعلتها في العناصر الأربعة، وهي: أفضليتهم وخيريتهم وأسبقيتهم، جهادهم ودفاعهم عن رسول اللَّه ﷺ وحبّهم له، الألفة والتحاب فيما بينهم، كريم أفعالهم ومحاسن أخلاقهم. فأما أفضليتهم: فقد تضمنت الآثار بيان ذلك من عدة أوجه، حيث تضمن أثر علي بن أبي طالب ﵁ أسفه وحزنه على أنه لم يعد يرى في وقته شيئا يشبه ما كان عليه صحابة رسول اللَّه، ثم فسّر ذلك بطول قيامهم الليل، ثم إذا أصبحوا بكوا بكاء المقصِّر المذنب، وهذا ما أكده

стр. 751

الحسن البصري في الأثر بعده، وذكر أيضا بصرهم بدينهم أكثر من بصر من بعدهم بدنياهم، وزهدهم في الحلال أكثر من زهد من بعدهم في الحرام، ثم بيّن أثر أبي سلمة أنهم كانوا على سماحة الإسلام بلا رهبانية ولا تنطع، من تناشد الأشعار، والجلوس في المجالس العامة، وذكر جاهليتهم، لكن كل هذا في حدود المباح، ولذلك بيّن أنهم إذا أُريدوا على دينهم لم يقاوم غضبهم، وقد بيّن عبد اللَّه بن مسعود سبب هذه الأفضلية والخيرية ولو كان من بعدهم أكثر صلاة وصياما، بأنه زهدهم في الدنيا ورغبتهم في الآخرة، وسمى الحسن البصري هذا منهم كيسا، حيث بيّن أنهم في أمر الدنيا أخذوا صفوها، وتركوا كدرها، وفي أمر الآخرة فلا تتعاظم عندهم حسنة عملوها، ولا يتصاغر ذنب اقترفوه، ثم تضمنت الآثار بعد هذا بعض تفاصيل هذه الأفضلية، فقد كانوا إذا أسلموا أقبلوا على الآخرة، وتركوا الدنيا لأهل الشرك، ولم يكن لهم ما يأكلون إلا ورق الأشجار والحبلة والسمر، حتى كان أحدهم يضع كما تضع العترة، وتقرح أشداقهم من ذلك، ويطول بهم زمن الجوع إلى ثلاثة أيام، فيشوي أحدهم الجلدة فيأكلها، وقد لا يجدها فيحزم بطنه بالحجر، بل يلتقط بعضهم البردة ثم يقسمها مع أخ له اثنين، ولم يكن أحدهم أحق بديناره من أخيه المسلم، ولذلك كان بعض من تأخر به الموت فعاش إلى أن أدرك زمن التابعين، يتحسّر على تلك الأيام، وأولئك الأقوام، فأجاب أنس من سأل عن الزاهدين في الدنيا والراغبين في الآخرة بأنهم أهل بدر.

стр. 752

ومن أوجه تلك الأفضلية النصوص الثابتة في حقهم كما تضمن أثر يحيى بن أبي كثير فضل بني عجل لما قاله فيهم ﷺ يوم ذي قار، وبعض رؤى الصالحين كرؤية مالك بن دينار بأنه لم ير مثل الصحابة الصالحين. قال العلائي: "لا خير إلا وقد سبقوا إليه من بعدهم، ولا فضل إلا وقد استفرغوا فيه جهدهم" (١)، وقال ابن كثير: "لهم الفضل، والسبق، والكمال، الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمة ﵃، وأرضاهم، وجعل جنات الفردوس مأواهم، وقد فعل" (٢)، وأما نصوص الشرع في فضلهم فقد ذكر غير واحد أنها أكثر من أن تحصر قال الإسفراييني: "الأخبار في فضل الصحابة ﵃ أكثر من أن يحتمله هذا المختصر" (٣)، وقال الذهبي: "مناقب الصحابة وفضائلهم فأكثر من أن تذكر" (٤)، وقال شيخ الإسلام -لما ذكر ما يروى عن بعضهم الصحابة من المساوئ-: "قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم، ومحاسنهم؛ من الإيمان باللَّه، ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح، ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما من اللَّه به عليهم من الفضائل، علم يقينا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم هم الصفوة من قرون هذه الأمة

стр. 753

التي هي خير الأمم وأكرمها على اللَّه تعالى" (١)، ومن لطيف ما ذكره ابن كثير في أفضليتهم قوله: "الصحابة ﵃ خلصت نياتهم، وحسنت أعمالهم، فكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم، وقال مالك ﵁: بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة ﵃، الذين فتحوا الشام، يقولون: واللَّه لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا، وصدقوا في ذلك؛ فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة، وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول اللَّه ﷺ وقد نوَّه اللَّه ﵎ بذكرهم في الكتب المنزلة والأخبار المتداولة" (٢). وأما جهادهم ودفاعهم عن رسول اللَّه ﷺ ، وحبهم له: فقد تضمنت الآثار من ذلك العجب؛ فالأنصاري الذي كان يتشحط في دمه لم يرعه خبر مقتل رسول اللَّه ﷺ ، بل أمر مخبره بأن يستمر في جهاده الواجب عليه، وأن الرسول ﷺ ولو قتل فقد بلغ، وكيف هان ذهاب بصر أحدهم، وأجاب المُعَزِّين له بأنه لا حاجة له بالنظر إلى شيء بعد موت رسول اللَّه ﷺ ، وفداهم رسول اللَّه ﷺ بأموالهم وأنفسهم وأعراضهم، وقد عرف أهل السنة قدر هذه المناقب التي امتازوا بها، وأنزلوهم المنزلة الرفيعة التي يستحقونها، فكان من جملة الاستدلال على تعديل الصحابة وتفضيلهم ما قاله الهيتمي: "لو لم يرد من اللَّه ورسوله

стр. 754

فيهم شيء مما ذكرناه -أي من النصوص الشرعية-، لأوجبت الحال التي كانوا عليها؛ من الهجرة، والجهاد، ونصرة الإسلام، ببذل المهج، والأموال، وقتل الآباء، والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان، واليقين، القطع بتعديلهم والاعتقاد بنزاهتهم" (١). وأما الألفة والتحاب فيها بينهم: فقد كانوا ﵃ كقلب رجل واحد، يفضل أحدهم الموت على الحياة لأنه سيلقى الأحبة، وهم النبي ﷺ ومن سبقه من أصحابه، كما في قول بلال ﵁ عند موته، وتحمل الأنصار في سبيل نصرتهم للمهاجرين، ما لو تحملته أم من أولادها لملّت، كما قال سيد المهاجرين والأنصار أبو بكر الصديق ﵁، ويبكي أحدهم لفراقهم وفراق رسول اللَّه ويحزنه ذلك كما في أثر سلمان الفارسي ﵁. وأما كريم أفعالهم، ومحاسن أخلاقهم: ففى قصة الأنصاري الذي أقرى ضيف رسول اللَّه، وضحك اللَّه من فعله، هو وزوجته، أكبر دليل على ما كانوا عليه، وسيأتي تفصيل ذلك في المباحث التالية، في صفات ومناقب بعضهم مفردة. قال ابن تيمية: "لم يتنازع أهل العلم والإيمان، فيما استفاض عن النبي ﷺ من قوله: "خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم"، وكل من له لسان صدق من مشهور بعلم أو دين، معترف بأن

стр. 755

خير هذه الأمة هم الصحابة. . . ولا تجد إماما في العلم والدين، كمالك والأوزاعي والثوري. . . وأمثالهم، إلا وهم مصرحون بأن أفضل علمهم ما كانوا فيه مقتدين بعلم الصحابة، وأفضل عملهم ما كانوا فيه مقتدين بعمل الصحابة، وهم يرون أن الصحابة فوقهم في جميع أبواب الفضائل والمناقب" (١). وقد عدد ابن القيم ﵀ أسباب أفضلية الصحابة فقال: "درجات السبق أعني درجة العلم والعدل والجهاد وبها سبق الصحابة، وأدركوا من قبلهم، وفاتوا من بعدهم، واستولوا على الأمد البعيد، وحازوا قصبات العلى، وهم كانوا السبب في وصول الإسلام إلينا، وفي تعليم كل خير وهدى، وسبب تنال به السعادة والنجاة، وهم أعدل الأمة فيما ولوه، وأعظمها جهادا في سبيل اللَّه، فالأمة في آثار علمهم، وعدلهم، وجهادهم إلى يوم القيامة، فلا ينال أحد منهم مسألة علم نافع إلا على أيديهم، ومن طريقهم ينالها، ولا يسكن بقعة من الأرض آمنا، إلا بسبب جهادهم، وفتوحهم، ولا يحكم إمام ولا حاكم بعدل وهدى، إلا كانوا هم السبب في وصولهم إليه، فهم الذين فتحوا البلاد بالسيف، والقلوب بالإيمان، وعمروا البلاد بالعدل، والقلوب بالعلم والهدى، فلهم من الأجر بقدر أجور الأمة إلى يوم القيامة، مضافا إلى أجر أعمالهم التي اختصوا بها، فسبحان من يختص بفضله ورحمته من يشاء، وإنما نالوا هذا بالعلم،

стр. 756

والجهاد، والحكم بالعدل، وهذه مراتب السبق التي يهبها اللَّه لمن يشاء من عباده" (١).

стр. 757

المبحث الثاني: الآثار الواردة في النهي عن سبهم . ٦٤٢ - حدثنا علي بن الجعد، ثنا شعبة عن يحيى بن الحصين قال: سمعت طارقا ﵁ قال: "كان بين سعد وخالد ﵄ كلام، فذهب رجل يقع في خالد ﵁ عند سعد ﵁، فقال: "مه، إن ما بيننا لم يبلغ ديننا" (١). ٦٤٣ - نا الحسن بن أبي الربيع، أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن عبد اللَّه بن صفوان قال: "قال رجل يوم صفين (٢): اللهم العن أهل الشام، فقال عليّ: لا تسبّ أهل الشام جما غفيرا؛ فإن فيها الأبدال فإن فيها الأبدال فإن فيها الأبدال" (٣).

стр. 758

٦٤٤ - حدثنا خالد بن خداش وغيره، عن حماد بن زيد، عن علي بن زيد بن جدعان قال: "كنت جالسا إلى سعيد بن المسيّب (١)، فقال: يا أبا الحسن مر قائدك يذهب بك فتنظر إلى وجه هذا الرجل وإلى جسده، فانطلق، قال: فإذا وجهه وجه زنجيّ، وجسده أبيض، فقال سعيد: إني أتيت على هذا وهو يسبّ طلحة والزبير وعليا رحمة اللَّه عليهم، فنهيته فأبى، فقلت: إن كنت كاذبا فسوّد اللَّه وجهك، فخرجت في وجهه

стр. 759

قرحة، فاسودّ وجهه" (١). ٦٤٥ - حدثني ابن أبي ﵀ (٢) قال: حدثنا وضاح بن حسان قال: عن أبي المحيّاة يحيى بن يعلى، عن عمر بن الحكم، عن عمه قال: "خرجنا نريد مكة. . . ومعنا رجل يسبّ أبا بكر وعمر ﵄، فنهيناه فلم ينته، فانطلق لبعض حاجته فاجتمع عليه الدَّبر، فاستغاث، فأغثناه، فحملت علينا، فرجعنا، فلم تقلع عنه حتى قطّعته" (٣). ٦٤٦ - حدثني سويد بن سعيد، عن أبي المحيّاة التيمي، حدثني مؤذن عنك! (٤) قال: "قال خرجت أنا وعمي إلى مكران (٥)، فكان معنا رجل

стр. 760

يسبّ أبا بكر وعمر ﵄، فنهيناه فلم ينته، فقلنا: اعتزلنا، فاعتزلنا، فلما دنا خروجنا ندَّ منا، فقلنا: لو صحبنا حتى نرجع إلى الكوفة، فلقينا غلام له، فقلنا له: قل لمولاك يعود إلينا، فقال: إن مولاي قد حدث به أمر عظيم، قد مسخت يداه يدي خنزير، قال: فأتيناه فقلنا: ارجع إلينا، قال: إنه قد حدث بي أمر عظيم، وأخرج ذراعيه، فإذا هما ذراعا خنزير، قال: فصحبنا حتى انتهينا إلى قرية من قرى السواد كثيرة الخنازير، فلما رآها صاح صيحة ووثب، فمُسخ خنزيرا، وخفي علينا، فجئنا بغلامه ومتاعه إلى الكوفة" (١). ٦٤٧ - أخبرنا يحيى بن يوسف الزمي، أخبرنا شعيب بن صفوان، عن عبد الملك بن عمير (٢) قال: "كان بالكوفة رجل يعطي الأكفان، فمات رجل، فقيل له فأخذ كفنا وانطلق، حتى دخل على الميت وهو مسجى، فتنفّس وألقى الثوب عن وجهه وقال: غرّوني، أهلكوني، النار النار، فقلنا له: قل: لا إله إلا اللَّه، قال: لا أستطيع أن أقولها، قيل: ولم؟ قال: لشتمي

стр. 761

أبا بكر وعمر" (١). ٦٤٨ - ذكر الوليد بن شجاع بن الوليد السكوني، أخبرنا أبي قال: "سمعت خلف بن حوشب (٢) يقول: "مات رجل بالمدائن (٣) فلما غطوا عليه ثوبه قام بعض القوم، وبقي بعضهم، فحرك الثوب أو فتحرك الثوب، فقال به فكشفه عنه فقال: "قوم مخضبة لحاهم في هذا المسجد يعني مسجد المدائن، يلعنون أبا بكر وعمر، ويتبرّؤون منهما، الذين جاؤوني يقبضون

стр. 762

روحي يلعنونهم ويتبرؤون منهم، قلنا: يا فلان لعلك بليت من ذلك بشيء؟ فقال: أستغفر اللَّه، ثم كان كأنما كانت الحصاة فرمي بها" (١). ٦٤٩ - حدثنا عيسى بن عبد اللَّه مولى بني تميم، عن شيخ من قريش من بني هاشم قال: "رأيت رجلا بالشام قد اسودّ نصف وجهه، وهو يغطّيه، فسألته عن سبب ذلك، فقال: نعم، قد جعلت للَّه عليّ أن لا يسألني عن تلك أحد إلا أخبرته، كنت شديد الوقيعة في علي بن أبي طالب ﵁ كثير الذكر له بالمكروه، فبينا أنا ذات ليلة نائم، أتاني آت في منامي، فقال: أنت صاحب الوقيعة في علي، وضرب شقّ وجهي، فأصبحت وشقّ وجهي أسود هكذا" (٢). ٦٥٠ - حدثني أحمد بن أبي أحمد، عن أبي بكر بن محمد بن المغير، حدثني محمد بن علي السمان قال: سمعت رضوان السمان (٣) قال: "كان لي جار في منزلي وسوقي، يشتم أبا بكر وعمر ﵄ قال: فكثر الكلام بيني وبينه، فلما كان ذات يوم شتمهما وأنا حاضر، فوقع بيني

стр. 763

وبينه كلام، حتى تناولني وتناولته، فانصرفت إلى منزلي وأنا مغموم حزين، ألوم نفسي، قال: فنمت وتركت العشاء من الغم، فرأيت رسول اللَّه ﷺ في منامي من ليلتي، فقلت: يا رسول اللَّه، فلان جاري في منزلي وسوقي، وهو يسبّ أصحابك؟ قال: مَن مِن أصحابي؟ قلت: أبا بكر وعمر، فقال رسول اللَّه ﷺ : خذ هذه المُدْيَة فاذبحه بها، قال: فأخذته فأضجعته فذبحته، فرأيت كأن يدي قد أصابت من دمه، قال: فألقيت المدية، وأهويت بيدي إلى الأرض أمسحها، فانتبهت وأنا أسمع الصراخ من نحو داره، فقلت: انظروا ما هذا الصراخ؟ قالوا: مات فلان فجاءة، فلما أصبحت نظرت إليه، فإذا خط موضع الذبح" (١). ٦٥١ - حدثني محمد بن إدريس الحنظلي قال: حدثني أحمد بن عبد الأعلى قال: أخبرني أبو روح (٢) -رجل من الشيعة- قال: "كنا بمكة في المسجد

стр. 764

الحرام قعودا، فقام رجل نصف وجهه أسود ونصف وجهه أبيض، فقال: أيها الناس اعتبروا بي؛ فإني كنت أتناول الشيخين أبا بكر وعمر ﵄ بسبِّهما، فبينا أنا ذات ليلة في شأني، إذ أتاني آت، فرفع يده، فلطم حُرَّ وجهي فقال: يا عدوّ اللَّه، أي فاسق، أتسبّ أبا بكر وعمر ﵄، فأصبحت وأنا على هذه الحالة" (١). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة النهي عن سب الصحابة ﵃، وبيان بعض ما نال من وقع فيهم من العذاب والعقوبة، ومن جميل ما وقع في هذه الآثار نهي الصحابة أنفسهم عن ذلك، رغم ما وقع بين بعضهم من الجفوة، بل رغم ما حصل بينهم من الاقتتال، الذي كانوا فيه متأولين ومجتهدين، ﵃ وأسكنهم فسيح جناته، فإذا كان هذا حالهم رغم ما كان بينهم، فما بال من وقع فيهم ممن ليس بينه وبينهم إلا كل خير، بل لهم المِنَّة عليه في إسلامه، ولولاهم ما أسلم، وبدون طريقهم لربما كان في دركات جهنم. فكانوا يقفون في وجه كل واش ومغتاب، وينهونه عن ذلك ويسدون عليه كل باب، كما فعل سعد بمن تكلم في خالد بن الوليد وبيّن

стр. 765

له بأن الذي بينهما لم يبلغ دينهما، بل إن علي بن أبي طالب ﵁ نهى عن ذلك في أحلك الأوقات، وأحوجه إلى الوقيعة في خصومه، وهو يوم صفين، فلم يمنعه ذلك من النهي عن سب عسكر الشام، بل ومدحهم بأن فيهم الأبدال، قال شيخ الإسلام: "الصحابة رضوان اللَّه عليهم لم يقتتلوا قط لاختلافهم في قاعدة من قواعد الإسلام أصلا، ولم يختلفوا في شيء من قواعد الإسلام، لا في الصفات، ولا في القدر، ولا مسائل الأسماء والأحكام، ولا مسائل الإمامة، لم يختلفوا في ذلك بالاختصام بالأقوال، فضلا عن الاقتتال بالسيف" (١). وقد حصل لمن وقع فيهم بعض العقوبات في الدنيا، بسبب دعاة بعض دعاء الصالحين عليهم، كدعاء سعيد بن المسيب على من صار وجهه وجه زنجى وجسده أبيض، لسبه طلحة والزبير وعليا ﵃، ومن اجتمع عليه الدبر حتى قطعه، ومن صار نصف وجهه أسود والآخر أبيض، ومن مسخ قردا، بل ومن لم يستطع النطق بالشهادتين عند احتضاره، ومن ذبح في نومه، وإخبار المحتضر بأن من جاء لبقض روحه يلعنون ويتبرؤون ممن يسب أبا بكر وعمر. كل هذا يؤكد النهي عن سب الصحابة، والوقيعة فيهم، لا سيما أفاضلهم، كالشيخين، وباقى الخلفاء، أو السابقين الأولين، قال الهيتمي في معرض بيان النهي عن سب الصحابة: "هذا يشمل سائر الصحابة، لكنهم

стр. 766

درجات، فيتفاوت حكمهم في ذلك، بتفاوت درجاتهم، ومراتبهم، والحرمة تزيد بزيادة من تعلقت به. . . فإذا انضاف إلى الصحبة غيرها، مما يقتضي الاحترام لنصرة الدين، وجماعة المسلمين. . . كان كل واحد من هذه الأمور، يقتضي مزيد حق" (١). وقد عده العلماء من جملة الكبائر قال الذهبي: "الكبيرة السبعون: سب أحد من الصحابة رضوان اللَّه عليهم. . . من طعن فيهم، أو سبَّهم، فقد خرج من الدين، ومرق من ملة المسلمين؛ لأن الطعن لا يكون إلا عن اعتقاد مساويهم، وإضمار الحقد فيهم، وإنكار ما ذكره اللَّه تعالى في كتابه من ثنائه عليهم، وما لرسول اللَّه ﷺ من ثنائه عليهم، وفضائلهم، ومناقبهم، وحبهم، ولأنهم أرضى الوسائل من المأثور، والوسائط من المنقول، والطعن في الوسائط طعنٌ في الأصل، والازدراء بالناقل ازدراء بالمنقول، هذا ظاهر لمن تدبره، وسَلِم من النفاق، ومن الزندقة والإلحاد في عقيدته، وحسبك ما جاء في الأخبار والآثار من ذلك" (٢)، وقال شيخ الإسلام: "سب أصحاب رسول اللَّه حرام بالكتاب والسنة. . . -ثم ذكر نصوصا كثيرة جدا في هذا المعنى- وإذا كان شتمهم بهذه المثابة، فأَقَلُّ ما فيه التعزير؛ لأنه مشروع في كل معصية ليس فيها حدٌّ ولا كفارةٌ. . . وهذا مما لا نعلم فيه خلافا بين أهل الفقه والعلم، من أصحاب النبي، والتابعين

стр. 767

لهم بإحسان، وسائر أهل السنة والجماعة؛ فإنهم مجمعون على أن الواجب: الثناء عليهم، والاستغفار لهم، والترحم عليهم، والترضي عنهم، واعتقاد محبتهم، وموالاتهم، وعقوبة من أساء فيهم القول" (١)، وقال الإمام الطحاوي: "ونحب أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، ولا نفرط في حبِّ أحد منهم، ولا نتبرَّأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان" (٢). ومما يلتحق بهذه المسألة ويتصل بها، أحكام ساب الصحابة، ففيها بحث من جهة التكفير والتفسيق، ومن جهة نوع التعزير الذي يستحقه، بناء على الحكم عليه، ومن جهة حكم قبول توبته، قال شيخ الإسلام: "وبالجملة فمن أصناف السابَّة من لا ريب في كفره، ومنهم من لا يحكم بكفره، ومنهم من يرتدد فيه" (٣).

стр. 768

المبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل أبي بكر الصديق ﵁ - ٦٥٢ - حدثنا علي بن الجعد قال حدثنا المسعودي عن القاسم قال: "كان لأبي بكر ﵀ غلام يأتيه بكسبه كل ليلة، ويسأله من أين أصبت فيقول: أصبت من كذا، فأتاه ذات ليلة بكسبه وأبو بكر قد ظل صائما، فنسي أن يسأله فوضع يده فأكل، فقال الغلام: يا أبا بكر كنت تسألني كل ليلة عن كسبي إذا جئتك، فلم أرك سألتني عنه الليلة، قال: فأخبرني من أين هو؟ قال: تكَهَّنْت لقوم في الجاهلية فلم يعطوني أجري، حتى كان اليوم فأعطوني، وإنما كانت كذبة، فأدخل أبو بكر يده في حلقه فجعل يتقيّأ، فذهب الغلام فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: إني كذبت أبا بكر، فضحك النبي ﷺ أحسبه قال: ضحكا شديدا، وقال: "إن أبا بكر يكره أن يدخل بطنه إلا طيبا" (١). ٦٥٣ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، ثنا يعقوب بن إسحاق

стр. 769

الحضرمي، ثنا حصين، أن نافع المزني قال: "تلا الحسن هذه الآية: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ (١)، ثم قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "طير الجنة" قال أبو بكر: يا رسول اللَّه إن تلك الطير لناعمة، قال: "أكلها أنعم منها، والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تأكل منها يا أبا بكر"، فقال الحسن: واللَّه ليأكلن منها ولا يخيّب اللَّه رجاء نبيّه ﷺ " (٢). ٦٥٤ - حدثنا الحسن بن داود بن محمد بن المنكدر التيمي، نا الحسن ابن حبيب بن ندبة، نا روح بن القاسم، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: "أتيت أبا بكر ﵁ أسأله فمنعني، ثم أتيته أسأله فمنعني فقلت: إما أن تعطيني وإما أن تبخل عليّ، فقال: وأي داء شر من البخل؟ ما من مرّة تسألني إلا وأنا أريد أن أعطيك ألفا، فعدَّ لي ثلاثة آلاف" (٣). ٦٥٥ - حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب، نا إبراهيم بن سعد عن محمد ابن إسحاق، حدثني هشام بن عروة، عن أبيه قال: "مرّ أبو بكر ﵁ ببلال وهو يعذّب، وكانت دار أبي بكر في بني جُمح فقال أبو بكر لأميّة

стр. 770

ابن خلف: ألا تتقي اللَّه في هذا المسكين حتى متى؟ قال: أنت أفسدته فأنقذه، فقال أبو بكر: أفعل، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى، على دينك، أعطيكه به، قال: قبلت، قال: هو لك، فأعطاه أبو بكر ﵁ غلامه ذلك وأخذ بلالا فأعتقه ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر من مكة ست رقاب بلال سابعهم: عامر بن فهيرة شهد بدرا وأحدا وقتل يوم بئر معونة، وأم عبيس، وزنيرة، والنهدية، وابنتها، وجارية من بني مؤمل حيّ من بني عدي بن كعب" (١). ٦٥٦ - حدّثنا أحمد بن محمد، نا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبد اللَّه بن أبي عتيق، عن عامر بن عبد اللَّه بن الزبير، عن بعض أهله قال: "قال أبو قحافة لابنه أبي بكر ﵁: يا بني إني أراك تعتق رقابا ضعافا، فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالا جلداء يمنعونك ويقومون دونك، قال: فقال أبو بكر ﵁: يا أبه، إنما أريد ما أريد، قال: فيتحدث ما نزلت هؤلاء الآيات إلا فيه وفيما قال لأبيه:

стр. 771

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ إلى آخر الآيات" (١). ٦٥٧ - حدثنا أحمد بن جميل، نا عبد اللَّه بن المبارك، أنا يونس عن الزهري، أخبرني عروة، عن أبيه (٢): "أن أبا بكر ﵁ قال وهو يخطب الناس: يا معشر المسلمين، استحيوا من اللَّه، فوالذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب الغائط في الفضاء متقنِّعا بثوبي استحياء من ربي " (٣). ٦٥٨ - حدثنا أبو كريب، نا المحاربي، عن عاصم الأحول قال: بلغني أن ابن عمر سمع رجلا يقول: "أين الزاهدون في الدنيا، والراغبون في الآخرة؟ فأراه قبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وقال: عن هؤلاء تسأل" (٤).

стр. 772

٦٥٩ - حدثنا أبو كريب الهمداني قال: حدثنا علي بن قادم، عن زافر ابن سليمان، عن الصلت بن بهرام، عن الشعبي قال: "رأى أبو بكر عليا فقال: من سرَّه أن ينظر إلى أعظم الناس منزلة من رسول اللَّه ﷺ وأقربه قرابة، وأفضله وآله وأعظمه غنى عن نبيّه فلينظر إلى هذا، فبلغ عليا قول أبي بكر، فقال: أما إنه إن قال ذاك إنه لأوّاه، وإنه لأرحم الأمة، إنه لصاحب رسول اللَّه ﷺ في الغار، وإنه لأعظم الناس غنى عن نبيّه ﵇ في ذات يده" (١). ٦٦٠ - حدثنا مهدي بن حفص، حدثنا سفيان، عن مالك بن مغول قال: قال عمر ﵁: "وددت أني شعرة في صدر أبي بكر ﵁" (٢).

стр. 773

٦٦١ - حدثنا خالد بن خداش، حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن عتيق، عن الحسن بن أبي الحسن، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "لوددت أني من الجنة حيث أرى أبا بكر ﵁" (١). ٦٦٢ - أخبرنا أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس، أخبرنا عبد اللَّه بن إدريس، عن إسماعيل بن أبي خالد قال: "جاءنا يزيد بن النعمان بن بشير إلى حلقة القاسم بن عبد الرحمن بكتاب أبيه النعمان بن بشير (٢): "بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من النعمان بن بشير إلى أم عبد اللَّه بنت هاشم، سلام عليك، فإني أحمد اللَّه إليك، الذي لا إله إلا هو، فإنك كتبت إليّ لأكتب إليك بشأن زيد بن خارجة، وإنه كان من شأنه أنه أخذه وجع في حلقه، وهو يومئذ من أصح أهل المدينة، فتوفي بين صلاة الأولى وصلاة العصر، فأضجعناه لظهره وغشيناه بردين وكساء، فأتاني آت في منامي، وأنا أسبح

стр. 774

بعد المغرب فقال: إن زيدا قد تكلم بعد وفاته، فانصرفت إليه مسرعا، وقد حضره قوم من الأنصار، وهو يقول -أو يقال على لسانه-: الأوسط أجلد القوم، الذي كان لا يبالي في اللَّه لومة لائم، كان لا يأمر الناس أن يأكل قويّهم ضعيفهم، عبد اللَّه أمير المؤمنين صدق صدق، كان ذلك في الكتاب الأول، قال: ثم قال: عثمان أمير المؤمنين وهو يعافي الناس من ذنوب كثيرة، خلت ليلتان، وبقي أربع، ثم اختلف الناس، وأكل بعضهم بعضا، فلا نظام، وأبيحت الأحماء، ثم ارعوى المؤمنون، فقالوا: كتاب اللَّه وقدره أيها الناس أقبلوا على أميركم، واسمعوا وأطيعوا، فمن تولى فلا يعهدنّ دما، كان أمر اللَّه قدرا مقدورا، اللَّه أكبر هذه الجنة، وهذه النار، ويقول النبيون والصديقون سلام عليكم، يا عبد اللَّه بن رواحة: هل أحسست لي خارجة بن زيد لأبيه، وسعدا اللذين قتلا يوم أحد، كلا إنها لظى نزاعة للشوى، تدعو من أدبر وتولى، وجمع فأوعى، ثم خفت صوته، فسألت الرهط عما سبقني من كلامه فقالوا: سمعناه يقول: أنصتوا أنصتوا فنظر بعضنا إلى بعض، فإذا الصوت من تحت الثياب، فكشفنا عن وجهه فقال: هذا أحمد رسول اللَّه، سلام عليك يا رسول اللَّه ورحمة اللَّه وبركاته، ثم قال: أبو بكر الصديق الأمين، خليفة رسول اللَّه، كان ضعيفا في جسمه، قويا في أمر اللَّه، صدق صدق، وكان في الكتاب الأول" (١).

стр. 775

٦٦٣ - أخبرنا زياد بن أيوب، أخبرنا شبابة، أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن مبشر مولى آل سعيد بن العاصي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: "حضرت الوفاة رجلا من الأنصار، فمات فسجّوه ثم تكلم فقال: أبو بكر القويّ في أمر اللَّه، الضعيف في ما ترى العين، وعمر الأمين، وعثمان على منهاجهم، انقطع العدل، أكل الشديد الضعيف" (١). ٦٦٤ - أخبرنا خلف بن هشام البزار، أخبرنا خالد الطحان، عن حصين، عن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه الأنصاري: "أن رجلا من قتلى مسيلمة تكلم فقال: محمد رسول اللَّه ﷺ ، أبو بكر الصديق، عثمان اللين الرحيم" (٢).
следующие страницы →