← Акыда

Акыда · id 151178

الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا

حميد بن أحمد نعيجات

Полный текст (1 390 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ إلى آخر الآيات" (١). ٦٥٧ - حدثنا أحمد بن جميل، نا عبد اللَّه بن المبارك، أنا يونس عن الزهري، أخبرني عروة، عن أبيه (٢): "أن أبا بكر ﵁ قال وهو يخطب الناس: يا معشر المسلمين، استحيوا من اللَّه، فوالذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب الغائط في الفضاء متقنِّعا بثوبي استحياء من ربي " (٣). ٦٥٨ - حدثنا أبو كريب، نا المحاربي، عن عاصم الأحول قال: بلغني أن ابن عمر سمع رجلا يقول: "أين الزاهدون في الدنيا، والراغبون في الآخرة؟ فأراه قبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وقال: عن هؤلاء تسأل" (٤).

стр. 772

٦٥٩ - حدثنا أبو كريب الهمداني قال: حدثنا علي بن قادم، عن زافر ابن سليمان، عن الصلت بن بهرام، عن الشعبي قال: "رأى أبو بكر عليا فقال: من سرَّه أن ينظر إلى أعظم الناس منزلة من رسول اللَّه ﷺ وأقربه قرابة، وأفضله وآله وأعظمه غنى عن نبيّه فلينظر إلى هذا، فبلغ عليا قول أبي بكر، فقال: أما إنه إن قال ذاك إنه لأوّاه، وإنه لأرحم الأمة، إنه لصاحب رسول اللَّه ﷺ في الغار، وإنه لأعظم الناس غنى عن نبيّه ﵇ في ذات يده" (١). ٦٦٠ - حدثنا مهدي بن حفص، حدثنا سفيان، عن مالك بن مغول قال: قال عمر ﵁: "وددت أني شعرة في صدر أبي بكر ﵁" (٢).

стр. 773

٦٦١ - حدثنا خالد بن خداش، حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن عتيق، عن الحسن بن أبي الحسن، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "لوددت أني من الجنة حيث أرى أبا بكر ﵁" (١). ٦٦٢ - أخبرنا أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس، أخبرنا عبد اللَّه بن إدريس، عن إسماعيل بن أبي خالد قال: "جاءنا يزيد بن النعمان بن بشير إلى حلقة القاسم بن عبد الرحمن بكتاب أبيه النعمان بن بشير (٢): "بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من النعمان بن بشير إلى أم عبد اللَّه بنت هاشم، سلام عليك، فإني أحمد اللَّه إليك، الذي لا إله إلا هو، فإنك كتبت إليّ لأكتب إليك بشأن زيد بن خارجة، وإنه كان من شأنه أنه أخذه وجع في حلقه، وهو يومئذ من أصح أهل المدينة، فتوفي بين صلاة الأولى وصلاة العصر، فأضجعناه لظهره وغشيناه بردين وكساء، فأتاني آت في منامي، وأنا أسبح

стр. 774

بعد المغرب فقال: إن زيدا قد تكلم بعد وفاته، فانصرفت إليه مسرعا، وقد حضره قوم من الأنصار، وهو يقول -أو يقال على لسانه-: الأوسط أجلد القوم، الذي كان لا يبالي في اللَّه لومة لائم، كان لا يأمر الناس أن يأكل قويّهم ضعيفهم، عبد اللَّه أمير المؤمنين صدق صدق، كان ذلك في الكتاب الأول، قال: ثم قال: عثمان أمير المؤمنين وهو يعافي الناس من ذنوب كثيرة، خلت ليلتان، وبقي أربع، ثم اختلف الناس، وأكل بعضهم بعضا، فلا نظام، وأبيحت الأحماء، ثم ارعوى المؤمنون، فقالوا: كتاب اللَّه وقدره أيها الناس أقبلوا على أميركم، واسمعوا وأطيعوا، فمن تولى فلا يعهدنّ دما، كان أمر اللَّه قدرا مقدورا، اللَّه أكبر هذه الجنة، وهذه النار، ويقول النبيون والصديقون سلام عليكم، يا عبد اللَّه بن رواحة: هل أحسست لي خارجة بن زيد لأبيه، وسعدا اللذين قتلا يوم أحد، كلا إنها لظى نزاعة للشوى، تدعو من أدبر وتولى، وجمع فأوعى، ثم خفت صوته، فسألت الرهط عما سبقني من كلامه فقالوا: سمعناه يقول: أنصتوا أنصتوا فنظر بعضنا إلى بعض، فإذا الصوت من تحت الثياب، فكشفنا عن وجهه فقال: هذا أحمد رسول اللَّه، سلام عليك يا رسول اللَّه ورحمة اللَّه وبركاته، ثم قال: أبو بكر الصديق الأمين، خليفة رسول اللَّه، كان ضعيفا في جسمه، قويا في أمر اللَّه، صدق صدق، وكان في الكتاب الأول" (١).

стр. 775

٦٦٣ - أخبرنا زياد بن أيوب، أخبرنا شبابة، أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن مبشر مولى آل سعيد بن العاصي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: "حضرت الوفاة رجلا من الأنصار، فمات فسجّوه ثم تكلم فقال: أبو بكر القويّ في أمر اللَّه، الضعيف في ما ترى العين، وعمر الأمين، وعثمان على منهاجهم، انقطع العدل، أكل الشديد الضعيف" (١). ٦٦٤ - أخبرنا خلف بن هشام البزار، أخبرنا خالد الطحان، عن حصين، عن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه الأنصاري: "أن رجلا من قتلى مسيلمة تكلم فقال: محمد رسول اللَّه ﷺ ، أبو بكر الصديق، عثمان اللين الرحيم" (٢).

стр. 776

التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة، ذكر فضل أبي بكر الصديق ﵁، وبيان منزلته، وشيء من أعماله ومناقبه، وخلاصة هذه الآثار تورعه عن أكل الحرام، وتقيؤه الطعام المشبوه، ورجاء النبي ﷺ له أن يأكل من طير الجنة، الذي فهم منه الحسن تعيّن وقوعه لأن اللَّه لا يخيّب رجاء نبيّه، وجوده في العطاء، حيث أعطى جابرا ﵁ ألفا بعدد ما ردّه، كما جُودُه في الإعتاق حيث أعتق بلالا وأنقذه من التعذيب، وأعتق سبعة أنفس قبل هجرته إلى المدينة، وكان لصدقه وإخلاصه في الإعتاق لا ينتقى القوي الجلد، الذي قد يرجى منه فائدة وعوض في الدنيا، لأنه لا يريد جزاء ولا شكورا، بل يريد ما عند اللَّه، ومن شدة حيائه أنه كان يتقنع بثوبه عند قضاء حاجته. وقد عرف له المسلمون هذا الفضل والمكانة، فكانوا يشيدون به وبأفعاله، فهذا ابن عمر يحيل من سأل عن الزهاد والراغبين في الآخرة على قبر رسول اللَّه ﷺ وصاحبيه، وعلي بن أبي طالب شهد له ببعض الفضائل التي اشتهر بها بأنه أوّاه! وأرحم الأمة، وأنه صاحب رسول اللَّه ﷺ في

стр. 777

الغار، وأنه أعظم الناس غنى عن نبيّه ﵇ في ذات يده، وتمنى رفيقه عمر بن الخطاب أن يكون شعرة في صدره، وأن يكون في الجنة بحيث يراه، ووصفه بعض من قيل فيه إنه تكلم بعد موته، أو تُكُلِّم على لسانه بأوصاف عديدة، بأنه الأمين، خليفة رسول اللَّه، كان ضعيفا في جسمه، قويا في أمر اللَّه، صدق صدق، وكان في الكتاب الأول. قال القرطبي ﵀: "الذي يقطع به من الكتاب والسنة وأقوال علماء الأمة، ويجب أن تؤمن به القلوب والأفئدة، فضل الصديق على جميع الصحابة، ولا مبالاة بأقوال أهل الشيع، ولا أهل البدع؛ فإنهم بين مُكَفَّر تضرب رقبته، وبين مبتدع مُفَسَّق لا تقبل كلمته" (١)، ومن لطيف ما نقله الهيتمي عن: "أبي جعفر الباقر قال: من لم يعرف فضل أبي بكر وعمر فقد جهل السنة، قال بعض أئمة أهل البيت: صدق واللَّه، إنما نشأ من الشيعة والرافضة وغيرهما ما نشأ من البدع والجهالات من جهلهم بالسنة" (٢).

стр. 778

المبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل عمر بن الخطاب ﵁ -. أولا: الآثار الواردة في زهده وورعه . ٦٦٥ - حدثنا القاسم بن محمد بن إبراهيم العبسي قال: حدثنا هشيم ابن ساسان، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، وكان يحضر طعام عمر، قال: "كانت له كل يوم إحدى عشرة لقمة، أنى شاءها من الغد" (١). ٦٦٦ - حدثني عبيد بن محمد قال: حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت (٢) قال: "اشتهى عمر بن الخطاب الشراب، فأتي بشربة من عسل، فجعل يدير الإناء في كفّه فيقول: أشربها فتذهب حلاوتها، وتبقى مرارتها، ثم دفعها إلى رجل من القوم فشربها" (٣). ٦٦٧ - حدثني علي بن محمد، حدثنا أسد بن موسى، حدثني حكيم ابن حزام، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم، عن أبي أمامة قال:

стр. 779

"بينما نحن مع عمر بن الخطاب ﵁ وهو يجول في سكك المدينة، ومعنا الأشعث بن قيس، فأدرك عمر الأغنياء فقعد وقعد الأشعث إلى جنبه، وقد أتى عمر بمِرْجَل (١) فيه لحم، فجعل يأخذ منها العَرْق (٢)، وينهشه، فينضح على الأشعث، قال: يقول الأشعث: يا أمير المؤمنين، لو أمرت بشيء من سمن نصبّ على هذا اللحم، ثم طبخ حتى يبلغ أدمان كان ألين له، قال: فرفع عمر يده، فضربها في صدر الأشعث، ثم قال: أدمان في أدم؟ كلا إني رأيت صاحبيّ وصحبتهما، فأخاف أن أخالفهما فيخالف بي عنهما، فلا أنزل معهما حيث نزلا" (٣). ٦٦٨ - حدثني عبد اللَّه بن يونس بن بكير، حدثنا أبي، عن الحسن بن

стр. 780

دينار، عن الأحنف بن قيس قال: "خرجنا مع أبي موسى وفودا على عمر، وكانت لعمر ثلاث خبزات يأدمهن يوما بلبن، ويوما بسمن، ويوما بلحم عريض (١)، ويوما بزيت، فجعل القوم يأكلون ويعذّرون، فقال عمر: إني لأرى تعذّركم، وإني لأعلمكم بالعيش، ولو شئت لجعلت كراكر (٢)، وأسمنة، وصِلاءً (٣) وصِنَابا (٤) وصَلَائق (٥)، ولكن أستبقي حسناتي، إن اللَّه ذكر قوما فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (٦) " (٧).

стр. 781

٦٦٩ - حدثني سريج بن يونس قال: حدثنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن عتبة بن فرقد السلمي قال: "قدمت على عمر، وكان ينحر جزورا كل يوم، أطايبها للمسلمين وأمهات المؤمنين، يأمر بالعنق والعلباء (١) فيأكله هو وأهله، فدعا بطعام فأتي به، فإذا هو خبز خشن، وكسور من لحم غليظ، فجعل يقول: كل، فجعلت آكل البضعة فألوكها فلا أستطيع أن أسيغها، فنظرت، فإذا بضعة بيضاء، ظننت أنها من السنام، فإذا هي من علباء العنق، فنظر إليّ عمر فقال: إنه ليس يدركنّك العراق الذي تأكل أنت وأصحابك" (٢).

стр. 782

٦٧٠ - حدثنا. . . بن المنكدر قال: "حدثنا المغيرة بن عبد اللَّه، عن عاصم بن محمد العمري، عن أبيه قال: "كان عمر بن الخطاب يُقَرِّد (١) أخفاف إبل الصدقة، فدخل وقد أصابه الشَّرَق (٢)، فقال: هل عندكم شيء؟ فقالت امرأته: تحت السرير، فتناول قناعا فيه تمر، فأكل، ثم شرب من الماء، ثم مسح بطنه وقال: ويح لمن أدخله بطنه النار" (٣). ٦٧١ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا سليم بن أخضر، عن ابن عون، عن محمد قال: قال عمر: "ما بقي فِيَّ شيء من أمر الجاهلية؛ غير أني لست أبالي إلى أي المسلمين نكحت، وأيّهن أنكحت" (٤). ٦٧٢ - حدثنا أبو يعلى الثقفي، حدثنا أحمد بن يونس، عن أبي شهاب، عن الأعمش، عن الحسن: أن رجلا أثنى على عمر ﵁ فقال: "تهلكني، وتهلك نفسك" (٥).

стр. 783

٦٧٣ - حدثنا يحيى بن عمران، حدثنا محمد بن طلحة، عن الهجيع بن قيس قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: "إني لأكره نفسي على الجماع كي تخرج مني نسمة تسبح اللَّه تعالى" (١). ٦٧٤ - حدثنا أبو خيثمة قال: حدثنا عبد اللَّه بن إدريس، عن عبد الرحمن بن إسحاق عن محارب بن دثار، عن عبد اللَّه بن عمر قال: "رأيت عمر بن الخطاب البكّاء، وهو يصلّي، حتى سمعت خنينه من وراء ثلاثة صفوف" (٢). ٦٧٥ - حدثني يحيى بن أيوب، حدثنا شعيب بن حرب، عن سليمان ابن حرب، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس ﵁: "رأيت بين كتفي عمر أربع رقاع" (٣).

стр. 784

ثانيا: الآثار الواردة في عدله وخوفه في خلافته . ٦٧٦ - حدثني محمد بن عثمان بن علي العجلي، نا حسين الجعفي، عن زائدة، عن هشام، عن الحسن قال: "خرج عمر في يوم حار، واضعا رداءه على رأسه، قال: فمر به غلام على حمار فقال: "يا غلام احملني معك، قال: فوثب الغلام عن الحمار فقال: اركب يا أمير المؤمنين، فقال: لا أركب، وأركب خلفك، تريد أن تحملني على المكان الخشن، وتركب على المكان الوطيء، ولكن اركب أنت وأكون أنا خلفك، قال: فدخل المدينة وهو خليفة، والناس ينظرون إليه" (١). ٦٧٧ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا جعفر بن عون قال: أخبرنا أبو عميس، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: "جاء قوم إلى عمر يشكون الجهد، فأرسل عينيه بأربع (٢)، ورفع يديه فقال: اللهم لا تجعل هلكتهم على يديّ، وأمر لهم بطعام" (٣).

стр. 785

٦٧٨ - حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا أبو مسهر، عن عبد الجبار بن عبد الواحد التنّوخي قال: قال عمر ﵁: "أنشد باللَّه، لا يعلم رجل مني عيبا إلا عابه، فقال رجل: نعم يا أمير المؤمنين، فيك عيبان، قال: ما هما؟ قال: تذيل بين بردين، وتجمع بين الأدمين، ولا يسع ذاك الناس، قال: فما أدال بين بردين، ولا جمع بين أدمين حتى لقي اللَّه " (١). ٦٧٩ - حدثنا إسحاق، حدثنا وكيع، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن ابن عمر قال: "استأذنت عمر في الجهاد، فقال: إنك قد جاهدت مع رسول اللَّه ﷺ ، قال: ثم استأذنته، فقال لي مثل ذلك، فاستأذنته الثالثة، فقال لي: إني أخاف واللَّه أن يصيب المسلمون غنيمة، فيقولون: هذا عبد اللَّه بن عمر أمير المؤمنين، ادفعوا إليه أمثل (٢) جارية في المغنم، فيدفعوا إليك، فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى وابن السبيل فيها حق، فتقع عليها فتكون زانيا" (٣).

стр. 786

٦٨٠ - حدثنا عبد اللَّه بن يونس بن بكير، حدثني أبي، حدثنا هشام ابن سعد، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة قال: "قدم على عمر بن الخطاب بمال في ولايته، فجعل يتصفّحه وينظر إليه، فهملت عيناه دموعا فبكى، فقال له عبد الرحمن بن عوف: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فواللَّه إن هذا لمن مواطن الشكر، فقال عمر: إن هذا المال واللَّه ما أعطيه قوم إلا أُلقي بينهم العداوة والبغضاء" (١). ٦٨١ - حدثني سعيد بن سليمان، عن سليمان بن المغيرة، عن حميد ابن هلال، عن زهير بن حيان -قال حميد: وكان زهير يغشى ابن عباس ويسمع منه- قال: قال ابن عباس ﵁: "دعاني عمر بن الخطاب، فأتيته وبين يديه نطع عليه الذهب مبثورا بثرا -قال سليمان: يعني النثر-، قال: اذهب فاقسم هذا بين قومك، فاللَّه أعلم حين حبس هذا عن نبيّه وعن أبي بكر بخير أعطاني أم بشر؟ قال: فقمت أريد أقسمه، قال: فسمعت البكاء، فإذا صوت عمر يبكي، ويقول في بكائه: كلا، والذي نفسي بيده ما حبس اللَّه هذا عن نبيّه أعن أبي بكر لشرٍّ لهما، وأعطاه عمر إرادة الخير له" (٢).

стр. 787

٦٨٢ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا يعلى بن عبيد، عن الحارث بن عمير، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد قال: "لما كان زمن عمر فكثر المال، وحدثت الأعطية، وكفّ الناس عن طلب المعيشة، قال عمر: أيها الناس أصلحوا معايشكم؛ فإن فيها صلاحا لكم وصلة لغيركم" (١). ٦٨٣ - حدثني عبد اللَّه بن يونس بن بكير الشيباني قال: حدثني أبي قال: حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: "رأيت

стр. 788

عبد اللَّه بن الأرقم صاحب بيت مال المسلمين في زمن أبي بكر، أتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين إن عندنا حلية من حلية جلولاء (١) آنية من ذهب وورق، فانظر أن تفرغ لذلك يوما وترى فيه رأيك، فقال: إذا رأيتني فارغا فآذنّي، فجاءه يوما فقال: أراك اليوم فارغا، فقال: أجل، فابسط لي نطعا، ثم أتى بذلك المال فصُبّ عليه، فدنا عمر حتى وقف عليه، وقال: اللهم إنك ذكرت وقلت: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ (٢)، وقلت: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ (٣)، وإنا لا نستطيع أن لا نفرح بما زيّنته لنا اللهم فاجعلني أنفقه في الحق وأعذني من شرّه، قال: وأتي عمر بابن له يحمل يقال له: عبد الرحمن، فقال: يا أبتاه هب لي خاتما، فقال له عمر: اذهب إلى أمّك تسقيك سويقا" (٤). ٦٨٤ - وحدثني عبد اللَّه بن يونس، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق،

стр. 789

عن عبد اللَّه بن واقد بن عبد اللَّه بن عمر قال: "بعث أبو موسى من العراق إلى عمر بن الخطاب -رحمة اللَّه عليه- بحلية فوضعت بين يديه، وفي حجره أسماء بنت زيد بن الخطاب، وكانت أحبّ إليه من نفسه لمّا قتل أبوها باليمامة (١) عطف عليهم، فأخذت من الحلية خاتما فوضعته في يدها، وأقبل عليها يقبّلها ويلتزمها، فلما غفلت أخذ الخاتم من يدها فرمى به في الحلية، وقال: خذوها عنّى" (٢). ٦٨٥ - حدثنا داود بن عمر الضبي، نا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن الثقة: "أن عمر بن الخطاب ﵁ ردّ رجلا على أبيه في الغزو، وكان أبوه يبكي عليه ويذكره في الشعر، فكان فيما يقول: أتا مهاجران فزلّجاه ... عباد اللَّه، قد عقّا وحابا أَبرًّا بعد ضيعة والديه ... فلا، وأبي كلاب، ما أصابا فقال عمر ﵁: أجل، لا وأبي كلاب، ما أصابا تركت أباك مرعشة يداه ... وأمك ما تسيغ لها شرابا إذا دعت الحمامة ساق حرِّ ... على بيضاتها دعوا كلابا تنغّص مهده شفقا عليه ... وتجنبه أباعرنا الصعابا (٣)

стр. 790

٦٨٦ - حدثنا المثنى بن معاذ بن معاذ، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن أبي عروبة، عن قتادة قال: "كان معيقيب (١) على بيت مال عمر، فكنس بيت المال يوما فوجد فيه درهما، فدفعه إلى ابن لعمر، قال معيقيب: ثم انصرفت إلى بيتي، فإذا رسول عمر قد جاءني يدعوني، فجئت فإذا الدرهم في يده، فقال لي: ويحك يا معيقيب أوجدت عليَّ في نفسك شيئا؟ قال: قلت: ما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: أردت أن تخاصمني أمة محمد ﷺ في هذا الدرهم" (٢).

стр. 791

٦٨٧ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا وهب بن جرير، عن أبيه، عن الأعمش، عن عبد اللَّه بن خالد العبسي: "أن عمر بن الخطاب رأى قوما مجتمعين على أمر كرهه، فسعى عليهم بالدرة فتفرقوا، وقام رجل منهم فضربه، وقال: ما حملك على أن قمت لي حتى ضربتك؟ ألا ذهبت كما ذهب أصحابك؟ قال: يا أمير المؤمنين إن اللَّه جعل حقّك عليّ -أو قال- على كل مسلم كحق الوالد على ولده، وإني لما رأيتك سعيت كرهت أن أتعبك فقمت حتى تقضي مني حاجتك، قال: آللَّه كذلك حملك على ما صنعت؟ فحلف فأخذ بيده فجلسا، فلم يزل له مكرما حتى فارق الدنيا" (١). ٦٨٨ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو معاوية، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عاصم بن عمر، عن عمر قال: "إنه لا أجده يحلُّ لي أن آكل من مالكم هذا، إلا كما كنت آكل من صلب مالي: الخبز والزيت، والخبز والسمن، قال: فكان ربما يؤتى بالجفنة قد صنعت بالزيت، ومما يليه منها سمن، فيتعذّر إلى القوم ويقول: إني رجل عربي، ولست استمرئ الزيت" (٢).

стр. 792

٦٨٩ - حدثنا أبو بلال الأشعري، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن المذحجي، عن جرير بن حازم، عن الحسن قال: "بينما عمر بن الخطاب يمشى ذات يوم في نفر من أصحابه، إذا صُبَيَّة في السوق يطرحها الريح لوجهها من ضعفها، فقال عمر: يا بؤس هذه، من يعرف هذه؟ قال له عبد اللَّه: أو ما تعرفها؟ هذه إحدى بناتك، قال: وأي بناتي؟ قال: بنت عبد اللَّه بن عمر، قال: فما بلغ بها ما أرى من الضيعة؟ قال: إمساكك ما عندك، قال: إمساكي ما عندي عنها يمنعك أن تطلب لبناتك ما تطلب الأقوام؟ أما واللَّه ما لك عندي إلا سهمك مع المسلمين، وسعك أو عجز عنك، بيني وبينكم كتاب اللَّه" (١). ٦٩٠ - حدثني أبي ﵀، نا إسماعيل بن علية، نا أيوب، عن محمد ابن سيرين قال: "نبئت أن رجلا بينه وبين عمر ﵁ قرابة سأله فزبره وأخرجه، فكُلّم فيه فقيل: يا أمير المؤمنين فلان سألك فزبرته وأخرجته، قال: إنه سألني من مال اللَّه ، فما معذرتي إن لقيته مَلِكًا (كذا) خائنا، ولولا سألني من مالي؟ فأرسل إليه بعشرة آلاف" (٢).

стр. 793

٦٩١ - حدثنا أبو خيثمة وإسحاق بن إسماعيل، قالا: حدثنا جرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عاصم بن عمر قال: "بعث إليّ عمر عند الفجر، أو عند صلاة الصبح، فأتيته فوجدته جالسا في المسجد، فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإني لم أكن أرى شيئا من هذا المال يحل لي قبل أن آليه إلا بحقه، ثم ما كان أحرم عليّ منه يوم وليته، فعاد بأمانتي، وإني كنت أنفقت عليك من مال اللَّه شهرا، فلست بزايدك عليه، وإني كنت أعطيتك ثمرتي بالعالية العام، فبعه فخذ ثمنه، ثم ائت رجالا من تجار قومك فكن إلى جنبه، فإذا ابتاع شيئا استشركه، وأنفقه عليك وعلى أهلك، قال: فذهبت ففعلت" (١). ٦٩٢ - حدثنا محمد بن عبد اللَّه المديني قال: حدثنا معتمر بن سليمان، سمع أباه يحدث عن نعيم بن أبي هند: "أن عمر بن الخطاب كان يدفع إلى امرأته طيبا للمسلمين، كانت تبيعه فتزن فترجح وتنقص فتكسر بأسنانها، فتقوّم لهم الوزن، فعلق بأصبعها منه شيء فقالت بأصبعها في فيها فمسحت به خمارها، وإن عمر جاء فقال: ما هذه الريح؟ فأخبرته خبرها، فقال: تطيبين بطيب المسلمين؟ فانتزع خمارها، فجعل يقول بخمارها في التراب ثم يشمه ثم يصب عليه الماء ثم يقول به في التراب، حتى ظن أن

стр. 794

ريحه قد ذهبت، ثم جاءتها العطارة مرة أخرى فباعت منها فوزنت لها فعلق بأصبعها منها شيء فقالت بأصبعها في فيها ثم قالت بأصبعها في التراب، فقالت العطارة: ما هكذا صنعت أول مرة، فقالت: أَوَمَا علمت ما لقيت منه؟ لقيت منه كذا ولقيت وكذا وكذا" (١). ٦٩٣ - حدثني سلم بن جنادة قال: حدثنا سليمان بن عبد العزيز بن أبي ثابت القرشي قال: حدثنا أبي، عن عبد اللَّه بن جعفر، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة قال: "قال كعب لعمر: يا أمير المؤمنين، اعهد فإنك ميت في ثلاثة أيام، فقال عمر: اللَّه إنك تجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ قال: اللهم لا، ولكن أجد صفتك وحليتك، قال: وعمر لا يحسّ أجلا ولا وجعا، فلما مضت ثلاثٌ طعنه أبو لؤلؤة، فجعل يدخل عليه المهاجرون والأنصار فيسلمون عليه، ودخل في الناس كعب، فلما نظر إليه عمر قال: فأوعدني كعبٌ ثلاثا يعدّها ... ولا شكّ أن القول ما قال كعب وما بي حذار الموت إني لميّت ... ولكن حذار الذنب يتبعه الذنب (٢)

стр. 795

٦٩٤ - حدثنا أبو خيثمة، حدثنا يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: "أن عمر بن الخطاب ﵁ لما نفر من منى، أناخ بالأبطَح (١)، ثم كوّمه من بطحاء فألقى عليها طرف ردائه، ثم استلقى، ورفع يديه إلى السماء، ثم قال: اللهم كبرت سني، وضعفت قوّتي، وانتشرت رعيّتي، فاقبضني إليك غير مضيّع، ولا مفرّط، فما انسلخ ذو الحجّة حتى طعن فمات ﵀" (٢). ٦٩٥ - حدثنا داود بن عمرو الضبي، حدثنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن سليمان بن يسار، عن عمر بن الخطاب أنه قال:

стр. 796

"لوددت أني أنجو من الإمارة كفافا، لا لي، ولا عليّ" (١). ثالثا: الآثار الواردة في ثناء الناس عليه . ٦٩٦ - حدثني عبد اللَّه بن يونس بن بكير قال: حدثني أبي قال: حدثني أبو إسحاق المختار التيمي -تيم الرباب- عن أبي المطرانة (٢) أخبره قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: "دخلت على عمر بن الخطاب حين وجاه أبو لؤلؤة وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ قال: أبكاني خبر السماء، أين يذهب بي، إلى الجنة أو إلى النار، فقلت: أبشر بالجنة، فإني سمعت رسول اللَّه ﷺ ما لا أحصيه يقول: "سيدا أهل الجنة أبو بكر وعمر"، فقال: أشاهد أنت يا عليّ لي بالجنة؟ ، قلت: نعم، وأنت يا حسن فاشهد على أبيك رسولِ اللَّه أن عمر من أهل الجنة" (٣). ٦٩٧ - حدثنا مهدي بن حفص، حدثنا سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد اللَّه قال: "دخل عليٌّ على عمر رضي اللَّه

стр. 797

عنهما وهو مسجّى بثوب فقال: ما أحب أن ألقى اللَّه بصحيفة أحد إلا بصحيفة هذا المسجّى" (١). ٦٩٨ - حدثني محمد بن الحارث الخراز قال: ثنا سنان بن حاتم، قثنا جعفر بن سليمان، قثنا حباب القطيعي، عن أبي إسحاق الهمداني قال: "خرج عليّ بن أبي طالب ﵁ في أول ليلة من شهر رمضان والقناديل تزهر، وكتاب اللَّه يُتلا في المساجد، فقال: نوّر اللَّه لك يا عمر بن الخطاب

стр. 798

في قبرك كما نوّرت مساجد اللَّه بالقرآن" (١). ٦٩٩ - حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا أبو معاوية، عن أبي حيان التيمي قال: "رؤي على عليّ بن أبي طالب ثوب كأنه كان يكثر لبسه، فقيل له فيه، فقال: هذا كسانيه خليلي وصفيِّي عمر بن الخطاب ﵁؛ إن عمر ناصح اللَّه فنصحه اللَّه" (٢). ٧٠٠ - حدثني أبي ﵀، قال: حدثنا ابن شقيق، عن ابن. . . (٣)، عن سفيان، بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد قال: "قيل لعثمان: ألا تكون مثل عمر؟ قال: لا أستطيع أن أكون مثل لقمان الحكيم" (٤).

стр. 799

٧٠١ - حدثنا المثنى، قال: حدثنا بشر، عن خالد، عن محمد بن سيرين قال: "كتب عمر إلى أبي موسى: إذا جاءك كتابي هذا، فأعط الناس أعطياتهم، واحمل إليّ ما بقى مع زياد، ففعل، فلما كان عثمان، كتب إلى أبي موسى بمثل ذلك ففعل، فجاء زياد بما معه فوضعه بين يدي عثمان، فجاء ابن لعثمان فأخذ شيئا (لذاته) (١) فمضى بها، فبكى زياد، فقال له عثمان: ما يبكيك؟ قال: أتيت أمير المؤمنين عمرا بمثل ما أتيتك به، فجاء ابن له فأخذ درهما، فأمر به فانتزع منه حتى بكى الغلام، وإن ابنك جاء فأخذ هذه، فلم أر أحدا قال له شيئا، قال عثمان: إن عمرا كان يمنع أهله وأقربائه ابتغاء وجه اللَّه، فإني (٢) أعطي أهلي وأقربائي ابتغاء وجه اللَّه، ولن تلقى مثل عمر، ولن تلقى مثل عمر، ولن تلقى مثل عمر" (٣). ٧٠٢ - حدثنا أبو كريب قال: حدثنا رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشجّ: "أن معاوية بن أبي سفيان قال ليزيد ابنه: كيف تراك فاعلا إن وُلّيت؟ قال: يمتّع اللَّه بك، قال: لتخبرَنّي، قال: كنت

стр. 800

واللَّه يا أبه عاملا فيهم عمل عمر بن الخطّاب، قال: سبحان اللَّه! سبحان اللَّه! ، واللَّه يا بنيّ لقد جهدت على سيرة عثمان بن عفان فما أطقتها" (١). ٧٠٣ - حدثني محمد بن قدامة الجوهري، حدثني رجل من أهل البصرة، عن أبيه، نا مبارك بن فضالة، عن علي بن عبد اللَّه بن عباس قال: "دخلت على عبد الملك بن مروان في يوم شديد البرد، وإذا هو في جبّة باطنها قوهي معصفر، وظاهرها خزّ أغبر، وحوله أربعة كوانين، قال: فرأى البرد في تقفقفي (٢) فقال: ما أظن يومنا هذا إلا باردا، قلت: أصلح اللَّه أمير المؤمنين ما يظن أهل الشام أنه أتى عليهم يوم أبرد منه، قال: فذكر الدنيا فذمها، ونال منها، وقال: هذا معاوية عاش أربعين سنة، عشرين أميرا، وعشرين خليفة، هذه جثوته (٣) عليها ثمامة (٤) نابتة، للَّه درّ ابن ختمة -يعني عمر بن الخطاب- ما كان أعلمه بالدنيا" (٥). ٧٠٤ - حدثني محمد بن عباد بن موسى، ثنا عمي خليفة بن موسى،

стр. 801

ثنا محمد بن ثابت البناني، عن أبيه قال: قالت عائشة ﵂: "إذا سرّكم أن يحسن المجلس فأكثروا ذكر عمر بن الخطاب ﵁، ثم قالت: واللَّه إنا لوقوف بالمحصب، إذ أقبل راكب حتى إذا كان قدر ما يسمع صوته قال: أبعد قتيل بالمدينة أشرقت ... له الأرض واهتز الغضاة (١) بأسوق جزى اللَّه خيرا من إمام وباركت ... يد اللَّه في ذاك الأديم الممزّق قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... نوائح في أكمامها لم تفتَّق وكنت نشرت العدل بالبر والتقى ... وحكم صليب الدين غير مزوق فمن يسع أو يركب جناحي نعامة ... ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق أمين النبي حبة وصفيه ... كساه المليك جبة لم تمزّق من الدين والإسلام والعدل والتقى ... وبابك عن كل الفواحش مغلق ترى الفقراء حوله في مفازة ... شباعا رواء ليلهم لم يؤرّق قالت: ثم انصرف فلم نر شيئا، فقال الناس: هذا مزرد (٢)، ثم أقبلنا

стр. 802

حتى انتهينا إلى المدينة، فوثب إليه أبو لؤلؤة الخبيث فقتله، فواللَّه إنه لمسجّى بيننا إذ سمعنا صوتا من جانب البيت لا ندري من أين يجيء: ليبك على الإسلام من كان باكيا ... فقد أوشكوا هلكى وما قدم العهد وأدبرت الدنيا وأدبر خيرها ... وقد ملّها من كان يوقن بالوعد فلما ولي عثمان لقي مزردا فقال: أنت صاحب الأبيات؟ قال: لا، واللَّه يا أمير المؤمنين ما قلتهن، قال: فيرون أن بعض الجن رثاه" (١). ٧٠٥ - حدثنا داود بن عمرو قال: حدثنا شريك بن عبد اللَّه، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة قال: "ركض عمر فرسا على عهد رسول اللَّه ﷺ

стр. 803

فانكشف فخذه من تحت القباء، وأبصر رجل من أهل نجران (١) شامة في فخذه فقال: هذا الذي نجده في كتابنا يخرجنا ثمّ (كذا) ديارنا" (٢). رابعا: الآثار الواردة في بعض كراماته . ٧٠٦ - حدثنا عبد اللَّه بن عفان، حدثني عطاء بن مسلم الحلبي، عن العمري قال: قال خوات بن جبير -وكانت له صحبة ﵁: "أصاب الناس قحطٌ شديد على عهد عمر بن الخطاب ﵁ فخرج عمر بالناس يصلى بهم ركعتين، وخالف بين طرفي ردائه جعل اليمين على اليسار، واليسار على اليمين، ثم بسط يده فقال: "اللهم إنا نستغفرك ونستسقيك"، قال: فما برح من مكانه حتى مطروا، فبينا هم كذلك إذا أعراب قدموا المدينة فأتوا عمر بن الخطاب ﵁ فقالوا: يا أمير المؤمنين بينا نحن بوادينا في يوم كذا وكذا، في ساعة كذا وكذا إذ أظلَّنا غمام، وسمعنا بها صوتا ينادي: "أتاك الغوث أبا حفص، أتاك الغوث أبا حفص" (٣).

стр. 804

التحليل والتعليق تضنمت الآثار السابقة بعض فضائل الفاروق عمر بن الخطاب ﵁، من أوجه كثيرة قسمتها إلى العناصر الأربعة الماضية، وهي: زهده وورعه، وعدله وخوفه في خلافته، وثناء الناس عليه، وبعض كراماته. فأما زهده وورعه: فقد تضمنت الآثار في ذلك عدة أوجه، فمن أهمها زهده في مأكله، حيث كان مقدار أكله حوالي إحدى عشرة لقمة يوميا، وكان يترك كثيرا من أطايب الطعام المباح، رجاء استيفاء أجر حسناته التي قدّمها أوفى ما يكون عند اللَّه، وألا يكون قُدِّم له منها شيء في هذه الحياة الدنيا، وحرصا على الحفاظ على المنزلة التي يرجوها من مرافقة صاحبيه كما رافقهما في الدنيا، فمن ذلك ترك شرب العسل، واقتصاره على أزهد شيء في الذبيحة، كالعرق والرقبة والعلباء، وإن طبخها طبخها بأبسط شكل، ولم يدخل عليها التحسينات من السمن والبهارات ونحو ذلك. وزهده في الجاه الدنيوي فكان لا يهمه التفاخر في الزواج فالمسلمون عنده سواء في التزويج والتزوج، ويأبى المدح ويخافه على نفسه وعلى

стр. 805

المادح، ويخالف نفسه في هواها حتى إنه ليكرهها على الجماع ليس لحظ نفسه منه، وإنما حرصا على الولد الذي يسبح اللَّه. وكان بكَّاءً يسمع خنينه من وراء ثلاثة صفوف، وكان زاهدا في ملبسه يرى عليه آثار الترقيع حتى عُدَّت له تلك الرقاع فبلغت نيفا، كل راو يذكر ما رأى من ذلك. وأما عدله وخوفه في خلافته: فهو مضرب المثل فيه، فكان يركب مع سائر رعيته على الدابة، ولا يرضى حتى يكون هو في الخلف، ويخاف على رعيته أن تصيبهم هلكة على يديه، ويقبل منهم الانتقاد ويعمل به، ويخشى أي محاباة بسبب المنصب الذي تولاه، فلا يعطى أبناءه وأهله من الأموال إلا ما يستحقونه كعموم المسلمين، ولهذه العلة منع ابنه عبد اللَّه من الجهاد خشية أن يحابوه في المغنم، فإن رأى حاجة شديدة بأحدهم أعطاه من ماله الخاص وأمره بالاتجار والتكسب به، ويخشى من الأموال التي تجبى إليه أن يفتتن بها، فيسرع في قسمتها على المسلمين، ويتصفح أحوال المجاهدين فيرجع من كان أبواه في حاجته، ومع هذا العدل والتورع يخاف على نفسه من تبعات الخلافة ويتمنى قبل الموت أن يخرج منها كفافا لا له ولا عليه، ولما كبر سنة خاف من التفريط فسأل اللَّه أن يتوفاه. وأما ثناء الناس عليه: فكل مسلم يلهج لسانه بذكر محاسنه، والثناء على أعماله، شهد له علي بن أبي طالب بالجنة، ويأمر ذريته بذلك، ويتمنى أن يلقى اللَّه بمثل صحيفته، ويدعو له بتنوير قبره، كما نوّر مساجد

стр. 806

اللَّه بالتراويح، ويشبهه عثمان بن عفان ﵁ بلقمان الحكيم، ويعبر عن عجزه عن إدراك مثل درجته، ويجزم أنه لن يوجد مثل عمر، ويؤكّد هذا المعنى معاوية ﵁ حيث لم يستطع أن يسير في الناس سيرة عثمان، فأما سيرة عمر فلا مطمع فيها، وهكذا بعدهم عبد الملك بن مروان ترحم عليه، وأثنى على بصره وعلمه بالدنيا، وأنه لم يغتر بها، بل إن أم المؤمنين عائشة ﵂ جعلت ذكره يحسن المجالس، ثم ذكرت رثاء الجن له، بل إن أخباره وصفاته عند أهل الكتاب عرفونه بها، كما عرفه النجراني يوم ركض على فرسه، وعلم أنه هو الذي سيخرجهم من جزيرة العرب. وأما كراماته: فقد ورد أثر استقائه بالعباس ﵁ وتبشيره بالغوث بصوت سمعه بعض الأعراب في بواديهم من الغمام في نفس وقت الاستقتاء (١). ولهذا كله وغيره فإنه لا يطعن في عمر ﵁ إلا بأحد سببين كما قال شيخ الإسلام: "إما نقصم العلم، وإما نقص الدين"، ثم قال: "من المعلوم للخاص والعام أن عدل عمر ﵁ ملأ الآفاق، وصار يضرب به المثل، كما قيل: سيرة العمرين. . . ويكفي الإنسان أن الخوارج الذين هم أشد الناس تعنتا، راضون عن أبي بكر وعمر في سيرتهما، وكذلك الشيعة الأولى أصحاب علي، كانوا يقدمون عليه أبا بكر وعمر. . . وهؤلاء أهل

стр. 807

العلم الذين يبحثون الليل والنهار عن العلم، وليس لهم غرض مع أحد، بل يرجحون قول هذا الصاحب تارة، وقول هذا الصاحب تارة، بحسب ما يرونه من أدلة الشرع. . . -ثم ذكر جملة منهم-، ومن لا يحصى عددهم إلا اللَّه، من أصناف علماء المسلمين، كلهم خاضعون لعدل عمر وعلمه، وقد أفرد العلماء مناقب عمر، فإنه لا يعرف في سير الناس كسيرته. . .وكل هؤلاء العلماء الذين ذكرناهم، يعلمون أن عدل عمر كان أتم من عدل من ولي بعده، وعلمه كان أتم من علم من ولي بعده، وأما التفاوت بين سيرة عمر وسيرة من ولي بعده، فأمْرٌ قد عرفته العامة والخاصة؛ فإنها أعمال ظاهرة، وسيرة بيِّنَةٌ، يظهر لِعُمر فيها من حسن النية، وقصد العدل، وعدم الغرض، وقمع الهوى، ما لا يظهر من غيره -ثم ذكر آثارا في هذا المعنى-، وهذه الآثار وأضعافها مذكورة بالأسانيد الثابتة في الكتب المصنفة في هذا الباب، ليس من أحاديث الكذابين، والكتب الموجودة فيها هذه الآثار المذكورة بالأسانيد الثابتة كثيرة جدا. . .وهذا باب طويل قد صنف الناس فيه مجلدات، في مناقب عمر (١) مثل: كتاب أبي الفرج ابن الجوزي، وعمر بن شبه وغيرهما، غير ما ذكره الإمام أحمد بن حنبل، وغيره من أئمة العلم، مثل: ما صنفه خيثمة بن سليمان في فضائل

стр. 808

الصحابة، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم (١) " (٢). ومسألة تفضيل أبي بكر وعمر ﵄ على سائر الصحابة من أصول مسائل أهل السنة والجماعة، التي يبدع فيها المخالف، قال شيخ الإسلام: "تفضيل أبي بكر، ثم عمر، على عثمان وعليٍّ، فهذا متفق عليه بين أئمة المسلمين، المشهورين بالإمامة في العلم والدين، من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم. . .وحكى مالك إجماع أهل المدينة على ذلك. . .وهذا كسائر الأمور المعلومة بالاضطرار عند أهل العلم بسنة رسول اللَّه، وإن كان غيرهم يشك فيها، أو ينفيها كالأحاديث المتواترة عندهم في شفاعته، وحوضه، وخروج أهل الكبائر من النار، والأحاديث المتواترة عندهم في الصفات، والقدر، والعلو، والرؤية، وغير ذلك من الأصول التي اتفق عليها أهل العلم بسنته (٣). . .ولهذا كان أئمة الإسلام متفقين على تبديع من خالف في مثل هذه الأصول" (٤).

стр. 809

المبحث الخامس: الآثار الواردة في في فضائل عثمان بن عفان ﵁ -. أولا: الآثار الواردة في بعض مناقبه . ٧٠٧ - حدثني إبراهيم بن سعيد قال: حدثنا الربيع بن نافع قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم (١) قال: "كان عثمان بن عفان يصنع للناس طعام الأمراء، ويدخل بيته فيأكل الخلّ والزيت" (٢). ٧٠٨ - حدثني محمد بن يزيد الآدمي قال: ثنا أبو اليمان، عن أبي بكر ابن أبي مريم، عن راشد بن سعد (٣) قال: "دُعي عثمان ﵁ إلى قوم اجتمعوا على ريبة لهم، فانطلق ليأخذهم فتفرّقوا قبل أن يبلغهم، فأعتق رقبة شكرا للَّه ألا يكون جرى على يديه خزي مسلم" (٤). ٧٠٩ - حدثنا هارون بن معروف، نا ضمرة بن ربيعة، نا عبد اللَّه بن

стр. 810

شوذب، عن عبد اللَّه بن القاسم، عن كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة (١) قال: "جاء عثمان بن عفان بألف دينار في ثوبه حين جهّز النبي ﷺ جيش العسرة (٢) فصبّها في حجر النبي ﷺ ، فجعل النبي ﷺ يقلّبها ويقول: "ما ضر ابن عفان ما فعل بعد هذا -يردّد ذلك مرارا-" (٣). ٧١٠ - حدثني عبيد اللَّه بن جرير العتكي، نا عمرو بن مرزوق، نا
следующие страницы →