← Акыда

Акыда · id 151178

الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا

حميد بن أحمد نعيجات

Полный текст (1 390 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

اللَّه بالتراويح، ويشبهه عثمان بن عفان ﵁ بلقمان الحكيم، ويعبر عن عجزه عن إدراك مثل درجته، ويجزم أنه لن يوجد مثل عمر، ويؤكّد هذا المعنى معاوية ﵁ حيث لم يستطع أن يسير في الناس سيرة عثمان، فأما سيرة عمر فلا مطمع فيها، وهكذا بعدهم عبد الملك بن مروان ترحم عليه، وأثنى على بصره وعلمه بالدنيا، وأنه لم يغتر بها، بل إن أم المؤمنين عائشة ﵂ جعلت ذكره يحسن المجالس، ثم ذكرت رثاء الجن له، بل إن أخباره وصفاته عند أهل الكتاب عرفونه بها، كما عرفه النجراني يوم ركض على فرسه، وعلم أنه هو الذي سيخرجهم من جزيرة العرب. وأما كراماته: فقد ورد أثر استقائه بالعباس ﵁ وتبشيره بالغوث بصوت سمعه بعض الأعراب في بواديهم من الغمام في نفس وقت الاستقتاء (١). ولهذا كله وغيره فإنه لا يطعن في عمر ﵁ إلا بأحد سببين كما قال شيخ الإسلام: "إما نقصم العلم، وإما نقص الدين"، ثم قال: "من المعلوم للخاص والعام أن عدل عمر ﵁ ملأ الآفاق، وصار يضرب به المثل، كما قيل: سيرة العمرين. . . ويكفي الإنسان أن الخوارج الذين هم أشد الناس تعنتا، راضون عن أبي بكر وعمر في سيرتهما، وكذلك الشيعة الأولى أصحاب علي، كانوا يقدمون عليه أبا بكر وعمر. . . وهؤلاء أهل

стр. 807

العلم الذين يبحثون الليل والنهار عن العلم، وليس لهم غرض مع أحد، بل يرجحون قول هذا الصاحب تارة، وقول هذا الصاحب تارة، بحسب ما يرونه من أدلة الشرع. . . -ثم ذكر جملة منهم-، ومن لا يحصى عددهم إلا اللَّه، من أصناف علماء المسلمين، كلهم خاضعون لعدل عمر وعلمه، وقد أفرد العلماء مناقب عمر، فإنه لا يعرف في سير الناس كسيرته. . .وكل هؤلاء العلماء الذين ذكرناهم، يعلمون أن عدل عمر كان أتم من عدل من ولي بعده، وعلمه كان أتم من علم من ولي بعده، وأما التفاوت بين سيرة عمر وسيرة من ولي بعده، فأمْرٌ قد عرفته العامة والخاصة؛ فإنها أعمال ظاهرة، وسيرة بيِّنَةٌ، يظهر لِعُمر فيها من حسن النية، وقصد العدل، وعدم الغرض، وقمع الهوى، ما لا يظهر من غيره -ثم ذكر آثارا في هذا المعنى-، وهذه الآثار وأضعافها مذكورة بالأسانيد الثابتة في الكتب المصنفة في هذا الباب، ليس من أحاديث الكذابين، والكتب الموجودة فيها هذه الآثار المذكورة بالأسانيد الثابتة كثيرة جدا. . .وهذا باب طويل قد صنف الناس فيه مجلدات، في مناقب عمر (١) مثل: كتاب أبي الفرج ابن الجوزي، وعمر بن شبه وغيرهما، غير ما ذكره الإمام أحمد بن حنبل، وغيره من أئمة العلم، مثل: ما صنفه خيثمة بن سليمان في فضائل

стр. 808

الصحابة، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم (١) " (٢). ومسألة تفضيل أبي بكر وعمر ﵄ على سائر الصحابة من أصول مسائل أهل السنة والجماعة، التي يبدع فيها المخالف، قال شيخ الإسلام: "تفضيل أبي بكر، ثم عمر، على عثمان وعليٍّ، فهذا متفق عليه بين أئمة المسلمين، المشهورين بالإمامة في العلم والدين، من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم. . .وحكى مالك إجماع أهل المدينة على ذلك. . .وهذا كسائر الأمور المعلومة بالاضطرار عند أهل العلم بسنة رسول اللَّه، وإن كان غيرهم يشك فيها، أو ينفيها كالأحاديث المتواترة عندهم في شفاعته، وحوضه، وخروج أهل الكبائر من النار، والأحاديث المتواترة عندهم في الصفات، والقدر، والعلو، والرؤية، وغير ذلك من الأصول التي اتفق عليها أهل العلم بسنته (٣). . .ولهذا كان أئمة الإسلام متفقين على تبديع من خالف في مثل هذه الأصول" (٤).

стр. 809

المبحث الخامس: الآثار الواردة في في فضائل عثمان بن عفان ﵁ -. أولا: الآثار الواردة في بعض مناقبه . ٧٠٧ - حدثني إبراهيم بن سعيد قال: حدثنا الربيع بن نافع قال: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم (١) قال: "كان عثمان بن عفان يصنع للناس طعام الأمراء، ويدخل بيته فيأكل الخلّ والزيت" (٢). ٧٠٨ - حدثني محمد بن يزيد الآدمي قال: ثنا أبو اليمان، عن أبي بكر ابن أبي مريم، عن راشد بن سعد (٣) قال: "دُعي عثمان ﵁ إلى قوم اجتمعوا على ريبة لهم، فانطلق ليأخذهم فتفرّقوا قبل أن يبلغهم، فأعتق رقبة شكرا للَّه ألا يكون جرى على يديه خزي مسلم" (٤). ٧٠٩ - حدثنا هارون بن معروف، نا ضمرة بن ربيعة، نا عبد اللَّه بن

стр. 810

شوذب، عن عبد اللَّه بن القاسم، عن كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة (١) قال: "جاء عثمان بن عفان بألف دينار في ثوبه حين جهّز النبي ﷺ جيش العسرة (٢) فصبّها في حجر النبي ﷺ ، فجعل النبي ﷺ يقلّبها ويقول: "ما ضر ابن عفان ما فعل بعد هذا -يردّد ذلك مرارا-" (٣). ٧١٠ - حدثني عبيد اللَّه بن جرير العتكي، نا عمرو بن مرزوق، نا

стр. 811

السكن بن المغيرة مولى لآل عثمان، عن الوليد بن أبي هشام، عن فرقد أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن خبّاب قال: "شهدت رسول اللَّه ﷺ على جيش العسرة فقام عثمان بن عفان ﵁ فقال: يا رسول اللَّه، عليّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها (١) في سبيل اللَّه، ثم حضَّ رسول اللَّه ﷺ على الجيش فقام عثمان فقال: عليّ يا رسول اللَّه مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل اللَّه، ثم حض رسول اللَّه ﷺ على الجيش فقام عثمان فقال: عليّ يا رسول اللَّه مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل اللَّه، قال عبد الرحمن: وأنا رأيت رسول اللَّه ﷺ وهو على المنبر وهو يقول: "ما على عثمان ما عمل بعد هذه، أو: بعد اليوم" (٢). ٧١١ - حدثني هارون بن سفيان، نا محمد بن عمر، عن أبي يحيى عبد اللَّه بن ميمون، سمع عبد اللَّه بن دينار، عن أبي عمرو ذكوان قال: سمعت عائشة ﵂ تقول: "رجلان من أصحاب النبي ﷺ كانا أبر من كان في هذه الأمة بأمهما، فيقال لها: من هما؟ فتقول: عثمان بن

стр. 812

عفان وحارثة بن النعمان، فأما عثمان فإنه قال: ما قدرت أن أتأمّل أمي منذ أسلمت، وأما حارثة فإنه كان يفلي رأس أمه، ويُطْعِمُهَا بيده، ولم يستفهمها كلاما قط تأمر به، حتى يسأل من عندها بعد أن تخرج: ما قالت أمي؟ " (١). ٧١٢ - حدثنا الحارث بن محمد التيمي وأبو جعفر المديني، عن علي ابن محمد القرشي، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن موسى بن طلحة قال: "كان لعثمان بن عفان ﵁ على طلحة بن عبيد اللَّه خمسون ألفا، فخرج عثمان إلى المسجد فقال له طلحة: قد تهيّأ مالك فاقبضه، قال: هو لك يا محمد، معونةً لك على مروَّتك" (٢). ٧١٣ - حدثني إبراهيم بن سعيد، نا أبو نعيم، عن قيس، عن أبي حصين: "أن عثمان ﵁ أجاز الزبير بن العوام ﵁ ستمائة ألف فمرّ على

стр. 813

أخواله بني كاهل فقال: أي المال أجود؟ قالوا: مال أصبهان، قال: أعطَوني مال أصبهان" (١). ثانيا: الآثار الواردة في صبره في محنته . ٧١٤ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا يزيد بن هارون، عن فرج ابن فضالة، عن مروان بن أبي أمية، عن عبد اللَّه بن سلام قال: "أتيت أخي عثمان لأسلم عليه وهو محصور، فقال: مرحبا يا أخي، رأيت رسول اللَّه ﷺ الليلة في هذه الخوخة، قال: وخوخة في البيت، فقال: يا عثمان حصروك؟ قلت: نعم، قال: عطشوك؟ قلت: نعم، فأدلى دلوا فيه ماء، فشربت حتى رويت، حتى إني لأجد برده بين ثديي وبين كتفي، وقال لي: إن شئت نصرت عليهم، وإن شئت أفطرت عندنا، فاخترت أن أفطر عندهم، فقتل ذاك اليوم ﵀" (٢).

стр. 814

٧١٥ - حدثنا هارون بن معروف قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن (١) محمد بن جبير قال: "أرسل عثمان إلى عليّ -رحمة اللَّه عليهما- إن ابن عمّك مقتول، وإنك مسلوب" (٢). ثالثا: الآثار الواردة في ثناء الناس عليه . ٧١٦ - حدثني أبي محمد بن عبيد بن سفيان، عن بعض أشياخه، وحُدِّثت بذلك أيضًا عن قران بن تمام الوالبي، عن مجالد عن الشعبي قال: "كانت قريش تحب عثمان، حتى إن المرأة كانت ترقّص ابنها فتقول: أحبّك والرحمن ... حب قريش عثمان (٣) رابعا: بعض كراماته . ٧١٧ - حدثنا أحمد بن المقداد قال: أخبرنا حماد بن زيد، عن زيد بن

стр. 815

حازم، عن سليمان بن يسار: "أن رجلا من غفار يقال له جهجاه أو جهجا الغفاري، دخل على عثمان ﵁، فانتزع عصا كانت في يده، فكسرها على ركبته، فوقعت الأكلة في ركبته" (١). ٧١٨ - أخبرنا يحيى الحماني قال: أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب قال: "بلغني أن عامة النفر الذين ساروا إلى عثمان ﵁ جُنُّوا، قال ابن المبارك: الجنون لهم قليل" (٢). ٧١٩ - حدثنا خالد بن خداش بن العجلان، حدثني معلى بن عيسى الوراق، عن شداد الأعمى، عن بعض أشياخه من بني راسب قال: "كنت أطوف بالبيت، فإذا رجل يطوف بالبيت ويقول: اللهم اغفر لي، وما أراك

стр. 816

تفعل، قال: فقلت: أما تتقي اللَّه! قال: إن لي شأنا، آليت أنا وصاحب لي لئن قتل عثمان لنلطمنّ حُرَّ وجهه، فدخلنا عليه، وإذا رأسه في حجر امرأته ابنة الفرافصة، فقال لها صاحبي: اكشفي عن وجهه، قالت: لم؟ قال: ألطم حرَّ وجهه، قالت: أما تذكر ما قال فيه رسول اللَّه ﷺ ، قال فيه كذا وقال فيه كذا، قال: فاستحيى صاحبي فرجع، فقلت لها: اكشفي عن وجهه، قال: فذهبت تدعو عليّ، فلطمت وجهه، فقالت: مالك يَبَّس اللَّه يدك، وأعمى بصرك، ولا غفر لك ذنبك، قال: فواللَّه ما خرجت من الباب، حتى يبست يدي، وعمي بصري، وما أرى اللَّه يغفر لي ذنبي" (١). ٧٢٠ - حدثنا أحمد بن جميل المروزي، أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك، عن سفيان بن عيينة، عن طعمة بن عمرو، وكان رجلا قد يبس وشحب من العبادة، فقيل له: "ما شأنك؟ قال: إني كنت حلفت أن ألطم عثمان، فلما قتل، جئت فلطمته، فقالت لي امرأته: أشلّ اللَّه يمينك، وصلى وجهك النار، فقد شُلّت يدي يميني، وأنا أخاف" (٢). ٧٢١ - حدثني أبي، عن الأسود بن عامر، عن أبي هلال، عن حميد بن هلال قال: "لما حُصر عثمان ﵁، أتته أم المؤمنين (٣)! ، فجاء رجل فاطّلع

стр. 817

في خدرها، فجعل ينعتها للناس فقالت: ما له قطع اللَّه يده، وأبدى عورته، قال: فدخل عليه داخل فضربه بالسيف، فاتقى بيمينه فقطعها، فانطلق هاربا آخذا إزاره بفيه أو بشماله باديا عورته" (١). خامسا: براءة الصحابة من دمه . ٧٢٢ - حدثني يعقوب بن عبيد، أخبرنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا سوادة بن أبي الأسود، حدثني أبي قال: "كنت جالسا في المسجد، وأنا جالس إلى أبي بكرة، إذ مرّت به سحابة، فذكروا عثمان بن عفان، فقال أبو بكرة (٢) ﵁: لأن أكون في هذه السحابة، فأقع إلى الأرض فأنقطع، أحب إليّ من أن أكون شرعت في دم عثمان بكلمة" (٣). ٧٢٣ - حدثنا أحمد بن جميل المروزي، أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك، أخبرنا يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبي ﷺ كانت تقول: "يا ليتني كنت نسيا منسيا قبل الذي كان من شأن عثمان ﵁، واللَّه ما أحببت أن ينتهك من عثمان أمر قطّ إلا انتُهك

стр. 818

مني مثله، حتى لو أحببت قتله لقتلت" (١). ٧٢٤ - حدثني علي بن الجلد قال: أخبرني القاسم بن الفضل الحداني قال: حدثني يوسف بن سعد مولى عثمان بن مظعون قال: قال ابن حاطب: "لو شهدت اليوم شهدتّ عجبا، اجتمع عليّ وعمّار ومالك الأشتر وصعصعة بن صوحان في هذه الدار دار نافع، فتكلّم عمار فذكر عثمان فجعل عليّ يتغيّر وجهه، ثم تكلّم مالك حذا عمار، قال: ثم إن صعصعة تكلّم فقال: أبا اليقظان، ما كلّ ما يزعم الناس أن عثمان أتى أتى، وقال قائل: كان أول من ولّي فاستأتر، وأول من تفرقت عنه الأمة، ثم إن عليّا تكلّم فقال: أنا واللَّه على الأتر الذي أتى عثمان، لقد سبقت له سوابق لا يعذّبه اللَّه بعدها أبدا" (٢). ٧٢٥ - حدثنا خالد بن خداش، حدثنا حزم القطعي قال: سمعت

стр. 819

مسلما يحدث عن طلق بن حبيب قال: "لما قتل عثمان ﵀، وفدنا وفودا من البصرة نسأل فيم قُتل؟ فقدمنا المدينة، فتفرّقنا فمنا من أتى عليا، ومنا من أتى الحصن، ومنا من أتى أمهات المؤمنين، فأتيت عائشة فقلت: يا أم المؤمنين ما تقولين في عثمان؟ قالت: قتل واللَّه مظلوما، لعن اللَّه قتلته، أقاد اللَّه به ابن أبي بكر، وأهرق به دماء بني بديل، وأبدى اللَّه عورة أعين، ورمي الأشتر بسهم من سهامه، فما منهم أحد، إلا أصابته دعوتها" (١). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة بيان فضل عثمان بن عفان ﵁، حيث ورد

стр. 820

ذكر بعض مناقبه، وصبره في محنته، وثناء الناس عليه، وبعض كراماته، وبراءة الصحابة من دمه. فأما مناقبه: فقد كان زاهدا في مأكله يصنع للناس طعام الأمراء، ثم هو يأكل طعام الفقراء، متورعا في أمر رعيته يحمد اللَّه أن لا يهتك ستر مسلم على يديه، يضرب به المثل في الجود بماله على الجهاد في سبيل اللَّه، حيث جهّز جيش العسرة، وكان بارا بامه كما أخبرت عائشة ﵂، يتنازل بدَيْنِه لأصحاب المروؤات، ويختار لعطاءاته أجود الأعطيات. وأما صبره في محنته: فقد علم أنه مقتول ولذلك أخبر بذلك ابن عمة علي بن أبي طالب، وفضّل الموت في سبيل اللَّه على مواجهة أولئك الأغمار، خوفا على المسلمين من الفتنة بسببه، فاختار الإفطار مع النبي ﷺ على الانتصار عليهم. وأما ثناء الناس عليه: فقد كان مضرب المثل في حب قريش له، حتى كانت المرأة منهم تشبه حبها لابنها بحب قريش له، وحسبك بحب أم لابنها. وأما كراماته: فقد وردت بعضها في هذه الآثار، حيث ظهرت آيات اللَّه في عامة الذين قتلوه، أو ظاهروا عليه، فمنهم من أصابته الأكلة، ومنهم من أصابه الجنون، ومنهم من يبست يده، وعمي بصره، ومنهم من كشفت عورته، وقطعت يده. وأما براءة الصحابة من دمه: فمن شدّة استنكارهم لذلك تورعوا حتى من الكلام الذي يكون حجة لمن فعل فعلته المنكرة هذه، كما قال

стр. 821

أبو بكرة، وهكذا أم المؤمنين عائشة ﵂ تمنت أن تكون نسيا منسيا، وأنها ما أحبت أن ينتهك منه شيء إلا انتهك منها، حتى الموت لو أحبته له لقتلت، ودعت ﵂ على قتلته فأصابتهم جميعا دعوتها، وكان علي بن أبي طالب ﵁ يتغير وجهه إذا تكلم فيه، وذكر أنه على الأثر الذي كان عليه، قال شيخ الإسلام: "خيار المسلمين لم يدخل واحد منهم في دم عثمان، لا قتل، ولا أمر بقتله، وإنما قتله طائفة من المفسدين في الأرض، من أوباش القبائل، وأهل الفتن، وكان علي ﵁ يحلف دائما، إني ما قتلت عثمان، ولا مالأت على قتله، ويقول: اللهم العن قتلة عثمان، في البر، والبحر، والسهل، والجبل، وغاية ما يقال: إنهم لم ينصروه حق النصرة، وأنه حصل نوع من الفتور والخذلان، حتى تمكن أولئك المفسدون، ولهم في ذلك تأويلات، وما كانوا يظنون أن الأمر يبلع إلى ما بلغ، ولو علموا ذلك لسدوا الذريعة، وحسموا مادة الفتنة" (١). وفضائل عثمان ﵁ كثيرة جدا، ولهذا أجمع الصحابة على تقديمه في الخلافة بعد عمر بن الخطاب ﵁، ولم يخالف في تفضيل عثمان إلا بعض علماء أهل الكوفة قديما، فضلوا عليا عليه، وتوقف بعض أهل المدينة في المسألة، ثم استقر مذهب أهل السنة على هذا الترتيب، في الفضل، وهذا الذي: "كان عليه الصحابة على عهد النبي ﷺ ، من تفضيل أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، وقد روي أن ذلك كان يبلغ النبي ﷺ فلا ينكره، وحينئذ

стр. 822

فيكون هذا التفضيل ثابتا بالنص، وإلا فيكون ثابتا بما ظهر بين المهاجرين والأنصار على عهد النبي ﷺ من غير نكير، وبما ظهر لما توفي عمر؛ فإنهم كلهم بايعوا عثمان بن عفان، من غير رغبة، ولا رهبة، ولم ينكر هذه الولاية منكر منهم. . .فلولا علم القوم بأن عثمان أحقهم بالولاية لما ولوه، وهذا أمر كلما تدبره الخبير ازداد به خبرة وعلما. . .فإنه يقطع قطعا لا يتمارى فيه أن عثمان كان أحقهم بالخلافة، وأفضل من بقي بعده" (١)، وقال مبينا مواضع النزاع: "إن سفيان الثوري، وطائفة من أهل الكوفة، رجحوا عليا على عثمان، ثم رجع عن ذلك سفيان وغيره، وبعض أهل المدينة توقف في عثمان وعلي، وهي إحدى الروايتين عن مالك، لكن الرواية الأخرى عنه تقديم عثمان على عليٍّ، كما هو مذهب سائر الأئمة، كالشافعي، وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد بن حنبل وأصحابه، وغير هؤلاء من أئمة الإسلام، حتى إن هؤلاء تنازعوا فيمن يقدم عليا على عثمان، هل يُعَدُّ من أهل البدعة، على قولين، هما روايتان عن أحمد" (٢).

стр. 823

المبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل علي بن أبي طالب ﵁ -. أولا: الآثار الواردة في تقدم إسلامه . ٧٢٦ - حدثنا حسين بن يزيد الأنصاري الطحّان قال: حدثنا سعيد ابن خثيم الهلالي، عن أسد بن عبد اللَّه البجلي، عن ابن يحيى بن عفيف، عن أبيه، عن جدّه قال: "قدمت مكة في الجاهلية أريد شراء بزّ وعطر لأهلي فنزلت على العبّاس، فأنا عنده وأنا انظر إلى الكعبة إذ جاء شاب فنظر إلى السماء فتوجّه إلى الكعبة فصلّى، فجاء غلام فقام عن يمينه، ثم جاءت امرأة فقامت خلفهما، فقال: يا عباس، ما هذا الذي حدث في بلادكم؟ إن هذا لأمر عظيم، قال: هذا محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطّلب ابن أخي، وهذا الغلام علي بن أبي طالب، وهذه خديجة بنت خويلد، قال: فصَلَّوا، قال: إن ابن أخي هذا حدثنا أن ربّه ربّ السماوات والأرض، ولا واللَّه ما أعلم على ظهر الأرض على دين هؤلاء غير هؤلاء" (١).

стр. 824

ثانيا: الآثار الواردة في ثناء الناس عليه . ٧٢٧ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن، عن محمد بن أيوب التميمي، عن موسى بن المغيرة، عن الضحّاك بن مزاحم قال: "ذُكر علي بن أبي طالب ﵁ عند ابن عباس ﵁ بعد وفاته فقال: "واأسفا على أبي الحسن، ملك واللَّه فما بدَّلَ، ولا غَيَّرَ، ولا قَصَّر، ولا جمع ولا منع ولا آثَر، ولقد كانت الدنيا أهون عليه من شِسْع نعله، لَيْثٌ في الوَغَى، بَحْرٌ في المجالس، حكيمُ الحكماء، هيهات قد مضى في الدرجات العُلَى" (١). ٧٢٨ - نا يوسف بن موسى، نا عمرو بن طلحة القنّاد، نا أسباط بن نصر، عن سماك، عن حجّار بن أبجر قال: "جاء رجل إلى معاوية فقال: سُرق ثوبي هذا، فوجدته مع هذا، فقال: لو كان لهذا علي بن أبي طالب" (٢).

стр. 825

٧٢٩ - حدثني محمد بن أبي يحيى، أن شيخا من ضبّة يكنى أبا الوليد حدّثهم قال: حدثني عبد الواحد بن أبي عبد اللَّه الأسدي: "أن معاوية قال لرجل من كنانة: صف لي عليا، قال: أعفني، قال: لا أعفيك، قال: أما إذ لا بدّ؛ فإنه كان واللَّه بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل وظلمته، كان واللَّه غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلِّب كفّه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما جَشِب (١)، كان واللَّه كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، ويبتدئنا إذا أتيناه، ويلبّينا إذا دعوناه، ونحن واللَّه مع تقريبه لنا، وقربه منا، لا نكلمه هيبة، ولا نبتدئه تعظمة، فإن تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظِّم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد باللَّه لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سرباله، وقد غارت نجومه، وقد مثل في محرابه، قابضا على لحيته، يتململ تململ السَّليم (٢)، ويبكي بكاء الحزين، فكأني الآن أسمعه وهو يقول: يا دنيا يا دنيا، إيَّاي أردت، أم بي تشوَّقت، هيهات هيهات، غُرِّ غيري، لا حان حينُك، قد بَتَتُّكِ ثلاثا لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير، وعيشك حقير،

стр. 826

وخطرك كبير، آهٍ من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق، قال: فبكى معاوية، وبكى القوم، ثم قال: رحم اللَّه أبا حسن، كان واللَّه كذلك، وكيف حزنك عليه؟ قال: حزن واللَّه من ذبح واحدها في حجرها، فلا ترقأ عبرتها، ولا يسكن حزنها" (١). ٧٣٠ - نا يوسف بن موسى، نا جرير، عن مغيرة قال: "لما جيء معاوية بنعي عليّ بن أبي طالب ﵁، وهو قائل مع امرأته ابنة قرظة، في يوم صائف، فقال: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، ماذا فقدوا من العلم والخير، والفضل والفقه، قالت امرأته: بالأمس تطعن في عينيه، وتسترجع اليوم عليه، قال: ويلك، لا تدرين ما فقدنا من علمه وفضله وسوابقه" (٢). ٧٣١ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، نا يونس بن بكير، عن عنبسة

стр. 827

ابن الأزهر، عن سماك بن حرب قال: "كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول لعليّ بن أبي طالب عندما يسأله من الأمر فيفرِّجه عنه: لا أبقاني اللَّه بعدك يا أبا حسن" (١). ٧٣٢ - حدثني مهدي بن حفص، نا عبدة بن سليمان، عن عبد الملك ابن أبي سليمان قال: "قلت لعطاء: أكان أحد من أصحاب رسول اللَّه ﷺ أفقه من عليّ؟ قال: لا واللَّه، ما علمته" (٢). ٧٣٣ - نا أحمد بن حاتم الطويل، نا محمد بن الحجاج، عن مجالد، عن الشعبي، عن قبيصة بن جابر قال: "ما رأيت أزهد في النساء من علي بن أبي طالب ﵁" (٣). ٧٣٤ - نا علي بن الجعد قال: سمعت الحسن بن حيّ قال: "تذاكروا

стр. 828

زُهّاد أصحاب رسول اللَّه ﷺ عند عمر بن عبد العزيز فقال بعضهم: عمر، وقال بعضهم: فلان، فقال عمر بن عبد العزيز: عليّ ﵁" (١). ٧٣٥ - نا إبراهيم بن بشّار، نا نعيم بن مورّع، نا هشام بن حسّان قال: "بينا نحن عند الحسن البصري إذ أتاه رجل فقال: يا أبا سعيد، إن الناس يزعمون أنك تنقّص عليا ﵁؟ فقال: رحم اللَّه عليًّا، إن عليا كان سهما للَّه في أعدائه، وكان في محلَّة العِلْمِ (لعلها: العَلَم) أشرفها وأقربها من رسول اللَّه ﷺ ، وكان رهباني هذه الأمة، لم يكن لمال اللَّه بالسَّروقة، ولا في أمر اللَّه بالنَّؤومة، أعطى القرآن عزائمه فيما عليه وله، فكان منه في رياض مونقة وأعلام بيِّنة، ذلك على يا لُكَع (٢) " (٣). ٧٣٦ - حدثني زياد بن أيوب، حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش،

стр. 829

عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري قال: أثنى رجل على علي ﵁ في وجهه وقد كان بلغة أنه يقع فيه فقال له علي: "أنا دون ما قلت، وفوق ما في نفسك" (١). ٧٣٧ - وحدثنا يوسف قال: حدثنا جرير، عن المغيرة بن شعبة قال: قال المغيرة بن شعبة (٢) لعليّ حين قتل عثمان: "اقعد في بيتك ولا تدع الناس إلى نفسك؛ فإنك لو كنت في جحر بمكّة لم يبايع الناس غيرك، قال: وقال المغيرة بن شعبة: لئن لم تطعتي في هذه الرابعة لأعتزلنّك ابعث إلى معاوية عهده، ثم اخلعه بعد ذلك، فلم يفعل فاعتزله المغيرة بن شعبة باليمن، فلما أشغل عليّ ومعاوية فلم يبعثوا إلى الموسم أحدا، جاء المغيرة ابن شعبة فصلّى بالناس ودعا لمعاوية" (٣).

стр. 830

ثالثا: الآثار الواردة في بعض كراماته . ٧٣٨ - حدثني. . . (١) بن خليفة الخزاعي، نا أبو يحيى التيمي، عن عمر ابن عبد اللَّه، عن الزهري قال: "بعث إليّ عبد الملك بن مروان فقال لي: ما كان آية قتل علي ﵁ صبيحة قتل؟ قلت: كان آية قتله صبيحة قتل، أنه لم يقلب حجر بالجابية إلا عن دم عبيط، فقال لي: صدقت، أما إنه لم يبق أحد يعلم هذا غيري وغيرك" (٢).

стр. 831

٧٣٩ - حدثني علي بن الجعد وبشر بن معاذ العنبري وغيرهما، عن جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة، عن سُرِّيَّة لعبد اللَّه بن جعفر قالت: "دعاني علي وأنا حبلى، فمسح بطني وقال: اللهم اجعله ذكرا ميمونا، فولدت غلاما" (١). ٧٤٠ - حدثني سريج بن يونس، حدثني هشيم، عن إسماعيل بن سالم،

стр. 832

عن عمار الحضرمي، عن زادان أبي عمر (١): "أن رجلا حدث عليا ﵁ بحديث فقال: ما أراك إلا قد كذبتني، قال: لم أفعل، قال: أدعو اللَّه عليك إن كنت كذبت، قال: ادع، فدعا فما برح حتى عمي" (٢). ٧٤١ - حدثنا خلف بن سالم، حدثنا محمد بن بشر، عن أبي مكين (٣) قال: "مررت أنا وخالي أبو أمية على دار في جَمل، دارٍ في محلِّ حيٍّ من مراد (٤) فقال: ترى هذه الدار؟ قلت: نعم، قال: فإن عليا مر عليها وهم يبنونها فسقطت عليه قطعة فشجّته، فدعا اللَّه أن لا يكمل بناؤها، قال:

стр. 833

فما وضعت عليها لبنة، قال: فكنت تمرّ عليها لا تشبه الدور" (١). رابعا: الآثار الواردة في زهده وورعه وعبادته . ٧٤٢ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، نا جرير، عن عطاء بن السائب، عن أبي البختري (٢) وميسرة (٣) قالا: "إن عليا قسم ما في بيت المال حتى لم يبق فيه إلا أربعة آلاف، فأمر بها فقسمت، قيل له في ذلك، فقال: لا واللَّه حتى تبعر فيه الغنم" (٤). ٧٤٣ - حدثني محمد بن عمرو بن الحكم الهروي، حدثنا عمرو بن

стр. 834

عاصم الكلابي، حدثنا كثير بن مغفل الباهلي، حدثني محمد بن مروان، أن رجلا من بني عامر بن ذهل من أهل الكوفة قال: لقيت رجلا من أهل الكوفة بعرفات فأخبرني عن أبيه، أنه لقي علي بن أبي طالب ﵁ بعرفات قال: فقال علي بن أبي طالب ﵁: "لا أدع هذا الموقف ما وجدت إليه سبيلا؛ لأنه ليس في الأرض يوم إلا للَّه فيه عتقاء من النار، وليس يوم أكثر عتقا للرقاب فيه من يوم عرفة، فأكثر فيه أن تقول: اللهم أعتق رقبتني من النار، وأوسع لي من الرزق الحلال، واصرف عني فسقة الجن والإنس، فإنه عامة ما أدعو به اليوم" (١). ٧٤٤ - حدثنا أحمد بن حاتم الطويل، نا محمد بن الحجاج، عن مجالد، عن الشعبي، عن قبيصة بن جابر (٢) قال: "ما رأيت في الدنيا أزهد من علي ابن أبي طالب" (٣). ٧٤٥ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا حجاج بن محمد، عن

стр. 835

شريك، عن عاصم بن كليب، عن محمد بن كعب قال: سمعت عليا يقول: "لقد رأيتني مع رسول اللَّه ﷺ وإني لأربط الحجر من الجوع على بطني" (١). ٧٤٦ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: حدثنا أيوب، عن مجاهد، عن عليّ قال: "جعت مرة بالمدينة جوعا شديدا، فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة، فإذا أنا بامرأة قد جمعت مَدَرًا (٢)، فظننت تريد بلَّه فأتيتها، فقاطعتها على كل ذنوب تمرة، فبدرت ستة عشر ذنوبا، حتى مَجِلَت (٣) يداي، ثم أتيت الماء، فأصبت منه، ثم أتيتها فقلت بكفِّي هكذا بين يديها، فعدّت لي ست عشرة تمرة، فأتيت

стр. 836

النبي ﷺ فأخبرته، فأكل معي منها" (١). ٧٤٧ - حدثنا أبو عبد الرحمن القرشي قال أنبأنا أبو أسامة عن سفيان عن أبي الجحَّاف عن رجل من خثعم قال: "دخلت على حسن وحسين وهما يأكلان خبزا وخلا وبقلا، فقلت لهما: أنتما ابنا أمير المؤمنين وأنتما تأكلان ما أرى، وفي الرحبة ما فيها! ، قالا: ما أقلّ علمك بأمير المؤمنين، إنما ذاك للمسلمين" (٢). ٧٤٨ - حدثنا أبو عبد الرحمن قال حدثنا أبو أسامة عن الحسن بن

стр. 837

الحكم قال: حدثتني أمي عن أم عثمان أن أم ولد كانت لعلي قالت: "جئت عليا يوما وبين يديه قرنفل مكثوب، فقلت: يا أمير المؤمنين هب لابنتي من هذا القرنفل قلادة، قال: ايتني درهما بيده هكذا فإنما هذا مال المسلمين، أو اصبري حتى يأتيني حظي فأهب لك منه، فأبى أن يهب لي منه شيئا" (١). ٧٤٩ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي صالح الحنفي، قال: "دخلت على أم كلثوم، فقالت: ائتوا أبا صالح بطعام، فأتوني بمرقة فيها جنوب (٢)، فقلت: أتطعموني هذا وأنتم أمراء؟ قالت: كيف لو رأيت أمير المؤمنين عليا، وأُتي بأترج، فأخذ الحسن أو الحسين منها أترجا لصبي لهم، فانتزعها من يده وقسمها بين المسلمين" (٣). ٧٥٠ - حدثنا خلف بن سالم قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا إسماعيل ابن إبراهيم بن مهاجر قال: سمعت عبد الملك بن عمير قال حدثني رجل

стр. 838

من ثقيف قال: "استعملني عليٌّ ﵁ على عُكْبُرَا (١)، ولم يكن السواد. . . المصلون، فقال لي بين أيديهم: استوف منهم خراجهم ولا يجدوا فيك معفا ولا رخصة، ثم قال لي: رُح إليّ عند الظهر، فرُحت إليه فلم أجد عنده حاجبا يحجبني دونه، ووجدته جالسا، عنده قدح وكوز من ماء فدعا بطية فقلت في نفسي لقد أمنني حين يخرج إليّ جوهرا، فإذا عليها خاتم، فكسر الخاتم فإذا فيها سويق، فصبّ في القدح فشرب منه وسقاني، فلم أصبر فقلت: يا أمير المؤمنين تصنع هذا بالعراق وطعام العراق أكثر من ذلك، قال: إنما أشتري قدر ما يكفيني، وأكره أن يفنى فيُصنع فيه من غيره، وإني لم أختم عليه بخلا عليه، وإنما حفص لذلك، وأنا أكره أن أدخل بطني إلا طيبا، ولئن قلت لك بين أيديهم الذي قلت لك، لأنهم قوم خدع، وأنا آمرك بما آمرك، الآن، فإن أخذتهم به وإلا أخذك اللَّه به دوني، ولئن بلغني عنك خلاف ما آمرك به عزلتك، لا تبيعن لهم رزقا يأكلونه، ولا كسوة شتاء ولا صيف، ولا تضرب رجلا منهم سوطا في طلب درهم، ولا تقمه في طلب درهم، فإنا لم نؤمر بذلك، ولا تبيعنّ لهم دابة يعملون عليها، إنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو، قال: إذا جئتك كما ذهبت؟ قال: فإن فعلت، قال: فذهبت فسعيت بما أمرني به، فرجعت إليه

стр. 839

وما بقى عليّ درهم واحد إلا وفّيته" (١). ٧٥١ - حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال حدثنا عبد اللَّه بن وهب عن ابن لهيعة عن عبد اللَّه بن هبيرة عن عبد اللَّه بن زرير الغافقي قال: "دخلنا على علي بن أبي طالب ﵁ يوم أضحى، فقدَّم إلينا خزيرة، فقلنا: يا أمير المؤمنين لو قدّمت إلينا من هذا البط والوز، والخير كثير، قال يا ابن زرير، إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يحل للخليفة إلا قصعتان: قصعة يأكلها هو وأهله، وقصعة يطعمها" (٢). ٧٥٢ - حدثنا أبو زيد النميري قال: حدثنا أبو نعيم (٣) قال: سمعت

стр. 840

سفيان (١) يقول: "ما بنى عليّ ﵁ آجرّة على آجرّة، ولا قصبة على قصبة" (٢). ٧٥٣ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا المحاربي، عن عبيد اللَّه بن الوليد، عن فضيل بن مسلم، على أبيه: "دار فرات بالكوفة قال: فقام عليّ ﵁ فقال: أرني هذا القميص، قال: فلبسه، ثم قال: بكم هذا؟ قلنا: بثلاثة دراهم يا أمير المؤمنين، قال: فمدّ يده، فإذا القميص يفضل عن أصابعه، فقال: اقطعه بحد أصابعي، ثم قيال: حصه، قال: أَكُفُّه؟ قال: نعم إن كان الحوص كفًّا فكُفَّه، ثم رفع قميصه، فأخرج من حجرته ثلاثة دراهم، ثم أدبر وهو يقول: حسبك ما بلغك المحل، وكان كرابيس (٣) " (٤).

стр. 841

٧٥٤ - حدثني إبراهيم بن سعيد، نا الحسين بن محمد، نا قيس بن الربيع، عن عبد اللَّه بن عطاء، عن أبي جعفر قال: "ما مات علي بن أبي طالب ﵁ حتى بلغت غلّته مائة ألف، ولقد مات يوم مات وعليه سبعون ألفا دينا، فقلت: من أين كان عليه هذا الدين؟ قال: كان تأتيه حامَّته (١) من أصهاره ومعارفه ممن لا يرى لهم في الفيء نصيبا فيعطيهم، فلما قام الحسن بن علي باع وأخذ من حواشي ماله حتى قضى عنه، ثم كان يعتق عنه كل عام خمسين نسمة حتى هلك، ثم كان الحسين يعتق عنه خمسين نسمة حتى قتل، ثم لم يفعله أحد بعدهما" (٢). خامسا: الآثار الواردة في جهاده وشجاعته . ٧٥٥ - حدثنا أحمد، قال: حدثني محمد بن عباد بن موسى العكلي، نا كثير بن هشام، نا عيسى، عن معروف قال: قال سعيد بن المسيب: "قتل عليّ بن أبي طالب ﵁ أربعة نفر من صناديد قريش أحدهم طلحة بن أبي

стр. 842

طلحة، ثم جاء بالسيف إلى فاطمة فقال: أَفاطم هاك السيف غير ذميم ... فلست برعديدٍ ولا بلئيم لعمري لقد جاهدت في نصر أحمد ... ومرضاة ربٍ بالعباد عليم أريد ثواب اللَّه -لا شيء غيره- ... ورضوانه في جنة ونعيم أَمَمتُ ابن عبد الدار كي أعرفنَّه ... بذي رونق يفري العظام صميم وكنت امرءًا أسمو إذا الحرب شمَّرت ... وقامت على ساقٍ لكل مليم فغادرتة بالجرِّ وارفضَّ جمعه ... عباديد من ذي فائظ وكليم قال: ولما كان يوم الأحزاب قطع عليه عمرو بن عبد ودّ الخندق فقيل له: انصرف، قال: لا أنصرف حتى أقتل محمدا فخرج إليه عليّ ﵁ فقال: يا عمرو إني سمعتك تقول عند الكعبة: لا ينصفني أحد إلا قتلتُ، وإني أدعوك إلى أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه، فأبى عليه، قال: فإني أدعوك أن تنزل فتبارزني، قال: أنصفت، قال: وقد قال عمرو قبل ذلك: ولقد بححت من الندا ... ءِ بجمعكم هل من مبارز ووقفت إذ جبُن الشِّجا ... ع لموقف البطل المناجز وكذاك إني لم أزل ... متسرِّعا نحو الهزاهز إن الشجاعة في الفتى ... والجود من خير الغرائز فأجابه علي ﵁: لا تعجلنَّ فقد أتا ... ك مجيبُ صوتِك غير عاجز

стр. 843

ذو نيّة وبصيرة ... والصِّدقُ منجى كل فائز إني لأرجو أن أقيـ ... ـم عليك نائحةَ الجنائز من ضربة فوهاء يبـ ... ـقي أثرها عند الهزائز ولقد دعوت إلى البِرا ... ز فما تجيب إلى المبارز فنزل فعقر فرسه وركّز عترته، وكان أعرج ومشى إليه عليّ ﵁، وهاجت عجاجة فحالت بينهما وبين الناس، ورفع النبي ﷺ يديه يدعو، فانفرجت وعلي يمسح سيفه بثيابه ورجع علي ﵁ يقول: أعليّ، تقتحم الفوارس هكذا، ... عنِّي وعنهم أخِّروا، أصحابي اليوم يمنعني الفرار حفيظتي ... ومصمِّمٌ في الرأس ليس بنابي أدى عمر حين أخلص صنعه ... صافي الحديدة يستنصّ ثوابي فغدوت ألتمس القراع بمرهفٍ ... عضب مع البتراء في الأقراب آلى ابن عبدٍ حين شدّ أليَّةً ... وحلفت فاستمعوا مِن الكذّاب ألَّا يصدَّ ولا يهلِّل فالتقى ... فتيان يضطربان كل ضراب فصددت حين تركته متجدِّلا ... كالجذع بين دكادكٍ وروابي وعففت عن أثوابه ولو أنني ... كنت المقطّرَ بزَّني أثوابي وزادني عبد الرحمن بن صالح عن يونس بن بكير: عبَدَ الحجارة من سفاهة رأيه ... وعبدتُّ ربَّ محمد بصواب" (١)

стр. 844

٧٥٦ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، نا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال: "لما قتل عليّ ﵁ عمروا أقبل نحو رسول اللَّه ﷺ ووجهه يتهلل فقال له عمر ﵁: هلّا سلبت درعه؛ فإنه ليس للعرب درع مثله؟ قال: ضربته فاتقاني بسوءته فاستحييت يا ابن عمي أن أسلبه" (١). ٧٥٧ - حدثني المفضل بن غسّان، حدثني أبي قال: نا معاذ بن معاذ، عن عبيد اللَّه بن الحسن، عن عمرو بن دينار قال: "كان يقال: أشجع الناس الزبير، وأبسلهم علي ﵄، والباسل فوق الشجاع" (٢). ٧٥٨ - حدثني سريج بن يونس، نا وكيع، نا الأعمش، عن شمر بن عطية، عن عبد اللَّه بن سنان الأسدي قال: "رأيت عليا ﵁ بصفّين معه سيف رسول اللَّه ﷺ ذو الفقار يحمل عليهم فنضبطه فيفلت منا فيحمل

стр. 845

عليهم فيضرب بسيفه حتى يجيء به قد تثنى فيقول: "إن هذا يعتذر إليكم" (١). ٧٥٩ - حدثني أبي ﵀ ومحمد بن صالح، عن هشام بن محمد، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: "لما كان يوم بدر قال علي ﵁ للمقداد: أعطني فرسك أركبه، فقال النبي ﷺ : أنت راجلا خير منك فارسا، قال: فركب ثم وتر قوسه فرمى فأصاب أذن الفرس فشبّ الفرس فصرعه، فضحك النبي ﷺ حتى أمسك على فيه فغضب على ﵁ فسلَّ سيفه ثم شدَّ على المشركين فقتل ثمانية قبل أن يرجع، ثم قال للنبي ﷺ : لو أصابني شرٌّ من هذا كنتُ أهلَه حين تقول: أنت راجلا خير منك فارسا، فعصيتك" (٢). ٧٦٠ - حدثنا سويد بن سعيد، نا محمد بن مروان البصري، عن عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة قال: قال علي ﵁: "لما كان يوم أحد نظرت رسول اللَّه ﷺ في القتلى فلم أجده فقلت: واللَّه ما كان رسول اللَّه ﷺ ليفرَّ، واللَّه إني لأرى اللَّه غضب علينا لما صنعنا فرفعه إليه، قال: فكسرت جفن سيفي فحملت على القوم فأفرجوا لي فإذا أنا برسول اللَّه
следующие страницы →