← Акыда

Акыда · id 151178

الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا

حميد بن أحمد نعيجات

Полный текст (1 390 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

٧٥٤ - حدثني إبراهيم بن سعيد، نا الحسين بن محمد، نا قيس بن الربيع، عن عبد اللَّه بن عطاء، عن أبي جعفر قال: "ما مات علي بن أبي طالب ﵁ حتى بلغت غلّته مائة ألف، ولقد مات يوم مات وعليه سبعون ألفا دينا، فقلت: من أين كان عليه هذا الدين؟ قال: كان تأتيه حامَّته (١) من أصهاره ومعارفه ممن لا يرى لهم في الفيء نصيبا فيعطيهم، فلما قام الحسن بن علي باع وأخذ من حواشي ماله حتى قضى عنه، ثم كان يعتق عنه كل عام خمسين نسمة حتى هلك، ثم كان الحسين يعتق عنه خمسين نسمة حتى قتل، ثم لم يفعله أحد بعدهما" (٢). خامسا: الآثار الواردة في جهاده وشجاعته . ٧٥٥ - حدثنا أحمد، قال: حدثني محمد بن عباد بن موسى العكلي، نا كثير بن هشام، نا عيسى، عن معروف قال: قال سعيد بن المسيب: "قتل عليّ بن أبي طالب ﵁ أربعة نفر من صناديد قريش أحدهم طلحة بن أبي

стр. 842

طلحة، ثم جاء بالسيف إلى فاطمة فقال: أَفاطم هاك السيف غير ذميم ... فلست برعديدٍ ولا بلئيم لعمري لقد جاهدت في نصر أحمد ... ومرضاة ربٍ بالعباد عليم أريد ثواب اللَّه -لا شيء غيره- ... ورضوانه في جنة ونعيم أَمَمتُ ابن عبد الدار كي أعرفنَّه ... بذي رونق يفري العظام صميم وكنت امرءًا أسمو إذا الحرب شمَّرت ... وقامت على ساقٍ لكل مليم فغادرتة بالجرِّ وارفضَّ جمعه ... عباديد من ذي فائظ وكليم قال: ولما كان يوم الأحزاب قطع عليه عمرو بن عبد ودّ الخندق فقيل له: انصرف، قال: لا أنصرف حتى أقتل محمدا فخرج إليه عليّ ﵁ فقال: يا عمرو إني سمعتك تقول عند الكعبة: لا ينصفني أحد إلا قتلتُ، وإني أدعوك إلى أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه، فأبى عليه، قال: فإني أدعوك أن تنزل فتبارزني، قال: أنصفت، قال: وقد قال عمرو قبل ذلك: ولقد بححت من الندا ... ءِ بجمعكم هل من مبارز ووقفت إذ جبُن الشِّجا ... ع لموقف البطل المناجز وكذاك إني لم أزل ... متسرِّعا نحو الهزاهز إن الشجاعة في الفتى ... والجود من خير الغرائز فأجابه علي ﵁: لا تعجلنَّ فقد أتا ... ك مجيبُ صوتِك غير عاجز

стр. 843

ذو نيّة وبصيرة ... والصِّدقُ منجى كل فائز إني لأرجو أن أقيـ ... ـم عليك نائحةَ الجنائز من ضربة فوهاء يبـ ... ـقي أثرها عند الهزائز ولقد دعوت إلى البِرا ... ز فما تجيب إلى المبارز فنزل فعقر فرسه وركّز عترته، وكان أعرج ومشى إليه عليّ ﵁، وهاجت عجاجة فحالت بينهما وبين الناس، ورفع النبي ﷺ يديه يدعو، فانفرجت وعلي يمسح سيفه بثيابه ورجع علي ﵁ يقول: أعليّ، تقتحم الفوارس هكذا، ... عنِّي وعنهم أخِّروا، أصحابي اليوم يمنعني الفرار حفيظتي ... ومصمِّمٌ في الرأس ليس بنابي أدى عمر حين أخلص صنعه ... صافي الحديدة يستنصّ ثوابي فغدوت ألتمس القراع بمرهفٍ ... عضب مع البتراء في الأقراب آلى ابن عبدٍ حين شدّ أليَّةً ... وحلفت فاستمعوا مِن الكذّاب ألَّا يصدَّ ولا يهلِّل فالتقى ... فتيان يضطربان كل ضراب فصددت حين تركته متجدِّلا ... كالجذع بين دكادكٍ وروابي وعففت عن أثوابه ولو أنني ... كنت المقطّرَ بزَّني أثوابي وزادني عبد الرحمن بن صالح عن يونس بن بكير: عبَدَ الحجارة من سفاهة رأيه ... وعبدتُّ ربَّ محمد بصواب" (١)

стр. 844

٧٥٦ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، نا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال: "لما قتل عليّ ﵁ عمروا أقبل نحو رسول اللَّه ﷺ ووجهه يتهلل فقال له عمر ﵁: هلّا سلبت درعه؛ فإنه ليس للعرب درع مثله؟ قال: ضربته فاتقاني بسوءته فاستحييت يا ابن عمي أن أسلبه" (١). ٧٥٧ - حدثني المفضل بن غسّان، حدثني أبي قال: نا معاذ بن معاذ، عن عبيد اللَّه بن الحسن، عن عمرو بن دينار قال: "كان يقال: أشجع الناس الزبير، وأبسلهم علي ﵄، والباسل فوق الشجاع" (٢). ٧٥٨ - حدثني سريج بن يونس، نا وكيع، نا الأعمش، عن شمر بن عطية، عن عبد اللَّه بن سنان الأسدي قال: "رأيت عليا ﵁ بصفّين معه سيف رسول اللَّه ﷺ ذو الفقار يحمل عليهم فنضبطه فيفلت منا فيحمل

стр. 845

عليهم فيضرب بسيفه حتى يجيء به قد تثنى فيقول: "إن هذا يعتذر إليكم" (١). ٧٥٩ - حدثني أبي ﵀ ومحمد بن صالح، عن هشام بن محمد، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: "لما كان يوم بدر قال علي ﵁ للمقداد: أعطني فرسك أركبه، فقال النبي ﷺ : أنت راجلا خير منك فارسا، قال: فركب ثم وتر قوسه فرمى فأصاب أذن الفرس فشبّ الفرس فصرعه، فضحك النبي ﷺ حتى أمسك على فيه فغضب على ﵁ فسلَّ سيفه ثم شدَّ على المشركين فقتل ثمانية قبل أن يرجع، ثم قال للنبي ﷺ : لو أصابني شرٌّ من هذا كنتُ أهلَه حين تقول: أنت راجلا خير منك فارسا، فعصيتك" (٢). ٧٦٠ - حدثنا سويد بن سعيد، نا محمد بن مروان البصري، عن عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة قال: قال علي ﵁: "لما كان يوم أحد نظرت رسول اللَّه ﷺ في القتلى فلم أجده فقلت: واللَّه ما كان رسول اللَّه ﷺ ليفرَّ، واللَّه إني لأرى اللَّه غضب علينا لما صنعنا فرفعه إليه، قال: فكسرت جفن سيفي فحملت على القوم فأفرجوا لي فإذا أنا برسول اللَّه

стр. 846

- ﷺ " (١). ٧٦١ - حدثني أبي، أنا عمار أبو اليقظان، عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر قال: "نادى مناد يوم بدر يقال له: رضوان: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي" (٢). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة ذكر بعض فضائل علي بن أبي طالب ﵁، وبيان منزلته، وهي مناقب كثيرة، وفضائل عديدة قال الذهبي: "مناقب علي ﵁ يضيق المكان عنها، وقد أفردت سيرته في كتاب سميته فتح المطالب في أخبار علي بن أبي طالب" (٣)، وما ورد منها هنا اشتمل على:

стр. 847

تقدم إسلامه، وثناء الناس عليه، وبعض كراماته، وزهده وورعه وعبادته، وجهاده وشجاعته. فأما إسلامه: فلا شك أنه من أوائل المتقدّمين إلى الإسلام، وقد حصل خلاف في مسألة أول من أسلم من الصحابة، فقيل: أبو بكر الصديق، وقيل: خديجة، وقيل: علي بن أبي طالب، وقيل: زيد بن حارثة، ونسب القرطبي إلى الثعلبي قوله بأن الخلاف واقع فيمن أسلم بعد خديجة (١) وقال: "وكان إسحاق بن إبراهيم بن راهويه الحنظلي يجمع بين هذه الأخبار، فكان يقول: أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن العبيد بلال واللَّه أعلم" (٢). وأما ثناء الناس عليه: فقد أثنى عليه الصحابة كابن عباس وتأسف على موته، وذكر جملة من مناقبه، ومعاوية ﵁ رغم ما كان بينهما، أثنى على فقهه وتفرده في عويص المسائل، وأبكاه الكناني الذي ذكر أوصافه ووافقه على ما ذكر، بل وبكى يوم جاءه نعيه، وكذا عمر بن الخطاب

стр. 848

يمتنى أن لا يبقى بعده لما يفرج عليه في المسائل، وكان عطاء يعدُّه أفقه الصحابة (١)، وجابر لم ير أزهد في النساء منه، وكذا عمر بن عبد العزيز عدّه أزهد الصحابة، ووصفه الحسن البصري بأنه رهباني هذه الأمة، بل لم يشك المغيرة بن شعبة في أن الناس لن يبايعوا غيره، ولو كان في جحر في مكة، وكان مع ذلك يعرف قدر نفسه، وينزل نفسه منزلتها، حيث أجاب من مدحه في وجهه، وهما ممن يقع فيه، بأنه دون ما قال، وفوق ما يقع فيه. وأما كراماته: فقد تضمنت الآثار بعضها، أهم ما ورد هنا كونه كان مجاب الدعوة، دعا للحامل أن يكون حملها ذكرا ميمونا، وبالعمى على من كذب عليه، وأن لا يكمل بنيان قوم فما ارتفع، وأخيرا ورد في أثر الزهري الأخير، أن آية قتله أنه لم يقلب حجر بالجابية إلا كان تحته دم

стр. 849

عبيط، وقد سبق في التخريج أن هذا لم يصح، والمقصود من ذكر هذا الأثر عدم الاغترار بكل ما يروى في الفضائل، والتنبيه على ذلك، قال شيخ الإسلام: "المصنفون في الفضائل. . . قد يتسامحون في رواية أحاديث ضعيفة كالنسائي؛ فإنه صنف خصائص علي، وذكر فيها عدة أحاديث ضعيفة. . .وكذلك أبو نعيم في الخصائص، وخيثمة بن سليمان، والترمذي في جامعه، روى أحاديث كثيرة في فضائل علي كثير منها ضعيف" (١)، بل إن الرافضة من أكثر الناس كذبا، ولذلك وجد من الموضوع في فضائل علي ما لم يوجد في غيره (٢)، قال شيخ الإسلام: "وضع كثير من هؤلاء أحاديث في فضائل الصحابة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، لا سيما ما وضعوه في فضائل علي من الأكاذيب؛ فإنه لا يكاد يحصى، مع أن في فضائلهم الصحيحة ما يغنى عن الباطل" (٣). وهنا لفتة أريد التنبيه عليها، وهي أن ما يذكر من قول الإمام أحمد: لم يرو في فضائل أحد من الصحابة مثل ما روي عن علي ﵁، قد أسيء فهمه، وحُرّف لفظه، قال شيخ الإسلام: "قول من قال: صح لعلي من الفضائل ما لم يصح لغيره، كذب لا يقول أحمد، ولا غيره من أئمة الحديث، لكن قد يقال: رُوي له ما لم يُرو لغيره، لكن أكثر ذلك من نقل

стр. 850

من علم كذبه، أو خطؤه، ودليل واحد صحيح المقدمات، سليم عن المعارضة، خير من عشرين دليلا مقدماتها ضعيفة، بل باطلة، وهي معارَضَة بأصح منها، يدل على نقيضها" (١)، قلت: ومصداق كلامه أن المروي بالسند عن الإمام أحمد قوله: "ما جاء لأحد من أصحاب رسول اللَّه ﷺ من الفضائل، ما جاء لعلى بن أبي طالب ﵁" (٢)، فعبارة الإمام أحمد: "جاء"، ولعل الذي أوقع في هذا الوهم، أنه قد يروى قول الإمام أحمد بالمعنى، كما فعل الحافظ ابن حجر وتبعه المباركفوري، حيث قال: "قال أحمد، وإسماعيل القاضي، والنسائي، وأبو علي النيسابوري، لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في علي" (٣)، والعبارة الصحيحة، هي كما نقلها الحافظ الهيتمي: "قال أحمد: ما جاء لأحد من الفضائل ما جاء لعلي، وقال إسماعيل القاضي، والنسائي، وأبو علي النيسابوري: لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الحسان أكثر مما جاء في علي" (٤)، فكلام الإمام أحمد غير كلام الثلاثة الذين من بعده، فلا يصح الجمع بينهم في سياق واحد، فالإمام أحمد لم يتعرض للصحة أصلا كما قال شيخ الإسلام، بخلاف إسماعيل القاضي والنسائي وأبو علي

стр. 851

النيسابوري فإنهم وصفوا تلك الأحاديث بالحسان، وإذا كان الأمر كذلك فإن ما ذكره الهيتمي من توجيه هذا الكلام بقوله: "قال بعض المتأخرين من ذرية أهل البيت النبوي: وسبب ذلك واللَّه أعلم، أن اللَّه تعالى أطلع نبيه على ما يكون بعده مما ابْتُلِي به عليٌّ، وما وقع من الاختلاف لما آل إليه أمر الخلافة، فاقتضى ذلك نصح الأمة بإشهاره بتلك الفضائل، لتحصل النجاة لمن تمسك به ممن بلغته، ثم لما وقع ذلك الاختلاف والخروج عليه، نشر من سمع من الصحابة تلك الفضائل، وبثها نصحا للأمة أيضًا، ثم لما اشتد الخطب واشتغلت طائفة من بني أمية بتنقيصه، وسبه على المنابر، ووافقهم الخوارج لعنهم اللَّه، بل قالوا بكفره، اشتغلت جهابذة الحفاظ من أهل السنة ببث فضائله، حتى كثرت نصحا للأمة ونصرة للحق" (١)، هذا الكلام وإن لم يَبْدُ عليه النفس البدعي الرافضي أو غيره؛ بل على العكس، فإنه رغم هذا ليس صحيحا، بل الجواب الصحيح في هذا الباب أن يقال: "فضائل علي الثابتة عامتها مشتركة بينه وبين غيره، بخلاف فضائل أبي بكر وعمر؛ فإن عامتها خصائص لم يشارَكَا فيها" (٢)، "لا سيما فضائل أبي بكر، فإن عامتها خصائص، لم يشركه فيها غيره" (٣)، فعند تمحيص المرويات يظهر أن: "فضائل الصديق التي في

стр. 852

الصحاح كثيرة وهي خصائص. . .فمجموع ما في الصحيح لعلي نحو عشرة أحاديث، ليس فيها ما يختص به، ولأبي بكر في الصحاح نحو عشرين حديثا أكثرها خصائص" (١)، ولهذا فإن هذه الحقيقة لا يمكن أن ينكرها من كان له خبرة بصحيح الأخبار من سقيمها، حتى بعض علماء الحديث الذين تأثروا بالتشيع "قد عصمهم وقيدهم ما يعرفون من الأحاديث الصحيحة، الدالة على أفضلية الشيخين، ومن ترفض ممن له نوع اشتغال بالحديث، كابن عقيدة وأمثاله، فهذا غايته أن يجمع ما يروى في فضائله من المكذوبات والموضوعات، لا يقدر أن يدفع ما تواتر من فضائل الشيخين؛ فإنها باتفاق أهل العلم بالحديث أكثر مما صح في فضائل علي، وأصح وأصرح في الدلالة" (٢).

стр. 853

الفصل الثاني: الآثار الواردة في فضائل بقية العشرة ﵃ . وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل سعيد بن العاص ﵁. المبحث الثاني: الآثار الواردة في فضائل سعد بن أبي وقاص ﵁. المبحث الثالث: الآثار الواردة في عبد الرحمن بن عوف ﵁. المبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل طلحة ﵁. المبحث الخامس: الآثار الواردة في فضائل أبي عبيدة بن الجراح ﵁. المبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل الزبير ﵁.

стр. 854

المبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل سعيد بن العاص ﵁ -. ٧٦٢ - حدثني سليمان بن منصور الخزاعي، نا أبو سفيان الحميري، عن عبد الحميد بن جعفر الأنصاري (١) قال: "قدم أعرابي في أربع ديات حملها فقيل له: عليك بالحسن بن علي، عليك بعبد اللَّه بن جعفر، عليك بسعيد ابن العاص، عليك بعبد اللَّه بن العباس، فدخل المسجد فرأى رجلا يخرج معه جماعة فقال: من هذا؟ فقيل: سعيد بن العاص، قال: هذا أحد أصحابي الذين ذكروا لي، فمشى معه فأخبره بالذي قدم له، ومن ذكر له، وأنه أحدهم، وهو ساكت عنه لا يجيبه، فلما بلغ باب منزله قال لخازنه: قل لهذا الأعرابي فليأت بمن يحمل له، فقيل له: ايت بمن يحمل لك، قال: عافا اللَّه سعيدا، إنما سألناك ورقا، ولم نسألك تمرا، قال: ويحك، ايت بمن يحمل لك، فأخرج له أربعين ألفا، فاحتملها الأعرابي، فمضى إلى البادية، ولم يلق غيره" (٢). ٧٦٣ - حدثني سليمان بن أبي شيخ (٣) قال: "قتل أبان بن سعيد بن العاص يوم أجنادين شهيدا، وقتل خالد بن سعيد بن العاص يوم مرج

стр. 855

الصُّفَر شهيدا وكانت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام، دخل بها بمرج الصفر فخرج وهو عروس فقاتل فقتل، وخرجت هي بعمود فقتلت سبعة من الروم، وكانت قبله تحت ابن عمها عكرمة بن أبي جهل فقتل عنها يوم فحل، فلما انقضت عدّتها خطبها يزيد بن أبي سفيان وخالد بن سعيد، فحطّت إلى خالد، ثم تزوّجها عمر بن الخطاب، فهي التي تسحّر عندها عبد الرحمن بن الحارث؛ لأن أم عبد الرحمن فاطمة بنت الوليد بن المغيرة ماتت قبل ذلك بدهر وهي أم أم حكيم، واستشهد قبل ذلك الحكم بن سعيد بن العاص يوم مؤتة مع جعفر بن أبي طالب، واستشهد مع رسول اللَّه ﷺ يوم حصن الطائف سعيد بن العاص" (١). ٧٦٤ - حدثني محمد بن عبّاد العكلي قال: سمعت عبد العزيز الأمويّ يحدث عن أهل بيته قال: "ولد سعيد بن العاص أبو أحيحة ثمانية رجال لم يمت أحد منهم على فراشه، فقتل ثلاثة مع المشركين، قتل أحيحة يوم الفجار، وقتل العاص بن سعيد بن العاص وعبيدة بن العاص يوم بدر، وقتل سعيد يوم الطائف، وقتل الحكم بن سعيد يوم اليمامة، وكان يعلّم الحكمة بالمدينة، قتل خالد يوم مرج الصفّر، وهو الذي يقول: مَن فارس كره الكماة يصرني ... رمحا إذا نزلوا بمرج الصُفَّر وقتل أبان وعمرو يوم أجنادين، قال ابن الكلبي: قتل عمرو يوم

стр. 856

فحل (١) " (٢). ٧٦٥ - أخبرني أبو زيد النميري، نا أبو سلمة الغفاري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللَّه أحد بني عدي بن كعب قال: "أقبل سعيد بن العاص يوما يمشى وحده في المسجد فقام إليه رجل من قريش فمشى عن يمينه، فلما بلغا دار سعيد التفت إليه سعيد فقال: ما حاجتك؟ قال: لا حاجة لي، رأيتك تمشى وحدك فوصلتك، فقال سعيد لقَهْرَمَانِه (٣) أبي كعب: ماذا لنا عندك؟ قال: ثلاثون ألفا، قال: ادفعها إليه" (٤). ٧٦٦ - أخبرني أبو زيد، حدثني محمد بن يحيى الكناني قال: "اشترى سعيد بن العاص دارا من قوم من الأنصار يقال لهم آل أبي المعلى من بني زريق بمائة ألف، وهي الدار التي فيها اليوم السجن، قال: فندموا فاستقالوه فأقالهم، ثم ندموا فاستعادوه فقبل الدار وبعث إليهم بمائة ألف أخرى" (٥).

стр. 857

المبحث الثاني: الآثار الواردة في فضائل سعد بن أبي وقاص ﵁ -. ٧٦٧ - كتب إليّ علي بن حرب الطائي، حدثنا محمد بن عمر القرشي، عن عبيدة بنت نابل، عن عائشة بنت سعد قالت: سمعت أبي يقول: "رأيت في المنام قبل أن أسلم بثلاث كأني في ظلمة لا أبصر شيئًا، إذ أضاء لي قمر فاتبعته، فكأني انظر إلى من سبقني إلى ذلك القمر، فأنظر إلى زيد بن حارثة، وإلى علي بن أبي طالب، وإلى أبي بكر ﵃، وكأني أسألهم متى انتهينا إلى ها هنا؟ قالوا: الساعة، وبلغني أن رسول اللَّه ﷺ يدعو إلى الإسلام مستخفيا، فلقيته في شعب أجياد، وقد صلى العصر، فقلت: إلى ما تدعو؟ قال: "تشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه"، قال: قلت: أشهد أن لا إله اللَّه وأنك رسول اللَّه، فما تقدّمني أحد إلا هم" (١). ٧٦٨ - حدثنا الحسن بن حماد الصبي، أخبرني عثّام بن علي، عن الأعمش، عن أبي خالد الوالبي، عن جابر بن سمرة (٢) قال [. . . (٣) فالتفت

стр. 858

سعد فإذا رِجل رَجُلٍ خارجة من غرز الرحل، فرماه بسهم فكأني انظر إلى الدم، كأنه شراك، فقال: أخ أخ، وكان أول من رمى بسهم في الإسلام" (١). ٧٦٩ - حدثنا أبو بكر سلمة بن حفص القرشي، حدثنا مروان بن معاوية، حدثنا فائد بن عبد الرحمن، عن نعيم بن أبي هند، عن أبي حازم، عن الحسين بن خارجة الأشجعي (٢) قال: "لما كانت الفتنة، أشكل عليّ الأمر، فدعوت اللَّه أن يريني شيئًا من الحق أتبعه، فرأيت في المنام كأني في القيامة، وكان بيني وبينهم حائطا فقلت: لو أني قسمت هذا الحائط فلقيتهم. . .، قال: فقسمت الحائط فإذا قوم عليهم ثياب بياض، فقلت لهم: أنتم الملائكة؟ قالوا: لا، نحن الشهداء، ولكن اصعد هذه الدرجة، فصعدت درجة لم أر أحسن منها، فإذا محمد وإبراهيم -صلى

стр. 859

اللَّه عليهما وسلم- وإبراهيم يقول لمحمد: ألا ترى ما فعلت أمتك؟ قتلوا إمامهم، وأهرقوا دماءهم، ألا فعلوا كما فعل خليلي سعد، إن خليلي من هذا فلان سعد، قال: فقلت: لآتين سعدا فلأخبرنّه، قال: فأتيته فأخبرته، فما أكثر بها فرحا وقال: لقد خاب من لم يكن إبراهيم له خليلا" (١). ٧٧٠ - حدثنا خلف بن هشام، حدثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة، قال: "شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر ﵁ حتى قالوا: إنه لا يحسن يصلي، فقال سعد: أما أنا، فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول اللَّه ﷺ ، لا أَخرِم عنها، أركد في الأوليين، وأحذف في الأخريين (٢)، قال عمر: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق، ثم بعث رجالا يسألون عنه في مجالس الكوفة فكانوا لا يأتون مجلسا إلا أثنوا خيرا وقالوا معروفا، حتى أتوا مسجدا من مساجدهم، فقال رجل يقال له أبو سعدة،

стр. 860

فقال: اللهم إذا سألتمونا؛ فإنه كان لا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسويّة، ولا يسير بالسريّة، فقال سعد: اللهم إن كان كاذبا فأعم بصره، وأطل فقره، وعرِّضه للفتن، قال عبد الملك: فأنا رأيته يتعرَّض للإماء في السّكك، فإذا قيل له: كيف أنت يا أبا سعدة، قال: كبير فقير مفتون، أصابتني دعوة سعد" (١). ٧٧١ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن أمه، قالت: "كان بعض أهل بيتنا عند آل سعد، قالت: فرأينا امرأة قامتها قامة صبيّة، فقلنا: من هذه؟ قالوا: هذه ابنة لسعد، وضع سعد ذات يوم طهوره، فغمست يدها فيه، فطرف لها وقال: قصع اللَّه قرنك (٢)، فما شبَّت بعد" (٣).

стр. 861

٧٧٢ - حدثنا الحسن بن داود بن محمد بن المنكدر القرشي، حدثنا عبد الرزاق، عن أبيه، عن مينا (١) مولى عبد الرحمن بن عوف: "أن امرأة كانت تطلع على سعد، فينهاها، فلم تنته، فاطلعت يوما وهو يتوضّأ، فقال: شاه وجهك، فعاد وجهها في قفاها" (٢). ٧٧٣ - حدثنا العباس بن غالب الوراق، حدثنا أبو إسحاق الطالقاني، عن عبد اللَّه بن المبارك، عن داود بن قيس، قال: حدثتني أمي وكانت مولاة نافع بن عتبة بن أبي وقاص، قالت: "رأيت سعدا زوّج ابنته رجلا من أهل الشام، وشرط عليه أن لا يخرجها، فأراد أن يخرج، فأرادت أن تخرج معه، فنهاها سعد، وكره خروجها، فأبت إلا أن تخرج، فقال سعد: اللهم لا تبلّغها ما تريد، فأدركها الموت في الطريق، فقالت: تذكّرت من يبكي عليّ فلم أجد ... من الناس إلا أعبدي وولائدي

стр. 862

فوجد سعد من نفسه" (١). ٧٧٤ - حدثنا سريج بن يونس، حدثنا هشيم، عن أبي بلج، عن مصعب بن سعد: "أن رجلا نال من عليّ، فنهاه سعد، فلم ينته، فقال سعد: أدعو اللَّه عليك، فدعا اللَّه عليه، فما برح حتى جاء بعير نادّ، أو ناقة نادّة، فخطبته حتى مات" (٢). ٧٧٥ - حدثني أبي، عن أبي المنذر الكوفي، قال: "كان عمر بن سعد ابن أبي وقاص قد اتّخذ جُعبة وجعل فيها سياطا نحو من خمسين سوطا، فكتب على السوط عشرة وعشرين وثلاثين إلى خمسمائة على هذا العمل،

стр. 863

وكان لسعد بن أبي وقاص غلام ربيب مثل ولده، فأمره عمر بشيء فعصاه فضرب بيده إلى الجعبة، فوقع بيده سوط مائة، فجلده مائة جلدة، فأقبل الغلام إلى سعد ودمه يسيل على عقبيه، فقال: مالك؟ فأخبره، فقال: اللهم اقتل عمر، وأسل دمه على عقبيه، قال: فمات الغلام، وقتل المختارُ عمرَ بن سعد" (١).

стр. 864

المبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل عبد الرحمن بن عوف ﵁ -. ٧٧٦ - حدثني عبد الرحمن بن واقد، حدثنا ضمرة، عن سعد بن الحسن التميمي (١) قال: "كان عبد الرحمن بن عوف (٢) لا يعرف من بين عبيدة؛ يعني من التواضع في الزيّ" (٣). ٧٧٧ - حدثنا حجاج بن يوسف (٤) قال: حدثنا سهل بن حماد قال: حدثنا ثابت الأنصاري قال: حدثني الزهري، عن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف قال: "مرض عبد الرحمن بن عوف، فظننا أنه لِما به، فأُغمي

стр. 865

عليه، فخرجت أم كلثوم، فصرخت عليه، فلما أفاق قال: أُغمي عليّ؟ قلنا: نعم، قال: أتاني رجلان فقالا لي: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين، فأخذا بيدي، فانطلقا بي فلقيهما رجل فقال: أين تنطلقان بهذا؟ قالا: ننطلق به إلى العزيز الأمين، قال: لا تنطلقا به؛ إن هذا ممن سبقت له السعادة في بطن أمه" (١).

стр. 866

المبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل طلحة ﵁ -. ٧٧٨ - حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا سفيان، عن طلحة بن يحيى، عن عمته سعدى بنت عوف قالت: "دخل طلحة بن عبيد اللَّه (١) على بعض أزواجه وهو حزين، فقالت له: ما الذي أحزنك؟ قال: اجتمع عندي مال، قالت: فأرسل إلى قومك فاقسمه بينهم، فسألت الخازن: كم قسم يومئذ؟ قال: أربعمائة ألف" (٢). ٧٧٩ - قال الزبير بن أبي بكر -فيما أجاز لي-، حدثني أخي عبد الرحمن بن أبي بكر قال: حدثني عباس بن أبي بكر بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق قال: "سابق عمر بن عبد العزيز بالخيل

стр. 867

بالمدينة، وكان فيها فرس لمحمد بن طلحة بن عبيد اللَّه، وفرس لإنسان جعديّ، فنظروا الخيل حين جاءت، فإذا فرس الجعديّ متقدّم، فجعل الجعدي يرتجز بأبعد صوته: غاية المجد نُصِبَت يا من لها ... نحن حويناها وكنا أهلها لو تُرسَلُ الطيرُ لجئنا قبلها فلم ينشب أن لحقه فرس محمد بن طلحة وجاوزه، فجاء سابقا، فقال عمر بن عبد العزيز للجعدي: سبقك واللَّه ابن السبّاق إلى الخيرات" (١). ٧٨٠ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، نا وكيع، عن موسى بن عبد اللَّه ابن إسحاق بن طلحة بن عبيد اللَّه قال: سمعت موسى بن طلحة (٢) يقول لجدنا: "جرح طلحة ﵁ مع النبي ﷺ بضعا وعشرين جراحة" (٣).

стр. 868

٧٨١ - حدثني المفضل بن عبيد اللَّه، نا سليمان بن أيوب بن سليمان ابن عيسى بن موسى بن طلحة بن عبد اللَّه حدثني أبي، عن جدي، عن موسى بن طلحة قال: سمعت أختي أم إسحاق تقول: سمعت أبي طلحة بن عبيد اللَّه وهو يقول لأمي: "لقد جرحت يوم أحد في جميع جسدي حتى جرحت في ذكري" (١).

стр. 869

المبحث الخامس: الآثار الواردة في فضائل أبي عبيدة بن الجراح ﵁ -. ٧٨٢ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح قال: "قال عمر لجلسائه: تمنَّوا، فتمنّى كل واحد منهم شيئًا، فقال عمر: أتمنّى بيتا مملوءا رجالا مثل أبي عبيدة" (١).

стр. 870

المبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل الزبير ﵁ -. ٧٨٣ - حدثنا هارون بن عبد اللَّه، نا سعيد بن عامر، عن جويرية بن أسماء، عن نافع: "أن الزبير بن العوام ﵁ لقي العدو في جيش فقالوا: يا أبا عبد اللَّه، احمل ونحمل معك، قال: لكأني بكم قد حملت وحملتم، فأقدمت وكذبتم، فأُخذت سلما، قالوا: كلا واللَّه لا يكون ذاك أبدا، لئن حملت لنحملنّ، ولئن أقدمت لنُقدمن، قال: فحمل الزبير وحملوا، فأقدم وكذبوا، قال: قال الزبير: فهاجت غبرة فما شعرت إلا وأنا بين علجين قد اكتنفاني، قد أخذا بعنان دابتي، أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، قال نافع: فكيف ترى أبا عبد اللَّه صنع؟ وجدوه واللَّه غير طائش الفؤاد، أدخل السيف في العنان والعِذَار (١) فقطعهما ثم بطن الفرس برجليه، قال: فنجا أبو عبد اللَّه وبقي اللجام في يد العلجين" (٢). ٧٨٤ - حدثني محمد بن عباد بن موسى، نا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: "قاتل الزبير بمكة وهو غلام رجلا فدقّ يده، وضربه ضربا شديدا، فمُرَّ بالرجل على صفيّة (٣) وهو يحمل فقالت: ما شانه؟

стр. 871

قالوا: قاتل الزبير فقالت له: كيف رأيت زبرا ... أَأَقِطًا حسبته أم تمرا أم مُشْمَعِلًّا (١) صقرا" (٢). ٧٨٥ - حدثنا علي بن الجعد، نا ابن عيينة، عن أبي الزعراء، عن رجل أتى عليا ﵁ فقال: "دخل علينا اللصوص فما تركوا لنا شيئًا حتى نزعوا حجلي امرأتي، قال علي ﵁ وأنت تنظر؟ قال: نعم، قال: لكن ابن صفيّة ما كان اللصوص لينزعوا حجلي امرأته وهو ينظر؛ يعني ابن الزبير" (٣). ٧٨٦ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، نا سفيان، عن قعنب (٤) قال:

стр. 872

"بارز الزبير ﵁ رجلا على أكمة فتدهديا فعلاه الزبير فقتله فاستقبله النبي ﷺ فقبّل ما بين عينيه وقال: "فداك عم وخال" (١). ٧٨٧ - حدثنا يوسف بن موسى، نا حجاج، أنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد: "أخبرني من رأَى الزبير وإن في صدره أمثال العيون من الطعن والرمي" (٢). ٧٨٨ - حدثنا يوسف بن موسى، نا عبد اللَّه بن داود وأبو أسامة وأبو معاوية، عن هشام بن عروة عن أبيه قال: "كان الزبير أول من سلّ سيفه في اللَّه ، نفخت نفخة من الشيطان أخذ رسول اللَّه ﷺ وكان رسول اللَّه ﷺ بأعلى مكة والزبير بأسفل مكة، فخرج الزبير يسبق الناس بسيفه فلقي النبي ﷺ فقال: "ما لك يا زبير؟ " قال: أخبرت أنك أُخذت، فصلى عليه رسول اللَّه ﷺ ودعا له ولسيفه" (٣).

стр. 873

التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة فضائل بقية العشرة المبشرين بالجنة، وهم الخلفاء الأربعة الذين سبقوا في الفصل الأول، ثم هؤلاء الستة، وهم: سعيد ابن العاص، سعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، طلحة بن عبيد اللَّه، والزبير بن العوام. فسعيد بن العاص: كان جوادا أنفق على أعرابي أربعين ألفا، وبيته بيت جهاد، له ثمانية من الأولاد لم يمت أحد على فراشه، بل كلهم في ميادين الوغى، وكان جوادا ينفق الكثير، أنفق ثلاثين ألفا دون تردد مكافأة لمن مشى معه. وسعد بن أبي وقاص: كان من السابقين الأولين إلى الإسلام، وأول من رمى بسهم في سبيل اللَّه، واعتزل الفتنة بعد مقتل عثمان ﵁ لما هاجت، وكان مجاب الدعوة، دعا على من طعن في ولايته على الكوفة، وعلى إحدى بناته، وعلى امرأة كانت تطلع عليه، وعلى من نال من علي ﵁، وعلى ابنه لما ظلم غلامه، كل ذلك يجيب اللَّه دعوته وكان مشهورا بذلك، قال عنه شيخ الإسلام: "اعتزل الفتنة، ولم يدخل في قتال أحد من المسلمين، وعاش بعدهم كلهم، وهو آخر العشرة موتا، واعتزل بالعقيق. . . كان مجاب الدعوة، وكان مسددا في زمنه، وهو الذي فتح

стр. 874

العراق وكسر جنود كسرى" (١). وعبد الرحمن بن عوف: لم يكن يعرف من بين عبيدة، لتواضعه في زيه، وسبقت له من اللَّه الحسنى. وطلحة بن عبيد: كان يحزنه تجمع المال عنده، ويفرح بتقسيمه حتى إنه قسم في يوم أربعمائة ألف، وكان سباقا إلى الخيرات كما وصفه عمر بن عبد العزيز، له عدة جراحات في كل جسده من الجهاد في سبيل اللَّه، حتى إنه جرح في ذَكَرِه يوم أحد. وأبو عبيدة بن الجراح: تمنى عمر ﵁ بيتا مملوءا رجالا من أمثاله. والزبير بن العوام: كان مقبولا غير مدبر، مبارزا غيورا ليس ينكر، حتى وهو غلام يصارع الرجال، مدحه على ذلك غير واحد من الصحابة، منهم: أمّه صفية، وكذا علي بن أبي طالب، فداه النبي ﷺ بعمه وخالة، في صدره أمثال العيون من الطعنات والرمي، أول من سل سيفه في سبيل اللَّه لما أخبر أن رسول اللَّه ﷺ أُخِذ وهم في مكة مستضعفين.

стр. 875

الفصل الثالث: الآثار الواردة في فضائل بعض أهل البيت ﵃ . وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل العباس ﵁ المبحث الثاني: الآثار الواردة في فضائل الحسن بن علي ﵁. المبحث الثالث: الآثار الواردة في فضائل الحسين بن علي ﵁. المبحث الرابع: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن جعفر ﵁. المبحث الخامس: الآثار الواردة في فضائل عبد اللَّه بن عباس ﵁. المبحث السادس: الآثار الواردة في فضائل عبيد اللَّه بن العباس ﵁. المبحث السابع: الآثار الواردة في فضائل عائشة ﵂. المبحث الثامن: الآثار الواردة في فضائل زينب بنت جحش ﵂.

стр. 876

المبحث الأول: الآثار الواردة في فضائل العباس ﵁ -. ٧٨٩ - حدثنا محمد بن جعفر، نا أيوب بن جابر، عن صدقة بن سعيد، عن مصعب بن أبي شيبة، عن أبيه (١) قال: "التقى المسلمون يوم حنين فقتل من قتل، ثم أقبل عمر ﵁ آخذا باللِّجَام، والعباس آخذ باللِّبْدِ (٢) فينادي العباس: أين المهاجرون؟ أين أصحاب البقرة؟ بصوت عالٍ، هذا رسول اللَّه، فأقبل الناس ورسول اللَّه ﷺ يقول: "قَدِّمَاهَا، أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب فأقبل المسلمون فاصطكّوا بالسيوف فقال النبي ﷺ : "الآن حمي الوطيس (٣) " (٤).

стр. 877

المبحث الثاني: الآثار الواردة في فضائل الحسن بن علي ﵁ -. ٧٩٠ - حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا كامل أبو العلى قال: سمعت أبا صالح، عن أبي هريرة: "أنه صلى مع النبي ﷺ العشاء، فأخذ الحسن والحسين يركبان على ظهره، فلما جلس وضع واحدا على فخذه، والآخر على فخذه الأخرى، قال: فقمت إليه فقلت: ألا أبلغهما أهلهما؟ فبرقت برقة، فلم يزالا في ضوئها حتى دخلا" (١). ٧٩١ - حدثني يوسف بن موسى قال: حدثني سلمة بن حيان الرازي (٢) قال: حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه قال: "لما أن حضر الحسن ابن علي الموت، بكى بكاء شديدا، فقال له الحسين: ما يبكيك يا أخي وإنما تقدم على رسول اللَّه ﷺ وعلى عليّ وفاطمة وخديجة وهم ولدوك،

стр. 878

وقد أجرى اللَّه لك على لسان نبيّه أنك: "سيّد شباب أهل الجنة"، وقاسمت اللَّه مالك ثلاث مرات، ومشيت إلى بيت اللَّه على قدميك خمس عشرة مرة حاجا، وإنما أراد أن يطيّب نفسه، قال: فواللَّه ما زاده إلا بكاء وانتحابا وقال: يا أخي، إني أقدم على أمر عظيم وهول لم أقدم على مثله" (١). ٧٩٢ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا سفيان، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن حكيم بن جابر، أن مولاة لهم أخبرته: "أنها رأت الحسن بن علي ﵁ أخذ المناديل بعدما توضأ، فتنشّف بها، قالت: فكأني مقتّه، فلما كان من الليل نمت، فرأيت كانونا (٢) في كبدي، قال سفيان: بمقت ابن رسول اللَّه ﷺ لاقى كبدها" (٣). ٧٩٣ - حدثني أبو عبد اللَّه العجلي، أنا يونس بن بكير، نا ابن إسحاق، حدثني والدي إسحاق بن يسار، أخبرني شيخ من بني سعد بن بكر قال: "قدم عليّ ابن عم لي من أهل البادية فقال: إن ابن أخ لي أصاب دما عمدا، فطلبت إلى أهل الدم أن يقبلوا مني العقل ففعلوا،

стр. 879

فاسلمتني عشيرتي وأبوا أن يحملوا معي وقالوا: نحمل الخطأ فأما العمد فلا، فقد قدمت التمس المعونة من هذا الحيّ من قريش، فأمرت لي بخزيرة (١) فصنعت فغديناه منها، ثم قلت له: انطلق بنا إلى خير القوم وسيّدهم ابن بنت رسول اللَّه ﷺ الحسين بن علي ﵁، فخرجنا نلتمسه في بيته فلم نجده، فخرجنا فلقيناه بالبلاط فقلت: عندك الرجل، فاستوقفناه فوقف واستند إلى الجدار فقلت: يا ابن بنت رسول اللَّه، إن ابن أخ لي أصاب دما -فقصّ قصّته- وقدمت أستعين هذا الحيّ من قريش على ديته فرأيت أن أبدأ بك، فقال: واللَّه الذي نفس حسين بيده، ما أصبح في بيتي دينار ولا درهم وما غدوت إلى السوق إلا لألتمس العينة في بعض نفقاتنا وما لا بدّ منه، ولكني أراك رجلا جلدا وقد حان وقت حصاد مالي بذي المروة (٢) عَينِ يُحَنَّسَ (٣) فاخرج إليها فقم عليها بعمّاله ثم احصده ودقَّ وبع فإنها مودّية عنك، ولا تسأل أحدا شيئًا، فقال: أفعل، بأمي أنت وأمي، وكتب إلى قيّمه: انظر فلان بن فلان فخلِّ بينه وبين حصاد أرضك فإني قد أعطيته إياه، فخرج فحصدها فباع منها بعشرين

стр. 880

ألف درهم فأدّى اثني عشر ألفا واستفضل ثمانية آلاف"، فقال (١) المقنّع مقنع الأنصار يبكي حسينا حين قتل: كان إذا شّبّ له ناره ... يرفعها بالسنَد الماثل كيما يراها قابسٌ مرملٌ ... أو فردُ قومٍ ليس بالآهل مفارغُ الشِّيزَى على بابه ... مثل حياض النَّعَمِ النَّاهِل لا تَستَرِي شَفرًا على مثله ... في الناس من حافٍ ولا ناعلٍ ابن النبي المرسل المصطفى ... وابن ابن عمِّ المصطفى الفاضل (٢) ٧٩٤ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، نا يحيى بن يعلى، عن يونس بن خبّاب، عن مجاهد قال: "جاء رجل إلى الحسن والحسين ﵄ فسألهما فقالا: إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: حاجة مجحفة، أو حمالة مثقلة، أو دين فادح، وأعطياه، ثم أتى ابن عمر ﵁ فأعطاه ولم يسأله عن شيء، فقال: أتيت ابني عمّك وهما أصغر سنّا منك، فسألاني وقالا لي، وأنت لم تسألني عن شيء، فقال: ابنا رسول اللَّه ﷺ إنهما كانا يُغَرَّانِ بالعلم غَرًّا" (٣).
следующие страницы →