وهذا ثَبَتَ في مسلمٍ؛ مِن حديثِ جابرٍ (١).
وفي البخاريِّ؛ مِن حديثِ عُبيْدِ اللهِ بنِ عبدِ الله، عنِ ابنِ عبَّاسٍ (٢)، لكنَّه جعَلَ الصفَّ الثانيَ لا يَركَعُ ولا يَسجُدُ حتَّى يَنتهِيَ الصفُّ الأوَّلُ مِن رُكوعِهِ وسجود للرَّكْعةِ الأُولى مع الإمام، وجاء عندَ الطحاويِّ مِن حديثِ عُبيدِ اللهِ به، لكنْ مِن قولِ ابنِ عبَاسٍ؛ مِثلَ حديثِ جابرٍ (٣).
وعندَ أحمدَ وغيره مِن حديتِ مجاهدٍ، عن أبي عيَّاشٍ مرفوعًا (٤)، ولكنَّه جعَلَ تقدُّمَ الصفِّ الثاني وتأخُّرَ الأوَّلِ قبلَ ركوعِ الركعةِ الثانيةِ لا بعدَه.
ورواهُ البيهقيُّ مِن حديثِ عِكرِمَةَ عَنِ ابنِ عبَّاسٍ مرفوعًا مِثلَه (٥)، إلَّا أنَّه لم يَذكُرْ تقدُّمَ الصفِّ الآخِرِ على الأوَّل، وإنَّما ظاهرُهُ أنَّهما يَفعَلانِ الصِّفةَ كلُّ طائفةٍ في مكانِها.
الخامسةُ: يَجعلُ الإمامُ المُسلِمينَ طائفتَيْن، فيُصلِّي بكلِّ واحدةٍ وهي منفرِدةٌ ركعتَيْن، فهي للإمامِ أربعٌ، ولكلِّ طائفةٍ ركعتانِ.
وهذا صحَّ مِن حديثِ جابرٍ عندَ مسلمٍ (٦)، ومِن حديثِ أبي بَكْرَةَ عندَ أحمدَ وأبي داودَ والنَّسائيِّ (٧)، وفي حديثِ أبي بَكْرةَ ذكَرَ: أنَّ الإمامَ يُسلِّمُ مِن كلِّ ركعتينِ فلا يَصِلُها.
وهاتانِ الصِّفتانِ - الرَّابعةُ والخامسةً - في حالِ كونِ العدوِّ أمامَ المُسلِمينَ.
стр. 1017
استقبالُ القبلةِ في صلاةِ الخَوْفِ:
وهذه الصِّفاتُ الخمسُ السابقةُ تدلُّ على تأكُّدِ استقبالِ القِبْلة، ووجوبِهِ على القادرِ؛ فاللهُ لم يجعَلْ طائفةً خَلْفَهم تحرُسُ إلَّا والقِبلةُ أمامَهم، ولو جاز تركُ الاستقبالِ بكلِّ حالٍ في صلاةِ الخوف، لاستَدَارُوا جميعًا جِهَةَ العدوِّ واستقبَلُوهُ بدَلَ القِبْلة، وصلَّوْا جميعًا كما في الصِّفَةِ الرابعةِ والخامسةِ.
وإنَّ استقبالَ القِبْلةِ لا يسقُطُ إِلَّا عندَ العجزِ عن أداء الصَّلاةِ جماعةً طائفةً أو طائفتيْن، وقد لا يسقُطُ الاستقبالُ في حالِ الصلاةِ فُرادى عندَ أمنِ الرَّجُلِ إن كانَ وحدَهُ مِن الرُّماة، وخَشيتُهُ هي مِن بروزِهِ فحَسْبُ، وهذا ما قال به ابن عُمرَ فما رواهُ عنه مالكٌ وغيره؛ قال: "إن كان خوفًا أشدَّ مِن ذلك، صلَّوْا رِجالًا أو رُكبانًا، مُستقبِلي القِبلةِ وغيرَ مُستقبِليها" (١).
السادسةُ: وهي المقصودةُ في قولِهِ تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، وهي أن يُصلِّيَ كلُّ مُسلمٍ وحدَهُ، وهذه حالُ المُسايَفةِ والمُواجَهة، فلا يتَمكَّنُ المُسلِمونَ مِنَ الاصطفافِ والاجتماعِ خوفَ رميِ العدوِّ واستِهدافِه؛ وهذا ثبَتَ في "الصحيحينِ"؛ مِن حديثِ ابنِ عُمرَ؛ قال: "إِنْ كَانَ خَوْفٌ هُوَ أشَدَّ مِن ذَلِكَ، صَلَّوْا رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقدَامِهِمْ أوْ رُكْبَانًا، مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةِ أوْ غيْرَ مُستَقْبِلِيهَا".
قال نافعٌ راويهِ عنِ ابنِ عُمرَ: "لا أرى عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ ذكَرَ ذلك إلَّا عن رسولِ اللهِ ﷺ " (٢).
وصفةُ الصلاةِ راجلًا وقائِمًا: بالإيماءِ؛ كما جاءَ عنِ ابنِ عُمرَ؛ أنَّه قال: "إذا اختَلَطُوا فإنَّما هو الذِّكْرُ وإشارةُ الرَّأسِ" (٣).
стр. 1018
وبهذا فال مجاهدٌ وعطاءٌ وطاوسٌ والحسنُ وسعيدُ بن جُبيرٍ والنَّخَعيُّ وغيرُهم.
ويشتدُّ هذا عندَ المُطارَدةِ؛ فقد يسقُط في بعضها حتَّى الإشارةُ ويُكتفى بالقولِ وحضورِ القبِ على قولِ جماعةٍ مِنَ السلفِ.
وقد تعدَّدَتْ صورُ صلاةِ الخوفِ حتَّى جعَلَ بعضُ الفقهاءِ الاختلافَ اليسيرَ بينَها فَرْقًا لي الصِّفة، وقد جاء عدَ ابر حبَّانَ في "صحيحِه" نحوٌ مِن تِسْعٍ، وجعَلَها ابنُ حَزمٍ أربعَ عَشْرةَ صِفةً.
تأخيرُ الصلاةِ عد اشتدادِ القتالِ:
وقد اختُلِفَ في جوازِ تأخيرِ الصلاةِ عن وقتِها عند اشتدادِ القتال، والتحامِ الصفوف، وتعذُّرِ الإيماءِ - على قولَينِ في مذهبِ أحمدَ.
والجمهورُ: على أنَّها لا تُؤخَّرُ.
والقولُ الآخَرُ لأحمدَ: جوازُ تأخيرِها، ومال إليه البخاريُّ، وقال به مِن السَّلَفِ مكحولٌ والأوزاعيُّ؛ وعلى هذا حمَلَ بعضُهم صلاةَ النبيِّ ﷺ في يومِ الأحزابِ حينَما أخَّرَها حتَّى غروبِ الشمس، وبهذا عمِلَ الصحابةُ في فتحِ تُسْتَرَ حينَما التَحَمَ الصَّفَّان، فأخَّرُوا الفَجْرَ إلى الضُّحَى، كما علَّقَه البخاري: "قال أنسُ بنُ مالكٍ: حَضَرْتُ عِندَ مُنَاهَضَه حِصْنِ تُسْتَرَ عِنْدَ إِضَاءَةِ الفَجْرِ، وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ القِتَال، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاة، فَلَمْ نُصَلِّ إِلَّا بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أبِي مُوسَى، فَفُتِحَ لَنَا، وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا" (١).
وكان ذلك في خِلَافةِ عُمَرَ، وفيهم صحابةٌ كثيرٌ، وهذا يَشتَهِرُ ولا يُقالُ إلَّا إنَّه جَرى على السُّنَّةِ وأحَدِ وجوهِ صلاةِ الخوف عندَهم.
стр. 1019
وهذا الاختلافُ تنوُّعٌ لا تضادٌّ، ومَن نظَرَ في عمَلِ السَّلَف، وجَدَ مِنهم مَن يُفتي وَيعمَلُ بأكَثرَ مِن صِفَةٍ؛ وذلك لاخلافِ الحال، كما كان حُذَيْفةُ وجابرٌ يَجعَلونَ صلاةَ الخوفِ ركعةً، ومرَّةً يَجعَلونَها ركعتَيْنِ.
صلاةُ المغرِبِ عند الخوفِ:
وهذا في حميعِ الصَّلواتِ بلا فَرقٍ عندَ السَّلَفِ بينَها، إلَّا المَغرِبَ، فإن لم يَكُنِ الإنسانُ في حالِ المُسايَفةِ والمُطارَدة، فيُصلِّيها ثلاثًا؛ لأنَّها لا تُقصَرُ، وبهذا قال الحسَنُ والأشعثُ بن عبدِ الملِكِ والثَّوْريُّ، ولا مُخالِفَ لهم.
وإن كان في حالِ المسايَفةِ والمُطارَدة، فيُصلِّيها واحدةً، وتُجزِئُ عنه؛ فإنَّه إنْ جازَ أن تُجعَلَ الرُّباعيَّةُ واحدةً مع أنَّها لا تُقصَرُ على ذلكَ في السفر، فالثُّلاثيَّةُ مِن بابِ أَوْلى، ولأنَّ الصلاةَ قد تسقُطُ كلُّها، ويُكتَفى بالذِّكرِ عندَ التِقاءِ الزَّحفَيْن، وضَرْبِ الناسِ بحضِهم بعضًا، وعدَمِ معرفةِ وقتِ الخلاصِ، فإذا حضَرَتِ الصلاةُ والحالُ هذه، فيُكتَفى بالتسبيحِ والتحميدِ والتهليلِ والتكبيرِ؛ وبهذا قال سعيدُ بن جُبَيْرٍ وأبو البَختَريِّ وأصحابهما، وكانوا يَقولونَ: "فِتلكَ صَلاتُك ثُمَّ لا تُعِدْ"؛ أخرَجَهُ ابن أبي شَيْبةَ (١).
وأمَّا صفةُ صلاةِ المَغرِبِ ثلاثًا، فعَلى صورتَيْنِ:
- إمَّا أن يُصلِّيَ بالأُولى ركعةً وبالثانيةِ ركعتَيْن، ثمَّ يُتِمَّ كلٌّ ما فاتَهُ.
- وإمَّا عَكسُها؛ يُصلِّي بالأُولى ركعتَيْن، وبالثَّانيةِ ركعةً، ثمَّ يُتِمُّ كلٌّ ما فاتَهُ.
والأمرُ على التيسير، وليس في صِفَتِها خبرٌ يصحٌّ مرفوعٌ ولا موقوفٌ.
وقد جاء عندَ الدَّارَقُطْنيِّ مِن حديثِ أبي بَكْرةَ؛ أن النبيَّ ﷺ صلَّى بالقومِ صلاةَ المغرِبِ ثلاثَ رَكَعاتٍ، ثمَّ انصرَفُوا، وجاء الآخَرونَ فصلَّى
стр. 1020
لهم ثلاثَ رَكَعاتٍ، فكانتْ للنبيِّ ﷺ ستًّا، وللقومِ ثلاثًا ثلاثًا (١).
ولا يصحُّ، ولا أعلَمُ مَن قال بالصِّفةِ في حديثِ أبي بَكرةَ مِنَ السلفِ إلَّا ما حُكيَ عَنِ الحسن، وهو غريبٌ؛ رواهُ أشعثُ الحُمرانيُّ عنِ الحسنِ عن أبي بكرةَ به، واللهُ أعلمُ.
حملُ السلاحِ في صلاة الخوفِ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾؛ رفَعَ اللهُ الحرَجَ في حَمْلِ السِّلاحِ في الصَّلاةِ وغيرِها لِمَن يَجِدُ ضَرَرًا وحَرَجًا، ورفعُ الحرَجِ دليلٌ على أنَّ الأصلَ لي حملِ السِّلاح عندَ قُرْبِ العدوِّ ومُواجهتِهِ الوجوبُ، وكلَّما قَرُبَ، عَظُمَ؛ لأنَّ فيه حِفْظًا للنفسِ والعِرْضِ والمالِ.
ورَفْعُ الجُنَاحِ في هده الآيةِ شبيهٌ برَفْعِ الحرَجِ في الآيةِ السابقةِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]؛ لأنَّ الأصلَ وجوبُ إتمامِ الصلاة، فرَفعَ الحرَجَ عنهم فرَخَّصَ في القَصْر، وهُنا جعَلَ الأصلَ في حملِ السِّلاحِ الوجوبَ، فرفَعَ الحرَجَ عندَ الأذى والمرَضِ.
والمراد بالمرَضِ: كلُّ ما أضعَفَ البدَنَ وآذاهُ عندَ حَمْلِ السِّلاحِ؛ كالجِرَاحاتِ والحُمَّى، والأذى: كالمطَرِ وشدَّةِ البردِ والرِّيحِ.
ومع وضعِ السِّلاحِ أمَرَ بأخذِ الحِذْرِ في قولِه ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾؛ لأنَّه يَغلِبُ معَ وضعِ السِّلاحِ الرَّاحَةً والدَّعَةُ ويَتْبَعُها الغَفلةُ، واللهُ في القرآنِ يأمُرُ بالحذرِ مِن العدوِّ، وينهى عن الخوفِ منه: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٥]؛ لأنَّ الحذرَ حَزْمٌ وعقلٌ، والخوفَ جُبْنٌ وهزيمةٌ.
واختُلِفَ في المخاطَبِ بحَمْلِ السِّلاحِ: الطَّائفةُ الحارسةُ، أمِ
стр. 1021
المصلِّيةُ؟ والأظهَرُ: أنَّ الخِطَابَ لهما جميعًا، وهو للمصلِّيةِ منهما أظهَرُ؛ لأنَّها أحوَجُ للتنبيهِ على هذا؛ لأنَّ في الصلاةِ شُغْلًا، فيَغلِبُ على ظنِّ المصلِّي كراهةُ حعلِ السِّلاحِ أو تَرْكُهُ ترخُّصًا، وأمَّا الحارسةُ: فالأصلُ أنَّها لا تحرُسُ إلَّا بسِلَاحٍ.
ثم إنَّ حملَ السِّلَاحِ جاء في سِياقِ صلاةِ الخوف، والألصَقُ به المُصلِّي لا غيرُه؛ لأنَّ غيرَهُ يُؤمَرُ به مِن غيرِ حاجةٍ لذِكْرِ الصلاةِ ولا حراسةِ المُصلِّينَ؛ لأنَّه مأمورٌ بأن يَحمِيَ نفسَه قبلَ غبرِه، ويدخُلُ غيرُ المصلِّي في وجوبِ حمل السِّلاحِ عندَ الخوفِ وخشيةِ مَيْلِ العدوِّ مِن بابِ أَوْلى.
ويعضُدُ أنَّ الخِطابَ أَوْلى مَن يدخُلُ فيه المصلِّي: أنَّ اللهَ رَخَّصَ في وضعِهِ في حالِ الأذى؛ كالمطَرِ والمرَض، فلو كان الخطابُ لغيرِ المصلِّي، وهو الحارِسُ، لكان هذا دليلًا على الرُّخْصةِ للمصلِّي في تَرْكِه؛ لأنَّه لم يُخاطَبْ بحملِ السِّلاحِ أصلًا، ولم يُؤمَرْ به، والحارسُ رُخِّصَ له في تَرْكِ السِّلاحِ عندَ الأذى؛ فعلى هذا: لا يَبقى أحدٌ مِنَ المُسلِمينَ يَحمِلُ السِّلاحَ؛ لا المُصلِّي ولا الحارسُ، وما شُرِعَت صلاةُ الخوفِ إلَّا لحِفظِ النَّفْسِ والمال، وتخصيصُ الخطابِ بالحارسِ يُخالِفُ هذا المَقصَدَ.
وقال: إنَّ الخطابَ للطائفةِ المصلِّية، الشافعيُّ في أحدِ قولَيْه.
* * *
* قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
والمرادُ بالصلاةِ: صلاةُ الخوف، وقد أمَرَ اللهُ بذِكرِه، والذِّكْرُ بعمومِهِ يدخُلُ فيه الصلاةُ أيضًا؛ فيسمِّيها اللهُ ذِكْرًا، وفي هذا حثٌّ على
стр. 1022
كونِ حالِ المجاهِدِ على قربٍ مِن الله، وحضورٍ بالصلاةِ والذِّكْر، وأحوجُ ما يكونُ العبد إلى قُرْبِ ربِّه عند خوفِهِ وتربُّصِ عدوِّه، فاحتاجَ إلى حضورِ قلبِهِ بالعبادة، ومِن أعظَمِها: الصلاةُ والذِّكرُ.
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ حملًا للحالِ على الأغلبِ؛ لأن صلاةَ الخوفِ في حالِ خوفٍ ونَصَبٍ، وحَذَرٍ وتَعَبٍ، وليس في الآيةِ قصرٌ لحكمِ الإتمامِ في الطُّمأنية، ولا لحكمِ القصرِ في الخوفِ؛ ففد يكونُ المسافر مطمَئنًّا والمقيمُ حائفًا، فالعِبْرةُ بالسفرِ للقصرِ ولو مطمَئنًّا، وبالخوفِ لصلاةِ الخوفِ ولو مقيمًا.
ولهذا فسَّرَ غيرُ واحدٍ مِن السلفِ الطمأنينةَ في الآيةِ بالإقامةِ كمجاهِدِ وقتادةَ، وفسَّرَها أبو العاليةِ بالنزول، وفسَّرها السديُّ بالأمنِ (١).
مشروعيَّةُ الذكرِ على كلِّ حالٍ:
وقولُه تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾، فيه مشروعيَّةُ الذِّكْرِ على كلِّ حالٍ، وفيه وجوبُ أداءِ صلاةِ الفرضِ على المريضِ ما دام مُدرِكًا حسَبَ قدرته، والمريضُ إذا عجَزَ عن القيام، يتعيَّنُ عليه القعودُ، ولو صلَّى على جنبه وهو قادرٌ على القعود، بطَلَتْ صلاتُه، كما تَبْطُلُ صلاةُ مَن صلَّى فَرْضَهُ قاعدًا وهو قادرٌ على القيامِ؛ وذلك لقولِه ﷺ في حديثِ عِمرانَ بنِ حُصَيْنٍ: (صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ) (٢).
وجوبُ الصلاةِ على العاجزِ عن الحركةِ:
وفي الآيةِ: إيجابُ الصلاةِ على المُسلِمِ ولو كان غيرَ قادرٍ على الإتيانِ بالركوعِ والسجودِ؛ لِشَلَلٍ أو قيدٍ أو إكراهٍ على تَرْكِها، وخوفٍ مِنَ
стр. 1023
القتلِ عليها لِمَن يُكِرِهُهُ عدوٌّ كافرٌ على تركِها، ولا تَسقُطُ بذلكَ كلِّه؛ لهذا وجبَتْ على الخائفِ الطَّرِيدِ ولو راكبًا أو راكضًا أن يُومِئَ إيماءً.
ولا تسقُطُ الصلاةُ عن العاقلِ؛ كلٌّ بحَسَبِهِ، ولو كان الرجلُ مشلولَ الأطرافِ؛ فاللهُ لو أسقَطَها لِعَجْزِ بدَنٍ، لَأَسْقَطَها عنِ المجاهِدِ الهارِبِ يَلحقُهُ العدوُّ، وهو على قدَمَيْهِ يخافُ مِنَ العدوِّ أن يلحقَهُ فيَقتُلَه، فلم تسقُطْ عنه بمِثلِ هذه الحالِ، وقد قال اللهُ على لسانِ عيسى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١]، فالزكاة تجبُ في المال، والصلاةُ على البدنِ، ولو كان المكلَّفُ غيرَ كاملِ القدرة، فأوجَبَ اللهُ الزكاةَ على المال، وحياةُ المالِ نِصابُه، وأوجَبَ الصلاةَ على البدَن، وحياتُهُ روحُهُ وإدراكُهُ.
صلاةُ العاجِزِ عن القعودِ والقيامِ:
وقد اختلَفَ العلماءُ فيمَن عجَزَ عنِ القعودِ؛ أيصلِّي مضطَجِعًا على جنبِه أم مُستلقِيًا على ظهرِه؟ على أقوالٍ:
ذهَبَ الشافعيُّ وأحمدُ: إلى تقديمِ الاضطِجاع على الجنبِ على الاستلقاء، ورُوِيَ في هذا حديثٌ مرفوعٌ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ؛ أَخرَجَهُ الدارقطنيُّ (١)، وهو منكَرٌ لا يصِحُّ.
وذهَبَ أهلُ الرأيِ وبعضُ الشافعيَّةِ: إلى نقديمِ الاستلقاءِ على الاضطجاعِ؛ فيَستلقي العاجزُ عنِ القعودِ على ظهرِه، ويستقبِلُ بقدمَيْهِ القِبْلةَ، وإن عجَزَ عن الاستلقاءِ صلَّى على جنبِهِ مستقبِلًا يوجهِه القِبْلةَ، ورُوِيَ عنِ ابنِ عمرَ صلاةُ المريضِ مستلقيًا؛ رواهُ عبدُ الرزَّاقِ (٢).
وذهَب مالكٌ: إلى التخييرِ بينَ الصلاةِ على جنبٍ والصلاةِ مستلقيًا.
стр. 1024
والصلاةُ على الجنبِ أقرَبُ للنهوضِ مِن الصلاةِ مستلقِيًا، وهي أقرَبُ للمواجَهةِ واستقبالِ القبلةِ بالوجه، وحديثُ عِمْرانَ وإن كان أمرًا له لأنَّ به ناصورًا، ولكن لا يَظهرُ أنَّ النبيَّ ﷺ خصَّه بالصلاةِ على جنبٍ لمكانِ مَرَضِه؛ فإنَّ المُستلقِيَ على ظهرِهِ كالمضطجعِ على جنبِه للمريضِ بالناصورِ؛ لأنَّ ضررَهُ بالقعودِ.
شرطُ دخولِ الوقتِ للصلاةِ:
وفي قولِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ دليلٌ على وجوبِ أداءِ الصلاةِ في وقتِها، وأنَّ مَن أدَّاها في غيرِ وقتِها مِن غيرِ عذرٍ، بَطَلَت صلاتُهُ بلا خلافٍ، وهذه الآيةُ دَلَّتْ بدليلِ الخِطَابِ على جوازِ الجَمْعِ في السَّفَرِ؛ فاللهُ لمَّا ذكَرَ الطُّمأنِينةَ وهي في حالِ الإقامة، أوجَبَ أداءَ العبادةِ في وقتِها، ومفهومُهُ أنَّهم كانوا يَجمَعونَ في السفر، والقَصْرُ ثابتٌ في القرآنِ والسُّنَّةِ بالنصِّ، وأمَّا الجَمْعُ فثابتٌ في السُّنَّة، وهو في القرآنِ بدليلِ الخِطابِ والمفهومِ لا بالنَّصِّ.
* * *
* قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٠٤].
بعدَما ذكَرَ اللهُ أحكامَ صلاةِ الخوفِ وصِفَتَها، وكان ذلك في سياقِ القتالِ للعدوِّ وما يصحَبُ ذلك مِن الخوفِ والحذَر، نَهَى اللهُ عن أنْ يَتسبَّبَ ذلك في وَهَنٍ في المُسلِمِينَ وضعفٍ فيهم، فيُقصِّروا أو يَترُكُوا طلَبَ الكافرينَ؛ فإنَّ القتالَ يُلازِمُهُ الحذَرُ والخوفُ والرَّهْبةُ؛ وهذا قد يُضعِفُ العزائمَ، ويُوهِنُ النفوسَ.
стр. 1025
تركُ القتالِ لمجرَّدِ الخوفِ:
ووجودُ الخوفِ مِنَ العدوِّ لا يجوزُ أن يمنَعَ القتالَ، ولو جُعِلَ الخوفُ مانعًا، لَمَا شُرعَ القتالُ، بل إنَّ اللهَ يَنهى عنِ الخوف، وهو الذي يَبتلي له؛ لِيَختبِرَ المُمتثِلَ الصابرَ مِنَ العاصي الجَزعِ؛ فال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥].
والله يأذَنُ بوجودِ الخوفِ في النفوسِ قَدَرًا، ولكنَّ اللهَ يَنهى عن الاستجابةِ له والعملِ به والاسترسالِ معَهُ شَرْعًا، ويبيِّنُ اللهُ أنَّ خوفَ النفوسِ مِن عدوِّها ابتلاءٌ منه وسلاحٌ للشيطانِ وأوليائِهِ ليُوهِنَ الذين آمَنوا؛ فاللهُ جعَلَ الذين يُخوِّفونَ مِن عدوِّه شياطينَ الجنِّ؛ كما في قولِه: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، وشياطينَ الإنسِ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦].
تخويفُ الشيطانِ للمؤمنين:
وتخويفُ الشيطانِ للمؤمنينَ مِن أوليائِهِ يكونُ بتعظيمِ قوَّتِهم وأثَرِهمِ في نفوسِ المؤمنينَ، وتكثيرِ عدَدِهم، وتصويرِ بأسِهِم بالشِّدَّة، والأصلُ أنَّ الاستجابةَ لكلِّ خوفٍ في تعطيلِ حُكْمِ اللهِ هو وَصْفُ المنافِقينَ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩].
ولم يأمُرِ اللهُ بعدَم الاستحالةِ لكلِّ خوفٍ مِن العدوِّ؛ لأنَّ منه ما هو متحقِّقٌ يُوجِبُ الإحجامَ أو الصُّلْحَ والمهادَنةَ أو تغييرَ سياسةِ المواجَهة، ولكنَّ اللهَ جعَلَ ميزانَ الخوفِ وتقديرَهُ في تأثيرِهِ في الحُكْمِ بإرجاعِهِ إلى الشريعةِ، وبه تُوزَنُ المصالحُ والمفاسدُ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ
стр. 1026
الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، وميزانُ ذلك: العلماءُ وَرَثةُ الأنبياء، وقد نَهَى اللهُ عن إشاعهِ أخبارِ الخوفِ والإرجافِ التي تؤثِّرُ في صفِّ المؤمنينَ، وتَفُتُّ في وَحْدَتِهم.
وقد ذكَرَ اللهُ استجابةَ بعضِ الصالِحِين في القرآنِ لخوفِ النفوسِ مِن العدوِّ في الترخُّصِ بتركِ بعضِ المأموراتِ؛ كما في بعضِ مَن آمَنَ مع موسى في قولِهِ: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [يونس: ٨٣]، فذَمَّ فِرْعَوْنَ ومدَحَهم، وكما في قولِهِ تعالى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فجعَلَ الخوفَ بابًا للترخُّصِ بتَرْكِ بعضِ الأمورِ.
فمَن عَظُمَ اللهُ في قلبِهِ خافَ مِن تركِ أوامرِه، وعرَفَ مقدارَ ما يَفُوتُ منها وما يحفَظُهُ عندَ العملِ بالخوف، فلا تُجازِفُ له شجاعةٌ، ولا يُعَطِّلُه جُبْنٌ.
الخوف الذي يكونُ عذرًا لتركِ العملِ:
والميزانُ في الاستحابةِ المشروعةِ للخوفِ هو الذي يجعلُ المُسلِمَ - وخاصَّةً المجاهِدَ - يتَّخذُ الخوفَ مِنَ العدو بابًا لحفظِ دِينِ الله، لا لحفظِ لفسِه، فإن كان في الإقدامِ على القتالِ تضييعُ لدِينِ الله، تَرَكَهُ، ولو كانَتْ نفسُهُ شجَاعةً، جاهَدَها بالتَّرْك، وإنْ كان في تركِ القتالِ تضييعٌ لدِينِ اللهِ أقدَمَ، ولو كانَت نفسُهُ جَبَانةً، جاهَدَها بالإقدام، ويجعلُ نفسَهُ وحَظَّهُ الدُّنْيويَّ المجرَّدَ خارجًا عن ذلك؛ لأنَّه باعَها لواهِبِها؛ فلا يجوزُ أن يبيعَها مرَّةً أخرى؛ لأنَّها ليست له، فلا يجوز بيعُ ما لا يَملِكُ.
ولمَّا كان الخوفُ يُوهِنُ المؤمنينَ ويُضعِفُهم، نهَى اللهُ عنه، ونهى عن أثَرِهِ وهو الوَهَنُ؛ قال ابنُ عبَّاسٍ ومجاهدٍ والربيعُ؛ في قولِه تعالى:
стр. 1027
﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾؛ يَعني: "لا تَضعُفوا" (١).
ومِثلُهُ قولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، ومنه قولُهُ تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤]، وقولُه: ﴿وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤]؛ يَعني: ضَعْفًا، وفي الحديثِ: (وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ) (٢)؛ يَعني: أضعفَتْهم.
خَطَرُ الوَهَنِ على النفسِ:
واللهُ نهى عَنِ الوَهَن، والمرادُ: النهيُ عن أسبابِ حدوثِهِ في النفوسِ؛ وذلك أنَّ الشيطانَ لظُلمِهِ يُذَكِّرُ المؤمنينَ بِمواضعِ قوةِ الكافرينَ، ويُغيِّبُ عنهم مواضعَ قوةِ المؤمنينَ، واللهُ عَدْلٌ؛ يُذكِّرُ المؤمنينَ بالحالَيْنِ: قوَّةِ المؤمنينَ، وقوةِ الكافرينَ؛ حتَّى لا يَستحضِرَ المؤمنُ قوةَ المؤمنينَ وحدَها، فيغترَّ مُعتمِدًا عليها، ولا يَستحضِرَ قوةَ الكافرينَ وحدَها، فيُصيبَهُ الوهنُ والهوانُ، فذكَّرَ اللَّهُ بالأمرَيْنِ: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾، ولكنَّ اللهَ ذكَّرَ المؤمنينَ بخصيصةٍ ليسَتْ للكافرينَ؛ وهي عِلمُهُمْ باللهِ وعزَّتِهِ وقُدْرَتِه، فيَخشَوْنَهُ وَيرْجُونَ العاقبةَ في الآخرةِ؛ ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾، والغلَبةُ للمؤمنينَ بما يُؤمِنونَ به ولو قَلُّوا عَدَدًا وعُدَّةً.
صلاةُ الخوفِ عند طلبِ المسلمين للمشركين:
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ يُعقَّبُ به على قولِ الشافعيِّ في أنَّ صلاةَ الخوفِ لا تكونُ إلَّا عندَ طلبِ الكافِرِينَ للمُسلِمِينَ، بخلافِ ما لو كانَ المُسلِمونَ هم الطَّالِبِينَ، وذلك ظاهرٌ في قولِ الشافعيِّ: "وليس لأحدٍ أن يُصلِّيَ صلاةَ الخوفِ في طلب العدوِّ؛ لأنَّه آمِنٌ، وطلَبُهُمْ تطوُّعٌ، والصلاةُ فرائضُ، ولا يُصلِّيها كذلك إلَّا خائفًا" (٣).
стр. 1028
واللهُ شَرَعَ صلاةَ الخوفِ، وعقَّبَ بعدَ تشريعِهِ لها بالنَّهْيِ عن تركِ طلبِ العدوِّ، فإنَّ طلَبَ العدوِّ يَتْبَعُهُ خوفٌ ولو كان سببَهُ المؤمنونَ، وصلاةُ الخوفِ مشروعةٌ ما تحقَّقَ الخوفُ؛ سواءٌ كان المؤمنُ طالبًا أو مطلوبًا.
وفي الآياتِ: أنَّ اللهَ لمَّا شرَعَ صلاةَ الخوفِ تخفيفًا ورَحْمةً، كأنَّما عقَّبَ بعِلَّةِ التخفيفِ بقوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾؛ يَعني: يَسَّرَ اللهُ لكمُ الفريضةَ بصلاةِ الخوفِ؛ لِتَقْوَوْا على طبِ الكافِرينَ ولا تَضْعُفُوا عن ذلك.
والألَمُ في الآيةِ هو الوجَعُ مِن الإصابةِ في النفسِ والبدنِ؛ وذلك أنَّ المشركينَ آذَوْا رسولَ اللهِ وأصحابُ بالقولِ وبالجِرَاحةِ في أُحُدٍ، وألَمُ النفوسِ أشَدُّ مِن ألمِ الأبدانِ؛ ولهذا ذكَرَ النبيُّ ألَمَهُ مِن طردِ أهلِ الطائفِ له أشَدَّ مِن جِرَاحَتِه في أحُدٍ.
فضلُ جهادِ الطلبِ؟
وهذه الآيةُ في جهادِ الطلبِ؛ فقولُه: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ يَعني: لا تَضْعُفوا عن قصدِهم وطلبهِم؛ فالواجبُ أن تكونوا طالبِينَ لا مطلوبِينَ؛ فإنَّ (الابتغاءَ) في قولِه: ﴿فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ مصدرُ ابتَغَى يَبْتَغِي؛ بمعنى: طلَب يَطلُبُ، كما في قولِهِ: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]، وقولِهِ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]؛ يعني: يَطلُبونَ ويَقصِدونَ ويُريدون، وقولِه: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الأعراف: ٤٥]؛ يعني: يَطلُبونَها ويُريدونَها منحرِفةً معوجَّةً، وقولِهِ تعالى: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة: ٤٧]؛ يُريدونَ لكم ويَطْلُبونَ فيكمُ الفتنةَ، ومِن هذا حالُ المؤمنينَ في الجَنَّةِ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: ١٠٨]؛ يعني: لا يَطْلُبونَ انتقالًا ولا تحوُّلًا منها إلى غيرِها.
وفي الآيةِ: دليلٌ على مُبادَأةِ العدوِّ بالغزو، ونهيٌ عنِ التقاعُسِ عن ذلك، ووجوبُ البعدِ عن أسبابِ الوَهَنِ والضَّعْفِ المُوجِبِ لتَرْكِ جهادِ
стр. 1029
الطَّلَب، وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ - في مواضعَ - الكلامُ على جهادِ الطلبِ عندَ قولِه: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [١٩١]، وقولِه: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [٢٤٦]، ونَحْوِها، وفي آلِ عِمْرانَ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ [١٦٧].
ويأتي في مواضعَ أُخرى بإذنِ اللهِ.
* * *
* قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥ - ١٠٧].
في الآيةِ: تعظيمُ القرآنِ وحُكمِ اللهِ يه، وأنَّ اللهَ أنزَلَهُ حقًّا لا شائبةَ باطلٍ فيه، وبيَّنَ المقصدَ من ذلك، وهو الحُكمُ بينَ الناسِ والفَصْلُ بينَهم في شأنِ دينِهم ودُنياهم.
تقديمُ القرآنِ على الرأي:
وفي قوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ دليلٌ قاطعٌ على تحريمِ تقديمِ الرَّأْيِ على الوَحْيِ؛ فاللهُ أمَرَ نبيَّه أن يحكُمَ لما يُريهِ اللهُ، لا لما يَراهُ هو بلا وحيٍ، مع كونِ النبيِّ ﷺ أصحَّ الناسِ عقلًا، وأزكاهُم نفسًا، وأسَدَّهم رأيًا؛ لأنَّ الأمرَ ربَّما يتعلَّقُ بغيبٍ يؤثِّرُ العِلْمُ به في الحُكمِ المشاهَد، فلو صحَّ عقلُ الإنسانِ وزكَتْ نفسُه، لن يُصيبَ الحقَّ في ذلك؛ لغيابِ بعضِ أطرافِهِ عنه.
وقد روى عِكْرِمَةُ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: "إيَّاكم والرَّأيَ؛ قال اللَّهُ لنبيِّه: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، ولم يَقُلْ: بما رأيتَ"؛ رواهُ
стр. 1030
ابنُ أبي حاتمٍ (١).
وحمَلَ ابن عبَّاسٍ في وجهٍ آخَرَ الذي أَراهُ اللهُ على أنَّه الكتابُ المُنزَّلُ (٢).
وتدلُّ الآيةُ بدليلِ الخطابِ: أنَّ ما لم يَقْضِ اللهُ به في وحيِه، فلِلنَّبِيِّ ﷺ الحُكْمُ فيه بما يَراهُ؛ لأنَّ الأمرَ مقيَّدٌ بما بانَتْ حُجَّتُهُ مِن الكتاب، وظهَرَ مرادُ اللهِ فيه.
روى مالكٌ، عن ربيعة الرأي قولَهُ: "أنزَلَ اللهُ القرآنَ وترَكَ فيه موضعًا للسُّنَّة، وسَنَّ الرسولُ ﷺ السُّنَّةَ وترَكَ فيها موضعًا للرأيِ"؛ رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ (٣).
وما أَرَى اللهُ نبيَّه في قولِه: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ يَدخُلُ فيه الأمرانِ:
- الأحكامُ القطعيَّةُ على نتائجِ الأشياء، فلا تُبحَث ولا تُنظَرُ؛ كالنَّهْيِ عنِ الشِّرْكِ والسِّحْرِ والخمرِ والزِّنى والسَّرِقة، ووجوبِ الصلاةِ والزكاةِ والصيامِ والحجِّ، والمُباحاتِ؛ كحِلِّ البيوعِ والمعامَلاتِ والملبوساتِ؛ فهذه قطعيَّةٌ لا تُبحَثُ أدواتُ إثباتِ حُكْمِها؛ لأنَّ اللهَ قضى فيها.
- أدواتُ الحُكْمِ الموصِّلةُ إليه؛ وذلك مِن معرفةِ البيِّناتِ؛ كالشُّهودِ والإقرارِ واليمينِ وغيرِها؛ ممَّا دلَّ الدليلُ على أنَّه أداةٌ موصِّلةٌ إلى الحُكْم، فيُؤخَذُ بها ولو مالَتِ النفسُ أو عَلِمَت غيرَها، فلا يَجوزُ للحاكمِ أن يَحكُمَ بعِلْمِه، ولا بما يُحِبُّ، ولا بِتَرْكِ ما يَكرَهُ؛ ولذا قال مطرٌ في قولِه: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾؛ قال: "بالبيِّناتِ والشهودِ" (٤).
خطأ الحاكمِ إذا اجتهَدَ:
ومَن حكَمَ بأدواتِ الحقِّ التي أمرَ اللهُ بها، حكَمَ لما أَرَاهُ اللهُ، ونجَا وبرِئَتْ ذمَّتُه، ولو لم يكُنْ ذلك الحُكْمُ في باطنِهِ يُوافِقُ حُكْمَ اللهِ؛
стр. 1031
لأنَّ اللهَ أمَرَ بالحُكْمِ بما يَراهُ الإنسانُ مِن أدواتِ الحقِّ التي أمَرَ اللهُ بها، وأن يَستفرِغَ وُسعَهُ في تحقيقِها، فيحكُمَ بها، وبهذا كان قصاءُ النبيِّ ﷺ كما في "الصحيحَينِ"، مِن حديثِ أمِّ سَلمةَ؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سَمِعَ جَلَبَةَ خَصْمٍ بِبَابِ حُجْرَتِه، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ، فَأَقْضِي لَهُ، فَمَنْ قَضَيتُ لَهُ بِحَقِّ مَسْلِمٍ، فَإنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّار، فَلْيَحْمِلْهَا أَوْ يَذَرْهَا) (١).
سبَبُ عدمِ تساوي أجرِ المجتهدين:
ويؤجَرُ الحاكمُ المحتهِدُ بأدواتِ الحقِّ ولو لم يُصِبْ، وأَجْرُ المُصِيبِ أجرانِ، وأجرُ المُخطِئِ المُجتهِدِ أجرٌ واحدٌ لاجتهادِه، وإنَّما لم يتَساوَيَا في الأجرِ مع أنَّ كلَّ واحدٍ منهما أخَذَ ما ظهَرَ له؛ حتَّى لا يُقصِّرَ الحاكمُ في استفراغِ وُسْعِهِ في طلَبِ البيِّناتِ أو الغَفْلةِ عن سماعِ الحُجَج، فتُعْجِلُهُ نفسُهُ في الحُكْمِ؛ لاستواءِ الأجرَينِ للمُصيبِ والمخطِئِ؛ فإنَّ النفوسَ تتساهلُ في سلوكِ أيِّ الطريقَيْنِ إذا كانَتْ غايتُهما واحدةً.
وإذا ظهَرَ حُكمُ اللهِ القطعيُّ في كتابِهِ في شيءٍ، يجورُ النظرُ في أدواتِه؛ لأنَّ اللهَ اختصَرَ الطريقَ للحُكمِ بإلغاءِ أدواتِه؛ فلا يُحِلُّ أحدٌ الزِّنى والحريرَ ولُبْسَ الذَّهَبِ للرِّجالِ والسُّفُورَ للمرأةِ والاختلاطَ والخَلْوةَ بها، ونحوَ ذلك.
خطأُ القاضِي لا يغيِّرُ الحقوقَ:
ولو حكَمَ الحاكمُ بما ظهَرَ له، وخالَفَ حُكمَ اللهِ باطنًا، لم يَجُزْ للمحكومِ له - إنْ كان عالِمًا بأنَّ الحقَّ ليس له - أن يَأكُلَهُ بحُجَّةِ حُكْمِ القاضي؛ فإنَّ حُكمَ القاضي يُبرِّئُ ذمَّتَهُ لا ذمَّةَ المتخاصِمَيْن، وقد قال النبيُّ ﷺ لرجُلَيْنِ اختصَمَا في مواريثَ بينَهما قد دَرَسَتْ ليس بينَهما بيِّنةٌ،
стр. 1032
فقال لهما نحوَ ما لي حديثِ أمِّ سَلَمةَ، ثمَّ ترَكَ كلُّ واحدٍ حقَّه لصاحِبِهِ باكيًا، قال: (أمَا إِذْ قُلْتُمَا، فَاذْهَبَا فَاقْتَسِمَا، ثُمَّ تَوَخَّيَا الْحَقَّ، ثُمَّ اسْتَهِمَا، ثُمَّ لْيَحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ)؛ أخرَجَهُ أحمدُ وأبو داودَ (١).
وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ التفصيلُ في ذلك عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [١٨٨].
حكمُ القاضِي بعلمِهِ:
وفي قولِه تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ عدمُ جوازِ حُكمِ الحاكمِ بعِلْمِه؛ وإنَّما يأخُذُ بحكمِ اللهِ الذي يقصي بالنتيجة، أو بحكمِ اللهِ الذي هو أدواتُ الوصولِ إلى الحقِّ، ولو خالَفَ ما يَعْلَمُهُ بنَفْسِه مِن الحقِّ، وإنَّما منَعَ اللهُ مِن حُكْمِ الحاكمِ بعِلْمِه؛ لئلَّا يكونَ ذلك ذريعةً إلى أخذِ الحقوقِ ببُرْهانٍ غائبٍ، فيُؤدِّيَ إلى فسادِ دُنيا الناسِ بفسادِ قُضَاتِهم، فبقَعُ الظُّلْمُ، وتُؤكَلُ الحقوقُ، ويُحالُ إلى برهانٍ ودليلٍ لا يَعْلَمُهُ إلَّا الحاكمُ، فيقعُ الحُكمُ بالهوى.
ثمَّ إنَّ في حكمِ الحاكم بعِلْمِه - ولو كان يقينًا - تُهَمةً له وسهولةً للوقيعةِ في عِرضِه، والطَّعْنِ في دينِهِ وَأمانتِهِ؛ فالناسُ يَجحَدونَ الحقوقَ وعليها بيِّناتٌ شاهدةٌ، ويتَّهِمونَ القُضاةَ بالمَيْلِ لِخُصُومِهم ومعَهم بيِّناتٌ؛ فكيف والبيِّناتُ غيرُ ظاهرةٍ لا يعلَمُها إلَّا الحاكمُ بها؟ ! فإنَّ هذا يفتَحُ بابًا عريضًا لتُهَمةِ الحُكَّامِ والقضاة، فصانَ اللهُ عِرْضَهم وبرَّأَ ذمَّتَهم يأمْرِهم ألَّا يَحْكُموا بعِلْمِهم.
وإنَّما نهى اللهُ نبيَّه عن ذلك مع عَدْلِهِ وعِصْمَتِه؛ لأنَّه مشرِّعٌ لأمِّتِهِ وقدوةٌ لِمَن بعدَهُ مِن الحُكَّامِ والقضاة، فجرى عليه ما يَجري عليهم؛ حتَّى لا يستَنَّ به مُبطِلٌ، ويَظُنَّ أنَّه مِثلُه.
стр. 1033
وحُكمُ الحاكمِ والقاضي بعِلْمِهِ ممَّا اختَلَفَ فيه الفقهاءُ.
والجمهورُ: على أنَّه لا يحكُمُ بعِلْمِهِ قبلَ مجلسِ قضائِه، فكلُّ ما عَلِمَهُ قبلَ ولايتِهِ لا يحكُمُ به؛ وهو قولُ مالكِ وأبي حنيفةَ وأحمدَ.
خلافًا للشافعيِّ؛ فقد أجازَ حُكْمَ القاضي بعِلْمِه، وله قولانِ:
أحدُهما: قيَّدَ ذلك بالأموالِ فقَطْ.
والثاني: أطلَقَهُ في جميعِ الأحكامِ مِن الأموالِ والحدودِ.
والأوَّلُ مِن قولَيْهِ هو قولُ أبي يوسُفَ ومحمَّدِ بنِ الحسَنِ أصحابِ أبي حنيفةَ.
وقولُ الشافعيِّ بمِصْرَ يُقيِّدُ حُكْمَ الحاكمِ بعِلْمِهِ إذا كان الحاكمُ مشهورًا بالعَدْلِ بعيدًا عَنِ التُّهَمةِ.
واختلَفَ المانِعونَ مِن حُكْمِ الحاكمِ بعِلمِه في حُكْمِ القاضي بما يَعْلَمُهُ بعدَ ولايتِه للحُكْمِ؛ يَعني: بما بانَ له مِن دليلٍ في أثناءِ الحُكْم، ولو جحَدَهُ صاحِبُهُ ولم يسمَعْهُ غيرُ القاضي، فهل له أن يحكُمَ به؟ على قولينِ:
الأوَّلُ: قالوا بجوارِ حُكْمِ الحاكمِ بعِلْمِهِ بعدَ ولايتِهِ للقضيَّةِ ولو لم يَسمَعْهُ إلَّا هو، ولو جحَدَهُ صاحبُهُ، وقيَّدُوه بالأموالِ خاصَّةً، لا في الحدودِ؛ وبهذا قال أبو حنيفةَ والأوزاعيُّ وجماعةٌ مِن أصحابِ مالكٍ.
الثَّاني: قالوا: إنَّه لا يَحكُمُ بعِلمِه مُطلَقًا ولو كان في مجلِسِ قضائِهِ وبعدَ ولايتِهِ للحُكْمِ في قضيَّتِه؛ وهو قولُ أحمدَ وإسحاقَ وأبي عُبَيدٍ، ومِنَ التابعينَ شُرَيْحٌ والشَّعْبيُّ.
ومَن أجازَ حُكْمَ الحاكمِ في قضيَّةٍ بعِلْمِهِ قبلَ مجلسِ قضائِه، يقولُ بجوازِه بعدَ ولايتِهِ للحُكْمِ فيها مِن بابِ أوْلَى، ومَن منَعَ منه في مجلسِ قضائِه؛ فإنَّه يَمنعُ مِن حُكْمِهِ بما يَعْلَمُهُ قبلَهُ مِن بابِ أَوْلى.
وقد كان الشافعيُّ - وهو المخالِفُ للجمهورِ في قضاءِ القاضي
стр. 1034
بعِلْمِه - يقولُ: "لولا قُضاةُ السُّوء، لقُلْتُ: إنَّ للحاكمِ أن يَحكُمَ لعِلمِه! " (١).
وهذا مِن فِقْهِه؛ فإنَّ أصلَ منعِ القاضي أنْ يَحكُمَ بعِلْمِهِ هو تُهَمَتُه، ولو رَضِيَ الناسُ حُكْمَه، ولم يَختَلِفوا عليه ولم يتَنازَعُوا مِن بَعْدِه، مع عِلْمِه وديانتِه، وبُعْدِه عن التُّهَمةِ -: لم يَرِدْ نهيٌ قاطعٌ في الشريعة، ولا في قولِ السلفِ عن ذلك.
وفي الأزمِنَةِ المتأخِّرةِ مع ضعفِ أمانةِ كثيرٍ مِن الحُكَّامِ والقُضَاة، فإنَّ معَ حُكْمِ الحاكمِ بعِلْمِهِ هو المتعيِّنُ الذي لا ينبغي حكايةُ الخلافِ عليه، ولو كان الخلافُ متقدِّمًا، فإنَّ خلافَ السَّلَفِ والفقهاءِ في عَيْنِ المسألةِ.
وأمَّا مع تحقُّقِ التُّهَمةِ وضعفِ الأمانةِ والنِّزاعِ والخُصُومة، فلا أُراهم يَختلِفونَ في مَنْعِ الحاكمِ أن يحكُمَ بعِلْمِه؛ فإنَّ هذا ولو لم يَجْرِ على فروعِهم، فإنَّه يجري على أصولِهم، وقد أشار غيرُ واحدٍ مِن العلماءِ إلى هذا المعنى؛ كابنِ القيِّم، فقد قال: "وحتَّى لو كان الحقُّ هو حُكْمَ الحاكمِ بعِلْمِه، لوَجَبَ مَنعُ قُضاةِ الزَّمانِ مِن ذلك" (٢).
وقد ترجَمَ البخاريُّ في "صحيحِه" على مِثلِ هذا القيدِ وهذا المعنى؛ بقولِه: "بَابُ مَنْ رَأَى لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ فِي أَمْرِ النَّاس، إِذَا لَمْ يَخَفِ الظُّنُونَ وَالتُّهَمَةَ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِهِنْدٍ: (خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ)؛ وَذَلِكَ إِذَا كَانَ أمْرًا مَشْهُورًا" (٣)، وقد حكَمَ النبيُّ لهنْدٍ أن تأخُذَ مِن مالِ زوجِها بغيرِ إذنِهِ بحقٍّ؛ كما في حديثِ عائشةَ: أنَّ هندَ بنتَ عُتبةَ أتَتِ النبيَّ ﷺ فقالَتْ: يا رسولَ الله، إنَّ أبا سُفْيانَ رجلٌ شَحيحٌ، وليسَ لي مِنه إلَّا ما يَدخُلُ بيتي! فقال النبيُّ ﷺ : (خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ).
стр. 1035
والبخاريُّ حمَلَ ذلك على انتِفاءِ التُّهَمةِ؛ لكَوْنِهِ حُكْمًا خاصًّا، لا يَتْبَعُهُ خِلَافٌ ولا جحودٌ ولا نزاعٌ.
ومِنَ العلماءِ: مَن يَحمِلُ قولَ النبيِّ ﷺ لهِندٍ على أنَّه فَتيا لا حُكْمٌ بينَ مُتخاصِمَيْنِ.
وعند أدنى التُّهَمِ لم يكُنِ النبيُّ ﷺ يقضي بعِلْمِهِ وهو الصادقُ المصدوقُ؛ فقد ثبَتَ عنِ النبيِّ ﷺ : أنَّه اشتَرَى فرَسًا، فجحَدَهُ البائعُ، فلم يحكُمْ عليه بعِلْمِه، وقال: (مَن يَشهَدُ لي؟ )، فقامَ خُزَيْمةُ فشَهِدَ، فحَكَم (١).
وبنحوِ هذا يَعمَلُ أبو بكرٍ وعمرُ بن الخطَّابِ ﵄، فقد روى ابنُ أبي شَيْبةَ وغيرُهُ؛ مِن حديثِ عَمْرِو بنِ إبراهيمَ الأنصاريِّ، عَن عمِّه الضَّحاكِ؛ قال: اخْتَصمَ رَجُلَانِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ادَّعَيَا شَهَادَتَهُ، فَقَالَ لَهُمَا عُمَرُ: "إِنْ شِئْتُمَا شَهِدتُّ وَلَمْ أَقْضِ بيْنَكمَا، وَإِنْ شِئْتُمَا قَضَيْتُ وَلَمْ أَشْهَدْ" (٢).
وبمعنى هذا قال شُرَيحٌ (٣) والشَّعْبيُّ (٤).
وما كان مِن حقِّ اللهِ وحدودِه وأحكامِه؛ كأحكامِ الطَّلَاقِ والعِدَّةِ وحدودِ الخَمْرِ والقَذْفِ والزِّنى والسَّرِقة، فإنَّها أَوْلى بِمَنعِ الحاكمِ أن يحكُمَ بعِلْمِهِ فيها؛ لأنَّ حقَّ اللهِ مبنيٌّ على المُسامَحةِ لعبادِهِ والسَّتْرِ عليهم، والشِّرِيعةُ تتشوَّفُ إلى دَفْعِها بالشبهاتِ؛ بخلافِ حقوقِ الآدَميِّينَ، فهي مبنِيَّةٌ على المشاحَّةِ، وقد روى البيهقيُّ وغيرُهُ، عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ؛ أنَّه قال: "لو وجَدتُ رجلًا على حدٍّ مِن حدودِ الله، لم أَحُدَّهُ حتى يكونَ معي غيري" (٥).
стр. 1036
الدفاعُ والمحاماةُ عن الظالمِ:
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ نهي عن نُصْرةِ أهلِ الباطل، و ﴿خَصِيمًا﴾؛ يَعني: مُدافِعًا نُاصِرًا.
وقد جاء في نزولِ هده الآيةِ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ عندَ ابنِ مَرْدَوَيْهِ (١)، ومِن حديثِ قَتَادةَ بنِ النُّعْمانِ عندَ ابنِ إسحاقَ، وعنه التِّرْمِذيُّ (٢): أن رجلًا سرَقَ دِرْعَ رجلٍ وهُمْ في غزوةٍ، فشَكَا صاحبُ الدِّرْعِ السارِقَ - وكان مِن بني أُبَيرِقٍ - فلمَّا سَمِعَ السارِقُ، وضَعَ الدِّرْعَ في بيتِ رجلٍ بريءٍ، وجاء قومُهُ يُدافِعُونَ عنه ويُخاصِمونَ وهم يَعلَمونَ أنَّه السارِقُ، فطَلَبُوا إلى النبيِّ ﷺ أن يَعْذِرَ صاحِبَهُمْ، ويجادِلَ عنه أمامَ التاس، فنزَلَتِ الآيةُ، وفي سندِ القِصَّةِ لِينٌ.
ويعضُدُه ما جاء مُرسَلًا مِن حديثِ ابنِ أبي نَجِيحٍ عن مجاهِدٍ (٣)، وأسباطٍ عنِ السُّدِّيِّ (٤)، وابنِ جُريجٍ عن عِكْرِمَةَ (٥)، ومَعمَرٍ عن قتادةَ (٦)؛ رواها ابنُ جريرٍ، ورواهُ جُويْبِرٌ عن الضحَّاكِ؛ أخرَجَهُ ابنُ شَبَّةَ (٧)، وفيه أنَّ مَنِ اتُّهِمَ بذلك يهوديٌّ وهو بريءٌ مِنه.
واللهُ أمَرَ بالعدلِ هي الحقوقِ حتَّى مع الكافر، فلا يُقضى لمسلِمٍ لأنَّه مسلِمٌ وهو ظالِمٌ، ولا يُقضى على الكافرِ لأنَّه كافرٌ وهو مظلومٌ، فإذا كان الولاءُ للمؤمنِ لا يُجِيزُ نُصرَتَهُ على ظُلْمِهِ إلَّا بِدَفْعِه، وولاءُ الإيمانِ أعظَمُ مِن ولاءِ النَّسَب والحَسَبِ، والأَرْضِ والعِرِق، فإنَّ الانتصارَ للظالمِ لِوَلاءٍ دونَ ولاءِ الإيمانِ أعظَمُ جُرْمًا، وأشَدُّ إثمًا.
стр. 1037
حكمُ الوَكَالَةِ والنيابةِ في الخصومةِ:
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾، والآيةِ التي بَعدَها: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ دليلٌ على جوازِ الوَكَالةِ؛ بدليلِ الخِطَاب؛ فاللهُ نهى عن المخاصَمةِ نيابةً عن الخائنِ؛ وهذا يدلُّ على جوازِها عن صاحب الحقِّ والمظلوم، ويدلُّ على هذا الآية التاليةُ في قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٠٩]؛ يَعني: كنتُم وُكلَاءَ عنهم في الدُّنيا بالباطل، ولن تكونوا كذلك في الآخِرة، وهذا يتضمِّنُ صحَّةَ الوَكالةِ في الخصومةِ وغيرِها في الدُّنيا في الحقوق، والوَكَالةُ هي: النِّيابةُ عن أحدٍ في أمرِهِ بإِذْنِه.
والوَكَالةُ لا خلافَ في صِحَّتِها، وقد ذكَرَها اللهُ في مواضعَ كقِصَّةِ أصحابِ الكَهْفِ: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩]، وقد توكَّلَ عنهم جميعًا بالبيعِ والشِّراءِ.
وفي ذلك: صحَّةُ وكالهِ الواحدِ عن الجماعة، وكذلك تصحُّ الوكالةُ في مصالحِ المُسلِمينَ؛ كما في عَمَالةِ جابي الزَّكاةِ ومُقسِّمِها؛ كما في قولِه تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠].
وقد احتجَّ الشافعيُّ للوكالةِ بآيةِ الحكَمَين، وبما جاء عن عليٍّ في بَعْثِهِ الحكَمَيْن في الشِّقاقِ بينَ الزوجَيْنِ.
وقد جاء في السُّنَّةِ الصحيحةِ ذلك كثيرًا؛ مِن ذلك ما في حديثِ جابر؛ أنَّه أراد الخروجَ إلى خَيْبَرَ، فقال له النبيُّ ﷺ : (إِذَا أَتَيْتَ وَكِيلِي، فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا، فَإِنِ ابْتَغَى مِنْكَ آيَةً، فَضَعْ يَدَكَ عَلَى تَرْقُوَتِهِ)؛ رواهُ أبو داودَ (١).
стр. 1038
وقد وكَّلَ النبيُّ ﷺ حَكيمَ بنَ حِزَامِ في شِرَاءِ شاةٍ (١)، ووكَّلَ النَّبيُّ - كما في حديثِ أبي هُرَيْرةَ - في قضاءِ دَيْنِه، كما في "الصحيحِ"؛ فقال: (أعْطُوهُ سنًّا مِثلَ سِنِّهِ) (٢)، وقد وكَّلَ النبيُّ ﷺ بعضَ الصحابةِ على خَيبرَ، وقد قام عُمرُ وابنهُ بالتوكيلِ في الصَّرف، وتصحُّ الوكالةُ في عقودِ الأَنكِحَة، كما تَصِحُّ في عقودِ البُيوعِ؛ كما وكَّل النبي ﷺ عَمْرَو بنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ بالعقدِ له على أمِّ حبيبةَ بنت أبي سُفيانَ في الحَبَشة، لمَّا تُوُفِّيَ زَوْجُها عُبيدُ اللهِ بنُ جَحْشٍ بالحبَشةِ وقد هاجرَ بها إليها.
وتَصِحُّ الوكالة في الحدودِ؛ كما في قول النبيِّ ﷺ : (اغدُ يَا أُنيسُ إلَى امْرأةِ هَذَا، فَإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا) (٣)، وتجوز الوَكالةُ في كل ما تصحُّ فيه النِّيابةُ، وقد تقدَّمت الإشارة إلى شيء من ذلك في سورة آل عمران عند قوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥].
والآيةُ في جوازِ الوَكَالةِ في القاضي والترافُعِ والخصومات، وبيانِ حرْمَتِها عندَ معرِفةِ ظُلْمِ الموكِّلِ وبَغيِه، وكلُّ مالٍ يُؤخَذُ على وَكَالةٍ في ظلمٍ وخيانةٍ، فهو سُحْتٌ، وفي غيرِ ذلك فالأصلُ الإباحةُ، وقد كان عليٌّ يُوَكَّلُ في خُصومِتهِ عَقِيلَ بنَ أبي طالبٍ وعبدَ اللهِ بنَ جعفرٍ، وكان لا يَحْضُرُها بنَفْسِه، ويقولُ: "إنَّ للخُصُومةِ قُحَمًا يَحْضُرُها الشيطانُ"؛ رواهُ ابنُ أبي شيبةَ والبيهقيُّ (٤).
* * *
стр. 1039
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)﴾ [النساء: ١١٢].
جاءَت هذه الآيةُ تبَعًا لسابقِ الآياتِ فيمَن سرَقَ مَتاعًا، ثُمَّ تَبرَّأَ منه، وألقَى تُهَمَتهُ على غيرِه؛ نَصَّ عليهِ ابنُ عبَّاسٍ وقتادةُ بنُ النُّعْمَانِ وابنُ سِيرِينَ وغيرُهم، وحكى ابنُ جَريرِ الإجماعَ على أنَّ مَن اتَّهَمَ البريءَ هو ابنُ أُبَيرِقٍ (١)، ولكنَّ العُلماءَ فيما يخصُّ البريءَ ودِينَهُ على خِلافٍ، والأشهَرُ أنَّه يهوديٌّ على ما تقدَّمَ.
إقرارُ الإنسانِ على نفسِهِ دفعًا للضررِ عن غيرِهِ:
وفي هذه الآيةِ: وجوبُ أن يُقِرَّ الإنسانُ على نفسِهِ إن عَلِمَ أنَّ التُّهمَةَ وقعَت أو ستقَعُ على غيرِه، فيُؤخَذُ بجَرِيرَتِهِ بريءٌ، وهذا في كلِّ حقٍّ! سواءٌ أكان للهِ أم لغيرِ اللهِ.
وأمَّا إقرارُ الإنسانِ على نفسِهِ فيما لا يُؤخَذُ به غيرُهُ، ولا حقَّ لآدميٍّ فيه، ولو كان فيه حقٌّ لآدميٍّ وهو قادرٌ على إعادتِهِ بلا إقرارِه لذنبِهِ؛ سترًا لنفسِه، وهو عازمٌ على التوبة، ونادمٌ على جُرْمِه -: فالصَّحيحُ: أنَّه يستُرُ نفسَهُ، ويتوبُ بينهُ وبينَ ربِّه.
وأقوى الإقرارِ: إقرارُ الرجُلِ على نفسِه، وظاهرُ الإطلاقِ في الآيةِ: أنَّ الإقرارَ يكفي مِن الرَّجُلِ على نفسِهِ مرَّة واحدةً في قولِ جمهورِ العلماءِ؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ والشافعيِّ ومالكٍ في قولٍ له، وعندَ قيامِ الشُّبهةِ في قولِهِ أو ظنِّ إكراهِهِ وخوفِه عندَ عدمِ إقراره، فيُعادُ عليه حتَّى يَستَبِينَ منه، ولا حَدَّ لأعلى الاستبانة، لكن حتَّى يَغلِبَ على الظنِّ ظهورُ الإقرارِ باختيارٍ؛ فقد تكفي مرَّةٌ، وقد لا تكفي ثلاثٌ، ولا يثبُتُ تقييدُ
стр. 1040
عددِ الإقرارِ عنِ النبيِّ ﷺ ، وقد روى أحمدُ وأصحابُ "السننِ"؛ مِن حديثِ أبي أَميَّة المَخزومِيِّ؛ أنَّ النبي ﷺ أُتي بلِصٍّ قدِ اعترَفَ ولم يُوجَدْ معه متاعٌ، فقال له النبي ﷺ : (مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ) (١)، وفي سندِه مجهولٌ، وهو أبو المنذِرِ مَوْلَى أبي ذَرٍّ، يَرْوِيهِ عن أبي أميَّةَ، به، وفي مَتْنِه اضطرابٌ، فتارة يَقولُ: (مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ) مرَّتَيْن، وتارةً يَقولُ: "مرَّتَينِ أو ثلاثًا"، وقد جاء مِن حديثِ أبي هريرةَ بنحوِه (٢)، والصوابُ: إرسالُهُ مِن حديثِ محمدِ بْنِ عبدِ الرَّحمنِ بن ثَوْبانَ مُرْسَلًا.
أخرَجَه أبو داودَ (٣)، وصوَّبَ المرْسَلَ ابنُ المَديني وابن خُزَيْمةَ وغيرُهما.
ولو صحَّ الحديث، لكان في الاستبانةِ عندَ قَيامِ شُبْهةِ عدَمِ السَّرِقةِ! لعدَمِ وجودِ المتاعِ معه.
ولو كان الإقرارُ لا يصحُّ إلَّا بعددٍ يتوقَّفُ في ثبوتِهِ عليه، لصَحَّ النقلُ له بأقوى إسنادٍ؛ كما في عددِ شهادةِ المتلاعِنَينِ على نفسَيهِما، وعددِ الطلاقِ والحيضِ وغيرِ ذلك؛ فإنَّ في ذلك حِفْظًا للدِّماءِ والأعراضِ والأموال، أو تضييعًا لها، ولكنْ لمَّا كان المقصودُ الإقرارَ بعَينِه، وجَبَ على القاضي تحقيقُهُ مِن أيِّ شُبْهةٍ تُضعِفُه، ودفع الشُّبُهاتِ لا يتحقَّقُ بعددٍ معيَّنٍ، واللهُ أمَرَ بالعدلِ مع النفسِ؛ وذلك بالإقرارِ عليها بما يتحقَّقُ به العدلُ بلا عددٍ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥].
стр. 1041
وكلَّما قَوِيَتِ القرينةُ على عدَمِ صحةِ الإقرار، زِيدَ في تكرارِ الإقرارِ واستيضاحِهِ؛ كما قال النبيُّ - صلى الله عليه ومسلم - لِمَن أقرَّ على نفسِهِ: (أَبِكَ جُنُون؛ ) (١)، هو أرادَ نَفيَ شُبْهةِ الجنونِ وغيابِ العقلِ؛ ولذا أعادَ النبى - صلى الله عليه ومسلم - طَلَبَ الإقرارِ بأعدادٍ متبايِنةٍ؛ فتارةً مرَّةً، وتارةً مرَّتَين، وتارةً أربعًا؛ ممّا يدلُّ على عدمِ قصدِ العددِ بعينِه، وإنَّما جِلاءُ الإقرارِ وتحقُّقُه وصِحَّتُه.
والإمامُ أحمد وإسحاقُ يَرَيَانِ الإقرارَ أربعًا لإقامةِ الحدِّ؛ لظاهرِ رَجمِ ماعزٍ في "الصحيحَينِ"؛ حيثُ شهِدَ على نفسِهِ أربعَ شهاداتٍ، وحديثِ جابرٍ في قصَّةِ رجمِ ماعزٍ؛ فإنَّما هو شهِدَ على نفسِه مِن تِلقائِها، ولم يَطلُبْ مِنه أربعًا، ثُمَّ بعدَ الرَّابعةِ قال له النَّبيُّ - صلى الله عليه ومسلم -: (أَبِكَ جنونْ؟ )، فكانَتْ خمسًا، وظاهرُهُ عدمُ قصدِ الأربع؛ وإنَّما دفعُ الشبهة، والتشوُّفُ للسَّتر.
ويكون الإقرارُ عندَ مَنْ له ولايةُ الحَدِّ، وهو الحاكمُ القاضي الذي يَفصِل ويأمُرُ بتنفيذِ ما فصَلَ به، لا عند غيرِه؛ عند جمهورِ العلماءِ.
* * *
قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤].
في الآيةِ: كَراهةُ النَّجْوَى بغيرِ المعروف، والأمرِ بالصَّدَقة، والإصلاحِ بين الناس، والنَّجْوَى: هو الحديثُ الذي يُهمَسُ به بين اثْنَيْنِ أو ثلاثةٍ، ولا يُعلَن فيُسمَعَ؛ وإنَّما يُسَرُّ به ويُخفَى؛ ومِن ذلك قولُه تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧].
والأصلُ في الشريعةِ: التشوُّفُ إلى الإعلان، وكراهة الإسرارِ؛ لأنَّ
стр. 1042
الشيطانَ يُحِبُّ أن يتفرَّدَ بأحدٍ ليسوِّلَ له الشرَّ؛ لهذا إذا أعلَنَ الإنسانُ قولًا، ضبَطَ قولَهُ وتهيَّبَ السامِعِينَ؛ وإنْ قَلُّوا، خَفَّ عليه الرقيبُ مِن الناس، فأطلَقَ لسانَهُ ودفَعَهُ الشيطانُ؛ ما لم يَعصِمْهُ اللهُ، والصادق مِن الناسِ مَن يتحدَّثُ مع الواحدِ كما لو تحدَّثَ مع الجماعةِ؛ لأنه يُراقِبُ اللهَ، فيغيبُ حضورُ الخَلقِ مع حُضورِ الخالق، وهذا قليلٌ في الناس، بل حَتَّى الصالحينَ؛ لأثَرِ الشُّهودِ على حواسِّ الإنسانِ.
وهذه الآية تَبَعٌ لقِصَّةِ ابنِ أُبَيْرِقِ سارِقِ الدِّرْع، ومُتَّهِم اليهوديِّ به؛ فقد كان الناس يتَناجَوْنَ في أمرِ السارق والمسروق، والمَتَّهِمِ والبريء، بلا بيِّنة ولا حُجَّةٍ، وإنَّما نهى عنِ النَّجوى ولم يَنْهَ عنِ العَلانيةِ هنا؛ لأنَّ النفوسَ لا تجسُرُ على إعلانِ ما تقوله سرًّا، فنَهى عنِ النَّجوى، وسكَتَ عن العَلانية، لِجُبْنِ النفوسِ عنها؛ لأنَّ الناسَ لا يَقبَلونَ إلَّا البيِّنات، وليس التُّهَمَ والقَذفَ بلا برهانٍ وبيِّنةٍ.
فضلُ صدقةِ السِّرِّ:
وفي قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾، دليلٌ على فضل الإسرارِ بالصَّدَقةِ على غيرِها، وهذا الأصلُ في صَدَقاتِ التطوُّع، وقد تقدَّمَ بيانُ ذلك وتعليلُهُ في سورةِ البقرةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١].
فسَّرَ بعضُهُمُ المعروفَ في الآيةِ: ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ بالقَرْضِ؛ وذلك لاقتِرانِهِ بأمرِ الصَّدَقة، والصدقةُ أوْلَى بالإسرارِ مِن القرضِ؛ لأنَّ الصَّدَقةَ لا تحتاجُ إلى إشهادٍ، بخلافِ القرضِ فيحتاجُ إلى إشهادٍ؛ لحِفظِ الحقِّ، ولا حرَجَ مِن إظهارِه بِقَدْرٍ يُحفَظ به الحقُّ ولا يضيعُ، ولا تَظهَرُ فيه مِنَّةٌ وأذًى للمقترضِ.
والأصلُ: عمومُ المعروف في الآية، وعدَمُ تقييدِها بنوعٍ مِن
стр. 1043
أنواعِه، والقاعدةُ في الإسرارِ والجَهْرِ بالعملِ الصَّالِحِ: أنَّ الأصلَ أنَّ الجَهْرَ بالفرائضِ أفضلُ مِن الإسرارِ بها، وأنَّ إخفاءَ النَّوافلِ أفضلُ مِن الجهرِ بها، ولكلِّ نوعٍ ما يُستَثنى منه بدليلٍ خاصٍّ؛ وهي قاعدةٌ غالبةٌ لا مُطَّرِدةٌ.
* * *
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
فيها: دليلٌ على عَظَمةِ الوحي، والنَّهْيُ عَنِ الخروجِ عنه، وعِصْمةُ النبيِّ ﷺ ، والتحذيرُ مِن مخالَفتِه، وأنَّ الهُدَى لا يكونُ إلَّا معَه، والضَّلالَ في مُخالَفتِه.
عذرُ الجاهِلِ:
وربطُ المخالَفةِ والشِّقاقِ بالتبيُّنِ في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ دليلٌ على عدَمِ دخولِ الجاهلِ في الوعيدِ فيما يصِحُّ معه العُذْرُ ويجوزُ، وما كانَت بيِّنتُهُ مِنَ الوحيِ فقَطْ، فيُعذَرُ مَن لم يَبلُغهُ الوحيُ إن لم يَسمَعْ به، وبحَثَ عنه فلم يَجِدْهُ، ومَن سَمِعَ به أو غَلَب على ظَنِّه وجودُهُ، ولم يَسْأَلْ عنه، أُوخِذَ به؛ لِتقصيرِهِ وإعراضِه، ولو كان في حقيقتِهِ لا يَعلَمُ، بخلافِ مَن كان غافلًا ولم يسمَعُ ولم يَغلِبْ على ظنِّه وجودُ ما يُخالِفُهُ مِن الوحي، فهو معذورٌ فيما كان دليلُه الشَّرْعَ، وأمَّا ما كان دليلُهُ الفِطْرةَ التي طُبعَ عَليها الناسُ، فلا يَصِحُّ العذرُ بها إلَّا للمجنونِ.
وهذه الآية نزَلَتْ في سياقِ قِصَّةِ سارقِ الدِّرْعِ، والمخالَفة المُرادَةُ: مُخالفةُ حُكمِ اللهِ وقضائِه، وهذا مَرَدُّهُ الشَّرْعُ، ولذا ربَطَ الوعيدَ والعقابَ
стр. 1044
بيانِ الحُكمِ؛ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾؛ لأنَّه لم يَكُنْ معلومًا مِن قبلُ، ولم يَثبُتْ إلَّا بالوَحْيِ.
وقولُه تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ يَعني: مَن آمَنَ بِمُحمَّدٍ ﷺ ، وأَعْلى مقصودٍ في الآيةِ وأوَّل مُراد فيها: همُ الصحابةُ ﵃، وقد قال أحمدُ بنُ حنبل: "الإجماعُ إجماع الصَّحَابة، ومَن بعدَهم تَبَعٌ لهم"، فإذا ثبَتَ إجماعهُمْ في مسألةٍ وعلى حُكْم، كان المخالِفُ لإجماعِهم كالخارجِ عن النَّصِّ البيِّنِ مِن الوحي؛ لأنَّ اللهَ قرَنَ الخروجَ عن سبيلِ المؤمنينَ بالشِّقاقِ للرسولِ.
دليلُ الإجماعِ من الوحي:
وفي هذه الآيةِ: دليلٌ على أنَّه ما مِن إجماعٍ إلَّا ودليلُهُ مِن الوحي؛ مِن كلامِ الله، وكلامِ رسولِه ﷺ ، مِنه؛ ما هو منصوصٌ بيِّن ظاهرٌ، ومِنه: ما هو عمَلٌ استَقرَّ، ولو لم يثبُتْ دليلُه؛ فلا يجوز الخروجُ عنه؛ لأنَّه لم يُجمِع الصحابةُ وَيَخضَعوا على كَثرتِهم وتنوُّعِ بُلْدانِهم إلَّا لِحُكمٍ بيِّنِ وعمَلٍ مستقرٍّ عندَهم.
إجماعُ الصحابةِ، وتحقُّقُهُ:
ولا بدَّ مِن تحقُّقِ الإجماعِ وثُبوتِه، وقيامِ أركانِهِ وشروطِه، لا كما يتَوسَّع فيه بعضُ الفقهاءِ بحكايةِ إجماعِ الصحابةِ عندَ وجودِ القولِ عن الواحدِ مِنهم وعدَمِ المُخالِفِ له في مسألةٍ حفيَّةٍ غيرِ ظاهرةٍ، أو مِمَّا لا تَعُمُّ به البْلْوى؛ فإنَّ إدخالَ هدا النوعِ إخراج لكثيرٍ مِن التابِعِينَ مِن السَّلَفِ؛ فعمَلُ الصَّحابيِّ الواحدِ ولا مُخالِفَ له في المسائلِ المغمورةِ كثيرٌ، ومنه: ما لا يصحُّ، ومنه: ما لم يَشتهِرْ عندَ أصحابِ الصحابيِّ نَفْسِهِ مِنَ التابعينَ، فكيف بغيرِهِ مِن أقرانِهِ الأبعَدِينَ مِنَ الصحابةِ ومَن بَعْدَهم؟ !
وبالنَّظرِ في هذا البابِ؛ فالمسائلُ التي حكى الفقهاءُ إجماعَ
стр. 1045
الصحابةِ عليها ولا مُخالِفَ للواحدِ منهم عليها - قريبٌ مِن ألفِ مسألةٍ، وكثيرٌ منها ظنِّيٌّ غيرُ محرَّرٍ، ومنه ما لا يصِحُّ سنَدُه.
ولا بدَّ مِنَ النَّظرِ في منزِلةِ الصحابي المرويِّ عنه، وسنَدِ الرِّواية، وشهرةِ المسألة، وعدَدِ مَن روى عنه القولَ، وبَلَدِهِ التي قال بها وأَفتى، وحالِ المسألةِ ونَوْعِها، وهل مِثلُها يَشتهِرُ وَيرتفِعُ، أو هي مِن المسائلِ الخاصَّةِ التي لا تَعُمُّ بها البَلوى ولا تَشْتهِرُ؟
فقولُ أبي بكرٍ وعُمَرَ لو جاء وصحَّ، يَختلِف عن قولِ غيرِهما، لأنَّ مِثلَه يُطلبُ ويَشتهِرُ، ولا ينزلُ قول غيرِهِمَا من بعضِ صِغارِ الصحابةِ مَنزِلتَه، وحكمُ الواحدِ مِنهم في العباداتِ يَختلِفُ عنِ التعزيراتِ والعقوبات؛ لأنَّ العباداتِ لا يُجتَهَدُ فيها إلَّا في الضيِّقات، بخلاف العقوباتِ؛ فقد وسَّعتِ الشريعةُ في العقوبات، وضَيَّقَت في العبادات.
وقولُ الصحابيِّ على المِنبَرِ وفي مَشهَدِ جَماعةٍ، يَختلِفُ عن قولِه وفُتياهُ لواحدٍ مِن أصحابِه، والقولُ الذي يَرويهِ عنه واحدٌ غريبٌ - ولو صحَّ - يَختلِف عن قولٍ يَتتابعُ النَّقَلةُ على روايتِهِ عنه.
الجهاتُ التي يتحقَّقُ بها إجماعُ الصحابةِ:
وبيان ذلك أنَّ مَنِ التمَسَ إجماعَ الصحابةِ في قولٍ، فلا بُدَّ مِن النَّظرِ إلى جهاتٍ متعدِّدةٍ:
الأولى: النَّظرُ إلى قائلِه؛ فكُلَّما كان الصحابي متقدِّمًا وكبيرًا أو خليفةً، كان اشتِهارُ قولِه أظهَرَ؛ كالخُلفاءِ الراشدينَ الأربعةِ وأقرانِهم؛ فإنَّ قولَهم يَشتهِرُ ويُؤخَذُ به، وهم يَختلِفونَ عَن صِغارِ الصَّحابةِ الَّذين تأخَّرَ بهِمُ العُمْرُ حتَّى ذهَبَ كبارُ الصحابة، وجلُّ مَن يَأخذُ بقولِهم مِنَ التَّابعينَ الذين لا يُعتَدُّ بخِلافِهم للصَّحابة، وغالبًا أنَّهم لا يَجسُرونَ عليه، لإجلالِهم للصَّحابةِ ولو كانوا صِغارًا، ولقِلَّةِ عِلْمِهم بالنِّسبةِ للصَّحابةِ.
стр. 1046
وسُكوتُهم عَن قولِ الصحابيِّ لا يَعني في هذا الباب شيئًا؛ لأنَّ المرادَ هو سكوتُ الصَّحابة، وسكوتُ الصحابةِ يُرادُ مِنه الإقرارُ عليه أنَّه لَم يُخالِفْ ما جاء عَنِ النبيِّ ﷺ ؛ وهذا لا يَكونُ في التَّابعينَ ولو كانوا كبارًا؛ لأنَّهم لم يُدرِكوا النبيَّ ﷺ ، ومِنَ الصَّحابةِ الصِّغارِ مَن تأخَّرَ به الزَّمنُ حتَّى لم يُدرِك فَتواهُ إلَّا الواحدُ والاثنانِ مِنَ الصحابةِ مِثلِه؛ لِمَوْتِ أكثرِهم.
وكلَّما تقدَّمَ الصحابيُّ زَمَنًا، كان القولُ بالإجماعِ على قولِهِ أظهَرَ عندَ عدَمِ المُخالِفِ له مِنهم، وكلَّما تأخَّرَ زمَنُه، ضَعُفَ القول لحكايةِ إجماعِ الصَّحابةِ على قولِهِ لِعَدَمِ مخالفتهم له.
الثانيةُ: النَّظَرُ إلى المسألةِ المحكومِ بها مِن الصحابيِّ؛ فإنَّ مِن المسائلِ ما أصلُه السِّعَةُ والاجتهادُ، كالتَّعزيرات، ومِنه ما الأصلُ فيه التوقيفُ على النصِّ؛ كالعبادات، فقولُ الصحابيِّ وقضاؤُهُ بتعزيرِ عاصٍ على نوعٍ ووصفٍ ومقدارٍ معيَّنٍ مِن الذَّنْبِ، وسكوتُ الصَّحابةِ عنه: لا يَعْني القطعَ بكَونِ النبيِّ ﷺ قَضى به، ولا أنَّهم سكَتُوا عنه، للإجماعِ على عدَمِ جوازِ مُخالفَتِه.
ومِنَ المسائلِ: نَوازِلُ واردةٌ بعدَ انقِراضِ زمَنِ كبارِ الصَّحابةِ أو أكثَرِ الصحابةِ؛ فقولُ الصحابي الواحدِ فيها معَ عدَمِ المخالِفِ فيها مِنهم مِمَّن كان حيًّا: لا يَلزَمُ معه حِكايةُ الإجماعِ على ذلك.
ويفرَّقُ بين مسائلَ تعُمُّ بها البلوى، ويَشتهِرُ قولُ الواحدِ مِنهم لو قَضَى به، وبينَ مسألةٍ لا تُنقَل ولا تَعُمُّ بها البلوى عادةً؛ فالغالِبُ أنَّ النَّقَلةَ للخبَرِ لا يُبلِّغونَ به غيرَهُ مِن الصَّحابةِ.
الثالثةُ: النَّظرُ إلى الحالِ التي وقَعَ فيها القولُ، وهل كان مِثلُهُ يَشتهِرُ أو لا يَشتهِرُ؛ فما يقولُهُ الصحابيُّ على مِنبرٍ وشُهودُهُ صَحابةٌ: أظهَرُ في حكايةِ الإجماعِ عليه عندَ عدَمِ المُخالِفِ منهم؛ كقولِ الصَّحابةِ في
стр. 1047
خُطَبِ الجُمَعِ والعيدَينِ وفي خُطْبةِ عرَفةَ والتَّشْريقِ، وخاصَّةً إن كان الصحابيُّ كبيرًا.
ومِنَ المسائلِ: ما يقولُ بها الصحابيُّ في موضعٍ لا شهودَ للصَّحابةِ فيه؛ كما يَقوله أو يفعلُه أو يَقضي به الصحابي في الثُّغورِ، أو السَّفرِ، أو في بلَدٍ آفاقيٍّ لا شُهودَ للصَّحابةِ فيه إلا قليلًا، وهذا يَضعُفُ القولُ بإجماعِهم عليه، ولو كان لا مُخالِفَ له فيه؛ فمَعرفةُ بلَدِ الصحابيِّ وسُكناهُ بعدَ النبوَّةِ مُهِمٌّ في معرفةِ قوَّةِ مُوافقَتِه ومُخالَفتِه، وكُلَّما كان أقرَبَ لِمَساكنِ الصحابةِ وكَثرتِهم - كالمدينةِ - فهذا أقرَبُ للمُوافَفةِ على قولِه واشتهارِه.
الرابعةُ: النَّظَر إلى نَقَلَةِ الخبرِ عن الصحابيِّ؛ لِيُعرَفَ اشتهارُه عنه، فإنْ كان الناقلُ عنه واحدًا، وعنه واحدٌ، فهذا يَعني عدَمَ اشتهارِه حتَّى عندَ أصحاب الصحابي نفسِه؛ فكيفَ ببُلوغِهِ لغيرِه مِن الصحابةِ؟ ! فلا يُبنى على سكوتِ الصحابةِ إجماعٌ، والحالةُ هذه.
وإنِ اشْتهَرَ القَولُ عن الصحابي ونقَلَهُ عنه أصحابُهُ الذين يَشْتَرِكونَ عادةً في الأخذِ عنه وعن غيرِهِ مِن الصحابة، فهذه قرينة على اشتهارِ القول، ونَقلِهِ عنه لغيرِهِ مِن الصحابة، كما يَشترِكُ ابنُ عُمرَ وابنُ عبَّاسٍ وأبو هربرةَ وأنَسٌ في بعضِ التَّابعينَ وأخذِهم عنهم.
وهذه المسألةُ تحتاجُ إلى مزيدِ تفصيلِ ليس هذا محلَّه، واللَّه أعلَمُ.
ومَن ترَكَ حُكمَ اللهِ وتشريعَهُ، واعتَدَّ برأيِهِ وعَقلِه، وَكَلَهُ اللهُ إلى نفسِهِ فأرْدَاهُ؛ كما قال: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾.
وفي هذه الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ الضَّلالَ والشِّقاقَ يَبدَأ بصاحبِه عنادًا، ثمَّ يُحوِّلُه اللهُ في قلبِه ويُزَيِّنُهُ حتى يكونَ دِينًا وقناعةً؛ عقوبةً له.
стр. 1048
قال تعالى حكايةً لقول إبليس: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩)﴾ [النساء: ١١٩].
يَقْوَى تسلُّطُ الشيطانِ على الإنسانِ حتَّى يَأمُرَه وهو لا يَشعُرُ، يأمُره في صورةِ الإضلالِ والتمنِّي، ومِن ضَلالِه: أمرُه بقَطعِ آذانِ الأنعامِ؛ لِتَكونَ بَحِيرَةً سائحةً في الأرضِ مُحرَّمةً، وقد كان أهلُ الجاهليَّةِ يَقطَعونَ آذانَ بعضِ أنعامِهم، ويُسمُّونَها بَحيرةً وسائبةً، يَحرُمُ مَسُّها والتعرُّضُ لها؛ لآلهتِهم وأصنامِهم، وكانوا يَجعَلونَ مِن ذلك دِينًا، كما قاله قتادةُ وعِكرِمةُ والسُّديُّ وغيرُهم (١).
السوائبُ في الجاهليَّة:
وكان الرَّجلُ الجاهليُّ يَنذِرُ نَذْرًا إذا قَدِمَ مِن سفَرٍ، أو عُوفِيَ مِن عِلَّةٍ، أو نَجَا مِن مَهْلَكَةٍ أو حربٍ؛ يقولُ: "ناقتي هذه سائبةٌ"؛ أيْ: تُسيَّبُ فلا يُنتفَعُ بظهرِها، ولا تُحَلَّأ عن ماءٍ، ولا تُمنَعُ مِن كلَإٍ، ولا تُركَبُ (٢).
وهؤلاءِ وقَعوا في الشِّركِ مِن وجوهٍ في عمَلِهم هذا:
أوَّلُها: أنَّهم نَذَروا لغيرِ الله، والنَّذرُ طاعةٌ لا يكونُ إلَّا له، وهؤلاءِ نذَروا لآلهتِهم.
ثانيها: أنَّهم نسَبُوا سلامتَهم مِنَ المرضِ والموتِ لآلهتِهم؛ لهذا شكَروها نَذرِهِمُ الذي يَظنونَهُ عبادةً.
ثالثها: جوَّزوا لأنفُسِهم تقطيعَ آذانِ الأنعامِ تديُّنًا، وهو لا يَصِحُّ لو
стр. 1049
كان للهِ؛ فكيف وهو لغيرِ اللهِ؟ ! والفعلُ الذي يُتدينُ به لغيرِ الله، فهو كفرٌ ولو كان أصلُهُ عادةً؛ لأنَّ فاعِلَه فعَلَهُ عبادة ونَوى به العبادةَ؛ فكان شِرْكًا.
حكمُ وَسْمِ البهيمة:
ووَسْمُ البهيمةِ لِتُعرَفَ جائزٌ إلَّا في الوجهِ؛ لما روى مسلِمٌ؛ مِن حديثِ جابرٍ؛ قال: "نَهَى رَسُول اللهِ ﷺ عَنِ الضَّرْبِ فِي الوَجْه، وَعَنِ الوَسْمِ فِي الْوَجهِ" (١).
وليس الوَسْم لِتُعرَفَ به البهيمة مما يدخُل في النهيِ هنا؛ لاختلافِ العِلَّة، ولأنَّه قُصِدَ به حِفظُ الحَقِّ وقطعُ النِّزاعِ بين الناس، وهذا مقصدٌ صحيح لا يتحقَّقُ غالبًا إلَّا بمِثلِه، ويكون بالقَدْرِ الذي لا يعذِّبُ البهيمةَ ولا يُفسِدُها.
حكمُ تغيير خَلْقِ اللهِ وأحوالُهُ:
وقولُه تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ وتغييرُ خَلْقِ اللهِ لِمخلوقاتِهِ الحيَّةِ محرَّمٌ؛ لأنه صرفٌ لها عن أصلِ فِطْرتِها التي فطَرَها عليها، فيَجعَلونَ منها مخلوقًا آخَرَ، وهذا لا يدخُل فيه إصلاحُ العيوبِ وإعادَتُها إلى قِوامِها؛ كمَن وُلدَ مِنَ البهائم أو الإنسانِ أعرَجَ أو أعمَى أوَ أصَمَّ، فيُطبَّب له فيُصلَحُ عَيْبُهُ، لأنَّه إعادةٌ له لخِلْقَتِهِ الصحيحة، لا حَرْفٌ له عن خلفتِهِ الصحيحة إلى غيرِها؛ فهو نوع ابتَلاءٍ أنزَلَه اللهُ عليه، فيُرفَعُ، كما يُتطبَّب مِنَ المرضِ معَ أنَّ اللهَ أَوْجَدَهُ، فلا يجوز كَسْرُ الصحيح، ولكن يجوزُ جَبْرُ الكَسيرِ.
وحَمَلَ السَّلَفُ تغييرَ خَلْقِ اللهِ في الآيةِ على معنيَينِ:
المعنى الأولُ: تغييرُ الخِلْقَةِ الجسَديَّة، ومنها خِصاءُ البَهائمِ ونحوه؛
стр. 1050
وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ وابنُ عُمرَ وأنَس وابن المسيَّبِ (١).
وصحَّ عن ابنِ مسعودٍ قولهُ: "لَعَنَ الله الوَاشِمَاتِ وَالمُستَوْشِمَات، وَالنَّامِصَاتِ وَالمُتَنَمِّصَات، وَالمُتفَلِّجَاتِ لِلحُسْنِ، المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ" (٢).
وصحَّ عَنِ الحسَنِ؛ أن التغييرَ في الآيةِ الوَشمُ (٣).
المعنى الثاني: الفِطْرة والصِّبغَةُ الدِّينية؛ ومِن هذا المعنى قولُهُ تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨]؛ يَعْني؛ مِلَّةَ اللهِ وشِرعَهُ وديَنَه.
ورُوِيَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، ولا يصِحُّ؛ للجهالةِ في إسنادِه، وقال به مجاهِدٌ وعِكرِمةُ والنَّخَعيُّ والحكَمُ وقتادةُ وعطاء الخراساني (٤).
وقد صحَّ عن شَيْبانَ عن قتَادةَ؛ أنَّه قال في هذه الآيةِ: "ما بالُ أقوامٍ جَهَلةٍ يُغيِّرونَ صِبغةَ اللهِ ولَوْنَ اللهِ؟ ! " (٥).
يَعني: صِبْغتَه التي طبَعَ خَلْقَهُ وفَطَرَهم عليها؛ مِن الإقرارِ بوَحْدانيةِ الله، والاتِّباعِ لداعي الفِطْرةِ؛ مِن الحياءِ والعِفَّةِ والستر، والصِّدْقِ وأداءِ الأمانةِ والإحسانِ إلى الناس، وكراهةِ الفُحْشِ والفواحشِ وبُغْضِ الكُفْرِ.
وقوله: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، المراد بخلقِ اللهِ هنا: ما طُبعَ الناس عليه وفُطِروا عليه؛ كما فُطِروا وخُلِقوا على التَّألُّمِ مِنَ النارِ والحرِّ، فيَتألَّمونَ مِنَ الكفرِ والكذِبِ والفحْش، وكما فُطِروا وخُلِقوا على الفَرَحِ بالرِّيحِ الطيِّبة، والسعادةِ بالمال، والتلذُّذِ بالمأكلِ والمشرَبِ الحسَنِ،
стр. 1051
فيَفرَحونَ بالخُضُوعِ للهِ والإقرارِ بحقِّه وعبادتِه؛ طُبِعَتَ نفوسُهم وخُلِقَتْ على هذا.
وهذا كقولِهِ تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، فذكَرَ الدِّينَ، ثمَّ سمَّاهُ فِطْرةً، ثمَّ بيَّنَ خَلْقَ اللهِ الإنسانَ عليه؛ فأصلُ الدِّينِ خُلِقَ الإنسانُ عليه، ثُمَّ جاءَتْ أنواعهُ وصُوَرهُ وتطبيقاتُهُ وتفصيلاتُهُ بالوحيِ.
ويدلُّ على هذا كلِّه: حديثُ أبي هُرَيرةَ في "الصحيحَيْنِ" مرفوعًا؛ (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطرَة، فَأَبوَاهُ يهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ) (١).
تغييرُ الفطرةِ:
وعلى القولِ الثَّاني: فيُقالُ بإمكانِ تغييرِ أصلِ الطبعِ؛ كما يُمكِنُ تغييرُ أصلِ الشَّرْع، وتغييرُ أصلِ الشرحِ وفرعِهِ معروفٌ؛ كما عِندَ الأحبارِ والرُّهْبانِ والأئمَّةِ المضلِّينَ، أمَّا تغييرُ أصلِ الفِطْرةِ: فإنَّه نادرٌ، مع إمكانِ وقوعِهِ في أفرادٍ، لا في أمَّةٍ، فلا يمكِنُ أن يكونَ الحياءُ مذمومًا، ولا السترُ مستقبَحًا، ولا العفافُ مَعِيبًا أبدًا، وإن وقَعَ في أفرادٍ، لكنَّه لا يقَعُ في أمةٍ فتَجتمِعَ عليه، ولكنْ قد يقَعُ التبديلُ في بعضِ أحوالِهِ وصُوَرِهِ زمانًا ومكانًا، لا إطلاقًا؛ كطوافِ الناسِ عُراةً عندَ البيتِ في الجاهليَّةِ؛ فليس عامًّا، وإنَّما خاصٌّ في زمانِ ومكانٍ، ومِثلُه الحياءُ والعفافُ والصِّدْقُ وغيرُه، فإنَّه لا يُمكِن رفعُهُ مِن الإنسانِ بالكلِّيَّةِ حتَّى لا يُقالَ بوجودِه، وأعظَمُ مِن ذلك: نفيُ الخالقِ وجَحْدُ وجودِه؛ لأنَّه أثبَتُ في العقلِ والنفس مِن وجودِ النَّفسِ عندَ نفسِها، ولو أخِذَتْ أطرافُ شريعةِ دينِ اللهِ وبُدِّلَتَ أحكامُه، لا يُمكِن أن يرفَعَ أصله، وهو وجودُ الخالقِ وتفرُّدُهُ بكَوْنِهِ خَلْقًا وتصرُّفًا، ولا يمكِنُ أن يصحُّ لأحدٍ عقلٌ معَ
стр. 1052
نَفْيِه، ومَن زعَمَ ذلك، فهو مكابِرٌ، يقولُ بلسانهِ ما يستيقنُ قلبُهُ بنقيضِه، أو يقدِّمُ الشكَّ؛ لأنَّه يُشبعُ غريزتَه وهواهُ، على اليقين، الذي يَحرِمُه منها، فيُكابِرُ اليقينَ ويُعْطيهِ ويُظهِرُ الشَّكَّ؛ ليَجعلَه بمرتبةِ اليقينِ.
واللهُ نهى عن تغييرِ خلقِ اللهِ مِن بدَنِ الإنسان، وقد تُقطَعُ جوارحُ الإنسانِ مِنَ الفِطْرةِ الجسديَّةِ ويَبقى البدنُ حيًّا، وقد تُقطَعُ شرائعُ الدِّينِ ويُعصَى الله بتَرْكِها لا بِجَحْدِها ويَبقَى الدِّينُ، ولكنَّ قلبَ الإنسانِ لو نُزعَ، ماتَ ولا يُمكِنُ أن يُقالَ لِحياتِه، وكذلك قلبُ الدينِ في الفِطْرةِ العقليَّةِ والنفسيَّةِ: الإقرارُ بربوبيّةِ الله، ثُمَّ حقِّه في العبادة، وتفرُّدُ الخالقِ بخَلْقِه لا يُقطَعُ مِنَ الفِطْرةِ العقليَّةِ النفسيةِ إلَّا بموتِ العقل، وهو الجنودُ، ثمَّ يَبقى حقُّ اللَّهِ في العبادةِ وصِفَةُ العبادةِ المأمورِ بها يَقوى في الشرعِ مع الطَّبع، منها ما يصحُّ الجهلُ بها مع سلامةِ العقل، ومنها ما لا يصحُّ الجهلُ بها؛ لتمكُّنِها بالفِطْرةِ أقوى مِنَ الشِّرْعةِ؛ وهذا على تفصيل طويلٍ بينَّاهُ في كتابِ مُفرَدٍ في "حُكْمِ العُذْرِ بالجَهْلِ".
حدودُ تحريمِ تغييرِ خلقِ اللهِ:
وقوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، المرادُ بالخَلْقِ المحرَّمِ تغييرُهُ: ما كان أصلُ الخَلْقِ عليه صحيحًا، وما يُولَدُ المخلوق عليه، وأمَّا تقليمُ الأظفارِ وحَلْقُ العانةِ ونَتفَ الإِبْط، فليس مِن إزالةِ الفِطْرةِ؛ لأنَّه لا يُولَدُ به الإنسانُ، ويَندُرُ أن يولَدَ الإنسانُ على شيءٍ ثُمَّ يُؤمَرَ بإزالتِه؛ كالخِتَان، وهو: إزالةُ القُلْفَةِ على الذَّكَر، وما يُولَدُ عيه الإنسانُ، فالأصلُ جوازُ أخذِه؛ كالشَّعرِ والظُّفُر، إلَّا بدليل يدلُّ على إبقائِه، كاللِّحْية، وما وُلدَ عليه الإنسانُ، فالأصلُ: تحريم أخذِهِ إلَّا ما دلَّ الدليلُ على أخذِهِ؛ كقُلْفَةِ الذَّكَرِ.
والقاعدةُ في تصرُّفِ الإنسانِ في نفسِهِ كالقاعدةِ في تصرُّفِهِ في الحيوان، وبقيودِها.
стр. 1053
وقد يَجعَلُ الشارعُ بعضَ الأفعالِ مِنَ الفِطْرةِ؛ لأنَّها تُعِيدُ المخلوقَ على أصلِهِ مِن النَّظافةِ والطَّهارةِ؛ كتقليمِ الأظفارِ وحَلْقِ العانةِ ونَتْفِ الإبْطِ وغَسْلِ البَراحِم والاستنشاقِ واستنقاصِ الماء، وعلى قولٍ السِّوَاك؛ فقد جاء في الأثرِ أَنَّه مِنَ الفِطْرةِ؛ لأنه يعِيدُ الفمَ على فِطْرتِهِ مِن الطهارةِ.
تغييرُ العيوبِ:
وكلُّ ما خالَفَ فيه الإنسانُ السويَّ الصحيحَ، جاز له تغييرهُ بالتطيُّبِ؛ لأنَّه عيبٌ؛ كمَن وُلدَ أعمَى أو أبكَمَ أو أصَمَّ أو أبرَصَ أو أقرَعَ، وكما جازَ للثَّلاثةِ الأقرعِ والأبرَصِ والأعمى أن يَدْعُوا اللهَ فيَشْفيَهم، ولم يَسْأَلُوا حَرَامًا ولا إثمًا، كذلك لو تطيَّبُوا، وقصَّة الثلاثةِ في "الصحيحَينِ" وغيرِهما (١).
وتغيير الإنسانِ للونِ شعرِ رأسِه جائزٌ؛ لأنَّه يجوزُ له قَصُّهُ أصلًا، فكيفَ بتغييرِه؟ ! ولكن لا يجوزُ له تغييرُهُ إلى لونٍ شاذٍّ لا يُعْرَفُ في فِطَرِ الناسِ عادةً، حتَّى يُوصَفَ بالشذوذِ والشهرةِ بين الناسِ.
وقد أجازَ النبيُّ ﷺ تغييرَ شَعْرِ اللِّحْيةِ إلى لونٍ لا يُفْطَرُ عليه العربُ عادةً، وهو الحِنَّاءُ، فدلَّ على جوازِ تغييرِهِ إلى لونٍ لا يُنهى عنه؛ كالسَّوَادِ على الكَرَاهة، والشُّهْرةِ على التحريمِ.
قال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾ [النساء: ١٢٧].
يَسألُ الصحابةُ عن فرائضِ النِّساءِ وحُكْمِ اللهِ في شأنِهنَّ ممَّا يختصُّ
стр. 1054
الحُكْمُ بِهِنَّ، وقد كان الناسُ في الجاهليَّةِ لا يُورِّثونَ الصِّغارَ ولا النِّساءَ؛ يقولونَ: "أنتُم لا تَغْزُونَ، ولا تُغْنُونَ".
ورُوِيَ هذا المعنى عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ ومجاهِدِ وقتادةَ (١)، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾، وتقدَّمَ الكلامُ على هذا في أولِ سورةِ النِّساءِ.
وقولُه تعالى: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ "أُنْزِلَتٍ فِي الْيَتِيمَة، تَكونُ عِنْدَ الرَّجُلِ فَتَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ، فَيَرغَبُ عَنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَيَكْرَهُ أنْ يُزَوِّجَهَا غَيرَه فَيَشَرَكُهُ فِي مَالِه، فَيَعْضُلُهَا فَلَا يَتَزَوَّجُهَا وَلَا يُزَوِّجُهَا غَيْرَهُ"؛ رواهُ هشامُ بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة؛ أخرَجَهُ الشيخانِ (٢).
ورُويَ عن عليِّ بنِ أبي طَلْحَةَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ، معناهُ، أخرَجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ (٣).
وقال عَبيدَةُ السَّلْمانيُّ في قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، أيْ: "تَرغَبونَ فيهِنَّ" (٤).
وحُمِلَ قولُه: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ على النَّفْيِ؛ أي: لا تَرغَبونَ أن تَنكِحُوهُنَّ؛ وذلك لقِلَّةِ جَمَالِها أو مالِها؛ نحوُ قولِهِ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، والنَّفيُ في آيةِ البابِ رواهُ ابنُ شهابٍ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ (٥)، وبه قال الحسَن (٦)، ومال إليه ابن جريرٍ (٧).
ومِن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾، حيث كانوا
стр. 1055
لا يُورِّثونَ الصِّبْيانَ ولا النِّساءَ في الجاهليَّةِ؛ فأنزَلَ اللهُ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]؛ كما رواهُ عليٌّ (١) وابنُ جُبيرٍ (٢) عن ابنِ عبَّاسٍ.
الفرقُ بين ميراثِ الذكر والأنثى:
وقد علَّق اللهُ الحكمَ بالذكورةِ والأنوثةِ مقدارًا فقَط، ولا فرقَ في أصلِ مشروعيَّةِ الإرثِ بين الذَّكَرِ والأنثى، وإنَّما الفَرْقُ في مقدارِه، ولا فرقَ بينَ الصَّغيرِ والكبيرِ في أصلِ الإرث ولا في مقدارِهِ.
وقد تقدَّمَ الكلامُ على ذلك في أوَّلِ سورةِ النِّساء، عندَ قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣].
ثمَّ أمَرَ الله بالعدلِ في اليتامى نفَقةً وتعاملًا وتزويجًا: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾.
* * *
قال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)﴾ [النساء: ١٢٨].
نزَلَتِ الآيةُ في سَوْدَةَ بنتِ زَمَعَةَ لمَّا خَشِيَتْ أن يُطلِّقَها النبيُّ ﷺ ، فرَغِبَتْ في البقاءِ في عِصْمَتِه، وتَهَبُ يومَها لعائشةَ، ففعَلَ النبيُّ ﷺ ، ونزَلَت هذه الآيةُ (٣)، وأصل ذلك في "الصحيحَينِ"؛ من حديثِ عائشةَ (٤).