← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

فيَفرَحونَ بالخُضُوعِ للهِ والإقرارِ بحقِّه وعبادتِه؛ طُبِعَتَ نفوسُهم وخُلِقَتْ على هذا. وهذا كقولِهِ تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، فذكَرَ الدِّينَ، ثمَّ سمَّاهُ فِطْرةً، ثمَّ بيَّنَ خَلْقَ اللهِ الإنسانَ عليه؛ فأصلُ الدِّينِ خُلِقَ الإنسانُ عليه، ثُمَّ جاءَتْ أنواعهُ وصُوَرهُ وتطبيقاتُهُ وتفصيلاتُهُ بالوحيِ. ويدلُّ على هذا كلِّه: حديثُ أبي هُرَيرةَ في "الصحيحَيْنِ" مرفوعًا؛ (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطرَة، فَأَبوَاهُ يهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ) (١). تغييرُ الفطرةِ: وعلى القولِ الثَّاني: فيُقالُ بإمكانِ تغييرِ أصلِ الطبعِ؛ كما يُمكِنُ تغييرُ أصلِ الشَّرْع، وتغييرُ أصلِ الشرحِ وفرعِهِ معروفٌ؛ كما عِندَ الأحبارِ والرُّهْبانِ والأئمَّةِ المضلِّينَ، أمَّا تغييرُ أصلِ الفِطْرةِ: فإنَّه نادرٌ، مع إمكانِ وقوعِهِ في أفرادٍ، لا في أمَّةٍ، فلا يمكِنُ أن يكونَ الحياءُ مذمومًا، ولا السترُ مستقبَحًا، ولا العفافُ مَعِيبًا أبدًا، وإن وقَعَ في أفرادٍ، لكنَّه لا يقَعُ في أمةٍ فتَجتمِعَ عليه، ولكنْ قد يقَعُ التبديلُ في بعضِ أحوالِهِ وصُوَرِهِ زمانًا ومكانًا، لا إطلاقًا؛ كطوافِ الناسِ عُراةً عندَ البيتِ في الجاهليَّةِ؛ فليس عامًّا، وإنَّما خاصٌّ في زمانِ ومكانٍ، ومِثلُه الحياءُ والعفافُ والصِّدْقُ وغيرُه، فإنَّه لا يُمكِن رفعُهُ مِن الإنسانِ بالكلِّيَّةِ حتَّى لا يُقالَ بوجودِه، وأعظَمُ مِن ذلك: نفيُ الخالقِ وجَحْدُ وجودِه؛ لأنَّه أثبَتُ في العقلِ والنفس مِن وجودِ النَّفسِ عندَ نفسِها، ولو أخِذَتْ أطرافُ شريعةِ دينِ اللهِ وبُدِّلَتَ أحكامُه، لا يُمكِن أن يرفَعَ أصله، وهو وجودُ الخالقِ وتفرُّدُهُ بكَوْنِهِ خَلْقًا وتصرُّفًا، ولا يمكِنُ أن يصحُّ لأحدٍ عقلٌ معَ

стр. 1052

نَفْيِه، ومَن زعَمَ ذلك، فهو مكابِرٌ، يقولُ بلسانهِ ما يستيقنُ قلبُهُ بنقيضِه، أو يقدِّمُ الشكَّ؛ لأنَّه يُشبعُ غريزتَه وهواهُ، على اليقين، الذي يَحرِمُه منها، فيُكابِرُ اليقينَ ويُعْطيهِ ويُظهِرُ الشَّكَّ؛ ليَجعلَه بمرتبةِ اليقينِ. واللهُ نهى عن تغييرِ خلقِ اللهِ مِن بدَنِ الإنسان، وقد تُقطَعُ جوارحُ الإنسانِ مِنَ الفِطْرةِ الجسديَّةِ ويَبقى البدنُ حيًّا، وقد تُقطَعُ شرائعُ الدِّينِ ويُعصَى الله بتَرْكِها لا بِجَحْدِها ويَبقَى الدِّينُ، ولكنَّ قلبَ الإنسانِ لو نُزعَ، ماتَ ولا يُمكِنُ أن يُقالَ لِحياتِه، وكذلك قلبُ الدينِ في الفِطْرةِ العقليَّةِ والنفسيَّةِ: الإقرارُ بربوبيّةِ الله، ثُمَّ حقِّه في العبادة، وتفرُّدُ الخالقِ بخَلْقِه لا يُقطَعُ مِنَ الفِطْرةِ العقليَّةِ النفسيةِ إلَّا بموتِ العقل، وهو الجنودُ، ثمَّ يَبقى حقُّ اللَّهِ في العبادةِ وصِفَةُ العبادةِ المأمورِ بها يَقوى في الشرعِ مع الطَّبع، منها ما يصحُّ الجهلُ بها مع سلامةِ العقل، ومنها ما لا يصحُّ الجهلُ بها؛ لتمكُّنِها بالفِطْرةِ أقوى مِنَ الشِّرْعةِ؛ وهذا على تفصيل طويلٍ بينَّاهُ في كتابِ مُفرَدٍ في "حُكْمِ العُذْرِ بالجَهْلِ". حدودُ تحريمِ تغييرِ خلقِ اللهِ: وقوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، المرادُ بالخَلْقِ المحرَّمِ تغييرُهُ: ما كان أصلُ الخَلْقِ عليه صحيحًا، وما يُولَدُ المخلوق عليه، وأمَّا تقليمُ الأظفارِ وحَلْقُ العانةِ ونَتفَ الإِبْط، فليس مِن إزالةِ الفِطْرةِ؛ لأنَّه لا يُولَدُ به الإنسانُ، ويَندُرُ أن يولَدَ الإنسانُ على شيءٍ ثُمَّ يُؤمَرَ بإزالتِه؛ كالخِتَان، وهو: إزالةُ القُلْفَةِ على الذَّكَر، وما يُولَدُ عيه الإنسانُ، فالأصلُ جوازُ أخذِه؛ كالشَّعرِ والظُّفُر، إلَّا بدليل يدلُّ على إبقائِه، كاللِّحْية، وما وُلدَ عليه الإنسانُ، فالأصلُ: تحريم أخذِهِ إلَّا ما دلَّ الدليلُ على أخذِهِ؛ كقُلْفَةِ الذَّكَرِ. والقاعدةُ في تصرُّفِ الإنسانِ في نفسِهِ كالقاعدةِ في تصرُّفِهِ في الحيوان، وبقيودِها.

стр. 1053

وقد يَجعَلُ الشارعُ بعضَ الأفعالِ مِنَ الفِطْرةِ؛ لأنَّها تُعِيدُ المخلوقَ على أصلِهِ مِن النَّظافةِ والطَّهارةِ؛ كتقليمِ الأظفارِ وحَلْقِ العانةِ ونَتْفِ الإبْطِ وغَسْلِ البَراحِم والاستنشاقِ واستنقاصِ الماء، وعلى قولٍ السِّوَاك؛ فقد جاء في الأثرِ أَنَّه مِنَ الفِطْرةِ؛ لأنه يعِيدُ الفمَ على فِطْرتِهِ مِن الطهارةِ. تغييرُ العيوبِ: وكلُّ ما خالَفَ فيه الإنسانُ السويَّ الصحيحَ، جاز له تغييرهُ بالتطيُّبِ؛ لأنَّه عيبٌ؛ كمَن وُلدَ أعمَى أو أبكَمَ أو أصَمَّ أو أبرَصَ أو أقرَعَ، وكما جازَ للثَّلاثةِ الأقرعِ والأبرَصِ والأعمى أن يَدْعُوا اللهَ فيَشْفيَهم، ولم يَسْأَلُوا حَرَامًا ولا إثمًا، كذلك لو تطيَّبُوا، وقصَّة الثلاثةِ في "الصحيحَينِ" وغيرِهما (١). وتغيير الإنسانِ للونِ شعرِ رأسِه جائزٌ؛ لأنَّه يجوزُ له قَصُّهُ أصلًا، فكيفَ بتغييرِه؟ ! ولكن لا يجوزُ له تغييرُهُ إلى لونٍ شاذٍّ لا يُعْرَفُ في فِطَرِ الناسِ عادةً، حتَّى يُوصَفَ بالشذوذِ والشهرةِ بين الناسِ. وقد أجازَ النبيُّ ﷺ تغييرَ شَعْرِ اللِّحْيةِ إلى لونٍ لا يُفْطَرُ عليه العربُ عادةً، وهو الحِنَّاءُ، فدلَّ على جوازِ تغييرِهِ إلى لونٍ لا يُنهى عنه؛ كالسَّوَادِ على الكَرَاهة، والشُّهْرةِ على التحريمِ. قال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾ [النساء: ١٢٧]. يَسألُ الصحابةُ عن فرائضِ النِّساءِ وحُكْمِ اللهِ في شأنِهنَّ ممَّا يختصُّ

стр. 1054

الحُكْمُ بِهِنَّ، وقد كان الناسُ في الجاهليَّةِ لا يُورِّثونَ الصِّغارَ ولا النِّساءَ؛ يقولونَ: "أنتُم لا تَغْزُونَ، ولا تُغْنُونَ". ورُوِيَ هذا المعنى عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ ومجاهِدِ وقتادةَ (١)، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾، وتقدَّمَ الكلامُ على هذا في أولِ سورةِ النِّساءِ. وقولُه تعالى: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ "أُنْزِلَتٍ فِي الْيَتِيمَة، تَكونُ عِنْدَ الرَّجُلِ فَتَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ، فَيَرغَبُ عَنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَيَكْرَهُ أنْ يُزَوِّجَهَا غَيرَه فَيَشَرَكُهُ فِي مَالِه، فَيَعْضُلُهَا فَلَا يَتَزَوَّجُهَا وَلَا يُزَوِّجُهَا غَيْرَهُ"؛ رواهُ هشامُ بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة؛ أخرَجَهُ الشيخانِ (٢). ورُويَ عن عليِّ بنِ أبي طَلْحَةَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ، معناهُ، أخرَجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ (٣). وقال عَبيدَةُ السَّلْمانيُّ في قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، أيْ: "تَرغَبونَ فيهِنَّ" (٤). وحُمِلَ قولُه: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ على النَّفْيِ؛ أي: لا تَرغَبونَ أن تَنكِحُوهُنَّ؛ وذلك لقِلَّةِ جَمَالِها أو مالِها؛ نحوُ قولِهِ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، والنَّفيُ في آيةِ البابِ رواهُ ابنُ شهابٍ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ (٥)، وبه قال الحسَن (٦)، ومال إليه ابن جريرٍ (٧). ومِن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾، حيث كانوا

стр. 1055

لا يُورِّثونَ الصِّبْيانَ ولا النِّساءَ في الجاهليَّةِ؛ فأنزَلَ اللهُ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]؛ كما رواهُ عليٌّ (١) وابنُ جُبيرٍ (٢) عن ابنِ عبَّاسٍ. الفرقُ بين ميراثِ الذكر والأنثى: وقد علَّق اللهُ الحكمَ بالذكورةِ والأنوثةِ مقدارًا فقَط، ولا فرقَ في أصلِ مشروعيَّةِ الإرثِ بين الذَّكَرِ والأنثى، وإنَّما الفَرْقُ في مقدارِه، ولا فرقَ بينَ الصَّغيرِ والكبيرِ في أصلِ الإرث ولا في مقدارِهِ. وقد تقدَّمَ الكلامُ على ذلك في أوَّلِ سورةِ النِّساء، عندَ قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣]. ثمَّ أمَرَ الله بالعدلِ في اليتامى نفَقةً وتعاملًا وتزويجًا: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾. * * * قال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)﴾ [النساء: ١٢٨]. نزَلَتِ الآيةُ في سَوْدَةَ بنتِ زَمَعَةَ لمَّا خَشِيَتْ أن يُطلِّقَها النبيُّ ﷺ ، فرَغِبَتْ في البقاءِ في عِصْمَتِه، وتَهَبُ يومَها لعائشةَ، ففعَلَ النبيُّ ﷺ ، ونزَلَت هذه الآيةُ (٣)، وأصل ذلك في "الصحيحَينِ"؛ من حديثِ عائشةَ (٤).

стр. 1056

ورُوِيَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ تُوُفِّيَ عَنْ تِسْعِ نِسْوَةٍ، وَكَانَ يَقْسِمُ لِثَمَانٍ (١). إسقاطُ المرأةِ لحقِّها: وهذا في كلِّ امرأةٍ تَرى زُهْدَ زَوْجِها فيها، فتَرغَب في البقاءِ معَهُ، فيتَصالَحانِ على إسقاطِ ما بينَهما مِن واجبِ المَبِيت، وتَبقى على النفقةِ والسُّكْنى، والزُّهْد قد يكونُ لسببٍ فيها؛ كسُوءِ خلُقِها، أو مَرَضِها، أو كِبَرِها، أو دَمَامَتِها، أو لسببٍ فيه؛ ككِبَرِه، أو مَرَضِه، أو ضَعْفِ نفسِهِ نحوَها. ورُوِى هذا المعنى عن عمرَ وعليٍّ وابنِ عبَّاسٍ وعائشةَ وغيرِهم مِنَ الصَّحابةِ والسَّلَفِ. نشوز الزوجِ: والنشوز هو المَيْل بسببِ البُغْضِ أوِ الكُرْهِ أوِ انصرافِ النفسِ بلا موجِبٍ ظاهرٍ، ويكونُ النشوزُ بحقٍّ أو بباطلٍ، ولا يُتصوَّر ميلُ النبيِّ ﷺ إلَّا بالحقِّ؛ لأنَّ له أن يطلِّقَ زوجتَهُ وله أن يمسِكَها، وقد يَمِيلُ الرجلُ عن زوجتِه نَفْسًا، فيَرَى عدَمَ قيامِها بحقِّه، ويَتْبَعُهُ تقصيرُهُ بحقِّها لو بَقِيَ معَها، فمِنَ العدلِ والحقِّ تطليقُها، فلمَّا ظَنَّتْ سَوْدَة ذلك مِن نفسِها ومنه ﷺ ، تصالَحَت معه سَوْدةُ على إسقاطِ حقِّها في المبيت، وجعَلَتْ يومَها لأحبِّ أزواجِه، وهي عائشةُ، فلا يجدُ النبيُّ ﷺ بعدَ ذلك حرَجًا مِن بقائِها. وإذا غُلِبَ الرَّجُل على نفسِهِ بأمرٍ، وخَشِيَ مِن تركِ الواجباتِ وفِعْلِ

стр. 1057

المُحرَّماتِ، فلْيَتخفَّف مِن تَبِعَةِ ذلك بتَرْكِ موجِبِ فعلِ المحرَّمِ وتركِ الواجب والبُعْدِ عنه. وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾؛ يَعْني: الزَّوجَين، وفيه تشوُّفُ المُشرِّعِ إلى بقاءِ الزَّوْجةِ في عِصْمةِ زَوْجِها ولو مع إسقاطِ بعضِ الحقوقِ بَينَهما، وأنه أوْلى مِن الطَّلاقِ؛ وذلك في قوله بعدُ: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾. وحمَل ابنُ عبَّاسٍ قولَه: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ على التخييرِ؛ فقال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾؛ يَعني: تُخيَّرُ المرأة بما تريدُ، ولا تُكرَهُ على شيْءٍ واحدٍ مما يُطيقهُ الرَّجُلُ (١). والمرادُ فيما يتَراضَيانِ فيه مما يُطيقانِه جميعًا، ولا يُوقِعُ في حَرَامٍ لهما أو لأحدِهما. وقولُه تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾؛ يَعني: أن تُقدِّمَ النفوسُ حظَّها وحقَّها على حظِّ غيرِها وحقِّه؛ فالشحُّ والأثَرةُ متأصِّلٌ في النُّفوسِ. ولا يجوزُ للرجلِ أن يُقدِّمَ مصلحتَهُ على ضرَرِ غيرِه، ولا للمرأةِ أن تُقدِّمَ مصلحتَها على ضررِ غيرِها، فأمَّا إذا أطاقا تحقُّقَ المصلحتَيْنِ أو دَفْعَ المفسدتَين، فوجَبَ عليهِما، والطلاقُ يتأكدُ عندَ وجودِ مفسَدةٍ لأحدِ الزوجَيْنِ ببقائِهما، وقد روى أبو داودَ وابن ماجَة؛ مِن حديثِ مُحاربِ بنِ دِثارٍ، عن ابنِ عُمرَ مرفوعًا؛ (أبغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللهِ الطَّلَاقُ) (٢)، وجاء مرسَلًا مِن حديثِ مُحاربٍ به (٣)، وهو أقرَبُ، ورُوِيَ مِن طُرْقٍ أُخرى. * * *

стр. 1058

قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)﴾ [النساء: ١٢٩]. ومفهومُ هذه الآيةِ: وجوب العدلِ بينَ النساءِ؛ وهذا لا خلافَ فيه، وقد جاء في "سنن أبي داود" أن النبيَّ ﷺ قال: (مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأتانِ، فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، جَاء يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ) (١). والمراد بالاستطاعةِ المَنْفِيةِ مِن العدلِ في قوله، ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾: عدلُ القَلبِ وعدمُ مَيْلِهِ لإحدى الزوْجاتِ؛ لِمَا جعَلَهُ اللهُ فيهِنَّ مِن تاينٍ يتَبايَن معه ميل القلْب، فأمَرَ اللهُ لعدَمِ الاستجابةِ العمَليَّة لِميلِ القلبِ استجابةَ تُؤثِّرُ على العدلِ في القَسْمِ والنَّفَقةِ والعطيَّةِ؛ ولذا قال: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾. قال ابنُ عبَّاسِ في الاستطاعةِ المنفيَّةِ: "هي الجِمَاعُ والحُبُّ"؛ رواهُ عنه عليُّ بن أبي طَلْحةَ، وروِيَ هذا عن عَبِيد السَّلْمانيِّ والحسَنِ وغيرِهما. وقال الصَّحَّاكُ: "هو الشَّهوةُ والجِمَاعُ" (٢). والمراد واحدٌ. والميلُ المنهيُّ عنه في قوله: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ هو المَيْلُ المتعمَّدُ؛ كما قالَهُ مجاهِدٌ وغيرهُ (٣)، وهو ميلُ النَّفسِ بالعمَلِ بعدَمِ العدلِ في النَّفَفةِ والقَسْم والقولِ.

стр. 1059

العدلُ بين الزوجاتِ: ولا خلافَ في وجوب العدلِ بينَ النساءِ في القَسْمِ والعطيَّةِ وأصلِ النَّفَقَةِ؛ فيُبَاتُ عندَ المرأَةِ كما عندَ الأخرى، وعِمادُ القَسْمِ اللَّيلُ، ويتساوَيانِ في العطيَّة، ولكنَّ النَّفَقةَ تكون بالعدلِ لا بالتساوي، وكذلك في القَسْمِ يجب العدلُ وإد لم يتحقَّقِ التساوي. والعدلُ في النفقةِ: أن يُعطِيَ كلَّ زوجةٍ حاجتَها مِن طعامٍ وشْرابٍ بحسَبِ حالِها وحاجَتِها وذُرِّيَّتِها، وقد لا يتساوَيانِ؛ لاختلافِ الدَّارِ والحالِ والحاجة، والواجبُ الكفايةُ في ذلك. ويَجِبُ في العطيَّةِ الزائدةِ على النَّفَقةِ: التساوي، سواءٌ كانت مالًا أو متاعًا أو عَقَارًا. العدلُ بين الزوجاتِ بالمبيتِ والقَسمِ: والعدلُ في القَسمِ يكونُ بالمَبيتِ بعدَدِ اللَّيَالِي ولو لم يتساوَيا في وُقُوعِ الجِمَاعِ لأيِّ سَببٍ نفسيٍّ؛ كالعَجْزِ بمرَضٍ ونحوِه، أو ميلِ النَّفْس، أو سببٍ شرعيٍّ؛ كالهَجْرِ بشَرطِ ألَّا يتَحقَّقَ له مَفسدةٌ لها. وقوله: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾؛ يَعني: لا ذاتَ زَوْجٍ تأخُذُ حقَّها منه، ولا مطلَّقة تَستقبِلُ شأنَها، وتنتَظِرُ زَوْجًا غيرَه. وقدِ اختلَفَ العلماءُ في المَبيت والقَسْمِ به؛ هل يجبُ لكلِّ واحدةٍ ليلةٌ تَلي ليلةَ الأخرى، أم يجوزُ أن يَزيدَ في اللَّيالي عندَ كلِّ واحدةٍ، وَيزِيدَ مثلًا عندَ الأخرى؛ كلَيلتَيْن ليلتَيْن، وثلاثِ ثلاثٍ؟ على قولَينِ مشهورَين: الأوَّلُ: الجوازُ؛ وهو قولُ الشافعيِّ. الثاني: عدَمُه؛ وهو قولُ مالكٍ.

стр. 1060

والأظهَرُ: عدَمُ جوازِه إلَّا في حالَيْنِ: الأولى: عندَ البِناءِ بزَوْجة، فإنْ كانَت ثَيِّبًا، مكَثَ عندَها ثلاثًا في أوَّلِ البِنَاء، وإن كانَتْ بكرًا، مكَثَ عندَها سبعًا في أوَّلِ البناء، ثمَّ يعودُ لنَسَائِه، والجمهورُ: أنَّه يعود لهن بلا حِسابٍ، كما فعَلَ معَ الزَّوْجةِ الجديدة؛ خلافًا لأبي حنيفةَ في أنَّه يعودُ إليهنَّ بحسابٍ؛ مستدلًّا بعمومِ العدلِ بينَ الزَّوْجاتِ في القَسْمِ. واستدَلَّ مَن قال بقولِه بحديثِ أمِّ سلَمةَ؛ أن النبيَّ ﷺ قال لها: (إِن شِئْتِ سَبَّعْتُ لَك، وَإنْ سَبَّعتُ لَك، سَبَّعْتُ لِنِسَائِي)؛ رواهُ مسلمٌ (١). وأبو حنيفةَ وأصحابة لا يَرَوْنَ الفرقَ بينَ البكرِ والثيِّب في الإقامةِ عندَهما، ومحمدُ بن الحسَنِ يَستدِلُّ بحديثِ أمِّ سلَمةَ هذا، ولا دليلَ فيه؛ فهو فيه أن لها الثلاثَ، والتسبيعُ زائدٌ، لأنَّها ثيِّبٌ، فيَجِبُ تَبَعًا معه العدلُ، وهو قضاء السَّبْعِ كلِّها، لا قضاءُ الأربعِ الزَّائدةِ على الثلاثِ؛ لأنَّ تتابُع السبعِ مؤثِّرٌ، بخلافِ تتابعِ الثَّلاثِ؛ فهوَ أخفُّ. وما رواهُ الدَّارَقطنيُّ في هذا الحديتِ: "إِنْ شِئْتِ أَقَمْتُ مَعَكِ ثَلَاثًا خَالِصَةً لَك، وَإِن شِئْتِ سَبَّعتُ لَكِ ثُمَّ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي)، قالت: تُقِيمُ مَعِي ثلَاثًا خَالِصَةً (٢)؛ لا يصِحُّ، وفيه الواقديُّ، وهو منكَرُ الحديثِ. وحديث أم سلَمةَ في مسلِمٍ مخصِّصٌ للأحاديثِ العامَّةِ التي يَستدِل بها أبو حنيفةَ وأصحابهُ في وجوبِ العدل، ولا فرقَ بينَ الجديدةِ والقديمةِ مِنَ الزوْجاتِ.

стр. 1061

وحديثُ أمِّ سلَمةَ يأخذُ به جمهورُ العُلَماءِ؛ كمالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ، وأنَّ القَسْمَ للثَّيِّبِ ثلاثٌ لا يكونُ معها قضاءٌ، أو سبعٌ يكونُ معها القضاء، وأن القَسْمَ للبِكرِ سبعٌ لا يكون معها القضاءُ! كما هو في الثلاث: للثَّيِّبِ؛ كما في روايةٍ لمسلمٍ: (لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَك، وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ، ثُمَّ دُرْتُ)، قالت: ثَلِّثْ (١)، وظاهرهُ: أنَّ التسبيعَ يَلزَمُ معه الفضاءُ، والثلاثَ ينتهي ويدورُ بلا قضاءٍ؛ ولذا لم يذكُرِ الدَّوْرَ في السَّبْعِ؛ وإنَّما ذكَرَ القضاءَ؛ لأنَّه قدرٌ زائدٌ على الدَّوْرِ. وفي حديثِ أمِّ سَلَمةَ: جوازُ القَسْمِ للثيِّبِ المدخولِ بها حديثًا سبعًا، زيادةً على أصلِ حقِّها في الثَّلاثِ، وأن ذِكرَ السَّبْعِ دليلٌ على أنَّه أقصى ما يجوز في القَسْمِ للمبنيِّ بها، وهي البِكْرُ، ولكنَّه حقٌّ للبِكْر، لا يُزادُ لها عليه، ولا يُزاد لِغيرِها عليه مِن بابِ أولى، وهي الثَّيِّبُ، لو أرادَتْ، فهو للبِكرِ حقٌّ، وللثيِّبِ تخييرٌ فحَسْبُ. الثانيةُ: عندَ تَصالُحِهنَّ وتَراضِيهِنَّ على ذلك؛ وذلك أنَّه لو جازَ للمرأةِ أن تُسقِطَ ليلتَها وتجعلَها كلَّها للأُخرى، فإنَّه يجوزُ عندَ التصالُحِ على ما دونَهُ من بابِ أولى. واللهُ أمَرَ بالعدل، ومِنَ العدلِ الإتيانُ بمقصدِ المبيت، وحاجتُهُنَّ للمبيتِ ليست في أمرِ الجِماعِ؛ وإنَّما هو في الإيناسِ والأمنِ مِن الطَّوارق، وقُرْبِ النَّفْسِ والمودَّة، وهذا يَفُوتُ عندَ جميعِهِنَّ لو دامَ تركُ الزَّوْجةِ لأيَّامٍ مَدَى أعوامٍ، ثُمَّ لو قيل بجَوَازِه، فلا حَدَّ لأعلاه، فلو كان لدى الرجلِ أربعٌ، وجعَلَ لكلِّ واحدةٍ ثلاثِينَ ليلةً أو أكثرَ، فلا يُوجَدُ مِن صريحِ الشَّرعِ ما يُفرِّقُ بينَ اللَّيلتَيْنِ والثلاثينَ ليلةً.

стр. 1062

ومَن جوَّزَ ما زاد عن ليلةٍ واحدةٍ، فلا دليلَ يَمنعُهُ مِن الزيادةِ على أكثرَ مِن ذلك، وظاهر التعليلِ في منعِ الزيادةِ عن واحدةٍ: أظهَرُ مِن التعليلِ في منعِ ما زاد عن ليلتَيْن وثلاثٍ وسبعٍ وعشرٍ. وإنْ كان الزوجُ في يومِ واحدةٍ، فله أن يتَفقَّدَ حاجةَ الأخرى وَيطمئِنَّ عليها، ولو دخَلَ دخولًا يزيدُ عن قدرِ الحاجة، وقد نصَّ على جوازِه مالكٌ وغيرُهُ، وقد صحَّ مِن حديثِ عائشةَ؛ قالت: "قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَينَا جَمِيعًا، فَيَدْنُو مِن كُلِّ امْرَأةٍ مِن غَيْرِ مَسيسٍ، حَتَّى يَبلُغَ إِلَى الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا فَيَبيتَ عِنْدَهَا"؛ رواهُ أحمد وأبو داودَ (١). وقولُهُ بعدَ ذلك: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] فيه إشار إلى وجوبِ الاعتمادِ على اللهِ؛ فكما يُعِينُ اللهُ طالِبَ الزواج، فإنَّه يُعِين طالبَ الطلاقِ ما قصَدَ رِضوانَ اللهِ واعتمَدَ عليه، ويعينُ المتزوِّجَ، ويُعوِّضُ المطلِّقَ بخيرٍ. * * * قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾ [النساء: ١٣٥]. في الآيةِ: دليلٌ على إقرار الإنسانِ على نفسِه، ولا خلافَ في صِحَّتِه.

стр. 1063

شهادةُ الوالد على ولدِهِ بعضهما على بعضٍ: وفيها: دليلٌ على صحةِ شهادةِ الوالِدِ على ولَدِه، والعَكس، وحُكِيَ الإجماعُ على ذلِكَ؛ لأن التُّهْمةَ: في شهادةِ أحدِهما لصالِحِ الآخَرِ لا عليه، وإنْ كان هذا في الوالِدِ والولَد، فهي في غيرِهما مِن القَراباتِ مِن بابِ أَوْلى، ما لم يَكُنْ هناكَ ظِنَّةٌ تَمنَعُ، وتُهَمَةٌ تُؤثِّرُ؛ كخصومةٍ ونِزاعٍ وحسَدٍ عُرِفُوا به. وذهَبَ الشَّافعيَّةِ: إلى أن شهادةَ الولَدِ على والِدِهِ لا تُقبَلُ في القِصَاص ولا في القَذفِ. وأمَّا شهادةُ الوالِدِ لولَدِه، والعكسُ، فلا تصِحُّ عندَ عامَّةِ العُلَماءِ؛ وهو قولُ الأئمَّةِ الأَربعة، ورُوِيَ عن بعضِ السَّلَفِ صحَّتها؛ رُوِيَ عن قلَّةٍ مِن التَّابعينَ، وقال به إسحاقُ والمُزَنيُّ. شهادةُ الإخوةِ والزوجَينِ بعضهم لبعضٍ: وجوَّزَ مالكٌ شهادةَ الأخِ لأخِيهِ إنْ كان عدلًا إلَّا في النَّسَب، والجمهورُ على منعِ شهادةِ الزوجَينِ بعضِهما لبعضٍ، وجوَّزَها الشافعيُّ، وسببُ الخلافِ: تحَقُّقُ التهمةِ ومُوجِبِها، معَ قيامِ العَدالةِ والأمانةِ وقوَّتِها، وهذا يَرجعُ إلى الحالِ وقَرائنِها، ومواضعِ الشَّهادةِ ومحَلِّها، ومِقدارِ الحقِّ الضائعِ والمحفوظِ بتلكَ الشهادةِ أو عدَمِها، ووجودِ بيِّنةٍ غيرِها أو قرينةٍ تعضُدُها أو تُخالِفها؛ فقد تَقْوى القرائنُ عندَ القاضي في قبولِ شهادةِ القريبِ لقريبِهِ إن جاءَت قرائنُ تُؤكِّدُ صِدْقَه، أو تَعظُمُ المَفسَدةُ على الناسِ برَدِّها ولا تُهَمةَ فيها. وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾؛ يَعني: لا تُحابوا عنيًّا لغِناه، ولا تَرحَموا مِسكينًا لِمَسكَنَتِه؛ قاله ابنُ عبَّاسٍ (١).

стр. 1064

والمرادُ: أنَّ اللهَ قَضَى بِن الجميعِ وهو أعلَمُ بالغني والفقيرِ مِنهم، وهو أحق بمُعامَلتِهم بما يَعلَمُ حِكمَتَهُ، وهذا في قوله: ﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾، ولا يجتمِعُ عَدْلٌ وهوًى، وكلَّما زاد الهَوَى، مال بالعدلِ وانحَرَفَ. وقولُه: ﴿يَاأَيُّهَا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾، لَوَى اللِّسانَ: حرَفَهُ، كما في قولِهِ تعالى: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨]، والمرادُ: حَرْفُ الحُجَّةِ بعدَمِ الإفصاحِ عنها وإبانتها، أو بيانِ بعضِها وتركِ بعضٍ؛ كما يَفعَلُ اليهودُ في كتابهم. والإعراضُ: هو تركُ الحقِّ كلِّه أو بعضِه، فَتأثَّرُ الحقوقُ بذلك، وفي هذا: وجوبُ الإتيانِ بالشهادةِ إنْ كان الحَقُّ لا يثبُت إلَّا بها، ولو لم يُسْتَشهَدِ الإنسانُ عليها؛ وعلى هذا يُحمَلُ قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وقولُ النبي ﷺ : (ألَا أُخبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ ! الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلهَا) (١). * * * قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [النساء: ١٤٠]. في هذه الآيةِ: وجوبُ مفارَقةِ مجالسِ المستهزِئينَ مِن الكفَّارِ والمنافِقينَ؛ حتى لا يكونَ ذلك عونًا وتأييدًا لهم على شرِّهم، وإظهارًا للرِّضا بالسكوتِ؛ فيُشارِكَهُمُ الإنسانُ في الإثمِ.

стр. 1065

أحوال مجالِسِ المعاصي: ومَن جالَسَ قومًا في مجلِسٍ يُستهزَأُ فيه بالله وآيانِه ودينِه، فعلى حالينِ: الأُولى: إنْ كان راضيًا بقولِهِمْ في باطِنه، وعلامةُ ذلك مُشاركتُهُمْ في الضَّحِكِ والانبساطِ على ما يقولونَ؛ فحُكْمُهُ كحُكْمِهم؛ كما في قولِه: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾. الثانية: إنْ كان غيرَ راضٍ لكلامِهِمْ ولا ضاحكٍ ولا منبَسطٍ لقولِهم، فيأخُذ إثمَ السكوتِ عن المُنكَر، والسكوتُ عنِ المنكَرِ بمقدارِه، وأعظَمُ السكوتِ السكوتُ على الكفرِ. وإنما ذكَرَ اللَّهُ المنافِقِينَ والكافِرِينَ في الآيةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾؛ لأنَّ المُتكلِّمَ بالكفرِ كافرٌ، وجَلِيسَهُ الذي لم يُنكِرُ ولم يَقُمْ، وهو قادرٌ: منافِقٌ؛ فإن كان راضيًا ضاحِكًا، كان نِفاقُهُ أكبَرَ، وكَفَرَ باطنًا كالكافِر، وحُشِرَ معَه، ولكنَّ الجلوسَ المجرَّدَ معَ المستهزيء لا يُوجِبُ الكفرَ الظاهِرَ ولا الحَدَّ؛ وإنَّما يَلحَقُ الكفرُ والحَدُّ المتكلِّمَ وحدَهُ. * * * قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢]. فيه: فَرْضِيَّةُ القيام إلى الصلاةِ عندَ وجوبِها، وقد وصَفَ اللهُ المُتكاسِلَ عن الصلاةِ والمَتأخِّرَ عنها بالنِّفاق، فتدُلُّ على ذمِّ فاعلِ ذلك ولو أدَّاها.

стр. 1066

وجوبُ الصلاةِ على وقتها: ويجبُ أداء الصَّلاةِ على المكلَّفِ قبلَ خروجِ وقتِها، وتجبُ على مَن سَمِعَ الإقامةَ مِن الرجالِ عندَ سَمَاعِها؛ لقولِهِ: (إِذَا سَمِعتمُ الإقَامَةَ، فَامشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ)؛ رواهُ الشيخانِ عن أبي هُرَيرةَ (١). وقتُ وجوبِ القيامِ للصلاةِ: والواجبُ عندَ سماعِ الإقامةِ: المشيُ، وليس التهيُّؤَ بالوضوءِ واللِّباس، ومَن غلَبَ على ظنِّه: أنَّه لا يُدرِكُ الجماعةَ لو مَشَى بعدَ الإقامة، وجَبَ عليه الكبرُ بما يُدرِكُها. وظاهرُ الحديثِ: وجوبُ التهيُّؤِ للصلاةِ بالوضوءِ واللِّباسِ قبلَ الإقامةِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمرَ بالمشيِ إلى الصلاةِ بعدَ الإقامة، لا المَشيِ إلى الوضوءِ وغيرِه مما يُتهيَّأ له للصلاةِ. وإدراكُ فضلِ تكبيرةِ الإحرامِ مختَلَفٌ فيه على أقوالٍ: قال أحمدُ: "تُدرَكُ بإدراكِ التكبيرةِ نَفسِها". قال وكيعٌ: "إنَّها تُدرَكُ ما لم يَختِمِ الإمامُ فاتحةَ الكتابِ"! رواه أبو الشيخ الأصبهاني في "طَبَقاتِ المُحدِّثينَ" عنه (٢). ورُوِيَ هذا عن أبي الدَّرداء، واستَنكرَهُ أحمدُ، وهذا القولُ قد يَستقِيمُ في الصلاةِ الجهريَّة، ولكنَّه يُشكِلُ في الصَّلاةِ السِّرِيَّةِ. وقيلَ: تُدرَكُ بإدراكِ القيامِ الأوَّلِ مع الإمامِ؛ ما لم يَركَعْ. وقيلَ: تُدرَكُ بإدراكِ الركوعِ الأوَّلِ؛ وهو قولُ الحنفيةِ.

стр. 1067

والقولُ الأوَّلُ أقرَبُ، وَيليِهِ في القُرْبِ القولُ الثاني؛ وذلك أنَّ إدراكَ تكبيرةِ الإحرامِ يَلحَقُ الإحرامَ، لا يَلحَقُ التأمينَ ولا الركوعَ، فجَعْلُهُ إدراكًا للركوعِ إخراجٌ له عن ظاهرِه، ثمَّ هو لا يستقيمُ على القولِ الثاني في الصَّلاةِ التي تُؤدَّى سِرِيَّةً؛ كالظُّهْرِ والعَصْرِ. وظهَرَ في الآيةِ: أنَّ سببَ التكاسُلِ عنِ الصلاةِ وعدَمِ الخشوعِ فيها هو الرِّيَاءُ، فإنَّ القلبَ إذا تعلَّقَ بالمخلوق، ضَعُفَ اهتِمامُهُ بالخالقِ؛ قال تعالى: ﴿قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾، فامتَلَأَ القلبُ بتعظيمِ الناسِ؛ فضَعُفَ أو خَلَا مِن تعظيمِ اللهِ. * * * قال تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)﴾ [النساء: ١٦١]. تقدَّم الكلامُ على حُرْمةِ الأموالِ وأَكلِها بالباطلِ في أوائلِ سورةِ البَقَرةِ. * * * قال تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ [النساء: ١٧٦]. تقدَّمَ في أوَّلِ سورةِ النِّساءِ الكلامُ على المواريثِ وميراث الإخوة، وأرجَأنا الكلامَ على الكَلَالةِ وميراثِ الجَدِّ مع الإخوةِ إلى هذه الآيةِ.

стр. 1068

الكلالةُ وحكمُهَا: وتُسمَّى هذه الآيةُ بآيةِ الكَلالةِ وآيةِ الصَّيف، والكَلَالةُ لها معَانٍ؛ منها: الإكليل الذي يُحِيطُ بالرَّأسِ مِن جَوَانبِه؛ إشارةً إلى أنَّ القَرَابةَ ليست أصلًا ولا فرعًا؛ يعني: لا فَوْقًا كالأبِ، ولا تَحْتًا كالابن، ومِن مَعانيها: مَن لم يَكُنْ لَحًّا مِن القرابةِ؛ يعني: قريبًا، فيقالُ: فلانٌ ابنُ عمِّ فلانِ لَحًّا، وفلانٌ ابنُ عمِّ فلانٍ كَلالةً. وإنَّما سمَّاها النبيُّ ﷺ آيةَ الصَّيْفِ؛ لأنَّه نزَلَ في الكَلالةِ آيَتانِ: آيةَ في الشِّتاء، وهي ما تقدَّمَ في أوَّلِ النِّساءِ: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢]، وآية في الصَّيف، وهي هذه الآيةُ، آخِرُ آيةٍ مِنَ النِّساءِ. كما روى مسلمٌ في "صحيحِه"؛ مِن حديثِ مَعْدَانَ بنِ أبي طَلْحَةَ؛ أن عُمرَ بنَ الخطَّابِ خَطب يومَ الجُمُعة، فذكَرَ نبيَّ اللهِ ﷺ ، وذكَرَ أبا بكرٍ؛ قال: "إِنِّي رَأيتُ كَأنَّ دِيكًا نَقَرَنِي ثَلَاثَ نَقَرَاتٍ، وإِنِّي لَا أراهُ إِلَّا حُضُورَ أَجَلِي، وَإِنَّ أَقوَامًا يَأمُرُونَنِي أَن أَسْتَخلِفَ، وإِنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ لِيُضَيِّعَ دِينَهُ، وَلَا خِلَافَتَهُ، وَلَا الَّذِي بَعَثَ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ ، فَإِنْ عَجِلَ بِي أمْرٌ، فَالخِلَافَةُ شُورَى بَيْنَ هَؤُلَاءِ السِّتَّة، الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَنهُمْ رَاضٍ، وَإنِّي قَدْ عَلِمتُ أن أقوَامًا يَطْعَنُون فِي هَذَا الأمْر، أَنَا ضَرَبْتُهُمْ بِيَدِي هَذِهِ عَلَى الإِسْلَام، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَأُولَئِكَ أَعْدَاءُ اللهِ الْكَفَرَةُ الضَّلَّالُ، ثُمَّ إِنِّي لَا أَدَعُ بَعْدِي شَيْئًا أهَمَّ عِنْدِي مِنَ الكَلَالَة، مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي شَيءِ ما راجعْتُهُ فِي الكَلَالَة، وما أَغلَظَ لِي فِي شَيءٍ مَا أغْلَظَ لِي فِيهِ، حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِي صَدْرِي، فَقَالَ: (يَا عُمَرُ، أَلَا تَكفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورةِ النِّسَاءِ؟ ! )، وإِنِّي إِن أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا

стр. 1069

بِقَضِيَّةٍ، يَقْضِي بِهَا مَن يَقرَأ القُرآنَ وَمَن لَا يَقرَأ الْقُرآنَ … " (١). والكلالةُ في أولِ سورة النِّساءِ هي مَنْ لا ولَدَ له وإن نزَلَ، ولا والِدَ له وإن عَلَا، وأمَّا الكلالة في هذه الآية، فقد اختُلِفَ فيها اختلافًا عريضًا، وقد ثبتَ عنه في "الصحيحَينِ"؛ أنَّه قال: ثَلَاث أيُّهَا النَّاسُ، وَدِدتُ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ عَهِدَ إِلَينَا فِيهِنَّ عَهْدًا نَنْتَهِي إِلَيهِ: الجَدُّ، وَالكَلَالَةُ، وَأَبوَابٌ مِن أَبْوَابِ الرِّبَا" (٢). وإنَّما لم يقضِ فيها النبيُّ ﷺ ، لأنَّها آخِرُ الآياتِ نزولًا، ولم يَطُلْ بقاؤُهُ بعدَها كثيرًا، ولم يَقُمْ مُوجِبُ القضاءِ بها في زَمَنِه، وقد روى البخاريُّ ومسلِمٌ عن البَرَاءِ؛ قال: "آخِرُ سُورةٍ نَزَلَت: (بَرَاءَةُ)، وَآخِرُ آيَةِ نَزَلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ (٣). وقد كان السَّلَفُ يَستَشكِلونَها ويَستثقِلُونَ الكلامَ فيها؛ لأنها تتعلَّقُ بالأموالِ والحقوقِ، وهي مبنيَّةٌ على المُشاحَّةِ لا على المُسامَحةِ، والعاقبةُ فيها في الدُّنيا والآخِرَةِ شديدةٌ لِمَن قضى فيها بغيرِ علمٍ وبيِّنةٍ، وقد سأل رجلٌ عُقبةَ عن الكلالةِ؟ فقال: أَلَا تَعْجَبُونَ من هذا؟ ! يَسألُني عنِ الكلالةِ! وما أعضَلَ بأصحابِ النبيِّ ﷺ شيءٌ ما أعضَلَت بهِمُ الكَلالةُ (٤). وقد اجتَهَدَ فيها الصحابةُ؛ حَسْمًا للنِّزاعِ، ورَفْعًا للحَرَجِ، وهم معذورونَ مأجورون؛ لأنَّ بعضَ الأحكامِ التي لا دليلَ فيها صحيحًا صريحًا لو تُرِكَتْ مع قيامِ حاجةِ الناسِ إليها، وقَعَ مِن النِّزاعِ والشِّقاقِ

стр. 1070

أعظَمُ مِن تَبِعَتِها على المجتهِدِ المُخطِئِ فيها، وهذا مِن الفقهِ لا مِن التعدِّي على المسائلِ الشرعيَّةِ بلا عِلْم، ولأنَّ اللهَ لا يسكُتُ عَن حُكمٍ ولا يُبيِّنُهُ في كتابهِ ولا يفصِّلُ فيه في سُنَّةِ نبيِّه ﷺ إلَّا ويجعلُ فيه مِن السَعَةِ للمجتهِدِينَ أَن يَقْضوا فيه بما يُوافِقُ الأصولَ ولا يُعارِضْها، ويجري مَجرى الفروعِ ولا يُعطِّلُها، وقد جاء تفسيرُ الكلالةِ عَنِ السَّلَفِ والفُقهاءِ على معَانٍ: الأوَّلُ: ما قضى أبو بكرٍ به في الكَلَالة، وتَبِعَهُ عُمَرُ؛ أنَّ الكلالةَ هي ما عَدا الوالِدَ والولَدَ؛ رواهُ الدَّارِمي مِن حديثِ الشعْبيِّ عنهُما (١). ومُرادُهما: كلُّ مَن ماتَ وليس له والدٌ ولا ولَدٌ، مهما كان وارثُهُ الموجودُ زوجًا أو أخًا أو غيرَهما. الثاني: أنَّ الكَلَالةَ هي مَن لا ولَدَ له؛ وبهذا قال مِن الصحابةِ: ابنُ عُمَرَ وابنُ عبَّاسٍ، ورُوِى قولًا لعُمرَ صحيحًا؛ أخرَجَهُ ابنُ جرير عنه (٢)، وبه قال طاوسٌ. وأخَذَ مَن جعَلَ الكَلَالةَ هي فَقْدَ الولَدِ وحدَهُ ولو كانَ الوالدُ موجودًا - بظاهِرِ قولِه تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾. وتُعُقِّبَ: بأنَّ عدَمَ ذِكْرِ الوالدِ للعِلْمِ به؛ لأنَّ الآيةَ نزَلَت في حالِ جابرٍ، ولم يكنْ له والِدٌ ولا ولَدٌ حِينَ نُزولها؛ ففي "الصحيحين"، عن حابرٍ؛ قال: "مَرِضْتُ فَأتَانِي رَسْولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكرٍ يَعُودَانِي مَاشِيَين، فَأُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضوئِه، فَأفَقْتُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، كَيفَ أَقضِي فِي مَالِي؟ فَلَم يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا، حَتَّى نزَلَتْ آيَةُ المِيرَاثِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾؛ واللفظُ لِمُسلمٍ (٣).

стр. 1071

ميراثُ الأبِ والإخوة: ثمَّ إنَّ الوالِدَ هو الأبُ وإن علا؛ كالجَدِّ وأبي الجَدّ، ولم يُذكَرْ في الآيةِ؛ حتَّى لا يدخُلَ في أوَّلُ داخلٍ، وهو الأبُ، فيُظَنَّ أنَّ الإخْوةَ يَرِثُونَ معَ الأبِ، وهم لا يَرِثْونَ بالإجماعِ؛ فهو يحجُبُهم بلا خلافٍ، كما حكى الإجماعَ ابنُ المُنذِرِ وغيرُه (١)، ولم يُخالِف في هذا إِلَّا الرافِضة، ورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ، ولا يَصِحُّ. ميراثُ الإخوةِ لأبٍ مع الأشقَّاء: وميراثُ الأخوةِ لأبٍ مع الإخوةِ الأشِقَّاءِ كميراث بني الابنِ مع الابنِ مِن الصُّلْبِ بلا خِلافٍ؛ فلا يَرِثُ الإخوةُ لأبٍ مع الإخوةِ الأشِقَّاءِ شَيْئًا، ولا يَرِثُ الأخواتُ لأبٍ مع الأخواتِ الشقيقاتِ شيئًا؛ لأنَّهُنَّ استَكمَلْنَ الثُّلُثَينِ؛ وذلك لأنَّ حُكْمَهُنَّ كحُكمِ بناتِ الابنِ مع الجَمْعِ مِن بناتِ الصُّلْبِ؛ وهذا لا خلافَ فيه. وأمَّا إن كان مع الأخواتِ لأبٍ أخٌ ذكَرٌ، فقال جمهورُ العلماءِ؛ إنَّه يُعصِّبهنَّ بما تبقَّى مِن المالِ بعدَ الثُّلثَيْن، كما يعصِّبُ ابنُ الابنِ بناتِ الابن، وقيلَ: إنَّ المالَ للأخِ دونَهُنَّ؛ وبِهذا قال أبو ثَوْرٍ. ورُوِيَ عنِ ابنِ مسعودٍ: أنَّ الأخَ لأبٍ يعصبُ الأخواتِ لأبٍ معَهُ إن كان حقُّه فَرْضًا، وهو السُّدُسُ تكمِلةَ الثُّلثَيْن معَ الأختِ الواحدةِ التي تَستحِقُّ النِّصفَ، فالسُّدسُ الباقي بَينَهُ وبينَ مَن معَه مِن الأخواتِ لأبٍ، للذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثيَيْن، وإن أخَذَهُ تعصيبًا بما بَقِيَ مِن المالِ بعدَ استكمالِ الثُّلثَيْنِ وهو الثُّلُثُ، فالباقي له، ولا يُعصِّبُ أخواتِه معَهُ. ولا خلافَ عندَ العلماءِ في أنَّ الأخوةَ لأبٍ يقومونَ مقامَ الإخوةِ الأشِقَّاءِ عندَ فَقدِهم، كما يقومُ أبناءُ الابنِ مقامَ أبناءِ الصُّلْبِ عندَ فقْدِهم.

стр. 1072

ومِن صُوَرِ الكَلالةِ التي وقَعَ فيها خِلافٌ: لو ماتَ ميِّتٌ عن بنتٍ وأخٍ لأبٍ وأختٍ سقيقةٍ، فاتَّفَقَ العلماءُ: أنَّ البنتَ لها النِّصفُ، واختَلَفُوا في النِّصْفِ الباقي: فالذي عليه جمهورُ العلماءِ: أنَّ الباقيَ للأخت، ولا شيءَ للأخِ لأبٍ. وذهَبَ ابنُ عبَّاسٍ: أنَّ النِّصْفَ الباقيَ للأخِ دون الأختِ الشقيقةِ. ولا خلافَ عند الفقهاءِ؛ أنَّ الأخَ يعصِّبُ أخَواتِهِ فيَأخُذنَ ما بَقِيَ بعدَ الفرضِ. المُشَرَّكةُ وحكمُها: ووقعَ الخلافُ في المُشَتَركةِ أو المُشرَّكةِ أو الحِمَارِيَّة، وهي هَلاكُ الهالكةِ عن زوجِها وأمِّها وأخَوَيْنِ لأُمٍّ وإخوةٍ أشقَّاءَ - على قولَينِ: هل يتَقاسَمُ الإخوةُ ما تبقَّى مِنَ المالِ جميعًا، أم لأهلِ الفرائضِ ولا يبقى للإخوةِ شيءٌ؟ والقولانِ هُما روايتانِ عن زيدِ بنِ ثابتٍ: الأول: أنَّ المالَ لأهلِ الفرائض، ولا يبقى للإخوةِ شيءٌ؛ وإلى هذا ذهب أحمَدُ، وهو قضاءُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ وأبَيِّ وأَبي مُوسى وابنِ مسعودٍ. وذلك لقولِ النبي ﷺ : (اقْسِمُوا المَالَ بَينَ أَهْلِ الفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ الله، فَمَا تَرَكَتِ الفَرَائِضُ، فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ) (١). الثَّاني: أنَّ المالَ يُقسَمُ بينَهم؛ وإلى هذا ذهَبَ مالكٌ والشافعيُّ والثوريُّ وكثيرٌ مِنَ التَّابعينَ؛ كشُرَيحٍ ومسروقٍ وابنِ المسيَّبِ وعُمرَ بنِ

стр. 1073

عبدِ العزيزِ وطاوسٍ؛ وذلك أنَّهم يُشارِكونَ إخوانَهم في النَّسَبِ الذي يَمُنُّونَ إلى الميِّتِ به، فوجَبَ أن يُشرِكوهم في الميراثِ. ميراثُ الأَخَواتِ: وتأخذُ الأختُ مع عدَمِ الوالدِ النِّصْفَ؛ فقد روى أحمدُ، عن أبي بكرِ بنِ عبدِ الله، عن مكحولٍ وعَطيَّةَ وَضَمْرَةَ وراشدٍ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ؛ أَنَّهُ سُئِلَ عَن زَوْجٍ وَأُخْتٍ لأُمٍّ وَأبٍ، فَأَعْطَى الزَّوْجَ النِّصْفَ، وَالأُخْتَ النِّصْفَ، فَكُلِّمَ فَي ذَلِكَ، فَقَالَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى بِذَلِكَ (١). والأخَواتُ عَصَبةٌ معَ البناتِ، وإن لم يَكُنْ معَهُنَّ أخٌ عندَ عامَّةِ العُلَماءِ؛ كمَنْ ماتَ عن بنتٍ وأختٍ، فلا خلافَ في أنَّ للبنتِ النِّصْفَ، واختلِفَ في ميراثِ الأختِ على قولَينِ: الأوَّل: أنْ لا مِيراثَ للأُختِ؛ لأن البنتَ حجَبَتْها؛ لأنَّها ولَدٌ؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾؛ وذلك أن الوالدَ ترَكَ بِنتًا، ومَن ترَك بِنتًا، فقَدْ ترَكَ ولَدًا؛ فلا شيءَ للأُختِ. وهذا القولُ رُوِيَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ الزُّبَير، وعدَّه ابنُ جريرٍ غريبًا؛ لِمخالَفةِ الأمَّةِ له، وقال: اتَّفقَ جميعُ أهلِ القِبْلةِ على أنَّ الباقيَ للأخْتِ (٢). وأخبَرَ الأسوَدُ بن يَزيدَ بنَ الزبيرِ بقضاءِ مُعاذِ في بنتٍ وأختٍ، فرَجَعَ عن قولِهِ هذا. الثاني: قولُ عامَّةِ العُلَماءِ: أنَّ للبنتِ النِّصْفَ بالفَرْضِ، وللأختِ

стр. 1074

النِّصْفَ الآخَرَ بالتعصيبِ؛ وهو الصحيحُ؛ لأنَّ آيةَ الكَلالةِ تكلَّمَت عن مِيراثِ الفَرْضِ، وميراثُ الأختِ هنا مع البنتِ ليس فَرْضًا، بل تعصيبًا؛ لِمَا روى البخاريُّ، عن سُلَيمَانَ، عن إِبْرَاهِيمَ عن الأسوَدِ؛ قال: "قَضَى فِينَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ النِّصْفُ لِلابْنَة، وَالنِّصْفُ لِلأخْت، ثُمَّ قَالَ سُلَيمَانُ: قَضَى فِينَا، وَلَمْ يَذْكُرْ: عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ (١). وكذلك ما رواهُ البخاري، عن هُزَيلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: "سُئِلَ أَبُو مُوسَى عَنْ بنتٍ وَابْنةِ ابْنٍ وَأُختٍ، فَقَالَ: لِلبِنْتِ النِّصْفُ، وَللأُختِ النِّصْفُ، وَأْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ، فَسَيُتَابِعُنِي، فَسُئِلَ ابنُ مَسْعُودٍ، وَأُخبِرَ بِقَوْلِ أبِي مُوسَى، فَقَالَ: لَقَدْ ضَلَلْت إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ المُهتَدِينَ! أقضِي فِيهَا لِمَا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ : لِلابْنَةِ النِّصْفُ، وَلِابْنَة ابْنٍ السُّدُسُ تَكمِلَةَ الثُّلُثَيْن، وَمَا بَقِيَ فَلِلأُخْت، فَأَتَينَا أَبَا مُوسَى فَأَخبَرنَاهُ بِقَوْلِ ابنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: لَا تَسأَلُوني مَا دَامَ هَذَا الحَبْرُ فِيكُمْ" (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾، ولم يَذكُرِ اللهُ شَرْطَ عدَمِ الوالد، وهو الأبُ والجَدُّ، فخرَجَ الأبُ بالإجماعِ: أنَّه يَحجُبُ الأخَ، وقد أجمَعَ العُلَماءُ: على أنَّ الجَدَّ لا يَرِثُ مع وجودِ الأَبِ، ولا يحجُبُ الجَدَّ إلا الأبُ، وأجمَعوا على أنَّ الجدَّ الرَّحِميَّ - وهو مَن تَدخُلُ في نِسبَتِهِ إلى الميِّتِ أُنثى - لا يَرِثُ معَ وجودِ أصحابِ الفرضِ والتعصيبِ؛ لأنَّه يُعَدُّ مِن ذوي الأرحامِ. ميراثُ الجَدِّ مع الإخوة: وأمَّا الجَدُّ، فهَل يرِثُ معَ الإخوةِ أو لا؟ فاتَّفَقُوا على أنَّ الجَدَّ

стр. 1075

الصحيحَ الذي لا تَدخُلُ في نِسْبَتِهِ إلى الميِّتِ أُنْثى: يحجُبُ الإخوةَ لأمٍّ، واختَلَفُوا في الإخوةِ الأشقاءِ والأخوةِ لأبٍ معَ الجَدِّ الصَّحيحِ على قولَيْنِ في مذهب أحمدَ: ذهَبَ أبو بكرٍ: إلى عدَمِ توريثِ الإخوةِ - أشقَّاءَ ولأبٍ ولأمٍّ - مع الجَدِّ؛ فأنزَلَ الجَدَّ مَنزِلة الأب، وكان الناسُ على قولِه في حياتِه، ولم يُخالِفهُ أحدٌ مِنَ الصحابةِ في زَمَانِهِ؛ وذلك أنَّ الجَدَّ أبٌ؛ كما قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٨]، وقال: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]؛ وهو قولُ ابنِ عبَّاسِ وابنِ الزُّبَيرِ؛ قالا: الجدُّ أبٌ. وقال ابنُ عبَّاسٍ: "يَرِثُني ابنُ ابني دونَ إِخوَتي، ولا أرِثُ أنا ابنَ ابني؟ ! " (١). وقال به أبو موسى وجماعةٌ مِن الصحابة، وهو مذهب أبي حَنِيفةَ وأحَدُ قولَيْ أحمدَ؛ رجَّحَه ابن تيميَّةَ وغيرُه. وذهَبَ جماعةٌ: إلى أنَّ الحَدَّ لا يحجُبُ الإخوةَ الأشقَّاءَ والإخوةَ لأبٍ، وإنَّما يحجُبُ الجدُّ الإخوةَ لأمٍّ فقَطْ؛ وذلك أنَّ الإخوةَ يتَساوَونَ معَ الجدِّ في سبَبِ الاستحقاقِ الذي أدْلَوْا به؛ فكِلاهُما اتَّصَلَ بالميْتِ بواسطةِ الأبِ؛ لأن الجدَّ أبُو الأب، والأخَ ابنُ الأبِ. وصحَّ ذلك عَن عُمرَ وعلي وابنِ مسعودِ وزيدٍ؛ وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وقولٌ لأحمدَ. واختَلَفوا في مِقدارِ حق الجَدِّ في الميراثِ مع الإخوةِ:

стр. 1076

فكان عمرُ يُعطِيهِ السُّدُسَ، ثمَّ قال: إنَّا نخافُ أن نكونَ أَجحَفْنا بالجَدِّ، فأعطاهُ الثُّلُثَ؛ رواهُ محمَّدُ بنُ نصرٍ بسندٍ صحيحٍ عن عَبيدةَ بنِ عَمرٍو (١). وأخرَجَ سعيدُ بنُ مَنْصورٍ، عن عُبَيدِ بنِ نُضَيْلَةَ؛ أنَّ عُمَرَ وابنَ مسعودٍ كانا يُقاسِمانِ الجَدَّ مع الإخوَةِ ما بينَهُ وبينَ أن يكونَ السُّدُسُ خيرًا له مِن مُقاسَمةِ الإخوةِ (٢). وكان عليٌّ يُعطِيهِ السُّدُسَ بكلِّ حالٍ. وإنَّما اختلَفَ اجتهادُهم؛ لأنَّه ليس في المسألة نَصٌّ صريحٌ مِن الكتابِ والسُّنَّةِ في أصلِ حقِّ الإخوةِ معَهُ في الميراثِ. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾؛ يَعني: الأختَ، فيَرِثُ الأخُ أختَهُ بلا خلافٍ بكامل مالِها، إن لم يَكُنْ لها والِدٌ ولا ولَدٌ، فإنَّهم يَحْجُبُونَ الأخَ، وإن كان للأخ زوجٌ فيَرِثُ الزوجُ نصيبَهُ والباقي للأخِ. وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾، وحُكمُ ما زادَ عن الانثيَيْنِ مِن الأخَواتِ حُكمُ الأخَتَينِ. وعلى هذه الآيةِ: قاسَ العلَماءُ حُكمَ البِنتَيِنِ على حُكمِ الأُخْتَيْنِ؛ فلهما الثُّلثان، ومِن آيةِ البناتِ في أوَّلِ النِّسَاءِ: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] قاسَ العُلَماءُ ما زادَ على الأُختَيْنِ على حُكمِ ما زاد على البِنْتَيْنِ؛ فلهنَّ جميعًا الثُّلثانِ. وقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾،

стр. 1077

وهذا في الأولادِ وأولادِ الأولادِ والإخوةِ؛ ذكورًا إناثًا؛ لِلذَّكَرِ مِثلُ حظِّ الأنثيَيْنِ تعصيبًا لكلِّ طبَقةٍ مع طَبَقتِهِ مِن الجِنسَينِ. وقولُه تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ دليلٌ على أنَّ الخروجَ عن حُكمِ اللهِ ضلالٌ عن الحقِّ وإنِ استحسَنَهُ الناسُ. * * *

стр. 1078

سلسلة منشورات مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض (١٦٦) التفسير والبيان لأحكام القرآن تأليف عبد العزيز بن مرزوق الطريفي غفر الله له ولوالديه وللمسلمين المجلد الثالث [من المائدة إلى يوسف]

стр. 1079

التَّفسِيْرُ وَالبَيَان لِأَحكَامِ القُرآن (٣)

стр. 1080

جميع حقوق الطبع محفوظة لدار المنهَاج بالريّاض الطبعَة الأولى ١٤٣٨ هـ مكتبة دار المِنهَاج للنشر والتَّوزيع المملكَة العَربيَّة السّعُوديَّة - الرّيَاض المركز الرئيسي - الدّائري الشرقي - مَخرَج ١٥ - جنوب أسوَاق المجد ت: ٤٤٥٦٢٢٩ - فاكس: ٤٩٦٢٠١٤ - ص ب: ٥١٩٢٩ - الرّياض: ١١٥٥٣ الفرُوع - طريق خالد بن الوليد (إنكاس سَابقًا) ت: ٢٣٢٣٠٩٥ مكة المكرمة - الجميزة - الطريق النازل للحَرَم - ت: ٥٧٦١٢٧٧/ ٠٢ المَدينَة النَّبويَّة - أمَام الجَامِعَة الإسلامية من جهة الجنوب - ت: ٨٤٦٧٩٩٩/ ٠٤ حِسَاب الدَّار في مَوقع تويتر: Alminhajj@

стр. 1081

سورة المائدة سورةُ المائدةِ مَدَنِيَّةٌ، وجُلُّ أحكامِها في الفروع، ولذا بدَأ اللهُ بخطابِ المؤمِنينَ فيها خاصَّةً دون غيرِهم، وسورةُ المائدة سورةٌ طويلةٌ نزَلَت دَفعَةٌ واحدةٌ لا مُقسَّمةً، ولا يشابِهُها بهذا مِن الطِّوَالِ فيما أعلَمُ شيءٌ. وقد روى أحمدُ في "المُسنَدِ"؛ مِن حديثِ أسماءَ بنتِ يَزيدَ؛ قالت: "إِنِّي لآخذةٌ بِزِمَامِ الْعَضبَاءِ - نَاقَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذ أنزلَت عَلَيهِ المَائِدَةً كُلُّهَا، فَكَادَتْ مِن ثِقَلِهَا تَدُقُّ بِعَضُدِ النَّاقَةِ" (١). وجاء نحوُهُ مِن حديثِ عبد اللهِ بنِ عمرِو (٢)، وحديثِ أم عمرٍو، عن عمَّتِها (٣)، وجاء أنَّها آخِرُ سورةٍ نزلَت على رسولِ اللهِ ﷺ ؛ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو (٤)، وعائشةَ (٥)، وغيرِهما. ومِن خصائصِها عن الطِّوالِ: أنَّها نزلَت كامِلةً، وأن المنسوخَ منها قليلٌ؛ حتى قال الحسنُ: "لم يُنسَخْ منها شيءٌ" (٦)، وقيل: بنسخِ آيةٍ أو آيتينِ منها؛ على ما يأتي تفصيلُه. وقد قال أحمد بن حنبلِ: "في المائدة ثمانِيَ عشرَةَ فريضةً حلالٍ

стр. 1082

وحرام يُعْمَل بها، وليس فيها شيءٌ لا يُعمَلُ به إلا آيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ (١). وإنما كانت سورة المائدةِ محكمةً؛ لأنها آخِرُ سورةٍ نزلت كاملة؛ كما قال أحمد: "إنَّ أوَّل شيءٍ نزَلَ مِن القرآن: (اقرأ)، وآخر شيءٍ نزَلَ من القرآن: المائدةُ" (٢). * * * قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)﴾ [المائدة: ١]. الخطابُ في الآيةِ للمؤمِنينَ؛ ولذا قال ابنُ مسعودٍ: "إذا سمِعتَ اللهَ يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فأَرْعِها سَمْعَك؛ فإنَّما هو خيرٌ يأمُرُ به، أو شرٌّ يَنهَى عنه" (٣). أنواع العقود والعهود: وأولُ أمرٍ بدَأ به هو الوفاءُ بالعقود، وهي العهودُ والمواثيقُ التي تكونُ بينَ الناسِ أفرادًا وجماعاتٍ ودُوَلًا؛ فالعقودُ هي العهود، والمرادُ بالعهودِ في الآيةِ نوعان، وكلُّها خصَّها اللهُ بالذِّكْرِ في كتابِه: الأول: العهود التي أخَذَها اللهُ على الناسِ في كتابِهِ مِن أوامِرَ ونَوَاهٍ وتشريعاتٍ، وسُمِّيَت عهودًا وعقودًا باعتبارِ الميثاقِ الأولِ الذي أخَذَهُ اللهُ عليهم بعدَما أخرَجَهُم منِ ظَهْرِ أبيهِم آدمَ، فَقَرَّرَهم بربوبيَّتِهِ وحقِّه، وأشهَدَهُمْ على ذلك، وكذلك باعتبارِ الخَلْقِ، فالخلقُ في طوعِ الخالقِ؛

стр. 1083

لأنَّه يَملِكُهم وما يَمْلِكونَ، فيجبُ إن أمَرَهُم أن يأتَمِرُوا، وإنْ نَهَاهُم أن يَنتَهُوا، ولو لم يُعَاهِدْهُمُ ابتداءً على كلِّ أمرٍ ونهيٍ بخصوصِه، فبمجرَّدِ الأمرِ والنهي يجبُ عليهم الوفاءُ؛ وذلك أن مالكَ الشيء يَملِكُ ما دونَهُ؛ فإنَّ السيِّدَ يَملِكُ عَبدَهُ وأمَتَه، ومِن مُقتضى مِلْكِهِ طاعتُهُمْ له عندَ الأمرِ أو النهي. وأولُ العهودِ والعقودِ التي يجبُ الوفاءُ بها: توحيدًا للهِ وعدمُ الإشراكِ معه في عبادتِهِ شيئًا، وهو العهدُ الذي أخَذَهُ على جميع الأُمَمِ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ [يس: ٦٠]، وقولِهِ في البقرةِ والرعدِ: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧]، ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [الرعد: ٢٥]، ومَدَحَ المُؤمنِينَ بعهدهِ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠)﴾ [الرعد: ٢٠]. ويدخُل في ذلك: امتثالُ كلِّ أمرٍ واجتابُ كلِّ نهيٍ، ولو أنشأهُ الإنسانُ على نفسِه كالوفاءِ بالنَّذْرِ واليمينِ؛ لأنَّ كلَّ ذلك عقدٌ بينَ العبدِ وربِّه. وهذا النوعُ هو المقصودُ الأوَّلُ بالخطابِ في الآية، والنوعُ الثاني التالي داخِلٌ فيه تَبَعًا؛ لأنَّ مُقتضى حقِّ اللهِ: العدلُ مع خَلْقِه، وعدَمُ ظُلْمِهم؛ كما روى عليُّ بن أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قوله، ﴿أوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾؛ يعني: "ما أَحَلَّ وما حَرَّمَ، وما فرَضَ، وما حَدَّ في القرآنِ كلِّه؛ فلا تَغدِرُوا ولا تَنكُثُوا، ثمَّ شدَّدَ ذلك، فقال: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة: ٢٧]، إلى قولِهِ: ﴿سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] (١).

стр. 1084

الثاني؛ العهودُ التي تكونُ بين الناسِ؛ لأن أمْرَ الناسِ لا يستقيمُ في دمائِهم وأموالِهم وأعراضِهم إلَّا بإعطاءِ الحقوقِ وحِفظِها، ولا نُحفَظُ الحقوقُ إلا بالعهودِ والعقودِ والمواثيق، فيجب الوفاءُ بها مع كلِّ مَن أُبرِمَت معه، مسلِمًا كان أو كافرًا. وهذا النوعُ كقولِهِ تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١]، وقولِهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)﴾ [المؤمنون: ٨، والمعارج: ٣٢]، وقولِهِ تعالى في مالِ اليتيمِ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء: ٣٤]. ويكون هذا العهدُ فيما بينَ المؤمِنينَ أفرادًا وجماعاتٍ، ويكون بين المشرِكينَ أفرادًا وجماعاتٍ، وفي المؤمِنينَ أفرادًا؛ كما في مالِ اليتيم، وفي البُيُوعِ، وفي الأماناتِ والرَّهْنِ والوعودِ والنُّصْرةِ والإعانةِ؛ فالوفاءُ بذلك واجبٌ حسَبَ القدرة، وهو مِن العباداتِ. العقُود بين المسلِمِين والكفار: ويكونُ بينَ المؤمِنينَ والكفارِ أفرادًا وجماعاتٍ؛ بينَ الأفرادِ؛ كمعاملاتِ المسلِمِ للكافرِ بعقودِه، كالبيع والشراءِ والأمانِ؛ كما قال تعالى في أولِ براءة؛ ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)﴾ [التوبة: ١]؛ فالأصلُ: وجوبُ الوفاءِ بعهدِهم؛ كما في قولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤]. خيارُ المَجْلِسِ: ولا دليلَ في هذه الآيةِ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ على نفيِ خِيَارِ المَجْلِسِ،

стр. 1085

لعمومِ الآيةِ وخصوصِ الحديثِ الواردِ في الخِيارِ؛ كما في "الصحيحينِ"، مِن حديثِ ابنِ عمرَ مرفوعًا: "البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا" (١)، وعادةُ القرآنِ: العمومُ والغائيَّة، والسُّنَّةُ: أوليَّةٌ تفصيليَّةٌ، والقولُ بالخيارِ لا يَتعارَضُ مع الوفاءِ بالعهدِ والعقدِ؛ وإنما يقيِّدُهُ ويبيِّنُهُ ويفصِّلُهُ، فمن مقتضَيَاتِ وجوبِ الوفاءِ بالعهدِ والعقد: العملُ بشرطِه، والتَّفرُّق بِرِضًا عليه. وكلَّما عَظُمَ أثرُ العقد، اشتَدَّ الأمرُ بالوفاءِ به، ولو كان أحدُ الطرَفينِ كافِرًا أو محارِبًا، فمَن وَفَى بعهدِه، وجَبَ الوفاءُ له. وقد عاهدَ بعضُ الصحابةِ قريشًا؛ ألَّا يُقاتِلُوا مع النبيِّ ﷺ في بَدْرٍ، فمَنَعَهمُ النبي ﷺ مِن القتالِ؛ للعهدِ الذي جعَلُوهُ معهم؛ ففي "صحيحِ مسلمٍ"، عن حُذَيفَةَ بنِ اليَمَانِ؛ قال: "مَا مَنَعنِي أنْ أَشهَدَ بَدْرًا إِلَّا أنِّي خَرَجتُ أنَا وأبي حُسَيْلٌ، قَال: فَأخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيش، قَالُوا: إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا؟ ! فَقلنَا: مَا نُرِيدُهُ، مَا نُرِيدُ إلا المَدِينَةَ، فَأخَذُوا مِنَّا عَهدَ الله وَمِيثَاقَهُ، لَنَنصَرِفَنَّ إِلَى المَدِينة، وَلَا نُقَاتِلُ مَعَهُ، فَأتَينا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأخبَرنَاهُ الخَبَرَ، فَقَال: (انْصَرِفَا، نَفِي لَهُمْ بِعهدِهِم، وَنَستعين اللهَ عَلَيهِم) (٢). وقد اجتمَعَتْ بطونُ قريشٍ في بيتِ عبد اللهِ بنِ جُدْعَانَ، فتعاهَدُوا على ألَّا يَجِدُوا بمكَّةَ مظلومًا من أهلِها أو غيرِهم إلا قاموا معه حتَّى تُرَدَّ عليه مَظلَمَتُهُ، وسُمِّيَ ذلك الحِلْفُ: حِلْفَ الفُضُول، وقد قال في هذا الحِلفِ الرسولُ ﷺ : (لقَدْ شَهِدتُ فِي دَارِ عبْدِ اللهِ بنِ جُدْعَانَ حِلفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لي بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ، وَلَو أُدْعَى بِهِ في الإسلَام، لأَجبتُ) (٣).

стр. 1086

ما يحِلُّ مِن البهائِمِ: وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: العربُ تسمِّي الإبل والبَقَرَ والغَنَمَ أنعامًا، ولكن المرادَ بالآيةِ: عمومُ البهائم، الإنسيَّةِ؛ كالإبلِ والبقرِ والغنم، والوحشيَّةِ؛ كالغَزَالِ وحِمارِ الوحش، لأنَّ اللهَ استثنَى بعدَ ذلك مِن الأنعامِ أوصافًا يدخلُ فيها الإبلُ والبقرُ والغنمُ وغيرُها، وذلك في قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، وهذا استثناءٌ مِن بهيمةِ الأنعام، والأنعامُ الإنسيَّةُ لا تُصادُ. وفي هذه الآيةِ؛ دليلٌ على إباحةِ كلِّ بهيمةٍ مِن كلِّ نوعٍ، وعلى كلِّ صورةٍ، وعلى كلِّ سنٍّ صغيرِها وكبيرِها، ولا يُستنثى مِن أحوالها إلا ما دلَّ الدليلُ على استثنائِهِ؛ كالدمِ والمَيتَةِ وما ذُبِحَ لغيرِ اللهِ منها. حكمُ جنين البهيمةِ: وقد استدَلَّ جماعةٌ مِن الصحابةِ بعمومِ هذه الآيةِ على حِلِّ الجنينِ في بطنِ أمِّهِ لو وُجِدَ ميِّتًا في بطنها بعدَ ذَكَاتِها؛ وهو قولُ ابنِ عمرَ وابنِ عبَّاسٍ. أحوالُ موتِ الجنين في بطنِ أمِّه: والجنينُ في بطنِ أمِّه يأخُذُ حُكمَها إنْ كان ميِّتًا في بطنها؛ وهو بموتِهِ في بطنِها معها على حالتينِ: الحالةُ الأُولى: إنْ كانت أمُّهُ لا تَحِلُّ بموتِها بخَنْقٍ أو وَقذٍ أو نَطْحٍ أو تَرَدٍّ أو ذبحٍ لغيرِ الله، فجَنِينُها مُحرَّمٌ مِثْلُها؛ فهو عضوٌ منها يحرُمُ كحُرْمةِ يدِها ورِجْلِها وأَلْيَتِها. الحالةُ الثانيةُ: إن كانت أمُّه ماتتْ بصورةٍ مباحةٍ؛ كالمُذَكَّاةِ ذَكَاةً شرعيَّةً، أو وُجِدَ في بطنِ الصَّيْدِ المَرْمِيِّ بسهمٍ جنينٌ؛ كالغزالِ

стр. 1087

وحِمَارِ الوحشِ ونحوهما؛ فهو حلالٌ؛ لأنَّ موتَ أمِّه بسببٍ حلالٍ. وإنَّما أخَذَ الجنينُ حُكمَ أمِّه بموتِهِ معها! لأنه كحُكمِ أحدِ أعضائِها، ولا يُوجَدُ في الجنينِ حياةٌ يستقِلُّ بها عن أمِّه، وإلَّا لم يَمُتْ بموتِها، فهو حيٌّ كبقيَّةِ أعضائِها، وليس به مِن الدمِ ما يُحتاجُ لإراقتِهِ عندَ الذَّبحِ، وقد رُويَ عن ابنِ عمرَ: "هو بمزلةِ رِئَتِها وكبِدِها" (١). وقد جاء في "السنن"؛ من حديثِ جابرٍ (٢)، وأبي سعيدٍ (٣)؛ قال ﷺ (ذَكاةُ الجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ). وإن مات الجنينُ في بطنِ أمِّه وهي حيَّةٌ، فهو محرَّمٌ؛ سواءٌ سقَطَ مِن بَطنِها ميِّتًا، أو شُقَّ بطنُها بجراحةٍ ثم أُخرِجَ منها وهي حيَّة، فحكمُهُ كحُكمِ العضو المقطوعِ منها وهي حيَّةٌ، كقَطعِ الأَلْيَةِ واليدِ والرِّجل، فلا يجوزُ أَكلُه؛ لِمَا في الحديثِ: (مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ، فَهوَ مَيْتَةٌ) (٤)، ويستثنى مِن هذا: ما قُطِعَ مِن البهيمةِ وهي حيَّةٌ تُطلَبُ لكونِها صيدًا هاربًا، أو مِن بهيمةِ الأنعامِ التي توحَّشتْ، فرُمِيَت بسهمٍ أو سيفٍ فقُطِعَت يدُها أو رِجلُها وبَقيت حيةً، ثم ماتت بذبحٍ أو بسببِ السهم، فنزَفَ دمُها، فما قُطِعَ منها قبلَ التَّمكُّنِ منها يتبعُ حكمَها اللاحقَ على الصحيحِ. وإنْ خرَجَ الجنينُ حيًّا، استقَلَّ بالحُكمِ بنفسِهِ كبقيَّةِ البهائمِ. وقوله تعالى في الآيةِ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ دليلٌ على وجودِ التحريمِ

стр. 1088

في بهيمةِ الأنعام، وأنَّ اللهَ تلاهُ على الأمَّةِ، وذلك في سورة البقرةِ: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [١٧٣] ونحوُها في سورةِ النحلِ [١١٥]، وفي هذه السورةِ المائدةِ بعدَ آياتٍ [٣]، وفي سورةِ الأنعامِ [١٤٥]. وأكثرُ الأنواعِ التي تلاها اللهُ محرَّمةً مِن بهيمةِ الأنعامِ هي في سورةِ المائدةِ كما يأتي. وهذا الاستثناءُ في الآيةِ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ تبِعَهُ استثناءٌ آخَرُ في قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ونَصبُ (غَيْرَ) على الحالِ؛ وهذا الاستثناء دليلٌ على دخولِ بقيَّةِ البهائمِ في اسمِ الأنعامِ. ولما أدخَلَ الله في الأنعامِ المباحةِ الإنسيَّ والوحشيَّ جميعًا، استثنَى من كلِّ نوعٍ شيئًا: أمَّا الإنسيُّ، فاستثنَى ما يُتلى عليكم على ما تقدَّم. وأمَّا الوحشيُّ، فاستثنَى مِن حِلِّه صَيْدَه للمُحْرِمِ. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ يَقْضِي ويفصِّلُ ما يُريدُهُ لكم وعليكم، ولكنَّه لا يظلمُ في حُكمِه، ولا يجورُ في قضائِه. ويشيرُ الله في ختمِ الآيةِ إلى إضمارِ تعليلِ الحُكمِ؛ تنبيهًا إلى أن حقِّه التسليمُ والانقيادُ والطاعةً، وعدمُ تعليقِ التسليمِ ببيانِ التعليلِ؛ كحالِ المُنافِقينَ. سببُ إضمارِ حِكمةِ التشريعِ: والله يُضمِرُ الحُكمَ لحِكَمٍ وعِلَلٍ كثيرةٍ، مِن أعظمِها عِلَّتانِ: الأُولى: للاختبارِ والامتحانِ وتمييزِ أصحابِ الإيمانِ واليقينِ مِن

стр. 1089

أصحابِ الشكِّ والنِّفاق، وأشَدُّ العِلَلِ كشفًا لخفيِّ النِّفاقِ: العِلةُ الخفيَّةُ في الأمرِ الثقيل، والاتِّباعُ لهذا النوعِ مِن الأمرِ أعظَمُ، وامتثالُهُ مرتبةٌ عظيمةٌ، وأعلاها مرتبةُ الصِّدِّيقينَ. الثانيةُ: قصورُ العقولِ عن استيعابِها، فإنْ كانتِ العِلَلُ كثيرةً متجدِّدةٌ في الأزمنةِ؛ تَغِيبُ في موضعٍ وزمانٍ وتَقوَى في غيرِه، أو دقيقةً ولدِقَّتِها لا تستوعبها العقولُ؛ فاللهُ يكتمُها رحمةً بالناسِ؛ حتى لا يَرُدُّوها بضعفِ عقلِهم عن استيعابِها. * * * قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]. تكرَّرَ النِّداء للمؤمِنينَ مع قُرْب العهدِ بنداءٍ مِثْلِه، وإذا تكرَّرَ النداءُ المتقارِبُ، دَلَّ على عِظمِ المُنادَى لأَجلِه. وقد بيَّنَ اللهُ عِظَمَ شعائرِ اللهِ؛ فلا تُحِلُّوها وتَعْتَدُوا عليها، وقال ابنُ عبَّاسٍ: "شعائر اللهِ مناسكُ الحجِّ"، وبنحوه قال مجاهد وغيرُه (١)، والمرادُ بتحليلِها في قوله: ﴿لَا تُحِلُّوا﴾؛ يعني: لا تُغَيِّرُوا حُكْمَها وتُبدِّلُوه إمَّا بتشريعٍ وتبديلٍ قوليٍّ، أو تشريعٍ وتبديلٍ فِعليٍّ، فتتواطؤوا على التغييرِ والتبديلِ حتى يكونَ تشريعًا للناسِ ولو لم تَتلفَّظُوا به. تعظيمُ الأشهُرِ الحُرُمِ: وقوله: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾؛ يعني: تعظيمَ الأشهرِ الحُرُم، وهي

стр. 1090

أربعةٌ؛ كما في قولِه في سورة التوبةِ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [٣٦]، وهي: ذو القَعْدَة، وذو الحِجَّة، ومحَرَّمٌ، ورَجَبٌ، ثلاثةٌ متتاليةٌ، وواحدٌ وحدَه. وهذه الآيةُ عدَّها أحمدُ الآيةَ التي لم يُنْسَخْ غيرُهَا في المائدة، وأنَّ ما عداها مُحْكَمٌ (١). وقد تقدَّمَ في سورة البقرةِ الكلامُ على الأشهُرِ الحُرُمِ وتعظيمِها وتحريمِ القتالِ فيها ومراحلِ نَسخِه، حتى نُسِخَ القتالُ وبَقِيَ التعظيمُ. ويتفقُ العلماءُ خلا عطاءٍ ونَزْرٍ غيرِه على نسخِ القتالِ في الأشهُرِ الحُرُم، وحكى الإجماعَ ابنُ جريرٍ (٢) وغيرُه، وأمَّا تعظيمُها؛ فبالتشديدِ في ارتكاب المحرَّماتِ والإتيانِ بالطاعات، ولا يَلزَمُ مِن دلك: تحريمُ القتالِ فيها بمجاهدةِ المشرِكينَ ودفعِ الصائلِ والباغِي؛ لأنَّه مِن أعمالِ البِرِّ والطاعةِ؛ وذلك لقولِه في براءةَ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وقد صحَّ عن النبي ﷺ قتالُهُ في الأشهرِ الحُرُمِ؛ حيثُ غزَا هوازنَ بحنينٍ وثقيفًا بالطائفِ في شهرِ ذي القَعْدةِ؛ كما في كُتُبِ الصحيحِ. وأغْزَى أبا عامرٍ إلى أوْطَاسٍ في الشهرِ الحرامِ. وغزوةُ ذاتِ الرِّقاعِ لثمانٍ خَلَوْنَ مِن شهرِ المحرَّم، وغَزَا بني قُريظةَ لسِبعٍ بَقِينَ مِن ذي القَعدة، وغَزَا غَروَتَهُ في تَبُوكَ لخمسٍ خَلَوْنَ مِن رجبٍ. وقد بايَعَ النبيُّ ﷺ على قتالِ قريشٍ بَيْعةَ الرِّضْوانِ في ذي القَعْدة،
следующие страницы →