← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

فقد يكونُ البلدُ مسلِمًا، وحاكمُهُ كافرًا، كبَعْضِ دولِ الإِسلامِ في القرونِ الخاليةِ التي وقَعَ بعضُ حُكَّامِها في مكفِّرٍ ظاهِرٍ؛ كالدولةِ البُوَيْهِيَّةِ في العراق، والعُبيديَّةِ في مصرَ والقيروان، وغيرِهما؛ فالناسُ فيها يُظهِرونَ الإسلامَ وشرائعَ الدِّين، ولم يُفْتِ أحدٌ مِنْ علمائِها عمومَ الناس بالهجرةِ لأجلِ حاكمِها، ولَمَّا أَفْتَى أبو جعفرٍ الدَّاوودِيُّ علماءَ القيروانِ بالهِجرةِ أسكَتُوهُ وأنكَرُوا عليه قولَه؛ وذلك أنَّ العلماءَ إنْ تَرَكُوا العامَّةَ تَرَكُوا دِينَهم، وتَبَدَّلَتْ بلدٌ بكامِلِها بعدَما كان الخوفُ عَلَى بعضِها. وفرقٌ بينَ كفرِ الحاكِم وكفرِ المحكومينَ، ولا يَلزَمُ مِن كفرِ الحاكمِ كفرُ المحكوم، إلَّا عندَ بعضِ الخوارجِ. وقد يكونُ الحاكمُ مسلِمًا، والمحكومونَ كفِّارًا؛ فيكونُ البلدُ بلدَ كفرٍ؛ كالحبَشةِ بعدَ إسلامِ النجاشيِّ؛ فهو مسِلمٌ، ومَحكُومُوهُ نَصارى. ويخرُجُ مِن هذا إنْ حكَمَ حاكمٌ مسلِمٌ بلدًا أكثرُهُ كفَّار بحُكْمِ الله، وأَجْرَى للمُسلِمِينَ الظُّهُورَ، ولو كانوا أقلَّ مِن غيرِهم، فغلبَت شوكةً المسلِمِينَ شوكةَ الكافِرِينَ، وظهورُ المسلِمِينَ ظهورَ الكافِرِينَ، فيَحُلُّ الظهورُ هنا مَحَلَّ الكثرة، ويأخُذُ البلدُ حُكْمَ بلدِ الإِسلامِ. وقد نصَّ عَلَى اعتبارِ الظهورِ والغلَبةِ غيرُ واحدٍ مِن الأصحابِ؛ كأبي يَعْلَى وابنِ مُفلِحٍ؛ فقد تكونُ بلدةٌ أو قريةٌ أهلُها عَلَى الكفر، وهي داخلةٌ في دولةِ المُسلِمِينَ، محكومةٌ بحُكمِهم، فلا تأخُذُ حُكمَ بلَدِ الكفرِ؛ كخَيبَرَ؛ فقد كان جلُّ أهلِها يهودَ، ولكنَّها تحتَ حُكْم المُسلِمينَ ودولتِهم، وخَرَاجُها لهم، وقد جَعَلَ النبيُّ ﷺ عليها عُمَّالَهُ، فلم يكُنْ يسكُنُها الصحابةُ كما يسكُنونَ المدينةَ، وإنَّما يُعامِلونَ أهلَها ويُبايِعُونَهم، ولو أقام فيها أحدٌ، لم يكُن مقيمًا في بلدِ كفرٍ، وإنَّما جاوَرَ كافِرِينَ؛ لأنَّ الأرضَ للمُسلِمينَ، وحُكمَهم عليها نافذٌ وظاهرٌ؛ كظُهُورِ الكثرةِ عَلَى القِلَّة، وخَرَاجَها لهم، فالنبيُّ حينَما أخرَجَهم منها، لم يُعْطِهم قيمةَ

стр. 982

أرضِهم؛ لأنَّها للمُسلِمِينَ لا لهم، وهذا يختلِفُ عن بلدٍ أهلُها كفارٌ، ويَملِكونَها، ويُظهِرونَ فيها ما يشاؤونَ مِن دينِهم ودُنياهم. وبعضُ العلماءِ يجعلُ في البُلْدانِ قِسْمًا ثالثًا، وهي بُلْدانٌ لا تأخُذُ أحكامَ دارِ الحرب ولا دارِ الإِسلامِ؛ وذلكَ لاختلافِ حالِ الظُّهُورِ والتمكُّنِ والكثرةِ فَيها؛ كما أفتَى ابنُ تيميَّةَ في (ماردينَ)، فقَدْ جعَلَها مركَّبةً فيها المعنَيان، فلم يجعَلْها بمنزلةِ دارِ السِّلْمِ التي تَجري عليها أحكامُ الإِسلام، ولا بمنزلةِ دارِ الحربِ الي أهلُها كفَّارٌ، بل جعَلَها قسمًا ثالثًا متوسطًا. والبلدانُ لا دوامَ لحالِها، فقد تتحوَّل كما يتحوَّلُ الإنسانُ مِنَ الإسلامِ إلى الكفر، ومِنَ الكفرِ إلى الإسلام، ومِنَ الطاعةِ إلى الفِسق، ومِنَ الفسقِ إِلى الطاعةِ. الهجرة إلى بلدِ الكُفرِ المسالِمِ: وقد يُهاجِرُ المسلِمُ مِن بلدِ كفرِ مُحارِبٍ إلى بلدِ كفرٍ مُسالِمٍ عندَ العجزِ عنِ الوصولِ إلى بلدِ مسلِمٍ، ويُسمَّى مُهاجِرًا وفِعلُهُ هِجْرةً، وقد سمَّى النَّبِيُّ ﷺ مَن هاجَرَ إلى الحبشةِ مُهاجِرًا، بل أمَرَهم بذلك، وقد قال قتادة في قولِ اللهِ تعالى في النَّحْلِ: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [٤١]؛ أنَّه فيمَن هاجَرَ إلى الحبَشةِ مِنَ الصحابةِ (١). مُوجباتُ الهِجْرةِ: وأَمَّا هِجْرةُ الصحابةِ مِن مَكَّةَ إلى الحَبَشة، فلِأَجْلِ إظهارِ الدِّين، لا لأجلِ الفَرْقِ بينَ الدَّارَيْن، فإنَّ الهجرةَ لها موجِبانِ: * منها ما يتعلَّقُ بالعمَلِ وإظهارِ الدين. * ومنها ما يتعلَّقُ بالبلدِ.

стр. 983

أمَّا العملُ، فإِنْ مُنِعَ المسلمُ مِن إظهارِه - كرَفعِ الأذان، وبِناءِ المساجدِ - وجَبَ عَلَيْهِ الهِجْرةُ إلى بلدِ يُظهرُ فيه شرائعَ دِينِه، ولو كان البلدُ الذي يُهاجِرُ ممن أهلُهُ مسلِمُونَ تَسلَّطَ عليهم مَن يمنَعُهُمْ مِن إظهارِ دِينِهم، والذي يُهاجِرُ إليه أهلُه كافرونَ، والهجرةُ لأجلِ إظهارِ الشرائعِ أَوْجَبَ مِن الهِجْرةُ لأجلِ مُفارَقةِ بلدِ الكافِرِينَ. وأمَّا الهِجْرةُ لأجلِ البلَد، لا لأجلِ إظهارِ الشرائع، فهو أن يُهاجِرَ مِن بلدٍ كافرٍ يُظهِرُ فيه دينَهُ وشرائعَهُ إلى بلدٍ مسلمٍ يُظهِرُ فيه دينَهُ وشرائعَهُ؛ لأنَّ العِلَّةَ الأقامةُ بينَ ظَهْرَانَيْهُمْ. وهجرةُ الحبشةِ الأُولى والثانيةُ لأجلِ العَمَلِ وإظهارِ الدِّين، لا لأجلِ البلدِ؛ فلم تكُنِ الحبشةُ بلدَ إسلام، وهجرةُ المدينةِ لأجلِ العملِ والبلَدِ معًا، والهجْرةُ لحفظِ العملِ وإقامتِهِ أعظَمُ مِنَ الهجرةِ لأجلِ الأرضِ والبَلَدِ؛ لأنَّ البَلَدَ ولو كان فاضلًا - كمَكَّةَ والمدينةِ والمسجدِ الأقصى - لا يَلزَمُ منه القدْرةُ عَلَى إظهارِ العملِ؛ فمَنْ قدَرَ عَلَى إظهارِ دينِه، أقام، ومَن لمْ يَقدِرْ، هاجَرَ ولو إلى بلدِ مفضولٍ؛ لأنَّ فضلَ الأعمالِ أعظَمُ مِن فضلِ البُلْدان، وأثَرَ الأعمالِ عَلَى أصحابِها أعظَمُ مِن أثرِ البُلْدانِ عليهم. أحوالُ وجوبِ الهجرةِ وتحريمِها: ويَختلِفُ الفقهاءُي وجوبِ الهجْرةِ مِن بلدِ الكفر، مع القدرةِ عَلَى إقامةِ الدِّينِ وإظهارِ الشرائعِ فيه، إلَّا أنَّ ثَمَّةَ صُوَرًا لا يَخْتَلِفونَ في وجوبِ الهجرةِ فبها ولو أُقيمَتِ الشرائعُ، وصُوَرًا لا يَختلِفونَ في جوازِ الإقامةِ في بلدِ الكفرِ فيها، أو استحبابِ ذلك، وصورًا لا يَختلِفونَ في تحريمِ الهجرةِ فيها: أمَّا ما لا يُخْتلَفُ في وجوبِ الهجرةِ فيها مِن بلدِ الكفرِ ولو أُقيمَتِ الشرائعُ فيها: فذلك زمنَ الحربِ بينَ المُسلِمِينَ والكافِرِينَ، فلا يجوزُ

стр. 984

لمسلمٍ أن يُقِيمَ بينَ ظَهْرَانَيهِم، ولو مكَّنُوهُ مِن إقامةِ دينِه، لأنَّه يكثِّرُ سَوادَ الكافِرِينَ، ويُعرِّضُ نفسَهُ وأهلَهُ ومالَهُ لسِهَامِ المُسلِمِينَ وقَذائفِهم. ولا يَختلِفونَ في وجوبِ الهجرةِ عندَ عدمِ القُدْرةِ عَلَى إقامةِ الدِّينِ وشرائعِهِ اللازمةِ والمتعدِّيَةِ؛ لازمةٍ كالذِّكْرِ والصلاةِ والصوم، ومتعدِّيةٍ كالزَّكَاةِ والأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عنِ المنكرِ ودَعْوةِ الناسِ إلى التوحيدِ والسُّنَّةِ، وكذلك إقامةُ أحكامِ الدِّينِ وشرائعِهِ الظاهرةِ؛ كَبِنَاءِ المساجِد، وصلاةِ الجماعاتِ والأذانِ لها، والحجاب، وإعفاءِ اللِّحى، وكذلك الشرائعُ الباطنةُ التي إنْ أُقيمَتِ الظاهرةُ، لزِمَ قيامُ الباطنةِ مِن بابِ أَوْلى. وأمَّا ما لا يُختلَفُ في جَوازِه أو مشروعيَّتِه: فهو لِمَن أقامَ في بلدِ الكفرِ لدَعْوَتِهم؛ أُسوةً بالأنبياء، ولو أطالَ البقاءَ، فإن اللهَ لم يأمُرْ نبيَّه ﷺ بالهجرة إلَّا لمَّا منَعُوهُ مِن إظهارِ ديِنِه ودعوتِهِ وشرائعِ ربِّه، وهكذا الأنبياءُ مِن قَبْلَهِ لم يُغادِروا أرضَ قومِهم إلا كُرْهًا أو خَوْفًا مِن عذابِهم الموعودِ. وأمَّا ما لا يُختلفُ في تحريمِه: فالهجرةُ مِن بلدِ الإسلامِ إلى بلدِ الكفرِ الذي لا تُظهَرُ فيه الشرائعُ بل يُحارَبُ فيه الإسلامُ، ولو كان في ذلك حِفْظٌ للدُّنيا، فلا يجوزُ لمسلمٍ أن يُهاجِرَ مِن بلدِ الإسلامِ ولو ظُلِمَ فيها في دُنْياهُ، إلى بلدِ الكفرِ التي لا يُظهِرُ فيها دينَهُ ولكنْ تُحفَظُ دُنياه؛ لأنَّه لا يجوزُ حِفظُ الدُّنيا وإضاعةُ الدِّينِ؛ فإِنَّ اللهَ لم يُوحِبِ الهجرةَ عَلَى نبيِّه والمؤمنينَ إلّا وتَبِعَهَا مِن ضياعِ دُنْياهُم وتَرْكِها - مِن مالٍ وزوجةٍ وولَدٍ ودارٍ وأرضٍ - شيءٌ كثيرٌ؛ فلا يُعتبَرُ حِفظُ الدُّنيا معَ ضياعِ الدِّينِ شيئًا. وأمَّا مَن ظُلِمَ وقُهِرَ مِن حاكمٍ طاغٍ مُسلِمٍ تسلَّطَ عَلَى المُسلِمِينَ، وأرادَهُ عَلَى دينِهِ أو عِرْضِهِ أو نفسِه، فأرادَ الهِجْرةَ إلى بلَدِ كفرٍ يَحفَظُ دُنياهُ ويُقيمُ ديَنَهُ عندَ تعَذُّرِ بلدِ مسلِمٍ - فيجوز له ذَلكَ كما عزَمَ الزهريُّ عَلَى الهجرةِ إلى أرضِ الرومِ هربًا مِن الوليد بنِ يزيدَ؛ بشرطِ أن يكونَ

стр. 985

متربِّصًا للعودةِ إلى بلدِ الإسلامِ في بلَدِهِ أو غيرِها، مِن غيرِ نيَّةِ دوامِ الإقامةِ في بلدِ الكفرِ. الهجرةُ مِن بلدِ الكفرِ الذي يُظهِرُ في المسلمُ دينَهُ: وقدِ اختلَفَ العلماءُ في الهجرةِ مِن بلدِ الكُفرِ الذي يَقدِرُ فيه أن يُقِيمَ المسلِمُ دِينَهُ، ويُظهِرَ شرائعَهُ ظاهرةً وباطنةً، عَلَى أقوالٍ؛ جِماعُها في قولَينِ: القول الأَوَّلُ: وجوبُ الهِجْرة. الثاني: عدمُ وجوبِها. والأظهَرُ التفصيلُ؛ وذلك أنَّ بقاءَ المسلمِ في بلادِ الكفرِ لا يخلو مِن حالتَينِ: الحالةُ الأُولى: أن تكونَ للمُسلِمِينَ مدُنٌ وقُرًى يُظهِرون فيها دينَهم، وتَظهَرُ فيها شوكتُهم؛ كالمُدُنِ والقُرَى والوِلَاياتِ التي نكونُ ضِمْنَ بلادٍ كفريَّةٍ اليومَ؛ كالهندِ وما وراءَ السِّنْدِ وما تحتَ روسيا، ففي الهندِ ولاياتٌ ومدنٌ فيها عشَراتُ الملايين وفي روسيا كذلك. فهؤلاءِ إن أظهَرُوا دينَهم وشعائِرَهُمُ الخاصَّةَ والعامَّةَ، لم تَجِبْ عليهِمُ الهِجْرةُ، وذلكَ أنَّ لهم شوكةً وقُوَّةً يَحْمُونَ بها شعائِرَهم ودينَهم، ولهم حميَّةٌ تَحفَظُ دينَهم ودُنياهم، ولا يأثَمُونَ ببقَائِهم ولو كانوا ضِمْنَ دولةٍ كافرةٍ، فإن كانوا عَلَى قِلَّةِ وضَعْفٍ بالنِّسْبَةِ لدولةِ الكفرِ الحاكمة، تعَبَّدُوا واكتَفَوْا بإظهارِ شعائرِ الدِّين، وتَرَكُوا جهادَ دَوْلةِ الكفرِ التي فَوقَهم، حتَّى يتمكَّنُوا منه فيُجاهِدوا لِيُقيموا حُكمَ اللهِ فيهم. الاحتماءُ بالكافِرِ: وإن صال صائلٌ كافرٌ ولم يَقدِرُوا عَلَى دَفْعِهِ مِن أنفُسِهم، احتمَوْا ولو بكافرٍ، كما لم يُؤمَرْ مُهاجِرُو الحبشَةِ بالجهادِ؛ لقِلَّتِهم وضَعْفِهم في

стр. 986

وقتٍ كان أهلُ المدينةِ مأمورينَ فيه بالجهادِ؛ لكَثرَتهم وقُوَّتهم، فلم يُؤمَرْ أهلُ الحبشةِ لما أُمِرَ به أهلُ المدينة، وقد بَقُوا في الحبشةِ بعدَ نزولِ آياتِ الجهادِ بضعةَ أعوامٍ، وأجرِيَ أهلُ الحبشةِ عَلَى ما مَضَى مِن كفِّ اليدِ الذي كانوا عَلَيْهِ في مَكَّةَ: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ٧٧]. الحالةُ الثانيةُ: أن يكونَ المُسلِمونَ في بَلَدِ كُفْرٍ أفرادًا أو جماعاتٍ قليلةَ وأُسَرًا متفرِّقةً في أوساطِ المشرِكِينَ، فهؤلاءِ تجبُ عليهم الهِجْرةُ؛ لأنَّ القلَّةَ تذوبُ مع الكثرة، فلا شوكةَ لهم ولا هيبةَ، وربَّما تنصَّرَ الأولادُ والأحفادُ؛ بسب إقامةِ الأجدادِ وهم قِلَّةٌ وَسْطَ المشرِكِينَ، وربَّما حمَلَهم ذلك عَلَى محاكاةِ الفعلِ والتشبُّهِ بالمشرِكِينَ في الظاهرِ؛ لأنَّهم لا شوكةَ لهم ولا حميَّةَ تَحفَظُ في نفوسِهم هَيبةَ دِينِهم، وهؤلاءِ وإن أقاموا شعائرَهم فلا بدَّ أن تذوبَ ذُرِّيَاتُهم في الكفرِ؛ إن لم يكْن في الأولاد، ففي الأحفادِ ومَن بَعْدَهم، وذلك أنَّ المُسلِمينَ لمَّا تمكَّنُوا في المدينة، أرسَلَ النبيُّ ﷺ إلى المهاجِرِينَ في الحبشةِ أن يأتُوا إليه؛ لأنَّهم جماعةٌ قليلةٌ بالنِّسبَة لبلدٍ أهلُهُ كثيرٌ. وأَمِّا إنْ كان الحاكمُ لا يحكُمُ بحُكْمِ اللهِ كما في الحدودِ والتعزيراتِ في العقوبات، ولا في العقودِ والمعاملات، كما أمَرَ اللهُ في كتابِه، وأهلُ تلك البدِ مُسلِمونَ، كما هو في أكثرِ بُلْدانِ الإسلامِ اليومَ، فلا خلافَ في فضلِ تركِ تلك البلدِ. الأحكامُ المُبَدَّلَةُ وأثرُهَا عَلَى الهِجْرَة: وأما في تحقُّقِ وجوبِ الهجرةِ مِنها مِن عدَمِه، فإنَّ تلك الأحكامَ المُبدَّلةَ عَلَى حالتَينِ: الحالة الأولى: ألَّا تُعُمَّ البَلْوَى لعمومِ المسلِمِينَ ولا جمهورِهم مِن

стр. 987

التَّلبُّسِ بتلك الأحكامِ المبدَّلةِ؛ فلا يجبُ عليهِمُ الهِجْرةُ مِنْ بلدِهم حينئذٍ؛ بشرطِ أنْ يَقدِروا عَلَى إظهارِ الدِّينِ وشعائرِه، وبيانِ حُكْمِ الحاكِمِ والمُتحاكِمِ إلى غيرِ حُكمِ الله، والتربُّصِ بالحاكمِ وعزلِهِ عَلَى مراتبِ القُدْرةِ والقُوَّةِ والتمكينِ. وذلك أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بدأَتْ تَنْزِلُ عَلَيْهِ آياتُ الحدودِ والعقوباتِ والعقودِ في القرآنِ والسُّنَّة، وجماعةٌ مِن أصحابِه في الحبَشة، ولا يُقامُ فيها حُكمُ الله، فلم يأمُرُهُم بتَرْكِ الحبَشةِ واللِّحَاقِ به في المدينة، ولمَّا جاءَ جعفرٌ ومَن معَهُ بعدَ خَيْبَرَ مِنَ الحبَشةِ إلى المدينةِ في السنةِ السابعةِ مِن الهجرة، لم يُنكِرْ عليهم تأخُّرَهم، وقد بَقُوا في الحبشةِ بعدَ بَدْءِ نزولِ آياتِ الحدود والعقودِ أعوامًا. ولأنَّ الأحكامَ تتعلَّقُ بالأفرادِ غالبًا، وتعلُّقُها بالجماعاتِ نادرٌ؛ كالقَسَامَةِ وشِبْهِها، والتلبُّسُ لها قليلٌ في الأفراد، ويتمكَّنُ المؤمنُ ممَّا تَعُمُّ به البَلْوى أنْ يُقِيمَهُ ويَقضِيَ به عَلَى نفسِهِ ومَن معَه؛ كعُقُودِ النِّكاحِ والمواريثِ، والطَّلاقِ والعِدَد، والمعامَلاتِ؛ فهو قادرٌ غالبًا عَلَى عدمِ التلبُّسِ بالحُكْمِ المخالفِ لحُكمِ اللهِ. وأمَّا ما يُوجِبُ الحدودَ والعقوبات، فالأصلُ عدمُ وقوعِها مِنَ المؤمن، وإنْ وقعَت منه لم يقل أحدٌ مِن العلماءِ: إنَّ مِن الكفرِ تَرْكَ المسلِمِ المحكومِ لإقامةِ الحدِّ عَلَى نفسِه، وتَرْكَ رفعِ أمرِ مَن أصابَ حدًّا مِن أهلِهِ للسُّلْطانِ القائمِ بأمرِ اللهِ عندَ وجودِه؛ فكيفَ عندَ عدمِ وجودِه؟ ! وإنَّما نصوصُ الوحي وكلامُ العلماءِ في مسألةِ نزولِ المُتحاكِمِ مختارًا لغيرِ حُكْمِ الله، وكذلَك حُكْمُ السلطانِ بغيرِ حُكمِ اللهِ وتشريعِه. الحالةُ الثانيةُ: إنْ كانتِ الأحكامُ المبدَّلةُ عن حُكمِ اللهِ في بلدِ المُسلِمينَ تَعُمُّ بها البلوى لعمومِ الناسِ؛ كالإلزامِ بها والمُعاقَبَةِ عَلَى تركِها

стр. 988

فلا يَسْلَمُ مِنها جمهورُهم، فلا ينبغي أن يكونَ في وجوبِ الهجرةِ مِن تلكَ البلدِ خلافٌ، ولو كان أكثرُ أهلِها مُسلِمِينَ. وأمَّا الحاكمُ المشرِّعُ غيرَ شرعِ الله، المُحلِّل لِمَا حرَّمَ اللهُ، والمحَرِّمُ لِمَا أحَلَّ اللهُ، فليس بمسلمٍ تُنْزَّلُ عَلَيْهِ نصوصُ ولاةِ الأمرِ في الإِسلام، ويجبُ عَلَى المُسلِمينَ عزلُهُ إنْ قَدَرُوا عيه، وإن عَجَزوا فلا بيعةَ له وإن نزَلُوا تحتَ سُلْطانِه وتغلُّبِه. ولا يجبُ عليهم أن يتحوَّلُوا عن أرضِهم لأجلِه؛ بشرطِ أنْ يُظهِروا الدِّينَ، ويُقيموا شَعائِرَهم في أرضِهم، ويأمُروا بالمعروفِ ويَنهَوْا عن المُنكَرِ. وقد تجبُ الهِجْرةُ عَلَى قومٍ أو أفرادٍ مِن بلدٍ دون غيرِهم إلى بلدٍ آخرَ يَحفَطُ دينَهم، ويُظهِرونَ فيه الشعائر؛ لأنَّهم خُصُّوا بالأذيَّةِ والقهر، كما أمَرَ النبيُّ ﷺ مَن معَهُ في مَكَّةَ بالهجرةِ إلى الحبشة، ولم يخرُجْ هو وآخَرونَ معَه؛ لأنَّه يجدُ له مَنَعةً مِن ربِّه، وشوكةً مِن قومِه؛ كبني هاشمٍ، فأمَرَ بعضَ مَن لا يجدُ منَعةً بالهجرة، ممَّن يَنالُهم العذابُ ومَن قد تَصِلُ إليهم يدُ المشرِكينَ، فخرَجَ في شهرِ رجبٍ بعدَ البعثةِ بخمسِ سنينَ؛ عثمانُ بنُ عفَّانَ وزوجتُهُ رُقَيَّةُ بنتُ رسولِ اللهِ ﷺ في بِضْعةَ عشَرَ رجلًا وامرأةً، فتَبِعَتْهم قريشٌ إلى البحرِ لمَّا علِمَت بهم، فرَكِبُوا السفينةَ قبلَ أن يُدْرِكُوهم. وسبَبُ هِجْرتِهم: حفظُ دينِهم، وإقامةُ شريعتِهم، وعِصْمةُ دمائِهم؛ فما كانوا يَستطيعونَ الصلاةَ عدَ البيت، فأرادُوا إقامةَ الدينِ وحِفْظَ الأنفُسِ؛ كما قالتْ أمُّ سلَمةَ؛ "لمَّا نَزَلْنَا أَرْضَ الحَبَشَة، جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ النَّجَاشِيَّ، أَمَّنَا عَلَى دِينِنَا، وَعَبَدْنَا اللهَ" (١).

стр. 989

وقال ابنُ مسعودٍ - فيما رواهُ الطبرانيُّ، وابنُ سَعْدٍ، وابنُ عساكرَ -: "كان إسلامُ عُمَرَ فَتْحًا، وكانتْ هجرتُهُ نَصْرًا، وكانت إمارتُهُ رحمةً؛ لقد رأيتُنا وما نَستطيعُ أن نُصلِّيَ بالبيتِ حتَّى أسلَمَ عُمَرُ، فلمَّا أسلَمَ عمرُ، قاتَلَهم، حتَّى ترَكُونا فصَلَّيْنا"؛ رَواهُ القاسمُ بنُ عبدِ الرحمن، عنِ ابنِ مسعودٍ (١). وإسلامُ عمرَ كان عند خروجِ مَن خرَجَ مِنَ الصحابةِ إلى الحبَشَة، كما ذكَرَ ابن إسحاقَ (٢). وقد رجَعَ مهاجِرو الحبشةِ مِن هجرتِهِمُ الأُولى إلى مَكَّةَ في شوَّالٍ مِن عامِهم، فاشتَدَّ أمرُ قريشٍ وحُلفائِها عليهم وعلى مَن أسلَمَ مِن بعدِهم، حتَّى حُوصِرَ النَّبِيُّ ﷺ وبنو هاشمٍ في شِعْبِ أبي طالبٍ، فرجَعُوا هم وغيرُهم مُهاحِرينَ مرَّةً أُخْرى إلى الحبَشَة، وكانوا فوقَ الثمانِينَ رجُلًا وامرأةً، حتَّى تَبِعَتْهُم قُرَيشٌ برَسُولِها إلى النَّجَاشيِّ ليُعِدَهم ويَقطَعَ ذِمَّتَهُ وجِوارَهُ لهم، فامتَنَعَ مِن ذلك. وقد روى أحمدُ، عنِ ابنِ مسعودٍ؛ قال: "بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى النَّجَاشِيِّ، وَنَحْنُ نَحْوٌ مِنْ ثَمَانينَ رَجُلًا، فِيهِمْ عَبْد اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَجَعْفَرٌ، وَعَبْد اللهِ بْنُ عُرْفُطَةَ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَأَبُو مُوسَى … "؛ الحديثَ (٣). سببُ عدمِ هجرة النبي ﷺ إلى الحَبَشةِ: وإنَّما لم يُهاجِرِ النبيُّ ﷺ معَهُمْ إلى الحبشةِ؛ لأنَّ اللهَ أخبَرَهُ بحِفظِهِ ونَصْرِه، وبه قيامُ الدِّينِ في أُمِّ القُرى وما حولَها وما بَعْدَ عنها، فلا ينوبُ

стр. 990

عنه في قيامِ هذا الأمرِ أحدٌ، وهو ينوبُ عن كلِّ أحدٍ، فأمَرَ صحابتَهُ بالهجرةِ إلى الحبشةِ؛ ليُقِيموا دينَهم، وَيحفَظوا أنفُسَهم، حتَّى عادُوا مرَّةً أخرى متفرِّقينَ حتى السنةِ السابعةِ مِنَ الهجرةِ حينَما أرسَلَ إليهِمُ النَّبيُّ ﷺ لمَّا اشتدَّ أمرُ النبيِّ، وقَوِيَت شوكةُ المُسلِمينَ، وانكسَرَت شوكةُ المُشْرِكينَ، بعدَ بَدْرٍ وأُحُدٍ والحُدَيْبِيَةِ وفتحِ خَيْبَرَ، حتَّى قال النبيُّ ﷺ : (مَا أَدْرِي بأَيِّهِمَا أَنَا أَسَرُّ؛ بِفَتْحِ خَيْبَرَ، أَوْ بِقُدُومِ جَعْفَرٍ! (١). وفي هذا جوازُ أن يدخُلَ بعضُ المُسلِمِينَ في حمايةِ غيرِ المُسلِمينَ؛ عندَ تعذُّرِ قوَّةٍ للمُسْلِمنَ تَحَفَظُ دينَهم ودَمَهم. وقد كانتْ آياتُ الجهادِ قد نزَلَت عَلَى رسولِ اللهِ ﷺ ، والصحابةُ في الحبَشَةِ، فلم يأمرُهُمْ بالقتالِ فيها؛ لأنَّهم قليلٌ، والحاكمُ عَدْلٌ يُرْجَى إسلامُهُ بلا قتالٍ، وقد أسلَمَ بعدُ، فأخبَرَ النبيُّ ﷺ بموتِهِ وإسلامِهِ قبلَ فتحِ مكَّةَ. وفي هذا أنْ يُفَرِّقَ المسلِمونَ بينَ مواضعِ القُوَّةِ والضعفِ فيهم، ويُفرِّفوا بينَ الدولةِ الكافرةِ المُسالِمةِ المُناصِرة، والدولةِ الكافرةِ المُحارِبةِ المعاديةِ؛ فالنجاشيُّ احتُسِبَ نَصِيرًا وهو كافرٌ، فاحْتُمِيَ به زمَنَ الضَّعْفِ، فلم يُعَادَ ولم يُقاتَلْ، ثُمَّ أسْلَمَ ﵁. * * * * قال تعالى. ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠]. المرادُ بالهجرةِ في الآيةِ: الهِجْرةُ إلى المدينة، والمُراغَمُ هو

стр. 991

التحوُّلُ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومِن مكانٍ إلى مكانٍ، ومِن أرضٍ إلى أرضٍ، وبلدِ إلى بلدٍ، رُوِي هذا عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ رواهُ عنه عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ؛ رَواهُ ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ (١). والمرادُ بذلكَ: الحثُّ عَلَى الهِجْرةُ، فإنَّ في الأرضِ رِزْقًا وسَعَةً، فليست الهِجْرةُ بمانعةٍ مِن ذلك، فالمرادُ بالسَّعةِ في الآيةِ الرِّزْقُ؛ وهذا كقولِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]؛ يَعني: مِن رِزْقِه، وكقولِهِ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢]، وقولِهِ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧]. وفي هذا: عدَمُ اعتبارِ طلَبِ الرِّزْقِ في الهِجْرةِ إلى الله، فمَن سافَرَ طلبًا للرِّزْقِ والعيش، لم يَكُنْ مُهاجِرًا إلى اللهِ؛ وإنَّما إلى دُنْيَاهُ، فلا يأثَمُ بذلك إن كان مِنْ بلَدِ إسلامٍ إلى بلدِ إسلامٍ، ومَن نوى رِزْقًا وعَيْشًا يُقِيمُ به دِينًا، فهو عَلَى نِيَّتِه. فضلُ مَنْ بَدَأَ طريقَ الحقِّ: وفي قوله تعالى، ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]؛ يَعني: تَمَّ أجرُهُ بالشروعِ في الأمر، فمَنْ عزَمَ عَلَى إقامةِ الحقِّ، وحالَ دونَهُ حائلٌ، آتاهُ اللهُ أَجْرَهُ ولو لم يُتِمَّه. ومَن أخَذَ بأَوَّلِ أسبابِ الحقِّ وطريقِه، ثُمَّ عجَزَ أو أدْرَكَهُ الموتُ، آتاهُ اللهُ أَجْرَهُ، وقد كان بعضُ مَن قال بالإسلامِ في مكَّةَ، سوَّلَت لهُم أنفسُهم خطَرَ الطريقِ، وخوفَ الموتِ مِن عدوٍّ وقاطعِ طريقٍ أو سَبْعٍ أو لَدْغةِ دابَّةٍ، فإن ماتوا فاتَتْهم دُنيا مَكَّةَ ودينُ المدينةِ؛ فلا حَفِظُوا دِينًا ولا دُنيا. فبَيَّنَ اللهُ لهم أنَّ مَنْ مات في خروجِهِ مُهاجِرًا إلى المدينةِ - ولو كان

стр. 992

في أولِ طريقِه - أنَّ أَجْرَهُ عَلَى الله، كما لو بلَغَ المدينةَ، وقد روى أحمدُ في "المُسنَدِ"، عن عبدِ اللهِ بنِ عَتِيكٍ؛ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: (مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللهِ نُمَّ قَالَ: بِأَصَابِعِهِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاتِ: الْوُسْطَى وَالسَّبَابَةِ وَالإِبْهَام، فَجَمَعَهُنَّ، وَقَالَ: وَأَينَ المُجَاهِدُونَ؟ - فَخَرَّ عَنْ دَابَّتِهِ وَمَاتَ، فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ ، أوْ لَدَغَتْهُ دَابَّةٌ فَمَاتَ، فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى الله، أوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِه، فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ )، وَاللهِ إِنَّهَا لَكَلِمَةٌ مَا سَمِعْتُهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ قَبْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : (فَمَاتَ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى الله، وَمَنْ قُتِلَ قَعْصًا، فَقَدِ اسْتَوْجَبَ المَآبَ) (١). وفضلُ الهجرةِ مِن بلدِ الكفرِ إلى بلدِ الإسلامِ يشتِركُ مع فضلِ الدخولِ في الإسلامِ في تكفيرِ ما سلَفَ مِنَ الذنوبِ؛ كما في حديثِ عمرِو بنِ العَاصِ؛ قال ﷺ (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ ! ) وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا؟ ! وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ ! ) (٢). وليس هذا لكلِّ ما يُطلَق عَلَيْهِ هِجْرةٌ؛ وإنَّما هو خاصٌّ بالهجرةِ مِن بلدِ الكفرِ إلى بلدِ الإِسلام، وأَمَّا الهِجْرةُ مِن بلَدِ الفِسْقِ إلى بلدِ الطاعةِ، ومِنَ البلدِ المُسْلِمِ المفضولِ إلى البلدِ الفاضل، فأجرُ ذلك بمقدارِ ما ترَكَ، ومقدارِ ما أقَبَلَ عَلَيْهِ. * * * * قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ [النساء: ١٠١]. نزلَتْ هذه الآيةُ بعدَ إتمامِ الصلاة، وقد كانَت ركعْتَينِ ركعتَين، فزِيدَ في

стр. 993

صلاةِ الحضَر، وأُقِرَّتْ صلاة السَّفَرِ؛ كما في "الصحيحَينِ"؛ مِن حديثِ عائشةَ (١)، وهذا جُعِلَ لصلاةِ المُسافِرِ الصلواتِ رَكعتَينِ جميعًا؛ كما كانَتْ قبلَ إتمامِها، إلَّا الصُّبحَ؛ فإِنَّها لم تَزِدْ فتبقى عَلَى حالِها حضَرًا وسفَرًا بلا خلافٍ، والمغرِبَ، فهي ثلاثٌ حضَرًا وسفَرًا بلا خلافٍ، وحُكِيَ عنِ ابنِ دِحْيَةَ قَصْرُها، وهو كذِبٌ لا يصحُّ القولُ بهذا عن عالِمٍ مِن أهلِ الإِسلامِ. قَصْرُ الصلاةِ للمسافِر: وقد رفَعَ اللهُ الحرَجَ بِقَصْرِ الرُّبَاعِيَّةِ في السَّفرِ بقولِه، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، والجُنَاحُ: الحرَجُ؛ قالهُ ابنُ عبَّاسِ (٢). وقد جاء رفعُ الحرَجِ في السفَرِ مقيَّدًا بخوفِ فتنةِ الكافِرِينَ للمؤمِنِينَ وكيدِهم بِهم، ثُمَّ أمضاهُ رسولُ اللهِ لأمَّتِهِ تَوْسِعةً ورحمةً؛ ففي "الصحيحِ"، مِن حديثِ يَعْلَى بنِ أُمَيَّةَ؛ قال؛ قلتُ لعمرَ بنِ الخطَّابِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ فقد أمِنَ الناسُ؟ ! فَقَالَ: عَجِبْتُ ممَّا عجبتَ منه، فسألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن ذلكَ، فَقَالَ: (صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ) (٣). وكانَتْ هذه الآيةُ عندَما كَثُرَتِ السَّرَايَا والغزَواتُ، ثمَّ كانت في كلِّ سفَرٍ؛ لأنَّ طولَ الصلاةِ مَظِنَّةُ تربُّصِ العدوِّ والْتِفَافِهِ بالمُسلِمينَ؛ روى ابنُ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ؛ أنَّ الآيةَ نزَلَتْ لمَّا كان النبيُّ ﷺ بِعُسْفَانَ والمشرِكونَ بضَجْنَانَ، فتوافَقُوا، فصلَّى النبيُّ بأصحابِهِ صلاةَ الظُّهرِ أربعَ ركَعاتٍ، ركوعُهم وسُجودُهم وقيامُهم معًا جميعًا؛ فهَمَّ به المُشرِكونَ أنْ يُغِيرُوا عَلَى أمْتِعَتِهم وأَثْقالِهم؛ رَواهُ ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ (٤).

стр. 994

وقوله تعالى، ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، يَعني؛ بتخفيفِ الرُّبَاعِيَّةِ إلى ركعتَيْن، لا قَصْرِ كلِّ الصلوات، فإنَّ الفجرَ والمغْرِبَ لا يُقْصَرَانِ بلا خلافٍ. أنواعُ تخفيفِ الصلاةِ في السَّفَرِ: وتخفيف الصلاةِ في السَّفرِ عَلَى نوعَيْنِ: الأَوَّلُ: تخفيف الطُّول، فلا يُقرَأ بالطِّوَالِ مِنَ السُّورِ ولا بالأواسِطِ؛ وإنَّما بالقِصارِ في كلِّ الصَّلواتِ، وهكذا كان فِعْل النبيِّ ﷺ وخُلَفائِهِ وأصحابِه؛ صحَّ هذا عن عُمَرَ وابنِ عُمرَ وأنَسٍ، وحكاهُ النَّخَعيُّ عنهم جميعًا، كما رواهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ؛ قال: "كان أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ يَقرَؤونَ فِي السَّفَرِ بالسُّورِ القِصارِ" (١). وهو إن لم يَسمَعْ أحدًا مِنَ الصَّحابةِ إلَّا أنَّه صحَّ عن عمرَ أنَّه قرَأَ في سَفَرِهِ للحجِّ بالناسِ في الفَجْرِ بالفيلِ وقريشٍ، وقرَأ أيضًا فيها بالكافرونَ والإخلاصِ؛ رواهُ ابنُ أبي شيبةَ (٢). وصلَّى أبو بكرِ بنُ أنَسِ بنِ مالكٍ بأبيهِ الفَجْرَ، فقرَأَ بتَبَارَكَ، فلمَّا انصرَفَ، قال له أنَسٌ: "طوَّلْتَ عَلينا"؛ رواة عبدُ الرزَّاقِ بسَنَدٍ صحيحٍ (٣). ولا مُخالِفَ لهم مِنَ الصَّحابة، وهو قولُ طاوسٍ والنَّخَعيِّ مِن التابعينَ. وهذا النوعُ مِن التخفيفِ في كلِّ الصلواتِ جميعًا. والنوعُ الثانِي: تخفيفُ العَدَد، وهو في الرُّبَاعِيَّةِ فقَطْ، فتكونُ ركعتَيْنِ.

стр. 995

وهذا النوعُ هو المقصودُ في الآيةِ مِن قَصْرِ الصلاة، والأوَّلُ يدخُلُ تبَعًا باللزومِ والأثَرِ. مراحِلُ تشريعِ الصلاةِ: وقد شرَعَ اللهُ الصلاةَ للأمَّةِ عَلَى مراحِلَ مُجمَلةٍ ثلاث: الأُولى: شرَعَ اللهُ الصلاةَ رَكْعَتَينِ رَكْعَتَين، ولا فرقَ بينَ الصَّلواتِ النَّهَاريَّةِ والليليَّة، ولا بينَ الفريضةِ والرَّاتبةِ؛ وذلك كما في حديثِ عائشةَ السابقِ في "الصحيحَيْنِ": "فَرَضَ اللهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَينِ رَكْعَتَين، فِي الحَضَرِ وَالسَّفر، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَر، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الحَضَر" (١). المرحلة الثانيةُ: الزيادةُ في صلاةِ الفرضِ وجوبًا، وذلك في الظهرِ والعصرِ والمغرب والعشاء، وإبقاءُ الصُّبْحِ والنوافلِ - الصبحِ فَرْضًا، والنوافلِ عَلَى السُّنَّةِ - أن تكونَ رَكْعَتَينِ رَكْعَتَينِ؛ إلَّا الوِتْرَ فواحدةً، أو وِترَ العددِ ممَّا زاد. واختُلِفَ في التنفُّلِ بواحدةٍ مِن غيرِ الوترِ، ورُوِيَ ذلك عن عُمرَ (٢)، وقد جاء في "الصحيحَينِ"؛ مِن حديثِ ابن عمرَ مرفوعًا: (صلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ، صَلَّىَ رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى) (٣)، وفي روايةٍ: (صَلَاة اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) (٤). المرحلة الثالثةُ: قَصْرُ صلاةِ السَّفَرِ الرُّبَاعِيَّةِ خاصَّةً رَكْعَتَينِ رَكْعَتَينِ؛ وهذا في هذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ﴾.

стр. 996

حكمُ قَصْرِ المسافِرِ للصلاةِ: واختُلِفَ في قصرِ الصلاةِ: هل هو رُخْصةٌ أو إحكامٌ؟ : فمَن جعَلَهُ رُخْصةً، لم يُبطِلِ الصلاةَ بالزِّيادةِ في السَّفَرِ؛ لأنَّ القصرَ رخصةٌ يجوزُ تَرْكُها. ومَن جعَلَ القصرَ حُكمًا وإحكامًا، جعَلَ الزِّيادةَ عَلَى الركْعَتَيْنِ في السفرِ - إلَّا المغرِبَ - كالزِّيادةِ عَلَى الفرائضِ في الحضَرِ الرُّبَاعيَّةِ خَمْسًا، والثُّنائيَّةِ ثلاثًا، والثلاثيَّةِ أربعًا. والسَّلَفَ مِن الصحابةِ والتابعينَ: عَلَى أنَّها رخصةٌ؛ وهو قولُ أكثرِ الفقهاء، وهو قولُ الشافعيِّ وأحمدَ، بل قال مالكٌ: إنَّها سُنَّةٌ. وخالَفَ أبو حنيفةَ وشيخُهُ حمَّادٌ في ذلك؛ إذْ جعَلَا القَصْرَ فرضًا في السَّفرِ، كالإتمامِ في الحضَرِ! وقد أخَذَا بظاهرِ حديثِ عائشةَ السابقِ: "أُقِرَّت صلاةُ السَّفرِ"، وجعَلا صلاةَ السَّفَرِ لم تكُنْ أربعًا. وهذا مخالِفٌ لِظاهرِ القرآنِ؛ فالله رفَعَ الحرَجَ عَنِ المُصلِّي إذا قصَرَ صلاتَهُ في سفَرِه، ورفعُ الحرَجِ يدلُّ عَلَى جوازِ القَصْر، ولا يدلُّ عَلَى وجوبِه، وفي لغةِ العربِ أنَّ الحرَجَ يُرفَعُ لإباحةِ الشيءِ وليس لوجوبِه. ومَن نظَرَ في ظاهرِ القرآنِ والسُّنَّة، تيقَّن أنَّ قصرَ الصلاةِ في السفرِ كان بعدَ صلاةِ النبيِّ ﷺ بأصحابِه صلاةَ الحضَرِ تامَّةً لسِنِينَ، وعائشةُ لم تُرِدْ أنَّ القَصْرَ جاء مع زيادةِ الصَّلاةِ لأربعٍ، فهي أعلَمُ الناسِ بذلك، ولكِنْ لمَّا كان الأصلُ في الناسِ الإقامةَ، لم يكُنِ التلبُّسُ بالسفرِ أصلًا، فحمَلَتِ القصرَ العارضَ عَلَى الأصلِ السابقِ للصَّلاة، وهو الرَّكْعتان، وكأنَّ السفرَ سُكِتَ عنه، ثُم أُقِرَّ عَلَى ما مَضى، وأنَّ السكوتَ عنه يَجعلُه تابعًا للأصل، وهو الإتمامُ في الإقامة، فحُكمُ السفرِ ثبَتَ تبَعًا للحضَر، ولَمَّا جاء حُكمْ القصرِ في السفرِ بالنصّ، استقَلَّ بنفسِهِ بنصٍّ مستقلٍّ عمَّا

стр. 997

كان عَلَيْهِ مِنَ الثبوتِ تبَعًا لنصٍّ متعلِّقٍ بحالٍ أُخرى، وهي الإقامةُ، ولَمَّا ثبَتَ بنفسِه، دلَّ عَلَى تغايُرِ حُكْمِهِ عنِ الحضَر، ولم تُرِدْ غيرَ ذلك. ولا يصحُّ أن نجعلَ مِن حديثِ عائشةَ قولًا لها في وجوبِ القَصْرِ وقد ثبَتَ عنها أنَّها كانت تُتمُّ الصلاةَ في السفرِ؛ كما قال عطاءٌ: "لا أعلَمُ أحدًا مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ كَان يُوفِي الصلاةَ في السَّفَرِ إلَّا سعدَ بنَ أبي وقَّاصٍ، وكانَت عائشة تُوفِي الصلاةَ في السفرِ وتصومُ"؛ رواهُ عبدُ الرزَّاقِ والطَّحاويُّ وابنُ المُنذرِ (١)؛ وهو صحيحٌ. ورواهُ عنها عُرْوةُ، أخرَجَهُ عبدُ الرزَّاقِ (٢). وجاء عنها أيضًا أنَّها كانَتْ تقصُرُ في السفَرِ؛ رواهُ عنها ميمونُ بنُ مِهْرانَ وعُرْوةُ، الأَوَّلُ رواهُ عبدُ الرزَّاقِ (٣)، والثاني رواهُ ابنُ جَريرٍ (٤). وثبَتَ القصرُ بعدَ النبيِّ ﷺ عن الصحابةِ؛ كأبي بكرٍ وعُمَرَ وعثمانَ وعليٍّ وابنِ عمرَ وابنِ عبَّاسٍ وجابرٍ وأبي موسى وأنَسٍ وأبي بَرْزَةَ وسَلْمَانَ وغيرِهم. سببُ إتمامِ بعضِ السلفِ للصلاةِ في السَّفَرِ: وما وَرَدَ عن بعضِهم مِن الإتمامِ في السفر، فليس هو عَلَى الخلافِ في أصلِ الرُّخصةِ؛ وإنَّما خِلافُهم في ذلكَ لسبَبَيْنِ: الأوَّلُ: لاختلافِهم في التفاضُلِ بين القصرِ والإتمامِ. الثاني: لاختلافِهم في تقديرِ حقيقةِ السفرِ الذي رُبِطَتْ به رُخْصةُ القَصْرِ ونوعُهُ، وتقديرُ الإقامةِ وحالِها ومُدَّتِها، وحالِ المسافرِ وقَصْدِه.

стр. 998

وعلى هذا يُحمَلُ ما جاء عن عائشةَ وسعدٍ كما سبَقَ، وما جاء كذلك عن المِسْوَرِ بنِ مَحْرَمَةَ، وعبدِ الرحمنِ بنِ عبد يَغوثَ. وأمَّا ما جاء في الخبرِ عن عُمرَ (١) وابنِه (٢): "صلاةُ السَّفَرِ ركعَتانِ تمامٌ غيرُ قصرٍ"، وبنحوِه قال جابرٌ (٣)، فالمرادُ بذلك الأجرُ والثوابُ والجزاءُ وليس العَدَدَ، حتَّى لا يظُنَّ أحدٌ أن أَجْرَهُ يَنقُصُ فيَغلِبُهُ التعبُّدُ إلى الإتمامِ وتركِ السُّنَّة، وهذا المعنى الذي بيَّنَهُ ابنُ عبَّاسٍ وابنُ عمرَ لرجلٍ أتَمَّ في السفرِ وصاحِبُه يَقصُرُ، فقالا له: "بل أنتَ الذي كنتَ تَقصُرُ، وصاحبُك الذي كان يُتِمُّ! " رواهُ مجاهدٌ عنِ ابنِ عبَّاسِ؛ أخرَجَه ابنُ أبي شيبةَ (٤)؛ ورواهُ قتادهُ عنِ ابنِ عمرَ، عندَ عبد الرزَّاقِ (٥). ومُرادُهما تمامُ الاتِّباعِ وقصورُهُ، وليس المرادُ تشابُهَ الحُكمِ وبطلانَ صلاةِ السفرِ بالزيادة، كبُطْلانِ صلاةِ الحضرِ بالنَّقصِ والزِّيادة، ولم يثبُتْ عن أحدٍ مِن الصحابةِ: أنَّه قال بذلك، وقد جاء عن ابنِ عبَّاس: "مَن صلَّى في السَّفَرِ أربعًا، كان كمَنْ صلَّى في الحضَرِ ركعتَينِ" (٦)، رواهُ الضحَّاكُ بنُ مُزاحِمٍ عنه، ولم يَسمَعْه منه، قال شُعْبةُ وابنُ المَدِينيِّ وأبو زُرْعَةَ وابنُ حِبَّانَ: وقد سُئِلَ هو عن سماعِه منِ ابنِ عبَّاسٍ، فنَفاهُ (٧). وقد جاء عندَ عبدِ الرَّزاق، وعنه الطبرانيُّ، عنِ النَّخَعيِّ، عنِ

стр. 999

ابنِ مسعودٍ، قال: "مَن صلَّى في السَّفَرِ أربعًا، أعادَ الصلاةَ" (١). وهذا مُنكَرٌ، تفرَّدَ به غالبُ بن عُبَيْدِ الله، عن حَمَّادٍ، عنِ النَّخعيِّ، وغالبٌ متروكٌ. ونسَبَ بعضُ الفقهاءِ لعائشةَ وجوبَ الإتمامِ في كلِّ سفرٍ، ولا يصحُّ عنها إنكارُ القصرِ بكلِّ حالٍ، ولم يقُلْ به أحدٌ مِن فقهاءِ التابعينَ الذين عُرِفُوا بالأخذِ عنها. حكمُ اشتراطِ مفارقَةِ البنيانِ للقصرِ: وقد عُلِّقَ القَصْرُ بالضرب في الأرضِ؛ كما في قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، والضَرْبُ في الأرضِ هو السفرُ، وأُطلِقَ في الآيهِ كما أطلِقَ في السُّنَّة ولم يُقيَّدْ بنصٍّ صحيحٍ صريحٍ؛ إحالةً للعُرْفِ، ولاختلافِ الُبُلْدانِ، ولسابقِ عِلم اللهِ بتغيُّرِ البُلْدانِ والمَراكِبِ، فلو قُيِّدَ بالأيَّامِ ولو يومًا، لكان دَوَرانُ الأرضِ كلِّها اليومَ لا يُعَدُّ سَفَرًا لاختِلافِ المَراكب، ولو قُيِّدَ بمفارَقةِ البُنْيان، لسَقَطت أحكامُ السفرِ لي كثيرٍ مِن بُلْدانِ الهندِ والصينِ؛ لطولِها مع اتِّصالِ بُنْيانِها، وفي الهندِ والصين اليومَ يَسيرُ الراكِبُ نهارًا كاملًا، ولا تنفَكُّ العينُ عن بناءٍ يَتْبَعُ بناءً، وأُطلِقَ الضَّرْبُ في الأرصِ؛ لأنَّ السفرَ بتلبَّسُ به كلُّ أحدٍ، فلا يحتاجُ إلى تقييدٍ؛ لاتضاحِه في العُرْفِ عندَهم. ولم يُحفَظْ في زمَنِ النبوَّةِ أنَّ أحدَ الصحابةِ سألَهُ عن مسافةِ القصرِ مع قيامِ الحاجةِ وعمومِ البَلْوى، ولم يَظهَرْ أنَّ الصحابةَ اختَلَفُوا فيما بينَهم في حدِّ دلك اختلافًا يرَوْنَهُ يُعارِضُ ظاهرَ القرآنِ؛ وإنَّما تختلِفُ أقوالُهُمْ وأفعالُهُمْ بحسَبِ حالِهِمْ وحالِ السائلِ، وربَّما اختلفَتْ أقوالُهم لاختلافِهم في تفاضُلِ القصرِ والإتمامِ في السفر، لا في حقيقةِ السفرِ في ذاتِه.

стр. 1000

اختلافُ السلفِ في مسافةِ القصرِ … واعتبارُ العرفِ: وبعضُ الفقهاءِ يَحمِلُ تبايُن أقوالِهم في هذا على اختلافِهم في حدِّ السفَرِ نَفْسِه، لا فيما يحتَفُّ به مِن حالٍ وقصدٍ؛ ولذلك تَوَسَّعُوا في حكايةِ حدِّ مسافةِ القَصْرِ عنِ الصحابة، ووُضِعَتْ بعضُ الأقوالِ في غيرِ موضعِها، وجعَلُوا للواحدِ منهم أقوالًا متضادَّةً متعارضةً، ومَن نظَرَ إلى المرفوعِ إلى النَّبيِّ ﷺ وإلى الموقوفِ على الخلفاءِ الرَّاشِدِينَ، وجَدَ أنَّها حكايةُ حالٍ. وهذا وغيرُهُ مما يُحكَى مِن تنوُّعِ أقوالِ الصحابةِ يعضُدُ أنَّ الأمرَ يَرجِعُ إلى العُرْفِ؛ وإنَّما خِلافُهم في حالِ المسافِرِ وما يَقترِنُ بسفَرِهِ مِن قرائنَ خارجةٍ عنه، يُنزِلون الحُكْمَ بعدَ معرفتِها على ذاتِ السَّفَر، فيُظَنُّ أنَّ اختلافَهم على مسافةِ السَّفَرِ الي يصحُّ بها القَصْرُ. وقد صحَّ في مسلم: أنَّ عُمَرَ قصَرَ بذي الحُلَيْفةِ (١)، وبينَها وبينَ المدينةِ اثنا عشَرَ كيلًا أوَ أقلُّ، واليومَ هي مِن المدينةِ أو أوشكَتْ، وصحَّ عنه أنَّه قصَرَ الصلاةَ إلى خَيْبَرَ؛ كما رواهُ أَسْلَمُ، وهي نحوٌ مِن مِئَةٍ وثمانينَ كيلًا! رواهُ البيهقيُّ (٢)، وصحَّ عنه أنَّه قصَرَ في ثلاثةِ أميالٍ؛ رواهُ اللَّجلاجُ العامريُّ عنه؛ أخرَجَه ابنُ أبي شيبةَ (٣). ولم يُقيِّدْهُ عثمانُ بنُ عفَّانَ مسافةً؛ وإنَّما قيَّدَهُ بما يتَحقَّق معه السفَرُ عادةً في العُرْف، وهو الشخوصُ والبروزُ في الأرض، الذي يحتاجُ فيه معه إلى الزَّادِ، فقال: إنَّما يَقصُرُ الصلاةَ مَن كان شاخِصًا أو بحضرةِ عدوٍّ؛ وهو صحيحٌ عنه؛ أخرَجَهُ عبد الرزَّاقِ وغيرُهُ (٤). وصحَّ عن عليٍّ: أنَّه قصَرَ وهو منطلِقٌ إلى صفِّينَ؛ رواهُ عنه

стр. 1001

عاصمٌ؛ أخرَجَهُ ابنُ المنذِرِ (١). وهذا الصحيحُ عنِ الخلفاءِ الراشدِين في قصرِ الصلاة، ولا أعلَمُ عن أحدٍ منهم مَن حَدَّ السفَرَ الذي يُقصَرُ فيه بمسافةٍ زمنيَّةٍ، ولا طُوليَّةٍ، وإنَّما هي أفعالٌ مجرَّدةٌ حُكِيَتْ عنهم، لا يُجزَمُ بأنَّهم أخرَجوا ما دونَها، فلا يُترَخَّصُ فيها، وهي شبيهةٌ بالأفعالِ المحكيَّةِ عنِ النبيِّ ﷺ التي تدلُّ على عمومِ الترخُّصِ، لا حدِّ السَّفرِ بزمَنٍ ولا بطولٍ، وما ترَكُوا ذلك إلَّا لأنَّ السَّفَرَ لا يَنضبِطُ باطِّرادِ على كلِّ زمنٍ ولا على كلِّ مَسِيرٍ. وقد جاء عمِّن دونَهُمْ مِن الصحابةِ أقوالٌ في حدِّ السفرِ بمَسِيرٍ أو بمكانٍ أو زمانٍ، ولكنْ ما مِن أحدٍ منهم صَحَّ الحدٌّ عنه في قولٍ إلَّا صحَّ عنه مِن وجهٍ آخَرَ ما يُخالِفه؛ فقد صَحَّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّه قال: "لَا تَقصُرْ إلَى عَرَفَةَ وَبَطْنِ نَخْلَةَ، وَاقصُرْ إِلَى عُسْفَانَ وَالطَّائِفِ وَجُدَّةَ، وَلَا تَقصُرُوا الصَّلَاةَ إِلا فِي الْيَوْمِ التَّامِّ، وَلَا تَقصُرْ فِيمَا دُونَ اليوْمِ"؛ رواهُ عنه عطاءٌ (٢)، ورواهُ الشافعيُّ في الأمِّ (٣)، وروى مجاهدٌ (٤) وعِكرِمةُ (٥) وأبو حِبَرَةَ (٦) عنه تَقيِيدَة باليومِ التامِّ. وتَرخَّصَ ابن مسعودٍ بالقَصْرِ مِن الكوفةِ إلى النَّجَفِ (٧)، وبينهما بضعةَ عشَرَ كيلًا، ونرخَّصَ أيضًا بأربعةِ فَراسِخَ (٨)، ولم يُرخِّصْ حذيفةُ

стр. 1002

بالقَصْرِ مِنَ الكوفةِ إلى المَدائنِ (١)، معَ أنَّه رُوِيَ عنه أنَّه قصَرَ بنفسِه بينَهما (٢). وأمَّا ابن عمرَ، فصحَّ عن نافعٍ قولُهُ: "كان ابنُ عمرَ أَدْنى ما يَقصُرُ إليه الصلاةَ مالٌ له يُطالِعُهُ بخيبرَ" (٣)، وهي نحوٌ مِن مِئَةٍ وثمانينَ كيلًا، وصحَّ عنه ما يُخالفُه؛ فقد قصَرَ في أقلَّ مِن ثلثِ مسيرِه هذا إلى خيبرَ، كما رواهُ عنه سالِمٌ؛ قال: "سافَرَ إلى رِيمٍ فقَصَرَ الصلاةَ، وهي مسيرةُ ثلاثينَ ميلًا"؛ رواهُ مالكٌ (٤). وصحَّ عنه القصرُ بما هو أقصرُ مِن ذلك فيما رواهُ سالمٌ أيضًا: أنَّه قصَرَ بذاتِ النُّصُب، وهي سِتَّةَ عشَرَ فرسخًا؛ أخرَجَه مالكٌ (٥)، وهي نحوٌ مِن ثمانيةٍ وعِشرينَ كِيلًا، وصحَّ عنه القصرُ فيما هو أقصَرُ مِن ذلك؛ كما رواهُ محمدُ بن زيدِ بنِ خلَيْدةَ: أنَّ ابنَ عمرَ قال: "تُقصَرُ الصلاةُ في مسيرةِ ثلاثةِ أميالٍ"؛ رواهُ ابنُ أبي شيْبةَ (٦)، وصحَّ عنه مِن حديثِ جَبَلةَ بنِ سُحَيْمٍ: أنَّه قال: "لو خرَجْتُ مِيلًا، فصَرْتُ الصلاةَ" (٧)، وصحَّ عنه مِن حديثِ مُحارِبِ بنِ دِثارٍ: أنَّه قال: "إِنِّي لَأُسَافِرُ السَّاعَةَ مِنَ النَّهَارِ فَأَقْصُرُ"، رواهُ ابنُ أبي شيبةَ (٨)، وصحَّ عنه مِن حديثِ نافعٍ: أنَّه كان يُقِيمُ بمكَّةَ، فَإِذَا خَرَجَ إِلَى مِنى قَصَرَ (٩). وصحَّ عن أنَّسٍ. "أنَّه قصَرَ الصلاةَ وجمَعَ إلى أرضٍ له مسافةَ خمسةِ فراسِخَ"؛ رواهُ عنه حمادُ بن زيدٍ، عن أنسِ بنِ سيرينَ، عنه (١٠)، وهي على

стр. 1003

نحوِ خمسةٍ وعشرينَ كيلًا، وقد حُكِيَ ذلك عن أنسٍ، مع أنَّ أنسًا يَرى القَصْرَ فيما هو دونَ ذلك؛ كما في "صحيحِ مسلمٍ"؛ مِن حديثِ يَحيى الهُنَائيِّ، أنَّه سأَلَ أنسَ بنَ مالكٍ عنِ القَصر، فقالك "كان النبيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، أوْ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ، صَلَّى رَكعَتَيْنِ"؛ والشكُّ فيه مِن شُعْبةَ (١). اختلافُ أقوالِ النبي ﷺ وأصحابِهِ في مسافة القصرِ: ومُجرَّدُ فعلِ النبيِّ ﷺ ، وكذا الصحابيُّ، للقصرِ: ليس مقيِّدًا لأَدْنى مسافةِ القصرِ؛ وإنَّما مجوِّزٌ لها، ولمَا هو أَبْعَدُ مِنها مِن بابِ أَوْلى، ولا ينفي ما دُونَها؛ وإنَّما يُرجَعُ فيه إلى ضابطِهِ مِن عُرْفِ الناسِ؛ ققد يقصُرُ الصحابيُّ في موضعٍ، ولا يقصُرُ فيما هو أبعَدُ منه، وذلك لِعِلَّةِ خارجةٍ عن مسافةِ القصرِ؛ كعِلَّةِ الذَّهَابِ والرجوع مِن يومِه، أو قصدِ الإقامةِ في بلدٍ أتَمَّ بها، وربَّما قصَرَ في موضعٍ؛ لَأنَّه يُريدُ السيرَ أبعَدَ منه، فلا يُؤخَذُ القصرُ فيه حدًّا لأدنى مسافةٍ للقصرِ. وما جاء مِن أقوالٍ وأفعالٍ متبايِنةٍ عنِ الصحابة، لا يصحُّ أن يُعارَضَ القولُ بالآخَر، ولا يَنسَخَ قولٌ قولًا، لأنَّهم أبصَرُ الناسِ وأفقهُهم بلُغَةِ الشَّرْعِ ومُرادِه، وهم أهلُ لسانٍ يَفهَمونَ عُرْفَ الشارعِ وعُرْفَ الناس، ولا بدَّ مِن حملِ اختلافِ أقوالِهم المتباينةِ على تنوُّعِ الحال، لا التضادِّ والتعارُض، ومَن تأمَّلَ هذا التنوُّعَ وتبايُنَهُ، وجَدَ أنَّ أرجَحَ المَحامِلِ أن يُحمَلَ اختلافُهم على ما يحتفُّ يالسَّفَر، لا على مَسِيرةِ السفرِ وحدَها. حدُّ مسافةِ السَّفَرِ: وقد اختلَفَ الفقهاءُ مِن بعدِهم - مِنَ التَّابعينَ وأَتباعِهم والأئمَّةِ الأربعةِ - في حدِّ السفرِ الذي يصحُّ معه القصرُ والفِطْرُ؛ على أقوالٍ كثيرةٍ، وبعضُها قد يُلحَقُ ببعضٍ، وذلك تَبَعًا لاختلافِ الصحابةِ وتنوُّعِ أقوالِهم، ومِن هذه الأقوالِ:

стр. 1004

القولُ الأولُ: قولُ أبي حنيفةَ وأصحابِه؛ أنَّ السفرَ المُبِيحَ للقَصْرِ هو مسافةُ ثلاثةِ أيَّامٍ. القولُ الثَّاني: قولُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ؛ أنَّ حدَّ السفرِ المبيحِ للقصرِ أربعةُ بُرُدٍ، وهو مسيرةُ يومَيْنِ. القولُ الثالثُ: قولٌ لمالكٍ والشافعيّ، وروايةٌ عن أحمدَ؛ أنَّ حدَّ السفرِ المبيحِ للقَصْرِ هو مسيرةُ يومٍ تامٍ. ولمالكٍ خمسُ رواياتٍ في حدِّ مسافةِ القصرِ. اشتراطُ الخروجِ من البلدِ للترخُّصِ بالسفر: وفي قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ إشارةٌ إلى أنَّه لا يقصُرُ حتَّى يَشرَعَ في السفَر، وهو الضَّرْبُ، ومَن نَوى السفَرَ وعزَمَ عليه أنَّه لا يقصُرُ ولا يُفطِرُ ما دامَ لم يشرَعْ في السَّفَر، ومَن شرَعَ في السَّفرِ الصحيح، وسار بمَرْكَبتِه، جاز له القصرُ إنْ كان في بلدٍ كبيرٍ كثيرِ العُمْران، فلا يجبُ عليه أن يَسْفِرَ مِنَ البيوتِ ويَبرُزَ عنها، ولو سُمِّيَ المسافِرُ مُسافِرًا؛ لإسفارِهِ وبروزِه مِن بلدِه، فأصلُ التسميةِ لا يتعلَّقُ به حُكْمٌ لازمٌ لا يُخرَجُ عنه؛ فإنَّ الأسماءَ والمصطلَحاتِ في الشريعةِ لا يُناطُ بها حُكْمُ الشرعِ مِن كلِّ وجهٍ؛ وإنَّما هي تدلُّ على حُكْمِ الشرعِ مِن بعضِ الوجوهِ أو أكثَرِها، فقد يَسْفِرُ الرجلُ مِن بلَدِه، ولا يُعَدُّ مُسافِرًا مع بُروزِه عنها، وإنَّما ذكَرَ عامَّةُ الفقهاءِ قيدَ بُروز المسافر لتَرخُّصِهِ بالقَصْر والفِطْر؛ وذلك في البُلْدانِ الصغيرة، فهو أمرٌ يَنضبِطُ في زَمانِهم؛ لأنَّ عمومَ البُلْدانِ على هذا. وقد يوجدُ اليومَ مِنَ البُلْدانِ التي لا يَنفكُّ البناءُ فيها عن المسافرِ ولو سار مَسيرةَ يومَيْنِ أو ثلاثةِ أيامٍ ماشيًا؛ كما في بعضِ بلادِ الهندِ والصِّينِ والقاهرةِ اليومَ، ولأنَّ الحُكْمَ في القصرِ تعلَّقَ برفعِ الحرَج، فلا يتعلَّقُ الحُكْمُ بغيرِه ما وُجِدَ اسمُ السَّفَرِ وتحقَّقَ القصدُ له؛ ولذا كان بعضُ السلفِ مِن الصحابةِ والتابعينَ يقصُرُ بعد خروجِهِ مِن بيتِهِ وأهلِه؛ كما صحَّ عن

стр. 1005

ابنِ عُمَرَ؛ رواهُ عبدُ الرزَّاقِ (١)، وصحَّ عن طاوسٍ عندَ ابنِ أبي شَيبةَ (٢)، وكان عطاءٌ يوسِّعُ في هذا، ولا يُشَدِّدُ فيه؛ كما رواهُ عنه ابنُ جُرَيْجٍ، قال عطاءٌ: "إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ حَاجًّا، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ حَتَّى حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَإِن شَاءَ قَصَرَ، وَإنْ شَاءَ أَوْفَى، وَمَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ" (٣). وإنَّما كان أكثرُ السلَفِ يُعلِّقونَ الأمورَ بالخروجِ مِنَ البلدِ؛ حياطةً للدِّين، ودفعًا لِما يَعرِضُ للإنسانِ مِن موانعِ السَّفَر، التي ربَّما تَعْرِضُ له قبلَ خروجِهِ مِنَ البلد، ويكونُ قد أفطَرَ وهو صائمٌ، وقد قصَرَ صلاتَه، فرجَعَ قبلَ بروزِه؛ ولذا فالقولُ بجوازِ قصرِ الصلاةِ لِمَن خرَجَ مِن دارِهِ وأهلِه، وسارَ في البُلْدانِ الكبيرةِ - يجري على مقاصدِ الشريعةِ أكثَرَ مِن تقييدِ ذلك بخروجِه من بلدٍ لا يخرُجُ منِه إلَّا بمسيرةِ اليومِ واليومَيْنِ. الخوفُ في السفرِ: وقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ رُوِيَ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ وأبي أيُّوبَ: أنَّ قولَه ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ نزَل بعدَ قولِه: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ بعامٍ (٤)، ولا يَصِحُّ. ومنهم: مَن جعَلَ قولَه: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ إلحاقَ شرطٍ بحُكْمٍ سابقٍ. ومنهم: مَن جعَلَة متعلِّقًا بما بعدَه؛ وهو صلاةُ الخوفِ؛ لتأخُّرِ النُّزولِ عن أوَّلِ الآية، والصحيحُ: أنَّها آيةٌ واحدةٌ. وذكَرَ الخوفَ تغليبًا للحال، لا تعليقًا للحُكمِ به؛ ففد يخافُ المُقِيمُ ولا يقصُرُ، ويأمن المسافِرُ ولا يُتِمُّ؛ لأنَّ اللهَ جعَلَ القصرَ للسفرِ كما في

стр. 1006

قولِه في أوَّلها: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ يَعني: السَّفَرَ، وأمَّا تقييدُهُ بالخوفِ في قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ فقد كان لبيانِ الحرَجِ عندَ النزولِ ليُرفَعَ به هو وغيرُه؛ كما جاء في "الصحيحِ"؛ أنَّ عُمَرَ سألَ النبيَّ ﷺ عن قيدِ الخوفِ في الآية، فقال له: (صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صدَقَتَهُ) (١)، ولم يُقيِّد أحدٌ مِن الصحابةِ قصرَ الصلاةِ في السفرِ بالخوفِ، وما جاء عند الطبريِّ عن عائشةَ (٢)، فمُنْكَرٌ جدًّا، وسندُهُ مجهولٌ، وثبَتَ عنها من وجوهٍ ما يُخالفُهُ. وقد جمَعَ النَّبيُّ ﷺ في مكَّةَ وهو آمِنٌ في حَجِّه ومعه عامَّةُ أصحابِهِ وخلفاؤُهُ مِن بعدِهِ في أمْنِهم، وقد صحَّ عنِ ابن عبَّاسٍ؛ أنَّه قال: "كُنَّا نَسِيرُ مَعَ رَسولِ اللهِ ﷺ بَينَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ لَا نَخَافُ إِلا اللهَ نُصَلِّي رَكْعَتَينِ"؛ رواهُ الترمذيُّ والنَّسائيُّ (٣). والقولُ بخلافِ ذلك مخالَفةٌ صريحةٌ للسُّنَّةِ والأثَرِ. * * * قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢]. هذه الآيةُ عامَّةٌ للنبيِّ ﷺ أصحابِه، وغيرِهِ مِن الأئمَّةِ مع الأمَّةِ

стр. 1007

في صلاةِ الخوف، وتخصيصُهُ بقوله، ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾؛ لقصدِ التشريعِ والاقتداءِ به؛ خلافًا لأبي يوسُفَ إذْ جعَلَ صلاةَ الخوفِ خاصَّةً به ﷺ ؛ لظاهرِ الخطابِ في الآيةِ؛ قال اللهُ لنبيِّه ﷺ : ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾، وهذا بعيدٌ؛ لأنَّ اللهَ قالَ بعد ذلكَ: ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾. مشروعيَّةُ صلاةِ الخوفِ للأمةِ: فالنبيُّ ﷺ مُعلِّمٌ يُقِيمُ لأمَّتِه، والأصلُ عمومُ الرسالةِ ووجوبُ الاقتداءِ بالرُّسُلِ، ولمَّا فعَلَ أصحابُ النبيِّ ﷺ ومَن وراءَهُ صلاةَ الخوف، دلَّ على تعلُّقِ الحُكْمِ بالجميعِ لا به، ولو اختَصَّ به، لفعَلَهُ وحدَه، وأمَرَ أصحابَهُ بخلافِه؛ كالزيادةِ على أربعٍ في النِّكاح، وعَرْضِ المرأةِ نفسَها عليه، وكالوِصالِ بالصِّيام، وعلى عمومِ صلاةِ الخوفِ: أصحابُهُ مِن بعدِه، ولا اختِلافَ عندَهم في ذلك. وجاء عنِ المُزَنيِّ صاحبِ الشافعيِّ: القول بنَسْخِ صلاةِ الخوفِ؛ وهذا بعيدٌ، وقد استَدَلَّ المُزَنيُّ نفسُهُ كما في "مختصَرِهِ" على جوازِ صلاةِ المتنفِّلِ بالمفترِضِ بصلاةِ النبيِّ صلاةَ الخوفِ بكلِّ طائفةٍ ركعتنِ ويُسلِّمُ، وأنَّ الرَّكعتَيْنِ الأخيرتَينِ له نافلةٌ ولهم فريضةٌ؛ كما في حديثِ جابرٍ وغيرِه، ولو كانتْ صلاةُ الخوفِ منسوخةً، لَنُسخَ ما تَبِعَها مِن أحكامٍ. صلاةُ الخوفِ في الحَضَرِ: وعامَّةُ العلماءِ على أداءِ صلاةِ الخوفِ في السفر، واختَلَفُوا في فِعْلِها حضَرًا على قولَيْنِ: فجمهورُ العلماءِ على مشروعيَّتِها عندَ خوفِ العدوِّ حضَرًا وسفَرًا، فإنْ شابهَتْ حالةُ الخوفِ مِن العدوِّ في الحضَرِ حالةَ الخوفِ منه في السَّفَرِ، صحَّ؛ فإنَّ العدوَّ قد يُداهِمُ المُسلِمِينَ وهم في الحَضَرِ، فيَدفَعونَ ويُرابِطونَ على ثُغُورِها، وحُكْمُهم حينئذٍ حُكْمُ خوفِ المسافرِ مِن العدوِّ.

стр. 1008

وذهَبَ مالكٌ: إلى أنَّ صلاةَ الخوفِ مختصَّةٌ بالسَّفرِ؛ لظاهرِ الآيةِ في قولِه: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١]؛ وبه قال ابنُ الماجِشونِ. والأصحُّ الأَوَّلُ، والآيةُ عُلِّقَت بالأغلبِ؛ أنَّ مواجَهةَ العدوِّ تكونُ في غيرِ بلَدِ المُسلِمِينَ، وأنَّها في السَّفَر، فالأصلُ في المُسلِمِينَ حمايةُ بُلْدانِهم ومعرفةُ قُرْبِ عدوِّهم وبُعْدِه، وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ الجهادَ والقتالَ يكونُ في بُلْدانِ العدوِّ، لا بُلْدانِ المُسلِمِينَ لِمَن أقامَ شريعةَ الجهادِ كما أمَرَ اللهُ بها، والخِطَابُ لِمَن أقامَها، لا لِمَن عطَّلَها فأذَلَّهُ اللهُ حتَّى أصبحَ يأتيه العدوُّ في دارِه. والشريعةُ لا تُخاطِبُ المقصِّرَ في الحقِّ، وتخفِّفُ عليه العملَ لِيَزدَادَ هَوَانًا وذُلًّا ودَعَةً، فإن كانَتْ حالُهُ كذلك، فلَوْمُهُ وتقريعُه ووعيدُهُ أوْلَى مِن مُخاطبَتِهِ بالتخفيفِ؛ حتَّى لا يَظُنَّ أنَّ فِعلَهُ سائغٌ جائزٌ، وهو أحْوَجُ إلى تَدارُكِ ما فاته مِمَّا فرَّط فيه، مِن حاجتِه إلى التيسيرِ عليه؛ فالشريعةُ لم تُلْغِ أصلَ التيسيرِ؛ وإنَّما رتَّبتِ الخِطابَ بمقدارِ الحاجةِ وأولويَّتِها، وإلَّا فَإنْ قُدِّرَ أنَّ بلدًا مِن بُلْدانِ المُسلِمينَ فاجَأهُ عدوٌّ على حينِ غِرَّةٍ وخافوهُ واحتاجُوا لِصلاةِ الخوف، صَلَّوْها، والله أعلَمُ. صلاةُ الخوفِ وغزوةُ الخندقِ: وتأخيرُ النبيِّ ﷺ لصلاةِ العصرِ حتَّى غرَبَتِ الشمسُ في غزوةِ الخندق، وقولُ بعضِهم: إنَّ صلاةَ الخوفِ لو كانَتْ جائزةً للحاضِرِ لَصَلَّاها النبيُّ - صلي اله عليه وسلم - ولم يُؤخِّرِ العصرَ، وغزوةُ الخندقِ ليسَتْ سَفَرًا؛ وإنَّما في ناحيةِ المدينةِ: فيُقالُ: إنَّ صلاةَ الخوفِ شُرِعَت في غزوةِ ذاتِ الرِّقَاع، وقدِ اختُلِفَ في زمَنِ وقوعِ غزوةِ الخندَقِ منها: فمِنهم: مَن جعَلَ غَزْوةَ ذاتِ الرِّقاعِ سابقةً للخَندَقِ؛ وهو قولُ ابنِ إسحاقَ، وتَبِعَه كثيرٌ، كالواقديِّ وابنِ سعدٍ وخَلِيفةَ بنِ خيَّاطٍ.

стр. 1009

ومِنهم مَن قال: إنَّ غزوةَ الخندقِ سابِقةٌ وتَبِعَتها ذاتُ الرِّقاعِ؛ وهو قولُ جماعةٍ؛ كالبخاريِّ وابنِ القيِّمِ وغيرِهما. وقد ذكَرَ ابنُ إسحاقَ: أنَّ ذاتَ الرِّقَاعِ كانَتْ في السَّنَةِ الرابعةِ والخندقَ بعدَها في السَّنةِ الخامسةِ في شوَّالٍ مِنها، وأكثرُ مَن جاء مِن بَعدِهِ قال بقولِهِ. وقد نَقَلَ البخاريُّ في "صحيحِه"، عن موسى بنِ عُقْبةَ؛ قال: كانَتْ غزوةُ الخَندقِ في شوَّالِ سنة أربعٍ (١)، وظاهرُ صنيعِ البخاريِّ الميلُ إلى قولِ ابنِ عُقبةَ، وعَضَدَهُ بعَرْضِ ابنِ عُمرَ على النَّبيِّ ﷺ في أُحُدٍ وهو ابنُ أربعَ عَشْرةَ، ويومَ الخندَقِ وهو ابنُ خمسَ عَشْرةَ (٢)، فما بينَ أحُدٍ والخندَقِ إلَّا سنةٌ واحدةٌ، وقد كانتْ غزوةُ أحُدٍ سنةَ ثلاثٍ مِنَ الهجرةِ. والأصحُّ: أنَّ الخندقَ سابقةٌ لذاتِ الرِّقَاع، والأسانيدُ الصحيحةُ دالَّةٌ على ذلك، وهي أوْلى بالأخذِ مِن قولِ ابنِ إسحاقَ، وقد جعَلَ البخاريُّ ذاتَ الرِّقاعِ بعدَ خَيْبَرَ؛ لأنَّ أبا موسى شَهِدَها وكان مُهاجِرًا إلى الحَبَشةِ ولم يَقدَمْ إلَّاَ بعدَ خيبرَ؛ حيث قال كما في "الصحيحِ": "فوافَقْنا النبيَّ ﷺ حينَ افتَتَحَ خيبرَ" (٣). وفي "الصحيحَينِ"، عن أبي موسى: "أنَّه شَهِدَ ذاتَ الرِّقاع، وأنَّهم كانوا يَلُفُّونَ على أرْجُلِهِمُ الخِرَقَ لما نَقِبَتْ" (٤). وقد شهِدَها أبو هريرةَ ولم يُسلِمْ إلَّا قبلَ وفاةِ النبيِّ ﷺ بأربعِ سِنينَ، كما في "السُّننِ"، عن حُمَيدٍ؛ قال: صَحِبَ أبو هريرةَ النبيِّ ﷺ أربعَ سنينَ (٥)؛ ففي "المُسنَدِ"، و"السُّننِ"؛ أنَّ مَرْوَانَ بنَ الحَكَمِ سألَ

стр. 1010

أبا هريرةَ: هل صلَّيْتَ مع النبيِّ ﷺ صلاةَ الخوفِ؟ قال: نعَمْ، قال: متى؟ قال: عامَ غزوةِ نَجْدٍ (١). وذاتُ الرِّقاعِ غزوةُ نَجدٍ. ويعضُدُهُ: ما في "صحيحِ البخاري"، مِن حديثِ حابرٍ؛ أن النبيِّ ﷺ صلَّى بأصحابِهِ في الخوفِ في غزوةِ السابعة، غزوةِ ذاتِ الرِّقَاعِ (٢). ومِنهم: مَن حمَلَ العدَدَ في قولِه: "السابعةِ" على الغزوة، ومِنهم: مَن حمَلَه على محذوفٍ وهو السنةُ السابعةُ، وعلى كِلا الحَمْلَيْنِ يدلُّ هذا على تأخُّرِ غزوةِ ذاتِ الرِّقاع، وتقدُّمِ غزوةِ الخندقِ. ولو كانتِ الخندقُ متقدِّمةً، ما كان ذلك مُسقِطًا للاحتجاجِ بصلاةِ الخوفِ؛ لإجماعِ الصحابةِ والتابعينَ عليها، وهم أعلَمُ بحالِ النبيِّ ﷺ وناسخِ فِعلِهِ ومنسوخِه. وأمَّا تأخيرُ النبيِّ ﷺ لصلاةِ العصرِ حتَّى غروبِ الشمسِ في الخندَقِ، فيُنظَرُ تخريجُهُ، ولا يُجعَلُ مُعارِضًا لمَا استفاضَ واشتَهَرَ مِن عمَلِهِ وعملِ أصحابِه، وقد فرَّقَ بعضُ الفقهاءِ بين حالِ المُسايَفةِ والمُواجَهةِ والانشغالِ التامِّ بالعدوِّ وبينَ غيرِها؛ ففي المُسايَفةِ لا يُمكِنُ لأَحَدٍ أن يُصَلِّيَ، فيُؤخِّرَ الصَّلاةَ إلى حينِ أَمْنِهِ ولو بعدَ وقتِها، وأمَّا في غيرِ المُواجَهةِ، فتكونُ صلاةُ الخوفِ حسَبَ القدرةِ فردًا أو جماعةً، راكبًا أو راجلًا. اختلافُ الرواياتِ في ركعاتِ صلاةِ الخوفِ: وقد جاءَتْ في صلاةِ الخوفِ أحاديثُ جميعُها صحيحةٌ، وكلُّ الصُّوَرِ الواردةِ المرفوعةِ مشروعةٌ؛ وذلك لأنَّ غَزَواتِ النَّبيِّ ﷺ تعدَّدَتْ، وصَلَواتِهِ فيها

стр. 1011

أكثَرُ؛ ففي كلِّ غزوةٍ أيَّامٌ، وفي كلِّ يومٍ صلواتٌ، وكلُّ صلاةٍ على حالٍ مِن الخوفِ يَختلِفُ عن غيرِه، فاختَلَفَتِ الصُّوَرُ باختلافِ الحالِ التي كان عليها هو وأصحابُه، وكلُّ واحدٍ روى ما شهِدَ، وكل ذلك صحيحٌ. ولهذا تعدَّدَ القولُ في ذلك عن الصحابةِ بتعدُّدِ الأفعال، وكلٌّ يميلُ إلى ما عَمِلَ أو ما نُقِلَ إليه ولا يُنكِرُ غيرَه، ومَن قال بصورةٍ لا يُبطِلُ القولَ بغيرِها، فلا ينبغي أن تُجعَلَ أقوالُهم متضادَّةً متعارِضةً؛ وإنَّما متنوِّعةٌ متشاكِلةٌ، وقد قال أحمدُ: "لا أعلَمُ في هذا البابِ إلَّا حديثًا صحيحًا" (١). وكان أحمدُ وكذا الشافعيُّ يُخيِّرُ بين الصِّفاتِ الواردةِ بحسَبِ الحاجةِ إليها وتغيُّرِ الحال، ولا يُقدِّمُ صفةً على أخرى بكلِّ حالٍ. وفرقٌ بينَ ما يتعدَّدُ مِن الرِّواياتِ مع تعدُّدِ الأفعالِ؛ كصَلاةِ الخوفِ، وبينَ ما يتعدَّدُ مِنَ الرِّواياتِ مع اتِّحادِ الفِعْلِ؛ كصلاةِ الكُسُوف، فالأوَّلُ: تُحمَلُ الرِّواياتُ على القَبُولِ إن صحَّ سنَدُها وقامَتِ القرينةُ على اختِلافِ الفِعْل، والناني: تُنكَرُ الرِّواياتُ المتعدِّدةُ ولو رَواها ثقاتٌ، ويُؤخَذُ بأصَحِّها وأقوَاها وما قامَتِ القرائنُ على ترجيحِها منها. أسبابُ تعدُّدِ رواياتِ صلاةِ الخوفِ. وإنَّما تعدَّدَتْ صورُ صلاةِ الخوفِ وصِفتُها؛ لتعدُّدِ الفِعْلِ واختلافِ الحالِ؛ فمَن سبَرَ الأحاديثَ في صفةِ الخوف، وجَدَ أنَّ أسبابَ تعدُّدِها تَرجِعُ إلى أسبابٍ ثلاثةٍ. الأولُ: القربُ مِن العدوِّ والبعدُ عنه؛ فإذا كان العدوُّ قريبًا، احتاجَ المصلُّونَ لتخفيفِ الصلاةِ وتقليلِ عَدَدِها؛ للخشيةِ مِن ميلِهِ عليهم وأخذِهِ لهم على غِرَّةٍ؛ ولهذا جاءت صلاةُ الخوفِ ركعةً، وجاءتْ ركعتَيْن، وجاءَتْ جماعةً، وجاءتْ فُرادى عند التلاحُمِ وشِدَّةِ القُرْبِ.

стр. 1012

الثاني: مكانُ العدوِّ مِن المُسلِمينَ؛ فإنْ كاد مقابِلًا لهم في قِبْلَتِهم، صَلَّوْا جماعةً واحدةً على الصِّفَةِ الواردة، وإن كان خَلْفَهُمْ، صَلَّوْا جماعتَيْنِ: جماعةً تحرُسُ، وجماعةً قائمةً تُصَلِّي على الصِّفاتِ الواردةِ في السُّنَّةِ. الثالثُ: شدةُ الخوفِ وضَعْفُهُ مِن العدوِّ؛ فكلَّما كان المُسلِمونَ أكثَرَ خوفًا مِن مَيْل المشرِكينَ عليهم وخِدَاعِهم لهم، أخَذُوا بأخَفِّ الصِّفاتِ وأَيْسَرِها عليهم، وعَكسُها بعكسِها، وكثيرٌ مِن الفقهاءِ لا يَعتبِرونَ لِشِدَّةِ الخوفِ أثرًا في نُقصانِ صلاةِ الخوفِ. صفاتُ صلاةِ الخوفِ: وقد جاءَت صِفاتٌ متعدِّدةٌ في صلاةِ الخوف، وجِمَاعُها على هذه الصِّفاتِ: الأُولى: أنَّ الإمامَ يَجعل الناسَ على طائفتَيْنِ؛ فيُصلِّي بواحدةٍ ركعةً والأُخرى يَحرُسونَ ظُهورَهم، فإذا قام للثانيةِ تنفصِلُ الأُولى عن الإمام، فتُتِمُّ لنفسِها ثُم تُسَلِّمُ، والإمامُ باقٍ قائمٌ في الرَّكعةِ الثانيةِ يُطِيلُ قيامَهُ، لِتُدرِكَهُ الطائفةُ الثانيةُ، فإذا سَلَّمَتِ الأُولى دخلَتِ الثانيةُ، فإذا جلَسَ الإمامُ للتشهُّدِ قامَتِ الثانيةُ تُتِمُّ لنَفْسِها؛ لتُدرِكَ الإمامَ فيَ السَّلامِ؛ لتُسلِّمَ معَهُ، وهذه الصورةُ الأشهَرُ، وبها يقولُ مالكٌ، وهي في "الصحيحَينِ"؛ مِن حديثِ صالحِ بنِ خوَّاتٍ، عن سهلِ بنِ أبي حَثْمَةَ (١) وتارَةً يَرْويها صالحٌ عمَّن صلَّى مع النبيِّ صلاةَ الخوفِ يومَ ذاتِ الرِّقَاعِ (٢)، وكأنَّه يَرويها عن غيرِ واحدٍ. وجاء نحو هذه الصِّفةِ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسِ في البخاريِّ وغيرِه (٣). وصحَّ عندَ ابنِ جريرٍ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ مِن روايةِ عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ عنه موقوفًا، لكنْ جعَلَ الإمامَ يَننظِرُ الطائفةَ الثانيةَ جالسًا بعدَ ركعتِهِ

стр. 1013

الأولى حتَّى تُتِمَّ الأُولى لنَفْسِها ثم تَنصرِفَ، ثم تدخُلُ الثانيةُ مع الإمام، فيقومُ بها فيُصلِّي ركعةً، ثمَّ يسلِّمُ بها، ثمَّ تُكمِلُ بعدَهُ ولا يَنتظِرُها بسَلامِه (١). الثانيةُ: أن يَقومَ الإمامُ بطائفةٍ ركعةً، ثمَّ تَنصرِفَ إن قام للثانيةِ تحرُسُ ولا تُسلِّمُ ولا تُتِمُّ لنَفْسِها، ثم تأتي الثانيةُ فتُصلِّي معَ الإمامِ الرَّكعةَ الأُولى لها والثَّانيةَ للإمام، وتُتمُّ بعدَه، فإنْ سلَّمَتْ رجعَت فحرَسَت، ثمَّ رجعَتِ الأُولى وقضَتْ ركعتَها الثانيةَ التي ترَكَتْها ثمَّ سلَّمَتْ. وهذا صحَّ مِن حديثِ ابنِ عُمَرَ في البخاريِّ (٢)، ومِن حديثِ ابنِ مسعودٍ عندَ أحمدَ وأبي داودَ (٣). وصحَّ هذا موقوفًا عن نافعٍ عنِ ابنِ عُمرَ، رواهُ مالكٌ والبخاريُّ (٤). وجاء أيضًا عن أبي موسى الأشْعريِّ؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي شَيْبةَ والطبريُّ (٥). وروى منصورٌ عن عُمَرَ مِثْلَ هذه الصفةِ مِن فِعْلِه، إلَّا أنَّ الإمامَ يُسلِّمُ بالثانيةِ بركعةٍ واحدةٍ لها، وركعتَيْنِ له، ثم تقومُ مقامَ الطائفةِ الأُولى فتقضي الأُولى، ثمَّ تَرجِعُ لِتقومَ مَقامَ الثانيةِ؛ لتَقضِيَ مِثلَها، فقَضاءُ الطَّائفتيْن كلُّ واحدةٍ وحدَها. رواهُ ابنُ جريرٍ (٦) وفيه انقطاعٌ، ومِثلُ هذه الصِّفةِ رواها الحارثُ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ عندَ عبدِ الرزَّاقِ (٧)، وبِمثلِها صلَّى عبدُ الرحمنِ بنُ سَمُرةَ بالمُسلِمينَ بِكابُلَ؛ أخرَجَهُ البيهقيُّ في "سُننِه" (٨). وبهذه الصِّفةِ يقولُ الأوزاعيُّ وغيرُه.

стр. 1014

وفرَّق بعضُهم بينَ حديثِ ابنِ عُمرَ وحديثِ ابنِ مسعودٍ؛ فجَعلَ حديثَ ابنِ عمرَ في قصاءِ الطائفتَيْنِ لأنفُسِهم جميعًا، وكأنَّ الإمامَ يَحرُسُهُم وحدَه، وجعَلَ حديثَ ابنِ مسعودٍ في قضاءِ كلِّ طائفةٍ وحدَها للركعةِ التي فاتَتْها، وذهَبَ إلى حديثِ ابنِ مسعودٍ الكوفيُّونَ. ولا يَظهَرُ صراحةً قضاءُ الطائفتَيْنِ جميعًا في وقتٍ واحدٍ في حديثِ ابنِ عُمرَ؛ وهذا لا يتَّفِقُ مع الحِكْمةِ مِن مشروعيَّةِ صلاةِ الخوفِ والعدوُّ مِن خَلْفِهم، والأظهَرُ حملُ حديثِ ابنِ عُمرَ على حديثِ ابنِ مسعودٍ وغيرِه ممَّا سبَق ذِكرُه، واللهُ أعلَمُ. الثالثةُ: كسابقتِها إلَّا أنَّ كل طائفةٍ تُصلِّي مع الإمامِ ركعةً واحدةً بلا قضاءٍ للفائتة، فهي للجماعةِ ركعةٌ، وللإمامِ ركعتانِ. وهذا صحَّ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ؛ أخرَجَه النَّسائيُّ (١)، ومِن حديثِ حذيفة؛ أخرَجَه أحمدُ وأبو داودَ والنَّسائيُّ (٢). وجاء مِن حديثِ زيدٍ مرفوعًا مِثلُه؛ أخرَجَه عبدُ الرزَّاقِ والطَّحاويُّ وغيرُهما (٣). وهذه الصفاتُ الثلاثُ تُغلَّبُ في حالِ كونِ العدوِّ في ظهرِ المُسلِمينَ وهم يَحتاجونَ إلى حمايةِ أظهُرِهم، لا إلى وُجوهِهم. وهذه الصفةُ الثَّالثةُ، ربَّما يُحتاجُ إليها عندَ حاجةِ الطائفتَيْنِ للوقتِ؛ إمَّا لقُرْبِ العدوِّ أو لشدَّةِ الحذَرِ منه، وقد روى غيرُ واحدٍ مِنَ السَّلفِ أنَّ صلاةَ الخوفِ ركعةٌ واحدةٌ؛ رواة مجاهدٌ عَنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ أخرَجَهُ مسلمٌ (٤).

стр. 1015

رواهُ سِمَاكٌ الحنفيُّ عنِ ابنِ عمرَ؛ أخرَجَهُ ابنُ جَريرٍ (١). وجاء عن جابرٍ؛ رواهُ يزيدُ الفقيرُ، أخرَجَهُ ابنُ جَريرٍ (٢)، وأصلُه في "الصحيحِ". وجاء عن حُذَيْفةَ بنِ اليَمَانِ؛ أخرَجَهُ عبدُ الرزَّاقِ وابنُ أبي شيبةَ والبيهقيُّ (٣). وجاء عن كَعْبٍ؛ أخرَجَه سعيدُ بنُ منصورٍ والطبريُّ (٤). ولذا كان بعضُ السَّلفِ إنْ سُئِلَ عن صلاةِ المُسايَفةِ جعَلَها ركعةً ولو بالإيماءِ؛ كالحكَمِ وحمَّادِ ينِ أبي سُلَيْمانَ ومُجاهدٍ والضحَّاك، وقال به أحمدُ. وقد جعَلَ بعصُ الفقهاءِ صلاةَ الفجرِ في صلاةِ الخوفِ ركعةً واحدةً بكلِّ حالٍ؛ كمحمدِ بنِ نصرٍ وابنِ حَزْمٍ، وهذا التقييدُ يحتاجُ إلى نَصٍّ، ولا أعلَمُه ظاهرًا في الدَّليل، ولم يُفرِّقِ السّلَفُ بينَ الثُّنائيةِ والرُّباعيَّةِ في صلاةِ الخوفِ. الرابعةُ: يُصلِّي الإمامُ بالمُسلِمينَ جميعًا، وَيجعلُهم صفَّينِ أو أكثَرَ، ويُتابِعونَهُ في كلِّ شيءٍ، إلَّا السُّجُودَ، فيَسجُدُ الصفُّ المتقدِّمُ مع الإمامِ والمتأخِّرُ قائمٌ يَحرُسُهم، فإذا قام الإمامُ والصفُّ المتقدِّمُ، سجَدَ الصفُّ المتأخِّرُ ولَحِقَ بالإمام، فيقومُ الجميعُ الثانيةَ معَ الإمام، ويركَعونَ معَه، فإذا جاء السُّجُودُ تقدَّمَ الصفُّ المتأخِّرُ؛ لِيَكونَ متقدِّمًا، فيأخُذُ نصيبَه مِنَ السُّجودِ معَ الإمام، ويتأخَّرُ المتقدِّمُ لِيَحُلَّ محلَّ المتأخِّر، ثمَّ إنِ انتَهى الإمامُ مِنَ السُّجود، تَبِعَهمُ المتأخِّرُ فسجَدَ وتشهَّدَ معَهم، وسلَّمَ بهم جميعًا.

стр. 1016

وهذا ثَبَتَ في مسلمٍ؛ مِن حديثِ جابرٍ (١). وفي البخاريِّ؛ مِن حديثِ عُبيْدِ اللهِ بنِ عبدِ الله، عنِ ابنِ عبَّاسٍ (٢)، لكنَّه جعَلَ الصفَّ الثانيَ لا يَركَعُ ولا يَسجُدُ حتَّى يَنتهِيَ الصفُّ الأوَّلُ مِن رُكوعِهِ وسجود للرَّكْعةِ الأُولى مع الإمام، وجاء عندَ الطحاويِّ مِن حديثِ عُبيدِ اللهِ به، لكنْ مِن قولِ ابنِ عبَاسٍ؛ مِثلَ حديثِ جابرٍ (٣). وعندَ أحمدَ وغيره مِن حديتِ مجاهدٍ، عن أبي عيَّاشٍ مرفوعًا (٤)، ولكنَّه جعَلَ تقدُّمَ الصفِّ الثاني وتأخُّرَ الأوَّلِ قبلَ ركوعِ الركعةِ الثانيةِ لا بعدَه. ورواهُ البيهقيُّ مِن حديثِ عِكرِمَةَ عَنِ ابنِ عبَّاسٍ مرفوعًا مِثلَه (٥)، إلَّا أنَّه لم يَذكُرْ تقدُّمَ الصفِّ الآخِرِ على الأوَّل، وإنَّما ظاهرُهُ أنَّهما يَفعَلانِ الصِّفةَ كلُّ طائفةٍ في مكانِها. الخامسةُ: يَجعلُ الإمامُ المُسلِمينَ طائفتَيْن، فيُصلِّي بكلِّ واحدةٍ وهي منفرِدةٌ ركعتَيْن، فهي للإمامِ أربعٌ، ولكلِّ طائفةٍ ركعتانِ. وهذا صحَّ مِن حديثِ جابرٍ عندَ مسلمٍ (٦)، ومِن حديثِ أبي بَكْرَةَ عندَ أحمدَ وأبي داودَ والنَّسائيِّ (٧)، وفي حديثِ أبي بَكْرةَ ذكَرَ: أنَّ الإمامَ يُسلِّمُ مِن كلِّ ركعتينِ فلا يَصِلُها. وهاتانِ الصِّفتانِ - الرَّابعةُ والخامسةً - في حالِ كونِ العدوِّ أمامَ المُسلِمينَ.

стр. 1017

استقبالُ القبلةِ في صلاةِ الخَوْفِ: وهذه الصِّفاتُ الخمسُ السابقةُ تدلُّ على تأكُّدِ استقبالِ القِبْلة، ووجوبِهِ على القادرِ؛ فاللهُ لم يجعَلْ طائفةً خَلْفَهم تحرُسُ إلَّا والقِبلةُ أمامَهم، ولو جاز تركُ الاستقبالِ بكلِّ حالٍ في صلاةِ الخوف، لاستَدَارُوا جميعًا جِهَةَ العدوِّ واستقبَلُوهُ بدَلَ القِبْلة، وصلَّوْا جميعًا كما في الصِّفَةِ الرابعةِ والخامسةِ. وإنَّ استقبالَ القِبْلةِ لا يسقُطُ إِلَّا عندَ العجزِ عن أداء الصَّلاةِ جماعةً طائفةً أو طائفتيْن، وقد لا يسقُطُ الاستقبالُ في حالِ الصلاةِ فُرادى عندَ أمنِ الرَّجُلِ إن كانَ وحدَهُ مِن الرُّماة، وخَشيتُهُ هي مِن بروزِهِ فحَسْبُ، وهذا ما قال به ابن عُمرَ فما رواهُ عنه مالكٌ وغيره؛ قال: "إن كان خوفًا أشدَّ مِن ذلك، صلَّوْا رِجالًا أو رُكبانًا، مُستقبِلي القِبلةِ وغيرَ مُستقبِليها" (١). السادسةُ: وهي المقصودةُ في قولِهِ تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، وهي أن يُصلِّيَ كلُّ مُسلمٍ وحدَهُ، وهذه حالُ المُسايَفةِ والمُواجَهة، فلا يتَمكَّنُ المُسلِمونَ مِنَ الاصطفافِ والاجتماعِ خوفَ رميِ العدوِّ واستِهدافِه؛ وهذا ثبَتَ في "الصحيحينِ"؛ مِن حديثِ ابنِ عُمرَ؛ قال: "إِنْ كَانَ خَوْفٌ هُوَ أشَدَّ مِن ذَلِكَ، صَلَّوْا رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقدَامِهِمْ أوْ رُكْبَانًا، مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةِ أوْ غيْرَ مُستَقْبِلِيهَا". قال نافعٌ راويهِ عنِ ابنِ عُمرَ: "لا أرى عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ ذكَرَ ذلك إلَّا عن رسولِ اللهِ ﷺ " (٢). وصفةُ الصلاةِ راجلًا وقائِمًا: بالإيماءِ؛ كما جاءَ عنِ ابنِ عُمرَ؛ أنَّه قال: "إذا اختَلَطُوا فإنَّما هو الذِّكْرُ وإشارةُ الرَّأسِ" (٣).

стр. 1018

وبهذا فال مجاهدٌ وعطاءٌ وطاوسٌ والحسنُ وسعيدُ بن جُبيرٍ والنَّخَعيُّ وغيرُهم. ويشتدُّ هذا عندَ المُطارَدةِ؛ فقد يسقُط في بعضها حتَّى الإشارةُ ويُكتفى بالقولِ وحضورِ القبِ على قولِ جماعةٍ مِنَ السلفِ. وقد تعدَّدَتْ صورُ صلاةِ الخوفِ حتَّى جعَلَ بعضُ الفقهاءِ الاختلافَ اليسيرَ بينَها فَرْقًا لي الصِّفة، وقد جاء عدَ ابر حبَّانَ في "صحيحِه" نحوٌ مِن تِسْعٍ، وجعَلَها ابنُ حَزمٍ أربعَ عَشْرةَ صِفةً. تأخيرُ الصلاةِ عد اشتدادِ القتالِ: وقد اختُلِفَ في جوازِ تأخيرِ الصلاةِ عن وقتِها عند اشتدادِ القتال، والتحامِ الصفوف، وتعذُّرِ الإيماءِ - على قولَينِ في مذهبِ أحمدَ. والجمهورُ: على أنَّها لا تُؤخَّرُ. والقولُ الآخَرُ لأحمدَ: جوازُ تأخيرِها، ومال إليه البخاريُّ، وقال به مِن السَّلَفِ مكحولٌ والأوزاعيُّ؛ وعلى هذا حمَلَ بعضُهم صلاةَ النبيِّ ﷺ في يومِ الأحزابِ حينَما أخَّرَها حتَّى غروبِ الشمس، وبهذا عمِلَ الصحابةُ في فتحِ تُسْتَرَ حينَما التَحَمَ الصَّفَّان، فأخَّرُوا الفَجْرَ إلى الضُّحَى، كما علَّقَه البخاري: "قال أنسُ بنُ مالكٍ: حَضَرْتُ عِندَ مُنَاهَضَه حِصْنِ تُسْتَرَ عِنْدَ إِضَاءَةِ الفَجْرِ، وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ القِتَال، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاة، فَلَمْ نُصَلِّ إِلَّا بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أبِي مُوسَى، فَفُتِحَ لَنَا، وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا" (١). وكان ذلك في خِلَافةِ عُمَرَ، وفيهم صحابةٌ كثيرٌ، وهذا يَشتَهِرُ ولا يُقالُ إلَّا إنَّه جَرى على السُّنَّةِ وأحَدِ وجوهِ صلاةِ الخوف عندَهم.

стр. 1019

وهذا الاختلافُ تنوُّعٌ لا تضادٌّ، ومَن نظَرَ في عمَلِ السَّلَف، وجَدَ مِنهم مَن يُفتي وَيعمَلُ بأكَثرَ مِن صِفَةٍ؛ وذلك لاخلافِ الحال، كما كان حُذَيْفةُ وجابرٌ يَجعَلونَ صلاةَ الخوفِ ركعةً، ومرَّةً يَجعَلونَها ركعتَيْنِ. صلاةُ المغرِبِ عند الخوفِ: وهذا في حميعِ الصَّلواتِ بلا فَرقٍ عندَ السَّلَفِ بينَها، إلَّا المَغرِبَ، فإن لم يَكُنِ الإنسانُ في حالِ المُسايَفةِ والمُطارَدة، فيُصلِّيها ثلاثًا؛ لأنَّها لا تُقصَرُ، وبهذا قال الحسَنُ والأشعثُ بن عبدِ الملِكِ والثَّوْريُّ، ولا مُخالِفَ لهم. وإن كان في حالِ المسايَفةِ والمُطارَدة، فيُصلِّيها واحدةً، وتُجزِئُ عنه؛ فإنَّه إنْ جازَ أن تُجعَلَ الرُّباعيَّةُ واحدةً مع أنَّها لا تُقصَرُ على ذلكَ في السفر، فالثُّلاثيَّةُ مِن بابِ أَوْلى، ولأنَّ الصلاةَ قد تسقُطُ كلُّها، ويُكتَفى بالذِّكرِ عندَ التِقاءِ الزَّحفَيْن، وضَرْبِ الناسِ بحضِهم بعضًا، وعدَمِ معرفةِ وقتِ الخلاصِ، فإذا حضَرَتِ الصلاةُ والحالُ هذه، فيُكتَفى بالتسبيحِ والتحميدِ والتهليلِ والتكبيرِ؛ وبهذا قال سعيدُ بن جُبَيْرٍ وأبو البَختَريِّ وأصحابهما، وكانوا يَقولونَ: "فِتلكَ صَلاتُك ثُمَّ لا تُعِدْ"؛ أخرَجَهُ ابن أبي شَيْبةَ (١). وأمَّا صفةُ صلاةِ المَغرِبِ ثلاثًا، فعَلى صورتَيْنِ: - إمَّا أن يُصلِّيَ بالأُولى ركعةً وبالثانيةِ ركعتَيْن، ثمَّ يُتِمَّ كلٌّ ما فاتَهُ. - وإمَّا عَكسُها؛ يُصلِّي بالأُولى ركعتَيْن، وبالثَّانيةِ ركعةً، ثمَّ يُتِمُّ كلٌّ ما فاتَهُ. والأمرُ على التيسير، وليس في صِفَتِها خبرٌ يصحٌّ مرفوعٌ ولا موقوفٌ. وقد جاء عندَ الدَّارَقُطْنيِّ مِن حديثِ أبي بَكْرةَ؛ أن النبيَّ ﷺ صلَّى بالقومِ صلاةَ المغرِبِ ثلاثَ رَكَعاتٍ، ثمَّ انصرَفُوا، وجاء الآخَرونَ فصلَّى

стр. 1020

لهم ثلاثَ رَكَعاتٍ، فكانتْ للنبيِّ ﷺ ستًّا، وللقومِ ثلاثًا ثلاثًا (١). ولا يصحُّ، ولا أعلَمُ مَن قال بالصِّفةِ في حديثِ أبي بَكرةَ مِنَ السلفِ إلَّا ما حُكيَ عَنِ الحسن، وهو غريبٌ؛ رواهُ أشعثُ الحُمرانيُّ عنِ الحسنِ عن أبي بكرةَ به، واللهُ أعلمُ. حملُ السلاحِ في صلاة الخوفِ. وقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾؛ رفَعَ اللهُ الحرَجَ في حَمْلِ السِّلاحِ في الصَّلاةِ وغيرِها لِمَن يَجِدُ ضَرَرًا وحَرَجًا، ورفعُ الحرَجِ دليلٌ على أنَّ الأصلَ لي حملِ السِّلاح عندَ قُرْبِ العدوِّ ومُواجهتِهِ الوجوبُ، وكلَّما قَرُبَ، عَظُمَ؛ لأنَّ فيه حِفْظًا للنفسِ والعِرْضِ والمالِ. ورَفْعُ الجُنَاحِ في هده الآيةِ شبيهٌ برَفْعِ الحرَجِ في الآيةِ السابقةِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]؛ لأنَّ الأصلَ وجوبُ إتمامِ الصلاة، فرَفعَ الحرَجَ عنهم فرَخَّصَ في القَصْر، وهُنا جعَلَ الأصلَ في حملِ السِّلاحِ الوجوبَ، فرفَعَ الحرَجَ عندَ الأذى والمرَضِ. والمراد بالمرَضِ: كلُّ ما أضعَفَ البدَنَ وآذاهُ عندَ حَمْلِ السِّلاحِ؛ كالجِرَاحاتِ والحُمَّى، والأذى: كالمطَرِ وشدَّةِ البردِ والرِّيحِ. ومع وضعِ السِّلاحِ أمَرَ بأخذِ الحِذْرِ في قولِه ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾؛ لأنَّه يَغلِبُ معَ وضعِ السِّلاحِ الرَّاحَةً والدَّعَةُ ويَتْبَعُها الغَفلةُ، واللهُ في القرآنِ يأمُرُ بالحذرِ مِن العدوِّ، وينهى عن الخوفِ منه: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٥]؛ لأنَّ الحذرَ حَزْمٌ وعقلٌ، والخوفَ جُبْنٌ وهزيمةٌ. واختُلِفَ في المخاطَبِ بحَمْلِ السِّلاحِ: الطَّائفةُ الحارسةُ، أمِ
следующие страницы →