← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

ما يحِلُّ مِن البهائِمِ: وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: العربُ تسمِّي الإبل والبَقَرَ والغَنَمَ أنعامًا، ولكن المرادَ بالآيةِ: عمومُ البهائم، الإنسيَّةِ؛ كالإبلِ والبقرِ والغنم، والوحشيَّةِ؛ كالغَزَالِ وحِمارِ الوحش، لأنَّ اللهَ استثنَى بعدَ ذلك مِن الأنعامِ أوصافًا يدخلُ فيها الإبلُ والبقرُ والغنمُ وغيرُها، وذلك في قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، وهذا استثناءٌ مِن بهيمةِ الأنعام، والأنعامُ الإنسيَّةُ لا تُصادُ. وفي هذه الآيةِ؛ دليلٌ على إباحةِ كلِّ بهيمةٍ مِن كلِّ نوعٍ، وعلى كلِّ صورةٍ، وعلى كلِّ سنٍّ صغيرِها وكبيرِها، ولا يُستنثى مِن أحوالها إلا ما دلَّ الدليلُ على استثنائِهِ؛ كالدمِ والمَيتَةِ وما ذُبِحَ لغيرِ اللهِ منها. حكمُ جنين البهيمةِ: وقد استدَلَّ جماعةٌ مِن الصحابةِ بعمومِ هذه الآيةِ على حِلِّ الجنينِ في بطنِ أمِّهِ لو وُجِدَ ميِّتًا في بطنها بعدَ ذَكَاتِها؛ وهو قولُ ابنِ عمرَ وابنِ عبَّاسٍ. أحوالُ موتِ الجنين في بطنِ أمِّه: والجنينُ في بطنِ أمِّه يأخُذُ حُكمَها إنْ كان ميِّتًا في بطنها؛ وهو بموتِهِ في بطنِها معها على حالتينِ: الحالةُ الأُولى: إنْ كانت أمُّهُ لا تَحِلُّ بموتِها بخَنْقٍ أو وَقذٍ أو نَطْحٍ أو تَرَدٍّ أو ذبحٍ لغيرِ الله، فجَنِينُها مُحرَّمٌ مِثْلُها؛ فهو عضوٌ منها يحرُمُ كحُرْمةِ يدِها ورِجْلِها وأَلْيَتِها. الحالةُ الثانيةُ: إن كانت أمُّه ماتتْ بصورةٍ مباحةٍ؛ كالمُذَكَّاةِ ذَكَاةً شرعيَّةً، أو وُجِدَ في بطنِ الصَّيْدِ المَرْمِيِّ بسهمٍ جنينٌ؛ كالغزالِ

стр. 1087

وحِمَارِ الوحشِ ونحوهما؛ فهو حلالٌ؛ لأنَّ موتَ أمِّه بسببٍ حلالٍ. وإنَّما أخَذَ الجنينُ حُكمَ أمِّه بموتِهِ معها! لأنه كحُكمِ أحدِ أعضائِها، ولا يُوجَدُ في الجنينِ حياةٌ يستقِلُّ بها عن أمِّه، وإلَّا لم يَمُتْ بموتِها، فهو حيٌّ كبقيَّةِ أعضائِها، وليس به مِن الدمِ ما يُحتاجُ لإراقتِهِ عندَ الذَّبحِ، وقد رُويَ عن ابنِ عمرَ: "هو بمزلةِ رِئَتِها وكبِدِها" (١). وقد جاء في "السنن"؛ من حديثِ جابرٍ (٢)، وأبي سعيدٍ (٣)؛ قال ﷺ (ذَكاةُ الجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ). وإن مات الجنينُ في بطنِ أمِّه وهي حيَّةٌ، فهو محرَّمٌ؛ سواءٌ سقَطَ مِن بَطنِها ميِّتًا، أو شُقَّ بطنُها بجراحةٍ ثم أُخرِجَ منها وهي حيَّة، فحكمُهُ كحُكمِ العضو المقطوعِ منها وهي حيَّةٌ، كقَطعِ الأَلْيَةِ واليدِ والرِّجل، فلا يجوزُ أَكلُه؛ لِمَا في الحديثِ: (مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ، فَهوَ مَيْتَةٌ) (٤)، ويستثنى مِن هذا: ما قُطِعَ مِن البهيمةِ وهي حيَّةٌ تُطلَبُ لكونِها صيدًا هاربًا، أو مِن بهيمةِ الأنعامِ التي توحَّشتْ، فرُمِيَت بسهمٍ أو سيفٍ فقُطِعَت يدُها أو رِجلُها وبَقيت حيةً، ثم ماتت بذبحٍ أو بسببِ السهم، فنزَفَ دمُها، فما قُطِعَ منها قبلَ التَّمكُّنِ منها يتبعُ حكمَها اللاحقَ على الصحيحِ. وإنْ خرَجَ الجنينُ حيًّا، استقَلَّ بالحُكمِ بنفسِهِ كبقيَّةِ البهائمِ. وقوله تعالى في الآيةِ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ دليلٌ على وجودِ التحريمِ

стр. 1088

في بهيمةِ الأنعام، وأنَّ اللهَ تلاهُ على الأمَّةِ، وذلك في سورة البقرةِ: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [١٧٣] ونحوُها في سورةِ النحلِ [١١٥]، وفي هذه السورةِ المائدةِ بعدَ آياتٍ [٣]، وفي سورةِ الأنعامِ [١٤٥]. وأكثرُ الأنواعِ التي تلاها اللهُ محرَّمةً مِن بهيمةِ الأنعامِ هي في سورةِ المائدةِ كما يأتي. وهذا الاستثناءُ في الآيةِ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ تبِعَهُ استثناءٌ آخَرُ في قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ونَصبُ (غَيْرَ) على الحالِ؛ وهذا الاستثناء دليلٌ على دخولِ بقيَّةِ البهائمِ في اسمِ الأنعامِ. ولما أدخَلَ الله في الأنعامِ المباحةِ الإنسيَّ والوحشيَّ جميعًا، استثنَى من كلِّ نوعٍ شيئًا: أمَّا الإنسيُّ، فاستثنَى ما يُتلى عليكم على ما تقدَّم. وأمَّا الوحشيُّ، فاستثنَى مِن حِلِّه صَيْدَه للمُحْرِمِ. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ يَقْضِي ويفصِّلُ ما يُريدُهُ لكم وعليكم، ولكنَّه لا يظلمُ في حُكمِه، ولا يجورُ في قضائِه. ويشيرُ الله في ختمِ الآيةِ إلى إضمارِ تعليلِ الحُكمِ؛ تنبيهًا إلى أن حقِّه التسليمُ والانقيادُ والطاعةً، وعدمُ تعليقِ التسليمِ ببيانِ التعليلِ؛ كحالِ المُنافِقينَ. سببُ إضمارِ حِكمةِ التشريعِ: والله يُضمِرُ الحُكمَ لحِكَمٍ وعِلَلٍ كثيرةٍ، مِن أعظمِها عِلَّتانِ: الأُولى: للاختبارِ والامتحانِ وتمييزِ أصحابِ الإيمانِ واليقينِ مِن

стр. 1089

أصحابِ الشكِّ والنِّفاق، وأشَدُّ العِلَلِ كشفًا لخفيِّ النِّفاقِ: العِلةُ الخفيَّةُ في الأمرِ الثقيل، والاتِّباعُ لهذا النوعِ مِن الأمرِ أعظَمُ، وامتثالُهُ مرتبةٌ عظيمةٌ، وأعلاها مرتبةُ الصِّدِّيقينَ. الثانيةُ: قصورُ العقولِ عن استيعابِها، فإنْ كانتِ العِلَلُ كثيرةً متجدِّدةٌ في الأزمنةِ؛ تَغِيبُ في موضعٍ وزمانٍ وتَقوَى في غيرِه، أو دقيقةً ولدِقَّتِها لا تستوعبها العقولُ؛ فاللهُ يكتمُها رحمةً بالناسِ؛ حتى لا يَرُدُّوها بضعفِ عقلِهم عن استيعابِها. * * * قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢]. تكرَّرَ النِّداء للمؤمِنينَ مع قُرْب العهدِ بنداءٍ مِثْلِه، وإذا تكرَّرَ النداءُ المتقارِبُ، دَلَّ على عِظمِ المُنادَى لأَجلِه. وقد بيَّنَ اللهُ عِظَمَ شعائرِ اللهِ؛ فلا تُحِلُّوها وتَعْتَدُوا عليها، وقال ابنُ عبَّاسٍ: "شعائر اللهِ مناسكُ الحجِّ"، وبنحوه قال مجاهد وغيرُه (١)، والمرادُ بتحليلِها في قوله: ﴿لَا تُحِلُّوا﴾؛ يعني: لا تُغَيِّرُوا حُكْمَها وتُبدِّلُوه إمَّا بتشريعٍ وتبديلٍ قوليٍّ، أو تشريعٍ وتبديلٍ فِعليٍّ، فتتواطؤوا على التغييرِ والتبديلِ حتى يكونَ تشريعًا للناسِ ولو لم تَتلفَّظُوا به. تعظيمُ الأشهُرِ الحُرُمِ: وقوله: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾؛ يعني: تعظيمَ الأشهرِ الحُرُم، وهي

стр. 1090

أربعةٌ؛ كما في قولِه في سورة التوبةِ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [٣٦]، وهي: ذو القَعْدَة، وذو الحِجَّة، ومحَرَّمٌ، ورَجَبٌ، ثلاثةٌ متتاليةٌ، وواحدٌ وحدَه. وهذه الآيةُ عدَّها أحمدُ الآيةَ التي لم يُنْسَخْ غيرُهَا في المائدة، وأنَّ ما عداها مُحْكَمٌ (١). وقد تقدَّمَ في سورة البقرةِ الكلامُ على الأشهُرِ الحُرُمِ وتعظيمِها وتحريمِ القتالِ فيها ومراحلِ نَسخِه، حتى نُسِخَ القتالُ وبَقِيَ التعظيمُ. ويتفقُ العلماءُ خلا عطاءٍ ونَزْرٍ غيرِه على نسخِ القتالِ في الأشهُرِ الحُرُم، وحكى الإجماعَ ابنُ جريرٍ (٢) وغيرُه، وأمَّا تعظيمُها؛ فبالتشديدِ في ارتكاب المحرَّماتِ والإتيانِ بالطاعات، ولا يَلزَمُ مِن دلك: تحريمُ القتالِ فيها بمجاهدةِ المشرِكينَ ودفعِ الصائلِ والباغِي؛ لأنَّه مِن أعمالِ البِرِّ والطاعةِ؛ وذلك لقولِه في براءةَ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وقد صحَّ عن النبي ﷺ قتالُهُ في الأشهرِ الحُرُمِ؛ حيثُ غزَا هوازنَ بحنينٍ وثقيفًا بالطائفِ في شهرِ ذي القَعْدةِ؛ كما في كُتُبِ الصحيحِ. وأغْزَى أبا عامرٍ إلى أوْطَاسٍ في الشهرِ الحرامِ. وغزوةُ ذاتِ الرِّقاعِ لثمانٍ خَلَوْنَ مِن شهرِ المحرَّم، وغَزَا بني قُريظةَ لسِبعٍ بَقِينَ مِن ذي القَعدة، وغَزَا غَروَتَهُ في تَبُوكَ لخمسٍ خَلَوْنَ مِن رجبٍ. وقد بايَعَ النبيُّ ﷺ على قتالِ قريشٍ بَيْعةَ الرِّضْوانِ في ذي القَعْدة،

стр. 1091

لمَّا بَلَغَهُ أنَّ قريشًا قتَلتْ رسولَهُ عثمانَ بنَ عفَّانَ حينما أرسَلَهُ إليهم، فغَدَرُوا به، فبايَعَهم على القتال، فبانَ أنَّ عثمانَ لم يُقتَلْ فصالحَهُم. شعيرةُ الهَدْي: وقوله تعالى: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ حُمِلَ على معنيين: المعنى الأول: يعني لا تُعَطِّلُوا الإهداءَ إلى البيتِ ولا تقليدَ الهَدْيِ عندَ سَوْقِه؛ فذلك مِن شعائرِ اللهِ؛ وهذه الآيةُ دليلٌ على فضلِ سَوْقِ الهَدْيِ مِن خارجِ مكَّةَ إليها ماشِيةً وراكِبةً؛ فإنَّ هذا مِن شعائرِ اللهِ المقصودةِ في ذاتِها، ومِن هَجْرِ إحياءِ سَوْقِ الهَدْي وتقليدِهِ تربيةُ الهَدْيِ للحُجَّاجِ في مزارعِ مكةَ ومَحْمِيَّاتِها، فهذا وإن أَسقَطَ الواجبَ إلا أنه يضيِّعُ سَوْقَ الهَدْيِ وتقليدَه. والقلائدُ تميِّزُ الهدايا مِن الأنعامِ عن غيرِها مِن الدوابِّ المركوبةِ والمحلوبةِ وحاملةِ المناع، ويُسَنُّ تقليدُ الهَدْيِ مِن المِيقَات، كما فعَلَ النبيُّ ﷺ في حَجَّةِ الوداع، وعُمرةِ الحُدَيبِيَةِ. والمعنى الثاني: أن الجاهليِّينَ كانوا يُقلِّدونَ أنفُسهُم شعرَ الأنعامِ وصُوفَها، وربَّما وضَعُوا على أجسادِهِمْ مِن شجرِ الحَرَم، ثم خرَجُوا منه؛ ليؤمِّنُوا أنفُسَهُمْ مِن القتالِ وقُطَّاعِ الطريقِ؛ رُويَ هذا المعنى عن عطاءٍ ومجاهدٍ وقتادةَ ومقاتلِ بنِ حَيَّانَ ومطرِّفٍ (١)، واللهُ يَنهاهم عن هذا الفعلِ؛ لأنَّ فيه تبديلًا وتغبيرًا لحدودِ اللهِ؛ فالله قال في أولِ الآيةِ: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾، فنهاهُم الله عن تغييرِ حُكْمِ اللهِ وتحليلِهِ بتبديلِه وإضاعةِ حُكمِهِ عمَّا حَدَّهُ اللهُ.

стр. 1092

وعلى المعنى الثاني: يُحمَلُ ما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ مِن نسخِ آيةِ القلائدِ هذه، حيثُ إن الآية جاءت بتعظيمِ القلائدِ عمومًا معًا جرى عليه عملُ الناسِ عندَ نزولِ الآية، ثم نُسِخَ عملُهمُ الزائد عن هَدْيِ النبي ﷺ الخاصِّ، وقد رُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ نسخُ آيةِ القلائدِ هذه وآية أخرى؛ كما رواهُ الحَكَمُ، عن مجاهد، عن ابنِ عباسٍ ﵄، قال: "نُسِخَ مِن هذه السورةِ آيتانِ: آيةُ القلائد، وقولُهُ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]، أخرَجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ (١). وجاء عن عامرٍ ومجاهدٍ وقتادةَ (٢): أنَّ اللهَ نَسَخَ مِن سورة المائدةِ هذه الآيةَ: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. ورُويَ عن الحَسَنِ؛ أنَّه لم ينسَخُ منها شيءٌ (٣)، والأظهرُ: أنَّه نُسِخَ شيءٌ منها، وقد حكى ابنُ جريرٍ الإجماعَ على ذلك (٤)، وإنَّما الخلافُ في تعيينه منِ هذه السورةِ. تقليدُ الهَدْيِ: ومِن آيةِ القلائدِ هذه أخَذَ عيرُ واحدٍ مِن السلفِ حُرْمةَ الهدايا المقلَّدةِ إلى البيت، وعدمَ جوازِ تغييرِ النيَّةِ فيها، وأن مَن ساق الهَدْيَ وقلَّدَهُ، فقد أحرَمَ؛ فيجب عليه نزعُ قميصِه، جاء ذلك عن ابنِ عباسٍ (٥). وذهب جماعةٌ مِن السلفِ والفقهاءِ؛ إلى أن الهَدْيَ المقلَّدَ يكونُ حقًّا للهِ بتقليدِه، ويخرُجُ حتى مِن مِلْكِ صاحِبِه، فلا يُورَثُ منه لو مات قَبْلَ ذَبْحِه؛ وهذا قولُ مالكٍ. وقال أحمدُ: بجواز إبدالِه بأحسنَ منه.

стр. 1093

وقال الشافعي: إنَّه لا يصيرُ هَذيًا محرَّمًا إلا بالنطقِ باللِّسانِ أنَّه هَدْيٌ. وإشعارُ الهَدْيِ هو جَرْحُهُ مِن صفحةِ سَنَامِهِ ليسيلَ الدمُ عليه فيعرِفَهُ الناسُ أنَّه هَدْيٌ، وهو سُنَّةٌ، خلافًا لأبي حنيفةَ فقد كَرِهَهُ، وهو سُنَّةٌ والقولُ بكراهته مكروهٌ؛ لثبوتِ السُّنَّةِ فيه. ويقلَّدُ الهَدْيُ أيضًا بالصُّوفِ والوَبَرِ المَفتُولِ؛ كما في حديثِ عائشةَ (١)، أو النِعالِ؛ كما في حديثِ ابن عبَّاسٍ (٢)؛ ودلك لتُعرَفَ أنَّها هَدْيٌ كذلك. وحُكمُ البقرِ كالإبلِ: الإشعارُ والقلائدُ معًا، والأظهر: أنَّ الغنمَ تُقلَّدُ ولا تُشعَرُ. وقوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾، فيه حُرْمةُ قاصِدِ البيتِ، وتحريمُ التعدِّي عليه وتخويفِهِ وصدِّهِ عن قصدِ الكعبةِ ولو كان في الحِلِّ؛ لأنَّه قاصدٌ للهِ ولبيتِه، فلا يجوزُ أن يُصَدَّ عن عبادتِه. وفيه: أن السيرَ إلى البيتِ الحرامِ عبادةٌ عظيمةٌ، لصاحِبِها حقٌّ ولو كان في أقصى الأرضِ. التجارةُ في الحجِّ والعُمْرة: ومَن قصَدَ البيتَ الحرامَ مِن المسلِمينَ ولو للتجارة، فله حقُّ التأمينِ وعدمِ تخويفِه، لأنه يَسُوقُ لأهلِ الحَرَمِ رزقًا: طعامًا وكساءً وسكنًا، فيجبُ احترامُهُ وتأمينُه، وعلى هذا حُمِلَ قوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ﴾؛ قال مجاهدٌ وعطاءٌ وأبو العاليةِ: "هي التِّجارةُ" (٣)، ثمَّ ذكَرَ الله

стр. 1094

قَصْدَ البيتِ للعبادةِ بقوله: ﴿وَرِضْوانًا﴾، ومَن قصَدَ البيتَ الحرامَ لِلتجارةِ والعبادةِ ونَوَى في تجارته نَفْعَ أهلِها وقاصِدِيها، كانت تجارتهُ عبادة. وفي هذا: فضلُ التجارة بمَكَّةَ؛ لما فيها مِن نفعِ أهلِها والمجاورِينَ فيها والقاصدينَ للبيتِ مِن الحُجَّاجِ والعُمَّارِ والعاكِفِينَ والطائِفِينَ والمُصَلِّينَ. وهذا خاصٌّ بالمسلِمينَ، وأمَّا المشرِكونَ، فيجوزُ قتالهم في الأشهُرِ الحُرُمِ وتخويفُهُم إن لم يكونوا أهلَ أمانٍ وعهدٍ، ولو زعَمُوا قصدَ البيتِ؛ لأنَّه لا يجوزُ دخولُهُم إليه أصلًا؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٧]، وقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]. الصيدُ بعد التحلُّلِ: وقولُهُ تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ بيانٌ لغايةِ نهيِ تحريمِ الصيدِ للمحرِم، فالمحرِمُ لا يجوز له الصيدُ منذُ بَدْءِ إحرامِهِ من المِيقات، وكذلك لو أحرَمَ قبلَ المِيقات، حَرُمَ عليه الصيدُ، لتعلُّقِ الصيدِ بالإحرامِ لا بالمكانِ؛ فبيَّنَ الله نهايةَ تحريمِ الصيدِ بانتهاءِ إحرامِهِ ولو كان في طريقِهِ بعدَ خروجِهِ مِن حدودِ حَرَمِ مكةَ؛ دفعًا للظنِّ أن يَبْقَى المحرِمُ على تحريمِ الصيدِ حتى يَرجعَ إلى موضعِ إحرامه الذي بدَأ منه. العَدْلُ مع العدوِّ: وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾، والشَّنَآنُ البُغْضُ، وهذا تذكيرٌ بصَدِّ كفارِ قريشٍ للنبي ﷺ يومَ الحُدَيبِيَةِ عن دخولِ مَكَّةَ وهو محرِمٌ: ألَّا يَحمِلَهُمْ ما فُعِلَ بهم على

стр. 1095

العُدْوانِ عليهم بغيرِ حقٍّ، وكذلك أن تَفعَلُوا مِثلَهم، لأنَّ الحَرَمَ للهِ وهو بيتُهُ، فإنْ أخطَؤُوا في حقِّ اللهِ معكم، فلا تُخطِئُوا في حقِّ اللهِ معهم؛ فذلك عُدْوانٌ، وفي هذا أمرٌ منه للمؤمِنينَ أن يَعزِلُوا حَظَّ أنفُسِهم وحقَّهم عن حقِّ الله، فالمؤمِنُ باع نفسَهُ للهِ؛ فلا ينتصِرُ لها بمعصيةِ اللهِ. وقد بيَّن اللهُ ما يجب على المؤمِنينَ مِن التعاونِ على البِرِّ وتسهيلِ سبيلِهِ وتيسيرِ أسبابِه للنَّاس، وعدمِ التعاونِ على الإثم وتسهيلِ سبيلِهِ وتيسيرِ أسبابِه، وأنَّ مُهِمَّتَهم العدلُ مع الخَلْقِ وإقامةُ حقِّ اللهِ وحُكْمِه. ثمَّ قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، فذكَرَ شدَّةَ عِقابِه، ولم يَذْكُرُ سعةَ رحمتِه؛ لأنَّ الأمرَ في سياقِ حقِّ اللهِ العامِّ، وهو فتحُ أبوابِ العِبَادةِ للعِبَاد، وعدم التعرضِ لها بقطعِها وإحداثِ أسبابِ المشقَّةِ بينَها وبينَهم، ومن أسباب تقديمِ الله لِشدَّةِ عقابِه وعذابِه فيما يتعلَّقُ بحقِّه؛ أن يتعلَّقَ بأمرِ الأمَّةِ عامَّةً، لا بأمرِ الإنسانِ في خاصَّتِه؛ وذلك أنَّ حقوقَ اللهِ على نَوعَيْنِ: أنواعُ حقوقِ الله على عبادِهِ: الأول: حقٌّ له لازمٌ خاصٌّ بأمرِ العبدِ في نفسِه، كشُرْبِ الخمرِ وتركِ الواجباتِ الخاصَّةِ؛ فهذا يقدِّمُ اللهُ به غالبًا ما يُشيرُ إلى رحمتِهِ وعفوهِ لمَنْ تاب، ما لم يكن كُفرًا؛ فإن اللهَ يتوعَّدُ عليه ولو كان خاصًّا في ذاتِ الإنسانِ. الثاني: حقٌّ له متعدٍّ عامٌّ للنَّاس، كالأوامرِ العامَّةِ مِن التشريع، وتعظيمِ الشعائر، والبيتِ الحرام، والحُكمِ بينهم بما أنزَلَ اللهُ، وكذلك الحِرَابةُ وقطعُ الطريقِ؛ فاللهُ يقدِّمُ عندَ المخالفةِ له ذِكرَ عقابِه وعذابِه؛ لأنَّه مفسدةٌ عامَّةٌ، وهذه الآيةُ مِن هذا النَّوعِ. * * *

стр. 1096

قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣]. في هذه الآيةِ: تفصيلُ ما حرَّم اللهُ مِن بهيمةِ الأنعامِ الذي ذكَرَهُ في أولِ السورةِ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]، فذكرَ الله تفصيلَ المحرَّماتِ هنا، وذكَرَ جملةً مِن أوصافٍ حتى لا تَلتبِسَ بغيرِها، وفيما بينَ بعضِ هذه الأوصافِ عمومٌ وخصوصٌ، وبينَ بعضِها اختلافٌ وتبايُنٌ: فيدخُلُ في وصفِ المَيْتَةِ: المنخنقةُ والموقوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ وما أكَلَ السَّبُعُ، وتتبايَنُ: فالمترديةُ غيرُ المُنخنِقةِ والنَّطيحة والمَوقوذة، والمَيْتَة أعمُّ هذه الأوصاف، وكذلك: فإنَّ ما أكَلَ السَّبُعُ قد يكون بخَنْقِهِ أو بجَرْحِه، وما أُهِلَّ لغيرِ اللهِ به أعَمُّ ممَّا ذُبِحَ على النُّصُبِ؛ فقد يُهَلُّ به لغيرِ اللهِ ويكونُ على غيرِ نُصُبٍ، فالذَّبْحُ على النُّصُبِ أخَصُّ، فالآيةُ عَمَّمَتْ وخَصَّصَتْ؛ للتوضيحِ والبيانِ وإزالةِ الإشكال، حتى لا يُظَنَّ أن العمومَ يُخرِجُ بعضَ الخاصِّ، أو أنَّ الخاصَّ لا يُقاسُ عليه نظيرُهُ، ثم إن اللهَ ذكَرَ أوصافًا معروفةً لدى العربِ فخَصَّها بالذِّكْرِ وإنْ دخَلَتْ في عمومِ المَيْتَةِ؛ دفعًا لتوهُّمِ عدمِ دخولِها، وإقامةً للحُجَّةِ، وقطعًا للأعذارِ. المحرَّمُ مِن الأنعامِ: وجِماعُ ما ذكَرَهُ اللهُ مِن أوصافٍ للمحرَّماتِ في هذه الآياتِ مِن المطعومِ عَشَرةُ أوصافٍ، وتقدَّمَ الكلامُ في سورةِ البقرةِ على أربعةٍ منها:

стр. 1097

المَيْتَةُ، والدمُ، ولحم الخِنزير، وما أُهِل لغيرِ اللهِ به، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وجِماعُ المحرَّماتِ في هذه الآيةِ: الأولُ: المَيتَةُ: وهي ما مات حتفَ أنفِهِ بلا ذَبحِ ذابحٍ ولا جَرحِ صائدٍ؛ فماتت وحُبِسَ دمُها فيها؛ فإن الدمَ لم يُهرَق منها وبَقِي في لحمِها فاسدًا، يحرُمُ أكلُهُ ولو طُبِخَ، ففسادُ الدمِ لِذَاتِهِ لا ترتفعُ بالطبخ، كفسادِ لحمِ الخِنزيرِ ودمِهِ لا ترتفعُ بالطبخِ. وتحريمُ المَيتةِ والدمِ كان أولَ الإسلام، وفيه تحريمُ الفروع وبيانُها عندَ بيانِ الأصولِ لمَنْ لا يعملُ بها، ففي حديثِ أبي سُفيانَ: أنه قال لهِرَقلَ مَلِكِ الرومِ: "نَهَانَا عن الميتةِ والدمِ" (١). ولكنْ لم يكنِ النبيُّ ﷺ يُكثرُ مِن تقرير ما حرَّمَ اللهُ مِن الفروعِ للمُشرِكينَ، إلَّا في مسائلَ قليلةٍ خاصَّةٍ ممَّا له اتِّصالٌ واشتراكٌ بالأصولِ. ما يَحِلُّ من المَيتةِ: السمك، وما في حُكمِهِ مِن حيوانِ البحر: واستثنى اللهُ مِن المَيتةِ صِنفَين، وهما: السَّمَكُ وما في حُكمِهِ مِن حيوانِ البحر، والثاني؛ الجرادُ، ولا تخصَّصُ ميتةُ السمكِ بالتحليلِ، بل كلُّ حيوانِ البحرِ كذلك ولو لم يكن سمكًا؛ لأنَّ اللهَ سمَّاهُ صيدًا، فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [المائدة: ٩٦]؛ فكلُّ ما يُصادُ مِن حيوانِ البحر، فهو حلالٌ، إلَّا ما حُرِّمَ لغيرِ علةِ الموتِ لضررِه، وفي "المسنَدِ" و"السننِ" مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال ﷺ عن البحرِ: (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيتَتُهُ) (٢).

стр. 1098

الجرادُ: والجرادُ؛ لأنَّه لا دمَ فيه يُحبَسُ بموتِه، ولا يُمكِنُ ذَكَاتُه، وقد قال ابنُ عمرَ: "أُحِلَّتْ لنَا مَيتَتَان، وَدَمَان، فَأمَّا المَيتَتَانِ: فَالحوتُ وَالجَرَادُ، وَأمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ"؛ أخرَجَهُ البيهقيُّ (١)، وجاء مرفوعًا، وفي رفعِه نظرٌ وإنْ أخَذ حُكْمَه، رفَعَهُ أولادُ زيدِ بنِ أسلَمَ: عبدُ اللهِ وعبدُ الرحمنِ وأسامةُ، عن أبيهم، عن ابنِ عمرَ، ووقَفَهُ سليمانُ بن بلالٍ، عن زيدٍ، عن ابنِ عمرَ؛ وهو أصحُّ؛ قاله أبو زُرْعةَ (٢)، وأنكَرَ المرفوع أحمد (٣). وتقدَّمَ الكلامُ على ما اتَّصَلَ بالمَيْتةِ مِن جِلْدٍ وظُفُرٍ وأظلَافٍ ونحو ذلك في سورةِ البقرةِ. الثاني: الدمُ: وفي سورةِ الأنعامِ قال: ﴿أَو دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]؛ وبهذا فسَّرَهُ وقيَّدهُ غيرُ واحدٍ مِن السلفِ؛ كابنِ عباسٍ وعائشةَ وابنِ جُبيرٍ. ويَحِلُّ مِن الدمِ: الكَبِدُ والطِّحَالُ؛ لأثرِ ابنِ عمرَ، ورُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ وعائشةَ (٤). روى عِكرِمةُ، عن ابنِ عبَّاسٍ! أنه سُئِلَ عن الطِّحَالِ؟ فقال: كُلُوهُ، فقالوا: إنَّه دمٌ؟ ! فقال: "إنَّما حُرِّمَ عليكم الدمُ المَسفُوحُ (٥). ودلك أن الطِّحَال والكَبِدَ لا دمَ لها يُسفَحُ، وهي أقلُّ أعضاءِ

стр. 1099

الحيوانِ دمًا، وهي قطعة واحدةٌ متماسِكة تُشبه الحصى لا جوفَ فيها ولا عروقَ تُمسِك الدمَ كاللحمِ. وقد كانتِ العربُ في الجاهليَّةِ إذا عَطِشت أو جاعَت، تَفْصِدُ البهيمةَ مِن الإبلِ وغيرِها فتَشرب الدمَ منها، وفي ذلك يقولُ الأعشَى: وَإِيَّاكَ وَالمَيْتَاتِ لَا تَقرَبَنَّهَا … وَلَا تأخُذَنْ عَظْمًا حَدِيدًا فَتَفْصِدَا الثالثُ: لحمُ الخِنزيرِ: والخِنزيرُ محرَّمٌ كلُّه، ما اتَّصَلَ بلَحْمِهِ وما انفصَلَ عنه، وذكَرَ اللحمَ؛ لأنه الأغلبُ، وهو المقصودُ، وغيرهُ بالتَّبَعِ؛ كالشحمِ والعَصَب، والعَظْمِ والجِلدِ والظُّفُرِ. ويدُلُّ على عمومِ التحريمِ لجميعِ أجزاءِ الخِنزِيرِ: أن الشريعةَ حرَّمَتِ اقتناءَه، ففي الحديثِ أن عيسى في آخِرِ الزمانِ يقتُل الخنزِيرَ، ففي "الصحيحين"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، لَيُوشِكَنَّ أَن يَنْزِلَ فِيكُم ابْنُ مَريَمَ حَكَمًا مُقسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنزيرَ، ويَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لَا يَقبَلَهُ أَحَدٌ" (١). وقتلُهُ إياه دليلٌ على تحريمِ اقتنائِه، وما حَرُمَ اقتناؤهُ لا يَحِلُّ منه شيءٌ، وإلَّا لجاز اقتناؤه لحِلِّ ما يَحِلُّ منه فقط. وفي مسلمٍ؛ مِن حديثِ بُرَيْدَةَ بنِ الحُصَيْبِ الأسلَمِيِّ ﵁؛ قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "مَن لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ؛ فكَأنَّمَا صَبَغَ يَدَه في لَحْمِ خنزيرٍ وَدَمِهِ" (٢)؛ وهذا فيه دمٌ وتقبيحٌ لِلَامِسِ الخِنزيرِ باليدِ ولو لم يَطعمهُ أو يَنتفِع به.

стр. 1100

شحمُ المَيتةِ: ودخَلَ الشحم وغيرُهُ في حكم اللحمِ؛ لأنه الأصل في الاستعمالِ في لغةِ العرب، فإنِ اشتَرَى الإنسان لحمًا أو باعَهُ، دخَلَ في حُكمِهِ ما تخلَّلَهُ من شحم وعَظم، ولكن لو اشتَرَى شحمًا وعظمًا، لم يدخُل في حُكْمِهِ اللحمُ؛ لأنَّ اللحمَ أصلٌ وَيتبعُهُ غيرُه في حُكمِه. وأمَّا ما احتَجَّ به أهلُ الظاهرِ في قولِهِ تعالى في سورةِ الأنعامِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَو دَمًا مَسْفُوحًا أَو لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَو فِسْقًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]؛ فجعَلُوا وصفَ الرِّجْسِ عائدًا إلى المضافِ إليه، وهو (الخِنزيرُ)، لا إلى المضاف، وهو (اللحمُ): فاستدلالُهم فيه نظر؛ فإنَّ الضميرَ يعود إلى المضافِ لا إلى المضافِ إليه، ولو عاد في اللغةِ إلى اللحم، فهذا لا يُخرِج غيرَهُ، وإنَّما يَحتاجُ إلى مِثلِ هذا التكلُّفِ اللُّغَويِّ مَن لم يَعرِفِ استعمال العربِ واصطلاحَهُم ووَضعَهم للألفاظ، ومَن عرَفَ استعمال العربِ الذي نزَلَ عليه القرآن، لم يحتَجْ إلى كثيرٍ من الاحتجاجِ عندَ اللُّغويِّينَ. وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ كلامٌ حولَ جِلْدِ الخِنزيرِ وشَعْرِه. الرابعُ: ما أُهِلَّ لغيرِ اللهِ به: والمراد بالإهلالِ؛ ما رُفِعَ الصوتُ به لغيرِ الله، فسُمِّيَ غيرُ اللهِ مِن وثنٍ أو صنمٍ أو طاغوتٍ؛ وإنَّما ذُكِرَ الإهلالُ للأغلب؛ لأن العربَ كانت تَجهَرُ بذِكرِ آلهتِها عندَ نَحْرِها، فمَن نوى بذبحِهِ آلهةً غيرَ اللهِ ولو لم يُهِلَّ به، فهو داخلٌ في هذا الحُكمِ بلا خلافٍ، وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ عندَ قولِه: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [١٧٣]، الكلامَ على شيءٍ مِن أحكامِ آيةِ الباب. والنَّحْرُ والذبحُ مِن أعظمِ العباداتِ؛ فمَن صرَفَها لغيرِ الله، فقد أشرَكَ، واللحمُ محرَّمٌ لا يجوزُ لأحدٍ أن يأكُلَهُ ولو لم يذبَحْهُ أو يَرْضَ به هو.

стр. 1101

وقد ذكَرَ اللهُ في هذه السورةِ ما ذُبِحَ لغيرِ اللهِ؛ للأصنامِ والطَّواغيت، وفي سورةِ الأنعامِ مزيدُ تفصيلٍ في حُكمِ ما تُرِكَ فيه ذِكْرُ اسمِ الله، فلا يُذبَحُ لغيرِ اللهِ! وإنَّما تُرِكَتِ التسميةُ فيه نسيانًا أو عمدًا مِن غيرِ قصدِ غيرِ الله، وذلك في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾. [الأنعام: ١٢١]. فمنهم: مَن حمَلَ المرادَ بها على معنى الإهلالِ لغيرِ اللهِ؛ كما في آيةِ البقرةِ: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [١٧٣]، وآيةِ المائدةِ هذه، وآيةِ الأنعامِ الأخرى، وآيةِ النحلِ: ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣، والأنعام: ١٤٥، والنحل: ١١٥]، فجعَلَ المرادَ بعدم ذكرِ الاسمِ في سورة الأنعام، أي: ذكرَ عليها اسمَ غيرِه؛ لأن العربَ لا تذكُرُ اسمَ الله، فتذكُرُ على ذبائحِها اسمَ غيرِه، فعلَّقَ التحريمَ بعدمِ ذِكرِ اسمِ الله، لمعرفةِ الحالِ التي كان عليها التحريمُ. ومنهم؛ مَن جعَلَ التحريمَ لمجرَّدِ تَرْكِ ذِكْرِ اسمِ الله ولو نسيانًا أو عمدًا ولو لم يكنْ قاصدًا غيرَ اللهِ. والصحيحُ الأولُ. الخامس: المُنخَنِقَةُ: وهي التي تموتُ بخَنْقِها وحبسِ نَفَسِها، بفعلِ فاعلٍ بها، أو بفِعْلِها بنفِسها؛ كاستدارتها على حبلٍ يَخنقُها، فهي محرَّمةٌ بلا خلافٍ. السادسُ: المَوقُوذَةُ: وهي التي تموتُ بشيءٍ ثقيلٍ غيرِ محدَّدٍ كالسَّيْفِ والرُّمْحِ والسهمِ؛ فتموت بالثِّقلِ؛ كرَمْيها بحَجَرٍ أو لوحِ خشبٍ أو عصًا أو سقوطِ السقفِ عليها، فتموتُ بلا ذبحٍ، وإن خرَجَ مها دمٌ يسيرٌ، فهي وقيذٌ؛ وبهذا جاء تفسيرُهُ في الحديثِ كما في "الصحيحينِ"؛ من حديثِ عَدِيِّ بنِ حاتمٍ؛ قال: سألتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ المِعْرَاضِ؟ فقَال:

стр. 1102

(إذَا أصَابَ بحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَابَ بعَرضِهِ فَقَتَلَ، فَإنَّهُ وَقيذٌ؛ فَلَا تأكل) (١). وبهذا فسَّر الآيةَ ابنُ عباسٍ وقتادةُ وغيرهما مِن السلفِ (٢). وما مات مِن الصيدِ بعَرْضِ السهمِ أو بالحَجَرِ أو بالعَصَا ولم يَخْزِقْ ويَسفَحِ الدم، فلا يجوز بالإجماعِ. موتُ الصيدِ بثقلٍ: وقد اختلَفُوا في موتِ الصيدِ بثِقْلِ الجارحةِ؛ كالصَّقرِ والبَازِيُ أو الكلبِ المعلَّم، ولم يَجرَحهُ، وفي المسألةِ قولانِ: الأوَّلُ: الحِلُّ؛ لأن اللهَ أباحَ ما أمسَكنَ علينا ولم يفصِّلْ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، حُكِيَ هذا القولُ عن الشافعيّ، ورجَّحَهُ النووي والرافعيُّ، ورواهُ الحسنُ بن زيادٍ عن أبي حنيفةَ. والثاني -وهو الذي عليه الجمهورُ، وهو الأظهَرُ مِن قولِ الشافعي، ورجَّحَهُ المُزَنِيُّ-: أنه وقيذٌ؛ لحديثِ عديِّ السابقِ؛ فإنَّ الآيةَ مجمَلةٌ، والحديثَ مفسِّرٌ لها، وفي السنةِ مزيدُ بيانٍ، والعادةُ في القرآنِ الإجمالُ. والصحيحُ عن أبي حنيفةَ؛ التحريمُ؛ كما نقَلَهُ عنه أبو يوسُفَ ومحمدُ بن الحسن، وهما أصحُّ نقلًا وأخذًا مِن الحسنِ بنِ زيادِ عن أبي حنيفة. وفي "الصحيحَينِ"؛ من حديثِ رافعِ بنِ خَدِيجٍ؛ قال: إِنَّا نَرجو -أو نَخَافُ- العَدُوَّ غَدًا، ولَيسَت معَنَا مُدًى، أفنذبَحُ بالقَصَبِ؟ قَال: (مَا أنهَرَ

стр. 1103

الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْه، فكُلُوهُ) (١). واللهُ لم يُحِلَّ ما أَمسَكَهُ الإنسانُ بنفسِه، فمات بثِقْلِه، فمِن بابِ أولى ألا يجوزَ ما أمسَكَهُ الكلب والطيرُ لصاحبِهِ ومات بثِقْلِه. وأمَّا الأمرُ في قولِه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، فبيانٌ لحِلِّ صيدِ هذه الجوارحِ؛ لأنَّها معلَّمةٌ، لا بيانٌ لصفةِ الذبحِ أو لسَفحِ الدمِ منها؛ فهذا حُكْمٌ يبقَى على أصلِه، سواءٌ كان الإنسانُ يُمسِكُ لنفِسهِ أو يُمسِكُ له غيرُه، أو يَرمي هو بسهمٍ أو عصًا، والكلب والطيرُ والعصا أدواتٌ يُصادُ بها، وحُكمُ المذبوحِ والمخزوقِ خارجٌ عنها؛ فكيف يَحِلُّ خنقُ الكلبِ ولا يَحِلُّ خنقُ الآدمي؟ ! والآيةُ في الترخيصِ والامتنانِ يحِلُّ الآلةِ لا بحِلِّ الصيدِ في ذاتِه؛ لأن الصيدَ حلالٌ مستقِرٌّ قبلَ ذلك. ولو أُخِذَ بعمومِ ما أَمسَكنَ على كلِّ حالٍ، فإنَّهُنَّ ربما يُمسِكنَ بحيوانٍ محرَّمِ الأكلِ قبلَ ذلك، كذي النَّاب وذي المِخلَبِ؛ فصَيدُ الجوارحِ لا يُحِلُّه، والاحتجاجُ بعمومِ الآيةِ على ذلك ضعيفٌ. والعِلَّةُ العقليَّةُ في تحريم المخنوقةِ والمَوقوذةِ يشتركُ فيها ما مات بثِقلِ الكلب والطير، أو ما مات بغيرِه، وهو حبسُ الدمِ؛ فيجبُ ألَّا يختلفَ الحُكَمُ إلَّا بدليلٍ بيِّنٍ يسلَّمُ به. وما جرَحَهُ الكلبُ والطيرُ وأكَلَ منه، لا يَحِلُّ مع كونِهِ مجروحًا، على الصحيح، وهو قولُ أبي حنيفةَ وصاحبَيْه والشافعيُّ وأحمدَ؛ لأنَّه صادَهُ لنفسِهِ لا لصاحِبِه، ففي "الصحيحَيْنِ" قال ﷺ : (فَإنْ أَكَلَ فَلَا تَأكل؛ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أمْسَكَ عَلَى نَفسِهِ) (٢). خلافًا لمالكٍ والشافعي في القديم في جوازِ ما أكَلَ منه الكلبُ،

стр. 1104

وذلك لما في "سُننِ أبي داودَ"؛ مِن حديثِ أبي ثعلبةَ الخُشَنِيّ، عن رسولِ اللهِ ﷺ ؛ أنه قال في صَيدِ الكلب: (إِذَا أرْسَلتَ كَلبك وَذَكَرتَ اسمَ الله، فَكل وإن أكلَ مِنْهُ، وَكُلْ مَا رَدَّت علَيكَ يَدَاكَ) (١). وما في "الصحيحينِ" أصحُّ وأقوَى. السابعُ: المتردِّيَةُ؛ وهي ما سقَطَ مِن جبلٍ أو سطحٍ، أو سقَطَ في بِئرٍ مِن بهيمةِ الأنعام، فمات، فهي متردِّيَةٌ وميتةٌ محرَّمةٌ. الثامنُ: النَّطيحةُ: وهي ما ماتت بنَطحِ جنسِها، كنَطحِ الغَمِ للغنمِ أو البقرِ للبقرِ بالرؤوس، ويدخل فيها ما لا يُطلَقُ عليه نطحٌ في اللُّغةِ؛ كموتِ البهيمةِ بجلوسِ بهيمة عليها أو ضَربِها برِجلِها، وهو الرَّفْسُ والوَقصُ، فهي محرَّمةٌ وإنْ جُرِحَت وخرَجَ منها دم. التاسعُ: ما أكَلَ السَّبُعُ: وهو ما يُوجَدُ في البَرِّيَّةِ وغيرِها ممَّا افترسته السِّباعُ؛ كالذئابِ والفهُودِ والنُّمورِ والأسودِ والضِّباعِ وشبهِها، وقد كانتِ العربُ تجدُ بقايا ما أكَلتهُ السِّباعُ فتأكُلُه، وهي محرَّمةٌ، وذلك مِن وجوهٍ: الأولُ: أنه لا يُعلَمُ ذابحُها؛ فقد تكونُ ماتت حَتْفَ نفسِها بمرضٍ أو لدغةِ حيَّةٍ أو نطحٍ أو سُمٍّ، فوجَدَتها السِّباعُ طَرِيَّةً فأكلَت منها، ووجَدَها إنسانٌ، فظَنَّها مِن صيدِ السِّبَاع، ثمَّ إن كانت يقينًا مِن صيدِ السِّباع، فهي حرامٌ؛ لأنَّها غيرُ معلَّمةٍ، ولكن قد تجتمع أسبابُ التحريمِ فيُغلَّظُ. الثاني: أن اللهَ حرَّمَ على المسلِمِ أكلَ ما صادَتهُ جارحَتُهُ المعلَّمةً إن صادَت لنفسِها؛ فكيف ما صادَتهُ سبِاعٌ غيرُ معلَّمةٍ ولا يُدرى صفةُ موتِه؟ !

стр. 1105

الثالثُ: أنه يحرُمُ لو أكَلَ الكلب المعلَّمُ مِن الصيدِ ولو أرسَلَهُ صاحِبُهُ على قولِ جمهورِ العلماء؛ فكيف بما لم يرسلهُ وقد أُكِلَ كثيرٌ منه أو أكْثَرُه؟ ! حكم تَدَارُكِ الميتةِ بالتذكية: والله استثنى مِن ذلك كلِّه: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾؛ يعني: ما تداركتُمُوهُ ممَّا أوشَكَ على الموتِ مِن وقيذٍ ومخنوقٍ ومنطوحٍ ومترَدٍّ وما أكَلَ السَّبُعُ، فذلك على حالتينِ: الحالة الأُولى: إن أدركَهُ قبلَ موتِه، فذبَحَهُ وأراقَ دمَهُ وفيه حياةٌ وقوةٌ دافعةٌ لخروجِ الدمِ ودفعِه منه؛ فهو حلالٌ، وعلامةُ ذلك الرَّفْسُ واضطرابُ الأطرافِ عندَ الذبح، وتدفُّقُ الدمِ واندفاعُه. الحالة الثانيةُ: إنْ وجَدَهُ قد بَرَدَ، وليس فيه حياةٌ ولا قوةٌ دافعةٌ لإخراجِ الدمِ عندَ ذبحِه؛ فهو مَيتَةٌ؛ لأنه مات حقيقةً قبلَ إمرارِ المُوسَى عليه، وإنْ بقيَ فيه حركةٌ يسيرةٌ؛ فإنَّ البهيمةَ قد يَبقى في جِلْدِها وقَدَمِها حركةٌ ولو كانت مقطوعةَ الرأس، وربَّما في بعضِ الدوابِّ بعدَ سَلْخِها؛ كما في الضَّبِّ وشبهِه. وعلى هذا التقسيمِ يَجري قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ وجمهورِ السلف، واللهُ أعلَمُ. العاشرُ: ما ذُبح على النُّصُبِ: والنُّصُبُ: ما كان من حجارةٍ عندَ الكعبةِ يَذبَحُ عليها كفارُ قريشٍ، والنُّصُبُ غيرُ الأصنامِ؛ فإن الأصنامَ تُنقَشُ وتُرسَمُ، والنُّصُبُ حجارةٌ غيرُ مرسومةٍ، وقيل: عددُ النُّصُبِ ثلاثُ مِئةٍ وستونَ؛ قالهُ ابنُ جُرَيجٍ (١). * * *

стр. 1106

قال ابن عبَّاسٍ: "كانوا يذبَحونَ ويُهِلُّونَ عليها"؛ رواهُ عليُّ بن أبي طَلْحةَ، عنه، أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ (١). الاستقسامُ بالأزلامِ: ثمَّ قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾؛ يعني ممَّا حرَّمَ اللهُ على المؤمِنينَ فِعلَهُ، وفيما سبَقَ حرَّمَ المأكولَ، وهنا حرَّمَ الفِعْلَ، والأزْلَامُ: جمعُ زَلَمٍ، وهي القِدَاحُ أو الحجارةً وشِبهُها، والاستقسامُ؛ هو رميُ القِدَاح، ويدخُل فيه الكتابةُ على الرُّقُوقِ والجُلُودِ أو المكعَّبات، فيكتُبُ ثلاثَ كلماتٍ: في واحدةٍ: (افْعَلْ)، وفي الثانيةِ: (لا تَفعَلْ)، والثالثة: تُترَكُ بيضاءَ، فإن عزَمَ أحدُهم على أمرٍ رمَاها ثمَّ تناوَلَ واحدةً منها لِينظُرَ ما يُؤمَرُ به، وكان عملُهُم نحوَ هذا في الجاهليَّة، قالهُ ابنُ عبَّاسٍ ومجاهِدٌ والحسنُ وغيرُهم (٢). ويدخُل فيه كلُّ ما صرَفَ الإنسانَ أو صَدَّهُ مِن المحسوساتِ أو المعنوَيَّاتِ التي لا أثرَ ولا بيِّنةَ لها ماديَّةً ولا شرعيَّةً، فالإنسانُ تَمنعُهُ الرياحُ والأمطارُ مِن السفر، فهذا سببٌ ماديٌّ، ويمنعُهُ كذلك إن لم يجدْ مرافِقًا معه في سفرِ ليلٍ؛ لأن هذا سببٌ شرعيٌّ منَعَتِ الشريعةُ أن يُسافِرَ الرجلُ بليلٍ وحدَه. واستِقسامُ الحاهليِّينَ بالأزْلَامِ شِرْكٌ، وكذلك في حُكمِهم مَن صنَعَ صنيعَهُمْ ممَّن اعتمَدَ على طريقةٍ وأساليبَ حديثةٍ، ويدخُلُ في هذا اليومَ عِلْمُ الأبراجِ الذي يتطيَّرونَ له فيحملونَهُ صارفًا عن زواجٍ وتجارةٍ وإمارةٍ، أو جالبًا لها، وهو مِن أنواعِ صَرْفِ العبادةِ للكواكبِ.

стр. 1107

إظهارُ محاسِنِ الإسلامِ: وقولُه تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ ذكَرَ الله ذلك بعدَما عَدَّ المحرَّماتِ وساقَها؛ فبيَّنَ أن الأمَّةَ محسودةٌ على نعمتِها، ولمَّا كان السياقُ مشعِرًا بكثرةِ المحرَّماتِ على النفسِ؛ لأنَّ هذه الآيةَ أكثرُ آيةٍ في القرآنِ عُدَّتْ فيها المحرَّماتُ مِن المطعومات، وقد يقعُ في النفسِ حرَجٌ؛ ولذا جاء بعدَها: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾، وجاء السؤالُ بعدَ عَدِّ المحرَّماتِ استكثارًا لها، مع العِلْمِ بكثرةِ الحلالِ وكونِهِ أصلًا، ولكنَّ النفوسَ عندَ سياقِ المحرَّمِ وعَدِّه، تستكثره، وتغفُلُ عن الحلالِ ووَفرَتِه. لذا نَبَّهَ الله المؤمِنينَ على أمرٍ، وهو أن الكافرينَ يحسدُونهم على دينِهم، ليأسِهِمْ مِن أن يُجارُوه بإحكامِهِ بعقلٍ أو دينٍ مِثلِه، فيقومون بالعِنادِ والمخالفة، وحقيقتهم حسدٌ وعنادٌ؛ فقال ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾؛ فنبَّهَ الله على الباطنِ مِن أمرِهم، وهو خطابٌ للمؤمِنينَ؛ ألا تَستكثِروا الحرامَ، وتَغفُلوا عن وفرةِ الحلال، وأنَّ العدوَّ قد يتَّخِذُ ذلك سبيلًا لإشعارِ المؤمنِ بضِيقِ دِينه وشدَّتِه، وحقيقتُهُ بغيٌ وحسدٌ؛ فمَن يَئِسَ مِن مقاوَمةِ الحقّ، حرَّش بينَ أهلِهِ وآثارَ عليهم؛ ففي "الصحيحِ": (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَد أيِسَ أن يَعبُدَه المُصَلُّونَ فِي جَزيرَةِ الْعَرَب، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيش بَيْنَهُمْ) (١). ولمَّا عَلِمَ اللهُ ما في نفوسِ المُشرِكينَ مِن اليأس، أخبَرَ به المؤمنين، وهو الإعجابُ بالإسلامِ والعجزُ عن مجاراتِه، وفي هذا أنَّ بيانَ إعجاب الكافرينَ بدِينِ الإسلام، وعجزِهِمْ عن الإتيانِ بمِثلِه: مِن أساليب القرآنِ تقويةً للإيمان، لا اعتمادًا عليه، وإنَّما زيادةُ يقينٍ؛ فإنَّ النفوسَ تشتدُّ عندَ مدحِ عدوِّها لدِينِها وعقيدتِها، وقد يغلو بعض الكُتَّابِ

стр. 1108

كما هو اليومَ بالمبالغةِ بإيرادِ أقوالِ الكافِرِينَ في الثَّنَاءِ على الإسلامِ والإعجابِ به أكثَرَ مِن ايرادِ نصوصِ الإسلامِ وبيانِ عظمتِها ووجوبِ التسليمِ لها واليقينِ بها. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾؛ يعني مِن إظهارِ دينِكم ومُخالفَتِكُمْ لهم، فتَهزِمُوا أنفسَكم وتُعِزُّوا نفوسَ عدوِّكم، ومِن أعظَمِ وجوهِ العزةِ إظهارُ شعائرِ الدِّينِ للمؤمنِ. وذِكر الخشيةِ بعدَ ذِكرِ المحرَّمات، ثم ذِكرُهُ لإعجابِ الكفارِ بالإسلامِ وجحدِهِ حسدًا: دليلٌ على أن ضَعْفَ نَفسِ المؤمنِ وعدمَ ثقتِهِ بدينه يُورِثُهُ خشيةً مِن عدوِّه، فإن أعظَمَ الهزائمِ هزائمُ النفسِ. نعمةُ كمالِ الدِّينِ: ثم قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾؛ وذلك في يومِ عرفةَ يومَ الجُمُعة، وقد نزَلَتِ الآيةُ على النبي ﷺ على راحلتِه وهو واقفٌ بعرفةَ، كما في "الصحيحَينِ"؛ مِن حديثِ عمرَ (١). وكمال الدِّينِ أعظَمُ النِّعَم، وقد سمَّى اللهُ دينَهُ نعمةً وأضافَها إليه؛ لعِظَمِها على غيرِها: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾، وقد وصَفَ اللهُ الإسلامَ بالكمال، وأكَّدَهُ بالتَّمام، وعقَّبَهُ بالرِّضا، وكلُّ دِينٍ غيرِهِ ليس بكاملٍ ولا تامٍّ ولا مَرْضيٍّ، سواءٌ كان أصلُهُ مِن نقلٍ أو مِن عقلٍ. ثم قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ وفي ذلك التيسيرُ للمضطرِّ غيرِ القاصدِ للمحرَّمِ: بأنْ يأكُلَ المَيْتةَ إنْ خشِيَ الهلاكَ والموتَ ولم يجدْ بديلًا مِن نباتِ الأرضِ

стр. 1109

وحَلَالِها ولو كانت نفسُهُ لا تميلُ إليه، ما دام حلالًا؛ فيحرُمُ عليه أكلُ الحرامِ. قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾ [المائدة: ٤]. إذا حرَّم اللهُ شيئًا، بيَّن الحلالَ: ذكَرَ اللهُ في هذه الآيةِ ما حَلَّ بعدَما ذكَرَ ما حَرُمَ على الأمَّةِ؛ لبيانِ مِنَّتِه وفضلِه، وحتى لا تتوهَّمَ النفوسُ أن في تَعْدادِ المحرَّماتِ تكثيرًا لها؛ فالله جعَلَ الأصلَ في المأكولاتِ الحِلَّ، والأصلُ لا يُعَدُّ لكثرتِه، ومَن انشغَلَ بِعَدِّ المحظوراتِ على نفسِه، استكثَرَها حتى ظنَّ التضييقَ والتشديدَ، فاللهُ يذكُرُ المحرَّمَ، ثَمَّ يُعْقِبُهُ بالمباحِ؛ كما هنا، وعكسُ ذلك يذكُرُ المباحَ، ثم يُعقِبُهُ بالمُحرَّمِ؛ كما في سورة البقرةِ؛ قال: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧]، ثم قال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ [البقرة: ١٧٣]، ومثلُها في سورةِ الأنعامِ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَو دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، ومِثلُها في سورةِ النحلِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ الآية [١١٤ - ١١٥]. واللهُ إذا حرَّمَ شيئًا، قرَنَهُ بحِلِّ غيرِهِ تصريحًا أو إشارةً، ولكنه لا يَقرِنُ في كلِّ موضعٍ الحرامَ بالحلالِ عندَ ذِكرِ نعمةِ الحلالِ؛ لأن الحلال هو الأصلُ، فالإكثارُ مِن ذِكرِ الحلالِ ونعمةِ اللهِ فيه مقصودٌ

стр. 1110

لمداواةِ خواطرِ النفوسِ ووساوسِ الشيطانِ عليها؛ لأنَّ النفسَ تتشوَّفُ إلى الممنوعِ أكثرَ مِن تشوُّفِها إلى المسموحِ. وهذا ما أوقَعَ آدمَ ﵇ في أكلِ الشَّجَرةِ وهي واحدةٌ، مع كثرةِ الحلالِ في الجَنَّةِ ووَفرَتِهِ ممَّا يَذهب الزَّمَنُ الطويل عن تذوُّقهِ كلِّه. ولمَّا كانتِ النفوسُ كذلك، ذكرَ الله الحلال مع أنه لا يُعَدُّ، أكثَرَ مِن ذكرهِ للحرامِ مع كونه معدودًا، ويَنهى الله في القرآنِ عن تحريمِ الحلالِ أكثَرَ مِن نهيِه عن تحليلِ الحرام؛ لأن التحريمَ يُشعِرُ النفوسَ بالتشديدِ ولو كان قليلًا، أكثَرَ مِن شعورِها بالتيسيرِ عندَ التحليلِ ولو كان كثيرًا. وهذا مِن أنواعِ البلاءِ الذي تحتاجُ النفوسُ معه إلى مجاهدةٍ، ويحتاجُ معه العلماءُ إلى موازَنةِ؛ وذلك بكثرةِ عَرْضِ الحلالِ والتذكيرِ به، وبيانِ المحرَّمِ وتعدادِهِ وحَصْرِه، مع عِظَمِ التعدِّي في الأمرَينِ في الدِّينِ: تحليلِ الحرامِ وتحريمِ الحلالِ. فينبغي للعالِمِ إن سُئِلَ عن محرَّم، وكان خطابُهُ عامًّا أن يَقتديَ بهَدْيِ القرآن، فيَقرِنَ معه الحلال وينصَّ عليه؛ حتى لا يَشعُرَ السامعُ لتعدادِ المحرَّمِ بالضيقِ والتشديدِ والحرَج، ويضعُفَ تسليمُهُ لأمرِ ربِّه، وهذا عندَ ذِكْرِ كل محرَّمٍ مِن مأكولٍ أو ملبوسٍ أو غيرِه، وخاصَّةً في الخِطَابِ العامّ، وأمَّا خطابُ الأفرادِ وسؤالُهُم، فالأمرُ فيه أيسَرُ؛ لأنَّ التَّبِعَةَ فيه أقلُّ؛ ولذا كثُرَ في السُّنَّةِ جوابُ أفرادٍ عن محرَّماتٍ مِن غيرِ أن يقترنَ بها مباحٌ. تحريم الحلالِ أشدُّ مِن تحليلِ الحرامِ؛ وبيانُ الغايةِ من ذلك: والنهيُ عن تحريمِ الحلالِ أكثَرُ في القرآنِ وأشَدُّ مِن النهي عن تحليلِ الحرام، مع كونِ الحلالِ لا يُعَدُّ والحرام معدودًا؛ ومن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]،

стр. 1111

وقولُهُ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وقولُهُ تعالى لنبيِّه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، وذلك لأمورٍ وغاياتٍ عديدةٍ؛ منها: الأوَّلُ: أن حقَّ اللهِ في تحريمِ الأشياءِ يَظهَرُ أكثَرَ مِن حقِّه في التحليلِ؛ وكلُّها حقٌّ له، والتشريعُ في التحريمِ يَظهرُ معه قوةُ تصرُّفِ المحرِّمِ والانقيادُ له أكثَرَ مِن المحلِّلِ؛ لأنَّ الحرامَ استثناءٌ، والحلال أصلٌ، والناسُ تَتْبَعُ المانعَ رغبةً ورهبةً، وتَتْبَعُ المُبِيحَ رغبةً، فالسُّلطانُ الذي يُحِلُّ تنقادُ له النَّاسُ رغبةً؛ لأنها لا تُحِبُّ المنعَ وإن لم تَقترِفِ المباحَ، ومَن يُحِلُّ ويُحرِّمُ أو يُحرِّمُ فقط، تنقادُ له الناس رغبةً ورهبةً؛ لأنَّه لا يَمنعُ -غالبًا- إلا القادرُ على عقوبةِ المخالِفِ. الثاني: أن الحرامَ يَلزَمُ مِن الوقوعِ فيه عقوبةٌ، بخلافِ الحلالِ، فلا يلزم مِن تَرْكِهِ عقابٌ، ولا مِن فِعْلِهِ ثوابٌ، وسواءٌ كانتِ العقوبةُ مقدَّرةً أو مُضمَرةً؛ فهي حقٌّ للهِ. الثالثُ: أنَّ تحريمَ الحلالِ يظهَرُ فيه الظُّلْمُ في حقِّ اللهِ وحقِّ الناس، وأمَّا تحليلُ الحرام، فيَغلِبُ عليه الظلم في حقِّ اللهِ وَحْدَه؛ لأنَّ الناسَ يَغلِبُ عليها ضبطُ حياتِها والاهتمام بالدُّنيا؛ فيُحبُّونَ العدلَ بينهم، وأمَّا حقُّ الله، فأكثر الناسِ يَحِيدُونَ عنه، ولذا ذكَرَ اللهُ أنَّ أكثَرَ الناسِ لا يُؤمِنونَ ولا يَعقِلونَ ولا يَشكرونَ. الرابعُ: أنَّ تحريمَ ما أحَلَّ الله ينفِّرُ مِن المحرِّمِ وشريعتِهِ أكثَرَ مِن المحلِّلِ إذا أحَلَّ المحرَّمَ! لأنَّ المحرَّماتِ يَغلِبُ عليها الشهواتُ، وأعظَمُ التحريم ما كان باسم الله، وليس منه. وقد جاءت آيةُ المائدةِ هذه بحِلِّ الطيِّبات، وتقدَّمَ في مواضعَ مِن سورة البقرةِ الكلامُ على الطيِّباتِ ومعناها وحِلِّها؛ منها قولُهُ تعالى:

стр. 1112

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨]، ويأتي إنْ شاء اللهُ مزيدُ بيانٍ في قولِهِ تعالى في الأعراف: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. نسبةُ العلْمِ كُلِّهِ إلى اللهِ: وبعدَما ذَكَرَ اللهُ حِلَّ الطيِّباتِ في الآية، خَصَّ بالذِّكرِ منها صيدَ الكلابِ المعلَّمةِ بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾، وكلُّ عِلمٍ في الأرض، فهو مِن الله، حتَّى تعليمُ الإنسانِ للحيوانِ نعمةٌ مِن اللهِ تستوجبُ الشُّكرَ، وإنما نسَبَ اللهُ تعليمَ الإنسانِ للحيوانِ عِلْمَ الصيدِ إليه؛ لإظهارِ النعمة، ولِكَسْرِ غرورِ النفسِ التي يُشعِرُها عِلْمُها المنشورُ في الخَلْقِ بفضلِها عليهم، فتَنسى فضلَ اللهِ عليها، فتكفُرُ نعمةَ اللهِ؛ فبيَّنَ اللهُ أنه حتى تعليم الإنسانِ للحيوانِ هو مِن اللهِ؛ فكيف بتعليمِ الإنسانِ للإنسانِ؟ ! وإنَّما بَغَى وطَغَى وتكبَّرَ قارونُ بسبب اغترارِهِ بعِلْمِهِ الذي اكتسَبَ به دُنيا، فقال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، وكفر نعمةِ العِلْمِ أعظَمُ كُفرِ النِّعَم، وهو أصلٌ لكفرِ كلِّ نعمةٍ، ولا تكفرُ الأممُ نعمةَ الطعامِ والشرابِ إلا إذا كَفَرَتْ نعمةَ العِلْمِ بكسبِه، وفضلَ اللهِ بإيصالِهِ وتيسيرِه. وقد أمَرَ اللهُ بإيكالِ العِلْمِ إليه في كلِّ شيءٍ؛ قال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣]، وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الملك: ٢٦]، وقال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ] [الأنعام: ٥٩]؛ فبيَّنَ اللهُ مصدرَ العِلمِ وأصلَهُ قبلَ بيانِ تشريعِهِ وحُكمِه؛ فبيَّنَ أنَّ تعليمَ الكلابِ مِن نِعَمِ اللهِ قبلَ بيانِ حِلِّ صيدِها، فنعمةُ العِلْمِ أعظَمُ مِن نعمةِ الصيدِ، وشُكْرُ نعمةِ العِلمِ أولى مِن شكرِ نعمةِ الصيدِ، فذكَرَ الله بالنعمةِ الأولى، حتى

стр. 1113

لا تُنْسِيَها الثانيةُ، والعِلْمُ بنعمةِ العِلْم يذكِّرُ بشكرِها، وشكَرُها يَزيدُها؛ لعمومِ قولِهِ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]، فمَن رزَقَهُ اللهُ علمًا وشكَرَهُ، أوْرَثَهُ الله عِلْمَ ما لم يَعلَمْ، وزاد في بَرَكَةِ علمِهِ فهمًا وتدبُّرًا، وانفجَرَت منه ينابيعُ الحِكْمةِ والتأمُّلِ والاستنباط، وأُلهِمَ السَّدَادَ. نعمةُ العِلْمِ: وفي الآيةِ؛ إشارةٌ إلى أنَّ نعمةَ العِلْمِ أعظَمُ مِن نعمةِ الأكلِ؛ فقد بيَّنَ اللهُ نعمةَ العِلْمِ وأضافَها إليه، قبلَ أن يُتِمَّ بيانَ حُكمِ طعامِ الصيد، ولم يُضِفْ هنا نعمةَ الطعامِ إليه؛ لوجودِ ما هو أعظَمُ منها وأحَقُّ بالإضافةِ وأولى. صيدُ الجوارحِ: وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾: الجوارحُ هي الكواسبُ، وفي الآيةِ: دليلٌ على حِلِّ جميعِ صيدِ الجوارحِ؛ سواءٌ كانت مِن الطيورِ أو مِن السِّباع، فما أمكَن تعليمُهُ، جاز صيدُهُ إن كان جارحًا. وفي هذه المسألةِ خلافٌ: فمنهم: مَن قيَّدَهُ بالكَلبِ؛ لأنه المنصوصُ عليه في الآيةِ في قوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾؛ وهو قولٌ يُروى عن قِلَّةٍ مِن السلف، ونُسِبَ لمجاهدٍ. والصحيحُ عنه خلافُه؛ رواهُ عنه خاصَّةً أصحابِه، كالقاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ وابن أبي نَجِيحٍ. والجمهورُ على عمومِ ذلك في كلِّ جارحٍ معلَّمٍ، جاء عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمرَ وعُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ؛ وهو الصحيحُ؛ لأمورٍ: الأول: أنه جاء في السُّنَّةِ والأثرِ النصُّ على البَازِي؛ منها حديثُ عَدِيٍّ؛ قال: سَألْت رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ صَيدِ البَازِي، فَقَال: (مَا أَمْسَكَ

стр. 1114

عَلَيْكَ، فكُل)؛ رواهُ التِّرمِذيُّ (١). وصحَّ عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾؛ أنه قال: "يعني بالجوارحِ: الكلابَ الضَّوَارِيَ والفُهُودَ والصُّقُورَ وأشباهَها" (٢). ورُويَ عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ؛ قال: "ما صادَ مِن الطَّيْرِ -والبُزاةُ مِن الطَّيْرِ- فما أدرَكتَ فهو لك، وإلَّا فلا تَطعَمْهُ" (٣). صيدُ الكلبِ الأسوَدِ: واستثنى أحمدُ مِن الكلابِ الأسوَدَ البَهِيمَ؛ أنه لا يجوزُ اتِّخاذُهُ ولا رخصةَ فيه أصلًا؛ لأنَّه شيطان، ومأمورٌ بقتلِه، فلا يجوزُ اقتناؤُهُ أصلًا، وتَبَعًا لا يحوزُ الصيدُ به. واستنكَرَ بعضُ المالكيَّةِ ذلك على أحمدَ، وقولُ أحمدَ على أصلٍ صحيحٍ؛ أنَّ ما أمَرَ الله بقتلِهِ لا يجوزُ أكلُهُ نفسِه، وأمَّا الأكلُ بكَسْبِه، فهو كذلك؛ لأنَّ مُقتضى الأكلِ بكسبِهِ جوازُ اقتنائِه، والشريعةُ تَنهى عن ذلك، وإطلاقُ الحِلِّ إذا تقرَّرَ، انسحب على كلِّ حالٍ، والشريعةُ لا تُطلِقُ قواعدَ حِلِّها وتحريمِها على الأمورِ العارضةِ. الثاني: أن اللهَ ذكَرَ تعليمَ الجارحة، والبَازِي يعلَّمُ كما يعلَّمُ الكلبُ، ويُؤمَرُ ويُزجَرُ ويَمتثِلُ. الثالث: أن اللهَ عمَّمَ في الآيةِ ذِكْرَ الجوارح بقوله ﴿مِنَ الْجَوَارِحِ﴾، وهذا وصفٌ يدخُلُ فيه كلُّ جارحةٍ معلَّمةٍ، والنَّصُّ على الكلبِ في الآيةِ لو كان المقصودُ فيه السَّبُعَ، فهو للتعريفِ لا للتقييدِ؛ فإن الكلبَ أكثَرُ في

стр. 1115

الاستعمالِ وأيسَرُ في التعليمِ وأطوَعُ لصاحِبِه؛ ولذا كثُر ذِكرُهُ في الوحيِ عندَ ذِكرِ الصيدِ. الرابعُ: أنَّ الصيدَ بالصَّقرِ والبَازِي معروفٌ عندَ العربِ في الجاهليَّةِ والإسلامِ، ولم يَرِدْ نهيٌ عنه، ولا إخراجُهُ مِن عمومِ الآيةِ في كلامِ الصحابةِ ولا عامَّةِ التابعِينَ. الخامسُ؛ قد فسَّرَ ابنُ عبَّاسٍ قولَهُ تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ بالكَلَبِ، مشتقٌّ مِن الشِّدَّة، لا مِن اسمِ الكَلْبِ، ومرادُهُ منه: مُغْرِينَ للجوارحِ على الصيدِ؛ ولأن إغراءَ الجارحِ وإرسالَهُ للصيدِ علامةٌ على تعليمِه. صيدُ الجارحِ غيرِ المُعَلَّم: ويتَّفِق العلماءُ على عدمِ جوازِ صيدِ غيرِ المعلَّمِ مِن الجوارحِ؛ لظاهرِ الآيةِ؛ فتقييدُ الآيةِ وتخصيصها مقصودٌ، ولأنَّه يَصِيدُ لنفسِهِ، لا يصيدُ لغيرِه، ويُستثنى مِن ذلك إن أدرَكَ ذَكاتَهُ فذبَحَهُ؛ لما تقدَّمَ في الآيةِ بقولِهِ: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] بعدَما قال: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣]. والسَّبُعُ إنْ صاد صيدًا وهو غيرُ معلَّمٍ، أخَذَ حُكمَ سائرِ الآلاتِ التي تُمِيتُ بلا قصدٍ ولا اختيارٍ، وقد حرَّمَ اللهُ الصيدَ الذي لم يَتيقَّنِ الرجلُ أنَّ كَلْبَه صادَه أو غيرَه، ففي "الصحيحَينِ"، مِن حديث عديٍّ؛ أنه سأل النبيَّ ﷺ ، فقال: فَإنْ وَجَدتُّ مَعَ كَلبِي كَلبًا آخَرَ، فَلَا أدْرِي أيُّهُمَا أخَذَهُ؟ فقال له النبي ﷺ : (فَلَا تَأكُلْ؛ فإنَّما سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيرِهِ) (١). وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾: سُمِّيَتْ جوارحَ، والجَرْحُ: هو الكَسْبُ، والعرب تقولُ: لا جارحَ

стр. 1116

لفلانٍ؛ يعني: لا كاسِبَ له؛ ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، والمرادُ: ما كَسبتُموهُ في النَّهار، وخَصَّ النَّهارَ؛ لأنَّه محلُّ الكَسْبِ وجَلْبِ الرِّزقِ. تعريف الجارح المُعلَّم: والجارحُ المُعلَّمُ هو الذي إذا أُمِرَ ائتمَر، وإذا زُجِرَ انزجَر في قصدِ الصيد، وليس المرادُ بالمُعلَّم عمومَ التعليمِ الذي يَعلَمُ الركوبَ والنزولَ مِن الدوابّ، أو القيامَ والقعودَ، والذَّهاب والمجيءَ؛ وإنَّما المرادُ عِلمُ الصيدِ والأمرِ والزَّجْرِ المُتعلِّقِ به. وقولُه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾: دليلٌ على تحريم ما صادَتْه الجوارحُ المُعلَّمةُ لنفِسها، فقولُه، ﴿أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾؛ يعني: حَبَسْنَ لكم؛ يُقَالُ: أمْسِكْ عليك لسانَك أو مالَك؛ يعني: احبِسْهُ لك، وفي "الصحيحَين"؛ من حديثِ عديٍّ؛ قال ﷺ : (إِذَا أرسَلْتَ كَلْبَكَ، وَذَكَرتَ اسمَ الله، فَكُلْ، فَإِنْ أكَلَ مِنْهُ، فَلَا تأكُلْ؛ فَإنَّهُ إِنَّمَا أمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ) (١)؛ وذلك أن الكلبَ قد يَصِيدُ لنفسهِ جوعًا أو نسيانًا، فنسيانُهُ أولى مِن نسيانِ الإنسان، وعلامة ذلك؛ الأكلُ، فإن أكَلَ، لم يحِلَّ ما أكَلَ منه، لانتفاءِ قصدِ صيدِه لصاحِبِه، ولو كان يَحِلُّ ما صادَهُ الكلبُ المُعلَّمُ ولو لنفسِه، لم يكنْ لِعلَّةِ التعليمِ معنًى في الآية، ولا لقوله: ﴿أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، فالله أكَّدَ قصدَ صيدِهِ لصاحِبه في موضعَيْنِ: الأولُ: في تقييدِ حِلِّ صيدِ الجوارحِ المُعلَّمةِ فقطْ. الثاني: ذِكْرُ الإمساكِ عليهم؛ لأنه قد يكونُ معلَّمًا وَيصِيدُ لنفسِه، فشدَّدَ في هذا القصدِ حتى في الجارحةِ المعلَّمة، مع أنَّ الأصلَ في المُعلَّمةِ؛ حضورُ القصدِ في الصيدِ لصاحِبِها.

стр. 1117

حُكم الصيدِ الذي يأكل منه الجارحُ: وبتحريمِ ما أكَل منه الكلبُ والطيرُ حاء النص في ظاهرِ الآية، وصح به الحديثُ! وهو قول جمهورِ العلماءِ؛ كأبي حنيفةَ والشافعي وأحمدَ والثوري، خلافًا لمالك، وبه أفتَى أكثَرُ السلفِ؛ كابنِ عباس وابنِ عمرَ وطاوس ومجاهِدٍ والشَّعبي وعِكرِمةَ وسعيدِ بنِ جُبَيرٍ وعطاء. وعمدة مَن قال بالحِل: ما جاء عندَ أبي داودَ؛ مِن حديث أبي ثعلبةَ الخُشني؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (إِذَا أرْسَلتَ كَلْبَكَ وَذَكَرتَ اسم الله، فَكل وإنْ أكَلَ مِنْهُ) (١)، وروى النَّسَائيُّ معناهُ؛ مِن حديث عمرِو بنِ شُعَيب، عن أبيه، عن جده (٢)، وبهذه الأحاديثِ قال بعضُ السلفِ؛ كأبي هريرةَ وابنِ عمرَ في قولِه الآخَرِ وابنِ المُسيَّبِ. وهناك قول ثالث فرقَ بينَ أكلِ الطيرِ وبين أكلِ الكلب، فأجازَ ما أكَلَ منه الطير المُعلَّمُ، وحرَّمَ ما أكَلَ منه الكلب؛ وهو قول آخَرُ لعطاءٍ والشعبيِّ والنخَعي؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ وأحمدَ والمُزَنِي صاحِبِ الشافعي، وعلَّلَ بعضُهم ذلك: بأن الطيرَ يَشُقُّ تعليمُهُ ولا يَقبَل الضربَ كالكلبِ؛ فخُففَ فيه ويُسِّرَ. وحديثُ عدي أصَح وأحوَطُ وأقرَبُ لظاهرِ القرآن، ويمكِنُ أنْ يُجمَعَ بين الحديثينِ بأن أَكلَ الكلبِ في حديثِ عديِّ عندَ الصيد، وبه يتضح قصدُ الكلب المعلم، وأما في حديث أبي ثعلبة، فيُحمَلُ على أكلِ الكلبِ بعدَ الصيدِ لا عندَه؛ وذلك أن الكلبَ إن صادَ وطالَ لحاقُ صاحبِهِ به قد يَشتهي الصيدَ لنفسهِ بعدَ صيدِهِ فيأكُلُ منه، وأكلُهُ منه عندَ صيدِهِ يَظهَرُ معه القصدُ، وأمَّا أكلُهُ منه بعدَ صيده بزمن فينفَكُّ عنه القصد لطولِ

стр. 1118

الفصلِ؛ فإن مِن الكلابِ مَن يعتاد صاحبها إطعامها مِن صَيْدِها، فإن صادت، ربَّما أكَلَت ما تظن أن صاحبها أذِنَ لها منه. قرائنُ قصد الجارحِ الصيدَ لنفسه: ويَظهَرُ قصدُ الكلبِ بقرائنَ: منها: إن أرسَلَهُ صاحبُه، فالغالبُ أنه يصيدُ لصاحبِهِ لا له، وإنِ انطلَقَ بنفسِهِ ولم يُؤمَرْ وليس في حالِ تحفُّزِ وتَحَرٍّ مِن صاحبهِ للصيدِ؛ فهذه قرينةٌ على أنه أرادَه لنفسِهِ إنْ أكَلَ منه. ومِن القرائنِ: جُوعُ الكلبِ وشِبَعُهُ؛ فإن كان جائعًا وأكَلَ منه، فالغالب أنه صادَهُ لنفسِهِ. ومن القرائنِ: طول الفصلِ بينَ صيده وأكلِه؛ فإنْ أكَلَ مباشرة عندَ الصيدِ؛ فهذه قرينة على أنه صادَ لنفسِه، وإن صادَ وانتظَرَ ثم أكَلَ، فالغالب أنه صادَ لصاحِبِه، واللهُ أعلَمُ. وإن انطلَقَ الكلبُ أو الطير بنفسِه فصادَ، فجمهورُ العلماءِ: على أنه صادَ لنفسِهِ؛ فعلى هذا لا يَحِل ما مات مِن صَيْدِه. وقولُه تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، فيه دليل على مشروعية التسميةِ عندَ إرسالِ الجارِحةِ المعلمة، وكذلك عندَ رميِ السهمِ أو إطلاقِ الرصاص، وعندَ الذبحِ بالاتفاقِ. وجوبُ التسْمِية عِند إرسالِ الجارحِ: وفي وجوبِ التسمية عندَ الإرسالِ وعندَ الذبحِ خلاف، على أقوال: الأوَّلُ: الوجوب؛ وهو قولُ أحمدَ الذي صَحَّحَه عنه غير واحدٍ؛ وبه قال أهلُ الظاهرِ.

стр. 1119

الثاني: الاستحباب؛ وهو قولُ الشافعيِّ ومالك في إحدى روايتَيْه. الثالث: فرقوا بين تركها عمدا وتركِها سهوًا؛ فإنْ تُرِكت عمدًا، لم تَحِل، وإن تُرِكَت سهوا ونسيانا، عُفِيَ عن ذلك؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ والثوري ومالكٍ في روايتهِ الأخرى. والأظهرُ: الاستحباب، والمرادُ بذِكرِ اسم اللهِ: الإهلالُ، وهو علامة على قصدِ الذبحِ للهِ لا لغيرِه، وليس الإهلالَ في ذاتِهِ قصدا كحالِ الإهلالِ في نسُكِ الحجّ، وإنَّما جاء ذِكْرُ اسمِ اللهِ بالأمرِ؛ لأن أهلَ الجاهلية يذكرون غيرَ الله، فأمَرَ اللهُ به؛ ليَظهَرَ قصدُ التوحيدِ؛ كما كانوا يُظهِرونَ قصدَ الشّركِ؛ وهذا ظاهرٌ في آيةِ الأنعامِ في قولِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [١١٨]، فذكَرَ الإيمانَ؛ لبيانِ أن المرادَ مخالَفةً نقيضِه، وهو شِرْكُ الذبحِ لغيرِ الله، وهو المرادُ بقولِه تعالى في مواضعَ: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣، والنحل: ١١٥] ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]. ثم إن اللهَ أحَل طعامَ أهلِ الكتابِ بعدَ هذه الآية، ولم يَذكُرِ اشتراطَ تَسميَتهم عليها، وقد جاء في "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ عائشةَ؛ أن النبي ﷺ سئِلَ: إن قَومَا يَأتُونَنَا بِاللحم لَا نَدرِي أَذَكَرُوا اسمَ اللهِ عَلَيْهِ أَم لَا؟ فَقَالَ: (سَمُّوا اللهَ عَليه، وَكلُوه) (١). والمعروف مِن فُتيا الصحابةِ؛ كعلي وعائشةَ: أنهم يَمنَعونَ مِن ذبائحِ أهل الكتابِ عندَ سماعِهم يَذكُرونَ اسمَ غيرِ اللهِ عليها، ولم يَشترِطوا سماعَ التسميةِ ولا ذِكرَها، ولا يكاد يُعرَف مَن يُخالِفُهم من الصحابةِ والتابِعين. ويأتي تفصيل ذلك في سورةِ الأنعامِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا

стр. 1120

ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨]، وقولِهِ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]. ثم أمَرَ اللهُ في الآيةِ بتقوَاه، وذَكَّرَ بأنه سريعُ الحساب، وقد يُعجِّل العقوبةَ وقد يؤجِّلُها إن لم يَعْفُ عن المُقصِّرِ. * * * قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥]. ذكَرَ الله حِل الطيباتِ هنا، مع ذِكرِهِ لها في هذه الآيةِ؛ لإظهارِ الامتِنان وبيانِ النِّعمةِ والتذكيرِ بشكرِها، وفيه تأكيد لِما سبَق مِن أهميةِ قرنِ سَعَةِ الحلالِ عندَ ذِكْرِ ضِيقِ الحرامِ؛ حتى لا تَستثقلَه النفوسُ. وإنما ذكَرَ اللهُ وخَصَّ هنا ممَّا أحَلَّ: المطعوماتِ والمنكوحاتِ؛ لأنَّها أظهَر الطيباتِ وأكثرها حاجةً. طعام أهلِ الكتابِ: وقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾؛ المرادُ: جميعُ طعامِهِم الذي يكونُ منهم مذبوحا أو مطبوخا على الوجهِ المشروع، ولو كان محرمًا على اليهودِ في دينِهم؛ كشحومِ الغنم والبقرِ وذواتِ الظُّفُرِ؛ فاللهُ حرَّمَها عليهم في دينهم: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦]، وهذا -وإن لم يكنْ طعاما لهم في دينهم- فإنه طعام حلالٌ لنا ولو تَسَبَّبُوا هم فيه،

стр. 1121

وقد جاء في "الصحيحِ"؛ مِن حديث عبد اللهِ بنِ مغَفَّل؛ أنه قال: "أَصَبتُ جِرَابًا مِن شَحم يَومَ خَيبرَ، قَالَ: فَالْتزَمته، فَقلت: لَا أعطِي اليَومَ أَحَدًا مِن هَذَا شيئا، قالَ: فَالتَفَت، فإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مُتبسِّمًا" (١). وهذا قول الشافعي ومذهب الحنفيةِ والحنابلةِ وقولُ مالك، ومَنع ممَّا حَرمَ عليهم ابن القاسم، وفرقَ أَشْهَب بينَ ما كان محرما بالتوراة، فهو حرام، وبينَ ما حرمُوه على أنفُسِهم، فهو حلالٌ. ذبائحُ نصارى العَرَب: والآية عامة في أهلِ الكتاب، وهم كل يهودي أو نصراني عربي أو أعجمي على الصحيحِ. واختلِفَ في نصارَى العربِ؛ كبَني تغلب وتَنوخَ وبَهْرَاءَ: وَذهَبَ جمهورُ العلماء: إلى دخولهم في الآية، لعمومها، والتخصيص يحتاجُ إلى دليل. وذهَبَ الشافعي: إلى تحريمِ ذبائحِ نصارَى العربِ؛ وهذا مروي عن عمرَ وعلي؛ فإنهما نَهَيَا عن ذبائحِ بَني تَغلبَ، ولعمرَ قولا آخَر خلافًا لذلك، والأثرُ عن عليٍّ صحيح؛ روى عَبِيدَةُ، عن علي؛ قال: "لَا تَأكلُوا ذَبَائحَ نَصَارَى بَني تَغلِب؛ فَإِنهم لَم يَتَمَسَّكُوا بشيءٍ مِنَ النَّصرَانيةِ إِلا بِشرب الخَمرِ" (٢). وسندُهُ صحيح عنه. وظاهر كلامِ عليٍّ: أنه لم يُخرِج نصارى العرب إلا لأجلِ إعراضِهم عن دينهم وإن انتسَبُوا إليه حَمِيَّة؛ فهم كبعضِ الزَّنادِقةِ الذين يَنتِسبون

стр. 1122

للإسلام، ولم يُرِد إخراجَ مَن أقَر بدِينه ولم يُعرِض عنه، ولا أنه أخرَجَ نصارى العربِ لكونِهِم عربا. وأمَّا أهلُ الكتاب الذين يَنتسِبونَ لدينهم تاريخا، وهم في حقيقتِهمِ ملاحدة لا يؤمِنونَ بخالق؛ كما هو كثير في الغربِ اليومَ -: فلا يَأخُذونَ حُكمَ أهلِ الكتابِ ولو كانوا مِن نسلِ أهلِ الكتاب، أو كانت دولتهم كتابية. وروِيَ عن ابن عباس: أن نصارَى العربِ كغيرِهم؛ فقد روى عِكرِمةُ، عن ابنِ عبَّاس؛ قال: "كلوا مِن ذَبَائِحِ بني تَغلبَ، وَتَزَوَّجوا من نِسَائِهِم" (١). ورُوِيَ مِن غيرِ هذا الوجه، عن ابنِ عباس؛ وصح هذا عن ابن المسيب والحسنِ (٢). ذبائِحُ أصحابِ الكتبِ السماويةِ: ووقعَ خلافٌ في بعضِ الدياناتِ التي تتّصِل بأهلِ الكتاب أو افترَقَت عنهم ببعضِ أصولها؛ وذلك كالسامِرِيةِ والصابِئةِ والمجوسِ: فأمَّا السامِرِيةُ: فهم يُؤمِنونَ بنبوةِ موسى وهارونَ ويُوشعَ وإبراهيمَ وَيتبِعُونَهم، وينسبونَ إلى السامِرِي؛ ولكنهم يُخالِفونَ اليهودَ في قِبلَتِهم؛ فاليهود يتجهونَ إلى مسجدِ بيتِ المَقدِس، والسامرة تصلي إلى جبلِ غريزيم بينَ بيتِ المَقدسِ ونابلسَ، ويرَونَه هو الطُّورَ الذي كَلمَ الله فيه موسى، ويُخطئونَ اليهودَ في قِبلَتِهم. وهم فرقتانِ: دوسانيةٌ، وكوسانيةٌ. ورُوِيَ عن عمرَ؛ أنّه ألحَقَهُم باليهودِ؛ وبه قال عمرُ بن عبد العزيز،

стр. 1123

وجزَمَ به الشافعي، وأهلُ الكوفةِ لا يلحقونَهم بأهلِ الكتابِ. وأمَّا الصَّابِئةُ: فاختلَفَ السلف في ذلك، فلم يُلحِقهم بأهلِ الكتابِ الأكثرُ؛ وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ، واللهُ ذكَرَهم باسمِ خاص في كتابِه، ولم يُسَمِّهم بأهلِ كتاب، ولم يَتوجهْ إليهم بنفسِ الخطاب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ﴾ [الحج: ١٧]، فهم طائفة موحِّدونَ من بقايا حنيفيةِ إبراهيمَ قبلَ الإسلام، ولا يقولونَ بالتثليث، ويرَونَ خالقا واحدا، ومعبودا واحدا، وطوائفُ منهم يعملونَ بالتوراةِ والإنجيلِ قبلَ نَسخِها، ولم يبقَ منهم اليومَ كبيرُ أحدٍ فيما أعلَم، وقد كان وهب بن منَبِّهٍ -وهو مِن العارِفينَ بأخبارِ السابقينَ وعقائدِهم- يقول في الصابئةِ: "هم مَن يَعرِف اللهَ وحدَه، وليستْ له شريعة يعملُ بها، ولم يُحدِث كفرًا"؛ رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ (١). وقال عبدُ الرحمن بن زيد: "هم قومٌ يقولونَ: لا إلهَ الا اللهُ فقط، وليس لهم كتابٌ ولا نبيٌّ" (٢). وطائفة أخرى منهم تَنصَّرَت، وأخرى تَهوَّدَت، ودخَلَتها الوثنية، وإنِ اشْتركت مع أهلِ الكتابِ في بعضِ دِينِهم، إلا أنهم ليسوا منهم، وأهلُ الكتابِ لا يَعتبرونَهم منهم، وأكثرُهم اليومَ في العراق، وفيهم عبادةُ الأوثانِ والكواكبِ والنجومِ؛ وهؤلاء لا تَحِل ذبائِحُهم ولا نساؤُهم. وأما المَجُوس: فقد حَكَى الإجماعَ على تحريمِ ذبائحِهم ونِكَاحِ نسائِهم: أحمد، وإبراهيمُ الحربي، وشدَّدَ أحمدُ على أبي ثورٍ بمخالفتِهِ. وأما ما جاء في حديثِ عبد الرحمنِ بنِ عوف المرفوعِ: "سُنوا بِهِم

стр. 1124

سنة أهلِ الكِتَابِ" (١)، فلا يصح بهذا اللفظ، ولو صحَّ، فظاهرُهُ أنه في الجِزيَةِ؛ لأن النبي ﷺ أخَذَ الجزيةَ مِن مجوسِ هَجَرَ؛ كما في البخاري؛ مِن حديثِ عبد الرحمن بنِ عوفٍ (٢). وقولُه تعالى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾، والكفار لا يُخاطَبونَ بالحلالِ والحرامِ -لأنها فروع- ما لم يتَّبِعُوا الأصولَ ويَنقادوا لها؛ وإنما الخِطَابُ هنا لأهلِ الإيمانِ: أنهم يَحِلُّ لهم إطعام أهلِ الكتابِ والإحسانُ إليهم، وإنما قدَّمَ حِل طعامِ أهلِ الكتابِ على حِل طعامِ أهلِ الإيمانِ؛ لأنَّ المؤمنِينَ أولى بالانتفاعِ من غيرِهم. نكاحُ الكتابيَّاتِ: وقولُه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ قدَّمَ المؤمناتِ؛ لتفضيلِهِنَّ على غيرِهن، ونكاحُ المؤمِنةِ المُحصَنَةِ أفضَلُ مِن غيرِها؛ لأنَّ مَيْزةَ الدينِ أعظَمُ مِن غيرِه؛ ولذا في الحديثِ قال ﷺ : (إذَا جَاءكم مَن تَرْضَوْنَ دِينَه وَخُلقَه، فَأنكِحُوهُ) (٣). وللإحصانِ معانٍ متعدِّدةٌ، تقدمت في أولِ سورة النساءِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ومِن مَعانيهِ الحريةُ، وألحِقَ وصف الإحصانِ بالحرائرِ؛ لِغَلبَةِ العَفَاف عليهن بخلاف الجَوَارِي، ومِن هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، وقد فسرَ ابن عباسِ ومجاهِدٌ

стр. 1125

الإحصانَ بالحريَّةِ (١). وفي الآيةِ: دَلالةٌ على تحريمِ نكاحِ الزانيةِ قبلَ توبتِها، ويأتي تفصيلُ ذلك في أولِ سورةِ النورِ إنْ شاءَ اللهُ. وإنَّما أحَل الله نِكاحَ الكتابيةِ توسعةً للأمةِ؛ فإن أهلَ الكتابِ أكثرُ أهلِ الأرض، ومخالَطةُ المسلِمِينَ لهم ومساكنتهُم لهم كثيرة، ودخولُهُم في الإسلامِ كثير، وبقاء قراباتهم بينَهم وبينَ المُسلِمينَ مِن ذوي أرحامِهم كثيرة، ولو حرَّمَ ذلك لَشَقَّ على المُسلِمينَ، خاصَّةَ في البُلدانِ التي يتجاوَرون ويتخالَطون بينَهم فيها. وقد تقدَّمَ في سورةِ البقرةِ ذِكرُ الكلامِ على نكاحِ المشرِكةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وذكَرنا الكلامَ على نكاحِ الكتابيةِ. الحكمةُ من تحريمِ تزويجِ الكتابي مسلمةً: وإنما أحَلَّ اللهُ للمؤمِنينَ طعامَ أهلِ الكتابِ ونساءَهُم، ولم يُحِلَّ لأهلِ الكتابِ إلا طعامَ المؤمنينَ، لا نساءَهم؛ لأن النِّكاحَ فيه سلطان وقوَامة، ولا يكونُ للكافرِ على المؤمِنينَ سبيل، وأمَّا الطعام، فالتفاضُلُ وعلو اليدِ فيه وقتى وعارضٌ، لا دائم ولازم، كالقوَامةِ والولي في النكاحِ. وجوبُ المهرِ: وفي الآيةِ: وجوبُ المَهرِ للمؤمنةِ والكتابيةِ؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾، وقد تقدمَ الكلام على
следующие страницы →