وقد جاء في "الصحيحِ"؛ مِن حديث عبد اللهِ بنِ مغَفَّل؛ أنه قال: "أَصَبتُ جِرَابًا مِن شَحم يَومَ خَيبرَ، قَالَ: فَالْتزَمته، فَقلت: لَا أعطِي اليَومَ أَحَدًا مِن هَذَا شيئا، قالَ: فَالتَفَت، فإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مُتبسِّمًا" (١).
وهذا قول الشافعي ومذهب الحنفيةِ والحنابلةِ وقولُ مالك، ومَنع ممَّا حَرمَ عليهم ابن القاسم، وفرقَ أَشْهَب بينَ ما كان محرما بالتوراة، فهو حرام، وبينَ ما حرمُوه على أنفُسِهم، فهو حلالٌ.
ذبائحُ نصارى العَرَب:
والآية عامة في أهلِ الكتاب، وهم كل يهودي أو نصراني عربي أو أعجمي على الصحيحِ.
واختلِفَ في نصارَى العربِ؛ كبَني تغلب وتَنوخَ وبَهْرَاءَ:
وَذهَبَ جمهورُ العلماء: إلى دخولهم في الآية، لعمومها، والتخصيص يحتاجُ إلى دليل.
وذهَبَ الشافعي: إلى تحريمِ ذبائحِ نصارَى العربِ؛ وهذا مروي عن عمرَ وعلي؛ فإنهما نَهَيَا عن ذبائحِ بَني تَغلبَ، ولعمرَ قولا آخَر خلافًا لذلك، والأثرُ عن عليٍّ صحيح؛ روى عَبِيدَةُ، عن علي؛ قال: "لَا تَأكلُوا ذَبَائحَ نَصَارَى بَني تَغلِب؛ فَإِنهم لَم يَتَمَسَّكُوا بشيءٍ مِنَ النَّصرَانيةِ إِلا بِشرب الخَمرِ" (٢).
وسندُهُ صحيح عنه.
وظاهر كلامِ عليٍّ: أنه لم يُخرِج نصارى العرب إلا لأجلِ إعراضِهم عن دينهم وإن انتسَبُوا إليه حَمِيَّة؛ فهم كبعضِ الزَّنادِقةِ الذين يَنتِسبون
стр. 1122
للإسلام، ولم يُرِد إخراجَ مَن أقَر بدِينه ولم يُعرِض عنه، ولا أنه أخرَجَ نصارى العربِ لكونِهِم عربا.
وأمَّا أهلُ الكتاب الذين يَنتسِبونَ لدينهم تاريخا، وهم في حقيقتِهمِ ملاحدة لا يؤمِنونَ بخالق؛ كما هو كثير في الغربِ اليومَ -: فلا يَأخُذونَ حُكمَ أهلِ الكتابِ ولو كانوا مِن نسلِ أهلِ الكتاب، أو كانت دولتهم كتابية.
وروِيَ عن ابن عباس: أن نصارَى العربِ كغيرِهم؛ فقد روى عِكرِمةُ، عن ابنِ عبَّاس؛ قال: "كلوا مِن ذَبَائِحِ بني تَغلبَ، وَتَزَوَّجوا من نِسَائِهِم" (١).
ورُوِيَ مِن غيرِ هذا الوجه، عن ابنِ عباس؛ وصح هذا عن ابن المسيب والحسنِ (٢).
ذبائِحُ أصحابِ الكتبِ السماويةِ:
ووقعَ خلافٌ في بعضِ الدياناتِ التي تتّصِل بأهلِ الكتاب أو افترَقَت عنهم ببعضِ أصولها؛ وذلك كالسامِرِيةِ والصابِئةِ والمجوسِ:
فأمَّا السامِرِيةُ: فهم يُؤمِنونَ بنبوةِ موسى وهارونَ ويُوشعَ وإبراهيمَ وَيتبِعُونَهم، وينسبونَ إلى السامِرِي؛ ولكنهم يُخالِفونَ اليهودَ في قِبلَتِهم؛ فاليهود يتجهونَ إلى مسجدِ بيتِ المَقدِس، والسامرة تصلي إلى جبلِ غريزيم بينَ بيتِ المَقدسِ ونابلسَ، ويرَونَه هو الطُّورَ الذي كَلمَ الله فيه موسى، ويُخطئونَ اليهودَ في قِبلَتِهم.
وهم فرقتانِ: دوسانيةٌ، وكوسانيةٌ.
ورُوِيَ عن عمرَ؛ أنّه ألحَقَهُم باليهودِ؛ وبه قال عمرُ بن عبد العزيز،
стр. 1123
وجزَمَ به الشافعي، وأهلُ الكوفةِ لا يلحقونَهم بأهلِ الكتابِ.
وأمَّا الصَّابِئةُ: فاختلَفَ السلف في ذلك، فلم يُلحِقهم بأهلِ الكتابِ الأكثرُ؛ وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ، واللهُ ذكَرَهم باسمِ خاص في كتابِه، ولم يُسَمِّهم بأهلِ كتاب، ولم يَتوجهْ إليهم بنفسِ الخطاب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ﴾ [الحج: ١٧]، فهم طائفة موحِّدونَ من بقايا حنيفيةِ إبراهيمَ قبلَ الإسلام، ولا يقولونَ بالتثليث، ويرَونَ خالقا واحدا، ومعبودا واحدا، وطوائفُ منهم يعملونَ بالتوراةِ والإنجيلِ قبلَ نَسخِها، ولم يبقَ منهم اليومَ كبيرُ أحدٍ فيما أعلَم، وقد كان وهب بن منَبِّهٍ -وهو مِن العارِفينَ بأخبارِ السابقينَ وعقائدِهم- يقول في الصابئةِ: "هم مَن يَعرِف اللهَ وحدَه، وليستْ له شريعة يعملُ بها، ولم يُحدِث كفرًا"؛ رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ (١).
وقال عبدُ الرحمن بن زيد: "هم قومٌ يقولونَ: لا إلهَ الا اللهُ فقط، وليس لهم كتابٌ ولا نبيٌّ" (٢).
وطائفة أخرى منهم تَنصَّرَت، وأخرى تَهوَّدَت، ودخَلَتها الوثنية، وإنِ اشْتركت مع أهلِ الكتابِ في بعضِ دِينِهم، إلا أنهم ليسوا منهم، وأهلُ الكتابِ لا يَعتبرونَهم منهم، وأكثرُهم اليومَ في العراق، وفيهم عبادةُ الأوثانِ والكواكبِ والنجومِ؛ وهؤلاء لا تَحِل ذبائِحُهم ولا نساؤُهم.
وأما المَجُوس: فقد حَكَى الإجماعَ على تحريمِ ذبائحِهم ونِكَاحِ نسائِهم: أحمد، وإبراهيمُ الحربي، وشدَّدَ أحمدُ على أبي ثورٍ بمخالفتِهِ.
وأما ما جاء في حديثِ عبد الرحمنِ بنِ عوف المرفوعِ: "سُنوا بِهِم
стр. 1124
سنة أهلِ الكِتَابِ" (١)، فلا يصح بهذا اللفظ، ولو صحَّ، فظاهرُهُ أنه في الجِزيَةِ؛ لأن النبي ﷺ أخَذَ الجزيةَ مِن مجوسِ هَجَرَ؛ كما في البخاري؛ مِن حديثِ عبد الرحمن بنِ عوفٍ (٢).
وقولُه تعالى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾، والكفار لا يُخاطَبونَ بالحلالِ والحرامِ -لأنها فروع- ما لم يتَّبِعُوا الأصولَ ويَنقادوا لها؛ وإنما الخِطَابُ هنا لأهلِ الإيمانِ: أنهم يَحِلُّ لهم إطعام أهلِ الكتابِ والإحسانُ إليهم، وإنما قدَّمَ حِل طعامِ أهلِ الكتابِ على حِل طعامِ أهلِ الإيمانِ؛ لأنَّ المؤمنِينَ أولى بالانتفاعِ من غيرِهم.
نكاحُ الكتابيَّاتِ:
وقولُه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ قدَّمَ المؤمناتِ؛ لتفضيلِهِنَّ على غيرِهن، ونكاحُ المؤمِنةِ المُحصَنَةِ أفضَلُ مِن غيرِها؛ لأنَّ مَيْزةَ الدينِ أعظَمُ مِن غيرِه؛ ولذا في الحديثِ قال ﷺ : (إذَا جَاءكم مَن تَرْضَوْنَ دِينَه وَخُلقَه، فَأنكِحُوهُ) (٣).
وللإحصانِ معانٍ متعدِّدةٌ، تقدمت في أولِ سورة النساءِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ومِن مَعانيهِ الحريةُ، وألحِقَ وصف الإحصانِ بالحرائرِ؛ لِغَلبَةِ العَفَاف عليهن بخلاف الجَوَارِي، ومِن هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، وقد فسرَ ابن عباسِ ومجاهِدٌ
стр. 1125
الإحصانَ بالحريَّةِ (١).
وفي الآيةِ: دَلالةٌ على تحريمِ نكاحِ الزانيةِ قبلَ توبتِها، ويأتي تفصيلُ ذلك في أولِ سورةِ النورِ إنْ شاءَ اللهُ.
وإنَّما أحَل الله نِكاحَ الكتابيةِ توسعةً للأمةِ؛ فإن أهلَ الكتابِ أكثرُ أهلِ الأرض، ومخالَطةُ المسلِمِينَ لهم ومساكنتهُم لهم كثيرة، ودخولُهُم في الإسلامِ كثير، وبقاء قراباتهم بينَهم وبينَ المُسلِمينَ مِن ذوي أرحامِهم كثيرة، ولو حرَّمَ ذلك لَشَقَّ على المُسلِمينَ، خاصَّةَ في البُلدانِ التي يتجاوَرون ويتخالَطون بينَهم فيها.
وقد تقدَّمَ في سورةِ البقرةِ ذِكرُ الكلامِ على نكاحِ المشرِكةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وذكَرنا الكلامَ على نكاحِ الكتابيةِ.
الحكمةُ من تحريمِ تزويجِ الكتابي مسلمةً:
وإنما أحَلَّ اللهُ للمؤمِنينَ طعامَ أهلِ الكتابِ ونساءَهُم، ولم يُحِلَّ لأهلِ الكتابِ إلا طعامَ المؤمنينَ، لا نساءَهم؛ لأن النِّكاحَ فيه سلطان وقوَامة، ولا يكونُ للكافرِ على المؤمِنينَ سبيل، وأمَّا الطعام، فالتفاضُلُ وعلو اليدِ فيه وقتى وعارضٌ، لا دائم ولازم، كالقوَامةِ والولي في النكاحِ.
وجوبُ المهرِ:
وفي الآيةِ: وجوبُ المَهرِ للمؤمنةِ والكتابيةِ؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾، وقد تقدمَ الكلام على
стр. 1126
المَهرِ وحكمِهِ في أولِ سورةِ النساءِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [٤]، وكذلك في البقرةِ عندَ قولِهِ: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَو تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [٢٣٦].
أثرُ مخالَطَةِ الكفارِ:
ولمَّا أحَل اللهُ نِكاحَ نساءِ أهلِ الكتاب وأحَل طعامَهم، وكان مُقتضى ذلك المُخالَطةَ، ومقتضى المخالَطةِ التأثُّرَ بهم، وقد يصلُ إلى حَدِّ الإعجاب بحالِهم واستحسانِ دينِهم؛ قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾؛ لأن النفوسَ إنِ استحسَنت الشيءَ، خلَطَت سوءَه بحَسَنِه، وعَمِيَت عن سيئتِهِ ولم تَرَها كما هي، فمَن أحَبَّ، عَمِيَ عن مساوئِ محبوبِه، كما أن مَن كَرِهَ عَمِيَ عن محاسنِ مكروهِه، ولما كان إطعام أهلِ الكتابِ للمؤمِنينَ هديةً أو إعانةَ يكسِرُ نفسَ المنتفِعِ؛ لأن المُنفِقَ يدُهُ العليا، وقد يَخلِط بينَ علو يدِهِ وبينَ قصورِ دِينِه، فيُعجب بدينهِ فيَتبِعُهُ أو يضعُفُ إيمانُه - شدَّدَ اللهُ على أنَّ اتباعَهم كفر بالله، ومُحبِطٌ للعملِ.
وفي هذا: إشارة إلى أنه ينبغي عندَ الكلامِ على مخالَطةِ أهلِ الكتابِ وبيانِ ما يجوز منها: أن يؤكَّدَ على ما يَتبَع ذلك مِن أثرٍ، وهو ميلُ القلبِ والإعجابُ الذي يورِثُ الحبَّ ويَتبَعُه الكفر، والعالِمُ لا يُحرم ما أحَل اللهُ، ولكنه يَحفَظُ دينَ اللهِ بالتأكيدِ عليه والاحترازِ مما يَنقصه أو يَنقُضُه؛ ولذا قال تعالى بعدَ ذلك: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾؛ أي: لا يُقدم ربحَ الدنيا ولذتَها مِن مَنكَح ومطعم على خسرانِ الآخِرةِ وعذابِها.
وكذلك: فإن مِن وُجوهِ الختمِ بقولهِ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾: ألا يَتَوَهمَ متوهم إسلامَ أهلِ الكتابِ وإيمانَهم؛ لأن اللهَ أباحَ للمؤمِنِينَ ذلك منهم ولهم؛ ليتضحَ حكمُ الآخرةِ عن حُكْمِ اللهِ لهم في
стр. 1127
الدنيا، ومع نصِّ الآيةِ على حِل النكاح، فإنها تتضمنُ التزهيدَ في ذلك؛ حيثُ ذكَّرَ بالعاقبةِ في الآخرةِ؛ فإن الكافرَ لن يدخُلَ جنةَ الآخِرةِ ولو كانت زوجة؛ فإنَّ المؤمنَ يَجِدُ في نفسِهِ أن زوجَهُ وأمَّ ولده تُساقُ إلى النارِ وهم إلى الجنَّةِ إنْ ﵏، وفي ذلك إشارةٌ إلى الاقترانِ بمؤمِنةٍ تقترِن بزوجِها في الآخِرةِ في الجنةِ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [الرعد: ٢٣]، وقولِهِ: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦]، وقولِهِ: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [غافر: ٨]، واللهُ أعلَمُ.
* * *
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَو عَلَى سَفَرٍ أَو جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَو لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة: ٦].
في الآيةِ: فرض الوُضوءِ مِن الحَدَثِ عندَ إرادةِ الصلاة، وقد قال ﷺ : (لَا تُقْبَل صَلَاةُ مَنْ أَحدَث حَتى يتوضأ)؛ أخرَجَاه (١)، ولم يَختلِف أحد في وجوبِ الطهارةِ.
المرادُ مِن اقترانِ الوضوءِ بالصلاة:
وذِكرُ الصلاةِ هنا عندَ بيانِ فرضِ الوضوءِ قرينةٌ على أنَّه لا يجبُ
стр. 1128
الوضوء لعبادةٍ إلا لها على الأرجحِ؛ فلا يجب الوضوء لدخولِ المسجدِ ولا للاعتكافِ ولا للذكرِ ولا لقراءةِ القرآنِ ولا للطوافِ؛ وإنما يُستحَبُّ لذلك.
وتقييد الوضوءِ بالقيامِ إلى الصلاةِ في قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾؛ حتى لا يُتوهمَ أن الوضوءَ واجب لذَاته، فيقَع الحرَجُ في الناس، لكون الواجبِ غيرَ مقيد بزمانٍ ولا مكان ولا بعمل، فيرَونَ وجوب الوضوءِ على الدوامِ؛ وهذا يُخالِفُ يُسرَ الشريعةِ ورِفقَها.
الوضوء لكل صلاةٍ:
وليس المرادُ في الآيةِ وجوبَ إحداثِ وضوءِ عندَ كل صلاةٍ؛ وإنما المرادُ تقييدُ الوجوبِ بعمل، ورفعُ الحَرَجِ عن باقي الفعلِ والزمانِ والمكان، إلا ما قيدَه الوحيُ بدليلٍ خاصِّ، ومن كان على طهارة سابقةٍ فيُستحب له إحداث الوضوءِ ولا يجب؛ ففي "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ أنس؛ قال: "كَانَ النبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأ عِنْدَ كُل صَلَاةٍ، قُلت: كَيْفَ كنتم تَصنَعونَ؟ قَالَ: يُجزِئ أحَدَنَا الوُضُوء مَا لم يحدِثْ" (١).
ولم يقُل أحد مِن الصحابةِ والتابعِينَ بوجوبِ الوضوءِ عندَ كل صلاةٍ لغيرِ المُحدِث، وما جاء عن ابنِ المُسيب؛ أنه قال: "الوضوءُ مِنْ غَيْرِ حَدَث اعتداء" (٢)، فترده الأحاديث الصحيحةُ، وابن المسيبِ أفقهُ مِن أن يَرِدَ عنه مِثل ذلك؛ لجلاءِ المسألةِ واشتهارِ عملِ النبيِّ ﷺ وعملِ الخلفاءِ مِن بعدِه، وابن المسيب مِن أعلَمِ الناسِ بذلك.
وقد يُحمَل مرادُهُ على كراهةِ الوضوءِ لكلِّ صلاةٍ مِن غيرِ تفريق بين
стр. 1129
فرضٍ ولا نَفْلٍ، ولا بينَ ما تداخَلَ وتقارَبَ وتتابَعَ مِن الصلوات، فهذا لا شك أنه اعتداءٌ.
فالمراد مِن وضوءِ النبي ﷺ لكلِّ صلاة يعني المكتوبات، وليس المراد: أنه يتوضأ لسُنةِ الفجرِ وضوءًا ولفريضتِها وضوءا، ولراتبةِ الفرائضِ القبليَّةِ والبَعديةِ وضوءا غيرَها، ولا لسُنَّةِ دخولِ المسجدِ وضوءًا غيرَ الفريضة، ولا لكل صلاةِ مِن قيامِ الليل، فالمراد مِن فعلِ النبي ﷺ هو الوضوءُ لكل فريضةٍ مكتوبةٍ ولكل سنَّة مقصودةٍ بعينِها؛ فمَن قصَدَ قيامَ الليل، توضَّأ لها كلها ولو صلَّى عشرينَ ركعة، وكذلك مَن وصَلَ قيامَ الليلِ بصلاةِ العشاء، فالسنةُ أنْ يتوضأ مرة؛ لأنها صارت في حُكمِ الصلاةِ الواحدةِ باعتبارِ الوضوءِ لها، والوضوءُ لكلِّ واحدة منها اعتداء.
ولعل هذا ما قصَدَهُ ابنُ المُسيَّب، وهو الأليقُ بفقهِه، وقد يقولُ الصحابي أو التابعي قولا على صورةِ معيَّنة، فيُنقَلُ على العمومِ في الروايةِ وفي مدوناتِ الفِقه، فيُوضعُ في غَيْرِ بابِه، وربما عُدَّ مِن شذوذاتِه وغَرَائبه.
جمعُ الصلواتِ لوضوءٍ واحدٍ:
والوضوء لكلِّ صلاةٍ مكتوبة وسُنَّةٍ مقصودةٍ بعينِها سُنَّة، وقد جمعَ النبي ﷺ الصلواتِ الخمس بوضوءٍ واحد يومَ الفتحِ؛ ففي "صحيحِ مسلم"؛ مِن حديثِ بُرَيدَةَ؛ أنَّ النبِي ﷺ صَلى الصلَوَاتِ يَومَ الفَتحِ بِوضوءِ وَاحد، وَمسحَ عَلَى خُفيه، فَقالَ لَه عُمَرُ: لَقَد صَنَعتَ الْيَومَ شيئا لَم تَكُنْ تَصنَعهُ؟ ! قَالَ: (عَمدا صَنَعتهُ يَا عُمَرُ) (١).
стр. 1130
وفيه: أن الأصلَ مِن فِعلِهِ الوضوءُ لكل صلاةٍ، وهو مُستحَب وسُنة، لا واجبٌ وفريضةٌ.
وقد كان الصحابةُ منهم مَن يتوضَّأ لكل صلاة؛ كالخلفاءِ وابنِ عمرَ وغيرِهم، ومنهم مَن لا يتوضأ إلا إذا أحدَثَ؛ كجابرِ بنِ عبد اللهِ وغيرِه.
وقد روى ابنُ سِيرِينَ؛ قال: "كَانَتِ الخُلَفَاءُ تَوَضَّأ لِكُل صَلَاة" (١).
وكما يشرَع الوضوء لكل صلاة، فتُشرَعُ الصلاةُ عندَ كل وضوءٍ؛ فإن الطهارةَ والصلاةَ مُتلازِمتانِ.
استحبابُ الطُّهْرِ الدائمِ:
وقد كان النبيُّ ﷺ يحبُّ أن يكونَ على طهر دائم؛ لأنه على ذِكرٍ دائمٍ، ولا يحِب أن يذكُرَ اللهَ إلا وهو على طهارة؛ ففي "المسنَدِ"، وأبي داودَ؛ مِن حديثِ المُهَاجِرِ بنِ قنفذ؛ أنه سلم على النبيِّ ﷺ وهو يَبول، فلم يَرُدَّ عليه حتى توضَّأ، ثم قال: (إني كَرِهتُ أن أذْكُرَ اللهَ إِلا عَلَى طُهْرٍ - أو قَالَ: عَلَى طَهَارة) (٢)، وفي البخاري ومسلم؛ مِن حديثِ أبي الجُهيم؛ قال: أقبَلَ رَسُول اللهِ ﷺ مِن نَحوِ بئر جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُل فَسَلَّمَ عَلَيه، فَلَم يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيه، حَتَّى أَقبلَ عَلَى الجدَارِ فَمَسَحَ وَجهَه وَيَدَيه، ثم رَد ﵇ (٣).
أعضاء الوضوءِ:
ولا يجب مِن مواضعِ الوضوءِ إلا ما جاء في الآية، وهو الذي اجتمَعَت على وصفِهِ الأحاديثُ، واختلَفَت وتبايَنَتْ في غيرِه، فكلُّها يذكرُ
стр. 1131
الوجهَ واليدَينِ ومسحَ الرأسِ وغَسلَ القدمَين، وما عدا ذلك فتختلِفُ الأحاديث في إيرادِه، ويعضدُ ذلك ما في "السنَنِ"؛ مِن حديثِ رِفاعةَ بنِ رافع، أن النبي ﷺ قال لرجل: (تَوَضأ كَمَا أَمَرَكَ اللهُ) (١).
وعلى هذا جَرَى فهمُ أكثرِ السلفِ؛ أن ما لم يذكَر في الآية، فليس بواجب؛ سواء كان ذلك في منطوقِ قولِهم أو ما جرَوْا عليه في بيانِ أحكامِ الوضوء، وقد قال عطاء لما سئلَ عن المضمَضَةِ: "ما لم يُسَمَّ في الكتابِ يُجزِئُهُ" (٢).
وبهذا كان يقولُ أحمدُ بن حنبل لمَّا سُئِلَ عن المضمضةِ والاستنشاقِ أفريضةٌ؟ قال: "لا أقول فريضة إلا ما في الكتابِ" (٣).
إسباغ الوضوءِ:
وفي الآيةِ: ذكَرَ الله الغَسلَ مِن غيرِ عدد، وفي هذا: دليل على أن الواجب استيعاب العضوِ وإنقاؤه، لا ما زاد على ذلك؛ كما جاء في تفسيرِ قولِهِ ﷺ : (أَسبِغُوا الوضوءَ) (٤)، قال ابن عمرَ: "إِسباغُ الوضوءِ الإنقَاءُ" (٥).
ولا خلاف عندَ السلفِ: أنَّ الوضوء مرة واحدة مع استيعابِ الأعضاءِ أنها مجزئة، ولا خلاف عندَهم: أن الوضوءَ أكثرَ مِن ثلاث مكروه، إلا مَن توضَأ ثلاثا ولم يُنق عضوا فلم يَصِله أو بعضَهُ الماءُ: أنه يستوعبُهُ ولو برابعةٍ وخامسةٍ، وإنما ذُكِرَتِ الثلاثُ؛ لأن الغالبَ إنقاؤُها
стр. 1132
للأعضاءِ؛ ليكونَ حدًّا مانعا مِن السرَفِ ووسواسِ الشيطان، وهذا نظيرُ الاستجمارِ بثلاثٍ، فإن لم تُنق، فيزيد حتى يُنقِيَ.
وفي ظاهرِ قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ إشارة إلى الوضوءِ عندَ القيامِ مِن النومِ؛ ولهذا استدَلَّ بعضُ السلفِ كزيدِ بنِ أسلَمَ، وقال به الشافعي.
الموالاةُ في الوضوءِ:
وفي الآيةِ أيضًا: مشروعيَّةُ المُوالاةِ؛ وذلك أن اللهَ شرَعَ الوضوءَ عندَ القيامِ إلى الصلاة، والوضوء عندَ القيامِ إلى الصلاةِ يقتضي التتابُعَ والمُبادَرةَ، بخلافِ ما لو جاء الأمرُ بالوضوءِ للصلاةِ مطلَقا مِن غيرِ تقييدٍ بوقتِ القيامِ.
ولا خلاف عندَ العلماءِ في مشروعيةِ الموالاةِ في الوضوءِ؛ وإنما الخلافُ في وجوبِه.
والوجوب قولُ الجمهورِ.
وحَدَّ التتابُعَ بجفافِ العضوِ بعض السلفِ؛ كقتادةَ، وبه حدَّه أحمدُ.
وخففَ في التتابعِ ولم يُوجِبهُ بعض فقهاءِ السلفِ؛ كعطاء وبعضِ أهلِ الرأي، ولا ينبغي حملُ قولِهم على الفصلِ الطويلِ لساعاتٍ؛ وإنَّما ما تقارَبَ عهدًا كما بينَ بيتِ الإنسان ومسجد الذي يُنادَى به للصلاةِ ويسمعُ النداءَ وتجب عليه، فلو توضَّأ وضوءًا في بيتِهِ وأكمَلَه في مسجدِه، فلا حرَجَ؛ وهذا مروي عن ابنِ عمرَ.
وقد استدلَّ بآيةِ المائدةِ على وجوب الموالاة في الوضوءِ جماعة من الأصحابِ كما ذكره أبو الخطاب وابن مُفْلِح (١).
стр. 1133
وقولُه تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، ابتَدَأَ اللهُ بالأمرِ بغَسلِ الوجهِ؛ لأنه أول الفروض، وفي هذا دليل على أنه لا يجب شيء قبلَه، وقد جاءتْ جملة مِن الأحكامِ السابقةِ لغَسلِ الوجهِ؛ كالتسميةِ وغَسلِ الكفَّينِ:
التسمية عند الوضوءِ:
فأما التسميةُ: فلم يَذكُرِ الله البسملةَ؛ لأنها سنة وليست بفريضةٍ، وقد جاء في الأمرِ بها عِدة أحاديثَ مِن طرقِ كثيرة معلولة، والصحابةُ والتابعونَ وأتباعهم وعامة الفقهاءِ على الاستحباب لا الوجوب، إلا قولا لأحمدَ، والأظهَرُ عنه: عدمُ الوجوب، وأحمَد يُعِلُّ أحاديثَ البابِ ويقولُ: "ليس فيه إسنادٌ"؛ يعني: يصح، وابنُ أبي شيبَةَ يُصحِّحُ الحديثَ ولم يُورِد فيه عملا للسلفِ يقول بوجوبِه.
وفرَّقَ إسحاق بينَ العامدِ والنَّاسِي؛ فأمَرَ المتعمدَ غيرَ المتأولِ وحدَهُ بالإعادةِ.
وحمَلَ ربيعةُ الرأيِ نفيَ صحةِ الوضوءِ بدون البسملةِ في الحديثِ على عدمِ النية، كالذي يغتسلُ ويتوضَّأ ولا يَنوي وضوءا للصلاةِ ولا غُسلًا للجنابة، وكأنه شبهَهُ بقولِ اللهِ تعالى في الذبحِ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] على قولِ كثيرِ مِن العلماءِ.
غسلُ الكَفَّينِ في أول الوضوء:
وأما غسل الكفينِ: فهو على الاستحباب، وقد جاء في صورتينِ:
الأولى: قبلَ كل وضوء أن تغسَلَ الكفانِ مرة أو مرتَينِ أو ثلاثا، وهو مستحبٌّ بلا خلافٍ، وهذه الغسلة مُتعلقة بالبدءِ بالوضوءِ تنقية لليدِ ممَّا يحتمِل وروده عليها؛ حتى لا يُصيبَ الماءَ أو الوجهَ وبقيةَ الأعضاءِ منه شيء.
стр. 1134
الثانية: غسلُها عندَ الاستيقاظِ مِن النوم، وعندَ إرادةِ استعمالِ الإناءِ بوضعِ اليدِ فيه؛ سواء كان ذلك بقصدِ الوضوءِ أو بغيرِه؛ وذلك لِمَا جاء في "الصحيحين"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: (إِذَا استيقظَ أحَدُكُمْ مِنْ نَومِه، فَلْيَغْسِلْ يدَه قَبْلَ أن يُدْخِلَهَا في وَضوئهِ؛ فَإن أَحَدَكمْ لا يَدْرِي أيْنَ بَاتَت يَدُهُ) (١)، وهذا فيه التخصيص بثلاث، وفيه الأمرُ بذلك أيضًا.
ولا خلاف في مشروعيةِ غَسْلِ اليدينِ عندَ الاستيقاظِ من نومِ الليل، وبعضُ السلفِ كالحسَنِ وإسحاقَ يَجعلونَهُ في كل نوم، ونقَلَ ابنُ حَزْمِ وابن المنذِرِ عن الحَسَنِ الوجوبَ وإراقةَ الماءِ عندَ غمسِ اليدِ فيه قبلَ غسلِها ثلاثا (٢)، والثابت عن الحسنِ فيما رواهُ هشام عنه: التخييرُ بينَ الوضوء به وبينَ إراقته (٣).
وغَسلُهما بعدَ النومِ سُنة، ووضعهما في الإناءِ قبلَ ذلك لا يُنجِّسُ الإناءَ؛ وهذا الذي عليه السلفُ عامة.
وغَسلُ الكفينِ قبلَ الوجهِ عندَ إرادةِ الوضوءِ لا يُجزِئ عن غَسلِهما كاملتَينِ بعدَه مِن أطراف الأصابع إلى المِرفقَين، إلا على قولِ مَن لا يرى الترتيبَ بينَ أعضاءِ الوضوءِ؛ فكَأنه غسَلَ اليدَينِ كاملتَينِ وتخلَّلَهما غَسلُهُ للوجهِ.
النيةُ للوضوء:
وأما النيةُ، فهي واجبة لدليل ظاهر خاص؛ كما في قولِهِ ﷺ : (إِنمَا الأَعْمَال بِالنيات، وإنَّمَا لِكُل امْرِئٍ مَا نَوَى) (٤)، والدلالة مِن الآيةِ ظاهرة
стр. 1135
ولو لم يُنَصَّ عليها؛ وذلك أنه قال تعالى: ﴿قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، فقصدُ القيامِ للصلاةِ هو الذي أوجب الوضوءَ، وجاء الأمرُ لأجْلِهِ في الآيةِ.
وقولُه: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾: الوجهُ ما واجَهَ الإنسانُ به الناسَ، وحدودُهُ: مَنَابِت الشَّعرِ طبيعة، ولا عِبرةَ بالأَشعَرِ ولا بالأصْلَع، فيدخُلُ في ذلك الجبهةُ والخَدانِ واللَّحيَانِ والأذُنانِ وما بينهما، واللحيةُ مِن الوجهِ فيُغسَلُ ما اتَّصَلَ بالوجهِ مِن ظاهرِها، ولا يُغسَل باطنُها وما استرسَلَ منها؛ لأنه مِثل الرأسِ لو استرسَلَ شعر الرجلِ والمرأةِ.
تخليل اللحيةِ:
وأما تخليلُ اللحية، فقد جاءت فيه أحاديث مرفوعة عن عثمانَ وأنسِ وابنِ عمرَ وابنِ عباسِ وعمار وأبي أُمامةَ وأبي بَكرةَ وعائشةَ وأم سلمةَ، وغيرِهم، وفيه بضعةَ عشَرَ حديثًا.
وفي أحاديث التخليلِ كلام، وقد أعَلها جميعَها أحمد وأبو حاتم وغيرُهما، وقالوا: "لا يصح منها شيء"، ولم يَرِدِ التخليلُ في أصحِّ أحاديثِ صفةِ الوضوءِ التي رواها الشيخانِ عن عثمانَ وعبدِ اللهِ بنِ زيدٍ في "الصحيحين"، ولا في حديثِ ابنِ عباسِ في البخاري، وكأن الشيخَينِ يُعلَّانِ الأحاديثَ المرفوعةَ في التخليلِ.
ولكنَّه ورَدَ عن جماعةٍ مِن الصحابةِ صحيحًا عن ابن عباسٍ وابنِ عمرَ، وصحَّ عن غَيْرِ واحدٍ مِن التابعين؛ كابنِ الحَنَفِيةِ وعبَيدِ بنِ عُمير وسعيدِ بنِ خبَير ومجاهِدٍ وطاوس وعطاء، ولكن لم يكن يُوجبه أحد مِن السلفِ؛ ولذا لم يكنِ العملُ عليه، خاصَّةً عندَ أهلِ المدينةِ؛ ولذا قال مالك: "التخليل ليس مِن أمرِ الناسِ" (١).
стр. 1136
وقد صح عن ابنِ عمرَ أنه يخَللُ أحيانًا، ويتركُ أحيانا (١).
وقد نصَّ بعضُ السلفِ على عدمِ وجوبِ التخليل كما صح عن الحسنِ (٢) والأوزاعي (٣) والثوري؛ أنَّهم قالوا: "ليس عَرك العارِضَينِ في الوضوءِ بواجب".
ولا أعلَمُ مَن أوجبه مِن أهلِ القرونِ المُفضَّلةِ إلا ما ذكَرَه ابن المُنذِرِ عن إسحاقَ.
وكل ما لم يَرِد في الآيةِ مخصوصا، ولم يَثبُت دوامُ النبي ﷺ عليه، فالأظهَر: عدمُ وجوبِه؛ ولذا لم يقُل أحد مِن السلفِ بإعادةِ وضوءِ تاركِ تخليلِ اللحية، ولا أمَرُوا بذلك، والله أعلَمُ.
المضمضة والاستنشاق في الوُضوءِ:
وذِكرُ غَسلِ الوجه، وعدمُ تخصيصِ المضمضةِ والاستنشاقِ بالذِّكْرِ: قرينة على عدمِ وجوبِ شيءِ في الوجهِ غَيْرِ الوجهِ بذاتِه، ولا خلافَ عندَ العلماءِ في مشروعيةِ المضمضةِ والاستنشاق، وقد اختَلَفَ العلماءُ في وجوبِهما:
فذهَبَ إلى وجوبِهما في الوضوءِ والغُسْلِ: أحمدُ في روايةٍ.
وذهب إلى استحبابِهما فيهما: مالك والشافعي.
وذهَبَ أبو حنيفةَ إلى أن وجوبَهما في الغُسلِ فقط.
وفي روايةٍ لأحمدَ: وجوب الاستنشاقِ وحدَهُ فيهما، ونقَلَ الأثرم، وابن منصور، عن أحمد: أن الاستنشاقَ أوكَد مِن المضمضةِ (٤).
стр. 1137
وإنما خَصَّ أحمد الاستنشاقَ بالوجوب في قول؛ لثبوتِ الأمرِ في "الصحيحَيْنِ"؛ قال ﷺ : (إذَا تَوَضأ أَحَدُكم، فَليسْتَنْشق) (١).
والأظهَرُ: حمل الأمرِ فيه كما في الأمرِ بالمضمضة، في "السنَنِ" في حديثِ لَقِيطٍ: "إِذَا تَوَضَأتَ، فَمَضمِض" (٢)، وقد حكى الشافعي وابن المُنذِرِ: أنه لم يقل بوجوبه أحد مِن السلف، وأن مَن ترَكَه لا يُعيدُ، إلا شيئًا رُوِيَ عن عطاء، فقد صحَّ أنه سُئِلَ: أحَق عليّ أنْ أَستنشِقَ؟ قال: نعم، قيل: عمن؟ قال: عن عثمانَ (٣).
ومرة أمَرَ بإعادةِ الصلاةِ لمن لم يُمضمِض وَيستنشق (٤).
والأظهرُ: تركُهُ لهذا القولِ؛ ويدل على ذلك: ما جاء عنه مِن حديثِ المثنى، عنه؛ أنه قال فيمَن نَسِيَ المضمضةَ والاستنشاقَ حتى صلى: إنه لا يُعِيدُ؛ كما رواه ابن أبي شَيْبةَ (٥).
وأما ما جاء عن ابنِ عبَّاسٍ في الأمرِ بإعادةِ الوضوءِ لِمَن ترَكَ المضمضةَ والاستنشاقَ، فلا يصحُّ.
وقد كان أحمد قد سُئِلَ عن المضمضةِ والاستنشاقِ: أفريضة هو؟ فقال: لا أقولُ فريضة إلا ما في الكتاب، وقد تقدم هذا عنه أول الآية، وكان بعضُ الأصحابِ ينقُل عن أحمَدَ: أنه يفرق بين الفرض والواجب، فيجعلُ الفرضَ ما ثبتَ في الكتاب والواجب ما ثَبَتَ في السُّنَّة؛ كما استظهَرَهُ مِن قولِهِ أبو يعلى وابن عَقيل (٦).
стр. 1138
ولم يقُلْ أحد مِن فقهاءِ السلفِ بمكةَ والمدينة: بوجوبِ المضمضةِ والاستنشاقِ في الوضوءِ.
وقد صحَّ عن قتادةَ وحمادِ بن أبي سُلَيمان: إعادةُ الوضوءِ والصلاةِ لِمَن نَسِيَ المضمضةَ والاستنشاقَ (١):
فأمَّا قولُ حمَّادٍ، فلم يكن أهل الكوفةِ على هذا؛ سواء شيوخُ حمَّاد كإبراهيم، أو تلامذته كالحَكَمِ بنِ عُتَيْبَةَ وأبي حنيفةَ، وصح عن حمَّاد أنه قال: لا يُعيد؛ كما رواهُ عنه مُغِيرةُ (٢).
وأما قتادة، فقد صح عنه أيضًا خلافُهُ.
وعلى هذا: فلا يُحفَظ عن أحد مِن الصحابةِ ولا التابِعينَ ولا كِبارِ أَتباعِهم: القولُ بوجوب المضمضةِ والاستنشاقِ في الوضوء للصلاةَ قولا ثابتا لا يُعرَفُ خلافُهُ عنهم، وحَملُ قولِ هؤلاء على قول الجماعةِ أولى.
وأمثال هذه الأحكام -كالوضوء، والصلاةِ- هي مِن الأعمالِ اليوميةِ المشهورة التي يجبُ ألا يُخرَجَ بها عن عملِ أهلِ المدينةِ إلَّا لسنة مرفوعة جليةٍ، وهي مع ذلك لا تكادُ تخرُجُ عن عَمَلِهم.
وفقهاءُ السلفِ مِن التابعينَ وأتباعِهم الذين يكونون في العراقِ والشامِ مع فضلِهم، إلا أنَّهم ربَّما خَرَجُوا عن مقصودِ الشارعِ باجتهادِهم بحملِ الحديثِ على ظاهرِ غيرِ مراد، أو قاسوا حُكما على حُكم، ولم يكونوا قريبينَ مِن العملِ المستديمِ الذي عليه السلف مِن المدنيين؛ فإن عمَلَهم يُفسر الأدلَّةَ والأفعالَ النبويةَ، خاصةَ اليوميةَ أو الأسبوعيةَ، واللهُ أعلَمُ.
وقد نقَلَ ابنُ جريرِ عن ابنِ عباس قولَهُ: "لَولَا التلَمُّظُ فِي الصَّلَاة،
стр. 1139
مَا مَضْمَضْتُ" (١)، وذكَرَهُ في سياقِ المضمضةِ في الوضوء، وهذا فيه نظر؛ فإنَّ المرويَّ عن ابنِ عبَّاسٍ في سياقِ المضمضةِ مِن الطعام، لا المضمضة في الوضوء، والتلمظُ هو تحريكُ اللسانِ في الفمِ لتحريكِ بقيةِ الطعام، وذلك أن أكلَ الطعامِ لا يُوجب وضوءًا، وأنَّه مضمَضَ كيلا يتلمَّظَ في صلاته، ولم يَقصِد أن المضمضةَ لِذاتِها سنة بعدَ الطعامِ.
وفي سياقِ المضمضةِ والوضوءِ مِن الطعامِ أورَدَهُ عبد الرزاقِ (٢)، وكذلك البيهقي (٣)، وليس في بابِ مضمضةِ الوضوءِ.
ومِثلُ هذا يقعُ فيه ابن جرير مع سعة عِلمِهِ في إيرادِ بعضِ الآثارِ عن السلفِ في غيرِ سياقِها، ويستدِل بها لغيرِ ما جاءت فيه، واللهُ أعلَم.
وقد اختلَفَ القول في المضمضةِ والاستنشاقِ عن أحمد؛ فنقَلَ عنه ابنُ هانئِ القولَ بوجوبِ إعادةِ مَن صلَّى وقد تركهما في الوضوء، ونقل عنه ابنُ منصورِ وجوبَ الإعادةِ لِمَنْ تَرَكَ الاستنشاقَ (٤).
غسل اليدَيْن إلى المِرفَقينِ:
وقولُه تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾:
فيه: وجوبُ الغَسلِ لليدَيْنِ إلى المرافِقِ ولا يُزادُ عليه؛ إذْ لم يثبُتْ في ذلك سُنَّة مرفوعة، وأما ما جاء في حديثِ أبي هُرَيرةَ ﵁، في "الصحيحَينِ": (فَمَنِ استَطَاعَ مِنكم أنْ يُطِيلَ غرتهُ، فَلْيفعَل) (٥)، وحديثهِ الآخَرِ في مسلمٍ: (تَبلُغ الحِلية مِنَ المُؤمن، حَيث يَبْلُغُ الوَضوء) (٦)،
стр. 1140
فيَجري مَجرى الحثِّ على الإسباغ، ويحتملُ: أنَّ الحث على إطالةِ الغُرةِ من قولِ أبي هريرةَ، وليس مرفوعًا عن النبي ﷺ ؛ كما رجَّحَهُ غيرُ واحدٍ.
ولو كانتِ الزيادةُ عن المرفَقَينِ مشروعة، لَوَرَدَت في حديث صحيح موقوف مِن صفاتِ الوضوء، وقد جاء ذلك عن أبي هريرةَ أنه يَغسِلُ يدَيهِ إلى الرُّفغَينِ (١).
وصح عن ابنِ عمرَ أنه يَنضَحُ عينَيهِ (٢)، ويبلغُ بالوضوءِ في الصيفِ إلى إِبطيه؛ كما رواهُ عنه نافع (٣).
وروَى مجاهد عنه مَسحَهُ لِقَفَاه مع رأسِه (٤).
وهذا كله منهم اجتهاد؛ ولذا لم يكنْ عليه عملُ السلف، ولم يَثبُت في شيء مِن المرفوع، ولو صحَّ، لَمَا تُرِكَ في العمل، خاصةَ والوضوء سنة عمليةً يومية مرات، ومثل سننِها الثابتةِ لا تغيب عن خاصة الصحابةِ وكبارِهم فضلا عن جمهورِهم، ومع هذا لم ينقُلْها ويرفَعها واحدٌ منهم.
وقد استدَل أحمدُ بآيةِ المائدةِ هذه: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، على أن التيممَ في اليدَين إلى الكفينِ كما في آيةِ النساء: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾، فلو كان المسحُ إلى المرفَقَينِ كما في الوضوء، لحده في التيمُّم كما حده في الوضوءِ.
مَسْحُ الرأسِ:
وقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، مسح الرأسِ واجبٌ بلا خلاف؛ وإنما الخلافُ في حدودِ الرأس، ومِقْدارِ المسح، والمجزِئِ
стр. 1141
منه، والصحيحُ الثابتُ: مسحُ الرأسِ مرَّة واحدة، ولا يصح العددُ بالمسح، وصِفة المسحِ ما جاء في "الصحيحَيْنِ" عنه ﷺ ؛ أنه "بَدَأ بِمُقَدَّمِ رَأسِهِ حتى ذَهب بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُم رَدهُمَا إِلَى المَكَانِ الذِي بدَأَ مِنْهُ" (١).
وما يكونُ يُستوعب به أكثرُ الرأسِ فهو مسح؛ لأن الشارعَ خفَّفَ في الرأس، فجعلَه ممسوحا لا مغسولا، والممسوح يُقطَعُ معه عدم اشتراطِ الإنقاء ولا الاستيعابِ كالغسلِ؛ لأن استيعابَ جميعِ أجزائِهِ مُحَال، وهذا الحكم مُطرِد في كل أحكامِ الرأس، ومنها الحلق في قولِهِ تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح: ٢٧]، ولا يدخلُ فيه النهيُ في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ لأن النهيَ يقعُ على أدنى الفِعلِ وأوَّله؛ كالنهيِ عن شربِ الخمرِ ما أسكَرَ كثيرُهُ فقليلُهُ حرام، والأمر يقع على المجزِئِ منه.
استيعاب مسحِ الرأسِ:
وقد ذهب مالكٌ وأحمدُ: إلى مسحِه جميعِهِ.
وذهب الحنفية: إلى الاكتِفاءِ بربعِ الرأسِ؛ لإسقاطِ فرضِ المسحِ.
وسبب الخلافِ في ذلك: هو حد المرادِ مِن الرأسِ في مُرادِ الشرعِ.
ومَن نظَرَ إلى استحالةِ استيعابِ أجزاءِ الرأسِ جميعًا، ومشقةِ الاقتصارِ على الربعِ؛ لأنه يصح في القَفَا أو في أحدِ الجهتَينِ مما فوقَ الأذنِ وحدَهُ، وهذا فيه تعطيل للمرادِ والمقصودِ مِن المسحِ: قال بمسحِ أكثرِه، ولذا كان النبي ﷺ يستعمل يدَيهِ جميعا لمسحِ الرأس، وهذا يعني الأغلب، والسنة تفسرُ القرآنَ وتبينه؛ ولذا قُلْنا بوجوبِ التغليب في
стр. 1142
المسحِ، لا الاستيعابِ التام؛ لمشقته واستحالتِه، ولا بالربُعِ وما دونَه؛ لأنه لا يتحقَّقُ به معنى الرأس، ولا يطابِقُ العملَ المرفوعَ ولا عملَ جمهورِ الصحابةِ والتابِعِين.
ويدلُّ على عدمِ الاستيعابِ: تركُ الغَسلِ في الرأس، وتركُ العَدَدِ على الصحيحِ فيه، وأكثر الصحابةِ والتابِعينَ على أن مسحَ الرأسِ لا يكون أكثَر مِن مرة، والواردُ في الزيادة على الواحدةِ في مَسحِ الرأسِ مِن الحديثِ معلول؛ ولذا قال مجاهد (١) وسعيدُ بن جبير (٢): "لَو كُنتُ عَلَى شَاطِئِ الفُرَات، مَا زِدت عَلى مَسحَةٍ".
ورُوِيَ عن عثمانَ (٣) وأنس (٤) العَدَدُ.
مسحُ الرأسِ بماء جديدٍ:
ويمسح الرأسُ بماء جديد؛ لأنَّه عضو جديد، وخص بالذِّكْرِ فيُخَص بالعمل، ولما في "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ عبد اللهِ بنِ زيد مرفوعا: "وَمسَحَ بِرَأسِهِ بِمَاء غَيرِ فَضلِ يَده" (٥).
حكمُ مسحِ الأذنينِ وصفتُهُ:
وأمَّا الأذُنان، فيُشرَع مسحهما بلا خلاف عندَ الصحابة، وقد جاء مسحُ النبي ﷺ لأذُنَيهِ في حديثِ ابنِ عباس في "السننِ" (٦)، وقد صح عن
стр. 1143
عمرَ وعثمانَ وعليّ وابن عبَّاسٍ، والمسحُ يكونُ لظاهرِهما وباطنهما.
ومسح الأذنينِ سنة عندَ عامَّةِ السلف، ولم يخرِجِ الشيخانِ في مسحِ الأذنينِ حديثا، وقد جاء عن جماعةِ مِن الصحابةِ العمل على ذلك، والتيسيرُ فيه، وقد صح عن ابنِ عمرَ (١) وأبي هريرةَ (٢) قولُهما: "الأذنَانِ مِنَ الرأسِ"، ورُوِيَ مرفوعا (٣)، وفيه لِين، ومرادهما: في إلحاقهما بالعضوِ الممسوح، وهو الرأسُ، فيَأخُذان حكْمَهُ مسحا، ولا يَلحقانِ العضوَ المغسولَ، وهو الوجهُ، فيأخُذَا حُكْمَهُ غَسلا.
ويدل على هذا: أن ابنَ عمرَ سئلَ عن نسيانِ مسحِ الأُذنَين، فقال: "الأذنَانِ مِنَ الرأسِ"، ولم يرَ بذلك بأسا؛ كما صح عندَ ابنِ جرير (٤).
وفي إيجابِ مسحِ الأذنَينِ في الوضوءِ قول متأخِّر عن الصدرِ الأولِ -كما يأتي بيانُهُ- وهو مرجوح، من وجوه:
أولًا: أن مسحَ الأذنَينِ لم يَرِدْ في كثيرِ من أحاديثِ الوضوء الصحيحة، ولم يُخرِجِ البخاري ومسلم منها شيئا، والمسحُ لو كانتِ المداومةُ عليه، لَلَحِقَ بقية الأعضاءِ؛ لظهورِهِ في العملِ الظاهر، وعدمُ استفاضةِ النقلِ عن الصحابةِ دليل على أن الأذنَ لا تأخُذُ حكمَ العضوِ المستقل بنفسِه؛ فيَبطُلَ الوضوءُ بتركِها.
ثانيًا: لا يَثبت عن أحد مِن الصحابةِ النص على إيجابِ مسحِ الأذنَيْن، ولا إبطالِ الوضوءِ بتركِهما، بل الثابت خلاف ذلك؛ كما روى
стр. 1144
غَيلَان بن عبد اللهِ أنَّ ابنَ عمرَ سأله سائلٌ؛ قال: إنه توضأ ونَسِيَ أن يمسَحَ أذنَيه؟ قال: فقال ابنُ عمرَ: الأذنانِ مِن الرأس، ولم يرَ عليه بأسا (١).
وهكذا التابِعونَ لا يُعرَف القولُ بالوجوبِ عن أحد منهم، وقد جاء عن قتادةَ قولان صحيحان؛ واحد: بالإعادة لمَن نسي، والآخَرُ: بعدمِها، والأصح قوله فيما يوافِقُ ظاهِرَ السنةِ ومَا عليه الناسُ في القرونِ المُفضلةِ.
ثالثا: أنَّ الأذُنينِ مِن الرأس، والرأس حقه التيسيرُ، وقد سمَّاه الله في كتابِه، ومع ذلك فلو ترَكَ المتوضئ شيئا بحجمِ الأذُنِ منه، لم يبطُل وضوءه وعُد ماسحا لرأسِه؛ ولذا كان حق الأُذُنِ المسحَ لا الغَسْلَ.
ومَن ترَكَ رأسَه ومسَحَ بأذنَيهِ فقط، لم يُجزِئْهُ؛ لأنها تابعة ليست مقصودة لِذَاتِها كحالِ اللحيةِ مع الوجه، والمضمضةِ والاستِنشاقِ مع الوجه، وفي هذا قرينة على عدم رجحانِ قولِ مَن قال: "إنَّه يُجزئُ شيء يسير مِن الرأسِ ولو بحجمِ الأذَنِ"؛ لأنه لو صح ذلك، لأجزأتِ الأذنُ عن الرأسِ بالمسحِ؛ لأنها منه على قولِهم.
والفمُ وداخِلة الأنفِ ألصَقُ بالوجهِ وأقرَب مِن الأذنَينِ بالنسبةِ للرأس، وكل مَن خففَ في المضمضةِ والاستنشاق، فحقُّه التخفيفُ في مسحِ الأذنين مِن بابِ أَولى.
وعامةُ السلفِ يجعلونَ مسحَ الأذنَينِ مع الرأس لا مع الوجه، وحُكمهما المَسح لا الغَسل، ومنهم: مَن جعَلَ ما أقبَلَ مع الوجهِ فيُغسَل، وما أدبَرَ مع الرأسِ فيمسحُ؛ رُوِيَ عن الشعبي (٢)، ولا سلَفَ له،
стр. 1145
ومنهم: مَن جعَلَهما معهما جميعا؛ تُغسلانِ مع الوجهِ عندَ غسلِه، وتمسَحانِ مع الرأسِ عندَ مسحِه؛ وهذا أضعفُ الأقوالِ.
غَسْلُ الرجلَينِ:
وقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، فيه وجوبُ غَسلِ الرجلَينِ إلى الكعبَين، ويدخُلُ الكعبانِ في الغَسْلِ كما يدخلُ المرفقان مع اليدَين، ولما كانتِ الرجلانِ آخِرَ أعضاءِ الوضوء، وتَعُم البلوى بتلبسهما بالترابِ وقَذَرِ الأرض، ويتساهلُ بهما الناسُ أكثَرَ مِن تساهُلِهم بغيرِهما؛ جاء التشديد في الحديث فيهما، وإلا فالتشديدُ للأعضاءِ جميعا، ولكن النصوصَ تأتي فيما يَتهاونُ الناس فيه غالبا ولو أخَذَ غيرُهُ مِثلَ حُكمِه، وفي "الصحيحَينِ"؛ مِن حديثِ عبد اللهِ بن عمرو (١) وأبي هريرةَ (٢)، مرفوعا؛ أن النبي ﷺ قال فيمَن ترَكَ لُمْعةً في قدمِهِ: (وَيل لِلأعقابِ مِنَ النارِ)، وقد كان الصحابةُ يَحرِصونَ على غسلِ القَدَم أكثَرَ مِن غيرِها، وصح عن ابنِ عمرَ أنه كان يغسلُ قدميهِ بأكثرِ وضوئه (٣)، وصح عنه أنه يغسلهما سبعًا سبعًا (٤)؛ روى ذلك عنه نافع.
وفي الآيةِ قراءتان؛ الأولى بفتحِ اللامِ في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ عطفا على قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، وبكسرِ اللامِ عطفًا على قوله، ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، والأولى للغَسل، والثانية للمَسحِ.
وكان أحمد يعبدُ آخِرَ الآيةِ في حكمِ الرِّجْلَينِ إلى أوَّلها في قولهِ: ﴿فَاغْسِلُوا﴾، ولما سُئِلَ عمن مسَحَ رجلَيه، قال: لا يجزِئُهُ،
стр. 1146
يعود إلى أوَّل الآية (١).
وفي الآيةِ: تنبيه على وجوبِ ترتيب أعضاءِ الوضوء، وبالآيةِ استدل أحمدُ على ذلك؛ كما نقَلَ عنه ابنُهُ عبد الله أنه سألهُ عن رجلِ أرادَ الوضوءَ، فاغتمَسَ بالماءِ يجزيه؟ قال: أمَّا مِن الوضوءِ فلا يجزيه حتى يكون على مخرجِ الكتابِ وكما توضَّأ النبي ﷺ . وكذلك نقلَهُ عنه ابنُهُ صالح من "مسائله"، قال أحمد: فرضه الله في القرآنِ تأليف شيءٍ بعد شيء (٢). والترتيب واجب على الصحيحِ مِن أقوالِ العلماءِ؛ وذلك مِن وجوه:
الأول: أن ترتيب الذِّكرِ قرينة على ترتيبِ الفِعلِ في القرآنِ؛ ويؤيِّدُ ذلك: أنَّ اللهَ أدخَلَ ممسوحا -وهو الرأسُ - بينَ مغسولات؛ لبيانِ قصدِ الترتيب بينَ الأعضاءِ.
الثاني: أن النبي ﷺ فسَّر الآيةَ بدوام الترتيب، فمع وضوئِهِ لكلِّ صلاة وكثرةِ وقوعِ ذلك منه وتعدُّدِ الرواياتِ الصحيحة، لم يصح أن النبيَّ ﷺ لم يرتب، والتيسير مَقصَد مِن مقاصدِ الشريعة، والفعلُ متكرِّرٌ في اليومِ مرَّات، ولما لم يُخالِف، دل على قصدِ الترتيبِ ووجوبِه.
الثالثُ: أن النبي ﷺ يسّر في عدمِ الترتيب بينَ أعضاءِ التيمم، فصحتِ الرواياتُ في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي الجُهَيْم، عن النبي ﷺ ، قال: "فَمسَحَ بِوَجهِهِ وَيَدَيه" (٣)، وفي حديثِ عمارِ؛ في "الصحيحَين": "مَسَحَ بِهِمَا وَجهَهُ وَكَفيهِ" (٤)، وفي رواية لمسلمٍ مِن حديثِ عمَّار؛ قال فيه: "ضَرَبَ بِيَدَيه الأرضَ ضَربَة وَاحِدَةً، ثم مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى اليَمِين، وَظَاهِرَ
стр. 1147
كَفيه، وَوَجهَهُ" (١)، مع أن آيةَ التيممِ بدأت بالوجهِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، ومع قلةِ التيممِ وقوعًا منه ﷺ ، ومع هذا صَحتِ الروايةُ بالتقديم والتأخير، وهي وإن كان بعضُها رُوِيَ بالمعنى، فإن الراويَ إن تساهَلَ في تقديمِ شيء على شيء، دل على فهمِه التيسيرَ منه؛ ولذا فالرواةُ يُشدِّدونَ في أبوابِ ترتيب أعضاءِ الوضوءِ عندَ روايتها مع كثرتِها.
وبعضُهم يستدِلُّ برواياتِ عدمِ الترتيب في التيمُّمِ في بعضِ الأحاديثِ على جوازِ عدمِ الترتيبِ في الوضوءِ.
وهذا فيه نظر؛ فدَلالتُها على عكسِ ذلك أظهَر وأشد، وحق رواياتِ الوضوءِ أن تنقَلَ على عدمِ ترتيب أَولى مِن التيمم، ومع ذلك أحكِمتْ في "الصحيحَيْنِ" وعامَّةِ الرِّوايةِ الصحيحةِ خارجَه على ترتيب الأعضاءِ كما في القرآن، وورودُ تقديم وتأخيرِ في التيمُّمِ دال على التشديدِ في الوضوء والتخفيفِ في التيمم، لا أن إحكامَ رواياتِ الوضوءِ دالٌّ على التشديدِ في أعضاءِ التيمم، ولا أنَّ اختلافَ روايات التيممِ دال على التساهُلِ في أعضاءِ الوضوءِ؛ فالتحقيق بينَ ذلك.
الرابع: أن اللهَ ابتدَأ بالأمرِ بغَسلِ الوجهِ في الآية، ولو لم يُقصَدِ الترتيب، لكان غسلُ اليدَينِ إلى المرفقينِ أيسَرَ للمتوضئِ؛ لأن يدَه أولُ ما يقعُ في الماء، وإنهاؤُها أقرَب وأيسر عليه مِن جهةِ النظرِ المجرَّدِ للتقديم، ولكن قُصِدَ الترتيب لحِكمة، فانتقلَ لبداءةِ بالوجهِ على اليدَيْن، واللهُ أعلَمُ.
وبوجوبِ الترتيبِ قال غير واحد مِن السلفِ؛ كما صحَّ عن ابنِ المسيبِ.
стр. 1148
ترتيبُ أعضاءِ الفرضِ الواحدِ:
وأمَّا عدمُ الترتيب بينَ أعضاءِ الفرضِ الواحدِ؛ كالقَدمَيْنِ واليدَينِ في الغَسْل، وفي الخُفينِ في المسح، فالأمرُ فيه يسير، وقد جاء عن علي وابنِ مسعود القول بجوازِ تنكيس الأعضاء، وهو منقطِع عنهما، وحمَلَهُ أحمد على تقديمِ اليُسرَى على اليمنَى في العضوِ من الفرض، كما نقَلَه عنه ابنُه عبد الله، وقد استدَلَّ أحمد بجوازِ ذلك بإجمالِ الكتابِ؛ كما نقله عنه ابن هانئ (١)؛ وهي رواية أنكرها الزركشي (٢).
ويروى عن أحمد رواية بوجوب تقديم اليمين على الشمال، وقد قال بجواز تنكيس الأعضاء جميعا النخَعي والحسَنُ والثوري، وبه قال أهلُ الرأيِ.
ويخفف بعض السلفِ في تركِ اللُّمعةِ والبُقْعةِ اليسِيرةِ من عضوٍ قد غسَلَهُ؛ فلا يرَوْنَ في استدراكِها بعدَ الوضوءِ مِن حَرَج، ولو كانتْ في غيرِ القدمِ كالوجهِ واليد، ولا يرَونَ غسلَ ما بعدَها؛ وجاء هذا عن سالمِ بنِ عمرَ.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، فيه وجوبُ الغُسْلِ من الجنابة، وأن الوضوءَ لا يرفَعُهَا بالإجماعِ؛ ولكنْ يخفِّفها بما لا تُستَحَلُّ معه الصلاة، وقد استدَل أحمدُ بعمومِ الآيةِ على أن الرجلَ إن وطئ امرأتَهُ وهي حائِض: أنه يجب عليها الغسل للجنابةِ ولو لم ينقطع حيضُهَا؛ كما نقلَه عنه أبو يعلى، ونقَلَ عَنه ابن منصور التيسيرَ في ذلك (٣).
وبهذه الآية استدَلَّ أحمدُ على عدمِ وجوب الترتيب في غسلِ
стр. 1149
الجنابة؛ لأنَّ الله أجمَلَ عند الأمرِ بالغُسل، ورَتَّب عند الوضوء.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَو عَلَى سَفَرٍ أَو جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَو لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، وقد تقدمَ الكلامُ على شيء مِن معنى ملامَسةِ النساءِ والتيمم والماء، وحكمِ ذلك في سورةِ النساءِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [٤٣].
ثم قال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾؛ وهذه إرادتُه الشرعيَّة، وهي أحكامُه حلالُهُ وحرامُهُ وتشريعه، فلا يُنزِلُ حُكمًا إلا وهو مقدور عليه مِن المكلَّفِينَ؛ كما قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
ثم قال: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، وفي هذا ذِكْرُ التعليلِ؛ أنه سبحانَه لم يُرِدِ المشقةَ على عبادِه، ولكنه أراد تطهيرَهم وتنزيهَهُم مِن الأنجاس والأقذار، وذِكرُ التعليلِ والغايةِ مع الحُكمِ فيه تسكين للنفوسِ لِتقبلَهُ وتُسَلِّمَ به، وهذا إن كان في حكمِ الخالقِ للمخلوق، فإن حُكْمَ الحاكمِ مع المحكومِ والراعِي مع الرعيةِ: مِن باب أولى.
وأضافَ اللهُ النعمةَ إليه؛ تعظيما لها، وهي نِعْمةُ الإسلامِ وما فيه مِن تشريع وأحكامٍ وحِكَم لصالحِ العباد، ثم أراد مِن العِبادِ شُكرَ النعمة، وأعظم النعَمِ المُستحِقةِ للشكرِ نعمةُ ديِنه وتشريعِه، وكلما تجلى للعبدِ شيء مِن عِلمِ الوحيِ أو العملِ به، فإن ذلك يَستوجب تجديدَ الشكرِ؛ ليُحفَظَ الدين مِن سُوءِ القصدِ وسُوءِ العملِ.
стр. 1150
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [المائدة: ٨].
خاطب اللهُ المؤمِنينَ وأمرَهم بالعدل والقسطِ وألَّا ينتصروا لأنفسِهِم، فقال: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾؛ يعني: لا لأنفسِكُم؛ فتأخذوا بالثأرِ لها؛ فتقيموا أنفسكم مقامَ الله، وَتظنوا أنكم تنتصِرونَ له. وكثيرا ما ينتصِر الرجلُ لنفسِهِ ويظن أنه ينتصر لله؛ وذلك عند اختلاطِ حقه بحق الله فيمتزجانِ؛ فتنشط النفسُ إذا بُغِيَ عليها أكثَرَ مِن نشاطِها للحقِّ مَعَ عَدَمِ البغي عليها.
وقوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾؛ يعني: لا يحمِلَنَّكم؛ كما قالَه ابنُ عبَّاسٍ وقتادة (١).
والشنآنُ هو البَغضاء، وهي في الغالب جالبة للعدوانِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢]، وهو ظاهر في تسببه في انتفاءِ العدل، كما في هذه الآية، قال: ﴿عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾.
وقيل عن آية البابِ: نزلَت في يهودَ لما طلب منهم النبي ﷺ ؛ الإعانةَ على دِيَةٍ، فهَموا بقتلِه، فأنزَلَ الله الآيةَ هذه فيهم (٢)، وفيه جواز الاستعانةِ بأهلِ الذمةِ والعهدِ وبأموالِهم لمصالحِ المُسلِمينَ وحاجتِهم، عندَ نزولِ نازلةٍ فيهم.
стр. 1151
الفرقُ بين عدوٍّ يظهِرُ العداوةَ، وعدوٍّ يخفيها:
وفيه: تغليب النبيِّ ﷺ لمصلحةِ تركِهم؛ لأنهم لم يُظهِرُوا العداوةَ ويعلِنُوها؛ وإنما كان عملُهم خُفيَةً، وعداوةُ العلانيةِ أظهَرُ في الانتصارِ والصَّدِّ من عداوةِ الخفاءِ؛ فإنَّ عداوةَ الخفاءِ تكونُ مِن أفرادٍ، لا مِن الجميع، ولوأُخِذَ الجميع بعداوةِ البعضِ في الخفاء، لَقَدَرَ أهلُ عداوة الخفاءِ على إنكارِها وجحدِها واتهامِ المُسلِمينَ بالتربصِ بهم وظلمِهم، وقد يَنطلي ذلك على قومِهم وكثيرِ مِن المسلِمينَ، فينشق صفهم ويَجِدُ المُنافِقونَ مَدخَلا لقولِهم وآذانا تَسمعُ لهم؛ ولذا تحملَ النبي ﷺ أكثَرَ عداوة الخفاءِ مِن اليهودِ والمنافِقينَ؛ لِمَا تؤولُ إليه ممَّا سبَقَ وغيرِه.
شهادة الخُصُومِ:
وفي هذه الآيةِ: إشارة إلى شهادةِ الخصوم، ولكنها هنا في سياقِ الإِقرارِ لهم بحقِّهم، وألا تكونَ العداوةُ مانِعة مِن إنصافِهم، وإعطائهم حقَّهم.
ولا خلاف عندَ العلماءِ أن مَن شَهِدَ لخَصمِهِ بحقِّه، وأقَرَّ له به: أنه إقرار صحيح؛ لأنه معاكِس لِلظنةِ والتُّهَمَةِ فيه، ومِثلُهُ: مَن شَهِدَ لخَصمِهِ بحق له عندَ أحدِ مِن الناسِ وليس بين الشاهدِ وبينَ الآخَرِ خصومة؛ لانتِفاءِ التهمةِ كذلك؛ وإنما ثمةَ خلاف يسير في حدودِ ما يشهَدُ عليه.
انتفاء التهمةِ في الشهادةِ:
وتَنتفي التهمة غالبًا عندَ شهادةِ الولدِ على والدِه والعكسُ، والأولادِ والإخوةِ فيما بينَهم، فضلا عما كان أبعَدَ مِن ذلك مِن القرابات، وتقدَّمَ تفصيلُ شيءٍ مِن ذلك في سورةِ النساءِ عندَ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [١٣٥]،
стр. 1152
وقد قال الشافعيُّ: "والذي أحفَظُ عن كل مَن سمِعتُ منه مِن أهلِ العِلم في هذه الآياتِ: أنه في الشاهد، وقد لَزِمَتهُ الشهادةُ، وأنَّ فرضًا عليه أن يقومَ بها على والدَيه وولدِه، والقريب والبعيد، وللبغيضِ القريب والبعيد، ولا يكتمَ عن أحد، ولا يُحابِيَ بها، ولا يمنعَها أحدا" (١).
ولما كانتِ العداوةُ والشقاقُ جالبةً للظُّلم، ومُبعدةً للعدلِ؛ سقَطت شهادةُ الخصومِ بعضِهم على بعضٍ؛ لأجلِ تلك المفاسِدِ التي تخالِفُ مقصدَ الشريعةِ مِن إقامةِ العدلِ ودفعِ الظلم، والآيةُ دلت بالمفهومِ ودليلِ الخِطابِ على هذا، ورُوِيَ في ذلك أحاديث مرفوعة معلولة؛ مِن حديث عائشة وابن عمرَ وأبي هريرةَ وجابر وعبدِ اللهِ بنِ عمرو وغيرِهم: "أنه لا تُقبَل شهادةُ ظَنينِ ولا ذي غِمْرٍ على أخِيه".
وأَمثَلُها حديثُ أبي داودَ وابنِ ماجَه؛ مِن حديث عمرِو بنِ شعيب، عن أبيه، عن جده، مرفوعا: (لَا تَجوزُ شَهَادَة خَائِن ولَا خَائِنَة، وَلَا زَانٍ وَلَا زَانِيَة، وَلَا ذِي غمر عَلَى أخِيهِ) (٢).
والظَّنينُ: من يُظَنُّ به تُهَمَةٌ وعداوةٌ تدعوهُ للإخلالِ بالشهادةِ؛ وبهذا قال عامَّةُ السلفِ؛ فقد رواه مالك بلاغًا عن عمرَ (٣)، وجاء عن جماعةٍ كالشعبي وشُرَيح والزهري والنخَعي، وخلافُ الفقهاء: في تحقُّقِ الظِّنَّة والتُّهَمةِ ومقدارِ تأثيرِها في إبداءِ الحق، وفي بعضِ الأشخاصِ دونَ بعض، وفي بعض القراباتِ على بعض، فمنها القريبُ ومنها البعيد، وكل خلافهم ليس في أصلِ المسألةِ؛ فهم متَّفِقونَ عليها؛ وإنما في تحققِ الظنةِ والعداوة المؤثِّرةِ.
стр. 1153
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢)﴾ [المائدة: ١٢].
وهؤلاءِ النقَباءُ الذين اتَّخَذَهم موسى هم رؤوس عن قومِهم، مِن كل سِبط يَبعَثونَ رجُلا؛ وذلك لمَّا أراد موسى قتالَ الجبابرة، وإنما اتخذَ النقَباءَ حتى يسمَعَ له ويطاعَ، فلا يَنشقَّ الصف ويَنهزمَ أهل الحق؛ فإن مَن قاتَلَ مِن غيرِ قناعة، ضَعُفت عزيمتُه عن الإثخانِ في العدو، فيُهزَمونَ ولو كانوا كثرةَ، لِهَوَانِ نفوسِهم بالقِلةِ الثابتة، وإنما اتخَذَ موسى واحدًا على كل قوم؛ ليكونَ شاهدًا عليهم بما يريدونَ، وضامنا لهم وضامنا عليهم.
اتخاذُ النقباءِ والعرفاءِ:
ولذا يتأكد على الحُكامِ اتخَاذُ النُّقَبَاءِ عن الناسِ في القتال، خاصَّة عندَ اختِلافِ الناسِ ومَشاربِهم، وضَعفِ دينهم، وهوانِ عزائمِهم؛ وهكذا فعَلَ النبي ﷺ حينَما بايَعَ الأنصارَ ليلةَ العَقَبَة، فكانوا سبعينَ رجلا وامرأتَين، فاتَّخَذَ النبي ﷺ منهم اثني عشرَ نقيبا: ثلاثة من الأوس، وتسعة مِن الخَزرَجِ؛ كما ذكرَهُ مالك وابنُ إسحاقَ (١).
والنقباء هم العُرَفَاءُ عندَ العرب، والنقيب: هو الأمينُ الضامنُ على قومِه، وذُكِرَ أن اللهَ أنزلَ فيهم قولَه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ
стр. 1154
وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨].
الحكمةُ مِنِ اتخاذِ النقباءِ والرؤساءِ:
وإنما كان اتخاذ الرؤوسِ مِن الناسِ؛ لجملةٍ مِن المصالح العظيمةِ؛ ومنها:
الأولُ: لإشباعِ طمعِ النفوسِ في السِّيادة، وإغلاقِ مَدْخَلِ الشيطانِ عليهم: أنَّهم أخِذوا مُغالَبة وإكراهًا، فيقومونَ مُكرَهينَ، وربما تحيَّنُوا الفرصةَ للتمرُّدِ والعِصْيانِ.
الثاني: أن رؤوسَ القومِ يُؤثرون على أَتباعِهم، والقوم يؤثرونَ على جِنْسِهم عِرقا ونَسَبًا ووطنا ودينا، أكثَرَ مِن تأثيرِ الأجنبيِّ عليهمِ؛ لهذا أسلَمَ مِن المُشرِكين كثير، ومِن النصارى عدد غيرُ قليل، ولم تتأثر يهودُ بأحد أَسلَمَ كما تأثرت بسَلمانَ الفارسي؛ لأنه كان وَسطَهم، وإن لم يتدين بدينهم كما تدينوا، ولمَّا كان تأثير الرجُلِ على قومِهِ أكثَرَ مِنٍ البعيدِ؛ قال ﷺ : (لَو آمنَ بِي عَشرَة مِنْ أحبَارِ الْيَهُود، لَآمَنَ بِي كُل يهودِيٍّ عَلَى وَجْهِ الأَرضِ) (١).
واتخاذ العرفاءِ والنقباءِ متأكد في الإسلامِ على الحاكم، ويكونُ واجبًا عندَ اشتدادِ الكَرب واتِّخاذِ الأمورِ العِظام، فإن في ذلك جمعا للكلمة، وفي انتفائِهِ فتنة وشِقاق واضطراب وقتل، وما لا يتم الواجب إلا به لهو واجب، وما كان تركُهُ يُفضي إلى حرام، فتركُهُ حرامٌ.
الفرقُ بين أهل الشورى والعُرفاء والنُّقباءِ:
والعرفاء والنقباء نُوَّاب عن سَوَادِ الناس، ولا يَلزَم مِن ذلك أن
стр. 1155
يكونوا علماءَ وفُقهاءَ في الدِّينِ؛ وإنَّما مَن كان رأسًا في قومِه أو رَضُوهُ، فهو نقيب وعَرِيفٌ، وبينَ أهلِ الشورى وأهلِ الحَل والعقدِ والنقَباءِ تداخُل، وبعضها أعَم مِن بعضٍ:
فأمَّا أهل الشُّورى: فليس كلُّ مَن استحَقَّ الشَّورَى يكون نقيبا وعَرِيفًا في قومِه؛ وإنما يستشارُ لعلمِهِ وعقلِهِ ولو كان مغمورا، وأهلُ الشورى يَتخِذهم الحاكمُ لنفسِهِ كما اتخَذَ النبي ﷺ ، واتخَذَ خلفاؤه مِن بَعدِه، ويجب أن يتحرى الحاكمُ فيهم العِلمَ والتجردَ والعملَ والأمانةَ ليَنصَحُوا له، لا ليوافقوه ويرضوهُ فيما يقول، ويجب ألا يُفسِدَهم -بعدَما أدناهم- بالمالِ والعطاء، حتى تتشربَهُ قلوبهم؛ فيَتهيَّبُوا المخالَفةَ خوفَ فواتِ العَطيةِ والهِبة، فيَغُشُّوه؛ لأنَّه أفسَدَهمْ هو على نفسِه.
وأما النقَباء والعُرَفاء، فلا يَلزَمُ منهم أنْ يكونوا علماءَ وفقهاءَ؛ وإنما هم علماء بقومِهم وما يحِبونَ وَيكرهونَ؛ وفقهاء بأثرِ سياسةِ الحاكمِ عليهم، وأثرِهم على الحاكم، فيكونونَ نَصَحَة لقومِهم ولسُلطانهم.
والعُرَفاء والنقَباءُ يَختلِفونَ عن أهلِ الشورَى بأن النقباءَ يتخذهم أقوامُهمْ عنهم؛ كما كان النبي ﷺ يفعلُ؛ فقد روى أحمد في "المُسنَدِ" بسندٍ جيد؛ مِن حديثِ كعبِ بنِ مالكٍ، وكان ممن شهِد العَقَبةَ وكانوا سبعينَ رجلا وامرأتَين، فقال لهم النبي ﷺ لما بايَعهم: (أخرِجُوا إِلَيَّ منكُمُ اثْنَي عَشرَ نَقيبا يكُونُونَ عَلَى قومِهِمْ)، فأخرَجوا تسعة من الخَزرَج، وثلاثة من الأوسِ (١).
لأن الناسَ هم الأعلَم بالأصلحِ لهم، فما ذهَبَ إليه جمهورُهم ورَغبوا فيه عَرِيفا، فهو عَرِيف ولو كَرِهَهُ الحاكم لشخصِه؛ لأن المرادَ جمعُ كلمةِ قومِهِ وتأليفهم، لا تليِينُ قلبِ الحاكمِ وأُنسهُ به؛ فإن العُرَفاءَ
стр. 1156
يَقطَعون على سفَهاءِ الناسِ فتنةَ ألسنتِهم وأفعالِهم، فمَن لم يَمنَعه قرآن ولا خوف سُلْطان، منَعتة هَيْبةُ قومِهِ وأَطَروهُ، فلم يَخرُج عما يَرغَبون.
ولكن يُشترطُ في العَرِيفِ الأمانة وسلامة الدينِ العامّ، ولو كان مِن أهلِ اللمَمِ.
وقد كان النبي ﷺ يتَّخذُ العُرَفاءَ والنقباءَ فيما خفِيَ عليه مِن أمرِ العامَّةِ ورَغباتِ نفوسِهم، وما يتعلقُ باستنفاقِهم عندَ النوازلِ والجَدب، أو معرفةِ حقوقِ أفرادِهم وطيب خواطرِهم؛ لهذا يشق على الحاكم في الدُّوَلِ مترامية الأطراف، وقد كان النبي ﷺ يتخذُ ذلك في المدينةِ وأهلُها حينئذ قليل وهم على طوعِهِ وأمرِه، فلمَّا جاءَه هوازن مسلِمِينَ وقد سَبَى منهم وقَسَمَ السبيَ، فطلَبُوا إرجاعَ نسائِهم وأولادِهم، وكان الصحابة حازُوا حقهم مِن ذلك، فأرسَلَ إلى الناسِ عرَفاءَهم؛ كما في "الصحيح"؛ مِن حديث عروةَ بنِ الزبيرِ؛ أن مَروَانَ بنَ الحَكَم، والمِسوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ أخبَرَاهُ؛ أن رسولَ اللهِ ﷺ قال حِينَ أذِنَ لَهُم المسلِمُونَ فِي عتق سبيِ هَوَازِن: (إني لَا أدرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ مِمنْ لَمْ يأذَنْ، فَارجِعوا حَتى يَرفَعَ إِلَينَا عرفَاؤُكمْ أمْرَكمْ)، فَرَجَعَ الناسُ، فَكلمَهم عُرَفَاؤُهُم، فَرَجَعوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأخبَرُوه أن الناسَ قَدْ طَيبوا وَأذِنوا (١).
وقد ترجَمَ البخاري على ذلك بقولِهِ: "بابُ العُرَفاءِ للناسِ" (٢).
والعُرفاء يُوجَدونَ في الناسِ اضطرارا، لا يَنتقيهِمُ الحاكمُ اختيارا كما يريدُ، لكل ناسِ يتشكلُ فيهم رؤوس، فيكونونَ وُجَهاءَ ونُقَباءَ فيهم، يَسُودُونَ لأمرِ متراكِم فيهم؛ إما بعِلم أو مال أو نَسَب أو حسبٍ، فيَفرِضونَ أنفسَهم بالقبولِ وَسطَ الناس، فيكونونَ رؤوسا كرأسِ الهرمِ يقوم على عدد كبير مِن الحَصَى، فلم يَرفعه فرد ولا أفراد؛ وإنما جماعة
стр. 1157
وأُمَّةٌ، فإذا أخَذَ الحاكمُ واختارَ مِن النَّاسِ مِن وسطِهم كمَن أخَذَ حَجَرًا مِن وسَطِ الهرمِ أو أسفلِه، فيسقُطُ عليه مَن فوقَهُ وتحدُثُ فتنةٌ.
فائِدةُ النُّقَباء، وسَبَبُ حاجةِ الغَرْبِ لصناديقِ التصويت:
نظَّمَ الإسلامُ الناسَ وحَفِظَ تركيبَهم، وأمَرَ بترابُطِهم وتواصُلِهم: بصِلَةِ الرَّحِم والأقرَبِين، وحُسنِ الجِوَار، وإِكرامِ الضيفِ، وإجابةِ دَعْوةِ الوَلِيمة، وشُهودِ صلاةِ الجَماعة، وشَرَع عبادةَ المريض، واتِّباعَ الجنازة، وبَذْلَ المعروفِ ورَدَّه، وجمْعَ الناسِ على الطعام، ومعرفةَ الأنسابِ والعاقلةِ في الدِّيَة، وغيرَ ذلك مِن الشرائعِ الدافعةِ التي يَلزَمُ منها ترابُطُ الناسِ وتعارُفُهم وتشكُّلُهم على صورةٍ يَظهَر معها فيهم عُرَفَاءُ ونُقبَاءُ يَسُودونَ لفضلِهم وسيرتِهم التي تصوَّرَتْ في الأذهانِ لعُقودٍ ليس فيها مخادَعةٌ أو تلبيسٌ ساعةً أو يومًا أو أيامًا؛ ولهذا لم يحتَجِ النبيُّ ﷺ وخُلفاؤه إلى معرفةِ رؤوس الناسِ وأخذ رأيهم الذي لا يحرُجُ غالبًا عن رأيِ مَن تحتَهم مِن قَومِهم؛ لأنَّ قومَهم أظهَرُوهم وسَوَّدُوهم في عُقودٍ بلا تزييفِ إعلامٍ ولا استبدادِ حاكمٍ باختيارِه، وإنْ لم يَتَّفِق على العُرَفاءِ والنُّقَباءِ جميعُ قومِهم؛ فإنَّه يَتَّفِقُ عليهم الغالبُ والسَّوَادُ، وقدِ اختَلَّ هذا الأمرُ في بعضِ القُرونِ السابقة، وفي عصرِنا اليومَ لدى كثيرٍ مِن المسلمينَ وعامَّةِ الكُفَّار:
أمَّا الكفار -وهُمُ الغَربُ اليومَ-: فتفَكَّكَ لديهم المجتمعُ؛ لأنهم عَمِلُوا بالمبدأ اللِّيبراليِّ بتفكيكِ الروابطِ العِرْقِيَّةِ والدِّينيةِ والقَبَلِيَّةِ والأُسْرِيَّة، حتى بَلَغَ ببعضِ المجتمعاتِ تفكيكُ آخِرِ رابطٍ، وهو رابطُ الآباءِ والأبناءِ بعصِهم ببعضٍ؛ فلا يئواصَلُون أعوامًا، ولَزِمَ مِن ذلك ألَّا يوجَدَ هَرَمٌ للناس ولا رَأْس، وألَّا يشكَّلَ لديهم نُقَباءُ وعُرَفاءُ عبرَ عقودٍ، فلا يتعارَفُ الأقرَبُون فضلًا عن الأبعَدِين، فاضطرُّوا إلى معالَجةِ ما أفسَدُوه في قُرونٍ
стр. 1158
بأن يستدرِكُوه في يومٍ، فإذا أرادُوا ترشيحَ أحدٍ قام بحملةٍ على المنابِرِ الإعلاميَّة يُعرِّفُ بنفسِه بما لا يملِكُ الناسُ معه وقتًا لتمييزِ الصادقِ مِن الكاذب، فيأخُذُون رأي الأفرادِ جميعًا في يومٍ أو أيَّامٍ على مَن لا يعرِفُه أكثرُهم إلا فيها، حتى يُنفِقَ المرشَّحُ في بعض الدُّولِ مئاتِ الملايينِ وربما مِليارًا وأكثَرَ؛ وذلك ليُعِيدوا ما فَكَّكُوه مِن روابطِ الفِطْرةِ والشريعة، ولكنْ بصُورةٍ يَغلِبُ عليها التدليسُ والخِدَاع.
وأمَّا عند كثير مِن المسلِمِين: فذلك أنَّ الأصلَ في العُرَفاءِ والنُّقَباءِ أنهم يخرُجُون بن وسطِ الناسِ في عقودٍ حيثُ سَبَرُوا حالَهم وعَرَفُوهم خيرَهُم وشَرَّهُم وكمالَهم ونَقْصَهم، فسَادُوا بالدِّينِ والعلمِ والعَقْلِ والخُلُقِ والصِّدقِ والأمانةِ؛ فيظهَرُ العُرَفاءُ اضطرارًا لا اختيارًا، ولكن يتسلَّطُ بعضُ الحُكَّام فيضَعُ على الناسِ عُرَفاءَ ونُقَباءَ فيُقَرِّبُ مَن يوافِقُه ولو كان مِن وسطِ الناس ويُبعِدُ مَن يُخالِفُه ولو كان مِن رَأْسِهم، ثم يأخُذُ رأيَهم على أنه رأيُ رؤوسِ الناس الذين يجتمِعُون عليهم.
أهلُ الحلِّ والعقدِ:
وأمَّا أهلُ الحَلِّ والعَقْدِ، فهو معنًى قديمٌ قَرَّرَتْهُ الشريعةُ ودلَّ عليه عملُ الأنبياء، ولكنَّه مصطلحٌ متأخِّرٌ، وظهَرَ في كلامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ وغيرِه ممَّن جاء بعدَهُ، وإنَّما يُتَّخَذُونَ فيما يتعلَّقُ باختيارِ الحاكمِ والأُمورِ العِظامِ التي يُخشَى مِن عدمِ انقيادِ الناسِ له بها، ويشتَرَطُ لي أهلِ الحَلِّ والعَقدِ: أن يكونوا رؤوسًا في قومِهِمْ، ولا يُشترَطُ فيهم العِلْمُ وإنما يجبُ أنْ يتوافَرَ فيهم مِن العلم العلمُ بشُروطِ الإمامِ والإمامةِ في الإسلامِ؛ وأنْ يَتوافَرَ فيهم الدِّين والأمانةُ، وإن كانوا علماءَ، فذلك أكمَلُ، ولكنَّه ليس بشرطٍ، ما دام الحاكمُ الذي يختارونَهُ تتوافرُ فيه شروطُ الإسلامِ في الحاكم.
وأهلُ الحَلِّ والعَقْدِ يكونونَ مِن النُّقَباءِ؛ لأنَّهم أهلُ عِلْمٍ بقومِهم،
стр. 1159
ومِن أهلِ الشُّورى؛ لأنَّهم أهلُ عِلْمٍ بالشريعةِ وغيرِها؛ لِيَجْمَعَ بينَ العارِفينَ بالناسِ؛ فلا يَخرُجوا عمَّا يُريدونَهُ فلا تقَعَ الفتنُ، وبينَ العالِمينَ بالشريعةِ؛ فلا يَخرُجوا عن أمرِ اللهِ ومراده في الحُكمِ والسياسةِ؛ فإنَّ الناسَ قد يريدونَ غيرَ ما أراد اللهُ جهلًا أو هوًى، فيُبيِّنُ لهم أهلُ العِلم ذلك، وقد يَقضي أهلُ العِلْمِ بشيءٍ لم تفصِّلْ فيه الشريعةُ ولا يُريدُهُ الناس، فتقعُ الفتنةُ.
فاجتماعُ العلماءِ والنُّقباءِ في اختيارِ الحاكِمِ والفصلِ في أمرِ الأمَّةِ العظيمِ وخاصَّةً عندَ الفتنِ: مِن سُنَنِ الأنبياءِ والمرسَلِينَ، ويُروى في الحديث: (لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ كَانَ قبلِي إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ سَبْعَةَ نُقَبَاءَ وُزَرَاءَ نُجَبَاءَ)، رواهُ أحمدُ، عن كَثِيرِ النَّوَّاء، وهو مُتكلَّمٌ فيه (١).
اتخاذُ الجاسوسِ في الحربِ:
وفي الآيةِ: دليلٌ على اتِّخاذِ الجاسوسِ يسبُرُ أحوالَ العدوّ، ويَعرِفُ عُدَّتَهم وعدَدَهم، ومواضعَ القوةِ والضَعْفِ فيهم؛ كما فعَلَ موسى بإرسالِ النُّقباءِ إلى الجبَّارينَ، وقد اتَّخذَ النبيُّ ﷺ عَيْنًا، وهو بُسَيْسَةً؛ كما أخرَجَه مسلمٌ (٢).
* * *
قال تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)﴾ [المائدة: ٣١].
وفي هذه الآيةِ: إشارةٌ إلى سُنَّةٍ فِطْرِيَّةٍ، وهي دفنُ المَوْتَى، وقد شرَعَها الله في أولِ ميِّتٍ مِن بني آدمَ، ودفن الميِّتِ وقَبْرُهُ إرجاعٌ له إلى أصلِهِ
стр. 1160
الذي منه خُلِقَ، ومنه يُبعَثُ ويُخرَج؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)﴾ [عبس: ٢١]، وقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٦].
والدفنُ فِطْرةٌ وسُنَّةٌ تَعَلَّمَها الإنسانُ بواسطةِ الحيوانِ، وفيه أنَّ الإنسانَ يتعلَّمُ العِلْمَ ويأخُذُهُ مِن كلِّ أحدٍ صدَقَ فيه، وقد أُخِذَ دفنُ الميِّت مِن غُرَابٍ، وهو حيوانٌ مذمومٌ شرعًا، فهو من الفواسقِ الخمسِ؛ كما في الحديثِ في "الصحيحَيْن" (١).
الحكمةُ مِن دَفْنِ الميِّت:
ودفن الميِّتِ شُرِعَ لعلَّتَيْنِ:
الأُولى: إرجاعٌ للميِّتِ إلى أصلِ خِلْقَتِهِ الأُولى، التي يُخرَجُ ويُبعَثُ منها؛ كما قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ [طه: ٥٥].
الثانية: سَتْرُ سَوْءَتِهِ عن الناسِ ألا يَتأذَّوْا منها، ولا ينظُروا إليها، ولا يَكرَهَ هو أنْ يكونَ كذلك لو كان حيًّا.
وسَوْءتُهُ هنا سوءتانِ:
الأُولى: عورةُ جِسْمِهِ المحسوسةُ بالبصرِ؛ وهي محرَّمةُ الكشفِ والنظرِ للحيِّ والميِّتِ سواءً، ويُروى في الخبرِ؛ مِن حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (لَا تُبْرِزْ فَخِذَكَ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ)؛ رواهُ أحمدُ وأهلُ السُّننِ (٢).
الثانية: عورتُهُ المحسوسةُ بالشمِّ لِنَتْنِها.
فشُرِعَ الدفنُ لسَتْرِ ما يَسُوءُ الناسَ مه وما يَسُوءُهُ هو أنْ يكونَ منه ومِن غيرِهِ ذلك.