وتارةً: عن يونُسَ بنِ خَبَّابٍ، عن أبي سعيدٍ، أخرَجَهُ الدارقطنيُّ في "العللِ"، والبيهقيُّ، والخطيبُ البغداديُّ في "تاريخِ بغدادَ" (١).
وروايةُ يونسَ تارَةً مرفوعًا، ومنهم مَن يَقِفُهُ (٢).
قال أبو حاتمٍ وأبو زُرْعَةَ في حديثِ أبي هريرةَ: "هذا عندَنا منكَرٌ مِن حديثِ العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، وهو مِن حديثِ العلاءِ بنِ المسيَّبِ أَشْبَهُ" (٣).
وأنكَرَهُ البخاريُّ وابنُ عديٍّ (٤).
والذي يَرْوِيهِ عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ: صدقةُ بنُ يزيدَ؛ وهو ضعيفٌ؛ تفرَّدَ به عن العلاءِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ (٥).
وقال أبو حاتمٍ: "والناسُ يضطرِبونَ في حديثِ العلاءِ بنِ المسيَّبِ" (٦).
ووصَفَهُ مَرَّةً بالاضطرابِ (٧).
ويميلُ أبو حاتمٍ إلى أنَّ الأرجحَ فيه: مِن حديثِ العلاءِ بنِ المسيَّبِ، عن يونسَ بنِ خَبَّابٍ، عن أبي سعيدٍ، وهو موقوف مرسل أشبهُ.
стр. 107
قال أبو حاتم فيه: "لم بسمعْ يونسُ من أبي سعيدٍ" (١).
وأخرَجَهُ أبو يعلى؛ من طريقِ المسعوديِّ، عن يونسَ بنِ خَبَّابٍ، عن رجلٍ، عن خَبَّابِ بنِ الأَرَتِّ، مرفوعًا (٢).
ولا يصحُّ.
وأخرَجَهُ الخطيبُ في "المُوضِحِ"؛ مِن طريقِ قيسِ بنِ الربيعِ، عن عبَّادِ بنِ أبي صالحٍ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، وقال فيه: (في ثَلَاثِ سِنِينَ) (٣).
وهو منكَرٌ.
ورواهُ الطبرانيُّ وأبو يعلى، عن أبي الدرداءِ (٤).
ولا يصحُّ في تحديدِ أزمةِ متابعةِ الحجِّ والعمرةِ شيءٌ، والنصوصُ جاءتْ باستحبابِ المتابعةِ بلا حدٍّ.
أمنُ المسجدِ الحرامِ وأنواعُهُ:
وقولُه: ﴿وَأَمْنًا﴾: لمَّا كان البيتُ آمِنًا بتحريمِ اللهِ له لإبراهيمَ، وكان سببًا لتحقُّقِ الأمنِ لِمَنْ لاذَ به -: سمَّى اللهُ البيتَ أمْنًا، فكان الهارِبُ مِن ظُلْمِ ظالمٍ يلوذُ به وينجُو؛ فله هَيْبةٌ حتى في نفوسِ الظَّلَمةِ والجبابرةِ، يخافونَ مِن الظُّلْمِ فيه وسفكِ الدماءِ حولَهُ.
روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ؛ قال: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾: أمنًا مِن العدوِّ، وأنْ يُحمَلَ فيه السلاحُ (٥).
стр. 108
وهذا الأمنُ هو للظُّلْمِ فيه، وأمَّا إقامةُ الحدودِ في الحَرَمِ على المُقترِفِ لجُرْمٍ، فهذا مَحَلُّ خلافٍ يأتي الكلامُ عليه عندَ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١].
وهذا الأمنُ المذكورُ في الآيةِ مستلزِمٌ للمعنيَيْنِ الكونيِّ والشرعيِّ:
فالكونيُّ: يُظهِرُ أنَّ للهِ سُنَّةً في حمايةِ بيتِهِ، وتهديدِ المتعدِّي عليه وعلى مَنْ فيه بالعذابِ الأليمِ، ويمكِّنُ اللهُ مَن يستبيحُهُ بقَدَرٍ أيضًا؛ كما في هَدْمِ ذي السُّوَيْقَتَيْنِ للكَعْبةِ (١)، وكما جعَلَ اللهُ - لِحِكْمةٍ بالغةٍ - مِن فِتْنةٍ؛ كحصارِ الحَجَّاجِ لابنِ الزُّبَيْرِ والناسِ معه، وسَلْبِ القَرَامِطَةِ للحَجَرِ وقتلِ الناسِ حينَما تولَّى ذلك أبو طاهِرٍ سُليمانُ بنُ الحَسَنِ الجَنَّابِيُّ، فللَّهِ مقدارٌ كونيٌّ مِن الأمنِ قدَّرَهُ، وهو غالبُ حالِها، فتظهَرُ مِنَّةُ اللهِ على الإنسانِ، ويقدِّرُ خلافَ ذلك لحكمةٍ بالغةٍ؛ كما يخلُقُ اللهُ الإنسانَ على أحسنِ تقويمٍ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، وفيهم نادرًا مَن يُولَدُ معيبًا، فالصورةُ الغالبةُ والنادرةُ مِن قدَرِ اللهِ، وكلٌّ لِحِكْمةٍ.
وأمَّا الشرعيُّ، فما حرَّمَ اللهُ في الحَرَمِ؛ مِن مقاتَلةِ المشرِكِينَ، وتنفيرِ الصيدِ، وقطعِ الشجرِ، ونحوِ ذلك المعنى.
وقولُه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾: قرَأَه نافعٌ وابنُ عامرٍ بصيغةِ الماضي (٢)؛ أيِ: اتَّخَذَ الناسُ مقامَ إبراهيمَ مصلًّى بعدَما جعلْناهُ مَثَابةً لهم وأَمْنًا؛ وهذا يدلُّ على أنَّ الصلاةَ خلفَ المقامِ منذُ زمنِ
стр. 109
إبراهيمَ، وهي مِن سننِ الحنيفيَّةِ السَّمْحَةِ مِن أوَّلِها، ولا تختصُّ بهذه الأمَّةِ.
والمرادُ بمقامِ إبراهيمَ: الحَجَرُ الذي كان يقفُ عليه عندَ البناءِ؛ قاله ابنُ عباسٍ.
وروى البخاريُّ ومسلمٌ، عن عُمَرَ بنِ الخطابِ ﵁؛ قال: "وافقتُ ربِّي في ثلاثٍ؛ فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، لو اتَّخَذْنا من مقامِ إبراهيمَ مصلًّى؛ فنزَلَتْ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ " (١).
وهو المرادُ بهذه الآيةِ؛ وإلا فمقامُ إبراهيمَ يشملُ كلَّ مناسكِ الحجِّ.
روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن ابنِ جُرَيْجٍ؛ قال: سألتُ عطاءً عن: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، فقال: سمعتُ ابنَ عباسٍ قال: أمَّا مقامُ إبراهيمَ الذي ذُكِرَ ههنا، فمقامُ إبراهيمَ هذا الذي في المسجدِ، قال: ومقامُ إبراهيمَ الحجُّ كلُّه، ثمَّ فسَّرَهُ عطاءٌ، فقال: التعريفُ، وصلاتانِ بعَرَفةَ، والمَشْعَرُ، ومِنًى، ورميُ الجِمَارِ، والطوافُ بينَ الصَّفا والمروةِ، فقلتُ: فَسَّرَهُ ابنُ عباسٍ؟ قال: لا، ولكن قال: مقامُ إبراهيمَ الحجُّ كلُّه، قلتُ: أَسَمِعْتَ ذلك لهذا أَجْمَعَ؟ قال: نَعَمْ؛ سمعتُ منه (٢).
الصلاةُ خَلْفَ مقامِ إبراهيم:
ويُتَّخَذُ مقامُ إبراهيمَ موضعًا للصلاةِ على سبيلِ العمومِ، وآكَدُها ركعتَا الطوافِ؛ كما ثبَتَ عن النبيِّ في "الصحيحينِ"؛ أنَّه كان يُصلِّيهما بعدَ طوافِهِ (٣)، وعلى هذا أصحابُهُ، وإنَّما اختلَفُوا في صلاةِ ركعتَيِ الطوافِ في وقتِ النهيِ: هل تصلَّى أو لا؟
стр. 110
وقال بعضُ العلماءِ: إنَّ معنى قولِهِ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾؛ أيْ: مَدْعًى؛ أيْ: مكانًا للدعاءِ؛ روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾؛ قال: مَدْعًى (١).
وقولُه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾: عَهِدَ اللهُ إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ بتطهيرِ البيتِ مِن جميعِ النجاساتِ الحِسِّيَّةِ والمعنويَّةِ؛ مِن الشِّرْكِ قولًا وعملًا واعتقادًا أنْ يقعَ حولَهُ، ومِن الأقذارِ والأنجاسِ.
والعهدُ عدَّاهُ هنا بـ "إلى"، ومعناهُ الوصيَّةُ، وإذا لم يُعَدَّ بـ "إلى"، فمعناهُ: عهدٌ مؤكَّدٌ بلزومِ وحتميَّةِ وقوعِه، وهو العهدُ القَدَرِيُّ، والعهدُ عهدانِ: عهدٌ قدريٌّ؛ كقولِه تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وشرعيٌّ؛ وهو كما في هذه الآيةِ.
وفي هذه الآيةِ: دَلَالةٌ على أنَّ مَنْعَ المشرِكِينَ مِن دخولِ المسجدِ الحرامِ وصيَّةُ اللهِ لإبراهيمَ وإسماعيلَ؛ وهذا رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ؛ رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ، عن ابنِ جُبَيْرٍ، عنه (٢).
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]؛ والنجاسةُ هنا نجاسةُ كُفْرٍ، وهي النجاسةُ المعنويَّةُ، والواجبُ فيها: التطهيرُ بالإيمانِ، أو بالإزالةِ وذلك بإخراجِ الكافرِ مِن هذا الموضعِ.
وفي الآيةِ: دَلَالةٌ على أنَّ هَيْبةَ المسلمينَ تكونُ باجتماعِهم بلا مُشْركٍ، خاصَّةً في مواضعِ العبادةِ.
المُكْثُ في المسجدِ، والنَّومُ فيه:
وقولُه: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: العاكفُ
стр. 111
هو الملازِمُ للشيءِ؛ أيِ: الماكِثُ الملازِمُ للبيتِ الحرامِ؛ سواءٌ كان مِن أهلِ مكةَ أو مِن غيرِ أهلِها، وسواءٌ كان مُكْثُهُ وطولُ بقائِهِ يصاحِبُهُ صلاةٌ أو طوافٌ، أو لا، ولو كان الماكثُ فيه نائمًا فهو مِن العاكِفِينَ فيه؛ إذا ظهَرَ مِن بقائِه قصدُ التعبُّدِ والقُرْبِ.
روى ابنُ أبي حاتمٍ؛ مِن حديثِ حَمَّادِ بنِ سَلَمةَ، حدَّثنا ثابتٌ؛ قال: "قلتُ لعبدِ اللهِ بنِ عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ: ما أُراني إلا مُكلِّمَ الأميرِ أنْ يمنَعَ الذين ينامونَ في المسجدِ الحرامِ؛ فإنَّهم يَجْنُبُونَ ويُحْدِثُونَ؟ قال: لا تَفعَلْ؛ فإنَّ ابنَ عمرَ سُئِلَ عنهم؟ فقال: هم العاكفون" (١).
وروى عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: "إذا كان جالسًا، فهو مِن العاكفين" (٢).
ونحوُهُ عن عطاءٍ (٣).
وأخرَجَ عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ، عن سُوَيْدِ بنِ غَفَلَةَ؛ قال: "مَن قعَدَ في المسجِدِ وهو طاهرٌ، فهو عاكفٌ حتى يخرُجَ منه" (٤).
التفاضُلُ بين الطواف والصلاةِ:
وفي الآيةِ قدَّمَ الطوافَ على الاعتكافِ والصلاةِ؛ لأنَّ الطوافَ تحيةُ البيتِ، وهو يقومُ مقامَ الصلاةِ للداخلِ إليه؛ وبهذه الآيةِ استَدَلَّ بعضُ فقهاءِ الشافعيَّةِ على فضلِ الطوافِ على الصلاةِ (٥).
ومِن السلفِ مَنْ قال: إنَّ الطوافَ أفضَلُ للآفَاقِيِّ خاصَّةً؛ يعني: الزائرَ المغترِبَ، وأمَّا المكيُّ، فالصلاةُ في حقِّه أفضلُ؛ وبه قال
стр. 112
ابنُ عباسٍ (١)، ومجاهِدٌ (٢)، وعطاءٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ (٣)، وغيرُهم.
روى عبدُ الرزَّاقِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ؛ قال: كنتُ أسمعُ عطاءً يسألُهُ الغُرَباءُ: الطوافُ أفضلُ لنا أم الصلاةُ؟ فيقولُ: أمَّا لكم، فالطوافُ أفضلُ؛ إنَّكم لا تَقْدِرُونَ على الطوافِ بأرضِكم، وأنتم تَقْدِرُونَ هناك على الصلاةِ (٤).
وهو وجيهٌ؛ وذلك أنَّ الطوافَ لا يتحقَّقُ في كلِّ موضعٍ إلا في البيتِ، وهي خَصِيصةٌ له، ولمَّا كان الآفاقيُّ لا يتحقَّقُ له الطوافُ إلا في البيتِ إذا وَفَدَ إليه، فالطوافُ له أفضلُ؛ بخلافِ المكيِّ، فهو يُدرِكُ الصلاةَ والطوافَ على السواءِ في مسجدِ بلدِه، وهو المسجدُ الحرامُ، فبَقِيَتِ الصلاةُ أفضلَ؛ لفضلِ جنسِها، ولِمَا تشتمِلُ عليه من سجودٍ وركوعٍ ودعاءٍ وتسبيحٍ؛ وهذا تعظيمٌ وتذلُّلٌ لا يظهرُ في الطوافِ ظهورَهُ في الصلاةِ، ثمَّ إنَّ الطوافَ ينوبُ عن الصلاةِ في تحيةِ البيتِ، والبدلُ يأتي بعدَ المُبْدَلِ منه؛ كالوضوءِ مع التيمُّمِ، والآفاقيُّ الأفضلُ له أنْ يطوفَ تحيَّةً للبيتِ، ولو صلَّى ركعتَيْنِ، أجزَأَ عنه، والمكيُّ الأفضلُ له أنْ يصلِّيَ ركعتَيْنِ تحيةً للبيتِ، ولو طافَ، أجزَأَ عنه، ولا ينبَغي للمَكِّيِّ أنْ يُخْلِيَ نَفْسَهُ مِن تعاهُدِ البيتِ بالطوافِ؛ كما كان السلفُ مِن الصحابةِ والتابعينَ المكيِّينَ يَفْعَلون.
وإذا أطالَ الآفاقيُّ المقامَ عندَ البيتِ، فالصلاةُ له أفضلُ، ومِن السلفِ مَنْ حَدَّهُ بأربعينَ يومًا؛ كعطاءٍ والحسنِ، روى عبدُ الرزَّاقِ، عن هشامٍ، عن الحسنِ وعطاءٍ؛ قالا: "إذا أقامَ الغريبُ بمَكَّةَ أربعينَ يومًا،
стр. 113
كانتِ الصلاةُ أفضلَ له مِن الطوافِ" (١).
أفضلُ أعمالِ الحَجِّ:
وقد استنبَطَ العِزُّ بنُ عبدِ السلامِ مِن حديثِ: "الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ. . .": أنَّ الطوافَ أفضلُ أعمالِ الحجِّ؛ وذلك أنَّ الصلاةَ أفضلُ مِن الحجِّ؛ لأنَّ الصلاةَ الركنُ الثاني مِن أركانِ الإسلامِ (٢).
وهذا الإطلاقُ فيه نَظَرٌ، إلا إنْ كان يُريدُ طوافَ الإفاضةِ، وإلَّا فالوقوفُ بعَرَفةَ أفضلُ مِن طوافِ القدومِ وطوافِ الوداعِ وطوافِ التطوُّعِ كلِّه؛ لأنَّ (الحَجُّ عَرَفَةُ).
تنظيفُ المساجدِ وتطهيرها من النجس واللَّغْو:
وفى الآيةِ: دَلَالةٌ على مشروعيَّةِ الاهتمامِ بالمساجدِ عمومًا تنظيفًا وتطييبًا، ولمَّا توجَّهَ الخِطابُ إلى إبراهيمَ وابنِهِ إسماعيلَ، دلَّ على أنَّ هذا مِن أعمالِ التشريفِ، وأنَّ زُهْدَ الناسِ في ذلك مِن الجهلِ، والعنايةُ بها: تكونُ مِن الإنسانِ مباشرةً، أو قد يكونُ آمِرًا بها ومسؤولًا عنها يأمُرُ بتنظيفها وتطيِيبِها.
وقد روى أبو داودَ والترمذيُّ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيهِ، عن عائشةَ؛ قالتْ: "أمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ ببناءِ المساجدِ في الدُّورِ، وأنْ تنظَّفَ وتطيَّبَ" (٣).
وأخرَجَهُ الترمذيُّ مِن وجهٍ آخَرَ مرسلًا عن عُرْوةَ (٤).
وهو الأشبهُ بالصوابِ.
стр. 114
وصوَّبَ الإرسالَ أحمدُ والدارقطنيُّ وابنُ رجبٍ (١).
وهكذا كان عملُ الخُلَفاءِ والمسلِمِينَ في الصدرِ الأولِ وما بعدَه؛ أخرَجَ ابنُ أبي شَيْبةَ وأبو يعلى، عن ابنِ عمرَ أنَّ عمرَ: "كان يجمِّرُ المسجدَ في كلِّ جُمُعةٍ" (٢).
ويُمنَعُ مِن دخولِها مَن ينقُلُ إليها الأذَى والقَذَرَ، ويُؤمَرُ الناسُ بالتطهُّرِ والتجمُّلِ لها؛ فما أُمِرَ الناسُ بغُسْلِ الجمعةِ إلا لذلك، ومُنِعَتِ الحائضُ والجُنُبُ مِن المكثِ فيها؛ تعظيمًا لها.
وقولُه تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦]، والمرادُ أنْ تُنزَّهَ مِن الأذَى والقَذَرِ والنَّجَسِ، المعنويِّ والحسيِّ.
ومِن رفعِها: أنْ تجنَّبَ اللغوَ وساقِطَ القولِ؛ وهذا رُوِيَ عن عِكْرِمةَ والضَّحَّاكِ وغيرِهما (٣).
ومِن اللغوِ: أنْ تُرفَعَ فيها الأصواتُ بلا ذِكْرٍ أو وعظٍ؛ ففي "صحيحِ البخاريِّ"، عن السائبِ بنِ يزيدَ الكِنْديِّ، قال: "كنتُ قائمًا في المسجدِ، فحَصَبَني رجلٌ، فنظَرْتُ، فإذا عمرُ بنُ الخطابِ، فقال: اذهَبْ فائْتِنِي بهذَيْنِ، فجِئتُهُ بهما، فقال: مَن أنتُما؟ أو مِن أينَ أنتُما؟ قالا: مِن أهلِ الطائفِ، قال: لو كنتُما مِن أهلِ البَلَدِ لَأَوْجَعْتُكما؛ ترفعانِ أصواتَكما في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ ؟ ! " (٤).
وقد كان عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ إذا رأَى صِبْيانًا يَلْعَبُونَ في المسجدِ، ضرَبَهم بالمِخْفَقَةِ، وهي الدِّرَّةُ (٥).
стр. 115
وكان عمرُ يفتِّشُ المسجدَ بعدَ العشاءِ، فلا يترُكُ فيه أحدًا (١).
* * *
قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧].
مِن معاني الرَّفْعِ في القرآن:
المرادُ بالرفعِ هنا: هو البناءُ والتشييدُ؛ وذلك لقرينةِ قولِه: ﴿الْقَوَاعِدَ﴾، وقد يَرِدُ الرفعُ ويرادُ له التطهيرُ والتنزيهُ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: ٣٦]؛ فالرفعُ هنا: رفعُ شأنِها بالعبادةِ والذِّكْرِ والدعاءِ، وتنزيهُها عن اللَّغوِ ورديءِ القولِ.
عمارةُ المساجِدِ وصفتها:
وفي الآيةِ: دليلٌ على مشروعيَّةِ عِمارةِ المساجدِ وتشييدِها ورَفْعِها وإحسانِ بنائِها، وأنَّ مِثلَ هذه المهمَّةِ شرفٌ عظيمٌ خَصَّ اللهُ به إمامَ الحنيفيَّةِ إبراهيمَ وابنَه إسماعيلَ، وهو فيمَن دُونَهم أحقُّ، وفضلُ بناءِ المساجدِ وتشييدِها ورَدَتْ به نصوصٌ كثيرةٌ متواترةٌ؛ ففي "الصحيحَيْنِ"، عن عثمانَ بن عفانَ ﵁؛ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: (مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ، بَنَى اللهُ لَهُ مِثلَهُ فِي الجَنَّةِ) (٢).
وعند أبي داودَ، والتِّرمِذيِّ، عن عائشةَ؛ قالتْ: "أمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ ببناءِ المساجدِ في الدُّورِ، وأنْ تنظَّفَ وتطَيَّبَ" (٣).
стр. 116
وليس للمسجدِ صورةٌ أو هيئةٌ معيَّنةٌ يُبنَى عليها؛ سواءٌ بُنِيَ مستديرًا أو مربَّعًا، أو مستطيلًا أو مثلَّثًا، وإنَّما المقصودُ أن يكونَ بناءً يَجْمَعُ الناسَ ويُكِنُّهم؛ قال البخاريُّ: "قال عمرُ: أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ المَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أوْ تُصَفِّرَ، فَتَفْتِنَ النَّاسَ" (١).
ولذا كانتِ الكَعْبةُ على غيرِ صفةٍ معيَّنةٍ؛ فليستْ بالمربَّعةِ ولا المستطيلةِ المستويةِ ولا المستديرةِ، فلها زوايا مِن جهةِ اليمنِ، واستدارةٌ مِن جهةِ الشامِ ناحيةَ الحِجْرِ.
والذي ينبَغي: أنْ تُتْقَنَ المساجدُ بناءً كما تُتْقَنُ البيوتُ، لا أنْ تُصفَّرَ وتُزخرَفَ؛ كما يصنعُ الناسُ في بيوتِهم؛ وإنَّما ينبَغي أنْ يكونَ البناءُ مُتقَنًا حَسَنًا كما يُتْقِنون بيوتَهم؛ فلا تكونُ مساجدُهم دونَ جَوْدةِ بيوتِهم.
فقد أخرَجَ أحمدُ؛ مِن حديثِ ابن إسحاقَ: حدَّثَني عمرُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيْرِ، عمَّن حدَّثه مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ؛ قال: "كان رسولُ اللهِ ﷺ يأمُرُنا أنْ نَصْنَعَ المَسَاجِدَ في دُورِنَا، وأنْ نُصلِحَ صَنْعَتَها ونُطهِّرَها" (٢).
والمقصودُ بالدُّورِ في الحديثِ هنا: هو أماكنُ مجامعِ الناسِ، وهي مواضعُ القبائلِ؛ كما في الحديثِ: (خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ: بَنُو النَّجَّارِ، ثُمَّ بَنُو عبدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ بَنُو الحَارِثِ بنِ خَزْرَجٍ، ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ)؛ رواهُ الشيخانِ، عن أبي أُسَيْدٍ (٣).
وبهذا فسَّرَهُ سُفْيانُ الثَّوْريُّ ووَكِيعٌ، وفيه دليلٌ على تعدُّدِ المساجدِ بحسَبِ حاجةِ الناسِ، وأنَّ ذلك واجبٌ لإقامةِ الصلاةِ.
ورفعُ قواعدِ البيتِ في الآيةِ أُرِيدَ به: إبرازُها لتُرَى فتعظُمَ في نفسِ
стр. 117
الرَّائي، على وصفٍ حَدَّهُ اللهُ لهم، لا يُزادُ عليه ولا يُنقَصُ، وذكَرَ القواعدَ لبيانِ أنَّ حَدَّها في الأرضِ موقوفٌ لا يتَّسِعُ ولا يَضِيقُ لرغبةِ أحدٍ أو لهَوَاه.
المَنَارةُ للمسجدِ:
ويُستَحَبُّ رفعُ المساجدِ وإبرارُها لتُرى وتُعرَفَ مِن القاصِدِينَ، حاضِرِينَ أو مسافِرِينَ، وأمَّا وضعُ المِئْذَنةِ للمسجدِ، وتُسمَّى: "المنارةَ"، فلم تكنْ معروفةً في زمنِ النبيِّ ﷺ ، ولا زمنِ الخلفاءِ الراشِدِين.
وقد ذكَرَ البَلَاذُرِيُّ في "فتوحِ البُلْدانِ": أنَّ أولَ مِئْذَنةٍ بُنِيَتْ في الإسلامِ كانتْ على يدِ زيادِ ابنِ أبيهِ عاملِ معاويةَ على البَصْرةِ عامَ خمسةٍ وأربعينَ (١).
وذكَرَ المَقْرِيزيُّ: أنَّ أولَ مآذنِ الإسلامِ: ما وُضِعَ في جامعِ عمرِو بنِ العاصِ مِن صَوَامِعَ أربعٍ فوقَهُ، بناها مَسْلَمَةُ بنُ مخلَّدٍ والي مصرَ في أولِ زمنِ بني أُمَيَّةَ، ثمَّ أصبَحَتْ علامةً للمساجدِ تُعرَفُ بها (٢).
وقد كان السلفُ في الصَّدْرِ الأولِ يؤذِّنونَ على السُّطُوحِ، وكانوا يُسمُّونَ سَطْحَ المسجدِ: "مَنَارةً"، وليس المرادُ به: ما يصطلِحُ عليه الناسُ في زمانِنا أنَّ المنارةَ هي البناءُ والأعمدةُ التي تُرفَعُ طويلًا.
ففي "المصنَّفِ" لابنِ أبي شَيْبةَ: عن عبدِ اللهِ بنِ شَقِيقٍ؛ قال: "مِن السُّنَّةِ الأذَانُ في المَنَارةِ، والإقامةُ في المسجدِ، وكان ابنُ مسعودٍ يَفعَلُه" (٣). ومرادُه بذلك: سطحُ المسجدِ.
وما يُترجِمُ عليه الأئمةُ في مصنَّفاتِهم؛ كأبي داودَ في "سننِه"؛ قال:
стр. 118
"بابُ الأذانِ فوقَ المَنَارةِ" (١). وبمعناهُ عندَ ابنِ أبي شَيْبةَ في "مصنَّفِه"، والبيهقيِّ في "سننِه" (٢) - فمرادُهم بدلك السطوحُ؛ ولذا قال في الأثرِ السابقِ: "الأذانُ في المنارةِ، والإقامةُ في المسجدِ"؛ يعني: فوقَ المسجدِ وداخِلَهُ.
والحِكْمةُ مِن الأذانِ فوقَ السطوحِ: الإسماعُ، ومع حصولِ الأجهزةِ الحديثةِ، فلا حاجةَ إلى ذلك؛ فالصعودُ ليس سُنَّةً في ذاتِه، وأمَّا صنع المآذنِ والمنارات في المساجدِ، فمستَحَبٌّ لكثرةِ الناسِ وتباعُدِهِمْ عن المساجدِ في زمنِنا، وكثرةِ ما يَمْنَعُ وصولَ الصوتِ إليهم مِن تطوُّرِ البناءِ الذي يَعْزِلُ الصوتَ، وكثرةِ الموانعِ مِن السماعِ مِن الآلاتِ والسياراتِ؛ فقد استُحبَّ صنعُ المناراتِ والمآذنِ ليتحقَّقَ المقصودُ مِن السماعِ.
* * *
قال اللهُ تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٩].
كان النبيُّ ﷺ كثيرَ النظرِ إلى السماءِ تأمُّلًا وتدبُّرًا وتفكُّرًا؛ وهذا مِن العباداتِ التي قلَّ مَن يفعلُها، وإنْ نظَرَ الناسُ إلى السماءِ، نظَرُوا إعجابًا وتَسْلِيَةً، لا تعظيمًا للخالقِ بتأمُّلِ عظيم مخلوقِه؛ فكثيرًا ما يذكُرُ اللهُ خَلْقَ السمواتِ والأرضِ أنَّه آياتٌ لأُولي الأَلبابِ؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي
стр. 119
خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، ويدلِّلُ سبحانَهُ على ربوبيَّتِهِ وألوهيَّتِهِ بخلقِهما؛ فقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١].
والنظرُ والتفكُّرُ في العظيمِ يُعطي الإنسانَ احتقارًا لما دونَهُ خَلْقًا، فيستَدِلُّ بشيءٍ على شيءٍ آخَرَ دونَهُ بقياسِ الأَوْلى؛ قال اللهُ تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]، وقال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧].
ويستدِلُّ سبحانَهُ على قدرتِهِ على التصرُّفِ في الناسِ وإفنائِهم، وإعادةِ خَلْقِهم؛ بالسمواتِ والأرضِ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩].
ويستدِلُّ على توقُّفِ الزمنِ وقيامِ الساعةِ بملكوتِ السمواتِ ودَوَرانِ الأفلاكِ والأرضِ ودَوَرانِ صورةِ الخلقِ في الأرضِ، تبتدِئُ ثمَّ تنتهي؛ وهذا كلُّه علامةٌ على قيامِ الساعةِ، فالمتحرِّكُ لا بُدَّ أنْ يسكُنَ؛ لأنَّ حركتَهُ كانتْ بعدَ سكونٍ، وسكونَهُ كان بعدَ عدم؛ قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥].
واللهُ تعالى يقدِّمُ السمواتِ على الأرضِ غالبًا؛ لأنَّ السمواتِ أعظَمُ خَلْقًا، وأظهَرُ نظرًا، وأكثرُ عِبَرًا، وقد يقدِّمُ نادرًا الأرضَ على السمواتِ؛ قال تعالى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ [طه: ٤]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٨]، وقال
стр. 120
تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [يونس: ٦١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢]، ولكنَّه ليس في سياقِ طَلَبِ التفكُّرِ والتدبُّرِ.
النَّظَرُ إلى السماءِ عبادةٌ:
ومِن المقطوعِ به: أنَّ النظرَ إلي السماءِ تفكُّرًا واعتبارًا عبادةٌ عظيمةٌ، وقد كان النبيُّ ﷺ كثيرًا ما ينظُرُ إلى السماءِ؛ ففي "صحيحِ مسلمٍ"؛ مِن حديثِ أبي موسى ﵁؛ قال: صَلَّيْنَا المَغْرِبَ مع رسولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قُلْنا: لو جلَسْنا حتى نصلِّيَ معه العشاءَ، قال: فَجلَسْنَا فخرَجَ علينا، فقال: (مَا زِلْتُمْ هَهُنَا؟ )، قُلْنا: يا رسولَ اللهِ، صَلَّيْنَا معك المَغْرِبَ، ثمَّ قُلْنا: نجلِسُ حتى نصلِّيَ معك العشاءَ، قال: (أَحْسَنْتُمْ) أو: (أَصَبْتُمْ) , قال: فرفَعَ رأسَهُ إلي السماءِ - وكان كثيرًا ما يَرْفَعُ رأسَهُ إلى السماءِ - فقال: (النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ؛ فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ، أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي؛ فَإذَا ذَهَبْتُ، أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي؛ فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي، أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ) (١).
وفي النظرِ إلي السماءِ حِكَمٌ جليلةٌ؛ منها:
أولًا: التفكُّرُ والتدبُّرُ والاعتبارُ.
ثانيًا: إظهارُ الحاجةِ والفقرِ والضعفِ، ولو لم يتكلَّمِ الإنسانُ.
ثالثًا: حسنُ الظنِّ باللهِ، وكأنَّ الإنسانَ يرقُبُ نزولَ الخيرِ ويتحيَّنُهُ؛ كمَنْ يعلو جبلًا يرقُبُ قادمًا يتوقَّعُ قدومَهُ.
ولذا كان النبيُّ ﷺ يُقلِّبُ وجهَهُ في السماءِ ينتظرُ تحويلَ القِبْلةِ، محسِنًا ظنَّه باللهِ، ومتفائِلًا بعاجلِ جوابِه.
стр. 121
رابعًا: إفرادُ اللهِ في الربوبيَّةِ والعبادةِ؛ فمدبِّرُ هذه الأفلاكِ لا يمكِنُ أنْ يكونَ الا واحدًا، فمسيِّرُ هذه الأفلاكِ ومدبِّرُها - لهذا النظامِ الدقيقِ الذي لم يختلَّ بمرورِ آلافِ السنينَ، بل بَقِيَ دونَ اضطرابٍ أو تغيُّرٍ - واحدٌ؛ ولو كان أكثَرَ مِن ذلك، لاختلَفُوا واختصَمُوا ولو في تدبيرِ شيءٍ واحدٍ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢].
خامسًا: زيادةُ الإيمانِ بمشاهَدَةِ قُدْرةِ اللهِ، وعظيمِ خَلْقِه، وإتقانِ صُنْعِه.
سادسًا: تواضُعُ الإنسانِ عندَ رؤيتِه مخلوقًا أعظَمَ منه؛ فينفي عنه خَصْلةَ الكِبْرِ، ويهذِّبُ النفسَ بمعرفةِ قَدْرِها.
سابعًا: الخوفُ مِن اللهِ؛ فكلَّما ظهرتْ قوةُ السيِّدِ، زادَ خوفُ العبدِ، وأطاعَهُ وحَذِرَ مِن معصيتِه.
ثامنًا: الاعتمادُ والاتِّكالُ عليه في تدبيرِ الشأنِ؛ فمدبِّرُ هذه الأجرامِ والأفلاكِ، ومدبِّرُ هذه المخلوقاتِ ومسيِّرُها بانتظامٍ: أقدَرُ على تدبيرِ شأنِ العبدِ.
تاسعًا: الإيمانُ بجميعِ صفاتِه وأسمائِه التي تُرَى آثارُها في هذه المخلوقاتِ؛ مِن عَظَمةٍ، وقُوَّةٍ، ورِزْقٍ، وتقديرٍ، ولُطْفٍ، وجَبَروتٍ، وكبرياءَ، وعِزَّةٍ، وانتقامٍ، وعلوٍّ؛ فالخالقُ فوقَ جميعِ المخلوقاتِ مكانًا ومكانةً.
عاشرًا: هوانُ مَن يستعظِمُ ويستعلي على اللهِ مِن متكبِّري الأرضِ مِن سلاطينَ وظَلَمَةٍ، وعدَمُ الخوفِ منهم، وهوانُ كلِّ معبودٍ يُعبَدُ مِن دونِ اللهِ في الأرضِ أو في السماءِ في عَيْنِ العبدِ عندَ تأمُّلِ عَظَمةِ اللهِ وقدرتِه.
стр. 122
وغيرُ ذلك مِن الحِكَمِ، التي لو أرادَ الإنسانُ استقصاءَها، لتعذَّر ذلك عليه.
والذي يُستفادُ مِن هذه الآيةِ: استحبابُ النظرِ إلى السماءِ عندَ الدعاءِ في غيرِ الصلاةِ، وهدا مِن السُّنَنِ المهجورةِ، وكان النبيُّ إذا دعا، نظَرَ إلى السماءِ؛ كما هو ظاهرُ الآيةِ في تقلُّبِ وجهِه في السماءِ؛ فقد روى ابنُ جريرٍ؛ مِن حديثِ ابنِ أبي جعفرٍ، عن أبيهِ، عن الربيع؛ في قولِه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾؛ يقولُ: نظَرَك في السماءِ (١).
وقيل: إنَّ النبيَّ إنَّما كان يُكثِرُ مِن تقليبِ بصرِه في السماءِ راجيًا بقلبِهِ تحويلَ القِبْلةِ وإنْ لم ينطِقْ بالدعاءِ، وهذا الفعلُ لو صدَرَ مِن العبدِ جائزٌ، ولكنْ لا دليلَ ظاهرًا على أنَّ النبيَّ ﷺ فعَلَهُ في القِبْلةِ، ورفعُ البصرِ إلي السماءِ تضرُّعًا مع لَهَجِ القلبِ، كرفعِ الأَكُفِّ تضرُّعًا مع لَهَجِ اللسانِ وحضورِ القبِ، ورفعُ البصرِ والأَكُفِّ ولَهَجُ القلبِ واللسانِ بالمناجاةِ: أكملُ أحوالِ الدعاءِ.
وقد جاء في رفعِ بصرِهِ إلى السماءِ أحاديثُ كثيرةٌ عندَ دعائِهِ وغيرِه.
وكان أصحابُهُ يَعْرِفُونَ دعاءَهُ برفعِ بصرِهِ إلي السماءِ؛ ففي "صحيحِ مسلمٍ"، عن المِقْدادِ؛ قال: أقبَلْتُ أنا وصاحبانِ لي، وقد ذهَبَتْ أسماعُنا وأبصارُنا مِن الجَهْدِ، فجَعَلْنا نَعْرِضُ أنفُسَنا على أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فليس أحدٌ منهم يَقْبَلُنا، فأتَيْنَا النبيَّ ﷺ ، فانطلَقَ بنا إلى أهلِهِ، فإذا ثلاثةُ أَعْنُزٍ، فقال النبيُّ ﷺ (احْتَلِبُوا هَذَا اللَّبَنَ بَيْنَنَا)، قال: فكنَّا نحتلِبُ فيشْرَبُ كلُّ إنسانٍ منَّا نَصِيبَهُ، ونرفعُ للنبيِّ ﷺ نَصِيبَهُ، قال: فيَجِيءُ مِن الليلِ فيُسَلِّمُ تسليمًا لا يُوقِظُ نائمًا، ويُسْمِعُ اليَقْظَانَ، قال: ثُمَّ يأتي المسجِدَ، فيُصلِّي، ثمَّ يأتي شرابَهُ فيشربُ، فأتاني الشيطانُ ذاتَ ليلةٍ وقد
стр. 123
شَرِبْتُ نصيبي، فقال: محمَّدٌ يأتي الأنصارَ فيُتْحِفُونَهُ ويُصِيبُ عندَهم، ما به حاجةٌ إلي هذه الجُرْعَةِ، فأتيتُها فشَرِبْتُها، فلمَّا أنْ وَغَلَتْ في بَطْنِي، وعَلِمْتُ أنَّه ليس إليها سبيلٌ، قال: نَدَّمَنِي الشيطانُ، فقال: وَيْحَكَ، ما صَنَعْتَ؟ أَشَرِبْتَ شرابَ محمدٍ، فيجيءُ فلا يجدُهُ فيَدْعُو عليك فتَهلِكُ فتذهَبُ دُنْيَاكَ وآخِرَتُك؟ ! وعَلَيَّ شَمْلَةٌ إذا وضَعْتُها علي قدميَّ، خرَجَ رأسي، وإذا وضَعْتُها على رأسي، خرَجَ قدماي، وجعَلَ لا يَجِيئُني النومُ، وأمَّا صاحِبايَ فنامَا، ولم يَصْنَعَا ما صنَعْتُ، قال: فجاء النبيُّ ﷺ ، فسلَّمَ كما كان يُسلِّمُ، ثمَّ أتى المسجِدَ فصلَّى، ثم أتى شرابَهُ فكَشفَ عنه، فلم يَجِدْ فيه شيئًا، فرفَعَ رأسَهُ إلي السماءِ، فقلتُ: الآن يَدْعُو عَلَيَّ فأَهْلِكُ، فقال: (اللَّهُمَّ أَطْعِمْ مَن أَطْعَمَنِي، وَأَسْقِ مَنْ أَسْقَانِي) (١).
وفي حديثِ عُقْبةَ في "سننِ أبي داود"، في رفعِ النبيِّ بصرَهُ إلى السماءِ بعدَ وُضوئِهِ؛ وفيه ضعفٌ (٢).
وفي "سننِ أبي داود"، عن الشَّعْبيِّ عن أمِّ سَلَمةَ؛ قالتْ: ما خرَجَ النبيُّ ﷺ مِن بيتي قطُّ إلا رفَعَ طَرْفَهُ إلى السماءِ، فقال: (اللَّهُمَّ، إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ) (٣).
وعندَ أبي داودَ وغيرِه، عن ابنِ عباسٍ؛ قال: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ جالسًا عندَ الرُّكْنِ، قال: فرفَعَ بصرَهُ إلي السماءِ، فضَحِكَ، فقال: (لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ - ثَلَاثًا - إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيهِمُ الشُّحُومَ، فَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا) (٤).
وعن عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ ؛ قالتْ: كان رسولُ اللهِ ﷺ وهو
стр. 124
صحيحٌ يقولُ: (إِنَّهُ لَمْ يُقبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُحَيَّا أَوْ يُخَيَّرَ)، فَلَمَّا اشْتَكَى وَحَضَرَهُ القَبْضُ، وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِ عَائِشَةَ، غُشِيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ، شَخَصَ بَصَرُهُ نَحْوَ سَقْفِ البَيْتِ، ثُمَّ قَالَ: (اللَّهُمَّ؛ فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى! ) (١)؛ رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ.
وكان ينظُرُ عندَ تدبُّرِ آيِ السمواتِ والأرضِ والاعتبارِ بهما؛ فقد روى البخاريُّ؛ مِن حديثِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ قال: بِتُّ في بيتِ مَيْمُونةَ لَيْلةً، والنبيُّ ﷺ عندَها؛ لِأَنْظُرَ كيف صلاةُ رسولِ اللهِ ﷺ بالليلِ، فتحدَّثَ رسولُ اللهِ ﷺ مع أهلِهِ ساعةً، ثمَّ رقَدَ، فلمَّا كان ثُلُثُ الليلِ الآخِرُ، أو بعضُهُ، قعَدَ فنظَرَ إلي السماءِ، فقرَأَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، إِلى قولِهِ: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] (٢).
وربَّما رفَعَ النبيُّ ﷺ بصَرَهُ إلى السماءِ، وهو يتحدَّثُ إلى أصحابِهِ ويَعِظُهم ويعلِّمُهم؛ فقد روى البخاريُّ ومسلمٌ والتِّرمِذيُّ وغيرُهم، عن عليٍّ؛ قال: بينما نحنُ مع رسولِ اللهِ ﷺ وهو ينكُتُ في الأرضِ، إذْ رفَعَ رأسَهُ إلى السَّمَاءِ، ثُمَّ قال: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إِلَّا قَدْ عُلِمَ - وقال وَكِيعٌ: إِلَّا قَدْ كُتِبَ - مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، وَمَقعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ)، قَالُوا: أَفَلَا نَتَّكِلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (لَا، اعْمَلُوا فَكُلُّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ) (٣).
ورفعُ البصرِ عندَ الأمورِ العظيمةِ مستَحَبٌّ، وعندَ نزولِ المصيبةِ ورجاءِ الإعانةِ؛ ففي ذلك إظهارُ ضعفٍ وافتقارٍ والتجاءٍ.
ورفعُ البصرِ إلى السماءِ هو سجودُ العَيْنِ؛ لأنَّ مَدَّ البصرِ بصورةِ التعظيمِ لِمَا دُونَ اللهِ يُورِثُ هَيْبةً في القَلْبِ للمخلوقِ وتعظيمًا له ورجاءً
стр. 125
لما عندَهُ؛ وهذا قبَسٌ مِن العبوديَّةِ لا يكادُ يَسْلَمُ منه أحدٌ؛ ولذا خَفَّفَ اللهُ فيه؛ لمشقةِ الاحترازِ منه، وأمَرَ بالاحترازِ منه الكُمَّلَ مِن العِبَادِ كالأنبياءِ؛ ولذا قال اللهُ لنبيِّهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَي مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [الحجر: ٨٧، ٨٨]، فأمَرَهُ بإطلاقِ الفِكْرِ والعَيْنِ قي القرآنِ؛ لأنَّ مَدَّ البصرِ يُورِث تعظيمًا للمنظورِ، حتى يصلَ بالإنسانِ إلي الافتتانِ به والعبوديَّةِ له: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١].
ولذا يُسمَّى اللاهي بالدِّينارِ والدرهم عن حدودِ اللهِ: عَبْدًا له، وفي الحديثِ: "تَعِسَ عبدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ" (١).
وروى ابنُ أبي شَيْبةَ، وأبو نُعَيْمٍ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ؛ قال: كان أبي إذا رأي شيئًا مِن أمرِ الدُّنيا يُعجِبُهُ، قال: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ (٢).
وإدامةُ النظرِ إلي الشيءِ تَنسِجُ خيوطًا تقيِّدُ القلبَ وتعلِّقُه به، حتى يُكبَّلَ القلبُ ويُصبِحَ أسيرًا لما يَرَى، ويَظُنُّ أنَّه حُرٌّ طليقٌ!
وإنَّما نَهى اللهُ نبيَّه عن "مَدِّ العَيْنِ"، ولم ينهَ عن النظرِ؛ لأنَّ المدَّ هو إطالةُ التأمُّلِ، والنهيُ عن أصلِ النظرِ يُنافي الحِكْمةَ مِن خَلْقِ العَيْنِ والإبصارِ؛ فالأرضُ مليئةٌ بالنِّعَمِ والأرزاقِ الممنوحةِ للخَلْقِ، فمنعُ النظرِ لها ابتداءً لا يُناسِبُ حِكْمةَ خَلْقِ البصرِ.
ورُوِيَ عن إبراهيمَ الخليلِ رَفْعُ بصرِهِ إلي السماءِ عندَ ضربِ أصنامِ قومِهِ؛ روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن الحَسَنِ؛ قال: خرَجَ قومُ إبراهيمَ ﵇ إلي عِيدٍ لهم، وأرادُوا إبراهيمَ ﵇ على الخروجِ، فاضطجَعَ على ظهرِهِ،
стр. 126
فقال: إنِّي سقيمٌ لا أستطيعُ الخروجَ، وجعَلَ ينظُرُ إلى السماءِ، فلمَّا خرَجُوا، أقبَلَ علي آلهتِهِمْ فكسَّرَها (١).
ونظرُهُ إلي السماءِ توكُّلٌ وافتقارٌ، وطلبُ إعانةٍ وكفايةٍ.
وقد ذكَرَ اللهُ في هذه الآيةِ: أنَّ سببَ تغييرِ القِبلةِ لنبيِّهِ تقلُّبُ وجهِهِ في السماءِ، وخصَّ اللهُ نبيَّه بأمرِ الاستقبالِ؛ بقولِه تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ إكرامًا له، ثمَّ عمَّمَ الخطابَ للأمَّةِ، وإنْ كانتْ داخلةً في أمرِهِ تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
ولم تتحوَّلِ القِبْلةُ إلا مع طولِ سؤالٍ وتضرُّعٍ وطولِ نَظَرٍ في السماءِ؛ ولذا قال تعالى: ﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾؛ يعني: رَفْعَهُ وإدارتَهُ مراتٍ ومراتٍ.
تكرارُ الدعاءِ والإلحاحُ به:
وفي هذا: مشروعيةُ تَكْرارِ السؤالِ والإلحاحِ بالدعاءِ، وعدمُ اليأسِ من الإجابةِ، فإذا كان هذا لنبيِّ، فكيف لغيرِه؟ ! فللَّهِ حِكَمٌ وغاياتٌ محمودةٌ بتأجيلِ إجابةِ دعوةِ عبدِه، منها ما يختصُّ بالأمرِ الذي دعا بتحقيقِه؛ فاللهُ يختارُ لعبدِهِ عندَ الإجابةِ أصلَحَ الزمنِ لا أسرعَهُ، ومنها ما يتعلَّقُ بالعبدِ نفسِه؛ فالدعاءُ عظيمٌ وعبادةٌ جليلةٌ، وربَّما احتاجَ إلى التضرُّعِ؛ لِيَعْظُمَ أَجْرُه، ويزولَ كِبْرُه، وتُنَقَّى نفسُه، وتتهذَّبَ سريرتُه بطولِ الانكسارِ؛ فيتحقَّقُ له بذلك أمورٌ عظيمةٌ وهو يُريدُ أمرًا واحدًا، وربَّما كان ذلك سببًا لتعجيلِ خيرٍ آخَرَ يَدْعُو به بنفسٍ مُقْبِلةٍ هذَّبَها دعاؤُها السابقُ.
روى ابنُ جريرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ؛ في قولِه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾؛ قال: كان ﷺ يُقلِّبُ وجهَهُ في السماءِ، يُحِبُّ أنْ
стр. 127
يَصْرِفَهُ اللهُ إلى الكَعْبةِ، حتى صرَفَهُ اللهُ إليها (١).
وفي قولِه: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾: إشارةٌ إلي أنَّ النبيَّ ﷺ امتثَلَ أمرَ اللهِ، مع أنَّ نَفْسَ النبيِّ تُحِبُّ التوجُّهَ إلي المسجدِ الحرامِ أكثَرَ، وأنَّ رَغْبةَ النفسِ وإنْ كانتْ مِن نبيٍّ ينبَغي ألَّا تصيِّرَه إلى خلافِ ما يريدُهُ اللهُ، وأنَّ التفاضُلَ بينَ الأعمالِ يحكُمُهُ اللهُ وليس النفوسَ، وكثيرًا ما تميلُ النفسُ إلي قولٍ فتلتقِطُ له مؤيِّداتٍ من الدلائلِ والقرائنِ حتى تثقُلَ كِفَّتُه، ولو مالتْ إلي غيرِهِ، لَفَعَلَتْ مِثلَ ذلك، وهكذا يدورُ الدِّينُ والرأيُ في فلَكِ الهَوَى ولا يشعرُ الإنسانُ بذلك.
وقولُهُ تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾: إشارةٌ إلى وجوبِ استقبالِ الجميعِ للقِبْلةِ؛ الإمامِ والمأمومِ والمنفرِدِ، قائمًا وقاعدًا وعلي جنبٍ, حسَبَ الاستطاعةِ والطاقةِ، ويخرُجُ من ذلك النافلةُ في السفرِ؛ لفعلِه ﵊.
فيجبُ علي المأمومِ أنْ يستقبِلَ عَيْنَ القِبْلةِ مع الإمامِ عندَ رؤيتِها، ويجبُ علي الجميعِ استقبالُ الجهةِ عندَ البُعْدِ عنها.
وقولُه: ﴿شَطْرَهُ﴾؛ يعني: نحوَهُ وجِهَتَهُ؛ ثبَتَ هذا عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ (٢)، وابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ (٣)؛ رواهُ ابنُ جريرٍ عنهم، وعن آخَرِين (٤).
وإنَّما كان النبيُّ يُحِبُّ استقبالَ المسجِدِ الحرامِ؛ لأنَّ اليهودَ فَرِحُوا باستقبالِ النبي لقِبْلَتِهم وَيعْجَبُونَ مِن استقبالِهِ لها، مع أنَّه يُخالِفُهم؛ رُوِيَ هذا عن ابنِ عباسٍ (٥)، ومجاهدٍ (٦)، وغيرِهما؛ ولذا
стр. 128
قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.
* * *
قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨].
الصَّفَا والمَرْوةُ جَبَلانِ متقابِلانِ شرقيَّ الكَعْبةِ، وعلى طرَفَيِ البابِ.
والصَّفَا: جمعُ "صَفَاةٍ"، وهي: الصخرةُ المَلْساءُ (١).
والمَرْوةُ: الحَصَاةُ الصغيرةُ (٢).
والشعائرُ: المعالمُ الظاهِرةُ البارِرةُ؛ ولذا يسمَّى الشِّعَارُ شِعارًا؛ لكونِهِ علامةً ورايةً لِمَا يُرادُ إظهارُه.
وقيل: إنَّ المرادَ بالشعائرِ: الأخبارُ؛ مِنْ "أشعَرَ فلانٌ بكذا: إذا أخبَرَ به"؛ يعني: مِن أخبارِ اللهِ التي بَيَّنَها وفَصَّلها لكم؛ ثبَتَ هذا عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ؛ قال: مِن الخَبرِ الذي أخبَرَكُم عنه؛ رواهُ ابنُ جريرٍ، وسندُه صحيحٌ (٣).
وقولُهُ: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾:
الحجُّ: القصدُ، وكلُّ قاصدٍ للبيتِ حاجٌّ، وغلَبَ هذا الاصطلاحُ علي قاصدِ المسجدِ الحرامِ، وغلَبَ أيضًا على نُسُكِ الحجِّ, لا العمرةِ، وربَّما أطلَقَهُ بعضُ السلفِ علي العُمْرةِ؛ كما جاء عن ابنِ عُمَرَ أنَّه ذكَرَ
стр. 129
عمرةَ الحُدَيْبِيَةِ، وقال: "حجَّ النبيُّ البيتَ" (١)؛ يعني: قصَدَه متعبِّدًا بعمرةٍ، وبالإجماعِ: أنَّ النبيَّ أراد العمرةَ، ولم يكنِ الحجُّ فُرِضَ ذلك العامَ.
وإنَّما سُمِّيَ الذَّهابُ إلي البيتِ حجًّا؛ لأنَّه يتكرَّرُ كلَّ عامٍ للحجِّ، ودومًا في العمرةِ لمَنْ أراد، والحاجُّ: هو الذي يكرِّرُ الذَّهابَ والمجيءَ إلى شيءٍ يريدُهُ.
قال المُخَبَّلُ السَّعْدِيُّ:
وَأشْهَدَ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً … يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ المُزَعْفَرَا (٢)
أيْ: يَقْصِدُونَهُ دومًا لسيادتِه ورياستِهِ.
والعُمْرةُ: الزيارةُ.
السعي بين الصفا والمروة في الجاهلية:
وإنَّما قال اللهُ تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾؛ لأنَّ الناسَ في الحاهليَّةِ نصَبُوا صنمَيْنِ على الصَّفَا والمَرْوةِ، ثمَّ دخَلَ مَن دخَلَ الإسلامَ، وكان يطوفُ بينَ الصَّفا والمروةِ مشركًا مِن قبلُ، فوجَدُوا حرَجًا مِن ذلك، لمَّا قَدِمَ بهم النبيُّ ﷺ في عمرةِ القضاءِ؛ فأنزَلَ اللهُ هذه الآيةَ؛ نفيًا للحَرَجِ، والترخيصُ بعدَ الحظرِ: لرفعِ الحظرِ وإبطالِهِ، لا للتشريعِ، فمحلُّه دفعُ الحرجِ والإثمِ لا غيرُ.
روى ابنُ جريرٍ، عن داودَ، عن الشَّعْبيِّ؛ أنَّ وَثَنًا كان في الجاهليَّةِ على الصَّفَا يُسمَّى "إِسَافًا"، ووَثَنًا على المروةِ يسمَّى "نائِلةَ"، فكان أهلُ الجاهليَّةِ إذا طافُوا بالبيتِ، مَسَحُوا الوثَنَيْنِ، فلمَّا جاء الإسلامُ، وكُسِرَتِ الأوثانُ، قال المسلِمونَ: إنَّ الصَّفَا والمَرْوةَ إنَّما كان يُطافُ بهما مِن
стр. 130
أجلِ الوَثَنَيْنِ، وليس الطوافُ بهما مِن الشعائرِ! قال: فأنزَلَ اللهُ: إنَّهما مِن الشعائرِ: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (١).
الأمرُ بعد الحظْر:
والألفاظُ بعدَ الحظرِ أو الاستثناءِ مِن المنعِ تأتي بصيغةِ الترخيصِ والإذنِ، ويُؤخَذُ الحكمُ علي الحالِ بعدَ رفعِ الحظرِ مِن دليلٍ آخَرَ؛ كما لو قلتَ لِمَنْ خَشِيَ الموتَ جوعًا: "لا بأسَ عليك أنْ تأكُلَ المَيْتةَ"، وأنت تريدُ رفعَ الحظرِ، وإلا فالأكلُ منها لإبقاءِ الحياةِ واجِبٌ؛ ولذا قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣].
والمعنى مِن الآيةِ أنَّ الحرَجَ الذي في نفوسِكم يَجِبُ أنْ يُرفَعَ، والإثمَ يجبُ أنْ يزولَ بزوالِ سَبَبِه، وأنَّ اللهَ جعَلَ حُكْمًا جديدًا لهذه الشعيرةِ، أحْيَا به ما بدَّلَه الجاهليُّونَ مِن وضعِ الأوثانِ عليهما، وأعادَ الشعيرةَ، كما كانتْ زمنَ إبراهيمَ الخليلِ ومَن بعدَهُ مِن الأنبياءِ.
روى البخاريُّ ومسلمٌ؛ مِن حديثِ عاصمٍ الأحولِ؛ قال: قلتُ لأنسِ بنِ مالكٍ ﵁: أكنتُمْ تَكْرَهُونَ السعيَ بينَ الصَّفَا والمَرْوةِ؟ قال: نَعَمْ؛ لأنَّها كانتْ مِن شعائرِ الجاهليةِ، حتى أنزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٢).
وروى ابنُ جريرٍ، عن عليِّ بن أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ؛ قولَهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾: وذلك أنَّ ناسًا كانوا يتحرَّجونَ أنْ
стр. 131
يَطوفُوا بينَ الصَّفَا والمَرْوةِ، فأخبَرَ اللهُ أنَّهما مِن شعائرِهِ، والطوافَ بينَهما أَحَبُّ إليه، فمضَتِ السُّنَّةُ بالطَّوَافِ بينَهما (١).
وفي صحيحِ البخاريِّ ومسلمٍ، وغيرِهما، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيْرِ؛ قال: سألتُ عائشةَ ﵂، فقلتُ لها: أرأيتِ قولَ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، فواللهِ ما على أحدٍ جُناحٌ ألَّا يَطُوفَ بالصَّفَا والمَرْوةِ! قالتْ: بئسَ ما قلتَ يا ابنَ أختي، إنَّ هذه لو كانتْ كما أَوَّلْتَها عليه، كانتْ: لا جُناحَ عليه ألَّا يتطوَّفَ بهما، ولكنَّها أُنزِلَتْ في الأنصارِ، كانوا قبلَ أنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطاغيةِ التي كانوا يَعْبُدُونَها عندَ المُشَلَّلِ، فكان مَن أهَلَّ يتحرَّجُ أنْ يطُوفَ بالصَّفَا والمَرْوةِ، فلمَّا أَسْلَمُوا، سألوا رسولَ اللهِ ﷺ عن ذلك، قالوا: يا رسولَ اللهِ، إنَّا كنَّا نتحرَّجُ أنْ نطوفَ بينَ الصَّفا والمَرْوةِ، فأنزَلَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآيةَ؛ قالتْ عائشةُ ﵂: وقد سَنَّ رسولُ اللهِ ﷺ الطوافَ بَيْنَهما، فليس لأحدٍ أنْ يترُكَ الطوافَ بينَهما (٢).
وقولُه في الآيةِ: ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ فسَّرَهُ غيرُ واحدٍ بـ "لا إِثْمَ"؛ قاله السُّدِّيُّ وغيرُه (٣).
والمعنى الظاهرُ للآيةِ لمَنْ لا يعلمُ الحالَ قبلَ التشريعِ؛ يعني: لا حرَجَ ولا إثمَ لمَن فعَلَ ذلك، وغايةُ ذلك: الإباحةُ أو الاستحبابُ، وهذا غيرُ مرادٍ؛ لما تقدَّم.
حكمُ السعي بين الصفا والمروةِ:
وقد اختَلَفَ العلماءُ في حكمِ السعيِ بينَ الصَّفَا والمَرْوةِ على ثلاثةِ أقوالٍ، وهي ثلاثُ رواياتٍ في مذهبِ أحمدَ:
стр. 132
القولُ الأولُ: قالوا: إنَّه رُكْنٌ، وعدمُ صحةِ الحجِّ والعمرةِ إلا بالسعيِ؛ وهو ظاهرُ قولِ عائشةَ، وقولُ جمهورِ الفقهاءِ مِن المالكيَّةِ والشافعيَّةِ والحنابلةِ، وهو قولُ الشافعيِّ وابنِ جريرٍ (١).
واحتجُّوا بالآيةِ، وأنَّ كَوْنَها مِن شعائرِ اللهِ عَلَامةٌ علي رُكْنِيَّتِها.
والتحقيقُ: أنَّ كونَ الشيءِ شعيرةً لا يلزَمُ منه كونُهُ رُكْنًا؛ فاللهُ سمَّى البُدْنَ مِن الشعائرِ، ولا يقولُ أحدٌ مِن السلفِ برُكْنِيَّتِها: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦] , ولم يكُنِ السلفُ يَجْعَلونَ كلَّ شعيرةٍ مِن شعائرِ اللهِ وُصِفَتْ بذلك ركنًا لا يصحُّ العملُ إلا بها.
روى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن داودَ بنِ أبي هِنْدٍ، عن محمَّدِ بنِ أبي موسى؛ قال في قولِه: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، قال: "الوقوفُ بعَرَفةَ مِن شعائرِ اللهِ، وجَمْعٌ مِن شعائرِ اللهِ، والبُدْنُ مِن شعائرِ اللهِ، والحَلْقُ مِن شعائرِ الله، والرميُ مِن شعائرِ اللهِ؛ فَمَنْ يُعظِّمْها، فإنَّها من تَقْوَى القلوبِ" (٢).
وهذه سَمَّوْها كلَّها مِن شعائرِ اللهِ، وتختلفُ حُكمًا بينَ رُكْنٍ وواجبٍ.
وروى مسلمٌ في "صحيحِه"، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ؛ قال: قلتُ لها: إنِّي لَأَظُنُّ رجلًا لو لم يَطُفْ بينَ الصَّفَا والمَرْوةِ ما ضَرَّهُ، قالتْ: لِمَ؟ قلتُ: لأنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ. . .﴾، فقالتْ: "ما أَتَمَّ اللهُ حجَّ امرئٍ ولا عُمْرَتَهُ لم يَطُفْ بينَ الصَّفا والمَرْوةِ، ولو كان كما تقولُ، لكان: فلا جُنَاحَ عليه ألَّا يطَّوَّفَ بهما" (٣).
стр. 133
وفي "صحيحِ مسلمٍ": قال رسولُ اللهِ ﷺ لعائشةَ: (يُجْزِئُ عَنْكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، عَنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ) (١).
وفي "الصحيحَيْنِ"؛ من حديثِ أبي موسى؛ قال: قَدِمْتُ على رسولِ اللهِ ﷺ وهو بالبَطْحَاءِ، فَقَالَ: (أَحَجَجْتَ؟ )، قلتُ: نَعَمْ، قَالَ: (بِمَا أهْلَلْتَ؟ )، قلتُ: لَبَّيْكَ بإهلالٍ كإهلالِ النبيِّ ﷺ قال: (أَحْسَنْتَ، انْطَلِقْ، فَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ) (٢).
وروى الترمذيُّ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (مَنْ أَحْرَمَ بِالحَجِّ وَالعُمْرَةِ، أَجْزَأَهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ) (٣).
وروى ابن جريرٍ، عن الربيعِ بنِ سُلَيْمانَ، عن الشافعيِّ؛ قال: "عَلَى مَنْ تَرَكَ السعيَ ببنَ الصَّفَا والمَرْوةِ حتى رجَعَ إلي بلدِه، العودُ إلى مكةَ حتى يَطوفَ بينَهما؛ لا يُجْزِيهِ غيرُ ذلك" (٤).
وزعَمَ ابنُ العربيِّ الإجماعَ علي رُكْنِيَّتِهِ في العمرةِ فحسْبُ، وأنَّ الحجَّ فيه خلافٌ.
وفي حكايتِه الإجماعَ في العمرةِ نظرٌ (٥).
القولُ الثاني: قالوا: إنَّه واجبٌ يُجبَرُ بدمٍ؛ وهو قولُ سُفْيانَ الثَّوْريِّ وأبي حنيفةَ وصاحبَيْهِ (٦).
وترجَمَ البخاريُّ في "صحيحِه": "بابُ وجوبِ الصَّفَا والمَرْوةِ، وجُعِلَ مِن شعائرِ اللهِ" (٧).
стр. 134
وقال بالوجوبِ ابنُ المُنذِرِ (١).
وقد روى أحمدُ؛ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ المؤمَّلِ، عن عمرَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن عطاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ، عن صَفِيَّةَ بنتِ شَيْبةَ، عن حَبِيبةَ بنتِ أبي تُجْرَاةَ؛ قالتْ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (اسْعَوْا؛ فَإِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ) (٢)، وعبدُ اللهِ بن المؤمَّلِ لا يُحتَجُّ به (٣).
وللحديثِ وجوهٌ أُخرى لا تَخلُو مِن مقالٍ.
وجوَّدَ إسنادَهُ غيرُ واحدٍ؛ كالشافعيِّ وأبي نُعَيْمٍ، كما نقلَهُ ابنُ عبدِ البرِّ في الاستذكارِ (٤).
واستدلالُهُمْ بقولِه ﷺ : (لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ) فيه نظرٌ؛ وذلك أنَّ المرادَ بالأخذِ في الحديثِ هو الاقتصارُ بأخذِ التشريعِ عنه لا عن غيرِه؛ لأنَّ بقايا أعمالِ الجاهليَّةِ في المناسكِ كانت ما زالَتْ حاضرةً في أذهانِ المسلِمينَ، ومِن ذلك حرَجُهُمْ مِن الصَّفَا والمَرْوَةِ، وخَشْيةَ أنْ يكونَ هناك مَن يعملُ بحُسْنِ قصدٍ بما بقِي لدَيْهِ مِن عملِ الجاهليةِ في النُّسُكِ؛ فالعربُ بدَّلوا أعمالَ الحجِّ.
ويُؤيِّدُ هذا المعنى أنَّا لو حَمَلْنا قولَهُ: (لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ) على الوجوبِ، لَلَزِمَ أنْ نقولَ بوجوبِ أعمالٍ وأقوالٍ ليستْ واجبةً؛ كتقبيلِ الحَجَرِ، والرَّمَلِ، والاضطباعِ، والذِّكْرِ بينَ اليمانِيَيْنِ، واستلامِ الركنِ اليماني، والشربِ مِن زمزمَ، والدعاءِ على الصَّفَا، ورفعِ اليدَيْنِ فيه، والشدِّ بينَ العلَمَيْنِ، والتكبيرِ عندَ رميِ الجمارِ، والتطيُّبِ عندَ الإحرامِ،
стр. 135
والدعاءِ في عَرَفةَ، والجمعِ فيها تقديمًا، وفي مزدلِفةَ تأخيرًا، وغيِرِ ذلك، وأكثرُ أعمالِ الحجِّ وأقوالِه سُنَنٌ، والأمرُ إذا جاء عامًّا ينبَغي أنْ يكونَ غالبًا ليتحقَّقَ عمومُ معناه.
ثمَّ إنَّ الأخذَ في الوحيِ يُرادُ به أخذُ التشريعِ؛ كما في "الصحيحِ" في حدِّ الزِّنَى؛ مِن حديثِ عُبَادةَ بنِ الصامتِ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا: الْبكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ وَالرَّجْمُ) (١)؛ وهذا الحديثُ رفعٌ لحكمِ الآيةِ ببيانِ إبدالِ تشريعٍ بتشريعٍ جديدٍ في قولِه تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥].
ومِن ذلك: ما جاء في "الصحيحينِ"، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ - فَبَدَأَ بِهِ - وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ) (٢).
يعني: يُقدَّمونَ علي غيرِهم بالأخذِ، لا أنَّ كلَّ الأخدِ عنهم واجبٌ في ذاتِه.
وبعضُ الفقهاءِ الذين يقولونَ بوجوبِ السعيِ يُقيِّدونَهُ بالذاكرِ، وعلى المتعمِّدِ للتركِ دمٌ، وأمَّا الناسي والجاهلُ، فلا شيءَ عليهما؛ وهذا قولُ الثوريِّ، وقولٌ لعطاءٍ (٣).
والحنفيَّةُ يُوجِبونَ أكثرَ السعيِ، وهو أربعةٌ، ويَعذِرونَ التارِكَ لباقِيهِ (٤).
стр. 136
القولُ الثالثُ: أنَّ السعيَ سُنَّةٌ؛ صحَّ هذا عن ابنِ عباسٍ، وأنسٍ، وابنِ الزبيرِ، وعطاءِ بنِ أبي رباحٍ، ومجاهدٍ (١).
وجاء في مصحفِ ابنِ مسعودٍ: "أَلَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا"، ولابنِ مسعودٍ قراءاتٌ في التفسيرِ هي مِن فقهِهِ ورأيِه، ولو كانتِ القراءةُ في مصطلحِ الأئمةِ قراءةً شاذَّةً؛ يعني: أنَّها لا تثبُتُ متواتِرةً عن غيرِه، فهذا لا يُخرِجُها عن كونِها فِقْهًا له.
ونفيُ عائشةَ لِلَفْظِ ما ورَدَ في قراءةِ ابن مسعودٍ هو نفيُ أنْ يكونَ مِن المصحفِ قرآنًا يُتْلَى.
روى ابنُ جريرٍ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ؛ أنَّه كان يقرأُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآيةَ: "فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَلَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا" (٢).
ورواهُ ابنُ جريرٍ وغيرُهُ، من طرقٍ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن أنسٍ؛ قال: "هما تطوعٌ" (٣).
وروى ابنُ جريرٍ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾؛ قال: "فلم يُحرِجْ مَن لم يَطُفْ بهما" (٤).
روى ابنُ جَريرٍ، عن ابنِ جُرَيْجٍ؛ قال: قال عطاءٌ: لو أنَّ حاجًّا أفاضَ بعدَما رمَى جَمْرةَ العَقَبةِ، فطافَ بالبيتِ، ولم يَسْعَ، فأصابَها - يعني: امرأتَهُ - لم يكنْ عليه شيءٌ، لا حَجٌّ ولا عُمْرةٌ؛ مِن أجلِ قولِ اللهِ في مصحفِ ابنِ مسعودٍ: "فمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَلَّا
стр. 137
يَطَّوَّفَ بِهِمَا"، فعاودتُّهُ بعدَ ذلك، فقلتُ: إنَّه قد ترَكَ سُنَّةَ النبيِّ ﷺ ، قال: ألا تسمعُهُ يقولُ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٤]؟ فأَبَى أن يجعَلَ عليه شيئًا (١).
وقراءةُ: "فلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَلَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا"، حمَلَها بعضُ الأئمةِ على أنَّ "لَا" التي بعدَ "أَنْ" صِلَةٌ في الكلامِ، حيثُ سبَقَها جَحْدٌ في الكلامِ، وهو قولُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾؛ وذلك كقولِهِ تعالى ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، والمرادُ: ما منَعَك أنْ تسجُدَ.
قال جَرِيرٌ:
مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللهِ فِعْلَهُمَا … والطَّيِّبَانِ أَبُو بَكْرٍ وَلا عُمَرُ
قاله ابنُ جريرٍ الطَّبَريُّ (٢).
وقولُ اللهِ تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾؛ المرادُ: التطوُّعُ بينَهما في الحجِّ والعمرةِ، وليس المرادُ السعيَ تطوُّعًا؛ كما يتطوَّعُ الطائفُ بلا نُسُكٍ؛ فإنَّ التطوُّعَ بدعةٌ في قولِ الجماهيرِ.
قراءةُ الآية عند بَدْءِ السعي:
والنبيُّ ﷺ تلا هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، عندَ صعودِه على الصَّفا، وتلاوتُها ليستْ مِن النُّسُكِ؛ وإنَّما للاستِدلالِ بها علي البَدَاءَةِ بالصَّفَا، ولو تلاها الإنسانُ كذلك، فلا بأسَ؛ على هذا المعنى؛ وهي كقولهِ في حديثِ جابرٍ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] عندَ المَقَامِ (٣)؛ فهما في سياقٍ واحدٍ؛ رواهُ مسلمٌ وغيرُهُ.
البدءُ بالصفا عندَ السعي:
وإنَّما بدَأَ النبيُّ بالصَّفا؛ لبَداءةِ القرآنِ بها؛ كما في حديثِ جابرٍ
стр. 138
في "الصحيحِ" (١).
وهذا يدلُّ علي أنَّ تقديمَ القرآنِ وتأخيرَهُ له مقاصدُ، وحكَى بعضُ العلماءِ: أنَّ حروفَ العطفِ تُوجِبُ الترتيبَ إلا الواوَ؛ فقد وقَعَ فيها الخلافُ، وألحقَها غيرُ واحدٍ بأخواتِها، ولكنْ قد يُشكِلُ على هذا بعضُ مواضعِ العطفِ بالواوِ في القرآنِ؛ كقولِه تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، إلا إنْ قيل: إنَّ الركوعَ في شريعتِهم يكونُ بعدَ السجودِ.
والأظهرُ: أنَّ العطفَ في القرآنِ له مقصدُ الترتيبِ، ولكنْ يُختلَفُ في الترتيبِ بحسَبِ موضعِهِ وبحسَبِ دَلَالةِ النصوصِ الأُخرى مِن الكتابِ والسُّنَّةِ على الوجوب أو الاستحباب وإلا فأصلُهُ معتبَرٌ علي الترتيب؛ كما في قولِه: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]؛ فقد أجمَعوا على أنَّ السجودَ بعدَ الركوعِ، وكما في عطفِ أعضاءِ الوضوءِ في آيةِ الوضوءِ.
وقد بدَأَ النبيُّ ﷺ بالصَّفَا أيضًا؛ لكونِها عن يمينِه، ولأنَّها أقربُ من المَرْوةِ، والبداءةُ منها واجبةٌ عندَ جمهورِ الفقهاءِ: مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ، وجزَمَ به التِّرمِذيُّ فيِ "سننِه"، وهو إجماعُ عملِ الصحابةِ والتابعينَ؛ قال الشافعيُّ في "الأمِّ": "ولم أعلَمْ خلافًا أنَّه لو بدَأَ بالمَرْوةِ، ألغَى طوافًا حتى يكونَ بدؤُهُ بالصَّفَا" (٢).
وقال عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ: "سألتُ أبي عن رجلٍ بدَأَ بالمروةِ قبلَ الصَّفَا حتى ختَمَ الطوافَ؟ قال: يبتدِئُ إذا رجعَ إلى الصَّفَا، يلغي ذلك الشَّوْطَ ويستأنِفُ بسبعٍ تامٍّ مِن الصَّفا" (٣).
стр. 139
وذلك لفعلِ النبيِّ ﷺ وعدَمِ مخالفتِه له في عُمَرِهِ وحجَّتِه، وإن بدَأَ مِن المَرْوةِ، لم يَعْتَدَّ بالشوطِ الأولِ، ويحسُبُ مِن أولِ وقوفِهِ على الصَّفا.
وقال ابنُ المنذِرِ: "أجمَعَ كلُّ مَن نحفَظُ عليه مِن أهلِ العلمِ: أنَّ مَن فرَغَ مِن طوافِهِ ومِن صلاتِهِ، بدَأَ عندَ خروجِهِ مِن المسجدِ بالصَّفا، وأنَّه ختَمَ بالمَرْوةِ، وأنَّ مَن فعَل ذلك، فهو مصيبٌ للسُّنَّةِ، واختلَفُوا فيمَن بدَأَ بالمروةِ قلَ الصَّفا" (١).
وروى الطحاويُّ، عن عطاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ، قال: "مَنْ بدَأَ بالمَرْوةِ قبلَ الصَّفا، لم يضُرَّهُ ذلك" (٢).
وقال به بعضُ الفقهاءِ مِن الحنفيَّةِ، وهو روايةٌ عن أبي حنيفةَ، والحنفيَّةُ يتسامَحُونَ في الترتيبِ في العباداتِ؛ كالطوافِ والسعيِ والجمارِ (٣).
ورُوِيَ عن عطاءٍ خلافُهُ؛ رواهُ ابنُ عبدِ البرِّ في "التمهيدِ"، وابنُ المنذِرِ، ولعلَّ ترخيصَهُ إنما هو للجاهلِ والناسي، وقد رُوِيَ عنه: أنَّه قيَّدَهُ بذلك؛ روى الوجهَيْنِ عنه ابنُ عبدِ البرِّ (٤).
* * *
قال اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨].
الأصلُ في الأشياءِ الحِلُّ:
هذا خطابٌ مِن اللهِ للناسِ كافَّةً؛ لبيانِ أنَّ الأصلَ فيما أوجَدَهُ اللهُ
стр. 140
في الأرضِ مِن مأكولاتٍ: الحِلُّ، ويظهرُ العمومُ في قوله: ﴿مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ بلا تخصيصٍ أو تقييدٍ، و"مِن" في الآيةِ: لتبعيضِ المأكولِ المقدورِ على أكلِه، لا لتبعيضِ الأكلِ المباحِ كلِّه؛ فالإنسانُ لا يستطيعُ أَكْلَ كلِّ ما في الأرضِ.
والإباحةُ أُخِذَتْ مِن قولِه: ﴿كُلُوا﴾؛ لأنَّ الأمرَ لا يكونُ إلا على شيءٍ مباحٍ ومشروعٍ، ولا يأمُرُ الشارعُ بشيءٍ يخرُجُ عن هذا، ولكنَّه أكَّدَ الإباحةَ بمؤكِّداتٍ؛ منها قولُه: ﴿حَلَالًا﴾، وهو إيضاحٌ لسببِ الأمرِ بالأكلِ؛ أيْ: لكونِه حلالًا.
وزاد في بيانِ الحِلِّيَّةِ بوصفِهِ بالطيِّبِ، والطيِّبُ ما تستطيبُهُ النفوسُ المستقيمةُ المعتدِلةُ، وليس الشاذَّةَ، وبعضُ النفوسِ فد يطرَأُ عليها تبديلٌ للفِطْرةِ، وهذه غيرُ معتَبرةٍ.
ووصفُ الطيِّبِ للمأكولِ المباحِ علَمٌ يُعرَفُ به، ويُكْتَفَى به عدَ إرادةِ بيانِه؛ قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤]، وقال: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٥].
والنفوسُ بجميعِ مِلَلِها مؤمنِةً وكافِرةً، مفطورةٌ على استطابةِ الطَّيِّب واستخباثِ الخبيثِ؛ ولهذا جاء الخطابُ لبَنِي آدمَ كافَّةً: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٠]، وكلُّ أمَّةٍ يخاطِبُها اللهُ بالأكلِ يكتفِي بوصفِه بالطيِّبِ؛ قال تعالى عن بني إسرائيلَ: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧].
إلا أنَّه يطرأُ على بعضِ نفوسِ بني آدمَ تبديلٌ؛ كما يطرأُ عليها تبديلُ في معبودِها؛ كما في الحديثِ في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ؛ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ
стр. 141
تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ ! )، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا. . .﴾ [الروم: ٣٠] الآيَةَ (١).
وقد وَجَّهَ اللهُ خطابَهُ للناسِ كافَّةً بإباحةِ كلِّ ما في الأرضِ واصفًا إيَّاهُ بالطَّيِّبِ؛ لإدراكِهِمْ جميعًا لمعناهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾، والنفوسُ هي التي يقعُ منها التبديلُ؛ لهوًى أو مسخٍ؛ قال تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢].
ولاستواءِ النفوسِ في إدراكِ الطيِّبِ مِن المأكلِ؛ وَجَّهَ سبحانه الخطابَ بالصيغة نفسِها حتى للرُّسُلِ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١].
والوصفُ بالطيِّب دليلُ امتنانٍ، والامتنانُ مِن قرائنِ الإباحةِ، والقرينةُ لا يُحتاجُ إليها إلا عندَ فقْدِ النصِّ الصريحِ، ولكنَّه ذكَرَها هنا؛ إشعارًا بأنَّ الإباحةَ هنا ليستْ لمباحٍ تستوي جهاتُهُ فتوسَّطَ بين التحريمِ والوجوبِ، ولكنَّه لمباحٍ فوقَ ذلك يستوجِبُ شكرًا للهِ.
ويُؤخذ مِن هذه الآيةِ: أنَّ مِن علاماتِ ما لم يُستَثْنَ مِن أصلِ الحِلِّ: ما عرَفَتْهُ النفسُ بالطيِّبِ، ولم يُسْتخبَثْ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وإذا اختلَطَ على النفسِ معرفةُ الطيِّبِ من الخبيثِ لانتكاسةِ الفِطَرِ، فيُرجَعُ إلى عمومِ النصِّ؛ لأنَّ العمومَ هنا أقوَى؛ فمضمونُ العموم الإباحةُ، وأمَّا الاستخباثُ، فمخصِّصٌ للعمومِ، وإذا ضَعُفَ إعمالُ المخصِّصِ، بقِي اللفظُ على عمومِه.
فالإباحةُ دُلَّ عليها بالنداءِ لعمومِ الناسِ، وبقولِه: ﴿كُلُوا﴾، وبقولِه: ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾، وبالاستثناءِ مِن العامِّ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾؛
стр. 142
وذلك أنَّ الاستثناءَ يُفيدُ العمومَ للمستثنَى منه؛ لأنَّ المستثنَى عادةً يكونُ أقلَّ مِن المستثنَى منه.
فضلُ نعمةِ الأكلِ على غيرها من النِّعَمِ:
وفي الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ الأصلَ في كلِّ مسكونٍ ومطعومٍ وملبوسٍ: الحِلُّ، وإنَّما خَصَّ الأكلَ بالذِّكْرِ؛ لأنَّه أظهرُ النِّعمِ وأولُ أسبابِ البقاءِ في الأرضِ، وكلُّ نعمةٍ تأتي بعدَه، وهو أولُ المِنَنِ التي بيَّنَها اللهُ لآدمَ، فقال: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨]، وأولُ واجباتٍ على السلطانِ لرعيَّتِهِ. كفايتُهم الطعامَ، وكفايتُهم اللباسَ.
والإنسانُ لا يستطيعُ العيشَ أيَّامًا متتابعةً بلا أكلٍ، بينَما يعيشُ سِنِينَ بلا مَلْبَسٍ ولا مَسْكَنٍ ولا مَنْكَحٍ؛ ولذا يَزْهَدُ الإنسانُ بمسكنِهِ وملبسِهِ ليأكُلَ؛ دفعًا لزوالِه، فإذا جَفَّتِ الأرضُ وأجْدَبتْ، وحُبِسَ القَطْرُ، ارتَحَلَ وترَكَ دارَهُ ومسكنَهُ ليسكُنَ في بلدٍ يأكُلُ فيها ويَشْرَبُ؛ ولذا فاللهُ وصَفَ الأكلَ بالطيِّبِ في القرآنِ أكثَرَ مِن المَلْبَسِ والمسكنِ والمَنْكَحِ.
وبَيَّنَ اللهُ أنَّ الأصلَ في المأكولِ الحِلُّ؛ حتى لا تَضِيقَ نفسُهُ بالمحرَّمِ المعدودِ؛ فإنَّ عَدَّ المحرَّماتِ مِن غيرِ بيانِ الأصلِ يُدخِلُ في النفسِ التشوُّفَ إليها والتفكُّرَ فيها؛ حتى ينشغِلَ الإنسانُ بها فيَطْمَعَ في أكلِها؛ كما كان ذلك من آدَمَ ﵇: أُحِلَّت له الجنةُ كلُّها شجرًا ونهرًا ولحمًا إلا شَجَرةً واحدةً، فأكثَرَ عليه الشيطانُ التفكُّرَ فيها؛ حتى تشوَّفَتِ النفسُ فأكَلَ، فضاقتْ على آدمَ الجنةُ مع سَعَتِها، واتَّسعَتِ الشجرةُ مع ضِيقِها؛ فكيف، بإبليسَ في دنيا ضيقةٍ، ومحرَّماتٍ عِدَّةٍ؟ !
وإذا كانت نعمةُ الأكلِ هي أعظمَ نِعَمِ البقاءِ للإنسانِ، والأصلُ فيها الحِلَّ، فمِن بابِ أَولى ما كان دُونَها مِن ملبسٍ ومسكنٍ، إلا ما خَصَّهُ الدليلُ بتحريمٍ؛ لعِظَمِ الوقوعِ فيه بلا استباحةٍ؛ كالمَنْكَحِ.
стр. 143
الأصلُ في النكاحِ الحِلُّ:
وقد يُقالُ: إنَّ الأصلَ في النكاحِ: الحِلُّ عندَ توافُرِ شروطِه وانتفاءِ موانعِه؛ فالمحرَّماتُ على التأبيدِ على الإنسانِ قليلةٌ، والمباحاتُ له على الدوامِ أكثرُ، ولكنَّ الشريعةَ ضبَطَتِ الإباحةَ وقيَّدتْها؛ ولذا قال اللهُ تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، فأطلَقَ الحِلَّ ووصَفَهُ بالطيِّبِ، ثمَّ بَيَّنَ قيودَهُ.
وكما أنَّ اللهَ أباحَ للإنسانِ لحمَ الحيوانِ، وقيَّدَ إباحتَهُ بأنْ يكونَ ذُبِحَ للهِ لا لغيرِه، كذلك النكاحُ الأصلُ فيه الحِلُّ، ويُشترَطُ أن يكونَ على حُكْمِ اللهِ وشروطِهِ التي وضَعَ، وكذلك فيجوزُ له وَطْءُ الإماءِ بلا عددٍ وحصرٍ.
هذا وجهٌ لمَن قال: "إنَّ الأصلَ في الفُرُوجِ الإباحةُ".
والأشهرُ القولُ بالتحريمِ؛ لأنَّ ما خصَّصه الشارع له أقلُّ ممَّا منَعَهُ منه، فقيَّدَ له الجمْعَ بأربعةِ شروطٍ، ومنَعَه من الزيادةِ.
وذكَرَ جماعةٌ مِن الفقهاءِ مِن المالكيَّةِ والشافعيَّةِ وغيرِهم: أنَّ الأصلَ في الحَيَوانِ التحريمُ؛ قالوا: لأنَّه لا يَحِلُّ إلا بالذَّكَاةِ والصيدِ، ويَضبِطونَ القاعدةَ بقولِهم: "الأصلُ في الذبائحِ والصيدِ: التحريمُ"؛ وهذا صحيحٌ، ولكنَّ ذَبْحَهُ وصيدَهُ لا يُخرِجُهُ عن أصلِ إباحتِه.
والأصلُ المتقرِّرُ عندَ الشافعيِّ: حِلُّ الأشياءِ، إلا ما فُصِّلَ تحريمُهُ بدليلٍ.
وإنَّما ذكرَ اللهُ الأرضَ؛ لدخولِ جميعِ أجزائِها فيها؛ كالبحرِ والنهرِ والبَرِّ، سهلًا وجبلًا؛ فالأرضُ اسمٌ لعمومِ ما كان تحتَ قدمِ الإنسانِ.
стр. 144
سَعَةُ الحلالِ، وضيقُ الحرامِ:
ونهيُهُ سبحانَهُ عن اتِّباعِ خطواتِ الشيطانِ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: إشارةٌ إلى أنَّ هناك محرَّماتٍ مستثناةً مِن الأصلِ المباحِ، ولكنَّها يسيرةٌ، فوصَفَها بالخطواتِ مِن سَعَةِ الأرضِ؛ فاللهُ سبحانه أباح الأرضَ بأميالِها سهولًا وجبالًا، وبحارًا وأنهارًا، وحَرَّمَ خطواتٍ يسيرةً للشيطانِ، وإذا انشغَلَ عقلُ الإنسادِ بخطواتِ الشيطانِ، أحبَّها ورأَى أنَّها تعادِلُ سَعةَ الأرضِ، وأنَّ حريَّتَهُ سُلِبَتْ.
وكثيرٌ مِن المنشغلينَ بمبادئِ الحرياتِ في عصرِنا يُدِيمُ النظرَ في الممنوعِ الضيِّقِ، ويعطِّلُ نظرَهُ عن المباحِ الواسعِ؛ فيَرَى أنَّ الممنوعَ أعظمُ وأوسعُ، فيَرَى أنَّه سُلِبَ حريةَ الاختيارِ، واللهُ أحَلَّ الأرضَ كلَّها، وحرَّمَ خطواتِ يسيرةً منها، والحريةُ أنْ تعيشَ في سَعَةِ الأرضِ، لا في ضِيقِ الخطواتِ، ومَن عاش في ضِيقِ خطواتِ الشيطانِ، فإنَّه لا يُبصِرُ أنَّ الشيطانَ سلَبَهُ حريتَهُ مِن الأرضِ الواسعةِ؛ ليُقَيِّدَ عيشَهُ في خطواتٍ منها.
واللهُ تعالى وصَفَ الشيطانَ بالعداوةِ للإنسانِ، والعداوةُ للإنسانِ على مراتبَ؛ أعلاها وأَبْيَنُها وضوحًا: العداوةُ التي لا ينتفعُ منها المعتدِي، وإنَّما يفعلُها كيدًا ومَكْرًا بالعدوِّ، وهذه عداوةُ إبليسَ، فليس له انتفاعٌ مِن عداوةِ الإنسانِ؛ ولذا وصَفَ اللهُ عداوتَه بالمُبِينَةِ: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
وعداوةُ إبليسَ واضحةٌ؛ فليستِ انتقامًا تشتبِهُ بطلبِ حقٍّ، أو انتصارًا مِن مَظْلِمَةٍ، وهذه العداوةُ المُبِينَةُ التي لا تحتاجُ إلى إيضاحٍ وتحذيرٍ لكلِّ أحدٍ، ومع ذلك: حذَّرَ اللهُ عبادَهُ مِن عداوةِ الشيطانِ؛ لأنَّ الشيطانَ لا يأتي للإنسانِ بصفتِه الشيطانيَّةِ الإبليسيَّةِ، ولكنْ يأتِيهِ مسوِّلًا له أنَّ هذا في صالحِهِ ومنفعتِه؛ ولذا الْتبَستْ عداوتُه؛ فاللهُ يبيِّنُ
стр. 145
حِيَلَهُ ومكايدَهُ وتلبيسَهُ أكثرَ مِن بيانِ حالِه في ذاتِه؛ لأنَّها لا تخفَى.
واللهُ إنَّما نَهَى عن اتِّباعِ خطواتِ الشيطانِ؛ تنبيهًا إلى أنَّ الإنسانَ بوقوعِهِ في المحرَّمِ يَتَّبِعُ طريقَ الشيطانِ وفِعْلَهُ؛ فالتتبُّعُ هو تقصِّي الأثرِ لطريقٍ سُلِكَ مِن قبلُ.
ويَظهرُ من الآيةِ: أنَّه ما مِن محرَّمٍ على الإنسانِ إلا والشيطانُ يفعلُهُ؛ إذا كان مما يَقدِرُ على فعلِهِ لطبيعتِه الخَلْقيَّةِ، ويُظهِرُ هذا: أنَّ الشارعَ كثيرًا ما ينهَى عن أشياءَ، ويعلِّلُ النهيَ عن فِعلِها بكونِ الشيطانِ يفعلُها؛ كالأكلِ بالشمالِ، والمشيِ بنعلٍ واحدةٍ، ونحوِ ذلك.
وفي الآيةِ: قرينةٌ لِمَنْ مالَ إلى تحريمِ الأفعالِ التي دلَّ الدليلُ على أنَّ الشيطانَ يفعلُها، وأنَّ النهيَ عنها على التحريمِ لا على الكراهةِ؛ فاللهُ جعَلَ خطواتِ الشيطانِ بمقامِ أعمالِه، فخطواتُهُ: أعمالُهُ؛ هكذا فسَّرَهُ السلفُ؛ فقد روى الطبريُّ؛ مِن حديثِ معاويةَ بنِ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ قولَهُ: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾؛ يقولُ: عملَهُ (١)، وصحَّ عن مجاهدٍ، وقتادةَ: أنَّها خطاياهُ (٢).
وهذه مسألةٌ لها مواضعُ لبسطِها.
وقد جعَلَ بعضُ السلفِ: أنَّ ما يحرِّمُهُ الإنسانُ على نفسِه ممَّا يخالِفُ أصلَ الحِلِّ ممَّا لا نصَّ فيه: مِن خطواتِ الشيطانِ؛ فسَّرَهُ بذلك ابنُ مسعودٍ وغيرُهُ؛ فقد روى الطَّبَرانيُّ والبيهقيُّ مِن حديثِ أبي الضُّحَا، عن مسروقٍ؛ قال: أُتِيَ عبدُ اللهِ بضَرْعٍ، فأخَذَ يأكُلُ منه، فقال للقومِ: ادْنُوا، فدَنَا القومُ، وتنحَّى رجلٌ منهم، فقال عبدُ اللهِ: ما شأنُك؟ قال: إنِّي حَرَّمْتُ الضَّرْعَ، قال: هذا مِن خُطُواتِ الشيطانِ، ادْنُ، وكُلْ، وكَفِّرْ