فضلُ السجود على الركوعِ والقيامِ:
والسجودُ أعظَمُ مِن الركوعِ والقيامِ في الصلاةِ؛ لأنَّ السجودَ أكثرُ تواضُعًا، وأقرَبُ للأرضِ، والعبَادةُ التي يكونُ فيها الانسانُ أكثَرَ تخفِّيًا أفضلُ مِن غيرِها مِن جنسِها ممَّا تكون علانيةً، إلا ما دلَّ عليه الدليلُ؛ فالسجودُ أظهرُ تخفِّيًا ونزولًا إلى الأرضِ، وأشَدُّ انكسارًا وتذلُّلًا واعترافًا بالتقصيرِ، والصوتُ في السجودِ عندَ المناجاةِ أخفَى مِن صوتِ القائمِ والراكعِ.
والسجودُ عبادةٌ مستقلَّةٌ تُشرَعُ بأسبابِها ولو بلا صلاةٍ؛ كسجودِ التلاوةِ والشكرِ - كما في الآيةِ هنا - وظهورِ الآيةِ.
وأمَّا الركوعُ والقيامُ, فليسا بعبادةٍ إلا في الصلاةِ؛ فلا يُشرَعُ للإنسانِ أنْ يركَعَ أو يقومَ متعبِّدًا للهِ بلا صلاةٍ؛ فالقيامُ للعبادةِ بلا صلاةٍ وحدَهُ لا يُشرَعُ؛ بل مُحدَثٌ وبِدْعةٌ، إلا إذا قام لِيَدْعُوَ، فيُشرَعُ القيامُ؛ لاقترانِهِ بالدعاءِ فقطْ، والركوعُ وحدَهُ بلا صلاةٍ بِدْعةٌ وليس بعبادةٍ، ولو مع الذِّكْرِ والتعظيمِ والدعاءِ.
حكمُ القيامِ لغيرِ اللهِ:
ولذا؛ فإنَّ الساجدَ لغيرِ اللهِ يكفُرُ، وأمَّا القائم لغيرِ اللهِ، فلا يكفُرُ، بل يجوزُ أن يكونَ تحيةً وتقديرًا؛ لأنَّ السجودَ عبادةٌ مستقلَّةٌ يظهرُ فيها التعبُّدُ وحدَهُ، بخلافِ القيامِ، وأمَّا الركوعُ، وهو الانحناءُ اليسيرُ ولو تحيَّةً، فهو بدعةٌ لا تجوزُ، وهو تحيةُ العَجَمِ، وليس تحيةَ أهلِ الإسلام، ولا يكفُرُ مَن فعَلَه لغيرِ اللهِ؛ لانَّه ليس بعبادةٍ مستقلَّةٍ بنفسِه، بل لو فعَلَهُ الإنسانُ للهِ بلا صلاةٍ, لَمُنِعَ من ذلك ونُهِيَ عنه، فليس بعبادةٍ مستقلَّةٍ لا للهِ ولا لغيرِه، وإذا نَوَى فاعلُ الركوعِ أو القيامِ عبادةً لغيرِ اللهِ، كفَرَ؛ لنيَّتِه، لا لفعلِه.
стр. 72
ويُسمَّى الكلُّ ببعضِ أجزائِهِ إذا كان الجزءُ عظيمًا وركنًا جليلًا فيه؛ ولذا تُسمَّى الصلاةُ بالسجودِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠]؛ والمرادُ: أدبارَ الصلاةِ، وسُمِّيَتْ أماكنُ العبادةِ: مَسَاجِدَ، ولم تُسَمَّ: مَرَاكِعَ؛ لأنَّ السجودَ أعظمُ.
ولكنْ تُسمَّى الصلاةُ ركوعًا كذلك؛ لأنَّ الركوعَ رُكنٌ؛ كما قال سبحانَهُ: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣].
حكمُ السجودِ بلا سببٍ:
والسجودُ في آيةِ البابِ سجودُ الشكرِ، والسجودُ بلا سببٍ لا يُشرَعُ، وكَرِهَهُ بل حَرَّمَهُ بعضُ الفقهاءِ؛ كالإمامِ النوويِّ (١)؛ لأنَّه بدعةٌ وإحداثٌ.
وورَدَ النصُّ في أنواعِ السجودِ؛ كسجودِ الشكرِ والتلاوةِ وظهورِ الآيةِ.
وبعضُ العلماءِ يَرَى للدعاءِ سجودًا منفردًا لِمَن أراد توبةً وغفرانًا؛ قال ابن تيميَّةَ: "ولو أراد الدعاءَ، فعفَّرَ وجهَهُ للهِ بالتراب وسجَدَ له لِيَدْعُوَهُ فيه، فهذا سجودٌ لأجلِ الدعاءِ، ولا شيءَ يمنعُهُ" (٢).
وبعضُهم يستدِلُّ على مشروعيَّةِ السجودِ المنفصلِ بلا سببٍ؛ بما رواهُ مسلمٌ في "الصحيح"، عن ربيعةَ بنِ كعبٍ الأسلميِّ؛ قال: كنتُ أَبِيتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ ، فأتيتُهُ بوَضُوئِهِ وحاجتِهِ، فقال لي: (سَلْ)، فقُلتُ: أَسأَلكَ مُرافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ، قَال: (أوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟ ! )، قُلتُ هُوَ ذَاكَ، قَالَ: (فأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ) (٣).
وهو استدلالٌ فيه نظرٌ؛ لأنَّ المرادَ بالسجودِ هنا الصلاةُ؛ لأنَّ الصلاةَ تُسمَّى سجودًا؛ كما تقدَّمَ الكلامُ عليه، ولو جُعِلَ السجودُ هنا هو
стр. 73
السجودَ المنفصِلَ بلا سببٍ، لَلَزِمَ مِن ذلك القولُ بمشروعيَّةِ الركوعِ بلا سببٍ؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، والركوع للهِ بلا سببٍ عبادةٌ لم يقُل بها أحدٌ معتبَرٌ مِن علماءِ الإسلامِ.
سجودُ الشكر وصلاتُهُ:
وبعضُ العلماءِ رأى أنَّ للشكرِ صلاةً كما أنَّ له سجودًا، وحمَلُوا الصلاةَ التي صلَّاها النبيُّ ﷺ عندَ فتحِ مكةَ على أنَّها صلاةُ الشكرِ للهِ على فتحِ مكةَ، وثبوتُ صلاةِ الشكرِ للهِ على النعمةِ لا يحتاجُ إلى دليلٍ خاصٍّ؛ لأنَّ اللهَ أمَرَ بشُكْرِهِ تعبُّدًا للهِ، والإكثارِ مِن النوافلِ له بلا حصرٍ أو قيدٍ بنعمةٍ معيَّنةٍ، ولكنْ قد تطرأُ نعمةٌ عظيمةٌ فيصلِّي حينَها للهِ شكرًا، وهذا حسَنٌ، ولكنَّ صلاةَ الشكرِ في ذاتِها مشروعةٌ بلا دليلٍ خاصٍّ؛ لأنَّ أصلَ العباداتِ إنَّما هي تضرُّعٌ وعبادةٌ وشكرٌ للهِ؛ ولذا كان النبيُّ ﷺ يُكثِرُ مِن قيامِ الليِلِ حتى تتفطَّرَ قَدَماهُ ويقولُ: (أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟ ! ) (١)، فجعَلَ عبادتَهُ كلَّها شكرًا للهِ، والحديثُ في "الصحيحِ" عن عائشةَ والمُغِيرةِ.
ورُوِيَ عن سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ ﵁؛ أنَّه لمَّا فُتِحَتْ مدائنُ كِسْرَى، صلَّى ثمانيَ ركَعَاتٍ (٢).
وفي حديثِ كعبِ بنِ مالكٍ لمَّا بُشِّرَ بتوبةِ اللهِ عليه، خرَّ ساجدًا (٣).
وفى "سننِ النَّسائيِّ"؛ مِن حديث سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ؛ أنَّ
стр. 74
النبيَّ ﷺ سجَدَ في ص، وقال: (سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً، وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا) (١).
سجود التوبة:
وفي هذا أنَّ سجودَ التوبةِ والاستغفارِ صحيحٌ، وسجودُ الشكرِ كذلك، وإنَّما لم يسجُدْ نبيُّنا ﷺ هذه السجدةَ توبةً كداودَ، وإنَّما جعَلَها شكرًا؛ لأنَّ طلبَ التوبةِ كان بسببِ عملٍ وقَعَ مِن داودَ، فكانتِ التوبةُ مِن داودَ لا مِن محمدٍ ﵉، وإنَّما سجَدَها ﷺ شكرًا؛ لأنَّ اللهَ غفَرَ لنبيِّهِ داودَ ذلك، وقَبِلَ استغفارَهُ , فقد قال بعدَهُ: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥] ثمَّ إنَّ اللهَ أمَرَهُ بالاقتداءِ بداودَ وإخوانِهِ وآبائِهِ الأنبياء؛ فقد قالَ اللهُ في إبراهيمَ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤] , إلى قَوْلِهِ: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٦]، ثُمَّ قال في الأنبياءِ الذينَ سَمَّاهُمُ اللهُ في هذه الآيةِ: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] صلَّى الله عليهم، فكان مِن الاقتداءِ بهم: العملُ كعَمَلِهم، ومنهم داودُ، وإنِ اختلَفَ القصدُ، فيؤدَّى الظاهرُ؛ فذاك سجودُ توبةٍ، وهذا سجودُ، شكرٍ.
ورُوِيَ عن جماعةٍ مِن الصحابةِ سجودُهم شكرًا للهِ عندَ رؤيتِهم أو سماعِهم خبرًا عظيمًا للأُمَّةِ؛ يُروى هذا عن أبي بكرٍ وعمرَ في فتحِ اليَمَامةِ، وعن عليٍّ لمَّا أُتِيَ بالمُخْدَجِ في قتالِهِ؛ رواهُما ابنُ أبي شَيْبةَ (٢).
السجودُ قائمًا:
ويُستحَبُّ لمَن أرادَ السجودَ أن يسجُدَ وهو قائمٌ، وإنْ كان قاعدًا أن يقومَ ثمَّ يسجُدَ؛ فقد جاء عندَ أبي داودَ في "سننِه"؛ مِن حديثِ سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ ﵁؛ قال: خرَجْنا مع رسولِ اللهِ ﷺ مِن مَكَّةَ نُرِيدُ المدينةَ،
стр. 75
فلمَّا كنَّا قريبًا مِن عَزْوَرَاءَ، نزَلَ، ثمَّ رفَعَ يَدَيْهِ، فدَعَا اللهَ ساعةً، ثمَّ خَرَّ ساجدًا، فمكَثَ طويلًا ثمَّ قامَ، فرفَعَ يدَيْهِ ساعةً، ثمَّ خَرَّ ساجدًا - فعَلَهُ ثلاثًا - قالَ: (إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي وَشَفَعْتُ لِأُمَّتِي، فَأَعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي؛ فَخَرَرْتُ سَاجِدًا شُكْرًا لِرَبِّي، ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي فَسَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي، فَأَعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي؛ فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّي شُكْرًا، ثُمَّ رَفَعتُ رَأْسِي، فَسَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي، فَأَعْطَانِي الثُّلُثَ الْآخِرَ؛ فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّي) (١).
وهذا الحديثُ لا يصحُّ؛ ففي إسنادِه موسى بنُ يعقوبَ الزَّمْعِيُّ، وشيخُهُ يحيى بنُ الحسنِ لا يُعرَفُ (٢).
ولكنْ هذا ظاهرُ فعلِ النبيِّ ﷺ حتى في صلاتِه؛ فقد صحَّ عنه: "أنَّه كَانَ أَحْيَانًا يُصَلِّي قَاعِدًا، فَإِذَا قَرُبَ مِنَ الرُّكُوعِ، فَإِنَّهُ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ وَهُوَ قَاِئمٌ، وَأَحْيَانًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ وهُوَ قَاعِدٌ" (٣).
وهذا في صلاةٍ، وكذلك في غيرِ الصلاةِ لِمَنْ أرادَ سجودًا؛ لأنَّ السجودَ عن قيامٍ أظهرُ في التذلُّلِ والتضرُّعِ والانكسارِ؛ فيَهْوِي مِن أعلى ما تكونُ عليه قامتُهُ ورأسُهُ، إلى أسفلِ ما يكونُ عليه رأسُهُ؛ وهو أكرَمُ ما فيه.
وبعضُ السلفِ كَرِهَ سجودَ الشكرِ، ورأَوْا أنَّ الشكرَ يكونُ بصلاةٍ تامَّةٍ فقطْ؛ رُوِيَ هذا عن إبراهيمَ النَّخَعِيِّ؛ فروى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ: "أنَّه كان يَكْرَهُ سَجْدةَ الفرحِ، ويقولُ: ليس فيها ركوعٌ ولا سجودٌ" (٤).
стр. 76
وكان يقولُ عنها: "بدعةٌ" (١).
وكَرِهَهُ مالكٌ (٢)؛ وهذا غريبٌ مع سَعَةِ اطِّلاعِهِ على فقهِ أهلِ المدينةِ ومعرفتِهِ بأفعالِ النبيِّ ﷺ ، ومِثلُ هذا ينتقِلُ عملُه ويشتهِرُ.
وفي البابِ أحاديثُ مرفوعةٌ في سجودِ النبيِّ ﷺ للشكرِ، وأكثرُها معلولٌ؛ ومِن ذلك ما جاء عندَ أبي داودَ، والترمذيِّ، وابنِ ماجَهْ؛ من طريقِ بَكَّارِ بنِ عبدِ العزيزِ بن أبي بَكْرةَ، عن أبيهِ، عن أبِي بَكْرةَ ﵁: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا جَاءَهُ أمْرٌ يَسُرُّهُ، خَرَّ سَاجِدًا للهِ" (٣)؛ وبكارٌ ليِّنُ الحديثِ (٤).
وكذلك ما جاء مِن حديث عبدِ الواحدِ بنِ محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ؛ قال: سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رفَعَ رَأْسَهُ، وقَالَ: (إنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَبَشَّرَنِي، فَسَجَدتُّ للهِ شُكْرًا) (٥)؛ رواهُ أحمدُ وعبدُ الواحدِ لا تُعرَفُ حالُه (٦).
وأَمْثَلُ منها حديثُ البَرَاءِ في سجودِ النبيِّ لمَّا بلَغَهُ إسلامُ هَمْدَانَ لمَّا كتَبَ له عليٌّ ﵁ بإسلامِهم، فلمَّا قرَأَ رسولُ اللهِ ﷺ الكتابَ، خَرَّ ساجدًا (٧)؛ وقد رواهُ البيهقيُّ، والقصةُ في "صحيحِ البخاريِّ" بلا ذِكْرِ
стр. 77
السجودِ فيها (١)، وقوَّاهُ غيرُ واحدٍ كالبيهقيِّ وغيرِه (٢).
ولا يلزمُ لسجودِ الشكرِ تكبيرٌ، ولا طهارةٌ، ولا تسليمٌ، ولا يظهرُ كذلك اشتراطُ الاستقبالِ؛ لأنَّه سجودٌ، وليس صلاةً.
* * *
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ [البقرة: ٨٤، ٨٥].
أخَذَ اللهُ عهدَهُ على بني إسرائيلَ ألَّا يتظالَمُوا فيَبْغِيَ أحدُهم على الآخَرِ بالقتلِ أو الجراحاتِ، أو إخراجِهِ مِن دارِهِ بغيرِ حقٍّ.
الأخوَّةُ الإيمانيَّةُ:
وقولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ يعني: لا تُخرِجُونَ إخوانَكم ممَّن استحَقُّوا منكم الأُخُوَّةَ؛ وهذا يدُلُّ على أنَّ مَن لا يستحِقُّ الأخوَّةَ الإيمانيَّةَ، فليس بأخٍ، فإذا ارتكبَ موجِبًا لقتلِهِ أو إخراجِهِ، قُتِلَ أو أُخرِجَ؛ فمَن يُصِيبُ حَدًّا أو خروجًا عن دينِه، فليس هو مِن أنفُسِكم.
روى ابنُ جريرٍ؛ مِن حديثِ سعيدٍ، عن قتادةَ؛ قولَه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾؛ أيْ: لا يقتُلُ بعضُكم بعضًا، ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾، ونَفسُكَ يا ابنَ آدَمَ أهلُ مِلَّتِكَ (٣).
стр. 78
حِلْفُ اليهودِ الأوسَ والخزرجَ:
وقد كان اليهودُ في المدينةِ ولا قرارَ للنَّصارى فيها، وكان بينَ اليهودِ والأَوْسِ والخَزْرَجِ بالمدينةِ حِلْفٌ، فكان إذا وقَعَ بينَ الأوسِ أو الخزرجِ وبينَ اليهودِ قتالٌ، ساعَدَ كلُّ فريقٍ مِن اليهودِ حِلفَهُ مِن الأوسِ والخزرجِ على عدوِّهم فقاتَلُوهم معهم, وأخرَجُوهُمْ معهم مِن ديارِهم، وخرَّبُوا بيوتَهُمْ بعدَهم، بعدَ أنْ حُرِّمَ عليهم ذلك في التوراةِ، وأقَرُّوا به وشَهِدوا بذلك؛ فاللهُ يخاطِبُ يهودَ المدينةِ ويعاتِبُهم بتقصيرِهم وتفريطِهم في ميثاقِ اللهِ، مع أنَّهم يَقْرَؤونه في تَوْراتِهم عندَ نزولِ القرآنِ.
روى الطبريُّ، عن أَسْبَاطٍ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾؛ قال: إنَّ اللهَ أخَذَ على بَني إسرائيلَ في التوراةِ: ألا يقتُلَ بعضُهمْ بعضًا، وأيُّما عبدٍ أو أمَةٍ وَجَدتُّمُوهُ مِن بَني إسرائيلَ، فاشتَرُوهُ بما قام ثَمَنَهُ، فأَعْتِقُوهُ، فكانتْ قُرَيْظةُ حلفاءَ الأوسِ، والنَّضِيرُ حلفاءَ الخزرجِ؛ فكانوا يَقْتَتِلُونَ في حربِ سُمَيْرٍ - وهي حربٌ في الجاهليةِ بينَ الأوسِ والخزرجِ - فيُقاتِلُ بنو قريظةَ مع حلفائِها النضيرَ وحلفاءَها، وكانتِ النضيرُ تُقاتِلُ قريظةَ وحلفاءَها، فيَغلبونَهم، فيُخْرِبُونَ بيوتَهم، ويُخْرِجُونَهم منها، فإذا أُسِرَ الرجلُ مِن الفريقَيْنِ كلَيْهِما، جمَعُوا له حتى يَفْدُوهُ، فتُعَيِّرُهم العربُ بذلك، ويقولون: كيف تُقَاتِلُونَهم وتَفْدُونَهم؟ ! قالوا: إنَّا أُمِرْنا أنْ نَفْدِيَهم، وحُرِّمَ علينا قِتَالُهم؛ قالوا: فلِمَ تُقاتِلُونَهم؟ ! قالوا: إنَّا نستَحْيِي أنْ تُسْتَذلَّ حلفاؤُنا؛ فذلك حينَ عَيَّرَهم ، فقال: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١).
стр. 79
تأكيدُ المواثيق:
وفي الآيةِ دليلٌ على أنَّه يُشرَعُ التأكيدُ على المواثيقِ العظيمةِ، بالإقرارِ والتعاهُدِ؛ فاللهُ تعالى أخَذَ عليهم الميثاقَ، ثمَّ سُئِلُوا الإقرارَ به بعدُ، فأقَرُّوا؛ أيْ: إنَّ تعاهُدَ الميثاقِ العظيمِ بعدَ أَخْذِهِ مطلبٌ، وذلك بحسَبِ قوةِ الميثاقِ وأثرِ إبطالِهِ على الناسِ.
وميثاق الأعراضِ أعظَمُ مِن ميثاقِ النَّفْسِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١].
ثمَّ ذَكَرَ اللهُ مُخَالفتَهُمْ للأمرِ في قولِه: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾؛ أي: بعدَ كلِّ ما أُخِذَ عليكم، وأقَرَّ به مَنْ سبَقَكم، وشَهِدتُّمُوهُ في كتابِكم.
وفي الآيةِ: دليلٌ على حُرمةِ قتلِ النفسِ، ويأتي تفصيلُه - بإذنِ اللهِ - في هذه السورةِ.
عقوبةُ النفي:
وفيها: تحريمُ إخراجِ الإنسانِ مِن ديارِهِ وأرضِهِ وتغريبِهِ بغيرِ حقٍّ، والإخراجُ مِن البلدِ عقوبةٌ شرعيَّةٌ يجبُ ألَّا تَنْزِلَ إلا بسببٍ شرعيٍّ؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، فجعَلَ اللهُ سببَ الإخراجِ مِن البلدِ: محاربةَ اللهِ ورسولِه، وإنزالُ العقوبةِ لمجرَّدِ مخالَفَةِ المحكومِ للحاكمِ في رأيِهِ - الذي لا يخرُجُ عن حدِّ النقلِ والعقلِ - غيرُ جائزٍ.
ولمَّا جعَلَ اللهُ النفيَ عقوبةً، دلَّ هذا على أنَّ بقاءَ الإنسانِ في بلدِهِ حقٌّ مشروعٌ له، يجب أنْ يُحْفَظَ ويُصانَ، ومِن واجباتِ وليِّ الأمرِ حِفظُهُ، وليس نَزْعَهُ؛ وهذا كما أنَّ قطعَ اليدِ في السرقةِ دليلٌ على أنَّ
стр. 80
بقاءَها بلا موجِبٍ للقطعِ واجبٌ يجبُ أنْ يُصانَ ويُحفَظَ.
وعقوبةُ الإخراجِ مِن الأرضِ والبلدِ عقوبةٌ شديدةٌ يُقِرُّ بقسوتِها جميعُ الشرائعِ، المؤمنةِ والكافرةِ؛ قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ١٣]؛ فسمَّى اللهُ الإخراجَ مِن الأرضِ ظُلْمًا.
والإخراجُ مِن الأرضِ شُرِعَ لإبعادِ المنفيِّ مِن نشرِ فسادِه في بلدِه.
وينبغي للحاكمِ الذي يُرِيدُ إخراجَ أحدٍ مِن بلدِهِ: أنْ يَعرِفَ قدْرَ أثرِ الإخراجِ على صاحِبِه؛ فهو ظلمٌ شديدٌ، ولا ينبغي أنْ يَنْزِلَ إلا في حالِ العجزِ عن كفِّ الأذى والردعِ إلا به، ولا بُدَّ من معرفةِ قدرِ الفسادِ اللازمِ مِن إخراجِهِ عليه وعلى ذريَّتِهِ مِن بعدِه، ومقارنتِهِ بالسببِ الموجِبِ لإخراجِهِ، والحكمُ في ذلك لتقديرِ اللهِ في كتابِهِ وسُنَّةِ نبيِّه بنظرِ عالمٍ عارفٍ، لا بالهوَى والتشهِّي.
* * *
قال تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ١٠٠].
عَهِدَ اللهُ إلى أهلِ الكتابِ - وخاصَّةً اليهودَ؛ لشدةِ عنادِهم، وتلبيسِهم الحقَّ بالباطلِ - أنَّه إذا بُعِثَ محمدٌ ﷺ أنْ يُؤمِنوا به، وذكَرَ شيئًا مِن وصفِه في التوراةِ والإنجيلِ يَعرِفونَهُ به؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
стр. 81
عهدُ اللهِ إلى بني إسرائيل الإيمان بمحمد ﷺ -:
بيَّنَ اللهُ لهم شيئًا مِن شِرْعَتِهِ القادمةِ عليهم، وما يُحِلُّ لهم وما يحرِّمُ، وأولُ أعمالِ النبيِّ ﷺ في التوراةِ: الأمرُ بالمعروفِ، والنهيُ عن المنكرِ، وذكَرَ عيسى لهمُ اسمَهُ، وهو كذلك في الإنجيلِ؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦].
وهذا غايةٌ في التعريفِ والبيانِ، ومع هذا الوضوحِ أخَذَ اللهُ عليهم العهدَ لَيُؤْمِنُنَّ به ولَيَتَّبِعُنَّه، وقد كان التشديدُ مِن اللهِ على بني إسرائيلَ واليهودِ خاصَّةً في أمرِ اتِّباعِ محمدٍ ﷺ ؛ لأمورٍ؛ منها:
أولًا: أنَّهم هم أقربُ أُمَّةٍ مِن أهلِ الكتابِ لنبوَّةِ محمدٍ، والناسُ مِن الوثنيِّينَ وغيرِهم ينظُرُونَ إليهم ويتيمَّنون بهم؛ فإنَّ انصرافَهم عن اتباعِ محمدٍ ﷺ فتنةٌ لغيرِهم يَبُوءُونَ بها.
ثانيًا: أنَّهم معروفونَ بنقضِ العهودِ والمواثيقِ؛ فشدَّدَ اللهُ عليهم بوجوبِ الوفاءِ، وبيَّن لهم بيِّناتٍ ودلالاتٍ على رسالةِ محمدٍ ﷺ ممَّا لم يتَّضحْ عندَ غيرِهم.
وفي هذا: أنَّ الإنسانَ الذي يُعرَفُ بنقضِ العهدِ والمكرِ والخديعةِ، يشدَّدُ عليه في لزومِ العهدِ والميثاقِ، ويؤكَّدُ ذلك، ويراجَعُ في وضوحِ الحُجَّةِ والبيِّنةِ عندَ التعَاقُدِ؛ حتى تُغلَقَ منافذُ العنادِ عليه، وتقامَ الحُجَّةُ عليه مِن جميعِ وجوهِها.
ثالثًا: لمَّا كانوا أعلَمَ الناسِ بصفاتِ نبوَّةِ محمدٍ ﷺ مِن قومِهِ المشرِكِينَ، ولأنَّه كلَّما كانتِ البيِّنةُ على الإنسانِ أوضحَ، كان العقابُ عليه أشدَّ -: أرادَ اللهُ رحمةً بهم أنْ يُقِيمَ عليهم الحُجَّةَ بالعهدِ والميثاقِ
стр. 82
أنَّ عقابَ التركِ شديدٌ أليمٌ؛ فالنقض وبالٌ عليهم في الدُّنيا والآخرةِ، فألزَمَهم بعهدٍ فوقَ البيِّناتِ؛ حتى لا يَحِلَّ عليهم عقابُهُ سبحانَهُ، والتشديدُ يُزِيلُ الأوهامَ، ويطرُدُ الشبهاتِ ولو ضَعُفَتْ، ويزهِّدُ في الشهواتِ ولو قَوِيَتْ؛ فلا يخالِفُ حينَها إلا معانِدٌ مكابِرٌ.
روى ابنُ جريرٍ؛ مِن حديثِ عِكْرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ قال: قال مالكُ بن الصَّيْفِ - حينَ بُعِثَ رسولُ اللهِ ﷺ ، وذَكَرَ ما أُخِذَ عليهم مِن الميثاقِ، وما عهد اللهُ اليهم فيه -: والله ما عَهِدَ إلينا في محمدٍ ﷺ ، وما أخَذَ له علينا ميثاقًا! فأنْزَلَ اللَّهُ - جلَّ ثناؤُهُ -: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ (١).
واليهودُ والنصاري كتَمُوا رسالةَ محمدٍ ﷺ , بل حرَّفُوا مواضعَ النصوصِ الدالَّةِ عليه وعلى رسالتِه؛ قلَبُوها حروفًا، وما لم يُقلَبْ حرفًا، قلَبُوهُ معنًى؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢]؛ أيْ: يكتُمون نبوَّتَهُ، مع علمِهم بها.
وروى ابنُ جريرٍ؛ مِن حديثِ ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ؛ في قولِ اللهِ: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ قال: يكتُمُ أهلُ الكتابِ محمدًا ﷺ ، وهم يَجِدُونَهُ مكتوبًا عندهم في التوراةِ والإنجيلِ (٢).
وروى ابنُ جريرٍ أيضًا؛ من حديثِ عِكْرِمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾، يقولُ: لا تكتُموا ما عندَكم مِن المعرفةِ برسولي وما جاء به, وأنتم تَجِدُونَهُ عندَكم فيما تعلَمون مِن الكتبِ التي بأيدِيكم (٣).
وبيَّن اللهُ أنَّ العهد الذي أخَذَهُ عليهم نُقِضَ مِن قِبَل فريقٍ منهم:
стр. 83
﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾، وليس مِن جميعِهم، ولكنَّ البقيَّةَ ساكتةٌ خوفًا أو طمعًا؛ أيْ: يَخَافُون مِن سَطْوةِ أَحبارِهم ورُهْبانِهم فيأمُرونَ بقتلِهم، أو طمعًا فيما بينَ أيدِيهم مِن متاعِ الدُّنيا، ويَخْشَوْن زوالَهُ عنهم، ولكنَّ اللهَ جعَلَ الجميعَ ممَّن نقَضَ العهدَ؛ لأنَّهم سكَتُوا عن قولِ الحقِّ، ورأَوُا الباطلَ وسكَتُوا؛ فكانوا في صفِّ الراضِينَ وسَوَادِهم.
ومَن رأى الباطلَ وسكَتَ عليه، والناسُ في جدالٍ فيه يُريدونَ مَن يَهْدِيهم، وهو قادرٌ علي القولِ، فسكَتَ، فهو في حكم قائلِ الباطلِ؛ وهذا مِن خصال اليهودِ؛ قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [المائدة: ٤١].
إذا نقَضَ طائفةٌ العهد، فحكمُ الساكتِ منهم كالناقضِ:
وفي هذه الآيةِ: دليلٌ على أنَّ المسلِمينَ إذا عاهَدُوا غيرَهُمْ مِن أهلِ الكتابِ أو المشرِكِينَ على شيءٍ، فنقَضَ عهدَهُمْ طائفةٌ مِن الكفارِ وليس كلَّهم: أنَّ عهدَ الجميعِ يُعتبَرُ منقوضًا؛ وذلك كالعهودِ التي يُبرِمُها المسلِمُونَ مع دولٍ أُخرَى أو مع جماعاتٍ، فقامَتْ جماعةٌ مِن تلك الدولِ أو مِن تلك الجماعاتِ بنقضِ العهدِ والميثاقِ، فإنَّ النقضَ يَرجِعُ إلى أصلِ العقدِ والعهدِ، وهذا ظاهرُ الآيةِ؛ فاللهُ أخَذَ الساكتَ مأخذَ الناقضِ.
ويخرُجُ مِن حكم الناقضينَ مَن انفصَلَ عن جماعتِهِ الناقضينَ للعهدِ، وانحازَ إلى فئةٍ ملتزِمةٍ؛ هربًا من الناقضينَ وبراءةً منهم، ولم يُعِينُوا الناقضينَ بالرأيِ والمالِ؛ فهذا له حُكْمُ مَن استسلَمَ للهِ، ودخَلَ الإسلامَ، وانحازَ إلى المسلِمينَ، وآمَنَ بنبوَّةِ محمَّدٍ ﷺ ؛ ففي "الصحيح" و"المسندِ"؛ مِن حديثِ نَافِعٍ، عن ابن عُمَرَ: "أَنَّ يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ حَاربُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَجْلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَنِي النَّضِيرِ، وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ
стр. 84
وَمَنَّ عَلَيْهِم، حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيظَةُ بَعْدَ ذَلِك، فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ، وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ وَأَولَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَآمَنَهُمْ وأَسْلَمُوا، وَأَجْلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَهُودَ المَدِينَةِ كُلَّهُمْ: بَنِي قَيْنُقَاعَ - وهُمْ قَوْمُ عَبْدِ اللهِ بنِ سَلَامٍ - وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ، وَكُلَّ يَهُودِيٍّ كَانَ بِالْمَدِينَةِ" (١).
وكلُّ ذِكرٍ لأهلِ الكتابِ فِي المدِينةِ، فالمقصودُ بهم اليهودُ؛ فليس في المدينةِ نصارى يومئذٍ؛ وإنَّما كانتْ بنو قُرَيْظَةَ وبنو النَّضِيرِ، وافترَقُوا؛ فتحالفَتْ بنو قريظةَ مع الأوسِ، وبنو النضيرِ مع الخزرجِ، وتعاهَدُوا بعضُهم مع بعضٍ.
وإنَّما يُبْطِلُ العهدَ والعقدَ بعضٌ مِن الفئتَيْنِ؛ وذلك لأمورٍ:
أولًا: لظاهرِ الآيةِ.
ثانيًا: لأنَّ هذا البابَ إذا لم يُغلَقْ، كان مَدْعاةً لِلَعْبِ المعاهَدِينَ بالخُدْعةِ، فيتسلَّلُ منهم فريقٌ ويقولون: هؤلاء نقَضُوا العهدَ، ولا يُمثِّلُونَ عهدَنا؛ فلا يدري المسلمونَ مِن أيِّ طريقٍ يأتِيهم الشرُّ، ولا يميِّزون الناقضَ مِن غيرِه، والأَولى في ذلك إبطالُ العهدِ كلِّه.
ثالثًا: أنَّ الفريقَ النابذَ للعهدِ كان مِن الجماعةِ المعاهَدِة وممَّن جرَى عليه العهدُ، ونقضُهُ لذلك إخلالٌ بجماعةِ المعاهَدِينَ الذين وقَعَ عليهم العهدُ والعقدُ، وهذا كحالِ مَن اشترَى مزرعةً بنخلِها وعنبِها من جماعةٍ يَملِكونَها، فخرَجَ أحدُهم عنِ الالتزامِ بعهدِهم وعقدِهم، ولم يُوافِقْهم على عقدِهم؛ فهذا يُبْطِلُ العقدَ؛ لأنَّه يَملِكُ الحقَّ، ويملِكُ مَنْعَ تصرُّفِ المشتري وكَفَّ يدِهِ عن تمام التصرُّفِ في ملكِه.
ووليُّ أمرِ الفئةِ الكافرةِ قائمٌ على شأنِ رَعِيَّتِه، فهو كالوكيلِ عنهم؛
стр. 85
كوكيلِ المُلَّاكِ على مزرعةِ الشَّرَاكةِ، فأولئك رَضُوهُ وليًّا لهم، وهؤلاءِ رَضُوهُ وكيلًا عنهم، فيمضي العهدُ، ومَن نقَضَ العهدَ، فنقضُهُ باطلٌ، وإذا لم يُمكِنْ إبطالُ نقضِهِ لعهدِهِ خاصَّةً، وانفصَلَ عن الجماعةِ، فيُنقَضُ العهدُ كلُّه.
وفي الآيةِ: جوازُ إبرامِ العهودِ والعقودِ مع مَن يُعرَفُ منه الخُدْعةُ وجُرِّبَ بالكذبِ؛ إذا قامتِ المصلحةُ في ذلك للمُسلِمِينَ، وأنَّ العهدَ والعقدَ صحيحٌ ملزِمٌ؛ شريطةَ التشديدِ في شروطِه.
والنبيُّ ﷺ عاهَدَ يهودَ وهو يعلَمُ نَقْضَهم في القرآنِ؛ طلبًا لأمنِ المسلِمينَ زَمَنَ تراخِيهم وعدَمِ تمكُّنِهم؛ روى ابنُ جريرٍ، عن حَجَّاجٍ، عن ابنِ جُرَيْجٍ؛ قولَه: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال: "لم يكنْ في الأرضِ عهدٌ يُعاهِدونَ علبه إلا نَقَضُوه، ويُعاهِدونَ اليومَ، ويَنقُضُون غدًا" (١).
وجوبُ التزام الحلفاءِ بعهد بعضِهِمْ مع غيرِهِمْ:
وكان النبيُّ ﷺ يُؤاخِذُ الحلفاءَ بعضَهم بجريرةِ بعضٍ؛ لاتِّحادِهم بالعقودِ والعهودِ، والتزامِ بعضِهم بعهدِ بعضٍ، ومَن كان كذلك فالفئةُ إذا نقَضتْ، انتقَضَ عهدُ الأُخرى.
فقد روى مسلمٌ في "صحيحِه"؛ مِن حديثِ أبي المهلَّبِ، عن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ؛ قال: كَانَتْ ثَقِيفُ حُلفَاءَ لِبَنِي عُقَيْلٍ، فأَسَرَتْ ثَقِيفُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَسَرَ أَصَحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلًا مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ، وأَصَابُوا مَعَهُ العَضْبَاءَ، فَأَتَى عَلَيْهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي الوَثَاقِ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَتَاهُ، فقال: (مَا شَأْنُكَ؟ ! )، فَقَالَ: بِمَ أَخَذْتَنِي، وَبِمَ أخَذْتَ سَابِقَةَ الحَاجِّ؟ ! فقال إعْظَامًا لِذَلِكَ: (أَخَذْتُكَ
ففي "المسندِ"؛ مِن حديثِ أبي النضرِ، عن رجلٍ كان قديمًا مِن بني تَمِيمٍ: كَانَ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ رَجُلٌ يُخْبِرُ عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ لَقِيَ رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ: يا رَسُول اللهِ، اكْتُبْ لِي كِتَابًا، أَلَّا أُؤَاخَذَ بِجَرِيرَةِ غَيْرِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إنَّ ذَلِكَ لَكَ، وَلِكُلِّ مُسْلِمٍ) (١).
وفي إسنادِه إبهامٌ، وله شواهدُ كَثيرةٌ؛ مِن حديثِ أبي رِمْثَةَ، عندَ أحمدَ بلفظِ: (أَمَا إِنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ، وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ) (٢).
ورُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ عندَ البَزَّارِ (٣).
ورُوِيَ عن عمرِو بنِ الأحوصِ بلفظِ: (لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ؛ لَا يَجْنِي وَالِدٌ عَلَى وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ) (٤)؛ أخرَجَه أحمدُ أيضًا.
ورُوِيَ عن طارقٍ المُحَارِبيِّ، عندَ النسائيِّ وابنِ ماجهْ؛ وعن الأعمشِ، عن مسروقٍ، مرسلًا؛ رواهُ النسائيُّ بلفظِ: (لَا يُؤخَذُ الرَّجُلُ بِجَريرَةِ أَبِيهِ، ولا بِجَريرَةِ أَخِيهِ) (٥).
ومعناهُ مستقِرٌّ مستفيضٌ.
* * *
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥].
ذكَرَ اللهُ مشرِقَ الشمسِ ومغرِبَها؛ لأنَّه بذلك تُعرَفُ القِبْلةُ غالبًا، ورُبَّما عُرِفَتْ بمشرِقِ القمرِ ومغربِه، فالشرقُ والغربُ جهتانِ يُعرَفُ بهما
стр. 88
بقيةُ الجهاتِ: الشَّمَالُ والجَنُوبُ، ولا يمكنُ معرفةُ الشمالِ والجنوبِ إلا بعدَ معرفةِ الشرقِ والغربِ غالبًا، ومطلعُ الشمسِ ومغرِبُها، وكذلك القمرُ: أظهرُ الدلالاتِ للبشربةِ على معرفةِ جهاتِهم.
وقولُه: ﴿وَلِلَّهِ﴾؛ أيْ: له مُلْكُهما وتدبيرُهما والتصرُّفُ فيهما، وإجراءُ العبادِ عليهما وعلى غيرِهما؛ وهذا كمالُ تصرُّفِ المالكِ في مُلْكِه.
والمَشْرِقُ: كمَسْجِدٍ، وهو موضِعُ طلوعِ الشمسِ، والمَغْرِبُ: عكسُهُ.
التوسعةُ في التوجُّه إلى القبلةِ:
وظاهرُ هذه الآيةِ: التوسعةُ في شأنِ توليةِ الوجهِ إلى القِبلةِ، وقد اختلَفَ العلماءُ في نسخِها وإحكامِها، والحدِّ المرادِ فيها؛ ومجملُ ذلك قولانِ للعلماءِ:
القولُ الأولُ: مِن العلماءِ مَن قال بنسخِها، وأنَّ القِبْلةَ كانتْ موسَّعةً، ثمَّ أُحكِمَ تحديدُها إلى الكعبة.
ورُوِيَ هذا عن ابنِ عباسٍ، وأبي العاليةِ، والحسَنِ، وعطاءٍ، وعِكْرِمةَ، وغيرِهم (١).
روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن ابنِ جُرَيْجٍ وعثمانَ بنِ عطاءٍ؛ كلاهُما عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ. . . وذكَرَ أنَّها منسوخةٌ بقولِه: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٩] (٢).
وعطاءٌ هذا هو: الخُراسانيُّ، ولم يَلْقَ ابنَ عباسٍ (٣).
стр. 89
وقد رُوِيَ نسخُ هذه الآيةِ في كتابِ "الناسخِ والمنسوخِ" لأبي عبيدٍ، ولابنِ أبي داودَ، وغيرِهما، وصُرِّحَ فيها بأنَّ عطاءً هو الخُرَاسانيُّ (١).
وروى معناه سعيدٌ ومَعْمَرٌ عن قتادَة مختصرًا؛ رواهُ ابنُ جريرٍ (٢).
القولُ الثاني: مِن العلماءِ مَن قال بإحكامِها، وحمَلَ معناها على عدةِ معانٍ:
أولُها: أنَّ المرادَ بذلك: حالُ الضرورةِ، ولو صلَّى الإنسانُ مِن غيرِ عمدٍ أو قصدٍ إلى غيرِ القِبْلةِ، فبان له بعدَ ذلك أنَّه صلَّى إلى غيرِ القِبْلةِ، صحَّتْ صلاتُه؛ بدليلِ هذه الآيةِ، وكذلك في حالِ الحربِ، وتعذُّرِ استقبالِ القِبلةِ، ونحوِ ذلك.
وقد روى التِّرمِذيُّ، وابنُ جريرٍ، وابن أبي حاتمٍ؛ مِن حديثِ أبي الربيعِ السَّمَّانِ، عن عاصمِ بنِ عُبَيْدِ اللهِ، عن عبدِ اللهِ بن عامرِ بن ربيعةَ، عن أبيهِ؛ قال: كنَّا مع رسولِ الله ﷺ في ليلةٍ سوداءَ مُظلِمةٍ، فنزَلْنا منزلًا فجعَلَ الرجلُ يأخُذُ الأحجارَ فيَعْمَلُ مسجدًا يصلِّي فيه، فلمَّا أصبحْنا، إذا نحنُ قد صَلَّيْنا على غيرِ القِبْلةِ، فقلنا: يا رسولَ اللهِ، لقد صلَّيْنا ليلتَنا هذه لغير القِبْلةِ! فأنزَلَ اللَّهُ : ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣).
وأبو الربيع هو: أشعثُ بنُ سعيدٍ، ليِّنُ الحديثِ (٤).
وعاصمٌ ضعيفٌ؛ قال البخاريُّ: مُنكَرُ الحديثِ (٥)، وضعَّفَهُ ابنُ مَعِينٍ
стр. 90
وغيرُهُ (١)، وترَكَهُ ابنُ حِبَّانَ (٢).
وقد ضعَّفَ الحديثَ الترمذيُّ في "سننِه"، وقال: ليس إسنادُهُ بذاك (٣).
وبمعنى الحديثِ يُفتي إبراهيمُ النَّخَعيُّ؛ كما رواهُ عنه حمادٌ ومنصورٌ؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ وغيرُه (٤).
ثانيها: أنَّ هذه الآيةَ في التخفيفِ في استِقبالِ القِبْلةِ للمسافرِ في صلاةِ التطوُّعِ خاصةً؛ كما روى ابن أبي حاتمٍ وابنُ جريرٍ في "تفسيريهما"؛ من طريقِ عبدِ الملكِ بنِ أبي سُلَيْمانَ، عن سعيدِ بن جُبَيْرٍ، عن ابنِ عمرَ؛ أنَّه قال: إنَّما نزَلَتْ هذه الآيةُ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أن تصلِّيَ حيثُما توجَّهَتْ بكَ راحلتُكَ في السفرِ تطوُّعًا؛ كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا رجَعَ مِن مكةَ، يصلِّي على راحلتِهِ تطوُّعًا؛ يُومِئُ برأسِه نحوَ المدينةِ (٥).
وبنحوِ ذلك يُفتي عطاءُ بنُ أبي رَبَاحٍ؛ كما رواهُ عبد الرزَّاقِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أجاءَكم بذلك ثَبَتٌ بِالصلاةِ على الدابَّةِ مُدْبِرًا عن القِبْلةِ؟ قال: نعم، ثمَّ قال عندَ ذلك: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، قال ابنُ جُرَيْجٍ: ذُكِرَ ذلك ليحيى بن جَعْدةَ، فكاد يُنكِرُ، ثمَّ انطلَقَ فإذا هو مستفاضٌ بالمدينةِ، فرجَعَ إلينا وهو يَعرِفُ ذلك (٦).
стр. 91
الصلاةُ على الراحلة:
وخصَّ مالكٌ الصلاةَ على الراحلةِ في النافلةِ بالسفرِ الذي تُقصَرُ فيه الصلاةُ؛ فقال: لا يُصلِّي أحدٌ في غيرِ سفرٍ تُقصَرُ في مِثلِه الصلاةُ على دابَّتِه للقِبْلةِ، ولا يسجُدُ عليها سجدةَ تلاوةٍ للقِبْلةِ ولا لغيرِ القِبْلةِ (١).
والجمهورُ على العموم والجوازِ في كلِّ سفرٍ؛ وهو الصوابُ؛ وهذا مذهبُ أحمدَ، ونصُّه عليه (٢).
وتقييدُ مالكُ فيه نظرٌ، ولم يُوافِقْه كبيرُ أحدٍ، قال الطبريُّ: لا أعلمُ أحدًا وافَقَهُ على ذلك.
وذهَبَ أبو يوسفَ، وأبو سعيدٍ الإصْطَخْريُّ (٣)، وابنُ سُرَيجٍ، والطحاويُّ: إلى أنَّ الصلاةَ على الراحلةِ تجوزُ حتى في الحَضَرِ.
ولم يَثْبُتْ هذا عن النبيِّ ﷺ ؛ وإنَّما استفاضَ هذا عنه في النافلةِ في السفرِ خَاصةً.
وما يُحكَى عن أنسٍ: أنَّه كان يصلِّي على الراحلةِ النافلةَ في الحضرِ، فليس له أصلٌ يُعتمَدُ عليه.
ثالثُها: أنَّ المرادَ بذلك استقبالُ القِبلةِ؛ فقولُه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ مِن جهةٍ: شرقًا أو غربًا، أو شمالًا أو جنوبًا، فعليكم الاستقبالَ للقِبْلَةِ وإنِ اختلَفَتِ الجهاتُ، واستدارَتْ بكم الأرضُ، فثَمَّ وجهُ اللهِ إلى القِبْلَةِ، وإنْ كان منكم مشرِّقٌ وآخَرُ مغرِّبٌ.
стр. 92
روى ابنُ جريرٍ الطبريُّ؛ مِن حديثِ عليٍّ، عنِ ابنِ عباسٍ؛ قال: كان أولَ ما نَسَخَ اللهُ مِن القُرآنِ القِبْلةُ؛ وذلِك أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لمَّا هاجَرَ إلى المدينةِ، وكان أكثَرَ أهلِها اليهودُ، أمَرَهُ اللهُ أنْ يستقبِلَ بيتَ المَقْدِسِ، ففرِحَتِ اليهودُ؛ فاستقبَلَها رسولُ اللهِ ﷺ بِضْعةُ عَشَرَ شهرًا، فكان رسولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ قِبْلةَ إبراهيمَ ﵇، فكان يدعو وينظُرُ إلى السّماءِ، فأنزَلَ اللهُ ﵎: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾، إلى قولِهِ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فارتابَ مِن ذلك اليهودُ، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]، فأنزَلَ اللهُ : ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢]، وقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (١).
وروى معناهُ ابنُ أبي حاتمٍ، عنِ ابنِ أبي بكرٍ، عن مجاهدٍ؛ في قولِه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾: حيثُما كنتُمْ، فلكم قِبْلةٌ تستقبِلُونَها: الكَعْبةُ؛ وجاء عن الحسنِ (٢).
الحكمةُ من ذكرِ المشارق والمغارب جمعًا:
وإنَّما ذكَرَ المشرقَ والمغربَ منفردًا، ولم يذكُرْهُ جمعًا، كما في قولِه تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ [المعارج: ٤٠]؛ لأنَّ المشارقَ والمغاربَ ذُكِرتْ جمعًا لإثباتِ ربوبيَّةِ اللهِ وعظيمِ صنعِه وإتقانِهِ وتسييرِهِ للأجرامِ، واللائقُ بذلك ذِكرُ الجمعِ لإثباتِ كمالِ القدرةِ والعلمِ؛ فالمشارقُ والمغارِبُ هي تعدُّدُ مُطالعِ الشمسِ والقمرِ وغروبِهما في السَّنَةِ، فللشمسِ أكثَرُ مِن مَطْلَعٍ تدورُ وتَرجِعُ إليه كلَّ عامٍ، وتغرُبُ في جزءٍ يقابِلُهُ مِن اليومِ نفسِهِ، ثمَّ تعودُ إليه كلَّ عامٍ؛ وهكذا.
стр. 93
وهذا بخلافِ القِبْلةِ؛ فلا يُذكَرُ تعدُّدُ المشارقِ والمغاربِ؛ لأنَّ القِبْلةَ تُضبَطُ بمشرِقٍ واحدٍ ومغرِبٍ واحدٍ، ثمَّ ينتهي ضبطُها بذلك، فلا تتغيَّرُ الجهةُ بتغيُّرِ مشرقِ الشمسِ والقمرِ ومغربِهما بعدَ ذلك.
وأيضًا: فإنَّ القِبْلةَ جاء الشرعُ بالترخيصِ بالصلاةِ جِهَتَها ولو لم يُصِبِ الإنسانُ عينَها، ولو وَرَدَ ذكرُ المشارقِ والمغاربِ جمعًا في الآيةِ، لَلَزِمَ منه وجوبُ الإصابةِ؛ لأنَّ ضبطَ مطالعِ الشمسِ والقمرِ ومغاربِهما يلزمُ منه ضبطُ دَرَجاتِ ما بينَهما وضبطُ صوبِ القِبْلةِ تحديدًا؛ لأنَّ المحدَّدَ بعلامَتَيْنِ ووصفَيْنِ أوسَعُ ممَّا يحدَّدُ بعلاماتٍ، وما يحدَّدُ بعلاماتٍ وأوصافٍ وأماكنَ متعدِّدةٍ يضيِّقُ الاختيارَ؛ وهذا تشديدٌ يُنافي التيسيرَ في قولِه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
وفي الحديثِ عن ابنِ عمرَ مرفوعًا؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ قِبْلَةٌ) (١). والصوابُ وقفُهُ؛ ثبَتَ عن ابنِ عُمَرَ، مِن حديثِ نافعٍ، عن ابنِ عمرَ؛ قال عمرُ: "ما بينَ المشرِقِ والمغرِبِ قِبْلةٌ"؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي شَيْبةَ (٢)؛ وقال أبو زُرْعةَ: "رفعُهُ وَهَمٌ؛ الحديثُ حديثُ ابنِ عُمَرَ موقُوفًا" (٣).
ورواهُ مالكٌ، عن نافعٍ، عن عمرَ؛ قولَهُ؛ وهو منقطِعٌ (٤)؛ قال أحمدُ: "وهو عن عمرَ صحيحٌ" (٥)؛ وذلك أنَّ غالبَ حديثِ نافعٍ عن عمرَ هو بواسطةِ ابنِه عبدِ اللهِ؛ فقد جاء هذا الخبرُ بواسطتِهِ؛ كما ذكَرَهُ
стр. 94
الدارقطنيُّ في "عللِه"، وقال: "الصوابُ: عن نافِعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن عمرَ؛ قولَهُ" (١).
ورواهُ الترمذيُّ وغيرُهُ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ وفيها ضعفٌ (٢).
وقد قال أحمدُ: "ليس لهُ إسنادٌ" (٣)؛ أي: ليس له إسنادٌ يُعْتَدُّ به؛ يعني: أسانيدُهُ ضعيفةٌ.
ولذا يذكُرُ اللهُ تعالى عندَ ربوبيَّتِهِ وتعظيمِهِ الجمعَ في المطالعِ والمغاربِ، ويذكُرُ أيضًا ما بينَهما مما ليس من المطالِعِ والمغارِبِ؛ قال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات: ٥]، وقال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء: ٢٨] , فذكَرَ ما بينَهما، وهو شاملٌ لبقيةِ المطالِعِ والمغارِب للكواكبِ الأُخرى التي تُرَى والتي لا تُرَى، وزيادة مِن الجهات، وذكَرَ سائرَ المخلوقاتِ.
ولعلَّ ما جاء في سورةِ المزَّمِّلِ مِن القِبْلةِ والتوسعةِ فيها، كان قبلَ نزولِ التوجُّهِ إلى القِبْلةِ، فبعدَما أمَرَ اللهُ نبيَّهُ بِالصلاةِ بقولِهِ: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٧ - ٩]، والجهاتُ أربعٌ، وأكثرُ ما يُذكَرُ المشرِقُ والمغرِبُ؛ لتعلُّقِهما بِالنَّيِّرَيْنِ: الشمسِ والقمرِ، والشمالُ والجنوبُ يستدَلُّ عليهما بالمشرقِ والمغربِ، وبدونِهما لا يُعرَفانِ، والمشرِقُ والمغرِبُ يُعرَفانِ بلا معرفةٍ سابقةٍ بِالشمالِ والجنوبِ، وأولُ ما عرَفَ الإنسانُ مِن الجِهاتِ المشرقُ والمغربُ، ثمَّ تلاهما غيرُهما.
стр. 95
التصويبُ جهةَ القبلةِ:
وتتضمَّنُ الآيةُ التوسعةَ في استقبالِ القِبْلةِ حتى عندَ معرفةِ جهتِها؛ فلا يُشترَطُ التصويبُ لمَن لم يَرَها، فمَن صلَّى إلى الجهةِ ولو انحرَفَ درجةً أو دَرَجاتٍ، يَمْنةً أو يَسْرةً -: صَحَّتْ صلاتُهُ، ما دامتْ ناحيتُهُ لم تتغيَّرْ.
فمَنْ كان في المدينةِ، فجهتُهُ ما بينَ المشرقِ والمغربِ يصلِّي نحوَها، ولو تقلَّبَ بينَها مِن غيرِ تغيُّرِ الجهةِ لا يشدَّدُ عليه إذا لم يصوِّبْ؛ لظاهرِ الآيةِ، ولِمَا رواهُ أحمدُ في "مسندِهِ"، والتِّرمِذيُّ؛ مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ المَخْرَمِيِّ، عن عثمانَ بنِ محمدٍ الأَخْنَسِيِّ، عن سعيدٍ المَقْبُرِيِّ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ؛ قال: (مَا بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ قِبْلَةٌ) (١).
والأَخْنَسيُّ وثَّقَهُ ابنُ مَعِينٍ وغيرُهُ، وعبدُ اللهِ بنُ جعفرٍ المَخْرَميُّ له مناكيرُ؛ كما قاله ابنُ المَدِينيِّ، وقال أيضًا: روي عن سعيدِ بن المسيَّبِ، عن أبي هريرةَ أحاديثَ مناكيرَ (٢).
وأخرَجَه الترمذيُّ وابن ماجهْ؛ مِن طريقِ أبي مَعْشَرٍ نَجِيحٍ السِّنْديِّ، عن محمدِ بن عمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ (٣).
وقد وَهِمَ فيه أبو معشرٍ؛ وهو ضعيفُ الحديِث؛ قال النَّسَائِيُّ: "وأبو معشرٍ المدنيُّ اسمُه نَجِيحٌ؛ وهو ضعيفٌ، ومع ضعفِهِ أيضًا كان قد اختلَطَ، عندَه أحاديثُ مناكيرُ؛ منها: محمدُ بن عمرٍو، عن أبي سلمةَ،
стр. 96
عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ؛ قال: (مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ قِبْلَةٌ) " (١).
وتابَعَهُ عَلَيْهِ عليُّ بنُ ظَبْيانَ؛ فرواهُ عن محمدِ بنِ عمرٍو؛ أخرَجَهُ ابنُ عَدِيٍّ في "الكاملِ" (٢)، وعليُّ بنُ ظَبْيانَ لا يُحتَجُّ به أيضًا (٣).
وحديثُ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ أصحُّ مِن حديثِ أبي معشرٍ؛ قاله البخاريُّ (٤).
وروى الإمامُ أحمدُ - في روايةِ ابنِه صالحٍ - عن أبي سعيدٍ مَوْلى بني هاشمٍ حدَّثَني سليمانُ بنُ بلالٍ؛ قال: قال عمرُو بنُ أبي عمرٍو، عن المُطَّلِبِ بنِ حَنْطَبٍ؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: (مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ قِبلَةٌ؛ إِذَا وَجَّهْتَ وَجْهَكَ نَحْوَ الْبَيْتِ الحَرَامِ) (٥)؛ وهو مرسَلٌ.
ورُوِيَ هذا موقوفًا عن عمرَ وابنِه؛ كما تقدَّمَ، وعن عليٍّ (٦)، وابنِ عباسٍ (٧)، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ (٨)، وغيرِهم.
التكلُّفُ في تصويب القبلةِ:
وكان أحمدُ ينهَى عن التكلُّفِ في التصويبِ على الكعبةِ للبعيدِ عنها بالاهتداءِ بالنجومِ والحسابِ؛ ما دام يعرِفُ الجهةَ، وأنكَرَ على مَن يستدِلُّ
стр. 97
بنجمِ الجَدْيِ على القِبْلةِ (١).
ويجبُ التصويبُ على مَن شاهَدَ الكَعْبةَ إمامًا ومنفردًا؛ لظواهرِ الأدلَّةِ؛ وهو محلُّ إجماعٍ عندَ العلماءِ (٢).
ومَن لم يشاهِدِ الكَعْبةَ ممَّن كان خارجَ المسجدِ، فصلَّى متحرِّيًا صوبَها، فبانَ أنَّه انحرَفَ عن البناءِ قليلًا، صحَّتْ صلاتُه.
دورانُ الصفوفِ عند الكعبةِ:
وأمَّا المأمومُ عندَ البيتِ خلفَ الإمامِ؛ إِنِ امتدَّتْ به الصفوفُ، وخرَجَ خروجًا يسيرًا عن حائطِ الكعبةِ، دون أن يُغيِّرَ جهةَ القِبْلةِ، بشرطِ أن يكونَ وجهُه نحوَها، فصلاتُه صحيحةٌ؛ فالصفوفُ عندَ الكعبةِ كانتْ زمنَ النبيِّ ﷺ وخلفائِهِ جهةَ جدارِ البابِ، فإنْ زادتِ الصفوفُ عن حدِّ الكعبةِ، جاء صفٌّ آخَرُ خَلْفَهم، وأولُ مَن أدارَ الصفوفَ القَسْرِيُّ؛ كما رواهُ الأَزْرَقِيُّ في "أخبارِ مكةَ"، عن سُفيانَ بنِ عُيَيْنةَ؛ قال: "أولُ مَن أدارَ الصفوفَ حولَ الكعبةِ خالدُ بن عبدِ اللهِ القَسْرِيُّ" (٣).
وروى الفاكهيُّ؛ مِن حديثِ ابنِ جُرَيْجٍ؛ قال: أخبَرَني عطاءٌ؛ قال: كان ابنُ الزُّبَيْرِ ﵄ إذا صلَّى بالناسِ، جمَعَهُمْ أجمعينَ وراءَ المَقَامِ، قال: فعِيبَ ذلك عليه، ففال له إنسانٌ: أرأَيْتَ إنْ كان وراءَ المقامِ مِن الناسِ ما لو جمَعَهُمْ حولَ البيتِ، أطافُوا له واحدًا، ولكنْ فيه فُرَجٌ، أيُّ ذلك أَحَبُّ إليك؟ فقال: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]، يقولُ: صفوفُهُمْ حولَ البيتِ أَحَبُّ إِلَيَّ (٤)؛ وهذا استنباطٌ حسَنٌ.
* * *
стр. 98
قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ [البقرة: ١٢٤].
الحكمةُ مِن ابتلاءِ الأنبياءِ:
يبتلِي اللهُ مَن يشاءُ مِن عبادِه، ومنهم الأنبياءُ، وهم أَشَدُّ الناسِ بلاءً واختبارًا؛ تثبيتًا لهم، وشدًّا مِن عَزمِهم؛ فإنَّ النفوسَ لا تثبُتُ وتَقْوَى وتَصبِرُ إلا بعدَ شدةٍ وابتلاءٍ واختبارٍ ومِحَنٍ تَمُرُّ بها؛ وهذا ما أجراهُ على أنبيائِهِ حتى قَبْلَ بَعْثَتِهم؛ لأنَّهم يسْتقبِلونَ حِمْلًا شديدًا، وعِبْئًا ثقيلًا.
وبعدَ ابتلاءِ اللهِ لأنبيائِهِ يأتي أمرُ التوسُّعِ بالتشريعِ والدعوةِ ومواجهةِ الخصومِ، وأعظَمُ بلاءِ الأنبياءِ وورثتِهم عليهم هو في البداياتِ، فيصبرِونَ ويَقْوَوْنَ، ثم يَمُرُّ عليهم البلاءُ، فلا يؤثِّرُ فيهم تأثيرَهُ الأولَ.
ابتلاءُ أصحابِ الولاياتِ:
وفي الآيةِ: دليلٌ على تقديرِ الابتلاءِ والامتحانِ لِمَنْ يحمِلُ شيئًا مِن أمرِ الأمَّةِ؛ لمعرفةِ حالِهِ ومدى صبرِهِ وثباتِه؛ فالاختبارُ يكونُ قبلَ تحمُّلِ الأمانةِ ولو قَلَّتْ؛ قال اللهُ عن اليتامَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦]؛ يعني: اختبِروهم وامتحِنوهم قبلَ تحميلِهم أمرَ المالِ.
وقد ثبَّتَ اللهُ الأنبياءَ عندَ بلائِهم وأعانَهم، ولمَّا ثبَتُوا وصبَرُوا، وَفَى لهم ما أرادهُ لهم مِن تمامِ الاصطفاءِ؛ روى ابنُ جريرٍ؛ مِن حديثِ داودَ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ في قولِهِ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾؛ قال: قال ابنُ عباسٍ: لم يُبْتَلَ أحدٌ بهذا الدِّينِ فأقامَه إلا إبراهيمُ، ابتلاهُ اللهُ بكلماتٍ، فأتَمَّهُنَّ؛ قال: فكتَبَ اللهُ له البراءةَ، فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]؛ قال: عَشْرٌ منها في "الأحزابِ"،
стр. 99
وعَشْرٌ منها في "براءةَ"، وعشرٌ منها في "المؤمنون"، و"سأَلَ سائلٌ"، وقال: إنَّ هذا الإسلامَ ثلاثونَ سهمًا (١).
وفي روايةٍ مِن هذا الطريقِ له؛ قال عن هذه العَشْرِ: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ﴾ , إلى آخِرِ الآيةِ [التوبة: ١١٢]، وعَشْرٌ في "الأحزابِ": ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وعَشْرٌ مِن أولِ سورةِ "المؤمنونَ"، إلى قولِه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩]، وعَشْرٌ في "سأَلَ سائلٌ": ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤] (٢).
ورُوِيَ في معنى هذا الابتلاءِ عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ قولٌ آخَرُ؛ فروى عبدُ الرزَّاقِ - وعنه ابنُ جريرٍ - مِن حديثِ مَعْمَرٍ، عن ابنِ طاوُسٍ، عن أبيهِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾؛ قال: ابتلاهُ اللهُ بالطهارةِ: خمسٌ في الرأسِ، وخمسٌ في الجَسَدِ؛ في الرأسِ: قصُّ الشاربِ، والمضمضةُ، والاستنشاقُ، والسِّوَاكُ، وفَرْقُ الرأسِ، وفي الجسدِ: تقليمُ الأظفارِ، وحَلْقُ العانةِ، والخِتَانُ، ونَتْفُ الإِبْطِ، وغسلُ أثرِ الغائطِ والبولِ بالماءِ (٣).
وروى عبد الرزَّاقِ - وعنه ابنُ جريرٍ - عن مَعْمَرٍ، عن الحَكَمِ بنِ أبانَ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ؛ عن ابنِ عباسٍ، بمِثْلِه؛ ولم يذكُرْ أثرَ البولِ (٤).
ورُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ؛ قال: ستةٌ في الإنسانِ، وأربعةٌ في المَشَاعرِ؛ فالتي في الإنسانِ: حَلْقُ العانةِ، والخِتَانُ، ونَتْفُ الإِبْطِ، وتقليمُ الأظفارِ، وقصُّ الشاربِ، والغُسْلُ يومَ الجمعةِ، وأربعةٌ في
стр. 100
المشاعرِ: الطوافُ، والسعيُ بينَ الصَّفَا والمَرْوةِ، ورميُ الجمارِ، والإفاضةُ (١)؛ رواهُ ابنُ جريرٍ، وسندُه ضعيفٌ؛ فيه ابنُ لَهِيعَةَ.
وروى ابنُ جريرٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ؛ قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾؛ قال: المناسكُ (٢)؛ وهو صحيحٌ.
وروى ابنُ جريرٍ؛ مِن حديثِ ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ؛ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قال اللهُ لإبراهيمَ: إنِّي مُبتلِيكَ بأمرٍ فما هو؟ قال: تجعلُني للناسِ إمامًا! قال: نَعَمْ، قال: ومِن ذُرِّيَّتي، قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾؛ قال: تجعلُ البيتَ مَثَابةً للناسِ، قال: نعم، قال: وأَمْنًا، قال: نعم، قال: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، قال: نعم، قال: وتُرِينا مناسِكَنا وتتوبُ علينا، قال: نعم، قال: وتجعلُ هذا البلدَ آمِنًا، قال: نعم، قال: وترزُقُ أهلَهُ مِن الثمراتِ مَنْ آمَنَ منهم، قال: نَعَمْ (٣).
وثبَتَ عن عِكْرِمةَ هذا القولُ أيضًا؛ رواهُ ابنُ جريرٍ (٤).
وأخرَجَهُ الطبريُّ؛ مِن حديثِ إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ؛ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ فمنهنَّ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، وآياتُ النُّسُكِ (٥).
وهذا مِن اختلافِ التنوُّعِ، والمرادُ هو: ما ابتَلَى اللهُ به إبراهيمَ مِن أوامرَ وأحكامٍ شرعيَّةٍ ونوازلَ قَدَريَّةٍ، قدَّرَها اللهُ بكلماتِهِ وقضائِهِ عليه، فأتَمَّها ووفَّى بها؛ أيْ: ثبَتَ على ابتلاءِ الأقدارِ، وأدَّى ما أُمِرَ به مِن التشريع.
стр. 101
وفي هذه الآياتِ: دليلٌ على أنَّ الثباتَ على الابتلاءِ مِن اللهِ بنوعَيْهِ الشرعيِّ والكونيِّ: مِن أعظمِ مَنَاقِبِ الأنبياءِ وخِصَالِهم، وأنَّ الرأسَ في الحقِّ لا بدَّ أن يُبتلَى أكثَرَ مِن غيرِه؛ كالرأسِ مِن الجسدِ هو أكثرُ الجسدِ بلاءً وفتنةً وإصابةً، وإذا ثبَتَ الرأسُ، ثَبَتَ الجسدُ، وإذا تهاوَى وانتكَسَ، انتكَسَ معه الجسدُ؛ فلا ينتكسُ جسدٌ إلا والرأسُ يَسْبِقُهُ.
وفي سؤالِ إبراهيمَ لربِّه: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾: دليلٌ على عدمِ جوازِ طاعةِ الظالمِ، وعلى عدمِ جوازِ تَوْلِيَتِه بالاختيارِ؛ فعندَ ابنِ جريرٍ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾؛ قال: "لا يكونُ إمامًا ظالمًا" (١).
ورواهُ عن ابنِ أبي نَجيحٍ عن عِكْرِمةَ مِثلَهُ (٢).
ولمَّا كانتْ ذريةُ إبراهيمَ فيها الظالمُ، وامتنَعَ اللهُ عن جعلِ ذريةِ إبراهيمَ جميعهم أئمةً كإبراهيمَ، دلَّ على أنَّ الفضلَ لا يُورَثُ، فأعظَمُ فضلٍ مقامُ النبوَّةِ، فلا يَرِثُهُ وارثٌ، والصلاحُ لا يُورَثُ، وكذلك العِلْمُ، وإذا كان هذا في إبراهيمَ، فكيف بذريَّةِ غيرِه؟ !
ويخرُجُ مِن هذا مَن يولَّى مِن الظَّلَمةِ؛ لدفعِ ظلمٍ أشَدَّ منه، فهذا دفعٌ لمفسدةٍ بما هو دونَها، وكدلك الظالمُ المستبِدُّ الذي يتولَّى قهرًا يُطاعُ بالمعروفِ ما دامَ يُقيمُ الصلاةَ ويُظهِرُ الإسلامَ ويشرِّعُهُ، ولا يُطاعُ في المعصيةِ.
وفي الآيةِ: دليلٌ على أنَّ إمامةَ الناسِ وقيادتَهم لا تكونُ توريثًا، وقد سألَها إبراهيمُ ربَّه، فلم يُعْطَهَا: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾
стр. 102
واللهُ منَعَ إمامةَ الظالمِ؛ لوجودِهِ فيهم، وأنَّ القولَ بتوريثِ الإمامةِ والقيادةِ يلزَمُ منه عدمُ خروجِ الأمرِ منهم؛ وهذا لا يُعرَفُ في دينِ الإسلامِ، وكان مِن قبلُ سُنَّةَ فارسٍ والرومِ.
وروى أبو يَعْلَى وابنُ أبي حاتمٍ؛ من طريقِ إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ؛ أخبَرَني عبدُ اللهِ؛ قال: إنِّي لفي المسجِدِ حينَ خطَبَ مَرْوانُ، فقال: إنَّ اللهَ أرَى أميرَ المؤمنينَ في يَزِيدَ رأيًا حسنًا، وإنْ يَستخلِفْهُ فقد استخلَفَ أبو بكرٍ وعمرُ، فقال عبدُ الرحمنِ بنُ أبي بكرٍ: أهِرَقْلِيَّةٌ؟ ! إنَّ أبا بكرٍ واللهِ ما جعَلَها في أحدٍ مِن وَلَدِه، ولا أحدٍ مِن أهلِ بيتِه، ولا جعَلَها معاويةُ في ولدِهِ إلا رحمةً وكرامةً لولدِه (١).
والتزامُ توريثِ الوِلَاياتِ مِن أظهرِ أسباب وجودِ الظَّلَمةِ والمستَبِدِّينَ والجَهَلةِ؛ لأنَّهم يعلَمون أنَّ الأمرَ فيهم، وأنَّ ظهورَهم لا يلزَمُ منه العِلْمُ والصلاحُ والتَّقْوى والسياسةُ والأمانةُ، فتَعَطَّلَتْ أسبابُ تحصيلِ الوِلَايةِ؛ لأنَّهم يَرَوْنَ أنفسَهم يَصِلُونَ إليها بالنَّسَبِ فقطْ، والنسبُ ثابتٌ لا يُنزَعُ.
ومِن السَّلَفِ: مَن حمَلَ المعنى على أمرِ الآخِرةِ؛ فقد روى ابنُ جريرٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾: ذلكم عندَ اللهِ يومَ القيامةِ، لا ينالُ عهدَه ظالمٌ، فأمَّا في الدُّنيا، فقد نالوا عهدَ اللهِ، فتوارَثُوا به المسلمينَ وغازَوْهم وناكَحُوهم به، فلمَّا كان يومُ القيامةِ، قَصَرَ اللهُ عهدَهُ وكرامتَهُ على أوليائِه (٢).
* * *
стр. 103
قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥].
جعَلَ اللهُ بيتَه - وهو المسجدُ الحرامُ، والمرادُ به هنا: الكَعْبةُ - مكانًا يُذهَبُ إليه مرةً بعدَ مرةٍ، والبيتُ اسمُ جنسٍ لكلِّ مكانٍ يُباتُ فيه أو مِثْلُهُ يُبَاتُ فيه، سواءٌ كان لواحدٍ أو لجماعةٍ، ومِن أيِّ شيءٍ بُنِيَ فهو بيتٌ، سواءٌ كان مِن حَجَرٍ أو طِينٍ؛ كما في ظاهرِ الآيةِ، أو كان مِن الشَّعَرِ والصُّوفِ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا﴾ [النحل: ٨٠]، والجامعُ في ذلك أنْ تكونَ مسقوفةً، وما ليس بمسقوفٍ لا يسمَّى بيتًا؛ بل يسمَّى حائطًا ونحوَهُ.
(البيت) علم على المسجد الحرام:
وأصبَحَ لفظُ البيتِ علَمًا على الكعبةِ؛ هكذا في كتابِ اللهِ، وفي السُّنَّةِ والأثرِ؛ قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦]، وقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش: ٣].
وهكذا يَعرِفُهُ حتى الجاهليُّون؛ قال زُهَيْرٌ:
فَأَقْسَمْتُ بِالْبَيْتِ الَّذِي طَافَ حَوْلَهُ … رِجَالٌ بَنَوْهُ مِنْ قُرَيْشٍ وَجُرْهُمِ (١)
стр. 104
وقد بناهُ إبراهيمُ ﵇؛ مِن أجلِ عبادةِ اللهِ وتوحيدِه، يَذْهَبونَ ويَجِيئونَ إليه في مواسمَ معلومةٍ وغيرِ معلومةٍ.
ولذا قال تعالى: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾؛ مِن "ثَابَ يثوبُ: إذا رجَعَ"، ويلُوذونَ به مِن كلِّ سوءٍ متى ما لَحِقَ بهم مرةً بعدَ مرةٍ.
رُوِيَ هذا المعنى عن أبي العاليةِ (١)، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ في إحدى روايتَيْه (٢)، وعطاءٍ (٣)، ومجاهدٍ (٤)، والحسنِ (٥)، وعطيةَ (٦)، والربيعِ بنِ أنسٍ (٧)، والسُّدِّيِّ (٨)، وغيرِهم.
وقيل: مَجْمَعًا للناسِ؛ رُوِيَ هذا عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمةَ، وغيرِهما (٩).
مشروعيَّةُ المتابَعَةِ بين الحجِّ والعمرةِ:
وعلى التفسيرِ الأولِ: ففي الآيةِ دليلٌ على مشروعيَّةِ المتابَعَةِ بينَ الحجِّ والعمرةِ؛ وهذا المعنى مِن قولِه: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾؛ ففي "المسندِ"، و"السننِ"، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؛ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ والذُّنُوبَ؛ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ وَالذَّهَبِ والْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ المَبْرُورَةِ ثَوَابٌ دُونَ الجَنَّةِ) (١٠).
ورُوِيَ في "المسندِ"، عن عمرَ وعامرِ بنِ ربيعةَ، نحوُهُ (١١).
стр. 105
وتَكْرارُ الحجِّ والعمرةِ لا حدَّ له، إلا أنَّه ينبغي للمعتمرِ أنْ يعتمِرَ في كلِّ سَفْرةٍ مرةً واحدةً، ولو تقاربَتِ الأيامُ.
وإنْ حجَّ الإنسانُ في كلِّ عامٍ، فذاك عملٌ جليلٌ، وإنْ حجَّ كلَّ خمسةِ أعوامٍ، فقد روى سعيدُ بنُ منصورٍ، وابنُ حِبَّانَ، والبيهقيُّ، والطَّبَرانيُّ؛ مِن حديثِ العلاءِ بنِ المسيَّبِ، عن أبيهِ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ؛ أنَّ رسولَ اللهِ قال: (يَقُولُ اللهُ : إِنَّ عَبْدًا أصْحَحْتُ لَهُ بَدَنَهُ، وأَوْسَعْتُ عَلَيْهِ فِي الرِّزْقِ، لَمْ يَفِدْ إِلَيَّ فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ أعْوَامٍ لمَحْرُومٌ) (١).
وروى البيهقيُّ؛ مِن حديثِ العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، مرفوعًا، وقال: (فِي كُلِّ خَمْسَةِ أَعْوَامٍ) (٢).
ورُوِيَ عن العلاءِ بنِ المسيَّبِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ (٣).
وهو وَهَمٌ، والصحيحُ: أنَّه عن العلاءِ بنِ المسيَّبِ، واختُلِفَ عليه فيه:
تارَةً: عن أبيهِ، عن أبي سعيدٍ؛ أخرَجَهُ سعيدٌ، وابنُ حِبَّانَ، والبيهقيُّ، والطبرانيُّ، مرفوعًا (٤)، وجاء هذا موقوفًا؛ أخرَجَهُ عبدُ الرزَّاقِ (٥).
وتارَةً: عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ؛ ذكَرَه ابنُ أبي حاتمٍ في "عِلَلِهِ" موقوفًا ومرفوعًا (٦).
стр. 106
وتارةً: عن يونُسَ بنِ خَبَّابٍ، عن أبي سعيدٍ، أخرَجَهُ الدارقطنيُّ في "العللِ"، والبيهقيُّ، والخطيبُ البغداديُّ في "تاريخِ بغدادَ" (١).
وروايةُ يونسَ تارَةً مرفوعًا، ومنهم مَن يَقِفُهُ (٢).
قال أبو حاتمٍ وأبو زُرْعَةَ في حديثِ أبي هريرةَ: "هذا عندَنا منكَرٌ مِن حديثِ العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، وهو مِن حديثِ العلاءِ بنِ المسيَّبِ أَشْبَهُ" (٣).
وأنكَرَهُ البخاريُّ وابنُ عديٍّ (٤).
والذي يَرْوِيهِ عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ: صدقةُ بنُ يزيدَ؛ وهو ضعيفٌ؛ تفرَّدَ به عن العلاءِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ (٥).
وقال أبو حاتمٍ: "والناسُ يضطرِبونَ في حديثِ العلاءِ بنِ المسيَّبِ" (٦).
ووصَفَهُ مَرَّةً بالاضطرابِ (٧).
ويميلُ أبو حاتمٍ إلى أنَّ الأرجحَ فيه: مِن حديثِ العلاءِ بنِ المسيَّبِ، عن يونسَ بنِ خَبَّابٍ، عن أبي سعيدٍ، وهو موقوف مرسل أشبهُ.
стр. 107
قال أبو حاتم فيه: "لم بسمعْ يونسُ من أبي سعيدٍ" (١).
وأخرَجَهُ أبو يعلى؛ من طريقِ المسعوديِّ، عن يونسَ بنِ خَبَّابٍ، عن رجلٍ، عن خَبَّابِ بنِ الأَرَتِّ، مرفوعًا (٢).
ولا يصحُّ.
وأخرَجَهُ الخطيبُ في "المُوضِحِ"؛ مِن طريقِ قيسِ بنِ الربيعِ، عن عبَّادِ بنِ أبي صالحٍ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، وقال فيه: (في ثَلَاثِ سِنِينَ) (٣).
وهو منكَرٌ.
ورواهُ الطبرانيُّ وأبو يعلى، عن أبي الدرداءِ (٤).
ولا يصحُّ في تحديدِ أزمةِ متابعةِ الحجِّ والعمرةِ شيءٌ، والنصوصُ جاءتْ باستحبابِ المتابعةِ بلا حدٍّ.
أمنُ المسجدِ الحرامِ وأنواعُهُ:
وقولُه: ﴿وَأَمْنًا﴾: لمَّا كان البيتُ آمِنًا بتحريمِ اللهِ له لإبراهيمَ، وكان سببًا لتحقُّقِ الأمنِ لِمَنْ لاذَ به -: سمَّى اللهُ البيتَ أمْنًا، فكان الهارِبُ مِن ظُلْمِ ظالمٍ يلوذُ به وينجُو؛ فله هَيْبةٌ حتى في نفوسِ الظَّلَمةِ والجبابرةِ، يخافونَ مِن الظُّلْمِ فيه وسفكِ الدماءِ حولَهُ.
روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ؛ قال: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾: أمنًا مِن العدوِّ، وأنْ يُحمَلَ فيه السلاحُ (٥).
стр. 108
وهذا الأمنُ هو للظُّلْمِ فيه، وأمَّا إقامةُ الحدودِ في الحَرَمِ على المُقترِفِ لجُرْمٍ، فهذا مَحَلُّ خلافٍ يأتي الكلامُ عليه عندَ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١].
وهذا الأمنُ المذكورُ في الآيةِ مستلزِمٌ للمعنيَيْنِ الكونيِّ والشرعيِّ:
فالكونيُّ: يُظهِرُ أنَّ للهِ سُنَّةً في حمايةِ بيتِهِ، وتهديدِ المتعدِّي عليه وعلى مَنْ فيه بالعذابِ الأليمِ، ويمكِّنُ اللهُ مَن يستبيحُهُ بقَدَرٍ أيضًا؛ كما في هَدْمِ ذي السُّوَيْقَتَيْنِ للكَعْبةِ (١)، وكما جعَلَ اللهُ - لِحِكْمةٍ بالغةٍ - مِن فِتْنةٍ؛ كحصارِ الحَجَّاجِ لابنِ الزُّبَيْرِ والناسِ معه، وسَلْبِ القَرَامِطَةِ للحَجَرِ وقتلِ الناسِ حينَما تولَّى ذلك أبو طاهِرٍ سُليمانُ بنُ الحَسَنِ الجَنَّابِيُّ، فللَّهِ مقدارٌ كونيٌّ مِن الأمنِ قدَّرَهُ، وهو غالبُ حالِها، فتظهَرُ مِنَّةُ اللهِ على الإنسانِ، ويقدِّرُ خلافَ ذلك لحكمةٍ بالغةٍ؛ كما يخلُقُ اللهُ الإنسانَ على أحسنِ تقويمٍ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، وفيهم نادرًا مَن يُولَدُ معيبًا، فالصورةُ الغالبةُ والنادرةُ مِن قدَرِ اللهِ، وكلٌّ لِحِكْمةٍ.
وأمَّا الشرعيُّ، فما حرَّمَ اللهُ في الحَرَمِ؛ مِن مقاتَلةِ المشرِكِينَ، وتنفيرِ الصيدِ، وقطعِ الشجرِ، ونحوِ ذلك المعنى.
وقولُه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾: قرَأَه نافعٌ وابنُ عامرٍ بصيغةِ الماضي (٢)؛ أيِ: اتَّخَذَ الناسُ مقامَ إبراهيمَ مصلًّى بعدَما جعلْناهُ مَثَابةً لهم وأَمْنًا؛ وهذا يدلُّ على أنَّ الصلاةَ خلفَ المقامِ منذُ زمنِ
стр. 109
إبراهيمَ، وهي مِن سننِ الحنيفيَّةِ السَّمْحَةِ مِن أوَّلِها، ولا تختصُّ بهذه الأمَّةِ.
والمرادُ بمقامِ إبراهيمَ: الحَجَرُ الذي كان يقفُ عليه عندَ البناءِ؛ قاله ابنُ عباسٍ.
وروى البخاريُّ ومسلمٌ، عن عُمَرَ بنِ الخطابِ ﵁؛ قال: "وافقتُ ربِّي في ثلاثٍ؛ فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، لو اتَّخَذْنا من مقامِ إبراهيمَ مصلًّى؛ فنزَلَتْ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ " (١).
وهو المرادُ بهذه الآيةِ؛ وإلا فمقامُ إبراهيمَ يشملُ كلَّ مناسكِ الحجِّ.
روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن ابنِ جُرَيْجٍ؛ قال: سألتُ عطاءً عن: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، فقال: سمعتُ ابنَ عباسٍ قال: أمَّا مقامُ إبراهيمَ الذي ذُكِرَ ههنا، فمقامُ إبراهيمَ هذا الذي في المسجدِ، قال: ومقامُ إبراهيمَ الحجُّ كلُّه، ثمَّ فسَّرَهُ عطاءٌ، فقال: التعريفُ، وصلاتانِ بعَرَفةَ، والمَشْعَرُ، ومِنًى، ورميُ الجِمَارِ، والطوافُ بينَ الصَّفا والمروةِ، فقلتُ: فَسَّرَهُ ابنُ عباسٍ؟ قال: لا، ولكن قال: مقامُ إبراهيمَ الحجُّ كلُّه، قلتُ: أَسَمِعْتَ ذلك لهذا أَجْمَعَ؟ قال: نَعَمْ؛ سمعتُ منه (٢).
الصلاةُ خَلْفَ مقامِ إبراهيم:
ويُتَّخَذُ مقامُ إبراهيمَ موضعًا للصلاةِ على سبيلِ العمومِ، وآكَدُها ركعتَا الطوافِ؛ كما ثبَتَ عن النبيِّ في "الصحيحينِ"؛ أنَّه كان يُصلِّيهما بعدَ طوافِهِ (٣)، وعلى هذا أصحابُهُ، وإنَّما اختلَفُوا في صلاةِ ركعتَيِ الطوافِ في وقتِ النهيِ: هل تصلَّى أو لا؟
стр. 110
وقال بعضُ العلماءِ: إنَّ معنى قولِهِ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾؛ أيْ: مَدْعًى؛ أيْ: مكانًا للدعاءِ؛ روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾؛ قال: مَدْعًى (١).
وقولُه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾: عَهِدَ اللهُ إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ بتطهيرِ البيتِ مِن جميعِ النجاساتِ الحِسِّيَّةِ والمعنويَّةِ؛ مِن الشِّرْكِ قولًا وعملًا واعتقادًا أنْ يقعَ حولَهُ، ومِن الأقذارِ والأنجاسِ.
والعهدُ عدَّاهُ هنا بـ "إلى"، ومعناهُ الوصيَّةُ، وإذا لم يُعَدَّ بـ "إلى"، فمعناهُ: عهدٌ مؤكَّدٌ بلزومِ وحتميَّةِ وقوعِه، وهو العهدُ القَدَرِيُّ، والعهدُ عهدانِ: عهدٌ قدريٌّ؛ كقولِه تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وشرعيٌّ؛ وهو كما في هذه الآيةِ.
وفي هذه الآيةِ: دَلَالةٌ على أنَّ مَنْعَ المشرِكِينَ مِن دخولِ المسجدِ الحرامِ وصيَّةُ اللهِ لإبراهيمَ وإسماعيلَ؛ وهذا رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ؛ رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ، عن ابنِ جُبَيْرٍ، عنه (٢).
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]؛ والنجاسةُ هنا نجاسةُ كُفْرٍ، وهي النجاسةُ المعنويَّةُ، والواجبُ فيها: التطهيرُ بالإيمانِ، أو بالإزالةِ وذلك بإخراجِ الكافرِ مِن هذا الموضعِ.
وفي الآيةِ: دَلَالةٌ على أنَّ هَيْبةَ المسلمينَ تكونُ باجتماعِهم بلا مُشْركٍ، خاصَّةً في مواضعِ العبادةِ.
المُكْثُ في المسجدِ، والنَّومُ فيه:
وقولُه: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: العاكفُ