← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ ! )، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا. . .﴾ [الروم: ٣٠] الآيَةَ (١). وقد وَجَّهَ اللهُ خطابَهُ للناسِ كافَّةً بإباحةِ كلِّ ما في الأرضِ واصفًا إيَّاهُ بالطَّيِّبِ؛ لإدراكِهِمْ جميعًا لمعناهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾، والنفوسُ هي التي يقعُ منها التبديلُ؛ لهوًى أو مسخٍ؛ قال تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢]. ولاستواءِ النفوسِ في إدراكِ الطيِّبِ مِن المأكلِ؛ وَجَّهَ سبحانه الخطابَ بالصيغة نفسِها حتى للرُّسُلِ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١]. والوصفُ بالطيِّب دليلُ امتنانٍ، والامتنانُ مِن قرائنِ الإباحةِ، والقرينةُ لا يُحتاجُ إليها إلا عندَ فقْدِ النصِّ الصريحِ، ولكنَّه ذكَرَها هنا؛ إشعارًا بأنَّ الإباحةَ هنا ليستْ لمباحٍ تستوي جهاتُهُ فتوسَّطَ بين التحريمِ والوجوبِ، ولكنَّه لمباحٍ فوقَ ذلك يستوجِبُ شكرًا للهِ. ويُؤخذ مِن هذه الآيةِ: أنَّ مِن علاماتِ ما لم يُستَثْنَ مِن أصلِ الحِلِّ: ما عرَفَتْهُ النفسُ بالطيِّبِ، ولم يُسْتخبَثْ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وإذا اختلَطَ على النفسِ معرفةُ الطيِّبِ من الخبيثِ لانتكاسةِ الفِطَرِ، فيُرجَعُ إلى عمومِ النصِّ؛ لأنَّ العمومَ هنا أقوَى؛ فمضمونُ العموم الإباحةُ، وأمَّا الاستخباثُ، فمخصِّصٌ للعمومِ، وإذا ضَعُفَ إعمالُ المخصِّصِ، بقِي اللفظُ على عمومِه. فالإباحةُ دُلَّ عليها بالنداءِ لعمومِ الناسِ، وبقولِه: ﴿كُلُوا﴾، وبقولِه: ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾، وبالاستثناءِ مِن العامِّ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾؛

стр. 142

وذلك أنَّ الاستثناءَ يُفيدُ العمومَ للمستثنَى منه؛ لأنَّ المستثنَى عادةً يكونُ أقلَّ مِن المستثنَى منه. فضلُ نعمةِ الأكلِ على غيرها من النِّعَمِ: وفي الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ الأصلَ في كلِّ مسكونٍ ومطعومٍ وملبوسٍ: الحِلُّ، وإنَّما خَصَّ الأكلَ بالذِّكْرِ؛ لأنَّه أظهرُ النِّعمِ وأولُ أسبابِ البقاءِ في الأرضِ، وكلُّ نعمةٍ تأتي بعدَه، وهو أولُ المِنَنِ التي بيَّنَها اللهُ لآدمَ، فقال: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨]، وأولُ واجباتٍ على السلطانِ لرعيَّتِهِ. كفايتُهم الطعامَ، وكفايتُهم اللباسَ. والإنسانُ لا يستطيعُ العيشَ أيَّامًا متتابعةً بلا أكلٍ، بينَما يعيشُ سِنِينَ بلا مَلْبَسٍ ولا مَسْكَنٍ ولا مَنْكَحٍ؛ ولذا يَزْهَدُ الإنسانُ بمسكنِهِ وملبسِهِ ليأكُلَ؛ دفعًا لزوالِه، فإذا جَفَّتِ الأرضُ وأجْدَبتْ، وحُبِسَ القَطْرُ، ارتَحَلَ وترَكَ دارَهُ ومسكنَهُ ليسكُنَ في بلدٍ يأكُلُ فيها ويَشْرَبُ؛ ولذا فاللهُ وصَفَ الأكلَ بالطيِّبِ في القرآنِ أكثَرَ مِن المَلْبَسِ والمسكنِ والمَنْكَحِ. وبَيَّنَ اللهُ أنَّ الأصلَ في المأكولِ الحِلُّ؛ حتى لا تَضِيقَ نفسُهُ بالمحرَّمِ المعدودِ؛ فإنَّ عَدَّ المحرَّماتِ مِن غيرِ بيانِ الأصلِ يُدخِلُ في النفسِ التشوُّفَ إليها والتفكُّرَ فيها؛ حتى ينشغِلَ الإنسانُ بها فيَطْمَعَ في أكلِها؛ كما كان ذلك من آدَمَ ﵇: أُحِلَّت له الجنةُ كلُّها شجرًا ونهرًا ولحمًا إلا شَجَرةً واحدةً، فأكثَرَ عليه الشيطانُ التفكُّرَ فيها؛ حتى تشوَّفَتِ النفسُ فأكَلَ، فضاقتْ على آدمَ الجنةُ مع سَعَتِها، واتَّسعَتِ الشجرةُ مع ضِيقِها؛ فكيف، بإبليسَ في دنيا ضيقةٍ، ومحرَّماتٍ عِدَّةٍ؟ ! وإذا كانت نعمةُ الأكلِ هي أعظمَ نِعَمِ البقاءِ للإنسانِ، والأصلُ فيها الحِلَّ، فمِن بابِ أَولى ما كان دُونَها مِن ملبسٍ ومسكنٍ، إلا ما خَصَّهُ الدليلُ بتحريمٍ؛ لعِظَمِ الوقوعِ فيه بلا استباحةٍ؛ كالمَنْكَحِ.

стр. 143

الأصلُ في النكاحِ الحِلُّ: وقد يُقالُ: إنَّ الأصلَ في النكاحِ: الحِلُّ عندَ توافُرِ شروطِه وانتفاءِ موانعِه؛ فالمحرَّماتُ على التأبيدِ على الإنسانِ قليلةٌ، والمباحاتُ له على الدوامِ أكثرُ، ولكنَّ الشريعةَ ضبَطَتِ الإباحةَ وقيَّدتْها؛ ولذا قال اللهُ تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، فأطلَقَ الحِلَّ ووصَفَهُ بالطيِّبِ، ثمَّ بَيَّنَ قيودَهُ. وكما أنَّ اللهَ أباحَ للإنسانِ لحمَ الحيوانِ، وقيَّدَ إباحتَهُ بأنْ يكونَ ذُبِحَ للهِ لا لغيرِه، كذلك النكاحُ الأصلُ فيه الحِلُّ، ويُشترَطُ أن يكونَ على حُكْمِ اللهِ وشروطِهِ التي وضَعَ، وكذلك فيجوزُ له وَطْءُ الإماءِ بلا عددٍ وحصرٍ. هذا وجهٌ لمَن قال: "إنَّ الأصلَ في الفُرُوجِ الإباحةُ". والأشهرُ القولُ بالتحريمِ؛ لأنَّ ما خصَّصه الشارع له أقلُّ ممَّا منَعَهُ منه، فقيَّدَ له الجمْعَ بأربعةِ شروطٍ، ومنَعَه من الزيادةِ. وذكَرَ جماعةٌ مِن الفقهاءِ مِن المالكيَّةِ والشافعيَّةِ وغيرِهم: أنَّ الأصلَ في الحَيَوانِ التحريمُ؛ قالوا: لأنَّه لا يَحِلُّ إلا بالذَّكَاةِ والصيدِ، ويَضبِطونَ القاعدةَ بقولِهم: "الأصلُ في الذبائحِ والصيدِ: التحريمُ"؛ وهذا صحيحٌ، ولكنَّ ذَبْحَهُ وصيدَهُ لا يُخرِجُهُ عن أصلِ إباحتِه. والأصلُ المتقرِّرُ عندَ الشافعيِّ: حِلُّ الأشياءِ، إلا ما فُصِّلَ تحريمُهُ بدليلٍ. وإنَّما ذكرَ اللهُ الأرضَ؛ لدخولِ جميعِ أجزائِها فيها؛ كالبحرِ والنهرِ والبَرِّ، سهلًا وجبلًا؛ فالأرضُ اسمٌ لعمومِ ما كان تحتَ قدمِ الإنسانِ.

стр. 144

سَعَةُ الحلالِ، وضيقُ الحرامِ: ونهيُهُ سبحانَهُ عن اتِّباعِ خطواتِ الشيطانِ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: إشارةٌ إلى أنَّ هناك محرَّماتٍ مستثناةً مِن الأصلِ المباحِ، ولكنَّها يسيرةٌ، فوصَفَها بالخطواتِ مِن سَعَةِ الأرضِ؛ فاللهُ سبحانه أباح الأرضَ بأميالِها سهولًا وجبالًا، وبحارًا وأنهارًا، وحَرَّمَ خطواتٍ يسيرةً للشيطانِ، وإذا انشغَلَ عقلُ الإنسادِ بخطواتِ الشيطانِ، أحبَّها ورأَى أنَّها تعادِلُ سَعةَ الأرضِ، وأنَّ حريَّتَهُ سُلِبَتْ. وكثيرٌ مِن المنشغلينَ بمبادئِ الحرياتِ في عصرِنا يُدِيمُ النظرَ في الممنوعِ الضيِّقِ، ويعطِّلُ نظرَهُ عن المباحِ الواسعِ؛ فيَرَى أنَّ الممنوعَ أعظمُ وأوسعُ، فيَرَى أنَّه سُلِبَ حريةَ الاختيارِ، واللهُ أحَلَّ الأرضَ كلَّها، وحرَّمَ خطواتِ يسيرةً منها، والحريةُ أنْ تعيشَ في سَعَةِ الأرضِ، لا في ضِيقِ الخطواتِ، ومَن عاش في ضِيقِ خطواتِ الشيطانِ، فإنَّه لا يُبصِرُ أنَّ الشيطانَ سلَبَهُ حريتَهُ مِن الأرضِ الواسعةِ؛ ليُقَيِّدَ عيشَهُ في خطواتٍ منها. واللهُ تعالى وصَفَ الشيطانَ بالعداوةِ للإنسانِ، والعداوةُ للإنسانِ على مراتبَ؛ أعلاها وأَبْيَنُها وضوحًا: العداوةُ التي لا ينتفعُ منها المعتدِي، وإنَّما يفعلُها كيدًا ومَكْرًا بالعدوِّ، وهذه عداوةُ إبليسَ، فليس له انتفاعٌ مِن عداوةِ الإنسانِ؛ ولذا وصَفَ اللهُ عداوتَه بالمُبِينَةِ: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. وعداوةُ إبليسَ واضحةٌ؛ فليستِ انتقامًا تشتبِهُ بطلبِ حقٍّ، أو انتصارًا مِن مَظْلِمَةٍ، وهذه العداوةُ المُبِينَةُ التي لا تحتاجُ إلى إيضاحٍ وتحذيرٍ لكلِّ أحدٍ، ومع ذلك: حذَّرَ اللهُ عبادَهُ مِن عداوةِ الشيطانِ؛ لأنَّ الشيطانَ لا يأتي للإنسانِ بصفتِه الشيطانيَّةِ الإبليسيَّةِ، ولكنْ يأتِيهِ مسوِّلًا له أنَّ هذا في صالحِهِ ومنفعتِه؛ ولذا الْتبَستْ عداوتُه؛ فاللهُ يبيِّنُ

стр. 145

حِيَلَهُ ومكايدَهُ وتلبيسَهُ أكثرَ مِن بيانِ حالِه في ذاتِه؛ لأنَّها لا تخفَى. واللهُ إنَّما نَهَى عن اتِّباعِ خطواتِ الشيطانِ؛ تنبيهًا إلى أنَّ الإنسانَ بوقوعِهِ في المحرَّمِ يَتَّبِعُ طريقَ الشيطانِ وفِعْلَهُ؛ فالتتبُّعُ هو تقصِّي الأثرِ لطريقٍ سُلِكَ مِن قبلُ. ويَظهرُ من الآيةِ: أنَّه ما مِن محرَّمٍ على الإنسانِ إلا والشيطانُ يفعلُهُ؛ إذا كان مما يَقدِرُ على فعلِهِ لطبيعتِه الخَلْقيَّةِ، ويُظهِرُ هذا: أنَّ الشارعَ كثيرًا ما ينهَى عن أشياءَ، ويعلِّلُ النهيَ عن فِعلِها بكونِ الشيطانِ يفعلُها؛ كالأكلِ بالشمالِ، والمشيِ بنعلٍ واحدةٍ، ونحوِ ذلك. وفي الآيةِ: قرينةٌ لِمَنْ مالَ إلى تحريمِ الأفعالِ التي دلَّ الدليلُ على أنَّ الشيطانَ يفعلُها، وأنَّ النهيَ عنها على التحريمِ لا على الكراهةِ؛ فاللهُ جعَلَ خطواتِ الشيطانِ بمقامِ أعمالِه، فخطواتُهُ: أعمالُهُ؛ هكذا فسَّرَهُ السلفُ؛ فقد روى الطبريُّ؛ مِن حديثِ معاويةَ بنِ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ قولَهُ: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾؛ يقولُ: عملَهُ (١)، وصحَّ عن مجاهدٍ، وقتادةَ: أنَّها خطاياهُ (٢). وهذه مسألةٌ لها مواضعُ لبسطِها. وقد جعَلَ بعضُ السلفِ: أنَّ ما يحرِّمُهُ الإنسانُ على نفسِه ممَّا يخالِفُ أصلَ الحِلِّ ممَّا لا نصَّ فيه: مِن خطواتِ الشيطانِ؛ فسَّرَهُ بذلك ابنُ مسعودٍ وغيرُهُ؛ فقد روى الطَّبَرانيُّ والبيهقيُّ مِن حديثِ أبي الضُّحَا، عن مسروقٍ؛ قال: أُتِيَ عبدُ اللهِ بضَرْعٍ، فأخَذَ يأكُلُ منه، فقال للقومِ: ادْنُوا، فدَنَا القومُ، وتنحَّى رجلٌ منهم، فقال عبدُ اللهِ: ما شأنُك؟ قال: إنِّي حَرَّمْتُ الضَّرْعَ، قال: هذا مِن خُطُواتِ الشيطانِ، ادْنُ، وكُلْ، وكَفِّرْ

стр. 146

يَمِينَكَ، ثمَّ تلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] (١). وقد روى سعيدُ بن منصورٍ وابنُ جريرٍ، عن سُلَيْمانَ، عن أبي مِجْلَزٍ؛ في قولِه: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾؛ قال: "هي النذورُ في المعاصِي" (٢). ويَظهرُ هذا التأويلُ في قولِه تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢) ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الآياتِ [الأنعام: ١٤٢ - ١٤٣]؛ فذكَرَ الأصلَ، وهو الحِلُّ، ثمَّ حذَّرَ مِن خطواتِ الشيطانِ، وفصَّلَ بينَ الحِلِّ وتحريمِ الشيطانِ. واللهُ تعالى وجَّهَ الخطابَ لعمومِ الناسِ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾، وتوجيهُ الخطابِ للعمومِ، دليلٌ أنَّ مضمونَ الخطابِ عامٌّ؛ إما في التحليلِ أو التحريمِ، وكلَّما اتَّسَعَتْ دائرةُ المخاطَبِينَ، اتَّسعَ مضمونُ خطابِهم. ويدخُلُ في عمومِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ عمومُ البشرِ؛ المسلمُ والكافرُ، والخطابُ إذا توجَّهَ إلى أهلِ مِلَّتَيْنِ دلَّ على عمومِه، ولا يدخُلُهُ التقييدُ إلا في النادرِ. وقد اختَلفَ العلماءُ في دخولِ الكفارِ في خطابِ العمومِ في هذه الآيةِ، وهل يحاسَبُونَ في الآخِرةِ على الأكلِ مِن الأرضِ مما يُباحُ للمؤمنينَ؟ وهذا يأتي تفصيلُهُ إن شاءَ اللهُ عندَ تفسيرِ قولِ اللهِ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، وقولِهِ:

стр. 147

﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. ونصوصُ القرآنِ الأصلُ فيها أنَّها غائيَّةٌ؛ أيْ: يُرادُ بإطلاقِها أقصَى ما يدخُلُ فيها في اللُّغَةِ والعُرْفِ، ولا يخرُجُ مِن ذلك إلا ما دلَّ الدليلُ عليه؛ ولذا يُقالُ: "إنَّ الأصلَ في المأكولاتِ الحِلُّ إلا ما حرَّمَه اللهُ"؛ وذلك أنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩]، وما لم يدخُلْ تحتَ التفصيلِ والبيانِ، فهو يَرجِعُ إلى الأصلِ. وقد دَلَّتِ الأدلةُ - منطوقًا ومفهومًا - في مواضِعَ متعدِّدةٍ: على أنَّ الأصلَ في الأشياءِ الحِلُّ، وأنَّ عدَمَ تفصيلِ الشيءِ بالتحريمِ أو الكراهةِ دليلٌ على إباحتِه. وقد روى الحاكمُ، عن أبي الدرداءِ؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: (مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَافِيَةٌ) (١). هل لاستخباثِ النَّفْسِ أثَرٌ في التحريم؟ وإذا عافَتِ النَّفْسُ شيئًا، ليس لها أنْ تُطلِقَ عليه تحريمًا؛ لأنَّ التحريمَ لا يكونُ مرتبِطًا برَغْبةِ النفسِ، وقد عافَ النبيُّ ﷺ الضَّبَّ ولم يحرِّمْهُ؛ واستَدَلَّ بهذا عمرُ ﵁؛ فقد ذهَبَ إلى جوازِ أكلِ الضبِّ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يحرِّمْهُ؛ كما أخرَجَهُ مسلمٌ عنه في "صحيحِه" (٢). وإذا كان هذا في نفسِ النبيِّ ﷺ ، فغيرُها مِن النفوسِ مِن بابِ أَولى ألَّا تحرِّمَ ما تَعَافُهُ. صُوَرُ بيانِ الحلالِ: وفي الشريعةِ يأتي بيانُ حِلِّ الشيءِ في صُوَرٍ شتَّى؛ منها: النصُّ

стр. 148

على الحِلِّ والطِّيبِ؛ كما في الآيةِ هنا: ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾، والتخييرُ بين الأكلِ وتركِه، والأمرُ بعدَ الحظرِ، ونفيُ الجُنَاحِ والحَرَجِ والإثمِ والإنكارُ على مَن حَرَّمَ الشيءَ، والإخبارُ أنَّه مِن نِعَمِ اللهِ على الأممِ السابقةِ، وإظهارُ الامتنانِ بخَلْقِه وجعْلِه للناسِ، ويأتي كذلك بالإقرارِ على فعلِه في زمنِ النبيِّ ﷺ ؛ كأكلِ الضَّبِّ. ويُفهَمُ عمومُ التحريمِ بعكسِ ذلك، إلا ما استثناهُ اللهُ بقَيْدٍ، وهذا يكونُ ممَّا فصَّلَ اللهُ تحريمَهُ. حكمُ المسكوتِ عنه في الشريعة: وظاهرُ نصوصِ الشريعةِ: أنَّ ما سُكِتَ عنه فهو حلالٌ؛ لأنَّه عفوٌ، ولو لم يَرِدْ دليلٌ بإطلاقِ حِلِّه، وذهَبَ أبو حنيفةَ: إلى أنَّ الأصلَ فيما سُكِتَ عنه: التحريمُ؛ حتى يأتيَ دليلٌ على العمومِ أو على الخصوصِ (١). وهذا مِن الخلافِ الذي ثمرتُهُ قليلةٌ؛ وذلك لأنَّه ما مِن شيءٍ مِن الأصولِ إلا جاء فيه نصٌّ خاصٌّ بحِلِّهِ أو حرمتِهِ، أو نصٌّ عامٌّ يبيِّنُ حِلَّهُ، أو يبيِّنُ تحريمَهُ؛ وإنَّما الخلافُ يقَعُ في دخولِ الشيءِ في أيِّ العمومينِ؛ كبعضِ صيدِ الحيوانِ للمُحرِمِ، وكذا المَيْتةُ: هل تَتْبَعُ البحرَ حِلًّا، أو البَرَّ حُرْمةً؟ ونصَّ أحمدُ: على أنَّ الأصلَ فيما سُكِتَ عنه في الشريعةِ: الحِلُّ. والقولانِ وجهانِ في مذهبِ الشافعيِّ، والأصحُّ عنه الحِلُّ. والحقُّ: أنَّ ما سُكِتَ عنه في الشريعةِ، فإنَّه حلالٌ؛ لعمومِ قولِهِ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. ولِمَا روى التِّرمِذيُّ وابنُ ماجهْ؛ مِن حديثِ سَلْمانَ؛ قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن السَّمْنِ والجُبْنِ والفِرَاءِ؟ فقال: (الحَلَالُ مَا أحَلَّ اللهُ فِي

стр. 149

كِتَابِهِ، وَالحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللهُ في كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ) (١). وقد وبَّخ اللهُ وقرَّع مَن يجعلُ الأصلَ التحريمَ؛ بقولِهِ: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. وفي "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ سعدٍ؛ قال ﷺ : (إِنَّ أَعْظَمَ المُسْلِمِينَ جُرْمًا، مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ) (٢). * * * قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]. "إنَّما": أداةُ حصرٍ عندَ أكثرِ العلماءِ، وهو قَصْرُ الحُكْمِ على الشيءِ، أو قصرُ الشيءِ على الحُكْمِ، والمعنى: أنَّ اللهَ قَصَرَ المحرَّماتِ على المؤمِنِينَ في هذه المذكوراتِ عندَ نزولِ النصِّ، ثمَّ بيَّن غيرَها في مواضعَ أُخرى، أو لأنَّ المذكورةَ قريبةُ التناوُلِ منهم، فأَضْمَرَتْ نفوسُهُمُ الحاجةَ إلى بيانِ ما يَدْنُو منهم، فجاءَ النصُّ ببيانِها؛ فما كان مستقِرًّا في الذهنِ لدَيْهِم تحريمُهُ ممَّا كان خارجًا عن هذه الأربعةِ، لم يذكُرْهُ. و"إنَّما": أداةٌ تَنفِي وتُثبِتُ؛ فهي تَنفي أنْ يكونَ هناك في ذلك الوقتِ محرَّمٌ غيرُها، وتُثبِتُ هذه المحرَّماتِ. وهذه الآيةُ جاءتْ بعدَ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا﴾ [البقرة: ١٦٨] أو ما بعدَهَا، ثمَّ قولِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا

стр. 150

مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]؛ والخطابُ كان عامًّا للناسِ كافَّةً، ثمَّ جاءَ الخطابُ للذين آمَنوا خاصَّةً، وخطابُ اللهِ للذين آمَنوا وصَفَهُ بقولِهِ: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢]؛ فجعَلَ طيِّبَ المؤمنينَ رِزْقًا يجبُ شكرُهُ؛ وذلك أنَّ الكافرَ يأكُلُ الطعامَ كما تأكُلُ البهيمةُ الطعامَ؛ لأنَّ شُكْرَهُ لخالقِهِ فرعٌ عن إقرارِهِ بأنَّ الرزقَ منه، وأنَّ الخالقَ مستحِقٌّ للعبادةِ وحدَهُ، وهذا يتحَقَّقُ في المؤمنِ لا في الكافرِ؛ وهذا يَظْهَرُ في قولِه تعالى بعدَ ذلك للمؤمنينَ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢]. بيانُ الشَّيْءِ بضدِّهِ: وحينَما ذكَرَ اللهُ الطيِّباتِ عمومًا في الآيتَيْنِ، فصَّلَ الطيِّباتِ ببيانِ ضدِّها، وهي المحرَّماتُ؛ وذلك لأنَّ الطيِّباتِ لا يتحقَّقُ وصفُها في ذاتِها؛ لكثرتِها، فبيَّنَ اللهُ المحرَّماتِ، وهذا مِن بيانِ الشيءِ ببيانِ ضِدِّه، ولأنَّ المحرَّماتِ قليلةٌ وذِكْرَها أضبطُ للسامعِ، ولبيانِ أنَّ اللهَ تعالى إنَّما أَحَلَّ كلَّ شيءٍ، وذِكرُ الحلالِ مُعْجِزٌ للسامعِ استيعابُهُ وحصرُهُ عدًّا، واللهُ قادرٌ عليه سبحانَهُ. وهذه الآيةُ وما قبلَها شبيهةٌ بآيتَي النحلِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ الآيةَ [النحل: ١١٤، ١١٥]. حكمُ الميتة: والمَيْتَةُ: ما لم يُذَكَّ مِن الحيوانِ الحلالِ ممَّا يجبُ فيه الذَّكَاةُ، ويخرُجُ مِن هذا: مَيْتةُ البَحْرِ، والجَرَادُ، والصيدُ الذي يموتُ بحادٍّ ولم يُدْرَكْ حَيًّا. والمَيْتةُ بسكونِ الياءِ وتشديدِها: بمعنًى واحدٍ، والميتةُ عُرِّفَتْ بلامِ

стр. 151

الجنسِ؛ لبيانِ عمومِ تحريمِ أَكْلِها؛ فاللهُ قال قبلَ ذلك: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثمَّ استثنَى مِن المأكولِ ما في قوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾؛ يعني: ممَّا يُؤكَلُ، وهذا لا يختلِفُ فيه العلماءُ، وإنَّما اختلَفوا في الانتفاعِ بغيرِ الأكلِ مِن الميتةِ؛ لأنَّه خارجُ نصِّ الآيةِ وصريحِها. وبيَّنَ اللهُ بعضَ أحوالِ الميتةِ في سورةِ المائدةِ في قولِهِ تعالى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [٣]، ويأتي بيانُهُ في موضعِهِ مِن سورةِ المائدةِ بإذنِ اللهِ. وقد أجمَعَ العلماءُ على تحريمِ بيعِ المَيْتةِ مِن لَحْمٍ وشَحْمٍ وعَصَبٍ؛ حكاهُ ابنُ المنذرِ وغيرُه، وإنَّما اختلَفوا في بيعِ جِلْدِها (١). وقولُهُ: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؛ يعني: ما ذُبِحَ لغيرِ اللهِ مِن صَنَمٍ أو وَثَنٍ، والمرادُ بالإهلالِ: رفعُ الصوتِ بالكلامِ، وكانتِ العربُ ترفعُ صوتَها عندَ الذبحِ باسمِ المذبوحِ له، وغلَبَ إطلاقُ اسمِ "المُهِلِّ" على الذابحِ في كلِّ حالٍ. روى ابنُ جريرٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾: "يعني: ما أُهِلَّ للطَّواغيتِ كلِّها" (٢)، وبنحوِه قال مجاهدٌ وعطاءٌ, وقتادةُ والضحَّاكُ (٣). الاضطرارُ وحكمُهُ: وقولُه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾: الاضطرارُ: ما لا مجالَ للاختيارِ فيه، وهو خلافُ الاكتساب الذي يكونُ معه الاختيارُ؛ ولذا يقالُ للعارِفِ: باضطرارٍ عَرَفْتَ هذا أم باكتسابٍ؟

стр. 152

والاضطرارُ: ما لا يَقْدِرُ الإنسانُ على الامتناعِ منه بسببٍ مُوجِبٍ لذلك، وإنْ كان بحسَبِ ذاتِه قادرًا على الامتناعِ. حُكْم أكلِ المَيْتَةِ للمضطَرِّ: ويُستثنى مِن الأكلِ المحرَّمِ أكلُ ما اضطُرَّ إليه بلا بَغْيٍ ولا عدوانٍ، وأنْ تكونَ الضرورةُ إليه حقيقيَّةً لا توهُّمًا، وأنْ يكونَ الأخذُ منها بما يكسرُ الجُوعَ، ومَرَدُّ ذلك وضبطُهُ إلى تقديرِ الشخصِ في حالِه؛ فهو أعلمُ بها، ومِثلُ هذه الأحوالِ هي أفعالٌ خاصَّةٌ، وفي مواقفَ يصعُبُ على أيِّ أحدٍ تمييزُها إلا صاحبُها، وكلُّ حالٍ تختلِفُ عن الأُخرى، والضرورةُ إذا تحقَّقَتْ، ولم يَجِدِ الإنسانُ خيارًا مباحًا، جاز له أكلُ الميتةِ والدمِ والخنزيرِ. وإذا كان يتيقَّنُ أنَّه إذا انتظَرَ وقتًا وصَلَ إليه طعامٌ، وانتظارُهُ لا يُضِرُّ به، حَرُمَ عليه الأكلُ. قال قتادةُ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾؛ قال: "غيرَ باغٍ في أكلِه، ولا عادٍ: أنْ يتعدَّى حلالًا إلى حرامٍ، وهو يَجِدُ عنه مَنْدُوحةً" (١)؛ وكدا قال مجاهدٌ والحسنُ (٢). ورُوِيَ ضبطُ جوازِ استعمالِ المَيْتةِ عندَ الضرورةِ في بعضِ الأحاديثِ؛ مِن ذلك: ما رواهُ أحمدُ والدارِميُّ، عن أبي واقدٍ اللَّيْثيِّ؛ قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّا بأرضٍ تُصِيبُنا بها مَخْمَصَةٌ، فما يَحِلُّ لنا مِن المَيْتةِ؟ قال: (إِذَا لَمْ تَصْطَبِحُوا، وَلَمْ تَغْتَبِقُوا، وَلَمْ تَحْتَفِئُوا بَقْلًا، فَشَأْنُكُمْ بِهَا) (٣)؛ رُوِيَ مِن طرُقٍ عِدَّةٍ، وفي أسانيدِهِ ضعفٌ واضطرابٌ.

стр. 153

وروى معناهُ أبو عُبَيْدٍ والبيهقيُّ؛ من حديثِ الحسنِ عن سَمُرَةَ (١). ومَن وجَدَ نباتًا في الأرضِ - ولو كان ممَّا لا تشتهيهِ النفسُ، ولا يضُرُّ أكلُهُ - فإنَّه يأكُلُهُ، ويحرُمُ عليه أكلُ المَيْتةِ، ومِثلُ ذلك مَن وجَدَ حَشَراتِ الأرضِ التي لا تُستخبَثُ؛ كالجرادِ وشِبْهِهِ. ويُروى هذا عن عمرَ بنِ الخطابِ، سُئل: متى تَحِلُّ لنا المَيْتةُ؟ فقال عمرُ: إذا وجَدتَّ قِرْفَ الأرضِ فلا تَقرَبْها، قال: فإنِّي أجِدُ قِرْفَ الأرضِ وأجدُ حشراتِها؟ قال: كفَاكَ كفَاك (٢). وقِرْفُ الأرضِ: أيْ: ما يُقْتلَعُ مِن البَقْلِ والعُرُوقِ. ومِن العلماءِ: مَن قيَّد جوازَ الاضطرارِ بأنْ يكونَ سببُ حصولِهِ أمرًا مباحًا، وألَّا يكونَ الإنسانُ اضطُرَّ بسببِ قطعِ السبيلِ والخروجِ على سلطانٍ عادلٍ. روى الطَّبَريُّ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾؛ يقولُ: "لا قاطعًا للسبيلِ، ولا مُفارِقًا للأئمَّةِ، ولا خارجًا في معصيةِ اللهِ؛ فله الرخصةُ، ومَن خرَجَ باغيًا أو عاديًا في معصيةِ اللهِ، فلا رخصةَ له وإنِ اضطُرَّ إليه" (٣). ورُويَ هذا عن سعيدٍ (٤). وقد استدل أحمد بن حنبل بهذه الآية على أن المُحْرِم بحج أو عمرة إذا أدركه الجوع فاضطر إلى الصيد والميتة أنه يأكل الميتة ولا يصيد؛ لأن الله أحل الميتة (٥). وهذا من أحمد لا يعني تحريم الصيد للمضطر، وإنما هو احتياط،

стр. 154

وذكر صيد المُحْرِم مع الضرورات لا يناسب السياق؛ لأنه يتعلق بحال مخصوصة وهي الإحرام. وقد اجتمع في الصيد للمحرم وأكل الميتة النهي، واختصت الميتة بالضرر على الأكل في بدنه، وإنما رخص الشارع بها لدفع الموت. حكمُ أكلِ الميْتة للمضطَرِّ: والآيةُ دليلٌ على عِظَمِ النفسِ ووجوبِ صَوْنِها، وأنَّ أَكْلَ الحرامِ دونَ قتلِ النفسِ تحريمًا. وفي مِثلِ حالِ الاضطرارِ والخوفِ على النفسِ هل يُقالُ بوجوبِ أكلِ المَيْتةِ، أم أنَّ الأمرَ على التخيير والإباحةِ، ومَنِ اختارَ الموتَ فله ذلك؟ : أمَّا التخييرُ، فليس مقصودًا في الآيةِ؛ وإنَّما السياقُ جاء لبيانِ الإباحةِ بعدَ الحظرِ، وإذا جاء السياقُ بالإباحةِ بعدَ الحظرِ، فإنه يكونُ للترخيصِ، ويَرجِعُ الحُكْمُ في المسألةِ إلى الحالِ كما لم يكنْ حظرٌ أصلًا، وهو إذا خافَ الإنسانُ الهلاكَ وعندَهُ طعامٌ مباحٌ كالتمرِ، هل يجبُ عليه الأكلُ؟ نَعَمْ، يجبُ بلا خلافٍ. ولحمُ المَيْتةِ وشَحْمُها وعَظْمُها: نَجِسٌ، ولا يجوزُ الانتفاعُ به بحالٍ؛ لنجاستِهِ، واستثنَى بعضُ السلفِ الانتفاعَ الذي لا يَمَسُّهُ الإنسانُ. روى عبدُ الرزَّاقِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ؛ قال: أخبَرَني عطاءٌ؛ قال: "ذكَرُوا أنَّه يُسْتَثْقَبُ بِشُحُومِ الميتةِ، ويُدهَنُ بها السُّفُنُ، ولا يُمَسُّ، قال: يُؤخَذُ بعُودٍ، قلتُ: أيُدهَنُ لها غيرُ السُّفُنِ أَدِيمٌ أو شيءٌ يُمَسُّ؟ قال: لم أَعْلَمْ، قلتُ: وأين يُدْهَنُ مِن السُّفُنِ؟ قال: ظهورُها، ولا يُدْهَنُ بطونُها، قلتُ: ولا بدَّ أنْ يَمَسَّ وَدَكَها بيدِهِ في المِصْباحِ؟ قال: فلْيَغسِلْ يدَهُ إذا مسَّه (١)؛ وهو صحيحٌ عنه.

стр. 155

حكمُ الانتفاعِ بالمَيْتَةِ: والآيةُ دالَّةٌ بنصِّها على تحريمِ أكلِ المَيْتةِ؛ لقولِهِ في الآيةِ قبلَها: ﴿كُلُوا﴾ [البقرة: ١٧٢]، فاستَثْنَى هنا المَيْتةَ وغيرَها مِن المأكولاتِ؛ ولذا وقَعَ خلافٌ عندَ العلماءِ في حكمِ الانتفاعِ بشيءٍ ممَّا في المَيْتةِ لغيرِ الأكلِ؛ كالجلودِ والأظفارِ والأظلافِ والقُرُونِ، ولفظُ "الميتةِ" ليس مِن صِيَغِ العمومِ، وليس مِن الألفاظِ الكليَّةِ. والعلماءُ يَتَّفِقونَ على وجوبِ الأخذِ بأوائلِ الأسماءِ، ويختلِفونَ في الأخذِ بأواخرِها؛ كما في اسمِ "المَيْتةِ" هنا؛ فلأولِ ما ينزِلُ عليه الاسمُ شيءٌ، ولآخِرِه شيءٌ يدخُلُ في عمومِ الاسمِ؛ كشَعْرِ المَيْتةِ وصُوفِها؛ هل يدخُلُ في لفظِ "المَيْتةِ" في الآيةِ أوائلُ ما يُطلَقُ عليه اسمُ المَيْتةِ، أم يدخُلُ فيه آخِرُ شيءٍ يدخُلُ في معناهُ؟ وبعضُ العلماءِ يُعمِلُ دليلَ الاحتياطِ هنا ويغلِّبُهُ، والخلافُ في ذلك على عدةِ أقوالٍ: القولُ الأولُ: يجوزُ الانتفاعُ بكلِّ ما لا يَتَّصِلُ بلَحْمِها ممَّا كان يُنتزَعُ منها وهي حَيَّةٌ؛ كالصُّوفِ والشَّعَرِ؛ وهذا قولُ مالكٍ (١). ورخَّصَ في شعر الميتةِ وصُوفِها وريشِها: ابنُ سِيرِينَ، وعمرُو بنُ دِينارٍ، وحَمَّادٌ (٢). بل رأى عمرٌو: أنَّه لا فرقَ بينَ المَيْتةِ والحَيَّةِ لي ذلك، وقد صحَّ عنه ذلك؛ كما رواهُ عبدُ الرزَّاقِ، عن الثوريِّ، عن عمرِو بنِ دينارٍ؛ قال: "ليس لِصُوفِ المَيْتةِ ذَكَاةٌ؛ اغسِلْهُ فانتفِعْ به"، وقال الثوريُّ: "ألم ترَ أنَّا نَنزِعُهُ وهي حيةٌ؟ ! " (٣).

стр. 156

وعلى هذا القولِ؛ فلا يجوزُ الانتفاعُ بالقَرْنِ والنابِ، والأظلافِ وريشِ الطيورِ؛ لأنَّه يَتَّصِلُ بها وله حَيَاةٌ؛ وذلك لأنَّ ظاهرَ الآيةِ خُبْثُ اللحمِ وتحريمُهُ، ويلحَقُ به حكمًا ما اتَّصَلَ به. القولُ الثاني: يحرُمُ الانتفاعُ بكلِّ أجزاءِ الميتةِ؛ وهذا قولُ الشافعيِّ، وشدَّدَ أبو حنيفةَ، ومنَعَ مِن الانتفاعِ بها مِن جميعِ الوجوهِ، حتى بإطعامِها الكلابَ والطيورَ ونحوَها (١). وروى عبدُ الرزَّاقِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ: سألَ إنسانٌ عطاءً عن صُوفِ المَيْتةِ، فكَرِهَهُ، وقال: "إنِّي لم أسمعْ أنَّه يرخَّصُ إلا في إهابِها؛ إذا دُبِغَ" (٢)؛ وهو صحيحٌ. والحُجَّةُ في ذلك: عمومُ التحريمِ في الآيةِ في قولِه: ﴿حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾، وعمومُ التحريمِ في الآيةِ منصرِفٌ إلى محلِّ التحريم؛ وهو الأكلُ قليلُهُ وكثيرُهُ، ويَظْهَرُ ذلك فيما قبلَها في الآيةِ، قال: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٨]، ثمَّ بيَّنَ المحرَّمَ ممَّا يُؤكَلُ، والآياتُ في سياقِ بيانِ المطعوماتِ، لا عمومِ المنافعِ، والمتأمِّلُ لها يَرَى هذا ظاهرًا في قولِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]، ثمَّ قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثمَّ قال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾. حكمُ جلدِ الميْتة إذا دُبغَ وإذا لم يُدْبَغْ: وأمَّا جِلْدُ المَيْتةِ: فعامَّةُ العلماءِ على عدمِ طهارتِهِ بلا دِبَاغٍ، وما جاء عن الزُّهْريِّ فيما رواهُ عبدُ الرزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ: كان الزهريُّ يُنكِرُ الدباغَ، ويقولُ: "يُستمتَعُ به على كلِّ حالٍ" (٣) فلعلَّه أرادَ دِبَاغَ جلودِ الحيةِ لا الميتةِ.

стр. 157

ولكنْ يُشكِلُ على هذا: أنَّ عبدَ الرزَّاقِ وضَع قولَهُ هذا في "بابِ جلودِ المَيْتةِ إذا دُبِغَتْ"، وقد يؤيِّدُ أنَّ مُرادَهُ جلودُ الميتةِ لا الحيةِ: ما رواهُ ابنُ المنذِرِ؛ مِن حديثِ الوليدِ بنِ الوليدِ الدِّمَشْقيِّ، عن الأوزاعيِّ، عن الزُّهْريِّ؛ قال: "دِبَاغُهَا - يعني: الجلودَ - طَهُورُهَا" (١). وأمَّا إذا دُبِغَ جِلْدُ الميتةِ، فقد اختلَفَ العلماءُ في طهارتِه وجوازِ استعمالِه على أقوالٍ: الأولُ: لا يجوزُ؛ وهو قولُ أحمدَ. وكرِهتْ عائشةُ جلودَ الميتةِ ولو دُبِغتْ؛ روى عبدُ الرزَّاقِ، عن نافعٍ، عن القاسمِ بنِ محمدِ بنِ أبي بكرٍ؛ أنَّ محمدَ بنَ الأشعثِ كلَّمَ عائشةَ في أنْ يَتَّخِذَ لها لِحَافًا مِن الفِرَاءِ، فقالتْ: إنَّه مَيْتةٌ، ولستُ بلابسةٍ شيئًا مِن المَيْتةِ، قال: فنحنُ نصنعُ لكِ لِحَافًا يُدْبَغُ، وكرِهتْ أنْ تلبَسَ مِن الميتةِ (٢). وروى ابنُ المنذرِ، عن الأشعثِ، عن محمَّدٍ؛ قال: "كان ممَّن يَكْرَهُ الصلاةَ في الجِلْدِ إذا لم يكنْ ذَكِيًّا: عمرُ، وابنُهُ، وعائشةُ، وعِمْرانُ بنُ حُصَيْنٍ، وابنُ جابرٍ" (٣). واختصَرَ أحمدُ القولَ في المسألةِ، فلم يجعَل للجِلْدِ حُكْمًا مستقِلًّا؛ فقال: "حكمُهُ حكمُ اللحمِ حيًّا وميتًا، ولحمُ الميتةِ لا يُباحُ أكلُهُ وإنْ عُولِجَ بكلِّ علاجِ وطيب، فكذلك جلْدِ الميْتةِ لا يُصلِحُهُ دِبَاغُه". واحتجَّ أحمدُ على مَنْ قال بجوازِ جِلْدِ المَيْتةِ؛ بأنَّ جلدَ بهيمةِ الأنعامِ ربَّما أكَلَهُ الناسُ، فإذا كانوا لا يُجِيزونَ أكْلَ جِلْدِ المَيْتةِ لأنَّها ميتةٌ، فكيف يُجِيزونَ الانتفاعَ به وهو أخَذَ حُكْمَ اللحمِ أكْلًا؟ ! فوجَبَ أنْ يأخُذَ حُكْمَهُ انتفاعًا (٤).

стр. 158

وقد جاء النهيُ عن الانتفاعِ بجميعِ المَيْتةِ، كما في "السُّنَنِ"؛ مِن حديث ابنِ عُكَيْمٍ: أتانا كتابُ النبيِّ ﷺ قبلَ وفَاتِهِ بشهرٍ: "أنْ لَا تَنتَفِعُوا مِنَ المَيْتةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ" (١). والحديثُ معلولٌ، وفي إسنادِه ومتنِهِ اضطرابٌ واختلافٌ. وابنُ عُكَيْمٍ لم يَسمعْ من النبيِّ ﷺ شيئًا؛ قال البخاريُّ في "تاريخِهِ الكبيرِ": "عبدُ اللهِ بنُ عُكَيْمِ أدرَكَ زمانَ رسولِ اللهِ ﷺ ، ولا يُعرَفُ له سماعٌ صحيحٌ". وقال بهذا أبو حاتمٍ وأبو زُرْعةَ وغيرُهما (٢). ووصَفَ الحازميُّ الحديثَ بالاضطرابِ في كتابِه "الاعتبارِ" (٣). وعملُ الناسِ به قليلٌ، ولو كان النصُّ ثابتًا في كتابٍ للنبيِّ ﷺ بهذا اللفظِ والمعنى، الذي أُخِدَ منه منعُ الانتفاعِ مطلقًا، لعمِلَ به الناسُ واستفاضَ. قال الترمذيُّ، في حديثِ ابنِ عُكَيْمٍ: "وليس العملُ على هذا عندَ أكثرِ أهلِ العلمِ" (٤). وكان أحمدُ بنُ حنبلٍ يحتجُّ بهذا الحديثِ ثمَّ تَرَكَهُ؛ قال الترمذيُّ: "وسمِعتُ أحمدَ بنَ الحسنِ يقولُ: كان أحمدُ بنُ حنبلٍ يذهبُ إلى هذا الحديثِ؛ لِما ذكرَ فيه: "قبلَ وفاتِهِ بشهرَيْنِ"، وكان يقولُ: كان آخِرَ أمرِ النبيِّ ﷺ ، ثمَّ تركَ أحمدُ بنُ حنبلٍ هذا الحديثَ؛ لمَّا اضطرَبُوا في إسنادِه، حيثْ رَوَى بعضُهم، فقال: "عن عبدِ اللهِ بنِ عُكَيْمٍ، عن أشياخٍ

стр. 159

لهم مِن جُهَيْنَةَ" (١). الثاني: يجوزُ؛ وهو قولُ أبي حَنِيفةَ، والشافعيِّ، والأوزاعيِّ، والليثِ، والثوريِّ، وابنِ المبارَكِ، وإسحاقَ، وهو قولُ فُقَهاءِ السلفِ؛ كعطاء بنِ أبي رَبَاحٍ، والشَّعْبيِّ، والحسنِ، وقتادةَ، والزُّهْريِّ، والنَّخَعيِّ؛ صحَّ القولُ عنهم جميعًا. وذلك لِمَا رَوَى أحمدُ والبخاريُّ ومسلمٌ، عن ميمونةَ: أنَّه تُصُدِّقَ على مولاةٍ لِمَيْمُونةَ بشاةٍ، فماتتْ، فمرَّ بها رسولُ اللهِ ﷺ ، فقال: (هَلَّا أخَذْتُمْ إِهَابَهَا، فَدَبَغْتُمُوهُ، فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ! )، فقالوا: إنَّها مَيْتةٌ؟ ! فقال: (إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا) (٢)، واللفظُ لمسلمٍ. وما في "الموطَّإِ"، و"المسندِ"، و"السننِ" - إلا التِّرمِذيَّ - عن عائشةَ ﵂: "أنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ أنْ يُستمتعَ بجلودِ الميتةِ؛ إذا دُبِغَتْ" (٣). وما في "موطَّإِ مالكٍ"، و"صحيحِ مسلمٍ"، وغيرِهما؛ من حديثِ ابنِ عباسٍ؛ قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: (إِذَا دُبغَ الْإِهَابُ، فَقَدْ طَهُرَ) (٤). وروى عبدُ الرزَّاقِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ؛ قال: قال عطاءٌ: "ما نستمتعُ مِن المَيْتةِ إلا بِجُلُودِها إذا دُبِغَتْ؛ فإنَّ دِبَاغَها طهورُهُ وذَكاتُهُ" (٥). وكَرِهَ عطاءٌ، والحسنُ، والنَّخَعيُّ: بيعَ جلودِ الميتةِ ولو دُبِغَتْ، وجوَّزُوا الانتفاعَ بها (٦).

стр. 160

أَوَانِي المشركين وجلودُهُمْ: وقد جاءتْ أدلةٌ كثيرةٌ بجوازِ الأكلِ في أواني المشركِينَ والشربِ منها، وكثيرٌ منها جلودٌ، وذبائحُ المشركينَ مَيْتةٌ إلا أهلَ الكتابِ، ولم يثبُتْ عن النبيِّ ﷺ أنَّه أمَرَ أصحابَهُ إذا سافَروا إلى بلدانِهم أنْ يَحْذَرُوا مِن أوانِيهم، ولم يأتِ تحذيرٌ مِن لُبْسِ الخِفَافِ التي لا تُعرَفُ حالُها، وهي مِن الجلودِ، والحاجةُ ماسَّةٌ لبيانِ ذلك. وقد دخَلَ النبيُّ مكةَ وأهلُها مشرِكُونَ، وأصحابُهُ تفرَّقُوا في الناسِ، وللمهاجِرِينَ أرحامٌ وأقوامٌ دخَلُوا بيوتَهُمْ، ولم يَرِدْ نصٌّ في هذا البابِ، ولو كان، لَنُقِلَ؛ لأنَّه يَلْزَمُ منه القولُ على مِنْبَرٍ أو في مشهدٍ؛ لأنَّه ما مِن أحدٍ إلا ويُبتلى بجلودِ الميتةِ لُبْسًا أو فَرْشًا أو أَكْلًا أو شُرْبًا. الثالثُ: يطهُرُ ظاهرُ الجلدِ بالدبغِ؛ لأنَّه يتصلَّبُ ولا يتحلَّلُ فيه ما يجاوِرُهُ، وأمَّا باطنُهُ، فلا يطهُرُ بالدبغِ؛ وهو قولُ مالكٍ، ولذا منَعَ بهذا التعليلِ استعمالَ جلدِ الميتةِ المدبوغِ في شربِ الماءِ، ومنَعَ مِن الصلاةِ عليه. وقد حكَى ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ؛ أنَّه سُئل هل يصلَّى في جلدِ الميتةِ إذا دُبِغَ؟ فقال: "لا، وقال: إنَّما أُذِنَ في الاستمتاعِ به، ولا أرَى أن يصلَّى فيه" (١). حكمُ لحمِ الخنْزِيرِ: والخِنْزيرُ محرَّمٌ بذاتِه، ونَجِسٌ بعَيْنِه؛ ولذا غايَرَ عندَ ذِكْرِه بقولِه: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾، ولم يذكُرِ اللحمَ في المَيْتةِ؛ لبيانِ أنَّ المحرَّمَ في الخنزيرِ لحمُهُ ولو كان مذبوحًا، وأنَّ الحيوانَ قُصِدَ وصفُهُ بالميتِ؛ لِيَدُلَّ على أنَّ أصْلَهُ الحِلُّ، إلا ما كان على هذا الوصفِ، وهو الميتةُ.

стр. 161

حكمُ الانتفاعِ بجلدِ الخنزيرِ إذا دُبغ: والخِنزيرُ نجاستُهُ عينيَّةٌ، فلا يطهِّرُ جلدَهُ الدباغُ؛ لأنَّ النجاسةَ العينيةَ لا تطهُرُ بكلِّ مطهِّرٍ؛ فالدباغُ يُعِيدُ حُكْمَ الجلدِ إلى حالِهِ في الحياةِ؛ فما كان طاهرًا في الحياةِ، فالدباغُ يطهِّرُهُ، وما لا، فلا. وبهذا عَمِلَ السلفُ؛ بعدمِ جوازِ الانتفاعِ مِن الخنزيرِ بأكل ولا غيرِه. روى ابن أبي شَيْبةَ، عن ابنِ مهديٍّ، عن شُعْبةَ؛ قال: سألتُ الحَكَمَ وحمادًا عن شَعَرِ الخنزيرِ يُعْمَلُ به؟ فكرِهاهُ (١). وروى أيضًا، عن جريرِ بنِ حازمٍ، عن ابن سِيرِينَ: "أنَّه كان لا يلبَسُ خُفًّا خُرِزَ بشعرِ خنزيرٍ" (٢). ورخَّص في الخَرْزِ به أبو جعفرٍ والحسنُ (٣). وألحَقَ الشافعيُّ بالخِنْزِيرِ الكَلْبَ (٤). * * * قال اللهُ تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. لمَّا تحوَّلَ النبيُّ ﷺ عن قِبْلةِ أهلِ الكتابِ - وهي بيتُ المَقْدِسِ -

стр. 162

إلى مكةَ، ضاقَ ذلك عليهم، وعلى اليهودِ خاصَّةٌ، ورأَوْا أنَّهم كانوا على شيءٍ مِن الحقِّ والبِرِّ، فانحرَفُوا عنه. و"البِرُّ": هو شدةُ الإحسانِ، والصِّدْقُ في إصابةِ الحقِّ (١). وهذه الآيةُ خطابٌ لأهلِ الكتابِ وللذين آمَنُوا: أنَّ الجهةَ التي يوجِّهُ اللهُ إليها ليست بِرًّا لِمَنْ لا يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ، ويقومُ بأعمالِ البِرِّ والعبادةِ، وقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾؛ أيْ: ليستِ العِبرةُ بالجهاتِ، فهدا فرعٌ عن الإيمانِ باللهِ واليومِ الآخِرِ وملائكتِهِ وكُتُبِهِ والنبيِّينَ، ومَن تمسَّكَ بالجهةِ فقطْ وجعلَها علَمًا على البِرِّ ولو كفَرَ الإنسانُ، فهدا مخطِئٌ. روى ابنُ جريرٍ، عن حَجَّاجٍ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن ابنِ عباسٍ؛ قال: هذه الآيةُ نزَلَتْ بالمدينةِ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾؛ يعني: الصلاةَ؛ يقولُ: ليس الِبرَّ أنْ تُصَلُّوا ولا تَعمَلُوا غيرَ ذلك (٢). روى ابنُ جريرٍ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، ولكنَّ البِرَّ ما ثبَتَ في القلوبِ مِنْ طاعةِ اللهِ (٣). فاللهُ تعالى أرادَ بالوجيهِ إلى الكعبةِ بدلًا مِن بيتِ المَقْدِسِ النظرَ في الامتثالِ لأمرِهِ ومقدارِ الإيمانِ به؛ وهذا نظيرُ قولِه تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]، فالله أمَرَ بالنَّحْرِ له، والمرادُ مِن ذلك: ظهورُ التَّقْوَى والامتثالِ. وإنَّما ذكَرَ اللهُ المشرقَ والمغرِبَ؛ لأنَّهما أشهَرُ الجهاتِ ذِكْرًا، وأراد بذلك: عمومَ الجهاتِ.

стр. 163

وقال بعضُ المفسِّرينَ - كالحسَنِ، وأبي العاليةِ، وقتادةَ، والرَّبِيعِ بنِ أنسٍ -: "إنَّ المرادَ بذلك المشرِقُ قِبْلةُ النصارَى، والمغرِبُ قِبْلةُ اليهودِ". قال أبو العاليةِ: "كانتِ اليهودُ تُقبِلُ قِبَلَ المغرِبِ، وكانتِ النصارَى تُقبِلُ قِبَلَ المشرِقِ" (١). وروى عبدُ الرزَّاقِ - وعنه ابنُ جريرٍ - عن مَعْمَرٍ، عن قَتَادةَ؛ قال: كانتِ اليهودُ تصلِّي قِبَلَ المغرِبِ، والنصارى تصلِّي قِبَلَ المشرِقِ، فنزَلَتْ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ (٢). ونفيُ الِبرِّ عن استقبالِ الجهاتِ كلِّها ومنها الكَعْبةُ، إنَّما هو نفيٌ لاستقبالٍ غيرِ مقترِنٍ بأسبابِ التوجيهِ مِن اللهِ؛ كالإيمانِ باللهِ ورُسُلِهِ، فذاتُ الاستقبالِ متجرِّدًا عن الإيمانِ ليسِ بِرًّا. وقد جمَعَ اللهُ في هذه الآيةِ جميعَ أنواعِ البِرِّ في العباداتِ: العبادةِ القلبيَّةِ، وهي الإيمانُ: قولُ القلبِ وعملُه، والعبادةِ اللسانِيَّةِ، وهي فعلُ اللسانِ، وهي لازمُ الأولِ، والعبادةِ البدنيَّةِ؛ كالصلاةِ، والعبادةِ الماليةِ، وهي النفقةُ. مِن ضلالِ الأُممِ جهلُ الأولويَّات: وإنَّما ضلَّ أهلُ الكتابِ بجهلِهم بالأولويَّاتِ في الدِّينِ، وهكذا تَضِلُّ الأممُ إذا كان لدَيْها دِينٌ أو قانونٌ، فتَضَعُ الأصولَ مكانَ الفروعِ، والعكسَ، وتقدِّمُ وتؤخِّرُ بالهَوَى، والنفسُ إذا أحبَّتْ شيئًا، عظَّمَتْهُ والْتمَسَتْ ما يعضُدُهُ مِن الأدلةِ؛ حتى يتضخَّمَ عملُها في نفسِها فتَرَى أنَّها أدرَكتْ كلَّ الخيرِ، والحقيقةُ أنَّها لم تتجاوَزْ قَدْرَهُ المعتبَرَ إلا وَهْمًا في نفسِها.

стр. 164

وحينَما تضيِّعُ الأمَّةُ الأصولَ، تتشبَّثُ بالفروعِ؛ تَسْلِيَةً لنفسِها أنَّها باقيةٌ على شأنِها. ومِن أعظمِ مهمَّاتِ العالِمِ: إعادةُ المراتبِ إلى وضعِها الصحيحِ، وتصحيحُ الخَلْطِ فيها، وقطعُ الطريقِ على شهوةِ السُّلْطانِ وهَوَى النفسِ. وكثيرٌ مِن الناسِ بجعلونَ مراتبَ الشرائعِ حسَبَ أهوائِهم؛ فما أحبَّتْهُ النفسُ وسَهُلَ عليها تحقيقهُ، رَفَعُوه، وما شَقَّ عليها، بحَثُوا عن أسبابِ تجاهُلِهِ ووضعِهِ عن مرتبتِهِ؛ قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٩]؛ قريشٌ تُحِبُّ سقايةَ الحاجِّ وعِمَارةَ المسجدِ الحرامِ؛ لأنَّ لها به جاهًا، ولأنَّه يحفظُ مكانتَها بين الناسِ، فقدَّمَتْهُ وبالَغتْ فيه، وفرَّطَتْ في توحيدِ اللهِ وعبادتِه. وقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾؛ يعني: أعطَى المالَ وهو مُحِبٌّ له محتاجٌ إليه، وهذا بيانٌ لتمكُّنِ حبِّ المالِ، وكثيرًا ما يأتي في الشرعِ بيانُ منزلةِ الصَّدَقةِ، وأنَّها تتباينُ بحَسَبِ منزلتِها وقيمتِها عندَ صاحِبِها. ومِثلُ هذه الآيةِ قولُهُ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا﴾ [الإنسان: ٨]، وقولُهُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. روى وكيعٌ، عن الأعمشِ؛ وسُفْيانُ الثوريُّ، عن زُبَيْدٍ؛ كلاهما عن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ؛ قال في قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾: "أنْ تُعْطِيَهُ وأنتَ صحيحٌ شحيحٌ، تأمُلُ العيشَ، وتخشَى الفقرَ" (١). ورُوِيَ مرفوعًا؛ من حديثِ شُعْبةَ والثوريِّ، عن منصورٍ، عن زُبَيْدٍ، عن مُرَّةَ، به (٢)؛ والوقفُ أشبهُ بالصوابِ.

стр. 165

والذي يُنفِقُ المالَ وهو يُحِبُّهُ ليس كمَن يُنفِقُهُ وهو زاهدٌ فيه، وبقدرِ حبِّ النفسِ له يعظُمُ أجرُهُ. وفي "الصحيحَيْنِ"، وغيرِهما؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ : سُئِلَ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أجْرًا؟ قَالَ: (أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ؛ تَخشَى الفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الغِنَى) (١). أفضلُ الصدقةِ وحكمُ إعطاءِ السائلِ: وأفضلُ أنواعِ الصدقةِ: الصدقةُ التي يُخرِجُها الإنسانُ وهو مضطَرٌّ محتاجٌ إليها، وهذا هو الإيثارُ؛ قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، والخَصَاصةُ: الحاجَةُ. وذكَرَ اللهُ مَن يُنفَقُ عليه، وقدَّم أفْضلَهم وأَوْلَاهم بمالِ الإنسانِ، وهم قرابتُهُ؛ لأنَّ النفقةَ عليه صَدَقةٌ وصِلَةٌ، فيتصدَّقُ ويَصِلُ رحِمَهُ، ويؤلِّفُ قلبَه، ويَسُلُّ سَخِيمَتَه. وبيَّنَ الله مراتبَهم في مواضعَ؛ كقولِهِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥]. وموضعُ الشاهدِ مِن إيرادِ الآيةِ: ذِكْرُ اللهِ للسائِلِينَ فيها، وهو مَنْ يسألُ لفقرِهِ، وفي الآيةِ دليلٌ على أنَّ إعطاءَ السائلِ مِن زكاةِ المالِ مِن غيرِ طلبِ بَيِّنةٍ، مُبْرِئٌ للذِّمَّةِ، ولا يجبُ على الإنسانِ أنْ يسألَ عنه ويتحرَّى مِن الناسِ ما دام أنَّ الأصلَ براءتُهُ، ولا قرينةَ على كَذِبِه، فيُعطَى لمجرَّدِ سؤالِه؛ وذلك لأنَّ الإنسانَ تمنعُهُ نفسُهُ مِن مَدِّ يدِهِ والسؤالِ بلا حاجةٍ؛ فسؤالُهُ بلا حاجةٍ: له تَبِعَةٌ على سُمْعَتِه، وهذا ممَّا يَصُونُ الناسُ أنفسَهم عنه، والنفسُ حَيِيَّةٌ تستحيِي مِن أنْ يظهَرَ ضعفُها وحاجتُها، خاصَّةً عندَ مَن تَعرِفُ.

стр. 166

ولو كان السائلُ لا يُعطَى حتى يُتحرَّى عنه، لَمَا اكتفَى اللهُ بوصفِهِ: ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾، فذكَرَ اللهُ اليتامَى والمساكِينَ، وهذه أوصافٌ يجبُ على الإنسانِ أنْ يتحقَّقَ منها عندَ دَفْعِها، فليس الفقرُ بالظَّنِّ، وأمَّا السائلُ، فاكتفَى الشارعُ بذِكْرِ سؤالِهْ، عن تتبُّعِ حالِهْ، ولو كان سؤالُهُ وحدَهُ لا تبرَأُ الذِّمَّةُ بإعطائِه، لاكتفَى بذِكْرِ اليتامَى والمساكينِ وابنِ السبيلِ وفي الرقابِ؛ لأنَّ السائلَ غالبًا منهم، فجعَلَ اللهُ ابتداءَ الإنفاقِ لا بدَّ فيه مِن السؤالِ عن تحقُّقِ الحالِ المذكورةِ في القرآنِ، وأمَّا السؤالُ، فيكفِي وجودُهُ دَلَالةً على الإنفاقِ؛ لأنَّ السائلَ باحَ بوصفِ نفسِهِ، وغيرُهُ يحتاجُ إلى سؤالٍ عنه. وفي "المسندِ"، و"سننِ أبي داودَ"، وغيرِهما؛ مِن حديثِ يَعْلَى بنِ أبي يَحْيَى، عن فَاطمةَ بِنتِ حُسَيْنٍ، عن حُسَيْنِ بنِ عليٍّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ) (١)، ويَعْلَى لا يُعرَفُ (٢)، والحديثُ ضعيفٌ. وأخرَجَ أحمدُ، عن منصورِ بنِ حَيَّانَ الأَسَدِيِّ، عن ابنِ نَجَادٍ، عن جَدَّتِهِ؛ قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (رُدُّوا السَّائِلَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْتَرِقٍ؛ أَوْ: مُحْرَقٍ) (٣). إعطاءُ الزكاة مَنْ لا يستحقُّ بغيرِ علم: ولو عَلِمَ المُنفِقُ أنَّ الزكاةَ وقَعَتْ في يدِ غيرِ مستحِقٍّ لها، وأصبَحَ كاذبًا، أجزَأَ عنه؛ لأنَّه أدَّاها على وَجْهِها الشرعيِّ الذي أمَرَهُ اللهُ بها، والواجبُ عليه أنْ تخرُجَ مِن يدِهِ بوجهٍ مشروعٍ، وقد خرَجَتْ كذلك، وما تجاوَزَ يدَهُ: أَمْرُهُ إلى اللهِ، والقولُ بعدمِ الإجزاءِ يتنافَى مع ظاهرِ الآيةِ

стр. 167

وأصلِ التكليفِ؛ فالتكليفُ بعِلْمِ المكلَّفِ، لا بعلمِ غيرِه. ولو قيلَ بعدمِ الإجراءِ، لَلَزِمَ أنْ يُقالَ ذلك فيمَنْ أنفَقَ على فقيرٍ، فاستعمَلَها في غيرِ وجهِها؛ لأنَّ المقصودَ مِن الزكاةِ سَدُّ حاجةِ الفقيرِ، ولم تتحقَّقْ كما لم تتحقَّقِ الزكاةُ إلى مُدَّعٍ للفقر كاذبٍ وهو غنيٌّ؛ ويؤيِّدُ الإجزاءَ: ما ثبَتَ في "الصحيحَيْنِ"، عن أبي هُرَيْرةَ ﵁؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (قالَ رَجُلٌ: لَأَتَصَدَّقَّنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ! فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ! لَأَتَصَدَّقَنَّ بصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيةٍ! فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمدُ! عَلَى زَانِيَةٍ! لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ! فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ! عَلَى سَارِقٍ، وَعَلَى زَانِيَةٍ، وَعَلَى غَنِيٍّ! فَأُتِيَ، فَقِيل لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ، فَلَعلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ، فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الْغَنِيُّ، فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللهُ) (١). وقولُهُ تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ مدَحَ اللهُ أهلَ الوفاءِ بعهدِه، ومَن صبَرَ على بأسِ الفقرِ والعَوَزِ، وضُرِّ المرضِ والأذَى؛ قال تعالى عن مَرَضِ أيُّوبَ على لسانِهِ: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]. وفي الآيةِ: مدحٌ للصابرِ على البأساءِ والضراءِ، وهي شدائدُ الأمورِ، وهذه مواضعُ الفضلِ في الناسِ. وفيها: إشارةٌ إلى فضلِ الصبرِ على الفقرِ، والتعفُّفِ عن السؤالِ، ما دامتِ النفسُ تَقْوَى على كفايةِ نفسِها.

стр. 168

وفيها: تنبيهٌ على الصبرِ على شِدَّةِ الدُّنيا وبلائِها، والصبرِ على أوامرِ اللهِ السابقةِ ما قَدَرَ الإنسانُ، وأنَّ الصابِرَ الذي يَجِدُ مشقَّةً في عملِهِ، فهو أفضلُ مِن غيرِه. وقولُه: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾: هو الجهادُ وقتالُ العدوِّ، والبُعْدُ عن المالِ والزوجةِ والوَلَدِ والبَلَدِ؛ فسَّرَهُ بهذا ابنُ مسعودٍ، ومجاهدٌ، وقتادةُ، والسُّدِّيُّ، وغيرُهم (١). وجعلُ هذه الأعمالِ علاماتِ صدقٍ، تُبعِدُ الإنسانَ عن مجرَّدِ الدَّعْوَى، وهي التقوَى الحقيقيَّةُ، ويبقَى الإيمانُ دعوَى حتى يصدِّقَهُ العملُ. حكمُ النَّفَقةِ مِن غيرِ الزكاةِ: واستدَلَّ بعضُ العلماءِ بهذه الآيةِ على وجوبِ الإنفاقِ مِن المالِ مِن غيرِ الزكاةِ؛ وهذه المسألةُ على حالَيْنِ: الحالُ الأُولى: عندَ نزولِ حاجةٍ بالأمَّةِ تستوجِبُ النفقةَ؛ فتجبُ بلا خلافٍ بينَ العلماءِ ولو من غيرِ الزكاةِ، ونفقتُهُ تجبُ بحسَبِ الحاجةِ التي تَحُلُّ بالناسِ، وقد يجبُ على صاحِبِ المالِ أن يُنفِقَ مِن مالِهِ ولو افتقَرَ؛ إذا كانتِ الحاجةُ ماسَّةً؛ كإنقاذِ الناسِ مِن الموتِ والهلاكِ، وكلُّ حالةٍ لها صورةٌ يُقدَّرُ فيها قدرُ وجوبِ النفقةِ وقَدرُ استحبابِها. والحالُ الثانيةُ: مِن غيرِ نزولِ نازلةٍ بالأمَّةِ، فهل يجبُ على صاحِبِ المالِ أن يُخرِجَ مِن مالِهِ نفقةً أُخرى غيرَ الزكاةِ؟ على قولَيْنِ؛ والأرجحُ: الوجوبُ عندَ وجودِ أحدِ الأصنافِ الثمانيةِ ولو واحدًا، فيُنفِقُ عليه ولو بالقليلِ.

стр. 169

وجاء في "المسندِ"، و"السننِ"؛ مِن حديثِ عامرٍ الشَّعْبيِّ، عن فاطمةَ بنتِ قيسٍ، عن النبيِّ ﷺ ؛ قال: (فِي المَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ) (١)؛ وهو ضعيفٌ، وقال بهذا ابنُ عباسٍ، وابنُ عمرَ، والشَّعْبيُّ، والنَّخَعيُّ، ومجاهدٌ (٢). روى ابنُ جريرٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ؛ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥]؛ يقولُ: "هو سوى الصدقةِ يَصِلُ بها رَحِمَهُ، أو يَقْرِي بها ضيفًا، أو يَحْمِلُ بها كَلًّا، أو يُعِينُ بها محرومًا" (٣). وبعضُ الفقهاءِ - كابنِ العَرَبيِّ - يحكُونَ الإجماعَ على عدمِ الوجوبِ (٤)؛ وفي هذا نظرٌ، وبعضُهم يحكِي الإجماعَ على الوجوبِ؛ كالجَصَّاصِ (٥)؛ وفيه نظرٌ أيضًا. ويأتي مزيدُ تفصيلٍ عندَ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [٦٠] في سورةِ التوبة، إنْ شاءَ اللهُ تعالى. * * * قال اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٨، ١٧٩]. يُخاطِبُ اللهُ أهلَ الإيمانِ ببيانِ حُكْمِ الحدودِ، وخاصَّةً القِصَاصَ في

стр. 170

القَتْلَى، وأعادَ اللهُ نداءَهُ لأهلِ الإيمانِ مع تقدُّمِه قريبًا؛ لأهميَّةِ مضمونِ الخطابِ. إقامةُ الحدودِ وفضلها: وهذه الآيةُ مَدَنِيَّةٌ نزَلتْ على رسولِ اللهِ ﷺ في أوائلِ ما نزَلَ في المدينةِ، وفي هذا دليلٌ على عِظَمِ مشروعيَّةِ الحكمِ بحدودِ الله، وأنَّه أولُ المبادَراتِ التي ينبَغي أنْ يُبادِرَ بها الحاكمُ لنظامِ دولتِهِ وحُكْمِه؛ لأنَّه تولَّى أَمْرَ العامَّةِ ونظامَها، ولا يَسَعُهُ إلا أنْ يحكُمَ بحكمِ اللهِ الذي ارتضاهُ في الأرضِ. ضبطُ الشريعةِ للإنسانِ وحدُّها لأخطائهِ: والشريعةُ جاءت بضبطِ حياةِ الفردِ وحياةِ الجماعةِ على أيِّ حالٍ؛ كما في الحديثِ الذي رواهُ أحمدُ والترمذيُّ؛ من حديثِ أبي ذرٍّ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: (اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ. . .) (١)، فالتقوَى في كلِّ موضعٍ، وحياةُ الإنسانِ في نفسِهِ تُجعَلُ خاصَّةً له، فهو رقيبٌ عليها غالَبًا؛ ولذا منَعَ اللهُ مِن التجسُّسِ عليه؛ قال تعالى ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢]. لأنَّ بعضَ ما يفعلُهُ في خاصَّةِ نفسِه غيرُ ما يفعلُهُ عندَ الناسِ، فوُكِّلَ الإنسانُ على نفسِهِ رقيبًا، ولو نُسِبَ إليه فعلٌ محرَّمٌ في خاصَّةِ نفسِهِ بلا مجاهَرةٍ وكان يَستَتِرُ به، لا يجوزُ التجسُّسُ عليه ليُتحقَّقَ مِن ثبوتِ المحرَّمِ عليه، فاللهُ جعَلَهُ رقيبًا على نفسِه. وقد جاء في "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ النَّوَّاسِ بنِ سِمْعَانَ، مرفوعًا: (وَالْإِثْمُ: مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ) (٢). لأنَّ رقابةَ الإنسانِ على نفسِهِ أعظمُ أثرًا مِن جعلِ غيرِهِ رقيبًا عليه؛

стр. 171

لأنَّه يخلُو بنفسِهِ أكثَرَ مِن مخالطتِهِ للناسِ غالبًا، فجاءتِ النصوصُ وافرةً في تعظيمِ ذُنُوبِ الخَلَواتِ، وتعظيمِ التقوَى وخشيةِ اللهِ في القلبِ؛ حتى يتوازنَ حِفْظُ النفسِ في السرِّ والعلنِ؛ لأنَّ الإنسانَ في خاصَّتِهِ يضعُفُ وازِعُ الطبعِ عندَهُ؛ لأنَّ الحياءَ مِن الناسِ يزولُ بزوالِهِ عنهم. وإذا اتَّسَعَتْ دائرةُ عملِ الفردِ، اتَّسَعَتْ دائرةُ ضبطِ الشريعةِ له والمراقبةِ والحسابِ عليه، ويبدأُ بفعلِهِ الذي يفعلُهُ بنفسِهِ ويراهُ الناسُ عليه، فهو الفاعلُ والناسُ يَرَوْن، وهذا نوعُ مشاركةٍ وتأثيرٍ على الرائي، فجاء بابُ الإنكارِ للأفرادِ بمراتبِهِ وضوابطِهِ المعروفةِ، وإذا كان الأمرُ مرتبِطًا بأكثرَ مِن واحدٍ عملًا؛ كأفعالِ البيعِ والإجارةِ والنكاحِ، ازدادَ الضبطُ بحَسبِ الحالِ؛ حتى يكونَ أمرُ الأمَّةِ أكثرَ اتِّساعًا؛ كما في الحدودِ والعقوباتِ، والسياسةِ والحُكْمِ. وقد كان النزولُ في المدينةِ؛ لأنَّ حالَ المسلِمِينَ قبلَها في عدمِ استقرارٍ، ولم يكنْ لدى النبيِّ ﷺ نظامٌ عامٌّ ودولةٌّ؛ لعدمِ وجودِ أسبابِها؛ لأنَّه محارَبٌ لم يَقَرَّ له قرارٌ، ولا يَتْبَعُهُ كبيرُ أَحَد؛ فكيف يُقيمُ نظامًا ولم تكنْ له منظومةٌ وبَلَد؟ ! ثمَّ إنَّ تعدِّيَ المشرَّدِ الطريدِ على أخيهِ الذي معه نادرٌ أو معدومٌ؛ لأنَّ همَّهم عدوانٌ أكبرُ، وهو عداوةُ الكافرينَ، فيضعُفُ النظرُ إلى الدُّنيا في مِثْلِ هذه المواضعِ، ويُزهَدُ في الدُّنيا، ويَقِلُّ التنافُسُ عليها أو يُعدَمُ، فلن يَعتدِيَ بعضُهم على بعضٍ غالبًا. متى أمَرَ اللهُ بإقامة الحدود، والحكمةُ مِن ذلك: ولمَّا كانتِ الحدودُ إنَّما تُقامُ على محرَّماتٍ تُرتكَبُ، وآثامٍ تُقترَفُ، ناسَبَ تأخيرُ فرضِ الحدودِ؛ حتى يُقِرَّ الناسُ بتلك المحرَّماتِ والآثامِ، وأنَّه لا يجوزُ الوقوعُ فيها، فلا تُناسِبُ العقوبةُ على أحدٍ لا يَعلَمُ بجُرمِ

стр. 172

فِعْلِه، ولم يَسبِقْ فِعْلَهُ عِلْمٌ؛ كشربِ الخمرِ والزِّنى والقذفِ ونحوِها، فناسَبَ دعوةَ الناسِ إلى الإقرارِ بها قبلَ إنزالِ الحدِّ على المتجاوِزِ لها وعقوبتِهِ على جُرْمِه، وبيئةُ العربِ قبلَ الإسلامِ بيئةٌ طُمِسَتْ فيها معالمُ الشرائعِ السابقةِ، فجاءتِ الشريعة بالتدرُّجِ بالبيانِ أولًا - حتى يستقِرَّ في النفوسِ - ثمَّ بالعقوبةِ. ولمَّا استقرَّتِ الشريعةُ، وأحكَمَ اللهُ تنزيلَهُ، وأكمَلَ الدِّينَ للأمَّةِ، أوجَبَ على الأمَّةِ العملَ بكتابِهِ كلِّه ما أمكَنَ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ إنَّما لم يُقِمِ الحدَّ لأنَّه لم يُؤمَرْ به، ولو أُمِرَ له لأقامَهُ، ولا يَسَعُه إلا ذلك، ولكن اللهَ حكيمٌ في تشريعِهِ، لطيفٌ بعبادِه؛ حيثُ أَجَّلَ إنزالَ الحدودِ وتدرَّجَ سبحانَهُ في ذلك، ولو كان المسلِمُ في حالٍ كحالِ النبيِّ في مكةَ في بيئةٍ يكونُ فيها مغتربًا في دينِه، ولا يُوافِقُهُ على عقيدتِهِ كبيرُ أحدٍ، فَلْيَدْعُ الناسَ إلى الإقرارِ بالحقِّ قبلَ الأمرِ بإقامةِ الحَدِّ على صاحِبِ الجُرْمِ؛ لأنَّ العقوبةَ على ذنبٍ لا يُعلَمُ كونُه ذنبًا: تنفيرٌ مِن التصديقِ به. حكمُ مَنْ كانت حالُهُ كحالِ النبيِّ في مكة: والحاكمُ الذي يَستولِي على بلدٍ غيرِ مسلِمٍ، أو اندثَرَتْ معالمُ الإسلامِ فيه، ينبَغي أنْ يعلِّمَهم أمورَ الدِّينِ تدرُّجًا كما تدرَّجَ في تعليمِها النبيُّ ﷺ للمشرِكِينَ، وألَّا يعلِّمَهم الإسلامَ جملةً أصولًا وفروعًا؛ حتى لا يَنفِرُوا منه؛ لأنَّ الحاكمَ خليفةُ اللهِ في الأرضِ، ويتولَّى تطبيقَ دينِهِ كما يُريدُهُ اللهُ، لا كما تَهْواهُ النفسُ بعَجَلةٍ أو تهاوُنٍ. أحوالُ المسلمين، وحكمُ تحكيم الشريعة في كلِّ حالٍ: وجماعةُ المسلِمينَ غالبًا على حالَيْنِ: الحالُ الأُولى: حالةُ انتظامِ الدولةِ، وثباتِ الأمرِ، واستقرارِ النظامِ: ففي هذه الحالةِ: لا يجوزُ لحاكمٍ أنْ يحكُمَ بغيرِ ما أنزَلَ اللهُ؛ إذا

стр. 173

كان مَن يتولَّى عليهم أهلَ إسلامٍ، وإذا كان مَن يتولَّى عليهم غيرَ مسلِمينَ، فعلى ما تقدَّمَ بيانُه مِن التدرُّجِ. وعلى المسلِمِين المحكومينَ ألَّا يتحاكَمُوا إلا إلى دِينِ اللهِ وشَرْعِه، ومَن فضَّل التحاكُمَ إلى الأنظمةِ الوضعيَّةِ على الشريعةِ، ورأى أنَّ الشريعةَ لا تصلُحُ للإنصافِ، أو لا تُناسِبُ عصرَهُ، ولا إقامةَ العدلِ في بلدِه -: فهذا الكفرُ الأكبرُ الذي لا يَختلِفُ فيه أحدٌ. الحالُ الثانيةُ: حالةُ حربٍ وعدمِ استقرارٍ: وذلك ألَّا يكونَ للمسلِمِينَ مجتَمَعٌ يُؤْوِيهم وينضبِطُ فيه نظامُهم، ويثْبُتُ لهم فيه قرارٌ؛ فهذه الحالُ إنْ قامتْ مصلحةٌ في تركِ الحدِّ وعدمِ إقامتِهِ، فلهم ذلك؛ تركًا لعينِ النازلةِ، لا إسقاطًا للحكمِ بالكليَّةِ، أو تشريعًا لنظامٍ بديلٍ يَحُلُّ مَحَلَّ حُكْمِ اللهِ وحدودِه؛ لأنَّ حُكمَ اللهِ ثابتٌ في القرآنِ والسُّنَّةِ، وثبوتُهُ قطعيٌّ، واستحلالُ تركِ العملِ به مطلقًا كُفْرٌ لا يختلِفُ العلماءُ فيه، وتقنينُ عقوبةٍ بديلةٍ - ولو لحدٍّ واحدٍ من حدودِ اللهِ - علامةٌ على أنَّ الشريعةَ ما تُرِكَتْ إلا رغبةً عنها، واسحلالًا لتركِها. وكلَّما استقَرَّ أمرُ دولةِ الإسلامِ وتمَّ نظامُها، شُدِّدَ في العملِ بحكمِ الإسلامِ ونظامِه. وإذا كان للمسلِمِينَ دَوْلةٌ مستقِرَّةٌ، وبعضُ المسلِمِينَ في دارِ الحربِ؛ لجهادٍ ونحوِه، وأصابَ واحدٌ منهم في دارِ الحربِ حَدًّا -: فلا يخلُو الحدُّ مِن أحدِ نوعَيْنِ: الأولُ: أنْ يكونَ الحدُّ حقًّا لعبدٍ؛ كمَنْ سَرَقَ مالًا، أو قتَلَ مسلِمًا متعمِّدًا، أو قطَعَ يدَهُ؛ فيجِبُ إقامتُهُ إنْ لم يَعْفُ صاحبُ الحقِّ وإنْ كانوا في حربٍ؛ كما فعَلَ النبيُّ ﷺ ؛ فقد أخَذَ القِصَاصَ وهو غازٍ في سَيْرِهِ إلى الطائفِ سنةَ ثمانٍ من الهجرةِ:

стр. 174

قال ابنُ إسحاقَ: "سلَكَ رسولُ اللهِ ﷺ على نَخْلَةَ اليَمَانِيَةِ، ثمَّ على قَرْنٍ، ثمَّ على المُلَيْحِ، ثمَّ على بَحْرَةِ الرُّغَاءِ من لِيَّةَ، فابتنَى بها مسجدًا، فصلَّى فيه" (١)، وقال ابنُ إسحاقَ: "فحدَّثَني عمرُو بنُ شُعَيْبٍ؛ أنَّه أقادَ يومئذٍ ببَحْرَةِ الرُّغَاءِ حينَ نزَلَها بدمٍ، وهو أولُ دَمٍ أُقِيدَ به في الإسلامِ؛ رجلٌ مِن بني ليثٍ قتَلَ رجلًا مِن هُذَيْلٍ، فقتَلَه به" (٢). وأخرَجَه الطبريُّ مِن هذا الطريقِ؛ وهو معضَلٌ. وأخرَجَهُ الواقديُّ في "مَغازيهِ"، قال: "حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ يَزِيدَ، عن سعيدِ بنِ عَمْرٍو؛ قال: حَدَّثَنِي مَنْ رَأَى. . ."، فذكَرَه (٣). ولأميرِ الجيشِ أنْ يسعَى في طلبِ العفوِ عن القاتلِ إذا خَشِيَ على القاتلِ الفِرَارَ واللَّحَاقَ بأهلِ الحربِ، ولا يجوزُ له إسقاطُهُ إنْ أبَوْا إلا القَوَدَ؛ لأنَّ في هذا إقرارًا للظُّلْمِ، وجَلْبًا للفِتْنةِ بينَ الناسِ، ودفعًا للمظلومِ أنْ ينتصِرَ لنفسِهِ؛ فتكونُ فتنةٌ عامَّةٌ بدلًا مِن فتنةٍ خاصَّةٍ. الثاني: في الحدودِ التي لا حَقَّ لأحدٍ فيها، وهي مِن حقِّ اللهِ تعالى؛ كحدِّ شربِ الخمرِ والزِّنَى ونحوِهما؛ فهذه بحسَبِ الحالِ التي تترتَّبُ على فاعلِها، ويغلِبُ على ظنِّ أميرِ الجيشِ وأهلِ الحَلِّ والعَقْدِ مِن أهلِ مشورتِهِ حدوثُهُ منه؛ فإن كان يُخشى منه الفرارُ مِن المسلِمِينَ، واللَّحاقُ بأهلِ الحربِ، أو رجوعُهُ عن القتالِ، ورجوعُهُ يؤثِّرُ على عزيمةِ الناسِ وقُوَّتِهم - فالأَوْلى عدمُ إقامةِ الحدِّ عليه، وإرجاءُ ذلك إلى عودتِهم إنْ أمكَنَهُمْ ذلك قبلَ أنْ تصلُحَ حالُه؛ لأنَّ تأخيرَ الحدِّ لمصلحةِ الإسلامِ أَوْلى مِن تأخيرِ الحدِّ على الحاملِ والمُرضِعِ، لمصلحتِهِما أو مصلحةِ

стр. 175

ولدِهما؛ كما ثبَتَ ذلك عن النبيِّ ﷺ (١). وذلك لأنَّ التركَ لا يُعَدُّ تعطيلًا للحكمِ الثابتِ؛ وإنما هو تركٌ في نازلةٍ معيَّنةٍ لمصلحةٍ راجحةٍ؛ فتُلْحَقُ بحالِ النبيِّ ﷺ قبلَ هِجْرتِه؛ فاللهُ أخَّرَ الحدودَ على أمَّتِهِ لمصلحةِ الحالِ، ثمَّ أنزَلَها وأثبَتَها، وليس لأحدٍ أن يرفَعَ الحُكمَ العامَّ بحالٍ. وحينئذٍ: فيكون تأخيرُ الحُكْمِ النازلِ على معيَّنٍ إلى حالِ القدومِ إلى بلدِ المسلِمِينَ في حالِ عدمِ صلاحِ المقترِفِ للحدِّ: أصلَحَ وأنسَبَ، وما حصَلَ إنَّما هو تأجيلٌ، لا إسقاطٌ وإلغاءٌ. ولو تأخَّرتْ إقامةُ الحدِّ زمنًا طويلًا وبَقِيَ الناسُ في الحربِ وصلَحَ الذي أصابَ حَدًّا، فلا يُناسِبُ إقامةُ حدِّ الخمرِ عليه بعدَ سِنِينَ صلَحَ فيها واستقامَ أمرُهُ، وربَّما كان قُدْوةً للناسِ؛ وذلك لأنَّ المصلحةَ مِن إقامةِ الحدِّ تحقَّقتْ مع طولِ الزمنِ؛ وهذا في حالِ مَن صلَحَ رَغْبةً وامتدَّ صلاحُهُ حتى شَهِدَ الناسُ له بذلك، لا مَن صلَحَ خوفًا مِن الحدِّ فقامَتِ الرِّيبةُ فيه. إقامةُ الحدودِ في دارِ الحربِ: وإقامةُ الحدِّ في دارِ الحربِ ممَّا اختلَفَ فيه أهلُ العلمِ على قولَيْنِ: القولُ الأولُ: أنَّ الحدودَ لا تُقامُ في دارِ الحربِ؛ وقال بهذا عمرُ بنُ الخطَّاب، وصحَّ عن حُذَيْفةَ بنِ اليَمَانِ، وأبي مسعودٍ، وسعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ؛ وهو قولُ الأوزاعيِّ، وأبي حنيفةَ، وأبي يوسُفَ، وأحمدَ؛ وإسحاقَ؛ على خلافٍ عندَهم في إقامتِهِ بعدَ الرجوعِ إلى بلدِ الإسلامِ (٢). وقال أبو حنيفةَ: لا حدَّ ولا قِصَاصَ في دارِ الحربِ، ولا إذا

стр. 176

رجَعَ، إلا إذا غزَا مَن له وِلَايةُ الإقامةِ بنفسِه؛ كالخليفةِ وأميرِ المِصْرِ؛ يُقيمُ الحَدَّ على مرتكبِيهِ؛ لأنَّه تحتَ يدِه، بخلافِ أميرِ العسكرِ والسَّرِيَّةِ؛ لأنَّه لم تفوَّضْ إليهما الإقامةُ، ولا تُقامُ الحدودُ بعدَ الرجوعِ إلى بلادِ الإسلامِ؛ لأنَّه عندَما ارتَكَبَ الحدَّ في دارِ الحربِ، لم يكن للإمامِ عليه قدرةٌ، فلم تنعقِدْ موجبةً، فلا تنقلِبُ موجِبةً بعدَ الخروجِ مِن دارِ الحربِ (١). وأصحابُ الرأيِ يرَوْنَ أنَّ مَن يُقيمُ الحدودَ هو أميرُ المِصْرِ، وليس للمسلِمِينَ أنْ يُنِيبُوا أحدًا منهم وهم في سَفَرٍ أو حَرْبٍ، فيُقِيمَ الحدَّ على مَنْ أصابَ الحَدَّ منهم. وظاهرُ مذهبِ الحنابلةِ، وقولُ إسحاقَ: أنَّ الحدودَ لا تُقامُ في الحربِ، لكن تُقامُ عندَ الرجوعِ (٢). ويُستدَلُّ على عدمِ إقامةِ الحدِّ في دارِ الحربِ بما رواهُ عبدُ الرزَّاقِ - وعنه ابن المنذرِ في "الأوسطِ" - مِن حديث ابنِ عُيَيْنةَ، وأخرَجَهُ سعيدٌ وابنُ أبي شَيْبةَ، عن عيسى بنِ يونسَ؛ كلاهما عن الأعمشِ، عن النَّخَعيِّ، عن عَلْقمةَ؛ قَالَ: "أَصَابَ أَمِيرُ الجَيْشِ - وَهُوَ الوَلِيدُ بنُ عُقْبَةَ - شَرَابًا فَسَكِرَ، فَقَالَ النَّاسُ لِأَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ - أَوِ ابنِ مَسْعُودٍ - وَحُذَيْفَةَ بنِ الْيَمَانِ: أَقِيمَا عَلَيْهِ الحَدَّ، فَقَالَا: لَا نَفْعَلُ؛ نَحنُ بِإزَاءِ العَدُوِّ، وَنَكْرَهُ أَنْ يَعْلَمُوا بذَلِكَ، فَتَكُونَ جُرْأَةٌ مِنْهُمْ عَلَيْنَا وَضَعْفٌ بِنَا" (٣)؛ وهو صحيحُ الإسنادِ عن علقمةَ.

стр. 177

واحتُجَّ أيضًا: بما رواهُ أبو يوسفَ - وعنه الشافعيُّ، وعنه البيهقيُّ في "سننِه" - قال أبو يوسفَ: "حدَّثَنا بعضُ أشياخِنا، عن مكحولٍ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ؛ أنَّه قال: لا تُقامُ الحدودُ في دارِ الحربِ؛ مخافةَ أنْ يَلحَقَ أهلُها بالعدوِّ" (١). ومكحولٌ لم يسمعْ مِن زيدِ بنِ ثابتٍ؛ قاله أحمدُ بنُ حنبلٍ (٢)، وشيخُ أبي يوسفَ لا يُعرَفُ. وروى سعيدُ بنُ منصورٍ، عن الأحوَصِ بنِ حَكِيمٍ، عن أبيهِ؛ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ كتَبَ إلى الناسِ: "أنْ لا يَجْلِدَنَّ أميرُ جيشٍ ولا سَريَّةٍ رجلًا مِن المسلِمينَ حدًّا وهو غازٍ حتى يقطَعَ الدربَ قافلًا؛ لئلا تَلحَقَهُ حميَّةُ الشيطانِ، فيلحَقَ بالكفارِ" (٣). والأحوصُ ضعيفُ الحفظِ (٤)، ولكنْ قد تابَعَهُ ثورٌ؛ كما رواهُ أبو يوسفَ، عن ثورِ بنِ يزيدَ، عن حَكِيمِ بنِ عُمَيْرٍ؛ أنَّ عمرَ كتَبَ إلى عُمَيْرِ بن سعدٍ الأنصاريِّ وإلى عمَّالِهِ: "أنْ لا تُقِيمُوا حدًّا على أحدٍ مِن المسلِمينَ في أرضِ الحربِ، حتى يخرُجُوا إلى أرضِ المصالَحةِ" (٥). ورواهُ ابنُ أبي شَيْبةَ في "مصنَّفِه"، عن ابن المباركِ، عن أبي بكرِ بنِ أبي مريمَ، عن حَكِيمِ بنِ عُمَيْرٍ، به، بنحوِه (٦).

стр. 178

ورواهُ البخاريُّ في "التاريخِ"، والحسنُ بن موسى الأشيبُ في "جُزْئِه"؛ مِن طريقِ حسانَ بنِ زاهرٍ؛ أنَّ حُصَيْنَ بنَ حُدَيْرٍ أخبَرَهُ: أنَّه سَمِعَ عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: "لا تُقطَعُ اليدُ في الغزوِ ولا عامَ سَنَةٍ" (١). وحَسَّانُ وحصينٌ فيهما جهالةٌ؛ ذكَرَهما البخاريُّ وابنُ أبي حاتمٍ، ولم يذكُرَا فيهما جرحًا ولا تعديلًا (٢). ورواهُ عبدُ الرزَّاقِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ؛ قال: "أخبَرَني بعضُ أهلِ العلمِ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ كتَبَ. . ."، فذكَرَه بمعنى اللفظِ الأولِ (٣). وهي طرُقٌ يؤكِّدُ بعضُها بعضًا في ثبوتِ ذلك عن عمرَ. ورُوِيَ عن عمرَ بنِ الخطابِ خلافُهُ، ويأتي بيانُ الجمعِ بينَهما - بإذنِ اللهِ - لو صحَّ الخلافُ. وروى سعيدُ بنُ منصورٍ، عن إسماعيلَ بنِ عَيَّاشٍ؛ وابنُ أبي شَيْبةَ، عن ابنِ المبارَكِ؛ كلاهُما عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ بنِ أبي مريمَ، عن حُمَيْدِ بنِ رُومَانَ: "أنَّ أبا الدرداءِ نَهَى أنْ يُقامَ على أحدٍ حدٌّ في أرضِ العدوِّ" (٤)؛ واللفظُ لابنِ أبي شَيْبةَ. ورُوِيَ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، عندَ عبدِ الرزَّاقِ؛ مِن حديثِ الحسنِ، عنه (٥)، وفي إسنادِه جهالةٌ، والحسنُ لم يسمعْ مِن عليٍّ (٦).

стр. 179

واستُدِلَّ بحديثِ بُسْرِ بنِ أبي أَرْطَاةَ؛ أنَّه أُتِيَ بسارقٍ وقد سرَقَ بُخْتِيَّةً، فقال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: (لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي السَّفَرِ) (١). وهذا الحديثُ منكَرٌ، وتفرَّدَ به الشاميُّونَ، ولا يُعرَفُ عن النبيِّ ﷺ مِن غيرِ هذا الوجهِ. قال البيهقيُّ: "هذا إنَّما يُروى بإسنادٍ شاميِّ عن بُسْرٍ، وكان أهلُ المدينةِ يُنكِرونَ أنْ يكونَ بُسْرٌ سمِعَ من النبيِّ ﷺ " (٢). وقال الواقديُّ: "بُسْرُ بنُ أبي أرطاةَ أدرَكَ النبيَّ ﷺ صغيرًا ولم يسمعْ منه شيئًا" (٣). وقال بعدمِ سماعِه أيضًا أحمدُ وابنُ مَعِيِنٍ وغيرُهما (٤). وبُسْرٌ تكلَّمَ فيه غيرُ واحدٍ مِن الحُفَّاظِ؛ قال ابنُ معينٍ: "بُسْرُ بنُ أبي أرطاةَ رجلُ سوءٍ" (٥). قال أحمدُ: "وذلك لما قد انتشَرَ مِن سوءِ فِعْلِهِ في قتالِ أهلِ الحَرَّةِ" (٦). والقولُ بأنَّ الحدودَ لا تُقامُ في دارِ الحربِ هو الأرجحُ والأقربُ لمقاصدِ التشريعِ، والأشهرُ في المنقولِ عن الصدرِ الأولِ، وليس المرادُ مه إسقاطَ الحدِّ ولا تبديلَهُ؛ وإنَّما تأخيرُهُ إلا إنْ طالَ الأمدُ وصَلَحَتْ

стр. 180

حالُ مَن أصابَ حدًّا واشتهَرَ صلاحُهُ؛ فلا حرَجَ مِن درءِ الحدِّ عنه. القولُ الثاني: وجوبُ إقامةِ الحدودِ في كلِّ حالٍ؛ وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، والليثِ، وأبي ثورٍ (١). قال الشافعيُّ: "فإنْ لَحِقَ بالمشرِكِينَ مَن أُقِيمَ عليه الحدُّ، فهو أشقَى له، ومَن ترَكَ الحدَّ خوفَ أنْ يَلْحَقَ المحدودُ ببلادِ المشركينَ، ترَكَهُ في سواحلِ المسلِمينَ ومَسَالِحِهم التي تتَّصلُ ببلادِ الحربِ" (٢). وقال الليثُ بنُ سعدٍ: "ما رأيتُ أحدًا ولا سَمِعْتُ أنَّه يَرُدُّ حدًّا أنْ يُقِيمَهُ في أرضِ العدوِّ قديمًا ولا حديثًا إذا وجَبَ على صاحِبِه" (٣). وقال أيضًا في الأُسَارَى: "يَجعَلُونَ عليهم رجلًا منهم يُقِيمُ الحدودَ فيهم إذا خُلِّيَ بينَهم وبينَ ذلك" (٤). وفي نفيِ الليثِ نظرٌ، وقد عُلِمَ صِحَّتُهُ عن حُذَيْفةَ، وأبي مسعودٍ، ورُوِيَ عن عمرَ مِن طُرُقٍ متعدِّدةٍ يشُدُّ بعضُها بعضًا (٥). وأمَّا ما رواهُ أبو داودَ في "المراسيلِ"، عن مكحولٍ، عن عبادةَ بنِ الصامتِ؛ أنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ قال: (أَقِيمُوا الحُدُودَ في السَّفَرِ وَالحَضَرِ، عَلَى القَرِيبِ وَالبَعِيدِ، وَلَا تُبَالُوا في اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ) (٦) -: فمكحولٌ لم يسمعْ مِن عُبادةَ (٧). وروى البيهقيُّ في "سُنَنِه"، وابنُ عساكرَ في "تاريخِ دمشقَ"؛ من
следующие страницы →