← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

يَقطَعون على سفَهاءِ الناسِ فتنةَ ألسنتِهم وأفعالِهم، فمَن لم يَمنَعه قرآن ولا خوف سُلْطان، منَعتة هَيْبةُ قومِهِ وأَطَروهُ، فلم يَخرُج عما يَرغَبون. ولكن يُشترطُ في العَرِيفِ الأمانة وسلامة الدينِ العامّ، ولو كان مِن أهلِ اللمَمِ. وقد كان النبي ﷺ يتَّخذُ العُرَفاءَ والنقباءَ فيما خفِيَ عليه مِن أمرِ العامَّةِ ورَغباتِ نفوسِهم، وما يتعلقُ باستنفاقِهم عندَ النوازلِ والجَدب، أو معرفةِ حقوقِ أفرادِهم وطيب خواطرِهم؛ لهذا يشق على الحاكم في الدُّوَلِ مترامية الأطراف، وقد كان النبي ﷺ يتخذُ ذلك في المدينةِ وأهلُها حينئذ قليل وهم على طوعِهِ وأمرِه، فلمَّا جاءَه هوازن مسلِمِينَ وقد سَبَى منهم وقَسَمَ السبيَ، فطلَبُوا إرجاعَ نسائِهم وأولادِهم، وكان الصحابة حازُوا حقهم مِن ذلك، فأرسَلَ إلى الناسِ عرَفاءَهم؛ كما في "الصحيح"؛ مِن حديث عروةَ بنِ الزبيرِ؛ أن مَروَانَ بنَ الحَكَم، والمِسوَرَ بنَ مَخْرَمَةَ أخبَرَاهُ؛ أن رسولَ اللهِ ﷺ قال حِينَ أذِنَ لَهُم المسلِمُونَ فِي عتق سبيِ هَوَازِن: (إني لَا أدرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ مِمنْ لَمْ يأذَنْ، فَارجِعوا حَتى يَرفَعَ إِلَينَا عرفَاؤُكمْ أمْرَكمْ)، فَرَجَعَ الناسُ، فَكلمَهم عُرَفَاؤُهُم، فَرَجَعوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأخبَرُوه أن الناسَ قَدْ طَيبوا وَأذِنوا (١). وقد ترجَمَ البخاري على ذلك بقولِهِ: "بابُ العُرَفاءِ للناسِ" (٢). والعُرفاء يُوجَدونَ في الناسِ اضطرارا، لا يَنتقيهِمُ الحاكمُ اختيارا كما يريدُ، لكل ناسِ يتشكلُ فيهم رؤوس، فيكونونَ وُجَهاءَ ونُقَباءَ فيهم، يَسُودُونَ لأمرِ متراكِم فيهم؛ إما بعِلم أو مال أو نَسَب أو حسبٍ، فيَفرِضونَ أنفسَهم بالقبولِ وَسطَ الناس، فيكونونَ رؤوسا كرأسِ الهرمِ يقوم على عدد كبير مِن الحَصَى، فلم يَرفعه فرد ولا أفراد؛ وإنما جماعة

стр. 1157

وأُمَّةٌ، فإذا أخَذَ الحاكمُ واختارَ مِن النَّاسِ مِن وسطِهم كمَن أخَذَ حَجَرًا مِن وسَطِ الهرمِ أو أسفلِه، فيسقُطُ عليه مَن فوقَهُ وتحدُثُ فتنةٌ. فائِدةُ النُّقَباء، وسَبَبُ حاجةِ الغَرْبِ لصناديقِ التصويت: نظَّمَ الإسلامُ الناسَ وحَفِظَ تركيبَهم، وأمَرَ بترابُطِهم وتواصُلِهم: بصِلَةِ الرَّحِم والأقرَبِين، وحُسنِ الجِوَار، وإِكرامِ الضيفِ، وإجابةِ دَعْوةِ الوَلِيمة، وشُهودِ صلاةِ الجَماعة، وشَرَع عبادةَ المريض، واتِّباعَ الجنازة، وبَذْلَ المعروفِ ورَدَّه، وجمْعَ الناسِ على الطعام، ومعرفةَ الأنسابِ والعاقلةِ في الدِّيَة، وغيرَ ذلك مِن الشرائعِ الدافعةِ التي يَلزَمُ منها ترابُطُ الناسِ وتعارُفُهم وتشكُّلُهم على صورةٍ يَظهَر معها فيهم عُرَفَاءُ ونُقبَاءُ يَسُودونَ لفضلِهم وسيرتِهم التي تصوَّرَتْ في الأذهانِ لعُقودٍ ليس فيها مخادَعةٌ أو تلبيسٌ ساعةً أو يومًا أو أيامًا؛ ولهذا لم يحتَجِ النبيُّ ﷺ وخُلفاؤه إلى معرفةِ رؤوس الناسِ وأخذ رأيهم الذي لا يحرُجُ غالبًا عن رأيِ مَن تحتَهم مِن قَومِهم؛ لأنَّ قومَهم أظهَرُوهم وسَوَّدُوهم في عُقودٍ بلا تزييفِ إعلامٍ ولا استبدادِ حاكمٍ باختيارِه، وإنْ لم يَتَّفِق على العُرَفاءِ والنُّقَباءِ جميعُ قومِهم؛ فإنَّه يَتَّفِقُ عليهم الغالبُ والسَّوَادُ، وقدِ اختَلَّ هذا الأمرُ في بعضِ القُرونِ السابقة، وفي عصرِنا اليومَ لدى كثيرٍ مِن المسلمينَ وعامَّةِ الكُفَّار: أمَّا الكفار -وهُمُ الغَربُ اليومَ-: فتفَكَّكَ لديهم المجتمعُ؛ لأنهم عَمِلُوا بالمبدأ اللِّيبراليِّ بتفكيكِ الروابطِ العِرْقِيَّةِ والدِّينيةِ والقَبَلِيَّةِ والأُسْرِيَّة، حتى بَلَغَ ببعضِ المجتمعاتِ تفكيكُ آخِرِ رابطٍ، وهو رابطُ الآباءِ والأبناءِ بعصِهم ببعضٍ؛ فلا يئواصَلُون أعوامًا، ولَزِمَ مِن ذلك ألَّا يوجَدَ هَرَمٌ للناس ولا رَأْس، وألَّا يشكَّلَ لديهم نُقَباءُ وعُرَفاءُ عبرَ عقودٍ، فلا يتعارَفُ الأقرَبُون فضلًا عن الأبعَدِين، فاضطرُّوا إلى معالَجةِ ما أفسَدُوه في قُرونٍ

стр. 1158

بأن يستدرِكُوه في يومٍ، فإذا أرادُوا ترشيحَ أحدٍ قام بحملةٍ على المنابِرِ الإعلاميَّة يُعرِّفُ بنفسِه بما لا يملِكُ الناسُ معه وقتًا لتمييزِ الصادقِ مِن الكاذب، فيأخُذُون رأي الأفرادِ جميعًا في يومٍ أو أيَّامٍ على مَن لا يعرِفُه أكثرُهم إلا فيها، حتى يُنفِقَ المرشَّحُ في بعض الدُّولِ مئاتِ الملايينِ وربما مِليارًا وأكثَرَ؛ وذلك ليُعِيدوا ما فَكَّكُوه مِن روابطِ الفِطْرةِ والشريعة، ولكنْ بصُورةٍ يَغلِبُ عليها التدليسُ والخِدَاع. وأمَّا عند كثير مِن المسلِمِين: فذلك أنَّ الأصلَ في العُرَفاءِ والنُّقَباءِ أنهم يخرُجُون بن وسطِ الناسِ في عقودٍ حيثُ سَبَرُوا حالَهم وعَرَفُوهم خيرَهُم وشَرَّهُم وكمالَهم ونَقْصَهم، فسَادُوا بالدِّينِ والعلمِ والعَقْلِ والخُلُقِ والصِّدقِ والأمانةِ؛ فيظهَرُ العُرَفاءُ اضطرارًا لا اختيارًا، ولكن يتسلَّطُ بعضُ الحُكَّام فيضَعُ على الناسِ عُرَفاءَ ونُقَباءَ فيُقَرِّبُ مَن يوافِقُه ولو كان مِن وسطِ الناس ويُبعِدُ مَن يُخالِفُه ولو كان مِن رَأْسِهم، ثم يأخُذُ رأيَهم على أنه رأيُ رؤوسِ الناس الذين يجتمِعُون عليهم. أهلُ الحلِّ والعقدِ: وأمَّا أهلُ الحَلِّ والعَقْدِ، فهو معنًى قديمٌ قَرَّرَتْهُ الشريعةُ ودلَّ عليه عملُ الأنبياء، ولكنَّه مصطلحٌ متأخِّرٌ، وظهَرَ في كلامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ وغيرِه ممَّن جاء بعدَهُ، وإنَّما يُتَّخَذُونَ فيما يتعلَّقُ باختيارِ الحاكمِ والأُمورِ العِظامِ التي يُخشَى مِن عدمِ انقيادِ الناسِ له بها، ويشتَرَطُ لي أهلِ الحَلِّ والعَقدِ: أن يكونوا رؤوسًا في قومِهِمْ، ولا يُشترَطُ فيهم العِلْمُ وإنما يجبُ أنْ يتوافَرَ فيهم مِن العلم العلمُ بشُروطِ الإمامِ والإمامةِ في الإسلامِ؛ وأنْ يَتوافَرَ فيهم الدِّين والأمانةُ، وإن كانوا علماءَ، فذلك أكمَلُ، ولكنَّه ليس بشرطٍ، ما دام الحاكمُ الذي يختارونَهُ تتوافرُ فيه شروطُ الإسلامِ في الحاكم. وأهلُ الحَلِّ والعَقْدِ يكونونَ مِن النُّقَباءِ؛ لأنَّهم أهلُ عِلْمٍ بقومِهم،

стр. 1159

ومِن أهلِ الشُّورى؛ لأنَّهم أهلُ عِلْمٍ بالشريعةِ وغيرِها؛ لِيَجْمَعَ بينَ العارِفينَ بالناسِ؛ فلا يَخرُجوا عمَّا يُريدونَهُ فلا تقَعَ الفتنُ، وبينَ العالِمينَ بالشريعةِ؛ فلا يَخرُجوا عن أمرِ اللهِ ومراده في الحُكمِ والسياسةِ؛ فإنَّ الناسَ قد يريدونَ غيرَ ما أراد اللهُ جهلًا أو هوًى، فيُبيِّنُ لهم أهلُ العِلم ذلك، وقد يَقضي أهلُ العِلْمِ بشيءٍ لم تفصِّلْ فيه الشريعةُ ولا يُريدُهُ الناس، فتقعُ الفتنةُ. فاجتماعُ العلماءِ والنُّقباءِ في اختيارِ الحاكِمِ والفصلِ في أمرِ الأمَّةِ العظيمِ وخاصَّةً عندَ الفتنِ: مِن سُنَنِ الأنبياءِ والمرسَلِينَ، ويُروى في الحديث: (لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ كَانَ قبلِي إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ سَبْعَةَ نُقَبَاءَ وُزَرَاءَ نُجَبَاءَ)، رواهُ أحمدُ، عن كَثِيرِ النَّوَّاء، وهو مُتكلَّمٌ فيه (١). اتخاذُ الجاسوسِ في الحربِ: وفي الآيةِ: دليلٌ على اتِّخاذِ الجاسوسِ يسبُرُ أحوالَ العدوّ، ويَعرِفُ عُدَّتَهم وعدَدَهم، ومواضعَ القوةِ والضَعْفِ فيهم؛ كما فعَلَ موسى بإرسالِ النُّقباءِ إلى الجبَّارينَ، وقد اتَّخذَ النبيُّ ﷺ عَيْنًا، وهو بُسَيْسَةً؛ كما أخرَجَه مسلمٌ (٢). * * * قال تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)﴾ [المائدة: ٣١]. وفي هذه الآيةِ: إشارةٌ إلى سُنَّةٍ فِطْرِيَّةٍ، وهي دفنُ المَوْتَى، وقد شرَعَها الله في أولِ ميِّتٍ مِن بني آدمَ، ودفن الميِّتِ وقَبْرُهُ إرجاعٌ له إلى أصلِهِ

стр. 1160

الذي منه خُلِقَ، ومنه يُبعَثُ ويُخرَج؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)﴾ [عبس: ٢١]، وقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٦]. والدفنُ فِطْرةٌ وسُنَّةٌ تَعَلَّمَها الإنسانُ بواسطةِ الحيوانِ، وفيه أنَّ الإنسانَ يتعلَّمُ العِلْمَ ويأخُذُهُ مِن كلِّ أحدٍ صدَقَ فيه، وقد أُخِذَ دفنُ الميِّت مِن غُرَابٍ، وهو حيوانٌ مذمومٌ شرعًا، فهو من الفواسقِ الخمسِ؛ كما في الحديثِ في "الصحيحَيْن" (١). الحكمةُ مِن دَفْنِ الميِّت: ودفن الميِّتِ شُرِعَ لعلَّتَيْنِ: الأُولى: إرجاعٌ للميِّتِ إلى أصلِ خِلْقَتِهِ الأُولى، التي يُخرَجُ ويُبعَثُ منها؛ كما قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ [طه: ٥٥]. الثانية: سَتْرُ سَوْءَتِهِ عن الناسِ ألا يَتأذَّوْا منها، ولا ينظُروا إليها، ولا يَكرَهَ هو أنْ يكونَ كذلك لو كان حيًّا. وسَوْءتُهُ هنا سوءتانِ: الأُولى: عورةُ جِسْمِهِ المحسوسةُ بالبصرِ؛ وهي محرَّمةُ الكشفِ والنظرِ للحيِّ والميِّتِ سواءً، ويُروى في الخبرِ؛ مِن حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (لَا تُبْرِزْ فَخِذَكَ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ)؛ رواهُ أحمدُ وأهلُ السُّننِ (٢). الثانية: عورتُهُ المحسوسةُ بالشمِّ لِنَتْنِها. فشُرِعَ الدفنُ لسَتْرِ ما يَسُوءُ الناسَ مه وما يَسُوءُهُ هو أنْ يكونَ منه ومِن غيرِهِ ذلك.

стр. 1161

وضعُ الميِّت في البحر: ومَن لم يَجِدْ ترابًا يَدفِنُ فيه الميِّتَ؛ كمَنْ كان في سفينةِ في البحرِ ولم يجدْ أرضًا يَدفنُ فيها وطال سيرُهُ وخَشِيَ نَتْنَ الجسدِ وفسادَه، جاز له أنْ يُغسِّلَهُ ويُكفِّنَهُ كما يصنعُ به لو كان في بلدِهِ ثُمَّ يرْمِيَ به في البحر، ولا يجوزُ لهم الاستعجالُ برميه حتى يُخشى عليه تمزُّقُ الجسدِ وشدةُ النَّتْن، فقد مات أبو طَلْحةَ الأَنصاريُّ في البحر، فانتظَرُوا فيه سبعةَ أيامٍ حتى بلَغُوا جزيرةً فدفَنُوهُ ولم يَتغيَّرْ؛ كما رواهُ ابنُ حِبَّانَ وأبو يَعْلى (١). ويفضَّلُ أنْ يُوضَعَ فيه ثِقْلٌ حتى يصلَ إلى القاعِ حتى لا يطفُوَ على سطحِ الماء، وإنَّما يَنزِلُ إلى قاعِهِ فيجتمعُ عليه ترابُ البحرِ فيَدفِنُه. وبعضُ فُقهاءِ الشافعيَّةِ استحبَّ أن يكونَ بينَ لَوْحَينِ ليَطْفُوَ؛ فربَّما رماهُ البحرُ إلى شاطئٍ، فيراهُ الناسُ فيَدفنونَهُ؛ وهذا اجتهادٌ يَحْكُمُهُ الحالُ وقربُ المكان، والله أعلَمُ. وكذلك مَنْ كان في البُلْدانِ الجليديَّةِ التي لا ترابَ فيها وتعذَّرَ ذلك، جاز دفنُهُ في الجليدِ كما يُدفَنُ في التراب، والدفنُ في الجليدِ أَولى مِن الرمي في البحرِ. والماءُ بدلٌ عن الترابِ في الدفن، كما أنَّ الترابَ بدلٌ عن الماءِ في الطهارة، والله أعلَمُ. * * *

стр. 1162

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَو يُصَلَّبُوا أَو تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَو يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤]. بعدَما ذكَرَ اللهُ قصةَ ابنَيْ آدمَ، وأنَّ عُدْوانَ الفردِ إنْ نعدَّى، اتَّخَذَهُ الناسُ حِرَابةً فمِن قتلِ الفردِ إلى قتلِ الجماعة، جعَلَ حدودًا للفساد، وذلك ببيانِ عاقبةِ القاتلِ والمحارِبِ في الآخِرةِ وبيانِ حَدِّهِ في الدُّنيا، وفي ترتيب الآيةِ بعدَ الآياتِ السابقةِ: أنَّ اللهَ حَدَّ الحدودَ وشرَعَ العقوبات بسببِ مخالَفةِ بني آدمَ، ولولا فسادُهم ومخالفتُهم، ما كلَّفَهم ذلك، فقد ذكَر اللهُ بدايةَ فتنةَ القتلِ وخطورتَهُ ووقوعَه، ثم بيَّنَ عِقابَهُ وحَدَّهُ لرَدْعِه. الحِرَابةُ ومعناها ونزولُ حُكْمِها: والمُحارَبةُ مِن المُفاعَلةِ، وتكونُ مِن طرَفَيْنِ كالمُقاتَلةِ، وكأنَّ المحارِبَ يَستعدِي غيرَهُ ليفعَلَ مِثلَه، فيَقتتِلَ الطرَفانِ؛ فتُزهَقَ الأرواحُ وتفسُدَ الأموالُ، ويَحْمِلُ إثمَ الطرَفَيْنِ مَن تسبَّبَ في ذلك، وهو أوَّلُهم. ولا يَلزَمُ مِن المُحارَبةِ القتلُ؛ وإنَّما أخذُ الأموالِ وسَلْبُها وتخويفُ السائِرِينَ مِن الحِرابةِ؛ ولذا قال: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾. وجاء الخبرُ: أنَّ هذه الآيةَ نزَلتْ في أهلِ الكتابِ، وجاء الخبرُ: أنَّها نزَلتْ في المُحارِبِينَ ممَّن ارتَدَّ من المُسلِمينَ، فقطَعَ الطريقَ وأخافَ الآمِنينَ، وجاء الخبرُ: أنَّها في كلِّ مُحارِب قاطعٍ للطريقِ مُسلِمًا مبتدِعًا أو كافِرًا. ونزولُها فيمَن ارتَدَّ مِن المُسلِمينَ وقطَعَ الطريقَ وأخافَ الآمِنَ أصحُّ وأشهُر.

стр. 1163

فأمَّا نزولها في أهلِ الكتاب، فقد صحَّ عن ابنِ عبَّاسِ أنَّ هذه الآيةَ نزَلتْ في أهلِ كتابٍ عاهَدُوا النبيَّ ﷺ ، ونقَضُوا عهدَهُ وأفسَدُوا في الأرضِ؛ فخيَّرَ الله رسولَهُ ﷺ : إنْ شاء أن يقتُلَ، وإن شاء أن يقطَعَ أيديَهم وأرجُلَهم مِن خلافٍ؛ رواهُ ابنُ جريرٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عبَّاسٍ (١). ورُوِيَ هذا عن الضحَّاكِ وغيرِه (٢). ورَوَى عِكْرِمةُ، عن ابنِ عبَّاس، أنَّها نزَلت في المُشرِكينَ؛ كما رواهُ عنه أبو داودَ والنسائي (٣). وأمَّا نزولُها في الحَرُورِيَّةِ وكلِّ مُبتدِعٍ مِن المُسلِمينَ حارَبَ المؤمِنينَ، فقد جاء عن سعدِ بنِ أبي وقاصٍ، فقد رَوَى مُصعبُ بن سعدٍ، عن أبيه، أنَّ الآيةَ نزَلتْ في الحَرُورِيَّةِ؛ رواهُ ابنُ مرْدَوَيْهِ (٤)، ومرادُ سعدٍ: أنَّ الحَروريَّةَ دخَلُوا في هذا الحُكْم، ولم يكنْ يُطلَقُ على أحدٍ حَروريَّةٌ زمن النبيِّ ﷺ . وحمَلَ هذه الآيةَ على المُحارِبِ المُسلِمِ الجمهورُ، وهو قولُ أبي حنيفةَ ومالكٍ والشافعيّ، وسببُ النزولِ في المُرتدِّ لا يعني عدمَ دخولِ المسلِمِ المُذْنِبِ فيها. وأمَّا نزولُها فيمَنِ ارتَدَّ وقطَعَ السبيلَ، فهذا الأشهَرُ والأصحُّ؛ وقد أخرَجَ الحديثَ الشيخانِ وأصحابُ الأصول، عن أنس بن مالكٍ؛ أنَّ نَفَرًا مِن عُكْلٍ ثَمَانِيَةً، قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَبَايَعُوهُ عَلَى الإِسْلَام، فَاسْتَوْخَمُوا الأَرْضَ، وَسَقِمَتْ أَجْسَامُهُمْ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ،

стр. 1164

فَقَالَ: (أَلَا تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِينَا فِي إِبِلِه، فَتُصِيبُونَ مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا)، فَقَالُوا: بَلَى، فَخَرَجُوا، فَشَرِبُوا مِنْ أبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَصَحُّوا، فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَطَرَدُوا الإِبِلَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَبَعَثَ فِي آثارِهِمْ، فَأدْرِكُوا، فَجِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ، فَقُطِّعَتْ أيْدِيهِمْ وَأرْجُلُهُمْ، وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ، ثُمَّ نُبِذُوا في الشَّمْسِ حَتَّى مَاتُوا (١). هذا لفظُ مسلم، وفي لفظٍ لهما: "مِن عُكْلٍ، أوْ عُرَيْنَةَ" (٢)، وفي لفظٍ: "وَأُلْقُوا فِي الحَرَّة، يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ" (٣). وفي البخاريِّ عن أبي قِلَابَةَ؛ قال: "سَرَقُوا وَقَتَلُوا، وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيْمَانِهِمْ" (٤). وعنْدَ مسلمٍ عن أنسٍ؛ قال: "وَارْتَدُّوا" (٥). وقد ترَكَ النبيُّ ﷺ سَمْلَ الأعْيُنِ بعدُ؛ كما جاء مِن حديثِ أبي هريرةَ (٦). واختلافُ العلماءِ في سببِ النزولِ لا يُخرِجُ المُحارِبَ المُسلِمَ مِن الحدِّ والعقوبةِ بلا خلافٍ. حديثُ العُرَنِيِّينَ: وقد اختلَفَ العلماء في الحُكْمِ الواردِ لي حديثِ العُرَنِيِّينَ: هل نُسِخَ أو ما زال مُحْكَمًا؟ : فمنهم من قال بنسخِهِ: ومَن قال بنسخِه، منهم: مَن جعَلَ الناسخَ هذه الآية؛ إذْ جعَلَ الله

стр. 1165

حُكْمَ المحارِبِ وقاطِع الطريقِ القتلَ أو الصَّلْبَ أو تقطيعَ الأيدِي والأرجُلِ مِن خلافٍ أو أَنْ يُنفَوْا مِن الأرضِ. وممَّن قال بالنسخِ: مَن جعَلَ الناسخَ هو نهيَ النبيِّ ﷺ عن المُثْلَة، وأنَّ اللهَ عاتَبَهُ على ما فعَلَ؛ وقال بهذا أبو الزِّنَادِ كما رواهُ أبو داودَ (١)، ولا دليلَ على النسخ بالمُثْلةِ؛ إذْ لا دليلَ صريحًا يَعضُدُهُ. ومِن السلفِ -كابنِ سِيرِينَ- مَن جعَلَ فِعْلَ النبيِّ ﷺ بالعُرَنيِّينَ كان قبلَ فرضِ الحدودِ (٢)، واستُدرِكَ: بأنَّ جريرَ بنَ عبد اللهِ روى قصةَ العُرنيِّينَ، وإسلامُهُ متأخِّرٌ بعدَ المائدةِ. ومنهم مَن قال: بإحكامِ حُكْمِ النبيِّ ﷺ في العُرَنيِّينَ، وهذا قولُ الأكثرِ؛ كمالك والشافعيِّ وغيرِهما، وأمَّا سَمْلُ الأَعْيُنِ: فإنَّما فعَلَ النبي ﷺ ذلك قِصاصًا؛ لأنَّ العُرنيِّينَ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرُّعاة، كما ثبَتَ في مسلمٍ، عن أنسٍ؛ قال: "إنَّمَا سَمَلَ النَّبيُّ ﷺ أَعْيُنَ أُولَئِكَ؛ لِأَنهُمْ سَمَلُوا أعْيُنَ الرِّعَاءِ" (٣). الحِرَابةُ في الحضرِ والسفرِ: ولا يَلزَمُ في المُحارِبِ أنْ يكونَ في فَلاةٍ؛ وإنَّما قطعُ الطريق، وتخويفُ الآمِن، وخَطْفُهُ وسَلْبُه، ولو كان في حَضَرٍ وفي بَلَدٍ معمورةٍ، فحُكْمُهُ واحدٌ عندَ جمهورِ العلماءِ؛ نصَّ عليه السلفُ؛ كمجاهدٍ وغيرِه، وقال به مالكٌ والشافعي وأحمدُ. خلافًا لأبي حنيفةَ؛ فقد جعَلَ الحِرَابَةَ في الفَلاة، لا في المدينةِ المعمورةِ. وهذا القيدُ فيه نظرٌ؛ لعموم الآيةِ وعمومِ العِلَّة، فيجبُ أنْ يَعُمَّ الحُكْمُ، بل إنَّ تخويفَ الآمِنِ وسَلْبَهُ وخَطْفَهُ في الحلِّ والحَضَرِ أعظَمُ

стр. 1166

على الناسِ مِن كونِهِ خارجَ المِصْرِ في السفرِ أو غيرِه؛ لأنَّ المسافرَ يَقْدِرُ على الحِيطةِ بالسفرِ نهارًا وبسلاحٍ ورُفْقةٍ، وأمَّا في الحلّ، فالأصلُ عدمُ الاحتياط، والاحتياطُ مِن هذا شاقٌّ، وقطعُ السبيلِ في الحَصَرِ وتخويفُ الناسِ أشَدُّ في تحقُّقِ الإفسادِ مِن السفر. ومَن تأمَّلَ كلامَ السلف، وجَدَ أنَّهم لا يُقيِّدونَ ذلك بالسفر، وإنَّما غلَبَ استعمالُ ألفاظٍ تُوهِمُ السفرَ؛ لأنَّ عادةَ المُحارِبينَ البُعْدُ عن المدنِ خوفَ الغوثِ والنُّصْرةِ واللَّحَاقِ بهم، وكلامُهم تعليقٌ للحالِ بالأغلبِ. واشترَطَ الشافعيُّ في الحِرَابةِ في المِصْرِ والبلدِ: أنْ يكونَ للمحارِبةِ شوكةٌ تَقهَرُ مع انقطاعِ الغوث، وهذا المعنى صحيحٌ، فإنَّه لا يُتصوَّرُ خوفُ مَن أُخِذَ مالُهُ مِن جيبِه في السوقِ أو في طريقِ الناسِ. قصدُ التخويفِ في الحِرابةِ: ولا يُشترَطُ في الحِرابةِ السلاحُ؛ فإنَّ الخوفَ يتحقَّقُ بقطعِ الطريقِ والخطفِ وما يَتْبَعُ ذلك مِن مَظِنَّةِ الخنقِ أو الضربِ أو الحرقِ؛ وإنَّما الشرطُ الذي يتحقَّقُ معه وصفُ الحِرابةِ: القوةُ والقهرُ. واشترَطَ السلاحَ أبو حنيفةَ خلافًا لجمهورِ العلماءِ. حُكْم المحارِبِ: وقولُ اللهِ تعالى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَو يُصَلَّبُوا أَو تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَو يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾: وحُكْمُ المحارِب كما في الآية، وجاءتْ على التخييرِ ابتداءً بالأشدّ، وهو القتلُ والصَّلْبُ، وتوسُّطًا بالقطع، وانتهاءً بالأخَفّ، وهو النفيُ منِ الأرضِ؛ يعني: الأبعادَ مِن أرضِ أهلِه، ليَغترِبَ عنهم؛ وهذا مِن عقوبةِ النفسِ والمعنى، وما قبلَهُ عقوبةُ الحِسِّ. ولا يَختلِفُ السلفُ: أنَّ الحِرابةَ إن كان فيها قتلٌ أنَّ المُحارِبَ يُقتَلُ، واختلَفَ كلامُهم في الصَّلبُ:

стр. 1167

فمنهم من جَعَل الصلبَ لازمًا مع كلِّ مَن قتَلَ حِرابةً ولو لم يكنْ معه أخذُ مالٍ؛ وهذا قال به النخَعيُّ في أحد قولَيْه. ومنهم مَن أضافَ للقتلِ أخذَ المالِ ليكونَ الصلبُ؛ رُويَ هذا عن ابن عباسٍ وعطاءٍ وسعيد بنِ جُبيرٍ وأبي مِجْلَزٍ لاحِقِ بنِ حُمَيْدٍ وقتادةَ والنخَعيِّ في قولٍ له آخَرَ. قطعُ المحارِبِ: واتَّفَقَ قولُ السلفِ: أنَّ القطعَ يكونُ لِمَنْ قَطَعَ الطريقَ وأخَذَ المالَ. وجاء عن ابنِ جُبيرٍ أنه قل تجتمِعُ على المُحارِبِ الحدودُ الثلاثةُ: القطعُ والقتلُ والصلبُ، إنْ جمَعَ التخويفَ وأخْذَ المالِ والقتلَ، فيُقطَعُ ثم يُقتَلُ ثمَّ يُصلَبُ. وما عدا إيجابَ القتلِ على مَن قتَلَ حِرَابةً، والقطعِ على مَن أخَذَ المالَ -اجتهادٌ من السلفِ؛ ولهذا تنوَّعَ قولُهُمْ، وإنَّما اختلَفَ كلامُهم فيه، لا في أصلِ المسألةِ؛ لاختلافِ الحالِ التي كان حديثُ الواحدِ منهم عليها؛ فقد يكونُ القتلُ في أخذِ المالِ فقطْ أو التخويفِ فقطْ إذا عظُمَ أثرُهُ، ولكنْ لا يكونُ النفيُ أو القطعُ فقطْ في حِرابةٍ فيها قتلٌ، ولا يكون النفيُ فقطْ في حِرابةٍ فيها أخذُ مالٍ. اختلافُ أحوالِ المحارِبينَ: وقد جاء الحكم على التخييرِ؛ لاختلافِ الأحوالِ والأشخاص، والزمانِ والمكانِ؛ فمنها ما يحتاجُ إلى التشديد، ومنها ما لا يحتاجُ إليه؛ فقد تتَّفقُ الصورةُ الواحدةُ في الظاهر، ويختلفُ الحُكْمُ؛ لاختلافِ الحالِ أو الأشخاصِ أو الزمان؛ ولذا جاء عن جماعةٍ من السلفِ إطلاق تخييرِ الإمامِ؛ رُوِيَ هذا عن ابن عبَّاسٍ وابن المسيَّبِ وعطاءٍ ومجاهدٍ والنخَعيِّ والحسن، مع أنَّ منهم مَن جَزَمَ بنوعٍ من الحدودِ على نوعٍ من المُحارَبةِ على ما سبَقَ؛

стр. 1168

وذلك لأنَّ مِن الحِرابةِ ما يختلِفُ، فيُلحَقُ وهو أَدْنى بالأَعْلى، وقد يُخفَّفُ الأعلى لمصلحةٍ عامَّةٍ؛ كترك الصلبِ وإنفاذِ القتلِ في القاتلِ مُحاربَةً، ومنها ما لا يُترَكُ على قولِهم بحالٍ كمَن قتَلَ مُحارَبةً فلا يَختلِفونَ في عدمِ سقوطِ القَوَدِ، وما للحاكم هو إسقاطُ صَلْبِه، وإنَّما تنوَّعَ كلامُهم ذلك للاعتباراتِ السابقة، وهي اختلافُ الأحوالِ والأشخاص، والزمان والمكانِ: فأمَّا اختلافُ الأحوالِ: فإنَّ المحارَبةَ على مراتِبَ؛ منها ما يكونُ معه قتلٌ وانتهاكُ عِرْض، ومنها ما يكونُ فيه خطفٌ وأخذُ مالٍ، ومنها ما يكونُ فيه التخويفُ وأخذُ المال، ومنها ما يكونُ تخويفًا بلا أخذِ مالٍ ولا غيرِه، والتخويفُ على درجاتٍ، وأشَدُّها يكونُ فيه الأخذُ بأشَدِّ الأحكام، وهو القتلُ والصلب، وكلَّما خَفَّتِ الحالُ خَفَّ الحُكْمُ. وقد يكونُ أثرُ بعض الأحوالِ أشدَّ من غيرِه؛ كشيوعِ خبرِ الحِرَابةِ وخوفِ الناسِ منها؛ لتداوُلِ الناسِ لها في مَجالسِهم وإعلامِهم؛ فالعقوبةُ فيها أشَدُّ من حِرابةٍ مستورةٍ غيرِ متعدِّيةٍ؛ لأنَّ المقصودَ من إلحاقِ الحقِّ في حدِّ الحِرابة بالحاكمِ أنَّ فيها مصلحةَ الناسِ عامَّةً، لا مصلحة المجنيِّ عليهم خاصَّةً. وأمَّا اختلافُ الأشخاصِ: فالمرادُ بذلك اختلافُ شخصِ المحارِبِ وشخصِ المحارِبِ، فإنْ كان المحارِبُ له سابقةُ حربٍ وتخويفٍ وشرٍّ، فهذا يَستحقُّ التشديدَ عليه، بمقدارِ ما يَغلِبُ على الظنِّ ردعُهُ وردعُ مَن يُماثِلُه، فقد يُشدَّدُ على محارِبٍ أخافَ أشَدَّ من محارِبٍ أخافَ وسلَبَ المالَ؛ لأنَّ الأولَ اعتادَ تخويفَ الناسِ وترهيبَهم، والثاني لم يَسبِقْ له سابقةُ شرٍّ. ومِن الأشخاصٍ المُحارِبيِنَ مَن يَظهَرُ عنادُهُ وإصرارُهُ على شرِّهِ وعدمُ توبتِهِ وندمِه؛ فهذا يُشدَّدُ عليه ولو كانتْ حِرابتُهُ مُخفَّفةً؛ أو وَقَعَ ذلك منه أوَّلَ مرَّةٍ، ومنهم مَن يَظهَرُ ندمُهُ وتوبتُهُ أو يَظهَرُ مِن حالِه الجبنُ عن تكرارِ مِثْلِ ما فعَلَ؛ فهذا يُؤخَذُ بالأخفِّ.

стр. 1169

وكذلك: فإنَّ المحارَبَ قد يكونُ حقُّه التعظيمَ والتوقيرَ؛ كقطعِ الطريقِ على السُّلْطانِ العادل، والعالِم والقاضي الذي يحتاجُ الناسُ إلى نفعِه؛ ففي مفسدةِ التعدِّي على هؤلاء أثرٌ في كثيرٍ من الناسِ في دينِهم ودُنياهم، فاستحَقَّ المحارِبُ التشديدَ؛ للأثرِ المتعدِّي من فِعلِه على مَن حارَبَ. وأمَّا اختلافُ الزمانِ: فإنَّ الأزمنةَ تتبايَنُ؛ فمنها ما يشتِهرُ فيها الأمنُ ويستقِرُّ، ووقوعُ الحادثةِ الواحدةِ في المحارَبةِ لا تؤثِّرُ في استقرارِ أمنِ البلدِ وأمنِ أهلِه، ولا تُهِيبُهم عن سفرٍ وضربٍ في الأرضِ؛ لعَدِّهم إياها حادثةَ عَيْنٍ؛ فهذه حقُّها التخفيفُ ما لم يكنْ فيها قتلٌ أو انتهاكُ عِرْضٍ. ومِن الأزمنةِ: ما انتشَرَ فيها قطعُ السبيلِ والفسادُ في الأرضِ؛ حتى تعطَّلتْ مصالحُ الناس، وخافوا السفرَ والضربَ في الأرضِ؛ فهذا يُشدَّدُ فيه؛ حتى يُؤخَذَ بالأشدِّ في أَدْنى وجوهِ المحارَبةِ؛ وهو التخويفُ. وأمَّا اختلافُ المكانِ والبُلْدانِ: فمنها ما حقُّها التعظيمُ، وحقُّ أهلِها في الأمن أكثَرُ من غيرِها؛ كمكَّةَ والمدينةِ وكذا بيتُ المَقْدِسِ؛ لأنَّ الله فضَّلَها على غيرِها وفضَّلَ العبادةَ فيها، وحَثَّ على قصدِ العبادةِ فيها، والمحارَبةُ في طريقِها تحقيقُ لمفسدتَيْنِ: دينيَّةٍ ودنيويَّةٍ؛ فيَلزَمُ مِن ذلك دفعُهما، ودفعُهما يكونُ بتغليبِ الأشدِّ من العقوبةِ. ويدخُلُ في هذا قطعُ طريقِ الحاجِّ والمعتمرِ ولو كان في غيرِ هذه البُلْدانِ في أقصى الأرضِ؛ لأنَّه صدٌّ عن مصلحةٍ عُظْمَى، ويدخُلُ في ذلك أيضًا البُلْدانُ التي تعظُمُ فيها مصالحُ الناس، فيجلبون منها طعامَهم وماءَهم، وفيها سوقُهم، ولا تقومُ حياتُهم إلَّا بها؛ فقطعُ السبيلِ عنها أشدُّ من غيرِها، وقد يكونُ حدُّ الحِرَابةِ في التخويفِ فقطْ، أشَدَّ مِن حدِّ الحِرابةِ في التخويفِ وأخذِ المالِ في غيرِها.

стр. 1170

وبالنظرِ في هذه الاعتبارات مجتمِعةً: اعتبار اختلافِ الأحوالِ والأشخاصِ، والزمان والبُلْدانِ، يُقضي بها على النازلةِ، وقد يَقْوَى وجهٌ على وجهٍ، وقد تَقْوَى من جميعِ الوجوهِ، وقد تَخِفُّ مِن جميعِ الوجوه، والأمرُ في ذلك إلى نظرِ القاضي؛ ولذا جاء في الآيةِ على التخييرِ؛ لاختلافِ تلك الأحوالِ؛ فإنَّ ذِكرَ (أَو) في الأحكام للتخيير، وقد صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ وعمرِو بن دِينارٍ وعطاءٍ وعِكْرِمةَ والنخَعيِّ: أنَّهم قالوا: "كلُّ شيءٍ في القرآن (أَوْ أَوْ) يختارُ منه صاحبُهُ ما شاء" (١). ونصَّ على هذا أحمدُ. التخييرُ في حدِّ الحرابة: والتخييرُ بـ (أو) جاء في مواضعَ من القرآنِ؛ كما في قوله تعالى في جزاء الصيدِ وكفَّارةِ الفِدْيةِ وكفَّارةِ اليمينِ؛ قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَو كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، وقال في الفِدْيةِ: ﴿أَو بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَو صَدَقَةٍ أَو نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقال في اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَو كِسْوَتُهُمْ أَو تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]. وبالتخيير قال جمهورُ السلف، وقد صحَّ عن ابن عبَّاسٍ؛ قال: "من شَهَرَ السلاحَ في فِئةِ الإسلام، وأخافَ السبيلَ، ثم ظُفِرَ به وقُدِرَ عليه، فإمامُ المُسلِمينَ فيه بالخيارِ: إن شاء قتَلَه، وإن شاء صلَبَه، وإن شاء قطع يده ورجلَه" (٢).

стр. 1171

وبه قال ابنُ المسيَّبِ ومجاهدٌ وعطاءٌ والحسنُ والنخَعيُّ، وهو قولُ جمهورِ العلماءِ؛ كمالكٍ وأحمدَ. واستثنى ابنُ جُرَيْجٍ من التخيير ب (أَو) هذه الآيةَ: آيةَ الحِرَابة، وقال بالاستثناءِ الشافعيُّ؛ كما رواهُ البيهقيُّ (١). ولم يثبُتْ في تقييدِ هذه الأحكامِ في الآية بنوعٍ معيَّنٍ مِن أنواعِ المحارَبةِ: حديثٌ عن النبيِّ ﷺ ، وقد جاء من حديثِ أنسٍ مرفوعًا أخرَجَه ابنُ جريرٍ، ولا يصحُّ، وإطلاقُها دليلٌ على اختلافِ الاعتباراتِ على ما تقدَّمَ. صَلْبُ المحاربِ: وقد اختُلِفَ في الصَّلْبِ: هل يُصلَبُ حيًّا حتى يموتَ، أم يُصلَبُ بعدَ قتلِه؟ على قولَيْن، وقد قطَعَ النبيُّ ﷺ العُرنيِّينَ، وسَمَلَ أعيُنَهم، وترَكَهم ومنَعَهم الطعامَ والشرابَ، وهذا وإن لم يكنْ صَلْبًا للحيّ، فهو في حُكْمِه؛ وعلى هذا: فالصلبُ للحيِّ حتى يموتَ جائزٌ إذا قام مُوجِبُه؛ لعظيم أمرِه، وشدَّةِ أثرِه، وقلةِ المفسدةِ من إقامتِه. وقد يكونُ تحقُّقُ المقصودِ من الصلبِ حيًّا أَظْهَرَ، وقد يكونُ في صَلْبِهِ حيًّا فتنةٌ للناسِ؛ بأنْ يَسمعوا منه ما يُبرِّئُ نفسَهُ ويَحلِفَ فجورًا، فيَظُنَّ الناسُ بأمرِهِ خيرًا، فتقَعَ الحَمِيَّةُ ويُساءَ بالحُكْمِ والحاكم، فيُفتَنَ الناسُ بدلًا من الاتِّعاظِ به. حكمُ النفي: وقولُهُ تعالى: ﴿أَو يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ لا يُخرَجُ مِن بُلْدانِ

стр. 1172

المُسلِمينَ؛ إذْ إنَّ الإقامةَ بينَ ظَهْرَانَي المُشرِكينَ لا تجوز إلا لشديدِ حاجةٍ أو مَظلِمةٍ؛ ويُروى عن ابنِ جُبَيْرٍ وغيرِهِ نفيُهُ مِن أرضِ الإسلامِ إلى أرضِ الكفرِ (١)، ولعلَّه أراد دَفْعَ عَادِيَتِهِ بمُطاردتِهِ وطَلَبِه، لا بإجلائِهِ ليُقِيمَ بينَ ظَهْرَانَيْهِم. ومِن السلفِ: مَن حمَلَ النفيَ على طَلَبِهِ لو كان هاربًا؛ فلا يستقِرُّ له قرارٌ متخفِّيًا. ومنهم مَن قال: إنَّ النفيَ هو التغريبُ إلى بلدٍ غير بلدِه. ومنهم مَن حمَلَهُ على السجنِ؛ كمالكٍ في رواية مُطَرِّفٍ، وأبي حنيفةَ. وكلُّ ذلك صحيحٌ بحسَبِ الحالِ. وجاء عن بعضِ السلفِ: مَن جعَلَ النفيَ لمن أخافَ ولم يأخُذْ مالًا أو يَقتُلْ أو يَنتهِكْ عِرْضًا؛ وبه قال ابنُ عبَّاسٍ وابنُ جُبيرٍ والحسنُ، وأمَّا عطاءٌ: فيجعلُ النفيَ لمَن قُدِرَ عليه قبلَ أن يفعَلَ شيئًا وإنَّما عزَمَ على قطعِ الطريقِ. حكمُ سجنِ أهلِ الحِرَابةَ: ويَأخُذُ الحبسُ اليومَ حُكْمَ النفي؛ لأنَّ في كلٍّ منهما معنى التغريبِ ومفارقةِ الأهلِ والبلدِ. وحَدُّ الحِرَابةِ للقاضي، يقدِّرُهُ فيما يراهُ مِن صالحِ المُسلِمينَ لا يُقدِّرُهُ بهواهُ، وليس ذلك لأصحاب المالِ كالسرقة، وليس لأصحابِ الدمِ كالقِصَاصَ؛ لأنَّ الحِرَابةَ أذًى متعدٍّ للناسِ جميعًا بتخويفِهم وقطعِ سبيلِهم، ولا يَملِكُ حقَّ الناسِ في هذا إلا الحاكمُ، ولا يَملِكُ أصحابُ الحقوقِ إسقاطَ الحدِّ.

стр. 1173

التشديدُ في حدِّ الحِرابةِ: وتشديدُ الحدِّ وتخفيفُهُ بحسَبِ الاعتباراتِ السابقة، لا بما يهوى الحاكم ويُريدُ الناسُ. ويظُنُّ كثيرٌ من الحُكَّامِ أنَّ إسقاطَ عقوباتِ التعزيرِ وتخفيفَها أو تشديدَها إلى ما يَهْوَوْنَ هم، وهذا غلطٌ؛ ولذا ترى منهم مَن يعفو عن التعزيرِ كالجَلْدِ والحبسِ بلا سببٍ عامٍّ؛ وإنَّما لسببٍ خاصٍّ به؛ كشفاءِ الحاكمِ مِن مرضٍ أو تولِّيهِ لزمامِ حُكْمٍ؛ وهذا خلطٌ في مَنَاطِ إلحاقِ الحقِّ في أبوابِ التعزيرِ والعفوِ عن المُخطِئِينَ؛ فإنَّ مَناطَ ذلك إلى مصلحةِ المُخْطِئ ومصلحةِ مَن تأذَّى منه؛ فإنْ رَأَى أنَّ إطلاقَهُ أَصْلَحُ للمُخطئِ وللناس، أطلَقَهُ ولو كان القاضي والحاكمُ يُحبُّ بقاءَهُ، وإنْ رأى أنَّ بقاءَه أصلَحُ له وأصلُحُ لأمرِ الناس، أبقاهُ ولو كان القاضي والحاكمُ يُحبُّ إطلاقَه. وإجمالُ الله لحَدِّ الحِرابة، مع الجزمِ بحدوثِ القتلِ في الأحيان، وأخذِ المالِ في أكثرِها -دليلٌ على أنه لا يُشترَطُ في القتلِ المكافأةُ، ولا يُشترَطُ في القطعِ نِصابٌ في المالِ المسروقِ في الحِرابةِ؛ فليس الحدُّ حدَّ سرقةٍ، ولا يعودُ الحقُّ لصاحِبِ المال، ثم إنَّ حدَّ السرقةِ يُشترَطُ فيه أنْ يكونَ المالُ في حِرْزٍ، وحدُّ الحِرَابةِ لا يُشترَطُ فيه هذا، وشرطُ الحِرْزِ أشَدُّ مِن شرطِ النِّصَابِ عندَ إقامةِ حدِّ السرقة، وعدمُ اشتراطِ النِّصَابِ في المالِ المأخوذِ حِرابةً هو قولُ جمهورِ العلماءِ؛ خلافًا لأهلِ الرأي وقولٍ للشافعيِّ؛ فاشترَطُوا بلوغَ المالِ نصابًا لوجوبِ حدِّ الحِرَابةِ. الحكمةُ من حدِّ الحِرَابةِ: وقد بَيَّنَ الله تعالى الحِكْمةَ من حدِّ الحرابةِ؛ وذلك في قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾،

стр. 1174

فأول المقاصدِ الخزيُ؛ يعني: ما تعدَّى عليه في نفوسِ الناسِ مِن العارِ والاستنكارِ لفِعْلِه، وفي هذا دفعٌ وردعٌ لمَن يفعلُ كفِعْلِه، وكبحٌ لمَن يفكِّرُ في مِثْلِ عملِه، ودَوَرانُ خبرِ ما قام بالمحارِبِ مِن عقوبةٍ في الناسِ ولو في عقودٍ وأجيالٍ: ردعٌ لمِن يفعلُ أو يفكِّرُ في فعلِ مِثْلِ فِعْلِه. وتتضمَّن الآيةُ جوازَ الحديثِ عمَّن أُقِيمَ عليه الحدُّ بفَعْلَتِهِ التي فعَلَ وبالعقوبةِ التي نزَلَتْ عليه؛ وليس هذا مِن الغِيبةِ؛ فهو مِن الخزي الموعود، وفيه ردعٌ للنفوسي المشابِهةِ له، شريطةَ أن يكونَ الحديثُ عن حالِه بالحقِّ والعدل، بلا ظلمٍ ولا بغيٍ ولا عدوانٍ. تكفيرُ الذنوبِ بالحدودِ: وذكَرَ اللهُ بعدَ ذلك عقابَ الآخِرة، فقال: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؛ وهذا لمَن أُقِيمَ عليه الحدُّ مِن الكافِرينَ، واختُلِفَ في أمرِ المُسلِم الذي يُصِيبُ ذنبًا، ثم يُعاقَبُ عليه الحدَّ في الدُّنيا: هل عقوبتُهُ تلك كَفَّارةٌ له أو لا؟ على قولَيْن: الأشهَرُ: أنه كفَّارةٌ له؛ وذلك لِمَا في "الصحيحَيْنِ"؛ من حديثِ عُبَادَةَ؛ قال ﷺ : (مَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعُوقِبَ بِه، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَسَتَرَهُ اللهُ عَلَيْه، فَأَمْرُهُ إلى اللهِ؛ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ) (١). وجاء نحوُه من حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ؛ أخرَجَه أحمدُ والترمذيُّ وابنُ ماجَه (٢). وقد جاء خلاف هذا مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: (مَا أَدْرِي

стр. 1175

الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ لأَهْلِهَا أَمْ لَا! ) (١). وحديثُ عُبادةَ أصَحُّ، وفي حديث أبي هريرةَ عدمُ العِلْم، وظاهرُهُ: أنه سابقٌ للعِلْمِ الواردِ في حديثِ عُبادةَ، والنبيُّ ﷺ لا يقضي إلا بعِلْمٍ سابقٍ، ولمَّا لم يَقْضِ في حديثِ أبي هريرةَ دلَّ على انتفاءِ العِلْمِ وانتظارِ الوحي، ولمَّا جاء حديثُ عُبادةَ، دلَّ على مجيءِ الوحي به؛ قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣ - ٤]. وعدمُ إخراج الشيخَيْنِ لِمَا يُخالِفُ حديثَ عُبادةَ قرينةٌ على إعلالِ الحُكْمِ المُخالِفِ له وردِّه بنسخِهِ أو ردِّ حديثِهِ بإعلالِه، وقد أعَلَّ البخاريُّ في "التاريخِ" حديثَ أبي هريرةَ بالإرسال، وقال: "المرسَلُ أصحُّ، ولا يَثبُتُ هذا عن النبيِّ ﷺ وقد ثبتَتَ أنَّ الحدودَ كفَّارةٌ" (٢). وقد قال الشافعيُّ: "لم أَسمَعُ في الحدودِ حديثًا أبْيَنَ من هذا"؛ يعني: حديث عُبادةَ (٣). ويقولُ بحديثِ عُبادةَ أنَّ الحَدَّ كفَّارةٌ ولو لم يَتُبْ صاحبُ الذنبِ منه: الثوريُّ والشافعيُّ وأحمدُ. وقال بعضُ العلماءِ: باشتراطِ التوبةِ مع الحدِّ؛ لظاهرِ الآية: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾، والأصلُ: أنَّ التوبةَ تكفي في إسقاطِ الذنب ولو لم يُقَمِ الحدُّ فيمَن زَنَى أو سَكِرَ أو فعَلَ غيرَ ذلك ممَّا كان مِن حقِّ اللهِ؛ فلا حاجةَ لاشتراطِ التوبةِ مع إقامةِ الحدِّ؛ لتواتُرِ الأحاديثِ على ذلك، ولكنَّ الله ذَكَرَ العقوبةَ في الآخِرةِ والدُّنيا بالخزي لِمَنْ لم يَتُبْ ولم يُقَمْ عليه الحدُّ جميعًا؛ لعدم قيامِ مُوجِبِ

стр. 1176

التكفيرِ من العِباد، ومَن أُقِيمَ عليه الحدُّ، سقَطَ عنه إثمُ جُرْمِه، كما أنَّ مَن تابَ ولم يُقَمْ عليه الحدُّ وحَسُنتْ توبتُه، سقَطَ عنه إثمُ جُرْمِهِ في حقِّ الله، ومُقتضى رحمةِ اللهِ: ألَّا يَجمَعَ على عبدِه عقوبتَيْنِ. والأخذُ بظاهرِ الآيةِ مِن غيرِ اعتبارٍ لتفصيلِ السُّنةِ: يَلزَمُ منه أنَّ التوبةَ وحدَها مُسقِطةٌ حتى لحقوقِ الآدميِّينَ كما تُسقِطُ حقَّ الله، وتفصيلُ السُّنةِ يُخالِفُ هذا الإطلاقَ. والتوبةُ في الآية مقيَّدةٌ في إسقاطِ الحدِّ عنه، وهي التوبةُ الظاهرةُ والإقلاعُ عن الذنبِ؛ فالتوبةُ الظاهِرةُ فقطْ تُسقِطُ الحدَّ بشروطِه، والتوبةُ الباطنةُ تُسقط حقَّ اللهِ في الآخِرةِ بشروطِه؛ ولذا ختَمَ اللهُ الآيةَ بقولِه: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. أحوالُ توبةِ المحاربينَ: التوبةُ مِن اللهِ مقبولةٌ من كلِّ ذنبٍ، وأمَّا في حُكْمِ المُحارِبِ في الدُّنيا، فهي على حالَيْنِ: الأُولى: إن كان المُحارب كافرًا يهوديًّا أو نصرانيًّا أو مشرِكًا أو ملحِدًا، فتابَ من كُفْرِهِ ومحاربتِه وأسلَمَ، فتوبتُهُ تأتي على الكفرِ وعلى المحارَبةِ وما فيها مِن إصابةِ دمٍ أو مالٍ، والإسلامُ يجُبُّ ما قبلَهُ ولو كان قتلًا وسرقةً واغتصابًا، وقد قَبِلَ النبيُّ ﷺ إسلامَ جماعةٍ من الصحابةِ وكانوا قبلَ ذلك يَقطَعونَ طريقَهُ وطريقَ أصحابِهِ ويُخوِّفونَهم وربَّما سلَبُوا مالَهم، ومنهم وَحْشِيٌّ، فقد قتَلَ حمزةَ بن عبد المَطَّلِب، وقد أقَرَّ بينَ يدَي النبيِّ ﷺ بقتلِه له؛ كما في "الصحيحِ" (١)، وترَكَه النبيُّ ﷺ .

стр. 1177

وجعَل بعضُ السلفِ هذه الآية في المُشرِكينَ؛ صحَّ عن مجاهدٍ وقتادةَ وعطاءٍ الخراسانيِّ (١). ولا خلافَ عند السلفِ والخَلَفِ: أنَّ المُشرِكَ المُحارِبَ تسقُطُ مُحاربتُهُ وعقوبتُهُ بإسلامِه، وكلُّ ما أصاب مِن دمٍ أو مالٍ، فهو هَدرٌ؛ وذلك أنَّ في طلبِ ذلك صَدًّا لهم عن الدخولِ في الإسلام؛ فلو عَلِمَ أحدٌ من المُشرِكينَ المُحارِبينَ أنَّ المُسلِمينَ يَطلُبونَهُ لِما سبَقَ منه مِن تخويفٍ وقطعِ سبيلٍ ودمٍ ومالٍ، لَمَا أقبَلَ على الإسلامِ أحدٌ منهم إلا ما شاء اللهُ، وما مِن أحدٍ من المُشرِكينَ المحارِبينَ بمكَّةَ إلَّا وله سابِقةُ محارَبةٍ للنبيِّ ﷺ وأصحابِه، ومع هذا لم يُطالِبِ النبيُّ مَن أسلَمَ منهم بشيءٍ ممَّا سبَقَ. الثانيةُ: إن كان المحارِبُ مُسلِمًا، فلا تخلو توبتُه مِن صورتَيْنِ: الصورةُ الأُولى: إنْ كان الحاكمُ قادرًا عليه لو طلَبَهُ، وإنْ طال طلبُهُ، والمُدَّة التي يطلُبُه فيها لا يكونُ فيها فسادٌ يُوازِي مصلحةَ طلبَه، فلا تُقبَلُ منه توبتُهُ ولو امتنَعَ عن تسليمِ نفسِهِ إِلَّا بقَبُولِها؛ وعلى هذا يُحمَلُ نهيُ غيرِ واحدٍ من السلفِ عن قَبُولِ توبة المحارِبِ؛ لأنَّ مصلحةَ إقامةِ الحدِّ أعظَمُ، وبتركِها وقَبُولِ توبةِ كلِّ محارِبٍ يَعرِضُ توبتَهُ: يتجرَّأُ الناسُ على الحُرُماتِ وقطعِ السبيلِ؛ وقد صحَّ عن هشامِ بنِ عُرْوةَ: أنَّهم سألُوا عُرْوةَ عمَّن تلصَّصَ في الإسلامِ فأصابَ حدودًا ثم جاء تائبًا، فقال: "لا تُقبَلُ توبتُهُ، لو قُبِلَ ذلك منهم، اجترَؤُوا عليه، وكان فسادًا كبيرًا؛ ولكن لو فَرَّ إلى العدوّ، ثم جاء تائبًا، لم أَرَ عليه عقوبةً" (٢). وبهذا قال غيرُ واحدٍ؛ كالأوزاعيِّ وغيرِه.

стр. 1178

وعليه يُحمَلُ ما جاء عن عِكْرمةَ والحسنِ في هذه الآيةِ: أنَّهما قالا: إنَّ آيةَ التوبةِ مِن الحِرَابةِ هذه لا تُحرِزُ المُسلِمَ. والصورةُ الثانيةُ: أن يُحارِبَ فيُطلَبَ ويُعرفَ أمرُهُ ويُعجَزَ عنه، ويُعلِّقَ أمْرَ توبتِهِ بالعفوِ عنه، والإمامُ عاجِزٌ عنه، ولو لم تُقبَلْ توبتُهُ، استمَرَّ فسادُهُ وإفسادُه؛ فإنَّ توبتَهُ تُقبَلُ ويَسقُطُ عنه الحقُّ المُناطُ بالحاكم، وهو الصَّلّبُ والقتلُ والقطعُ مِن خِلَافٍ، واختُلِفَ في حقوقِ الناسِ: فقال بإسقاطِها جميعًا اللَّيْثُ. وبقَبُولِ التوبةِ عمِلَ الصحابةُ؛ فقد جاء عن عليٍّ وأبي موسى وابن عباسٍ والحسنِ بن عليٍّ وعبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ وغيرهم؛ كما رَوى ابنُ أبي حاتمٍ؛ من حديث مُجالِدٍ، عن الشَّعْبيِّ؛ قال: "كان حارثةُ بن بَدْرٍ التميميُّ مِن أهلِ البصرة، وكان قد أفسَدَ في الأرضِ وحارَبَ، فكلَّمَ رجالًا من قريشٍ، منهم الحسنُ بن عليٍّ وابنُ عبَّاسٍ وعبدُ اللهِ بن جعفرٍ، فكلَّمُوا عليًّا فيه، فلم يُؤمِّنْهُ، فأتَى سعيدَ بنَ قيسٍ الهَمْدَانيَّ فخلفه في دارِه، ثم أتَى عليًّا، فقال: يا أميرَ المؤمِنينَ، أرأيتَ مَن حارَبَ اللَّه ورسولَه، وسعَى في الأرضِ فسادًا، فقرَأَ حتى بلغ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾، قال: فكتَبَ له أمانًا، قال سعيدُ بن قيسٍ: فإنَّه حارثةُ بن بَدْرٍ" (١). ورَوى الشعبيُّ نحوَهُ عن أبي موسى زمنَ عثمانَ بنِ عفَّانَ؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ (٢). وذهَبَ الضحَّاكُ وابن شهاب والليثُ ومالكٌ والأوزاعيُّ والشافعيُّ: إلى أنَّ مَن خِيفَ استطارةُ شَرِّهِ إنْ لم يُعْفَ عنه، وهو قادرٌ على

стр. 1179

الاستمرارِ بالإفسادِ: أنه يُعفَى عنه؛ دفعًا لشرٍّ أعظَمَ مُتحقِّقٍ؛ وهذا مِن الفقه، فيُرجَعُ في ذلك إلى تحقُّقِ استمرارِ إفسادِهِ ومدى عجزِ الحاكمِ عنه: ومال إليه ابنُ جريرٍ (١). ويَنُصُّ مالكٌ والشافعيُّ على أنَّ ما أصابتْ يدُه مِن مالٍ أو دمٍ، وطالَبَ به مُدَّعٍ بعينِهِ وقامَتِ البيِّنةُ عليه، فإنَّ المالَ يعودُ لأهلِه؛ والدمَ يُقادُ به، ويسقُطُ عنه حدُّ الحِرابةِ المتعلِّقُ بالحاكمِ. ومَن حارَبَ وأخافَ وقطَعَ السبيلَ، ثم تابَ واستتَرَ ولم يُعلَمْ أمرُهُ إلَّا بعدَ زمنٍ من صلاحِهِ بشهادةِ أحدٍ عليه، فإنَّه يُترَكُ إلَّا مِن الحقوقِ الخاصَّةِ؛ لدخولِهِ في التوبةِ قبلَ القُدْرة، ولكونِ المفسدةِ مِن قَبُولِ توبتِهِ منتفيةً؛ لاستتارِهِ وخفاءِ أمرِهِ وانتهاءِ زمنِها، وربَّما يكونُ في إقامةِ الحدِّ عليه بعدَ طولِ زمنِ صلاحِهِ إفسادٌ له، وقدحٌ في عدالتِهِ التي استقَرَّ عليها أمرُه. * * * قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)﴾ [المائدة: ٣٥]. في هذه الآية: الإشارةُ إلى ديمومة شِرْعَةِ الجهاد، وأنَّ دَوَامَها كدوام التقوى وابتغاءِ الوسيلةِ إلى الله، وإنَّما تَختِلفُ جهتُهُ وأرضُه، ولا يجوزُ رفعُهُ من الأرض، إلَّا بزمانٍ وعهدٍ محدودٍ؛ فإنَّ العهدَ الدائمَ على تركِ الجهادِ على كلِّ الأممِ إبطالٌ له وإلغاءٌ لتشريعِه، ولكنْ قد يصحُّ عهدٌ دائمٌ لجهةٍ وأرضٍ وعدوٍّ بعينِهِ لا كلِّ الأممِ؛ فقد

стр. 1180

تضعُف الأمَّةُ في زمنٍ فتحتاجُ إلى إنزالِ عدوِّها على عهدٍ وسَلَامٍ، ويأبى العدوُّ إلَّا السلامَ الدائمَ ليأمَنَ، وإنْ لم يقَعْ فيتربَّصُ بالمُسلِمينَ بما لا طاقةَ لهم به، فيصحُّ هذا في أُمَّةٍ دون أُمَّةٍ، لا في كلِّ الأمم؛ لأنَّه في كلِّ الأممِ إلغاءٌ لأصلِ التشريعِ. ديمومةُ الجهادِ: وقد أخبَرَ اللهُ بديمومةِ الجهادِ في الأُمَّةِ؛ كما جاء على لسانِ نبيِّه ﷺ ؛ قال: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمِّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الحَقِّ ظَاهِرينَ إلى يَوْمِ الْقِيَامَة، قَالَ: فَيَنْزِلُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ ﷺ ، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا، فيَقُولُ: لَا؛ إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ، تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الأُمَّةَ)؛ أخرَجَهُ مسلمٌ من حديثِ جابرٍ (١)، وبنحوِه عندَه عن معاويةَ (٢)، وأخرَجَهُ البخاريُّ مِن حديثِ المغيرةِ (٣)، وترجَمَ عليه بهذا المعنى (٤). وقد تقدَّمَ في سورةِ البقرةِ الكلامُ على الجهادِ وأنواعِهِ وديمومتِهِ في مواضعَ منها، وإنَّما كانتِ الإشارةُ إلى هذا المعنى في هذه الآيةِ؛ لأنَّ اللهَ قَرَنَ الجهادَ بتَقْوَاهُ، وجعَلَه مع التقوى والعملِ الصالحِ شرطًا للفلَاح، والفلاحُ مطلوبٌ للأمَّةِ في كلِّ زمانٍ، ومتى زال الشرطُ أو نَقَصَ، زالَ فلاحُها أو نَقَصَ، وزوالُ فلاحِ الأمَّةِ لا يعني زوالَ فلاح الأفرادِ؛ لأنَّ الجهادَ شريعةُ أمَّةٍ، وزوالُ أو نقصانُ فرائضِ الإمامِ والأمَّةِ يجعلُ الأثرَ على حالِ الأمَّةِ العامِّ وحالِ إمامِها، فتُسلَبُ الفلاحَ، ويكونُ الفلاحُ في أفرادَها موجودًا؛ لقيامِ العجزِ فيهم. * * *

стр. 1181

* قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨]. ذكَرَ الله حدَّ السرقةِ بعدَما ذكَرَ حدَّ الحِرَابةِ؛ حتى لا يُظَنَّ أنَّ الحُرْمةَ للنَّفْسِ فقطْ؛ فإنَّ الحِرَابةَ يكونُ فيها التخويفُ أو القتلُ مع أخذِ المال، فهي قصدُ المالِ من صاحِبِه، بخلافِ السرقة، فهي غالبًا أخذُ المالِ خُفْيةً بعيدًا عن عينِ صاحِبِه؛ فأنزَلَ اللهُ حدَّ السرقةِ؛ لبيانِ عِصْمةِ المالِ وحدَهُ كعصمتِهِ مع غيرِه. الحِكَمُ الغائبةُ في الحدودِ: وذكَرَ الجنسَيْنِ الرجُلَ والمرأةَ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾؛ لبيانِ الاشتراكِ في الحُكْم، وأنَّ الشفقةَ الفِطْرِيَّةَ قد تُدرِكُ الإنسانَ على الأُنثى أكثَرَ من الذَّكَر، فبيَّنَ اشتراكَهما في الحُكْم، وقطعُ يدِ السارقِ ردعٌ له وعلامةٌ رادعةٌ دائمةٌ لغيرِه ممَّن يراهُ، والقطعُ -وإن كان شديدَ الأثرِ على فاعِلِه - إلَّا أنَّ الله يَحفَظُ أمرَ الأمَّةِ ويَعصِمُ مالَها ودمَها وعِرضَها به؛ فإنَّ اللهَ يَعلَمُ الآثارَ المدفوعةَ مِن إقامةِ الحدود، ولكنَّ الناسَ يَفْقِدُونَها ولا يُدرِكونَ مِقدارَها لو وقَعتْ فيَأخُذونَ بالظواهر، ولو كُشِفَ للناسِ مِن الغيبِ عن مقدارِ ما يَدفَعُ اللهُ به مِن المفاسدِ بعدَ إقامةِ الحدود، لأَقَامُوا الحدودَ بالشُّبُهاتِ؛ لِشِدَّةِ تمسُّكهم بها، ولكنَّها تَغِيبُ عنهم ويَفقِدونَها، ولا يُدرِكونَ قَدْرَها وعدَدَها وبشاعتَها، فلا يَحكُمونَ إلَّا على ما يُشاهِدونَ ويُحِسُّون به مِن الآثارِ؛ ولذا فإنَّ اللهَ كثيرًا ما يَذكُرُ اسمَهُ الحكيمَ بعدَ تشريعِهِ لأحكامٍ تَغِيبُ أكثرُ آثارِها عن الحِسِّ؛ ليُذكِّرَ بحِكْمةٍ لا يُدرِكونَها. إخفاءُ الله للآثارِ السيِّئةِ المدفوعةِ بالحدود: ولعلَّ مِن حِكْمةِ اللهِ في إخفاءِ الآثارِ السيِّئةِ المدفوعة بسبب إقامةِ

стр. 1182

الحدودِ: ألّا يَستبشعَها الناسُ فيَبغُوا في إقامةِ الحدود، ويأخُذوا بالشُّبُهاتِ والظُّنون، فيَعُمَّ الفسادُ فيهم، فأخفَى اللهُ آثارَ منافعِ إقامةِ الحدودِ لأمورٍ؛ من أعظمِها أمرانِ عظيمانِ: الأولُ: امتحانٌ لإيمانِ المؤمِنينَ، ويقينِهم بأمرِ ربِّ العالَمينَ، وتسليمِهم له؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. الثاني: حتى لا يَبغُوا في إقامةِ الحدودِ لو أدرَكُوا مقدارَ ما تَدفَعُ الحدودُ مِن شرٍّ وفسادٍ؛ لأنَّ الإنسانَ ضعيفُ التقديرِ للأمور، فيعظُمُ الشرُّ بالإسرافِ والبغي فيها، فيُؤخَذُ المُتَّهَمُ بظنٍّ، وتُجعَلُ القرائنُ براهينَ، وتُقامُ الشُّبُهاتُ مُقامَ البيِّناتِ. وقد كان حدُّ السرقةِ ربَّما أُقِيمَ في الجاهليَّةِ؛ فقد أقامَتْهُ قريشٌ على مَن سرَقَ كَنْزَ الكعبة، وهو رجلٌ يُقالُ له: دُوَيْكٌ الخُزَاعيُّ (١)، ولم يكونوا يُقِيمُونَهُ على كلِّ سارقٍ، ولا في كلِّ مالٍ مسروقٍ. إقامةُ السلطانِ للحدودِ: وقولُه تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ خِطابٌ للسُّلْطانِ لا لغيرِه، فلا يُقِيمُها غيرُه إلا ما كان بتوكيلٍ منه؛ ويَعضُدُ ذلك: أنَّ اللهَ لمَّا جعَلَ الخِطابَ للحُكَّام، قال: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، ولمَّا كان الخِطابُ بعدَ ذلك للمُذنب، قالَ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ [المائدة: ٣٩]. اشتراطُ النصابِ والحِرْزِ في حدِّ السرقةِ: وظاهرُ الآيةِ: إطلاقُ إقامةِ الحدِّ على كلِّ سارقٍ، وفي كلِّ

стр. 1183

مسروقٍ؛ وبهذا أخَذَ بعضُ فُقهاء الظاهرِ؛ فلم يَشترِطُوا نِصابًا ولا حِرزًا، ومع ظاهرِ الآيةِ: يَعْتَضِدُونَ بقولِ ابنِ عبَّاسٍ لنَجْدَةَ الحَنَفِيِّ لمَّا سأَلَهُ عن الحُكْمِ في الآيةِ: عامٌّ أو خاصٌّ؟ فقال: بل عامٌّ (١). واستدَلُّوا بما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: (لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ! يَسْرَقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ) (٢). وهذا الحديثُ حديثٌ عامٌّ، قد جاء ما يُبيِّنُهُ ويُخصِّصُهُ، وقيمةُ الحِبَالِ والبَيْضِ تَختلِفُ وتتبايَنُ عددًا ونوعًا، فإنْ قلَّتْ غلا ثمنُها، وإنْ كثُرثْ رخُصَ ثمنُها، ويَختلفُ ثمنُها مِن نوعٍ إلى نوعٍ، ومِن زمانٍ إلى زمانٍ بحسَبِ حاجةِ الناس، ويُسْرِهم وعُسْرِهم، وفَقْرِهم وغِنَاهُم، وظاهرُهُ: التزهيدُ في وضاعةِ السارِقِ وتفاهةِ قصدِه، وسُوءِ تدبيرِهِ أنْ يُهدَرَ دمُهُ في القليل فيُضيِّعَ عضوًا مِن أعضائِه. وقد حمَلَ بعضُ الفقهاءِ مِن السلفِ البَيْضةَ والحبلَ في الحديثِ على بيضةِ الحديدِ وحَبْلِ السفينةِ؛ قالهُ الأعمشُ فيما حكاهُ البخاريُّ عنهُ (٣). وفيه نظرٌ؛ فلا تُعرَفُ حبالُ السفينةِ في الحِجَاز، والأعمشُ كُوفيٌّ بعيدٌ عن عُرْفِهم، وحديثُ أبي هريرةَ إمَّا أن يكونَ عامًّا فيُخصَّصُ، وإمَّا معارَضًا فيُنسَخُ، وإمَّا مُجمَلًا فيُبيَّنُ، واللهُ أعلَمُ. والذي عليه اتِّفاقُ الأئمَّةِ الأربعة، وهو ظاهرُ قولِ عامَّةِ السلفِ: عدمُ إطلاقِ إقامةِ حدِّ السرقةِ على كلِّ سارقٍ وفي كلِّ مسروقٍ، وقد جاء

стр. 1184

في السُّنَّةِ شروطٌ في إقامةِ حدِّ القطع، وإنِ اختلَفَ كلامُ السلفِ والعلماءِ في تقدير بعضِها، إلَّا أنَّهم يُقِرُّونَ بأصلِها؛ فقد اتَّفَقَ الأئمَّةُ الأربعةُ على النِّصَابِ واختلَفُوا في تقديرِه، واتَّفَقُوا على الحِرْزِ واختلَفُوا في وَصْفِه. شرطُ النصابِ: فأمَّا شرطُ النِّصاب، فاختلَفُوا في تقديرِه على أقوالٍ: الأولُ: أنه ثلاثةُ دراهمَ مضروبةٍ خالصةٍ، وهذا قولُ مالكٍ؛ أخذًا بما ثبَتَ؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ؛ رواه الشيخان (١). وهو عملُ عثمانَ؛ حيثُ قَطَعَ في أُتْرُجَّةٍ لمَّا قيَّمَ ثَمَنَها فرآهُ قد بلَغَ ثلاثةَ دراهمَ (٢)؛ قال مالكٌ: "وهو أحَبُّ ما سمِعتُ إليَّ في ذلك" (٣)، ومرادُ مالكٍ في عملِ الخلفاء، لا عمومُ ما ورَدَ؛ فحديثُ ابنِ عمرَ أحَبُّ وأعظَمُ، وقد رَوَى مالكٌ حديثَ ابنِ عمرَ (٤) وفِعْلَ عثمانَ في "مُوطَّئِه"؛ وهي صحيحةٌ. الثاني: أنه عشَرةُ دراهمَ؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ وصاحبَيْهِ والثوريِّ؛ واحتجُّوا بما رواهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، وعمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه؛ أنَّ ثمَنَ المِجَنَّ عشَرةُ دراهمَ في زمنِ النبيِّ ﷺ (٥)، وقد تفرَّدَ به محمدُ بن إسحاقَ، وخالَفَ الثِّقات، وحديثُهُ مُنكَرٌ. الثالثُ: أنه رُبُعُ دِينارٍ؛ وهو قولُ الشافعيّ، وحُجَّةُ الشافعيِّ ما

стр. 1185

ثبَتَ؛ مِن حديثِ عائشة؛ قالتْ: قال رسولُ الله ﷺ : (تُقْطَعُ اليَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا)؛ رواه الشيخان (١). وقولُه فيه: "فَصَاعِدًا" دليلٌ على أنه لا يُقطَعُ في أدنى من الرُّبُع، وأصرَحُ مِن ذلك: روايةُ مسلمٍ؛ ففيها النهيُ عن القطع فيما هو أقلُّ، قال ﷺ : (لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا في رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا) (٢). وحديثُ قطعِ النبيِّ ﷺ في المِجَنِّ، وقطعِ عثمانَ في الأُتْرُجَّة، وأنَّها ثلاثةُ دراهمَ، لا تُعارِضُ حديثَ عائشةَ هذا؛ وذلك أنَّ صَرْفَ الدراهمِ بالدنانيرِ يتفاوَتُ بحسَبِ الحالِ والزمان، واليُسْرِ والعُسْرِ، ولكنَّه يقرُبُ مِن ثلاثةِ دراهمَ، وقد جاء صريحًا في قطع عثمانَ في الأُتْرُجَّةِ حيثُ قوَّمَها فوجَدَها تُساوي ثلاثةَ دراهمَ مِن صَرْفِ اثنَيْ عشَرَ دِرْهَمًا بدينارٍ. وقولُ مالكٍ والشافعيِّ مُتقارِبانِ. الرابعُ: جعَلَ أحمدُ العملَ بحديثِ ربعِ الدِّينارِ وثلاثةِ الدراهمِ جميعًا، وأنَّ كلَّ واحدٍ منهما نِصابٌ؛ فإنْ كان المسروقُ فِضَّةً، فيُقطَعُ في ثلاثةِ دراهمَ، وإن كان ذهبًا، ففي ربعِ دينارٍ؛ وهذا القولُ الرابعُ في المسألةِ قال به إسحاقُ وغيرُه. والأظهَرُ -والله أعلَمُ- الاعتبارُ بحديثِ ربع الدِّينارِ عندَ الاختلافِ؛ لأنَّ القطعَ بثلاثةِ دراهمَ لمساواةِ الدراهمِ الثلاثةِ لرُبُعِ دينارٍ، كما جاء في فِعْل عثمانَ، ولو زادَتِ الدراهمُ على الدنانير في الصَّرْفِ وهو نادرٌ، فلا يُقطَعُ في أقلَّ مِن ربع دينارٍ ولو كان ثلاثةَ دراهمَ؛ لصراحةِ الحديثِ في "الصحيح": (لا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلا في رُبُع دينار

стр. 1186

فَصَاعِدًا)، وهذا صريحٌ في النهي عن القطع فيما هو أقلُّ منه، وحديثُ ابنِ عمرَ فعلٌ مجرَّدٌ في القطعِ بثلاثةِ دراهمَ، وظاهرُ النهي في حديثِ عائشةَ للتحريمِ؛ لأنَّه نهيٌ عن إقامةِ حدٍّ واجبٍ، ولا يَرفَعُ الحدَّ الواجبَ إلَّا أمرٌ مؤكَّدٌ مِثلُهُ أو أشَدُّ، فحُمِلَ على المنعِ للتحريم، وحُمِلَ حديثُ ابنِ عمرَ على موافقةِ الصَّرْفِ في الدراهمِ لرُبُعِ الدِّينارِ؛ كما فعَلَه عثمانُ. ويعضُدُ ما حَمَلْنَاهُ مِن حديث ابن عمر ما جاء في بقية الأحاديث؛ كما في رواية النَّسائيِّ: (لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِيمَا دُونَ المِجَنِّ)، قيل لعائشةَ: ما ثَمَنُ المِجَنِّ؟ قالت: ربعُ دينارٍ (١). وفي المسألة أقوالٌ للسلفِ أُخرى، وما سبَقَ هو الذي عليه فتوى علماءِ البُلْدان، وهو المشهورُ منها، ومِن السلفِ من قدَّرَ النِّصابَ بخمسةِ دراهمَ؛ كابنِ جُبيرٍ. وحديثُ ابنِ عمرَ فِعْلٌ لا يَنفي ما عَدَاهُ ولا يُثْبِتُهُ إلَّا بدَلَالةٍ أُخرى غيرِ ظاهِرِه؛ كدَلالةِ الأَوْلى، أو دَلالةِ المفهوم، أو بنصٍّ آخَرَ. شرطُ الحِرْزِ: وأمَّا الحِرْزُ: فيَشترِطُهُ عامَّةُ الفُقهاءِ؛ لأنَّه لا يتحقَّقُ اسمُ السرقةِ في اللُّغةِ إلَّا ممَّا كان في حِرْزٍ، فالسرقةُ ما أُخِذَ خُفْيةً مِن موضعٍ يُؤمَنُ في مِثْلِهِ على المال، والحِرْزُ أصلٌ في تعريفِ السرقة، وما أُخِذَ من المالِ من غير حِرْزهِ لا يُسمَّى سرقةً ولا الفاعلُ سارقًا؛ ولذا فإنَّ مَنِ اؤتُمِنَ على مالٍ فاخْتَانَهُ لا يُسمَّى سارقًا؛ كالضَّيْفِ يأخُذُ متاعَ مضيِّفِه، وأمينِ المالِ يأخُذُ المالَ، وقد رَوَى جابرٌ أنَّ رجلًا أضافَ رجلًا فأنزَلَهُ في مَشرُبةٍ له، فوجَدَ متاعًا له فاخْتَانَهُ، فأتَى به أبا بكرٍ، فقال: خَلِّ عنه؛

стр. 1187

فليس بسارقٍ؛ وإنَّما هي أمانةٌ اخْتَانَهَا (١). حِرْزُ كلِّ شيءٍ بحَسَبِهِ: والحِرْزُ لا وصفَ له جامعًا يشملُ جميعَ أنواعِ المالِ؛ فحِرْزُ الذهبِ غيرُ حِرْزِ الدروعِ والثياب، وحِرْزُ الدروعِ والسلاحِ غيرُ حِرْزِ المراكبِ؛ فكلُّ ما عُدَّ في العُرْفِ جرْرًا للمالِ يَحمِيه، فهو حِرْزٌ صحيحٌ يجبُ توافُرُهُ. وقولُه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾: يُؤخَذُ مِن إطلاقِ السارقِ والسرقةِ عمومُ المالِ المسروق، ويدخُلُ فيه الثِّمارُ والحبوبُ والعُرُوضُ وغيرُ ذلك؛ ويدلُّ على هذا ويُؤكِّدُهُ فِعلُ عثمانَ؛ ففيه القطعُ في الثِّمار، وهذا الذي عليه جمهورُ العلماء، خلافًا لأبي حنيفةَ. صفةُ القطعِ في السرقةِ: وأمَّا صفة القطع في السرقةِ: فإنَّه يكونُ لليدِ اليُمْنى عندَ عامَّةِ العلماء، وقد قرَأَ ابنُ مسعودٍ، فقال: "فاقطَعُوا أَيْمانَهُما" (٢)، وهي قراءةٌ تفسيريَّةٌ لبيانِ معنى الحُكْم، وهي في التلاوةِ في حُكْمِ الشاذِّ. وهذا الذي عليه عملُ عامَّةِ السلف، وبه قَضى الخلفاءُ، خلاقًا للخوارجِ الذين يَقضونَ بقطعِ اليدِ مِن الكتفِ. وإنْ تكرَّرتْ مِن السارقِ السرِقةُ بعدَ قطعِهِ في الأُولى، فقد اختلَفَ العلماءُ في العقوبةِ في الثانيةِ: وأكثَرُ العلماءِ: على بقائِها حدًّا؛ وهو القطعُ.

стр. 1188

ومنهم مَنْ قال: بأنَّ القطعَ مرةٌ واحدةٌ، والعقوبةُ بعدَ ذلك تكونُ تعزيرًا؛ وهذا ظاهرُ قولِ عطاءٍ وأبي حنيفةَ. واختلَفَ قولُ مَن قال بالقطعِ بعدَ الثانيةِ فيما يُقطَعُ بعد السرقةِ الأُولى: فمنهم مَنْ قال: تُقطَعُ يدُه اليُسْرى؛ وهذا الذي عليه عملُ الخلفاءِ؛ كأبي بكرٍ وعمرَ، ولم يُخالِفْهم أحدٌ مِن الصحابةِ فيما أعلَمُ؛ وبه يقولُ مالكٌ والشافعيُّ وروايةٌ عن أحمدَ. ومنهم مَن قال: تُقطَعُ الرِّجلُ مِن خِلافٍ، فلا يُقطَعُ إلا يدٌ ورِجلٌ؛ وهو قولُ الزُّهريِّ وحمَّادٍ، وروايةٌ عن أحمدَ، قال الزُّهريُّ: "لَمْ يَبْلُغْنَا فِي السُّنَّةِ إلا قَطْعُ الْيَدِ والرِّجْلِ" (١). ولا نصَّ في المسألةِ؛ لنُدْرةِ وقوعِها؛ أنْ يَسِرقَ الرَّجُلُ بعدَ قطعِهِ مرةً أو مرَّتَيْنِ وأكثَرَ، ويُرجَعُ في ذلك إلى الاجتهادِ بحسَبِ الحالِ والمصلحةِ مِن تَعْيِينِ موضعِ القطعِ وأشَدِّها ردعًا وزجرًا. * * * قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩]. بعدَما ذَكَرَ الله حَدَّ السرقة، نَبَّهَ على التوبةِ وأرشَدَ إليها، معرِّضًا بتوبتِه وغُفْرانِهِ ورحمتِهِ بالمُذنِبينَ، وفي هذه الآيةِ مسألتانِ: الأُولى: تكفيرُ الذنوبِ بإقامةِ الحدودِ على أصحابِها، وقد تقدَّمَ الكلامُ على هذه المسألةِ قبلَ آيةِ السرقةِ.

стр. 1189

الثانيةُ: التفاضُلُ بينَ إقامةِ الحدِّ وطلبِ السَّتْرِ والتوبة، وقد اختلَفَ العلماءُ فِيمَنْ أصاب حَدًّا: هل الأفضلُ في حقِّه السَّتْرُ على نفسِه، والتوبةُ مِن ذنبِه، أو عرضُ نفسِهِ ليُقامَ عليه الحدُّ؟ وممّا لا يَختلِفونَ فيه: أنَّ من أصاب حقًّا مِن حقوقِ العِبادِ في مالٍ أنه يجبُ إعادتَهُ إلى أهلِه، وأنَّ التوبةَ لا تكفي في زوالِ الحقوق، وكذلك في الدماءِ فيجبُ فيها القِصاصُ، أوِ الاستحلالُ. وأمَّا الحدودُ التي هي مِن حقِّ الله، فإنْ بلَغَتِ السُّلْطانَ، وجَبَ إقامتُها، ولا يجوزُ له إسقاطُها لتوبةِ المذنبِ؛ لأنَّها حقٌّ لله يجبُ أن يُقام أوجَبَهُ اللهُ لحِكْمةٍ في صالحِ العِباد، وأمَّا ما لم يَبلُغِ السُّلْطانَ، ففي التفاضل بينَ التوبةِ والحدودِ خلافٌ، والأصحُّ: فضلُ الاستتارِ بالذنب، والإقلاعِ عنه، والإكثارِ مِن التوبةِ والاستغفار، وإتباعِهِ بالعملِ الصالحِ؛ فإنَّ الحسناتِ يُذْهِبْنَ السيِّئاتِ. سَتْرُ أصحابِ الذنوبِ: ولم يثبُتْ عن النبيِّ ﷺ أنَّه أمَرَ الناسَ أو أحدًا بعينِهِ أنْ يُبدِيَ ما استتَرَ مِن ذنوبِهِ ليُقِيمَ عليهم الحدَّ، بل الثابتُ عكسُ ذلك، وهو الأمرُ بالاستتارِ والتوبة، والإعراضُ عن المُقِرِّ على نفسِهِ بالذنبِ الذي يُوجِبُ حدًّا حتى يُعِيدَ عليه، وفي مسلم؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال لماعزٍ لمَّا أقَرَّ بالزِّنى على نفسِه: (وَيُحَك؛ ارْجِعْ فاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ) (١). وقد قال أبو موسى الأشعريُّ: "كُنَّا -أصْحَابَ مُحَمَّدٍ- نَتَحَدَّثُ لَوْ أنَّ مَاعِزًا أَو هَذِهِ المَرْأَةَ لَمْ يَجِيئَا فِي الرَّابِعَة، لَمْ يَطْلُبْهُمَا رَسُولُ الله ﷺ "؛ رواهُ الحاكمُ (٢).

стр. 1190

وفي الحديث قال ﷺ : (أيُّهَا النَّاسُ، قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوا عن حُدُودِ الله، مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا، فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ الله، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ، نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللهِ)؛ رواهُ مالكٌ عن زيدِ بنِ أسلَمَ مُرسَلًا (١)، والحاكمُ عن ابنِ عمرَ (٢). وقد جاء في "المسنَدِ"، وعندَ أبي داودَ والنَّسائيِّ؛ مِن حديثِ يَزيدَ بنِ نُعيمِ بنِ هَزَّالٍ، عن أبيهِ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال لأبيهِ في ماعزٍ لمَّا جاء إلى النبيِّ ﷺ في الرابعةِ يُريدُ الحَدَّ، فلمَّا رُجِمَ ووجَدَ مَسَّ الحجارة، جَزعَ وخرَجَ يَشتَدُّ، قال: (وَاللهِ يَا هَزَّالُ، لَوْ كُنْتَ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ، كَانَ خَيْرًا مِمَّا صَنَعْتَ بِهِ) (٣)؛ وهذا محمولٌ على أنَّ هزَّالًا ليس مِن السُّلْطان، وفي مِثلِ حالِ ماعزٍ: مقبِلٌ تائبُ، لا مُستكبِرٌ مُفسِدٌ مُعانِدٌ. وقد تواتَرَتِ الأدلَّةُ على فضلِ السَّتْر، وسَتْرِ المُخطِئينَ؛ كما في "الصحيح": (مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) (٤)، وقد تواتَرَتِ الأحاديثُ في السَّتْرِ مِن حديثِ أبي هريرةَ وابنِ مسعودٍ وابنِ عمرَ وغيرِهم. وقد جعَلَ اللهُ مكفِّراتِ الذنوبِ التوبةَ وإقامةَ الحدود، وإنَّما جعَلَ اللهُ الحدودَ مكفِّراتٍ، لا تزهيدًا في التوبةِ والسَّتْرِ؛ ولكنْ جَبْرًا لنفس مَن أصابَ حدًّا حينَما تقومُ عليه البيِّنةُ ويبلُغُ السُّلْطانَ؛ أنَّ الله لا يَجمَعُ عليه عذابَيْنِ. وبفضلِ سَتْرِ النفسِ على إقامةِ الحدِّ جزَمَ جماعةٌ من الأئمَّةِ؛ كمالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ وغيرِهم.

стр. 1191

العملُ الصالحُ بعد التوبةِ: وذكَرَ الله الإصلاحَ بعدَ التوبةِ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾؛ لأنَّ تركَ الذنبِ المجرَّدَ لا يعني التوبةَ منه، فقد يترُكُ السارقُ السرِقةَ لغِنَاهُ، ويترُكُ الزاني الزِّنى لعَجْزِهِ وكِبَرِه، ويترُكُ الفاسقُ شربَ الخمرِ لمرضِهِ أو عجزِهِ عن قيمتِه؛ فهذا التركُ لا يكفِّرُ الذنبَ، وعلامةُ التوبةِ الصادقةِ: تركُ المعصيةِ وفعلُ الطاعة، ومِن علامةِ قَبُولِها: الإتيانُ بالحَسَنةِ بعدَ السيِّئةِ؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقال ﷺ : (وَأَتْبعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا) (١). * * * قال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾ [المائدة: ٤٢]. في الآيةِ: وصفٌ لليهودِ، وبيانٌ لسببِ ضلالِهم في تحريفِ كلامِ اللهِ وتبديلِ شَرْعِه، وهو ميلُهم إلى الدُّنيا، والأكلُ بدِينِ اللهِ ثمنًا قليلًا، وفي الآيةِ: تحريمُ المالِ الذي يأخُذُهُ العالِمُ على فُتيا الباطلِ وقولِه، أو سكوتِهِ عن الحقِّ؛ فإنَّ قوله تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾؛ يعني: أنَّهم سَكَتُوا عن الحقِّ وأكَلُوا بسكوتِهم مالًا، فسمَّاهُ الله سُحْتًا، وتقدَّمَ في البقرةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٨]: أنَّ المالَ الذي يأخُذُهُ الحاكمُ والعالِمُ لقولِ الباطلِ أو السكوتِ عنه أنه أشَدُّ من الرِّبا.

стр. 1192

أخذُ العالِم للمالِ: وربَّما يَظُنُّ العالِمُ أنَّ أَخْذَهُ للماِل لا يحرُمُ إلا إنْ كان لأجلِ قولِ الباطلِ؛ وهذا خطأٌ؛ فالمالُ يحرُمُ حتى لو كان للسكوتِ عن قولِ الحقِّ؛ فالسكوتُ عن الشرِّ عندَ ظهورِهِ من العالِمِ كتشريعِه، فإنْ أخَذَ مالا ليسكُتَ، كان مالُهُ أشَدَّ عليه مِن أكلِ الرِّبا؛ لأنَّ المُرَابِيَ يأكُلُ الدُّنيا بالدُّنيا، والعالِمَ يأكُلُ الدُّنيا بالدِّين، ثُمَّ هو بيعٌ لحقِّ الله، وأمَّا الرِّبا، فبيعٌ لحقِّ المخلوقِ. العدلُ بين الكفَّار: وفي هذه الآية: أنَّ الحاكمَ يَقضي بينَ أهلِ المِلَلِ مِن أهلِ الكتابِ وغيرِهم فيما يقعُ بينَهم كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾، واختلَفَ العلماءُ في وجوبِ حُكْمِ الحاكمِ عليهم: هل يجبُ عليه وإنْ لم يترافَعُوا إليه، أو يجبُ عليه عندَ الترافُعِ؟ : فجعَلَ مالكٌ الأمرَ إلى الحاكمِ؛ فهو مخيَّرٌ بينَ الحُكْمِ والتركِ إنْ ترافَعُوا إلى إمامِ المُسلِمينَ؛ أخذًا بظاهر قولِه، ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. وأوجَبَ الحُكْمَ عليهم إنْ جاؤُوا: أبو حنيفةَ والشافعيُّ في قولٍ، وجعَلُوا التخييرَ منسوخًا في قوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. ومِن الفقهاءِ: مَن أوجَبَ الحُكْمَ عليهم بكلِّ حالٍ ولو لم يترافَعُوا إلى المُسلِمينَ. * * *

стр. 1193

* قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥]. كان القصاصُ في بني إسرائيلَ، وظاهرُ الآية: أنَّ شرعَ مَن قَبْلَنا شرعٌ لنا ما لم يَثبُتْ خلافُهُ في شرعِنا؛ وبهذا يقولُ جمهورُ العلماء، وذلك ظاهرٌ في قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤]، فجعَلَ الله الحقَّ الذي فيها حُكْمًا إنْ دَلَّتْ على صِحَّتِهِ الشريعةُ، وأمَّا الأخذُ منها مباشرةً، فمنهيٌّ عنه؛ لأنَّه لا يُعلَمُ ما بُدِّلَ ممَّا لم يُبَدَّلْ. عمومُ آيةِ القصاص، وحُكْمُ شرعِ مَنْ قَبلَنَا: وقد أخَذَ الصحابةُ بهذه الآيةِ وما بعدَها، مع كونِها في اليهودِ؛ لأنَّ الحكمَ مِن اللهِ واحدٌ، فأَثْبَتَهُ اللهُ في اليهود، فيَثبُتُ في هذه الأُمَّةِ ما لم يَثبُتْ خلافُه، وقد أمَرَ اللهُ نبيَّهُ أنْ يَقتدِيَ بالأنبياءِ من قبلِه، فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وأمَرَهُ أَنْ يَتَّبِعَ مِلَّةَ إبراهيمَ: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٣]، وإنْ كانتِ المِلَّةُ التوحيدَ، وهو المُشتَرَكُ بينَ الأنبياء، فإنَّ الاقتداءَ بما بَلَغَ النبيَّ ﷺ من الاهتداءِ في الأنبياءِ السابقِينَ دليلٌ على العموم؛ ويدلُّ على ذلك ما رواهُ البخاريُّ، عن ابنِ عبَّاسٍ: "أنه سجَدَ في آيةِ سجدةٍ؛ فسأَلهُ مجاهدٌ عن ذلك؟ فقال: أوَمَا تَقْرَأَ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:

стр. 1194

٩٠]؟ ! فَكَانَ دَاوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ ﷺ أَنْ يَقْتَدِيَ بِه، فَسَجَدَهَا داوُدُ ﵇، فَسَجَدَهَا رسُولُ الله ﷺ " (١). وفيه: أنَّ ابنَ عبَّاسٍ أخَذَ بعمومِها حتى في سجودِ الآية، وفَهِمَهُ مِن النبي ﷺ . ومِن ذلك: أنه قد احتَجَّ النبيُّ ﷺ بقضاءِ الصلاةِ المَنْسِيَّةِ بقولِهِ تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] (٢)، مع أنَّ الخِطَابَ كان لمُوسَى. ويؤيِّدُ هذا: أنَّ النبيَّ ﷺ قال في قضائِه في سِنِّ الرُّبَيِّع بالقِصَاص، فقال: (كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ) (٣)، ولم يُذكَرْ قِصاصُ السِّنِّ إلا في هذه الآية، وهي في بني إسرائيلَ؛ فدَلَّ على أنه أخَذَ الحُكْمَ منها. وقد جاء في عموم القرآنِ ما يؤكِّدُ الأخذَ بالقِصَاصِ في الجراحاتِ؛ ومن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وفي هذه الآيةِ قولُهُ، ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. وأمَّا كونُ شريعةِ الإسلامِ ناسخةً لغيرِها، فذلك في الأخذِ والاتِّباعِ؛ فلا يجوزُ تتبُّعُ الحقِّ مِن رسالةِ غيرِ محمدٍ ولا مِن غير كتابِهِ وسُنَّتِه، وأنَّ الحقَّ في الدِّين لا يُؤخَذُ إلَّا مِن وحي اللهِ المنزَّلِ عليه، وأنَّ القولَ بأنَّ شَرْعَ من قبلَنا شرعٌ لنا لا يعني تتبُّعَ كُتُبِهِمْ والتديُّنِ بها؛ وإنَّما ما ثبَتَ عندَنا من غيرِ طريقِهِمْ في المنقولِ عنهم في وَحْينا. وما زال أكثرُ الفقهاء يَستدِلُّونَ في بعضِ المسائلِ بما ثبَتَ في الوحي عن السابقينَ؛ ومِن ذلك: استدلالُ الشافعيَّةِ على الكفالةِ بالنفسِ

стр. 1195

بقولِهِ تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ [يوسف: ١١]، واحتجاجُ الحنابلةِ: بجوازِ أنْ تكونَ المنفعةُ مهرًا مِن قولِهِ تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]، ومِن ذلك: احتجاجُ مالكٍ بفضلِ الكَبْشِ على غيرِهِ في الأُضْحِيةِ؛ لأنَّ اللهَ فَدَى ولدَ إبراهيمَ بكَبْشٍ، ومِن ذلك: استدلالُ الجمهورِ على الجِعَالَةِ بقولِهِ تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢]. وقد قَضَى ابنُ عبَّاسٍ على امرأةٍ نذَرَتْ أنْ تذبَحَ ولدَها بكبشٍ؛ أخذًا مِن قصةِ إبراهيمَ (١). وكثيرٌ من الشافعيَّةِ يقولونَ: إنَّ شرعَ مَن قبلَنا ليس شرعًا لنا ما لم يدُلَّ دليلٌ خاصٌّ على الأخذِ به؛ وهو قولُ الأشاعرةِ والمعتزِلةِ. تساوِي أعضاءِ الجنسَيْنِ في القصاصِ: وفي هذه الآيةِ ذكَرَ اللهُ تَسَاوِيَ أعضاءِ بني آدمَ في القِصاص، وظاهرُ الآيةِ: أنْ لا فرقَ بينَ أعضاءِ الذَّكَرِ والأُنثى، والكبيرِ والصغير، والعاقلِ والمجنون، وفي الحديثِ قال ﷺ : (المُسْلِمُون تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ)؛ رواهُ أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجه (٢). تساوي دماء الأحرارِ من الجنْسَيْنِ: ولا خلافَ عندَ الأئمَّةِ الأربعةِ في تساوي دماءِ الأحرارِ فيما بينَهم، واختلَفُوا في بعضِ أعيانِ الأحرارِ ذكورًا وإناثًا، ويُستثنى مِن ذلك دمُ
следующие страницы →