← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

العملُ الصالحُ بعد التوبةِ: وذكَرَ الله الإصلاحَ بعدَ التوبةِ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾؛ لأنَّ تركَ الذنبِ المجرَّدَ لا يعني التوبةَ منه، فقد يترُكُ السارقُ السرِقةَ لغِنَاهُ، ويترُكُ الزاني الزِّنى لعَجْزِهِ وكِبَرِه، ويترُكُ الفاسقُ شربَ الخمرِ لمرضِهِ أو عجزِهِ عن قيمتِه؛ فهذا التركُ لا يكفِّرُ الذنبَ، وعلامةُ التوبةِ الصادقةِ: تركُ المعصيةِ وفعلُ الطاعة، ومِن علامةِ قَبُولِها: الإتيانُ بالحَسَنةِ بعدَ السيِّئةِ؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقال ﷺ : (وَأَتْبعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا) (١). * * * قال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾ [المائدة: ٤٢]. في الآيةِ: وصفٌ لليهودِ، وبيانٌ لسببِ ضلالِهم في تحريفِ كلامِ اللهِ وتبديلِ شَرْعِه، وهو ميلُهم إلى الدُّنيا، والأكلُ بدِينِ اللهِ ثمنًا قليلًا، وفي الآيةِ: تحريمُ المالِ الذي يأخُذُهُ العالِمُ على فُتيا الباطلِ وقولِه، أو سكوتِهِ عن الحقِّ؛ فإنَّ قوله تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾؛ يعني: أنَّهم سَكَتُوا عن الحقِّ وأكَلُوا بسكوتِهم مالًا، فسمَّاهُ الله سُحْتًا، وتقدَّمَ في البقرةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٨]: أنَّ المالَ الذي يأخُذُهُ الحاكمُ والعالِمُ لقولِ الباطلِ أو السكوتِ عنه أنه أشَدُّ من الرِّبا.

стр. 1192

أخذُ العالِم للمالِ: وربَّما يَظُنُّ العالِمُ أنَّ أَخْذَهُ للماِل لا يحرُمُ إلا إنْ كان لأجلِ قولِ الباطلِ؛ وهذا خطأٌ؛ فالمالُ يحرُمُ حتى لو كان للسكوتِ عن قولِ الحقِّ؛ فالسكوتُ عن الشرِّ عندَ ظهورِهِ من العالِمِ كتشريعِه، فإنْ أخَذَ مالا ليسكُتَ، كان مالُهُ أشَدَّ عليه مِن أكلِ الرِّبا؛ لأنَّ المُرَابِيَ يأكُلُ الدُّنيا بالدُّنيا، والعالِمَ يأكُلُ الدُّنيا بالدِّين، ثُمَّ هو بيعٌ لحقِّ الله، وأمَّا الرِّبا، فبيعٌ لحقِّ المخلوقِ. العدلُ بين الكفَّار: وفي هذه الآية: أنَّ الحاكمَ يَقضي بينَ أهلِ المِلَلِ مِن أهلِ الكتابِ وغيرِهم فيما يقعُ بينَهم كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾، واختلَفَ العلماءُ في وجوبِ حُكْمِ الحاكمِ عليهم: هل يجبُ عليه وإنْ لم يترافَعُوا إليه، أو يجبُ عليه عندَ الترافُعِ؟ : فجعَلَ مالكٌ الأمرَ إلى الحاكمِ؛ فهو مخيَّرٌ بينَ الحُكْمِ والتركِ إنْ ترافَعُوا إلى إمامِ المُسلِمينَ؛ أخذًا بظاهر قولِه، ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. وأوجَبَ الحُكْمَ عليهم إنْ جاؤُوا: أبو حنيفةَ والشافعيُّ في قولٍ، وجعَلُوا التخييرَ منسوخًا في قوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. ومِن الفقهاءِ: مَن أوجَبَ الحُكْمَ عليهم بكلِّ حالٍ ولو لم يترافَعُوا إلى المُسلِمينَ. * * *

стр. 1193

* قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥]. كان القصاصُ في بني إسرائيلَ، وظاهرُ الآية: أنَّ شرعَ مَن قَبْلَنا شرعٌ لنا ما لم يَثبُتْ خلافُهُ في شرعِنا؛ وبهذا يقولُ جمهورُ العلماء، وذلك ظاهرٌ في قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤]، فجعَلَ الله الحقَّ الذي فيها حُكْمًا إنْ دَلَّتْ على صِحَّتِهِ الشريعةُ، وأمَّا الأخذُ منها مباشرةً، فمنهيٌّ عنه؛ لأنَّه لا يُعلَمُ ما بُدِّلَ ممَّا لم يُبَدَّلْ. عمومُ آيةِ القصاص، وحُكْمُ شرعِ مَنْ قَبلَنَا: وقد أخَذَ الصحابةُ بهذه الآيةِ وما بعدَها، مع كونِها في اليهودِ؛ لأنَّ الحكمَ مِن اللهِ واحدٌ، فأَثْبَتَهُ اللهُ في اليهود، فيَثبُتُ في هذه الأُمَّةِ ما لم يَثبُتْ خلافُه، وقد أمَرَ اللهُ نبيَّهُ أنْ يَقتدِيَ بالأنبياءِ من قبلِه، فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وأمَرَهُ أَنْ يَتَّبِعَ مِلَّةَ إبراهيمَ: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٣]، وإنْ كانتِ المِلَّةُ التوحيدَ، وهو المُشتَرَكُ بينَ الأنبياء، فإنَّ الاقتداءَ بما بَلَغَ النبيَّ ﷺ من الاهتداءِ في الأنبياءِ السابقِينَ دليلٌ على العموم؛ ويدلُّ على ذلك ما رواهُ البخاريُّ، عن ابنِ عبَّاسٍ: "أنه سجَدَ في آيةِ سجدةٍ؛ فسأَلهُ مجاهدٌ عن ذلك؟ فقال: أوَمَا تَقْرَأَ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:

стр. 1194

٩٠]؟ ! فَكَانَ دَاوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ ﷺ أَنْ يَقْتَدِيَ بِه، فَسَجَدَهَا داوُدُ ﵇، فَسَجَدَهَا رسُولُ الله ﷺ " (١). وفيه: أنَّ ابنَ عبَّاسٍ أخَذَ بعمومِها حتى في سجودِ الآية، وفَهِمَهُ مِن النبي ﷺ . ومِن ذلك: أنه قد احتَجَّ النبيُّ ﷺ بقضاءِ الصلاةِ المَنْسِيَّةِ بقولِهِ تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] (٢)، مع أنَّ الخِطَابَ كان لمُوسَى. ويؤيِّدُ هذا: أنَّ النبيَّ ﷺ قال في قضائِه في سِنِّ الرُّبَيِّع بالقِصَاص، فقال: (كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ) (٣)، ولم يُذكَرْ قِصاصُ السِّنِّ إلا في هذه الآية، وهي في بني إسرائيلَ؛ فدَلَّ على أنه أخَذَ الحُكْمَ منها. وقد جاء في عموم القرآنِ ما يؤكِّدُ الأخذَ بالقِصَاصِ في الجراحاتِ؛ ومن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وفي هذه الآيةِ قولُهُ، ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. وأمَّا كونُ شريعةِ الإسلامِ ناسخةً لغيرِها، فذلك في الأخذِ والاتِّباعِ؛ فلا يجوزُ تتبُّعُ الحقِّ مِن رسالةِ غيرِ محمدٍ ولا مِن غير كتابِهِ وسُنَّتِه، وأنَّ الحقَّ في الدِّين لا يُؤخَذُ إلَّا مِن وحي اللهِ المنزَّلِ عليه، وأنَّ القولَ بأنَّ شَرْعَ من قبلَنا شرعٌ لنا لا يعني تتبُّعَ كُتُبِهِمْ والتديُّنِ بها؛ وإنَّما ما ثبَتَ عندَنا من غيرِ طريقِهِمْ في المنقولِ عنهم في وَحْينا. وما زال أكثرُ الفقهاء يَستدِلُّونَ في بعضِ المسائلِ بما ثبَتَ في الوحي عن السابقينَ؛ ومِن ذلك: استدلالُ الشافعيَّةِ على الكفالةِ بالنفسِ

стр. 1195

بقولِهِ تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ [يوسف: ١١]، واحتجاجُ الحنابلةِ: بجوازِ أنْ تكونَ المنفعةُ مهرًا مِن قولِهِ تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]، ومِن ذلك: احتجاجُ مالكٍ بفضلِ الكَبْشِ على غيرِهِ في الأُضْحِيةِ؛ لأنَّ اللهَ فَدَى ولدَ إبراهيمَ بكَبْشٍ، ومِن ذلك: استدلالُ الجمهورِ على الجِعَالَةِ بقولِهِ تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢]. وقد قَضَى ابنُ عبَّاسٍ على امرأةٍ نذَرَتْ أنْ تذبَحَ ولدَها بكبشٍ؛ أخذًا مِن قصةِ إبراهيمَ (١). وكثيرٌ من الشافعيَّةِ يقولونَ: إنَّ شرعَ مَن قبلَنا ليس شرعًا لنا ما لم يدُلَّ دليلٌ خاصٌّ على الأخذِ به؛ وهو قولُ الأشاعرةِ والمعتزِلةِ. تساوِي أعضاءِ الجنسَيْنِ في القصاصِ: وفي هذه الآيةِ ذكَرَ اللهُ تَسَاوِيَ أعضاءِ بني آدمَ في القِصاص، وظاهرُ الآيةِ: أنْ لا فرقَ بينَ أعضاءِ الذَّكَرِ والأُنثى، والكبيرِ والصغير، والعاقلِ والمجنون، وفي الحديثِ قال ﷺ : (المُسْلِمُون تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ)؛ رواهُ أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجه (٢). تساوي دماء الأحرارِ من الجنْسَيْنِ: ولا خلافَ عندَ الأئمَّةِ الأربعةِ في تساوي دماءِ الأحرارِ فيما بينَهم، واختلَفُوا في بعضِ أعيانِ الأحرارِ ذكورًا وإناثًا، ويُستثنى مِن ذلك دمُ

стр. 1196

الوالدِ في ولدِه، على قولِ جمهورِ الفقهاءِ؛ وذلك للحديثِ: (لَا يُقَادُ الوَالِدُ بالوَلَدِ) (١)، ولحديثِ: (أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ) (٢)، والأولُ أصرَحُ، وبه يقولُ فُقَهاءُ الحِجازِ. ورُويَ عن عليٍّ: أنَّ الرجُلَ لا يُقادُ بالمرأةِ حتى يدفَعَ أولياؤُها نصفَ الدِّيَةِ لأولياءِ الرجُلِ فيُقتَلَ بها (٣)، وحُكِيَ روايةً عن أحمدَ، وهو ضعيفٌ، وتقدَّمَ تقريرُ أنَّ الدِّيَةَ ليستْ قِيمَةً للنفسِ ذاتِها، فهي ميتةٌ؛ وإنَّما هو جَبْرٌ لأهلِ القتيلِ ممَّا فَقَدُوهُ، وتأديبٌ للقاتلِ؛ فالخصومةُ بينَ الرِّجالِ تكثُرُ وتظهَرُ مقاصدُها، وأمَّا بينَ الرِّجالِ والنِّساءِ فضعيفةٌ؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الالتِقاء والمعامَلةِ إلَّا في المَحارِمِ إلَّا للحاجةِ لغيرِهم؛ ولهذا لا يُتصوَّرُ قتلُ الرجلِ للمرأةِ الأجنبيَّةِ عنه عمدًا عندَ استقامةِ شرائعِ الإسلامِ الأُخرى؛ كتحريم الخَلْوةِ والاختلاط، وأمَّا المرأةُ القريبةُ، فقتلُ القراباتِ نادرٌ، وفي الرجالِ لقراباتِهِمْ مِن النِّساءِ أندَرُ؛ ولهذا جاء التشديدُ والتقييدُ في قولِهِ: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. وأمَّا في قتلِ العَمْد، فيُقادُ الجِنْسانِ بعضُهما ببعضٍ، وقد اقْتَصَّ النبيُّ ﷺ مِن رجلٍ يهوديِّ رضَخَ رأسَ امرأةٍ بحجارةٍ، وفعَلَ ذلك قِصَاصًا لا تعزيرًا؛ كما في "الصحيحين" (٤). وقد صحَّ عن عمرَ أنه قتَلَ ثلاثةَ نَفَرٍ مِن أهلِ صنعاءَ بامرأةٍ قتَلُوها عمدًا (٥). وبه قَضى الخلفاءُ مِن بعدِه، وقولُ عليٍّ في استحقاقِ نِصْفِ الدِّيَة، لا في إسقاطِ الحقِّ بالقَوَدِ.

стр. 1197

وقد تقدمَ في سورة البقرةِ الكلامُ على إقامةِ الحدودِ في الحرب، وبينَ الأحرارِ والعبيدِ. وقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ الآيةَ: فيه تحريم البغي بالعقوبةِ فوقَ المثل؛ فذلك مِن عملِ الجاهلية، فيَجعلونَ دمَ أقوامِ فوق أقوام، وقبائلَ فوقَ قبائلَ. القِصَاص في الجروحِ: وقوله تعالى، ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ دليلَ على وجوبِ القِصاصِ في الجِراحاتِ في أجزاءِ الأعضاءِ مما يُمكِنُ تنفيذ القِصاص فيه مِن غيرِ أنْ يتعدى القِصاص إلى موضع زائد عن مُماثلةِ الجُرحِ المقتَص له، وغالبًا ما تكون القدرةُ على الاستيفاء بالمماثلةِ بما له مَفصِل مِن الجسمِ؛ ولذا يجمِعُ العلماء على القِصاصِ على العضوِ الذي له مَفصِل يُقطَع به كالكف والقَدَم والإصبَع والساقِ ونحوِ هذا، وَيختلفُ العلماء في غيرِ المَفصِلِ؛ خوف أن يَسرِيَ أثر القِصاصِ إلى غيرِ محل الجناية، وهذ سبب تعددِ أقوالِهم في القِصاصِ في بعضِ الأعضاءِ: فيمنعُ أبو حنيفةَ والشافعي وأحمدُ وغيرُهم القِصَاصَ في جميعِ العِظام، واستثنى بعضُهم السن، والعِلةُ التي لأجلِها منَعوا القِصاصَ في بعضِ أجزاءِ الجسمِ قد تَنتفِي في زمن يتقنُ فيه الأطباء الجِرَاحةَ، وقد يكون عندَ الأطباءِ اليومَ مِن الإتقانِ في القِصاصِ في العِظامِ أعظَم مِن إتقانِ الأطباءِ السابقينَ في المَفاصِلِ التي يجمِعُ العلماءُ على القِصَاصِ فيها، وعلى هذا؛ فما أمكَنَ القِصاصُ فيه في كلّ عضو أو بعضِ عضو مع أمنِ استِشْراءِ الجنايةِ إلى غيرِ المَحَل، فيجب القصَاصُ فيه، وهو الذي ينبغي ألا يحكَى فيه خلاف؛ لانتِفاء العِلةِ التي لأجلِها منَعَ الفقهاءُ مِن القصاصِ في بعضِ مواضعِ البدن، ثم القِصاصُ هو امتثالُ القرآنِ والمساواة في العقوبة، وبه تمام الإنصافِ والعدلِ.

стр. 1198

ويكونَ القِصاصُ بعدَ اندِمالِ جِرَاحةِ المجنيِّ عليه؛ حتى يُؤمَنَ مِن انتشارِها إلى غيرِ المحل، ويؤمَنَ على حياتِه؛ فقد يموتُ من جراحتِهِ قبلَ اندمالِها، وفي "المسنَدِ" أن النبيَّ ﷺ قال لِمَنِ استعجَلَ القِصاصَ: (لَا تعجَل حَتى يبرَأ جُرحُكَ) (١). ومَن مات مِن القِصاص، فلا دِيَةَ على المُقتَص فيه عندَ جمهورِ العلماءِ خلافًا لأبي حنيفةَ. التكفيرُ بالحدود، والأجرُ بالعفوِ: وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾؛ يعني: مَن تصدقَ بحقه في القِصاص، فهو كفارة للجاني، وفِيه أجر للمجني عليه، فسماهُ اللهُ صَدَقةَ؛ وفي هذا دليل على أن الحدودَ كفَّارة لأصحابِها؛ فقد جعَلَ اللهُ مجردَ إسقاطِ صاحب الحقّ حقه في القصاص كفارةَ للجاني، وظاهرة: أن مَن لم يُسقِط عن الجاني حقه، فلا يكفرُ عنه إلا بإقامةِ الحد، وقد قال ابن عباس: "كفارة للجارح، وأجرُ الذي أصِيبَ على اللهِ" (٢). ومَن عُفِيَ عنه، سقَطَ إثمُ الفِعلِ عنه، وإنْ لم يتب منه، فيأثمُ على مِقدارِ ما بَقِيَ مِن عملِ قلبِه؛ كحُبِّ الجنايةِ والفرحِ بها؛ فعملُ القلبِ باق، وعمل الجوارحِ مغفور بالعفْوِ. وفي الآيةِ: حث على العَفوِ عمن ظهَرَ ندمُه، وزالَ دافعُ بَغيِه، وظهَرَ انتفاعُهُ وانتفاعُ غيرِهِ بالعفوِ عنه، وأمَّا مَن لم يظهَر ندمُهُ وكان مُعانِدًا لم يَظهَر صلاحُه، فأخذه بجنايتِهِ أفضَلُ.

стр. 1199

قال تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨]. في الآيةِ: ذِكرُ الأذانِ للصلاة، ولم يأتِ ذِكرهُ مطلَقًا إلا في هذا الموضع، وجاء في سورة الجمُعةِ مقيدًا بالأذانِ للجمُعة، وجاءَتِ الإشارةُ إليه كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]، وآيةُ الباب في استهزاءِ أهلِ الكِتابِ بالأذانِ وسخْرِيَّتهم منه، ومَن تأذَّى مِن الأذان للصَّلاةِ ولم يُحِبهُ لِذَاتِه، ففيه شبَه مِن الشيطانِ؛ ففي "الصحيحَين"؛ قال ﷺ : (إِذَا نُودِي لِلصلَاةِ أَدبر الشَّيطَان وَلَهُ ضراط؛ حَتى لَا يَسمَعَ التَّأذِين، فَإذَا قَضَى الندَاء أقبلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصلَاة أدْبَرَ، حَتَّى إذَا قَضَى التثوِيب أَقبَلَ، حَتَّى يخطِرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفسِه، يَقولُ: اذْكرْ كَذا؛ اذكرْ كذا، لِمَا لَم يَكن يَذْكرُ؛ حَتى يظَل الرجُل لَا يَدرِي كم صَلَّى) (١). مشروعيةُ الأذانِ وفضلُه: وفي الآيةِ: مشروعية الأذانِ وفضلُهُ، وهو مِن خصائصِ هذه الأمة، وهو فرضُ كفايةِ على أهلِ البلد، فيؤذنُ فيهم مَن يُسمِعُهمْ جميعًا، فإن توسعتِ البلدُ، تعددَ المؤذِّنونَ، ويشرَعُ حتى للمسافِرين؛ ففي "الصحيحَينِ"؛ قال ﷺ لمالكِ بنِ حُوَيرث: (إِذَا حَضَرَتِ الصلَاةُ، فَليُؤَذنْ لَكم أحَدُكمْ) (٢)، ويشرعُ للمنفَرِدِ في حَضر أو في سفرِ أنْ يُؤذن لنفسِه، فإن كان في حَضرِ فاتته الجماعة أو سقَطَت عنه، أسمَعَ نفسَهُ ومَن حولَه، ولا يَخرُج على سطحِ بيته؛ حتى لا يزاحم المُؤذنَ الراتب، وإن كان في سفر، رفَعَ صوتَه كما لو كان في المِصرِ.

стр. 1200

وقال بأن الأذانَ بالنسبةِ للجماعةِ فرضُ كفاية: جماعةٌ مِن الفقهاءِ؛ كأحمدَ وغيرِه، والجمهورُ على سنيَّتِه، وأما المنفرِدُ فهو سُنة له باتفاقِ الأئمَّةِ الأربعة، ولأحمدَ رواية بالوجوب، والأصح أنه سنة؛ لأن الأذانَ ذِكرَ شرَعَهُ اللهُ للإعلامِ بالصلاةِ؛ كما هو ظاهرُ الآيةِ: ﴿إِلَى الصَّلَاةِ﴾، وكما هو في دَلَالةِ ألفاظِه، وفي موضعِ رفعِهِ على سطحِ المسجد، فإذا انتفَتِ العِلةُ، فلا يقالُ بوجوبِه. وأما في صلاةِ الجمُعة، فالأذان الثاني واجب على الكفاية، ويأتي الكلامُ على ذلك في سورة الجُمُعةِ إن شاء الله. * * * قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤]. في هذه الآيةِ: بيان أنَّ الشريعةَ لا تتشوَّف إلى القِتالِ لِذَاتِهِ؛ وإنما ما تحقَّقَ به مصلحةٌ راجحةٌ؛ فاللهُ ذكَرَ عن يهودَ ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾، فأظهَرَ مِنتَه بوَأدِ القتالِ؛ لأنَّ من عادةِ يهودَ شَغْلَ المسلِمينَ بالقتال، والتحريش بينَهم وبينَ خصومِهم لِيقتتلوا فيَنشغِلوا عنهم، وأن اليهودَ إنْ شعروا بقوة برَزوا للقتال، وإن شعرُوا بضَعْف حرَّشوا، ومِن حِكمةِ النبي ﷺ أنْ لم يكنْ يتشوف للقتالِ لِذَاتِه، ما لم تتحقَّق منه غايته، وهو عُلو كلمةِ الله، واحتمال الانتصارِ وغَلَبته. * * *

стр. 1201

قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ)﴾ [المائدة: ٨٧ - ٨٨]. تقدمَ الكلام على أصلِ حِل الطعامِ والشرابِ واللباسِ وجميعِ الطيبات، في مواضعَ كثيرة مِن سورة البقرةِ وغيرِها. قد ذكَرَ الله الطيباتِ ونَهَى عن تحريمها، ثم نَهَى عن الاعتداءِ على المحرمات، وفي ذلك: إشارةً إلى أن مَن ضيَّقَ على نفسِهِ الحلالَ، فإنه يدفَع نفسه إلى الحرام، وإنما جعَلَ اللهُ الحلالَ سَعة؛ ليكون كفاية وغنيةَ للإنسانِ عن الحرامِ، ولا يكاد يقع مسلِمٌ في حرامِ إلا بسبب تركهِ الحلالَ البديلَ له عنه، وتضييقه على نفسهِ فيه؛ سواء في مَطعَم أو مَنكح أو مَلبَسٍ؛ لأن النفسَ ترِيدُ إشباعَ نَهَمِها وشهوتِها وقد جعَلَ الله في الحلالِ لها كفايةَ، والعدوان في الآيةِ هو الوقوع في الحرامِ. وقد نزلت هذه الآية في بعضِ أصحاب النبي ﷺ ؛ كما جاء عن أنس أن نفَرًا مِن أصحابِ النبي ﷺ سألُوا أزواجَهُ عن عَمَلِهِ فِي السِّر؛ فَقَالَ بعضُهُمْ: لَا أتزَوجُ النسَاءَ، وَقَالَ بَعضهم: لَا آكُل اللحمَ، وَقَالَ بَعضهُم: لَا أنَامُ عَلَى فِرَاش، فَحَمِدَ اللهَ وَأثنى عَلَيه، فَقَالَ: (مَا بَال أقوَامٍ قَالوا كَذَا وَكَذَا؟ لَكِني أصلِّي وَأنامُ، وَأصُومُ وَأفطِرُ، وَأتزَوجُ النسَاء؛ فَمن رَغب عَن سُنتى، فَلَيسَ مِنِّي)؛ رواهُ الشيخانِ عن أنسٍ (١).

стр. 1202

التشريعُ من دون اللهِ: وتحريم الحلالِ كتحليلِ الحرامِ؛ فمَن فعَلَ ذلك تُشريعًا لنفسِهِ أو للناس، فذلك كُفر، وإنَّما لم يقعْ ذلك في الصحابةِ في هذه النازلةِ؛ لأنَّهم لم يَفعَلوا ذلك تشريعًا؛ وإنما فعَلُوهُ تزهدًا؛ للتفرغ لِما يرَونَة أعظَمَ تعبدًا لله، فهم امتنعوا عنه لله، وحرمُوهُ على أنفُسِهِم للهِ لا لغيرِه، فلم يُصِيبُوا الحق في ذلك. ومَن يمتنع عن الحلالِ أو يمنعُ غيرَه مِن الحلالِ لمصلحةِ دنيويَّةِ؛ كالطيبِ في حِميَتِهِ للمريض، أو ظلمًا كمَن يَمنع غيرَهُ فضلَ الماءِ والكَلَأِ -: فليس هذا مِن تحريمِ الحلال، وتشريع ذلك. ومِثل ذلك مَن يأذَنُ لغيرِهِ بالحرام؛ فيسقِي الخمرَ، ويضَعُ فراشًا وحصيرًا للقِمَار، فهذا إذن بفعل الحرام، لا تحليل له؛ لأنَّ الأفرادَ لا يُتصورُ منهم غيرُ الفعلِ وتسويغه، لا تشريعه، ما لم يحلُّوهُ بنصٍّ منهم أو قرينة. وأمَّا الحُكامُ الذين يشرِّعونَ القوانين للناس، فيكتبونَ فيها تحليلَ الحرام، وتحريمَ الحلال، فذلك كفر لا يجوز الخلاف فيه، وقد تقدمَ الكلامُ في هذا في أوائلِ سورةِ النساءِ عندَ قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [٢٢]. حكم تحريمِ الحلالِ وكفارتُه: وقد ذكَرَ الله هذه الآيةَ قبلَ ذِكرِهِ لِكفارةِ الأيمانِ؛ إشارة إلى فعلِ الصحابة، وأنه يمين؛ حيثُ حرمُوا على أنفسِهِم اللحمَ والنكاحَ والنومَ على الفرش.

стр. 1203

وقد اختلَفَ العلماء في اليمينِ التي يحرِّمُ بها الحالفُ على نفسِهِ مطعمًا وملبسًا ومسكنًا: هل تحرِّمُ فِعل المحلوف عليه، وتجب عليه بها الكفارةُ عندَ الحِنث، أو لا؟ على قولَينِ: الأولُ: أنها لا تحرمُ الحلالَ، كما أنها لا تُحِلُّ الحرامَ، ولا يجب فيها كفارة، ورُوِيَ هذا عن ابن جُبير، وبه قال الشافعي، واستثنَى تحريم النساء؛ وذلك لظاهرِ الآية، وأن النبيَّ ﷺ لم يأمُرِ الصحابةُ الذين حلَفوا على تحريم الحلالِ على أنفسِهِم بالكَفَّارةِ. الثاني: أن اليمينَ تحرُمُ الحلالَ كما أنَّها تُوجِبُهُ، لكنَّها لا تُحِل الحرامَ؛ لأن الحرامَ يجبُ فيه التركُ، والحلالَ لا يجبُ فيه الفِعلُ ولا التركُ؛ وإنَّما استوتْ أطرافُهُ فِعلًا وتركًا، فاليمينُ أكدت أحدَ الطرَفَيْن، وكلاهُما في الشريعةِ جائزُ الفِعلِ والترك، وتحريمُ الحلالِ ليس تشريعًا عامًا؛ وإنما خاص دل الدليلُ عليه وأنه يكونُ تحريمًا، كما في سورةِ التحريمِ؛ وهذا قولُ أحمدَ. وعدمُ أمرِ النبيِّ ﷺ بالكفارة للصحابةِ الذين حرمُوا على أنفسهم اللحمَ والنِّكاحَ والنومَ: فيه نظر؛ فإن الآيةَ نزَلَت فيهم، وعقبها اللهُ بعدَ ذلك ببيان كَفارةِ اليمين، والحكم متعلق بهم ومَن شابَهَهم، ثم إنه لا فرق بين تحريم الحلالِ في النكاحِ وفي الطعامِ وغيرِه، ولما حرمَ النبي ﷺ على نفسِه، أنزِلَ عليه قولُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: ١]، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]؛ يعني بذلك الكفارةَ.

стр. 1204

* قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩]. وقد تقدَّمَ في سورةِ البقرةِ عندَ قولِ اللهِ تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾ الكلامُ على لَغْوِ اليمينِ ومعناهُ، وتفسيرِ السلف، وخلافِ العلماءِ في حدِّه، وما تجبُ فيه الكفارةُ؛ فلْيُنظَر. انعقاد القلبِ في اليمينِ، وحكمُ الغَمُوسِ: وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ هو كقولِهِ تعالى في البقرةِ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [٢٢٥]، وكسب الشيْءِ: قصدهُ وعزمُهُ عليه، وقد فسَّرَ مجاهِد والحسن عقدَ اليمينِ بنتعمُّدِها (١)، فالقلب يفعلُ الشيءَ عن عزمٍ وقصدٍ، بخلافِ اللِّسانِ والجوارحِ، فتفعلُ سهوًا، ولما كان القلبُ لا يقع مه العملُ إلا قصدًا، سُمِّي كَسبُهُ عَقْدًا؛ ومِن هذا يُؤخَذُ أنَّ الحَلِفَ على شيءٍ يظُنّه كذا، فوقَعَ خلافَ ظنِّه، ومثْلُهُ اليمين الغَمُوسُ: أنَّه لا كفارةَ عليه؛ لأنَّ القلبَ لم يَنعقِد على شيءٍ حتى يحتاجَ حَلَّهُ، وإنَّما نزَلَتِ اليمينُ على ما لا يحتاجُ إلى حَلٍّ لفعْلِهِ أو تركِهِ؛ ولذا قال تعالى في سورةِ التحريمِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [٢]؛ ولذا يذهبُ جمهورُ العلماءِ: إلى عدمِ وجوبِ الكفَّارةِ في اليمينِ الغَمُوسِ واليمينِ التي يَحلِفُها الإنسانُ لشيء يظُنُّه كذا، والواقعُ

стр. 1205

خلافُه، فتلك أخبار كاذبة، وكفارتُهُ: التوبة والاستغفار، وهذا قول الجمهورِ. خلافًا للشافعي؛ وكأن الشافعيَّ نظَرَ إلى القلبِ، ولم يَنظُر إلى الظاهرِ. والصوابُ: أنْ لا كفارةَ فيها؛ وذلك لقولِهِ ﷺ : (مَن حَلَفَ عَلَى يمينٍ يقتطع بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ عَلَيهَا فَاجِرٌ، لَقيَ اللهَ وَهُوَ عليهِ غضبَان)؛ رواهُ الشيخانِ (١). وقد تقدم الكلامُ على اليمينِ الغموسِ في سورةِ آل عمران، عندَ قولِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ٧٧]. الأَيمان التي تجبُ فيها الكفارةُ: واليمين التي تجبُ فيها الكفَّارةُ هي: ما انعقَدَ القلبُ فيها بقسَمِ على فِعلِ شيءٍ أو تركِه، وهذا ظاهر الآية؛ لأن القلوبَ تنعقِد على فعلٍ أو تركٍ، فالقلبُ يَعقِدُ، والكفارةُ تَحل عَقدَه، ثم إن اليمينَ سُميَت يمينًا؛ لأن العربَ تمدُّ أَيمانَها عندَ عهودِها ومواثيقِها بعضِها مع بعض، وعندَ قَسَمِها ويمينِها لغيرِها بفعلٍ أو تركٍ، ثمَّ غلَب ذلك على اللفظِ؛ لأنَّ مجردَ المصافَحةِ تقعُ على غيرِ العهدِ؛ كالسلامِ ونحوِه. الحلفُ بغيرِ الله، وحكم الحلفِ بالصفاتِ: وقد نَهَى النبيُّ ﷺ عن الحلفِ بغيرِ الله، ولو كان معظمًا مبجلًا؛ كالنبي والكعبةِ والولي والأبَوينِ والرحِمِ ونحوِها، ولا خلافَ عندَ العلماءِ

стр. 1206

في جوازِ الحلفِ بأسماء اللهِ جميعًا، وفي الحلفِ بصفاتِه خلاف: وعامَّة العلماءِ: على جوازِ ذلك؛ نص عليه مالك؛ كما في "المدونَةِ"، والشافعيّ؛ نقلَه عنه البيهقي، ومِثلهم أحمدُ، وحكى ابن هُبَيرَةَ الإجماعَ على انعقادِ اليمينِ بالصفاتِ. واستثنَى أبو حنيفةَ عِلمَ اللهِ وحق الله، فلم يَره يمينًا (١). ومَن قالوا بالجوازِ اختلَفوا: فمنهم: مَن أطلَقَ الجوازَ بكلِّ صفة؛ فلم يَستثنوا منها شيئًا، وهم الأكثرُ. ومنهم: مَن قيَّدَه بالصِّفاتِ الدالةِ على الذاتِ كالوجهِ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقالوا: إنَّ ما لا يدُلُّ على الذات، لا يُحلَفْ به؛ كاليدِ والقَدَمِ والساقِ وغيرِها مِن الصِّفاتِ الخبريةِ. والصحيحُ: جواز اليمينِ بجميعِ الصفَات، وتنعقِدُ اليمينُ بها كما تنعقدُ بالأسماءِ؛ فلو أقسم بعِزَّةِ اللهِ ووجهِهِ ويدِه، جاز وانعقَدَتِ اليمينُ؛ فقد دَلَّ الدليلُ على جواز الاستعاذةِ بالصفة؛ كما في الحديثِ الذي يَرويهِ جابرُ بن عبد اللهِ مرفوعًا: (أعُوذُ بوَجهِك) (٢)، وفي الآخَرِ: (أعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التاماتِ) (٣)، وفي غيرِهِ: (أعُوذُ بِرِضاكَ مِن سَخَطِكَ) (٤)، والاستعاذةُ أظهَرُ في التعظيمِ والعبادةِ مِن القَسَمِ. وقد دل الدليلُ على جوازِ القَسَمِ بالصفَةِ؛ كما في حديثِ أنس بنِ مالك، عن النبي ﷺ ، في الذي يُغمَسُ في الجنة، فيُقالُ له: هَل رَأَيتَ

стр. 1207

بُؤسًا قَط؟ يقولُ: لا وعِزتكَ وجَلالِكَ (١). وفي الصحيحِ: قولُ أيوب ﵇: "بَلَى وَعِزَّتِكَ، وَلَكِن لَا غِنَى بِي عَن بَرَكَتِكَ" (٢). وقد جاء عن غيرِ واحدٍ مِن الصحابةِ القَسَمُ بصِفةِ مِن صِفاتِ الله، منهم أبو مسعودٍ؛ فقد دخَل أبو مسعودِ على حُذَيفةَ، فقال له: "اعهَدْ إِليَّ، فَقَالَ لَهُ: ألَم يأتِكَ الْيَقِين؟ قَالَ: بَلَى وَعِزةِ رَبِّي، قَالَ: فَاعلَم أن الضلَالَةَ حَقَّ الضَّلَالَةِ أن تَعرِفَ مَا كنتَ تُنكِرُ، وَأن تُنْكِرَ مَا كُنتَ تَعرِف، وإياكَ وَالتَّلَوُّنَ؛ فإنَّ دينَ اللهِ وَاحِدٌ" (٣). وقد روى البيهقي، عن أبي عِياضٍ؛ قال: سألتُ ابنَ عُمَرَ ﵄ عن الخمرِ؟ فقال: "لَا، وَسَمْعِ اللهِ ، لَا يَحِل بيعهَا وَلَا ابتياعُهَا" (٤). الحلفُ بالقرآنِ: وقد أجاز بعضُ الصحابةِ الحَلِفَ بالقرآنِ وسورة مِن القرآنِ؛ كما جاء عن ابنِ مسعود، ولا يُعلَمُ مَن خالَفَه. وقد ضَعفَ بعضُ العلماءِ - كابنِ رُشد وغيرِه - مَنعَ الحلفِ بصِفَاتِ الله، وما جاء عن ابنِ مسعودِ مِن منعِهِ الحَلِفَ بعِزةِ الله، فلا يصح؛ فقد رواهُ الطَّبَرانيّ وأبو نُعَيمٍ؛ مِن حديثِ المَسعودي، عن عَوْن، عنه؛ قال: "لَا تَحلِفُوا بِحَلفِ الشَّيطَان؛ أن يَقُولَ أَحَدكُم: وَعِزةِ الله، وَلَكِن قُولُوا كَما قَالَ الله : وَاللهِ رَبِّ العِزَّةِ" (٥).

стр. 1208

فعَون لم يَسمَعه مِن ابنِ مسعود، والمسعودي متكلم فيه. ألفاظُ الإلزامِ والتأكيدِ: وقد ذكَرَ اللهُ في هذه الآيةِ اليمينَ وأطلَقها في قولهِ: ﴿فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ وقوله: ﴿عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، وقولهِ: ﴿كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾، ولم يذكُر ما أُكِّدَت به مِن اسم وصفَةٍ؛ ولذا اختلَفَ العلماء في الألفاظِ التي ليست بصِيغِ قسَم ولا حَلِف، وإنَّما يَستعملها الناسُ للإلزامِ؛ كقولِهم: علي كذا وكذا، لَأفعَلَنَّ كذا، وقولِهم: إنْ فعلت كذا أو تركتُ كذا، فعليَّ كذا وكذا؛ فمنهم مَن جعلَها يمينًا تَلزَم فيها الكَفارةُ؛ كمالك، ومنهم من جعلَها نذرًا لا يمينًا، كالشافعي وأحمدَ، يجب على الناذرِ الالتزامُ بما نذَرَ، ولا يجب فيها كفارة؛ لأنها ليست بيمين، وقد جاء في ظاهِرِ القراَنِ تسميتها يمينًا؛ كما في قولِ اللهِ تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، فسمى التحريمَ يمينًا، وقد ثبَتَ في "المسنَدِ"، و"السنن"، عنه ﷺ ؛ قال: (لَا نَذرَ في مَعصِيَةٍ، وَكفارَتهُ كَفارَةُ يمينٍ) (١). وقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَو كِسْوَتُهُمْ أَو تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾: وقت كفارة اليمينِ: تعجيل الكفارةِ قبلَ الحِنث جائز صحيح، ومَن فعَلَ ما حَلَفَ على تَركِه، أو ترَكَ ما حَلَفَ على فِعلِه، ثم كفرَ، جاز كذلك؛ وهو قولُ

стр. 1209

الجمهور، خلافًا لأبي حنيفةَ؛ فقد أوجب الحِنْثَ قبل الكفارة، واستثنى الشافعيةُ الصومَ؛ لأنه عبادة بدنيَّة لا يجوزُ تقديمُها قبلَ وقت وجوبِها، والصحيحُ: عدم التفريقِ بينَ الصيامِ والإطعامِ والكِسوة، وقد جاء في الصحيح؛ قال ﷺ : (إذَا حَلَفتَ عَلَى يَمِين، فَرَأيتَ غيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فكفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَائتِ الذي هُوَ خَيرٌ) (١)، وفي البخاريّ، عن أبي موسى مرفوعًا؛ قال: (لَا أَحْلِفُ عَلَى يمِين، فَأرَى غيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلا كَفرْت عَنْ يَمِيني، وَأتيتُ الَّذِي هُوَ خَير - أَو: أَتَيْت الذي هوَ خَير، وَكَفرتُ عَنْ يَمِيني) (٢). واختلاف ألفاظِ الحديثِ قرينة على التوسعة، ولو كان الترتيب مقصودًا، لَضَبَطَهُ النقلَة على وجهٍ واحدٍ، وقد روى الشيخانِ الحديث على الوجهَينِ تقديمًا وتأخيرًا؛ لأنَّ الترتيب غيرُ مقصود عندَهما. وجمهور الفقهاءِ القائلينَ بجوازِ التقديمِ والتأخيرِ يفضِّلونَ تأخيرَ الكفارة على الحنث. أحوالُ كفارة اليمين: وقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ الآيةَ، هذه كفارةُ اليمين، فجعَلَها اللهُ على حالَينِ: الأولى: التخييرُ؛ وهي الإطعام أو الكسوةُ أو تحريرُ رَقبةٍ. الثانية: الترتيب؛ وهي مَن لم يَجِدِ الأولى، فيصومُ ثلاثةَ أيام بدلًا عنها، ولا خلاف بينَ العلماءِ مِن السلفِ والفقهاءِ مِن بعدِهم على ذلك، وأن الصومَ لا يُصار إليه إلا عندَ العجزِ عن الإطعامِ والكسوةِ وعِتقِ الرقبةِ.

стр. 1210

وأمَّا ما جاء عن ابنِ عمرَ: أنه كان إذا أكدَ اليمينَ، أعتَقَ أو كَسَا، وإذا لم يؤكِّدها، أطعَمَ، وقيل لنافعِ: ما تأكيد اليمين؟ قال: أن يَحلِفَ على الشيءِ مرارًا (١)، فهذا مِن بابِ تقديمِ إبراءِ الذمةِ والأحَظِّ للفقيرِ والأنفسِ، وهو مِن بابِ البِر والإحسان، لا مِن بابِ الترتيبِ والإلزام. تلفيقُ كفارة اليمين: وجمهورُ العلماء: على أنَّه لا يَصيرُ إلى تقسيم الكفَّارةِ الواحدةِ على أكثَرَ من نوع؛ فبدلًا مِن إطعامِ عشرة، يطعِمُ خمسة، وَيكسُو خمسة، خلافًا لأبي حنيفةَ؛ فقد أجازَه بشروط، والتوسعُ في الجوازِ يفضي إلى مخالفةِ المقصودِ مِن الكفارة. وعليه: فمَن قدَرَ على بعضِ الطعامِ وبعضِ الكِسوة، فله الإطعامُ أو الكِسوةُ عن بعض، وأما الصيامُ بما يَزيدُ عن مقدارِ ما نقَصَ؛ كمَن وجدَ ثلُث الإطعامِ في الكفَّارةِ أو ثُلُثَيها، فليس له أن يصومَ عَدلَ ما بَقِيَ، فلم يقُلْ بهذا أحد من السلفِ؛ ولمن قال به بعدهم شُبهةٌ؛ أنَّ اللهَ قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾، وهو واجد لبعضِه، واللهُ يقولُ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]؛ ولكنه قول مخالف لقولِ السلفِ عامَّةً. مقدار الإطعامِ في كفَّارةِ اليمين: وقوله تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ لا حَد لمقدارِ الطعام، ويكفي فيه الإشباعُ للناسِ الأَسوِياء، ولا يدخُلُ في هذا غيرُ السويِّ التام كالطفلِ؛ فإنه تشبعُة تمرة وتَمرتان؛ وإنما المسكينُ السويُّ، ومَن جَمَعَهم على مائدة واحدةٍ، فأكلُوا، كَفَتْهُ.

стр. 1211

ومِن السلفِ والفُقَهاءِ: مَن يقدرُهُ للواحدِ بمقدارِ كنِصفِ الصاع، ومنهم بالمُدّ، وهذا ليس حدا توقيفيًّا كحدِّ مقدارِ زكاةِ الفِطرِ؛ وإنما يَحُدونهُ حدا للناسِ تبرَأُ به الذِّمةُ، ويَسُد حاجةَ الفقير، وَيمنع شُح الغنيِّ؛ ولهذا اختلَفَتِ الأقاويلُ عنهم، وربما عن الواحدِ منهم؛ حتى نسبُ إلى الصحابي الواحدِ والتابعي قولان، واختلاف هذه المقاديرِ في فُتيا السلفِ دليل على أنهم يُريدون الإشباعَ؛ وإنَّما اختلَفَ القولُ عنهم لاعتباراتٍ؛ منها: اختلافُ نوعِ الطعامِ؛ فيَزِيدُ في الرديءِ حتى لا يُهضَمَ الفقيرُ، وينقُصُ في النفيس حتى لا يُغبَنَ الحالِفُ، وربَّما كان لاختلافِ قدرةِ الحالفِ وطاقتِهِ وحالِ الناسِ وزمانِهم مِن جهةِ اليَسَارِ والعَجزِ، ونوعِ الفقيرِ وما يَسد جُوعَه، ويظهَرُ ذلك لجملةٍ مِن القرائنِ؛ منها: أولًا: أن السَّلفَ لا يَختلفُ قولُهُم في أن مَن أجلَس عَشرةَ فقراءَ فأطعَمَهم حتى شَبِعُوا وقامُوا: أن ذلك يُجزئهُ عن كفارته؛ وهذا ظاهر في جعلِ العِلَّةِ الإشباعَ، لا الكيلَ المعلومَ؛ كما في زكاةِ الفِطرِ. وقد نص على أن تغديةَ الفقراءِ وتعشيتَهُم تُجزئُ: جماعة؛ كعليِّ وابنِ عباسِ والحسنِ وابنِ سيرين، ولا مُخالِفَ لهم. وقد صح عن ابنِ عباس أنه قال: "إن كنتَ تُشبعُ أهلَكَ فأشبعِ المساكينَ؛ وإلا فعلى ما تُطعِمُ أهلَكَ بقَدَرِه" (١). ثانيًا: تباين الأقوالِ عن الفقيهِ الواحدِ منهم قرينة على أن العلَّةَ غيرُ الكَيلِ والوزنِ؛ وإنما الإشباع وسَد الحاجة، والناسُ يَتباينونَ في مقدارِ ما يًشبِعُهم، والأطعمة تَختلِفُ في سد الجُوعِ وكفايةِ الآكِلِ. ولذا يُفتى الحسنُ وابنُ سِيرينَ بالإطعامِ على المائدةِ حتى الإشباعِ تارةَ، وتارة يقولونَ بالإجزاءِ بإخراجِ المُدِّ مع الإدامِ، ومرةً

стр. 1212

يُفتي الحسن بالمُدِّ وحدَهُ، ويُفتي مجاهدٌ تارةً بالصاعِ وتارةَ بالمد. ثالثًا: أن مِن السلفِ مَن يُخيِّرُ بينَ نصفِ الصاعِ مِن الجيد، والصاعِ مما دونَه؛ كما جاء عن عمرَ؛ فقد جعَلَ مِن البر نصفَ صاع، ومِن التمرِ صاعًا، وكابنِ عباسٍ: جعَلَ مِن الجيدِ كالحِنْطةِ مُدا، ومما دونَه مدين، ومنهم مَن يأمر بالصاعِ للواجِد، وبنصفِ الصاعِ للعاجزِ. وفي هذا: إشارة إلى أن الشِّبَعَ يَختَلِفُ؛ فأَعلاه الصاعُ، وأدناهُ نصف الصاع، وأعلى ما تَبْرَأ به الذمة الصاعُ، وأدناهُ نِصفه، ولو كان حدا مقدرًا بالصاعِ عندَ واحدِ منهم، لم يجزِيء النصف، ويعتبَر العاجز عن الصاعِ ولو قَدَرَ على النصفِ غيرَ واجد، فينتقلُ إلى الصومِ. رابعًا: أن الأحاديثَ المرفوعةَ في بيانِ مِقدارِ الطعامِ معلولة، ومِثلُ الأحكامِ في الطعامِ المنضبطةِ المقدارِ كيلًا ووزنًا: تَرِدُ فيها الأحاديثُ وتتواتَر، وينقلها الصحابة، وقد ضبطَ مقدار زكاةِ الفِطرِ وهي حَولِيَّةٌ، على خلافِ في وجوبِها، مع وقوعِ كفارة الأيمان مِن الناسِ في يومِهم وليلتِهم، أو أسبوعِهم وشهرِهم؛ فمقدارُ طَعام كفارةِ اليمينِ أحوَج إلى الضبطِ والبيانِ مِن غيرِه؛ ولهذا جاء في القرآنَ بيانُ أحكامِ كفارةِ اليمين، ولم يأتِ فيه بيان أحكامِ زكاةِ الفِطرِ صريحًا، والشريعةُ لا تترك بيانَ حُكمِ أهَم وتُبينُ ما دونَهُ إلا والتركُ مقصود للتوسعةِ والتيسير، وأنه لا يَنضبِط بمقدارِ بين؛ كما في كفارةِ اليمينِ. خامسًا: أنَّ اللهَ وصَفَ الكفارةَ ب ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾، والإطعام مُضاف إلى آكِلِه، لا إلى مُطعِمِه؛ فلَزِمَ أن يكونَ المراد إشباعَهُ. وعُلِمَ عقلًا وشرعًا: أنه ليس المقصود مِن الإطعام أدنَى ما يُطلَقُ عليه الطعامُ؛ كتذوُّقِ الحَبَّةِ والقَطرةِ، وهو - وإن كان يُطلَقُ عليه طعامٌ -، لكنه لا يُسمَّى في عُرفِ العربِ ولا الشرعِ إطعامًا، ففرقٌ بينَ الطعامِ وبينَ

стр. 1213

الإطعامِ، فعندَ وصفِ الشيءِ بالطعامِ يُطلَق هذا على القليلِ والكثير، ولكن الإطعامَ لا يُطلَقُ إلا على سدِّ الحاجةِ منه؛ ومِن ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]. وتقييد المطعَمِ بالمسكينِ إشارة إلى جُوعِه، وما يَدفع جوعَهُ إلا الشبع. ولا خلاف أن الغني لا يدخُلُ في الآية؛ لأن الأصلَ شِبعهُ، ولا الفقيرُ الذي يُوضَع الطعامُ أمامَهُ وهو شبعانُ من إطعامِ آخَرَ، فيَمُد يدَهُ حياءً ليأخُذَ لُقمةً وَيعجزُ عن الباقي لِشبعِه، وهذا المرادُ بالإطعامِ الواردِ في كتاب اللهِ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤]، وقولِهِ تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]. وقد اختلَفَ الأئمةُ الأربعةُ في ذلك على اختلاف تلك الأقوالِ عن السلفِ: فمنهم مَن قال بإلإطعامِ بالصاعِ؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ. ومنهم من قال بالمُدِّ، وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ، وقيَّدَهُ مالك بمُدِّ المدينةِ. ومنهم مَن قال: يجبُ مُدُّ بُرٍّ، أو مُدانِ مِن غيرِه. حكمُ اعتبارِ العَددِ في المساكين: وقوله تعالى: ﴿عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾: اختُلِفَ في العَدَدِ: هل هو لبيان حقيقةِ عددِ الفقراء، أو هو لبيان مِقدارِ الإطعامِ الواجب؟ والأولُ لازم للثاني، والثاني ليس بلازمِ للأول، فاختلَفَ العلماءُ - بعدَ اتِّفاقِهم على وجوبِ الكفارةِ بمقدارِ إطعامِ عشرةِ مساكينَ - هل يجب إطعام عشرةِ فُقراءَ عددًا، أو يغني إطعامُ ما دُونَ العشرةِ؛ فيجوزُ إطعامُ الواحدِ والاثنين ما يكفِيهم لعَشرِ وجَباتِ؟ على قولَين:

стр. 1214

والأصح: جوازُ ذلك، وأن العَدَدَ في الآيةِ لبيانِ المقدارِ الذي يَكفي، لا لِذَات العددِ؛ فمَن أعطَى مسكينًا طعامًا يَكفِيهِ لوجَباتِ عَشر، كان كفارة ليمينِه. وذهب مالك والشافعي إلى قصدِ تخصيصِ العددِ. ولا خلاف أن مَن وجَدَ عددَ العشرة، فهو أفضلُ مِن إعطاءِ الواحدِ؛ لسدِّ حاجةِ الأكثرِ وكفايتهم في ذلك اليومِ. ولا يَرِد على جوازِ إطعامِ الواحدِ طعامَ العشرةِ: كِسوةُ الواحدِ كِسوةَ العشرةِ؛ لأن اللباسَ لا يجزِئ فيه كِسوةُ الواحدِ بما يكفي العشَرةَ؛ لأن هذا يفضُل عن حاجتِهِ وَيرفَعه فوقَ الغِنَى؛ بخلافِ الإطعامِ؛ فإنَّ إطِعاِمَ العشرةِ لا يَكفِيهِ إلا لبضعةِ أيام، وأما كِسوةُ العشَرةِ فتَكفِيهِ بضعَ سنين. الكفارةُ مِن متوسط الطعامِ: ويُغني مِن الطعامِ متوسِّطه، ولا يجوزُ إخراجُ رديئه، ومعرفةُ الوسَطِ بحسَبِ حالِ المكفرِ؛ ولذا قال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، فوسط الطعامِ يَختلِف مِن رجل إلى آخَرَ؛ فمَن كان قليلَ ذاتِ اليدِ ويأكلُ رديءَ الطعامِ بالنسبةِ لغيرِه، جاز منه أن يُخرِجَهُ كفارةَ له، وقد صح عن ابنِ عباس؛ أنه قال: "كَانَ الرجُلُ يقوتُ أهلَهُ قُوتًا فيهِ سعةٌ، وَكانَ الرجُلُ يَقوتُ أَهلَهُ قُوتًا فيه شِدة، فَنَزَلت: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ " (١)؛ ليس بأرفَعِهِ ولا بأدناهُ. وَيلزَمُ أن يكونَ الفقير بالغًا، فلا يُجزِئُ إطعامُ طفلٍ تَسُدُّ حاجتَه اللُّقمتانِ والثلاثُ، ولا الرضيعِ الذي تُشبِعُهُ التمرةُ والتمرتانِ.

стр. 1215

تكفيرُ اليمين بالكِسوةِ: وقوله تعالى: ﴿أَو كِسْوَتُهُمْ﴾: وكسوتهُم تكون مِن أوسَط ما يكتسي به الإنسان ويَكسُو أهلَه، وحُكمُها كحُكمِ الطعامِ في نوعِها؛ فكما أن الطعامَ الذي لا يكونُ قوتًا لبلدِ لا يُخرَج في الكفارةِ؛ كالبندُقِ واللَّوزِ والزبيبِ؛ فإنَّ الناسَ لا تتخذها قوتًا ولا تطعَمُهَا تفكها اليومَ، وكذلك اللباسُ فلا يُكسَى الفقيرُ لباسًا لا يَلبَسُهُ أهلُ بلدِه؛ كمَن يُلبِسُ فقيرًا بنطالًا وهم يلبَسُونَ القميصَ، والعكسُ كذلك. واختلِف في مقدارِ اللباسِ: فمنهم: مَن أجاز كل لباسِ ولو لم يكن لجميعِ البَدَن؛ فأجاز أبو حنيفةَ والشافعي العمامةَ والسراويلَ. واشترَطَ مالك ما تُجزِئُ به الصلاةُ؛ يعني ما يسترُ العورةَ، وهذا تختلِفُ فيه المرأة والرجُلُ. وقولُ مالكٍ أَشْبَهُ وأقرَبُ؛ لأن جَعلَ مجردِ إطلاقِ لفظِ اللباسِ على الشيءِ يُجزِيء الكِسوة به: يَلزَمُ منه الإجزاءُ بما يطلق عليه الإطعامُ ولو لقمةً أو لقمتين، فعلى القولِ الأولِ: يُجزئُ الخُفانِ والنِّعالُ والحزامُ وغيرُ ذلك مما يُطلق عليه اسمُ اللِّباسِ. والصحيحُ: أن المرادَ مِن اللباسِ ما يَستُرُ العورةَ؛ كالقميصِ والإزارِ والرداءِ والبنطالِ ونحوِه؛ وبهذا يقول ابنُ عمرَ وابنُ عباسِ وابنُ المسيب وابنُ جُبير والنخَعي وغيرُهم، وقليل مَن يخالِفُهم في ذلك مِن السلف، وإنِ اختلَفُوا بينَهم في تسمية ما يسترُ العورةَ. تكفيرُ اليمين بتحرير الرقبةِ: وقوله تعالى: ﴿أَو تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ فمِن السلفِ مَن أجاز مطلَقَ الرقابِ

стр. 1216

مؤمِنة وكافِرةَ كأبي حنيفةَ، خلافًا لجمهورِ العلماءِ الذين قاسُوا كفَّارةَ اليمينِ على كفَّارة القتلِ. ويختلِفُ أهلُ الأصولِ في المسائلِ التي تتَّفقُ حُكْمًا وتختلِف سببًا: هل يحمَلُ مطلَقها على مقيَّدِها أو لا؟ ومِن فروعِ هذه المسألةِ: الرقبة في كفارة اليمين. ولما أراد معاوية بن الحَكَم عِتقَ رَقَبة، سألَها النبي ﷺ : (أَينَ اللهُ؟ )، قَالَت: فِي السمَاء، فقال، (أعتقِهَا؛ فَإِنهَا مُؤْمِنَةْ) (١). وهذا في كلُّ عِتقِ رقبةٍ مِن الكفاراتِ. ويجب أن تكونَ الرقبةُ سليمةَ مِن العيوب، ولا فرقَ بينَ ذَكَرِ وأنثى، وكبير وصغيرٍ. تكفيرُ اليمين بالصيام: وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾، لا خلافَ أنه لا يُصارُ إلى الصيامِ إلا بعدَ العجزِ عن الإطعامِ والكِسوةِ والرقبة، ويثبت العجز في الطعامِ بنقص قُوتِهِ إن أطعَمَ عن قوتِ عيالِه، وكِسوتهِ إن كَسَا عن كسوتِهم، ومِثله مَن لا يَملِكُ الطعامَ والكِسَاءَ وعِتْقَ الرقبةِ إلا بدَينٍ. التتابُعُ في صيام الكفارة: واختلَفَ العلماءُ في وجوبِ التتابعِ في كفارة اليمين، مع اتِّفاقِهم على فضلِه؛ لكونِه أبرَأ للذِّمةِ وأعجَلَ للبر والخيرِ: فذهب أبو حنيفةَ، ومعه الشافعي وأحمدُ في قولِ لهما: إلى وجوب التتابُع؛ واحتجوا بقراءةِ أبَيٍّ وابنِ مسعود: (فَصِيَام ثلَاثَةِ أيام

стр. 1217

مُتَتَابِعَاتٍ) (١)، وصحَّ التتابُعُ عن ابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ، وهو قولُ أصحابِ ابنِ مسعودٍ. وجعَلَ مجاهدٌ كلَّ صومِ في القرآنِ مُتتابعًا إلَّا قضاءَ رمضانَ؛ لأنَّ اللهَ قال فيه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] (٢). واحتُجَّ لهذا القولِ بوجوبِ التتابُعِ في كفَّارةِ القتلِ وكفَّارةِ الظِّهارِ: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢، والمجادلة: ٤]. وذهَبَ إلى عدمِ وجوبِ التتابُعِ: بعضُ السلفِ؛ كعطاءٍ، وهو قولُ مالكٍ والقولُ الآخرُ للشافعيِّ وأحمدَ. وقد أمَرَ اللهُ بحفظِ الأيْمانِ؛ تعظيمًا للهِ عن أن يكونَ عُرْضةً في كلِّ شيءٍ وحِفْطًا للعهودِ مِن أنْ يتساهَلَ الناسُ في نقضِها؛ فتَهُونَ فيما بينَهم. * * * قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. تقدَّمَ الكلامُ على حُكْمِ الخمرِ والمَيسِير في سورةِ البقرةِ عندَ قولِ اللهِ تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ الآيةَ [البقرة: ٢١٩]؛ وهذه الآيةُ أولُ آيةٍ صريحةٍ في تحريمِ الخمر، ولا خلافَ أنَّها أصرَحُ مِن آيةِ البقرةِ السابقةِ وآيةِ النِّساءِ: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، ورَوَى ابنُ جريرٍ، عن سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ؛ قال: "لمَّا نزَلَتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾، فكَرِهَها قومٌ؛ لقولِهِ: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، وشَرِبَها قومٌ؛

стр. 1218

لقولِهِ: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]؛ حتى نزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، قال: فكانوا يَدَعُونَها في حينِ الصلاة، وَيَشرَبونَها في غيرِ حينِ الصلاة، حتى نزلَتْ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾، فقال عمرُ: ضَيْعَةً لَكِ! الْيَوْمَ قُرِنْتِ بِالمَيْسِرِ" (١). وقولُه تعالى: ﴿وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾: تقدَّمَ الكلامُ على الأَزْلَامِ في أولِ المائدةِ في قولهِ: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ [٣]، وتقدَّمَ في آلِ عِمْرانَ التفريقُ بينَ الاستِقسام بالأزلامِ وبينَ القُزعةِ عندَ قولِ اللهِ تعالى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]. نوعُ نجاسةِ الخمرِ: وقولُه: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، فيه إشارةٌ إلى أنَّ نجاسةَ الخمرِ في معناها، وهو العملُ، لا في عَيْنِها؛ ولذا قال: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، والله يُطلِقُ الرِّجْسَ على ما خَبُثَ معناهُ وعملُهُ، لا على ما نَجِسَتْ عينُهُ؛ ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، ونحوُهُ قولُهُ: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٠٠]، وقولُهُ تعالى: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾ [الأعراف: ٧١]، وقولُهُ تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ [التوبة: ٩٥]. ولم يَدُلَّ دليلٌ على تحريمِ مماسَّةِ الكافرِ والمُنافِقِ مع تسميةِ اللهِ له رِجسًا، وإنَّما أراد أفعالَهُمْ؛ ولذا يقولُ تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ

стр. 1219

مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]؛ يعني: خَبَثًا وشرًّا إلى خَبَثِهم وشرَّهم، قد بيَّنَ اللهُ أنه يُريدُ رفعَ الرِّجسِ مِن بيانِ أحكامِه، ومنها: الحجابُ، وقَرَارُ أمَّهاتِ المؤمِنينَ في بُيُوتِهنَّ، وأقامُ الصلاة، وإيتاءُ الزكاةِ؛ كما في الأحزاب؛ قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، فالرِّجسُ هنا هو خَبَتُ المعاصي ودَنَسُها، والطهارةُ هي طهارةُ الإيمانِ والطاعة، ويعضُدُ ذلك: أنَّ اللهَ قَرَنَ بالخمرِ ما لا كلامَ في عدمِ نجاسةِ عَينِه، وهي الأنصَابُ والأزلَامُ، وقد بَيَّنَ اللهُ أن الأوثانَ رِجسٌ في موضعِ آخَرَ مِن غيرِ ذِكرِ الخمر؛ كما في قولِهِ في الحجِّ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]. وقد صحَّ عن الصحابةِ ﵁: أنَّهم أراقُوا الخمرَ في مَجالِسِهِم لمَّا بلَغَهم تحريمَها؛ كما في "الصحيحَينِ"؛ مِن حديثِ أنسٍ ﵁؛ قال: "كُنْتُ قَائِمًا عَلَى الحَيِّ أسقِيهِم، عُمُومَتي وَأَنَا أَصغَرُهُم، الفَضيخَ، فَقِيلَ: حرِّمَتِ الخَمرُ، فَقَالَ: اكْفِئهَا، فَكَفَأنَا" (١). وفي لفظِ في "الصحيحَينِ"؛ قال أنسٌ: "فَجَرَت فِي سِكَكِ المَدِينَةِ" (٢). ولو كانت نَجِسَةَ عبنًا، لَمَا أراقُوها في الطُّرُقاتِ. وأيضًا: لم يأمُرِ النبيُّ ﷺ أحدًا مِن الصحابةِ بغَسلِ أوَانِيهِم منها، ولا تنظيفِ الأرضِ مِن أثرِها، كما أمَرَ بإراقةِ ذَنُوبِ الماءِ على بَوْلِ الأعرابيِّ في المسجد، وكما نضَحَ بَولَ الغُلَام، وغسَلَ بولَ الجارية، وقد ذهَبَ إلى طهارةِ عيَنِ الخمرِ ونجاسةِ عملِها شربًا وبيعًا وصنعًا: عامَّة الصحابةِ

стр. 1220

والتابِعينَ في ظاهرِ عملِهم، وهو قولُ اللَّيثِ وربيعةَ، وقال به المُزَنيُّ وغيرُه. وقد فسَّرَ ابنُ عبَّاسِ الرَّجسَ في هذه الآيةِ بالسَّخَطِ مِن الله، وفسَّرَه عبدُ الرحمنِ بن زيدٍ بالشرِّ (١). ويعضُدُ أنَّ المرادَ بالرِّجسِ النجاسةُ المعنويَّةُ: أنَّ اللهَ قرَنَ بالخمرِ مِن المحسوساتِ ما لم يَقُلْ أحدٌ من السلفِ بنجاسةِ عينِها، وهي (الأنصابُ والأزلامُ)؛ فيجوز تكسيرُ الأنصابِ والانتفاعُ بعينِها سقفًا للبيوتِ وأعنابًا لها، وجعلُها أريكةَ وسريرًا، كما يجوزُ الاستفادةُ من أقدَاحِ الأزلامِ بجعلِها أوانيَ للشُّربِ أو لِسَقي الدوابِّ والطيورِ أو غيرِ ذلك، ولو كانت نجسةٌ بعينِها، لَوَجَبَ رميُها؛ للتنجُّسِ بمسِّها. والرِّجسُ والنَّجَسُ لفظان يُطلَقانِ على النجاسةِ الحسيَّةِ والمعنوَيَّة، والسياقُ يُبيِّن الحُكْمَ؛ فأما الرِّجسُ، فتقدَّمَ، وأمَّا النجاسةُ الحسيَّةً، فمعلومةٌ مستفيضةٌ، وأمَّا المعنويَّةُ، فمنه قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]. معنى الخمرِ: والخمرُ: ما أُعِدَّ للسُّكر، وأمَّا وجودُ مادَّتِهِ ممَّا يُصنَع للشُّربِ وليس مهيَّأ له إلَّا بإضافةِ غيرِهِ إليه، فلا يُعَدُّ خمرًا يحرُمُ اقتناؤُه، وهو كاقتِناءِ العِنبِ والتَّمرِ والدُّبَّاءِ الذي لم يَتخمَّر، ومِثلُهُ الأطيابُ الكحوليَّةُ، فما كان منها غيرَ مُعَدِّ للشُّربِ على صورتِهِ الحاليَّة، فليس بخمرِ ولو وُجِدَ في تحليلِهِ كحول؛ لأنَّه في صورتِهِ غيرُ خمرٍ؛ إذ لو شَرِبَهُ أحدٌ على هيئتِهِ تلك، لمات أو مَرِضَ بسُمِّ ونحوِ ذلك، ولأنَّه لا يكونُ خمرًا يُشرَبُ إلَّا بإضافةِ غيرِهِ إليه.

стр. 1221

وما كان مِن العطورِ كحولًا يُشرَبُ في صورتِهِ التي يُباعُ عليها بلا حاجةِ لإضافةِ مادَّةٍ، وإنَّما يُسكِرُ بنفسِهِ عادةً: فيحرُمُ اقتناؤُه أصلًا ولو كان طاهِرًا في ذاتِه؛ لأنَّ اللهَ أمَرَ بالبُعْدِ عنه، فقال، ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، وأمَّا العطورُ التي تحتاجُ إلى تركيبِ وإضافةٍ مع غيرِها لتُسكِرَ، فليستْ خمرًا، ولا يحرُمُ اقتناؤُها للتعطُّرِ وغيرِ ذلك. * * * قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣]. نزَلَت هذه الآيةُ في أقوامٍ شَرِبُوا الخمرَ قبلَ نزولِ تحريمِه، وفي حُكمهم: الأقوامُ الذين شَرِبوا الحرامَ وطَعِمُوهُ ثم دخَلُوا الإسلامَ تائبينَ، فتساءَلُوا عمَّا شَرِبُوهُ وطَعِمُوهُ ونبَتَت أجسادُهُم منه، فأنزَلَ الله هذه الآيةَ؛ رفعًا للحَرَج، ودفعًا له عن نفوسِهم. روى الشَّيخان؛ من حديثِ آنسٍ؛ قال: "كُنتُ سَاقِيَ القَومِ في مَنزِلِ أبِي طَلحَةَ، وَكَانَ خَمرُهُم يؤمَئِذٍ الفَضِيخَ، فَأمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُنادِيًا يُنادِي: (أَلا إنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَت)، قَالَ: فَقَالَ لِي أبو طَلحَةَ: اخرُجْ، فَأَهْرِقْهَا، فَخَرَجتُ فَهَرَقتُهَا، فَجَرَت فِي سِكَكِ المَدِيَنَة، فَقَالَ بَعضُ القَومِ: قَد قُتِلَ قَومٌ وَهِيَ في بُطُونهِم؟ ! فأنزَل الله، ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ " (١). ويدخلُ في حُكمِهم: كلُّ مؤمنٍ فيما يَطعَمُهُ وَيشرَبُهُ مِن الحلالِ مِن بابِ أولى؛ ولذا قال النبيُّ ﷺ لابنِ مسعودٍ: (أنتَ مِنهُم) (٢).

стр. 1222

وهذه الآية نزَلَت بعدَ آيةِ تحريمِ الخمرِ السابقة، فرفَعَ الله بها الحَرَجَ الموجودَ في نفوسِ الصحابةِ ﵃. وكثيرًا ما تَنزِلُ الأحكامُ في القرآن، ثم يَرفَعُ اللهُ الحَرَجَ الذي يجدُهُ الناسُ مِن فَوَاتِ شيءٍ مِن الامتثالِ السابقِ قبلَ الحُكم، فلما أمَرَ الله بالقِبلةِ والاتِّجاهِ إلى الكعبة، وجَدَ الناسُ حَرَجًا في صلاتِهِمُ السابقةِ وصلاةِ مَنْ مات منهم إلى بيتِ المَقدِس، فأنزَلَ الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، ومِثلُهُ: لمَّا حرَّمَ اللهُ في أولِ المائدةِ المحرَّماتِ وعَدَّها في أكثرِ موضعِ لعَدَدِ المحرَّماتِ المأكولةِ في القرآن، سأَلَ الصحابةُ عن الحلالِ وظَنُّوهُ ضيِّقًا، فأنزلَ اللهُ! ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤]، ثم عَدَّ الطبِّباتِ عليهم؛ حتى لا يَستكثِرُوا الخبائثَ المحرَّمةَ، فيَغلِبَهم الشيطانُ عليها. المؤاخَدَة على الحلالِ: وظاهرُ آيةِ البابِ: أن اللهَ لا يُؤاحِذُ المؤمِنينَ فيما استمتَعُوا به مِن الشرابِ والمَطعَمِ الحلالِ ما أقامُوا الواجباتِ وأدَّوُا الفرائضَ التي عليهم، وإنَّما لم يُؤاخِذْهُمُ اللهُ؛ لأنَّه أنزَلَ الطِّيباتِ لهم ليَستمتِعوا بها وَينتفِعوا منها، ولم يَستثنِ منها إلَّا عَينًا أو وصفًا حرَّمَهُ الله، وهو قليلٌ نادرٌ؛ ولذا أطلَقَ إباحةَ الأكلِ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، وقولِهِ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٥٨] وقولِهِ: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦٠]. وإذا استمَتَع العبدُ بالطيِّباتِ مَأكَلًا ومَشرَبًا، ولم يُؤَدِّ ما عليه مِن الواجباتِ وعملِ الصالحات، وتَركِ المحرَّمات، فالأصلُ أنه مُؤاخَدٌ ومُساءَلٌ ومحاسب على مُتعتِهِ تلك، وعِلَّةُ السؤالِ والمؤاخَذةِ: أنَّ تلك المتعةَ لم تُشكَر، فمِن شُكرِها عدمُ العُدوانِ على ما حرَّمَ الله معها؛ كما

стр. 1223

قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ١٦٨] فإنَّ كمالَ الاستمتاعِ إمَّا أن يُصاحِبَهُ شُكرٌ وعملٌ صالحٌ، أو يُصاحِبَهُ كفرٌ وعملٌ فاسدٌ؛ فإنَّ لَذَّةَ الحلالِ ومُتعتَهُ تُنسِي بعضَ العبادِ ما شَرَعَ الله، وتذكِّرُ بعضَ العِبادِ شُكْرَ نعمةِ الله، ولمَّا كان أكلُ الحلالِ سببًا للبَغْيِ ونِسيانِ نعمةِ اللهِ عندَ الكافِرِينَ والظالِمِينَ آخَذَهُم اللهُ به وحاسَبَهُم عليه؛ لهذا قلَّما يذكُرُ الله في كتابِه أكلَ الطيِّباتِ إلَّا ويَقرِنُهُ بأحدِ اللازمَينِ منه: الأمرِ بالشُّكرِ والطاعة، أو التحذيرِ مِن الكُفرِ به واتِّخاذِهِ سبيلًا لمعصيتِه، والنهيُ لا لِذَاتِه؛ فإنَّه حلالٌ؛ وإنَّما لِما أدَّى إليه مِن عملِ حرامٍ، وغفلةٍ عن الطاعة، وانشغالٍ بالمعصيةِ؛ فإن الأُمَمَ الكافرةَ ما غفَلت عن اللهِ إلَّا بسببِ الاستمتاعِ بالطيِّبات، فشغَلَتهُم عن حقِّ اللهِ عليهم؛ كما قال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا ويَلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣] وقال عنهم: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات: ٤٦]. ولهذا فسَّرَ غيرُ واحدِ مِن الصحابةِ هذه الآيةَ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾: بالتقوَى واجتناب المحرَّماتِ؛ كما في ظاهرِها: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ كما جاء ذلك عن عمرَ بنِ الخطَّابِ (١). ومِن السلفِ والفُقَهاءِ: مَن ذكَرَ بعضَ أنواعِ التَّقوَى الواجِبةِ في المالِ؛ كالزكاةِ والصدقةِ والهديةِ والصِّلةِ. ومِن علامةِ اتِّخاذِ الطيِّباتِ سبيلًا إلى الحَرَامِ الأسرافُ في الاستمتاعِ بها، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]. * * *

стр. 1224

* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤)﴾ [المائدة: ٩٤]. تذكيرٌ للمُؤمنِينَ: أنَّ اللهَ يسهِّلُ الحرامَ إلى عبدِهِ ليَختبرَ إيمانَهُ، ومِن ذلك: تحريمُ الصيدِ على المُحْرِم، فإنَّ العربَ كان كثيرُ عيشِها مِن الصيد، فإنْ أحرَمَت، مُنِعَت منه، وكان الصيدُ في البلدِ الحرامِ وما حولَه يَأْمَنُ؛ لأنَّه لا يصادُ، فيراهُ الناسُ القاصدونَ إلى المسجدِ الحرامِ وفيهم جوعٌ وفاقَةٌ، واللهُ يمنَعُهُمْ مِن ذلك. ورُوِيَ عن مُقاتِلِ بنِ حَيَّانَ: أنَّ الصحابةَ لمَّا كانوا مع النبيِّ ﷺ في الحُدَيبيَة، ومنَعَتْهُ قريش مِن دخولِ مكَّةَ، وكانوا حُرُمًا قبلَ أنْ يأمُرَهُمُ اللهُ بالحِلِّ وذَبْحِ الهَدْيِ لإحصارِهم، كاد الصيدُ يأتيهِم وفيهم جوعٌ شديدٌ، فكان قُرْبُ الصيدِ منهم ابتلاءً لهم؛ ليَظهَرَ إيمانُهُمْ وامتثالُهم (١). * * * * قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَو كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾ [المائدة: ٩٥]. أنواعُ الصيدِ المحرَّمِ: جعَلَ الله الصيدَ على المُحرِمِ حرامًا، ويحرُمُ صيدُ البَرِّ عليه بجميعِ

стр. 1225

أنواعه، ويحرُمُ على قاصدِ البيتِ الحرامِ وعامِرِهِ الصيدُ، وهو على نوعَيْنِ: الأولُ: الصيدُ المتعلِّقُ بحالٍ، وهي حالُ إحرامِه؛ فما دام مُحرِمًا يحرُمُ عيه صيدُ البَرِّ حتى يَحِلَّ، مهما كان موضعُهُ مِن الأرض، قبلَ المِيقَاتِ أو دونَهُ، فمَن أحرَمَ قبلَ الميقاتِ مِن الشامِ أو مصرَ أو بيتِ المَقْدِس، حَرُمَ عليه صيدُ البَرِّ حتَّى يَحِلَّ. الثاني: الصيدُ المتعلِّقُ بمكان، وهو البلدُ الحرامُ؛ سواءٌ كان الصائدُ مُحرِمًا أو غيرَ مُحرِمٍ، وقد ثبَتَتِ السُّنَّةُ بذلك في أحاديثَ كثيرةٍ؛ منها قولُهُ ﷺ عن مكَّةَ: (لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ) (١). وإن كان مُحرِمًا، فالصيدُ في البلدِ الحرامِ أغلَظُ؛ لأنَّ التحريمَ وقَعَ مِن جهتَيْنِ: مِن جهةِ الحال، ومِن جهةِ المكانِ. تغليظُ صيدِ الحَرَمِ: وتحريمُ الصيدِ بالبلدِ الحرامِ أغلَظُ مِن تحريمِ الصيدِ على المحرِمِ في غيرِه؛ لأنَّ اللهَ حرَّمَ في البلدِ الحرامِ عَضدَ شجرِها، وتنفيرَ صيدِها، والتقاطَ لُقَطَتِها؛ وهذا تغليظٌ ليس في صيدِ المحرِم، ولا في لُقَطَتِهِ في غيرِ الحَرَم، ثم إنَّ المحرِمَ إنَّما حرَّمَ عليه الصيدُ؛ لأنَّه قاصدٌ البلدَ الحرامَ، ولو كان قاصدَا لغيرِه، لم يحرُم عليه شيءٌ؛ فدَلَّ على أنَّ أصلَ التعظيمِ متعلِّقٌ بالبلدِ الحرامِ. وقولُه تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، يحرُمُ على المحرِمِ الصيدُ ولو لم يُرِدْ أَكلَهُ كمَن يَصِيدُهُ لغيرِه، ويحرُمُ أكلُ المُحرِمِ منه ولو كان

стр. 1226

الصائدُ حلالًا إن صِيدَ للمحرِمِ؛ فإنَّ عِلةَ التحريمِ تتحقَّقُ في ذلك كلِّه. صيدُ الحَلَالِ: ويخرُجُ مِن هذا: مَن صادَ صيدًا وهو حلالٌ، ثم أحرَمَ فأكَلَ صيدَهُ السابقَ في حالِ إحرامِه، فلا حرَجَ عليه، وأَولى منه: مَن أكَلَ صيدًا لم يُصَدْ له وهو مُحرِمٌ وصادَهُ رجلٌ حلالٌ، فيجوزُ له أكلُهُ. وقولُه تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾، وتأكيدُهُ على وصفِ القتلِ بعدَ ذلك: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾، وقولُه: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، فسمَّاهُ قتلًا لا صيدًا؛ لأنَّه يأخذ حُكْمَ المقتولِ غيرِ المأكول، فكأنَّما قتَلَ محرَّمَا عليه كذِي نَابٍ وذي مِخْلَبٍ، والعربُ تسمِّي الوحشيَّ المأكولَ: صيدًا، وغيرَ المأكولِ: مقتولًا، كما في حديثِ الفواسقِ الخمسِ ويأتي؛ ولهذه الآيةِ استَدَلَّ أحمدُ على أنَّ كلَّ ما ذبحَهُ المحرِمُ من الصيد، فهو مَيْتةٌ، وشدَّد أحمدُ من حُرْمةِ صيد المحرِمِ؛ وأنَّ مَن اضطُرَّ إلى الصيدِ أو المَيْتة، فإنه يأكُلُ المَيتةَ؛ لأنَّ الله رخَّص بها، ولم يرخِّصْ بصَيدِ المحرِمِ للضرورة. وفي قولِه: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ دَليلٌ على تحريم تناوُلِ الصيدِ باليدِ ولو بغيرِ آلةٍ؛ كسَهْمٍ ورُمْحِ وحَصَاةٍ ورصاصةٍ، فالعِبْرةُ بقتلِه، ولو ذُبِحَ بسكينٍ فحُكمُهُ كحُكْمِ المَيْتَةِ؛ ولذا قال تعالى فيما سبَقَ: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، فما أسَكَت به اليدُ مِن الطيور، ولو كان في حَجْرِ المحرِمِ أو ممَّا جاء طوعًا، فأمسَكَ به، فهو صيدٌ محرَّمٌ. صيدٌ غيرِ المأكول: ولا يُسمَّى غيرُ المأكولِ صيدًا في كلامِ العربِ؛ فمَن قتَلَ غزالًا أو

стр. 1227

ظَبْيًا أو أرنَبًا، يُقال: صادَهُ، ومَن قتَلَ عَقرَبًا أو حَيَّةً أو كلبًا، يُقالُ: قتَلَهُ، ولا يُقالُ: صادَهُ؛ لأنَّه لا يُؤكَلُ؛ ولهذا قال ﷺ : (خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى المُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ) (١)، فقال: قَتْلِهِنَّ أو يُقْتَلْنَ، ولم يَقُلْ: صَيْدُهُنَّ أو يُصَدْنَ. ويُقاسُ عليهنَّ: ما أخَذَ حُكمَهُنَّ ممَّا يَضُرُّ الإنسانَ، فمَن قتَلَ حيَّةً أو زُنْبُورًا أو ذُبَابةً أو بَعُوضَةً أو حَشَرةً مِن دوابِّ الأرضِ تُؤذِيه، فليستْ صيدًا، ولا شيءَ عليه فيها، ومِثلُ ذلك لو قتلَها مِن غيرِ أذيَّةٍ فلا كفَّارةَ فيها، وإنَّما رُخِّصَ في الضارِّ أن يُقْتَلَ، وغيرِ الضارِّ أن يُتْرَكَ؛ لأنَّ قتلَهُ بلا سببٍ مكروهٌ. وقاس أحمدُ ومالكٌ على الكلبِ: كلَّ سَبُعٍ يُؤذِي ويُخشَى منه، وخَصَّ أبو حنيفةَ الذئبَ؛ لأنَّه كلبٌ بَرِّيٌّ، ولم يَستثنِ غيرَه. ولم يجعَلِ الشافعيُّ في قتلِ غيرِ مأكولِ اللحمِ للمحرِمِ شيئًا، ونسَبَ بعضُ الشافعيَّةِ إلى الشافعيِّ: جوازَ قتلِ كلِّ غيرِ مأكولِ اللحم، وفي إطلاقِ هذا القولِ عنه نظرٌ؛ وإطلاقُهُ بتحريمِ قتلِ الصيدِ المأكولِ لا يعني جوازَ قتلِ غيرِ المأكولِ بإطلاقٍ. كفَّارةُ الصيدِ للمحرِمِ: وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ قَضى الصحابةُ والتابعونَ بأنَّه يُحكَمُ على المتعمِّدِ والمخطِئ، ولا فرقَ بينَهما، إلَّا أنَّ المتعمِّدَ يأْثَمُ، والمُخطِئَ لا يأْثَمُ، وبهذا قال عمرُ وابنُ عبَّاسٍ ومجاهِدٌ وعطاءٌ وابنُ جُبيرٍ والنخَعيُّ؛ وهو قولُ عامَّةِ العلماءِ؛ لأنَّ السُّنَّةَ قضَت بذلك على العامدِ

стр. 1228

والناسي سواءً، فإنَّ مَن صِيدَ له الصيدُ وهو لا يَعلَمُ به ولو كان الصائدُ حلالًا، حرُمَ عليه؛ فإنَّ تحريمَهُ على المحرِمِ نفسِهِ بغيرِ قصدِ للصيدِ منه مِن بابِ أَولى، قال الزُّهْريُّ: "دَلَّ الكتابُ على العامِد، وجَرَتِ السُّنَّةُ على الناسي" (١). ومُرادُ الزُّهْريّ بالسُّنَّةِ: ما ورَدَ في الأثرِ مِن قولِ الصحابةِ؛ كعمرَ وابنِ عبَّاسِ وجماعةٍ مِن التابعينَ على ما تقدَّمَ. وخصَّه طاوُسٌ بالمتعمِّدِ؛ لظاهِرِ الآية، وهو روايةٌ لأحمدَ، وإنَّما ذكَرَ التعمُّدَ؛ لاعتبارِ الغالبِ؛ فالصيدُ لا يُقصَدُ عن نسيانٍ؛ لأنَّه تتبُّعٌ وقصدٌ ومشقَّةٌ لا يقعُ سهوًا ونسيانًا، والأحكامُ تُذكَرُ على غالبِ حالِها؛ ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فالغالبُ في الرَّبِيبَةِ: أنَّها تكونُ في الحَجْرِ مع أمِّها. وجعَلَ مجاهِدٌ التعمُّدَ في الآيةِ هو تعمُّدَ الصيدِ مع نسيانِ الإحرام، وأمَّا مَن كان ذاكِرًا لإحرامِه، فإحرامُهُ باطلٌ، واختلَفَ لفظُ المَرْوِيِّ عنه؛ فتارَةً يقولُ: "ولا حَجَّ له"؛ كما رواهُ ليثٌ عنه (٢)، وفي روايةٍ قال: "فقد حَلَّ"؛ كما رواهُ ابنُ أبي نَجِيحٍ (٣)، ولم يُوافَقْ على قولِهِ بإبطالِ النُّسُكِ. وقد حمَلَ الشافعيُّ قولَهُ على معنًى آخَرَ، فقال في "الأُمِّ": "أَحْسَبُهُ يذهبُ إلى: أحَلَّ عقوبةَ الله، قيل له: أفتراهُ يُريدُ أحلَّ مِن إحرامِهِ؟ قال: ما أراهُ، ولو أرادَهُ، كان مذهبُ مَن أَحْفَظُ عنه خلافَهُ، ولم يَلزَمْ بقوله حُجَّةٌ" (٤). وأيضًا: لو كان الإحرامُ يَبطُلُ بالصيدِ، لكان بيانُهُ في الآيةِ أَولى مِن بيانِ حُكْمِ الكفَّارة، ولمَّا لم يكنِ البطلانُ مقصودًا، لم يُذكَرُ، وذُكِرَ ما دونَهُ؛ وهو الكفَّارةُ.

стр. 1229

وقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، والمرادُ بالمِثْليَّةِ في الآيةِ: الشَّبِيهُ في صِفَتِهِ وحالِه، فأقرَبُ الحيوانِ إلى الصيدِ يُقضَى به على الصائدِ؛ وبهذا يقولُ عامَّةُ السلف، وهو قولُ الجمهورِ؛ خلافًا لأبي حنيفةَ؛ إذ ساوَى بينَ الجزاءِ بالمِثْلِ وبينَ الإطعامِ والصيامِ في كلِّ حيوانٍ، له مثيلٌ أو ليس له مثيلٌ. ويختلِفُ الأمرُ بحسَبِ نظرِ الناسِ في الحيوانِ وجَمْعِ الحيوانِ للصِّفاتِ المتشابِهةِ مع غيرِه؛ ولهذا تنوَّعَ كلامُ الصحابةِ والتابعينَ في تقديرِ مشابهةِ بعضِ الحيوانِ لبعضٍ. التحكيمُ في كفَّارةِ الصيدِ: وقولُه تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ اشترَطَ اللهُ أهلَ العَدْلِ؛ وفي ذلك مَعَانٍ: الأولُ: أنَّ الحاكِمَ لا ينفرِد بالحُكمِ بحالٍ، واختُلِفَ في أنْ يكونَ المحكومُ عليه أحدَ العَدْلَينِ: فمنهم: مَن منَعَ حتى لا يَحكُمَ الصائدُ لنفسِه؛ حتى لا يُحابيَها فيُقصِّرَ في حقِّ اللهِ عليه؛ وبهذا يقولُ مالكٌ. ومنهم: مَنْ أجازَ، وهو قولُ الشافعيِّ وأحمدَ! فأجازَا كونَ القاتلِ أحدَ الحَكَمَيْنِ؛ لأنَّ الثَّانيَ يَدفَع التُّهَمةَ به، وعدمَ إنصافِهِ مِن نفسِه، وجاء عن عمرَ وابنِهِ ابنِ عمرَ أنَّهما حَكَّمَا الصائدَ معه في مِثْلِيَّةِ ما صادَ، ولم يُخالِفْهما أحدٌ مِن الخُلَفاءِ وعامَّةً فُقَهاءِ الصحابةِ. الثاني: اشتراطُ العَدَدِ؛ فلا يَنفَرِدُ الواحدُ بالحُكمِ إلَّا عندَ العجزِ عن الآخَرِ. الثالثْ أنه لا يَقضِي الفاسقُ الذي لا يُؤتمَنُ على مالٍ ولا على قولٍ؛ لأنَّه ليس بعَدْلٍ، فربَّما لم يتورَّعْ عن ظلمٍ وإجحافٍ في تقديرِه.

стр. 1230

الرابعُ: أَنَّه لا يَقضِي إلَّا عارفٌ بالحيوان وأشباهِهِ وصِفاتِه، ومَن لم يَعرِفْ أحوالَ الحيوانِ وأنواعَهُ، لم يَجُزْ له الحُكْمُ؛ حتى لا يَقضِيَ بجهلٍ؛ فإنَّ العِلْمَ أعظَمُ أصولِ العَدْل، والجَهْلَ أعظَمُ أصولِ الظُّلمِ. الخامسُ: اشتراطُ الإسلامِ في المُسلمينِ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ يعني: مِن المُسلِمينَ؛ كما قال تعالى، ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ﴾، والخِطابُ للمُؤمنينَ في الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. حكمُ الصحابةِ في صيدِ المحرِمِ: وقضاءُ الصحابةِ ليس توقيفيًا؛ لاختلافِ الأحوالِ وتغيُّرها، ولكنَّ حُكمَهُمْ أقرَبُ إلى الحقِّ والصوابِ؛ ولذا جعَلَ أحمدُ والشافعيُّ حُكمَهم مقدَّمًا على غيرِهم؛ فما حَكَمُوا فيه يُحكَمُ فيه، وما لم يحكُمُوا فيه فيحكُمُ به ذوَا عَدْلٍ. وقال مالك وأبو حنيفةَ: إنَّ الحُكمَ ثابتٌ في كلِّ قضيةٍ ولو قَضَى فيها الصحابةُ، امتثالًا، لظاهِرِ الأمر، والمقطوعُ به: أنَّ قضاءَ الصحابةِ وحُكْمَهُمْ ليس وحيًا، ولا يقالُ فيمَن خالَفَهُ: خالَفَ القرآنَ والسُّنَّةَ، ما لم يُجمِعُوا؛ ولهذا اختلَفُوا في تقديرِ بعضِ الصيدِ بينَهم. قال تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ إخراجُ فِدْيةِ الصيدِ مِن الهَدْيِ إلى البلدِ الحرام، ويجبُ ذبحُه فيها، وتوزيعُهُ على أهلِها؛ لظاهِرِ الآيةِ. قال تعالى: ﴿أَو كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ يعني: مَنْ لم يَجِدْ مثيلًا للصيدِ ولا قريبًا منه، فيُطعِمُ مساكينَ بقيمتِهِ؛ وبهذا قَضَى عمرُ وعثمانُ وعليٌّ وابنُ عبَّاسٍ وزيدٌ. وجعَلَ مالكٌ والشافعيُّ لكلِّ مسكينٍ مُدًّا. وذهَبَ أحمدُ: إلى أنَّ الحِنطَةَ تختلِفُ عن غيرِها؛ فمنها مُدٌّ للمسكين، ومِن غيرِها مُدَّانِ.
следующие страницы →