الصائدُ حلالًا إن صِيدَ للمحرِمِ؛ فإنَّ عِلةَ التحريمِ تتحقَّقُ في ذلك كلِّه.
صيدُ الحَلَالِ:
ويخرُجُ مِن هذا: مَن صادَ صيدًا وهو حلالٌ، ثم أحرَمَ فأكَلَ صيدَهُ السابقَ في حالِ إحرامِه، فلا حرَجَ عليه، وأَولى منه: مَن أكَلَ صيدًا لم يُصَدْ له وهو مُحرِمٌ وصادَهُ رجلٌ حلالٌ، فيجوزُ له أكلُهُ.
وقولُه تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾، وتأكيدُهُ على وصفِ القتلِ بعدَ ذلك: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾، وقولُه: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، فسمَّاهُ قتلًا لا صيدًا؛ لأنَّه يأخذ حُكْمَ المقتولِ غيرِ المأكول، فكأنَّما قتَلَ محرَّمَا عليه كذِي نَابٍ وذي مِخْلَبٍ، والعربُ تسمِّي الوحشيَّ المأكولَ: صيدًا، وغيرَ المأكولِ: مقتولًا، كما في حديثِ الفواسقِ الخمسِ ويأتي؛ ولهذه الآيةِ استَدَلَّ أحمدُ على أنَّ كلَّ ما ذبحَهُ المحرِمُ من الصيد، فهو مَيْتةٌ، وشدَّد أحمدُ من حُرْمةِ صيد المحرِمِ؛ وأنَّ مَن اضطُرَّ إلى الصيدِ أو المَيْتة، فإنه يأكُلُ المَيتةَ؛ لأنَّ الله رخَّص بها، ولم يرخِّصْ بصَيدِ المحرِمِ للضرورة.
وفي قولِه: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ دَليلٌ على تحريم تناوُلِ الصيدِ باليدِ ولو بغيرِ آلةٍ؛ كسَهْمٍ ورُمْحِ وحَصَاةٍ ورصاصةٍ، فالعِبْرةُ بقتلِه، ولو ذُبِحَ بسكينٍ فحُكمُهُ كحُكْمِ المَيْتَةِ؛ ولذا قال تعالى فيما سبَقَ: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، فما أسَكَت به اليدُ مِن الطيور، ولو كان في حَجْرِ المحرِمِ أو ممَّا جاء طوعًا، فأمسَكَ به، فهو صيدٌ محرَّمٌ.
صيدٌ غيرِ المأكول:
ولا يُسمَّى غيرُ المأكولِ صيدًا في كلامِ العربِ؛ فمَن قتَلَ غزالًا أو
стр. 1227
ظَبْيًا أو أرنَبًا، يُقال: صادَهُ، ومَن قتَلَ عَقرَبًا أو حَيَّةً أو كلبًا، يُقالُ: قتَلَهُ، ولا يُقالُ: صادَهُ؛ لأنَّه لا يُؤكَلُ؛ ولهذا قال ﷺ : (خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى المُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ) (١)، فقال: قَتْلِهِنَّ أو يُقْتَلْنَ، ولم يَقُلْ: صَيْدُهُنَّ أو يُصَدْنَ.
ويُقاسُ عليهنَّ: ما أخَذَ حُكمَهُنَّ ممَّا يَضُرُّ الإنسانَ، فمَن قتَلَ حيَّةً أو زُنْبُورًا أو ذُبَابةً أو بَعُوضَةً أو حَشَرةً مِن دوابِّ الأرضِ تُؤذِيه، فليستْ صيدًا، ولا شيءَ عليه فيها، ومِثلُ ذلك لو قتلَها مِن غيرِ أذيَّةٍ فلا كفَّارةَ فيها، وإنَّما رُخِّصَ في الضارِّ أن يُقْتَلَ، وغيرِ الضارِّ أن يُتْرَكَ؛ لأنَّ قتلَهُ بلا سببٍ مكروهٌ.
وقاس أحمدُ ومالكٌ على الكلبِ: كلَّ سَبُعٍ يُؤذِي ويُخشَى منه، وخَصَّ أبو حنيفةَ الذئبَ؛ لأنَّه كلبٌ بَرِّيٌّ، ولم يَستثنِ غيرَه.
ولم يجعَلِ الشافعيُّ في قتلِ غيرِ مأكولِ اللحمِ للمحرِمِ شيئًا، ونسَبَ بعضُ الشافعيَّةِ إلى الشافعيِّ: جوازَ قتلِ كلِّ غيرِ مأكولِ اللحم، وفي إطلاقِ هذا القولِ عنه نظرٌ؛ وإطلاقُهُ بتحريمِ قتلِ الصيدِ المأكولِ لا يعني جوازَ قتلِ غيرِ المأكولِ بإطلاقٍ.
كفَّارةُ الصيدِ للمحرِمِ:
وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ قَضى الصحابةُ والتابعونَ بأنَّه يُحكَمُ على المتعمِّدِ والمخطِئ، ولا فرقَ بينَهما، إلَّا أنَّ المتعمِّدَ يأْثَمُ، والمُخطِئَ لا يأْثَمُ، وبهذا قال عمرُ وابنُ عبَّاسٍ ومجاهِدٌ وعطاءٌ وابنُ جُبيرٍ والنخَعيُّ؛ وهو قولُ عامَّةِ العلماءِ؛ لأنَّ السُّنَّةَ قضَت بذلك على العامدِ
стр. 1228
والناسي سواءً، فإنَّ مَن صِيدَ له الصيدُ وهو لا يَعلَمُ به ولو كان الصائدُ حلالًا، حرُمَ عليه؛ فإنَّ تحريمَهُ على المحرِمِ نفسِهِ بغيرِ قصدِ للصيدِ منه مِن بابِ أَولى، قال الزُّهْريُّ: "دَلَّ الكتابُ على العامِد، وجَرَتِ السُّنَّةُ على الناسي" (١).
ومُرادُ الزُّهْريّ بالسُّنَّةِ: ما ورَدَ في الأثرِ مِن قولِ الصحابةِ؛ كعمرَ وابنِ عبَّاسِ وجماعةٍ مِن التابعينَ على ما تقدَّمَ.
وخصَّه طاوُسٌ بالمتعمِّدِ؛ لظاهِرِ الآية، وهو روايةٌ لأحمدَ، وإنَّما ذكَرَ التعمُّدَ؛ لاعتبارِ الغالبِ؛ فالصيدُ لا يُقصَدُ عن نسيانٍ؛ لأنَّه تتبُّعٌ وقصدٌ ومشقَّةٌ لا يقعُ سهوًا ونسيانًا، والأحكامُ تُذكَرُ على غالبِ حالِها؛ ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فالغالبُ في الرَّبِيبَةِ: أنَّها تكونُ في الحَجْرِ مع أمِّها.
وجعَلَ مجاهِدٌ التعمُّدَ في الآيةِ هو تعمُّدَ الصيدِ مع نسيانِ الإحرام، وأمَّا مَن كان ذاكِرًا لإحرامِه، فإحرامُهُ باطلٌ، واختلَفَ لفظُ المَرْوِيِّ عنه؛ فتارَةً يقولُ: "ولا حَجَّ له"؛ كما رواهُ ليثٌ عنه (٢)، وفي روايةٍ قال: "فقد حَلَّ"؛ كما رواهُ ابنُ أبي نَجِيحٍ (٣)، ولم يُوافَقْ على قولِهِ بإبطالِ النُّسُكِ.
وقد حمَلَ الشافعيُّ قولَهُ على معنًى آخَرَ، فقال في "الأُمِّ": "أَحْسَبُهُ يذهبُ إلى: أحَلَّ عقوبةَ الله، قيل له: أفتراهُ يُريدُ أحلَّ مِن إحرامِهِ؟ قال: ما أراهُ، ولو أرادَهُ، كان مذهبُ مَن أَحْفَظُ عنه خلافَهُ، ولم يَلزَمْ بقوله حُجَّةٌ" (٤).
وأيضًا: لو كان الإحرامُ يَبطُلُ بالصيدِ، لكان بيانُهُ في الآيةِ أَولى مِن بيانِ حُكْمِ الكفَّارة، ولمَّا لم يكنِ البطلانُ مقصودًا، لم يُذكَرُ، وذُكِرَ ما دونَهُ؛ وهو الكفَّارةُ.
стр. 1229
وقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، والمرادُ بالمِثْليَّةِ في الآيةِ: الشَّبِيهُ في صِفَتِهِ وحالِه، فأقرَبُ الحيوانِ إلى الصيدِ يُقضَى به على الصائدِ؛ وبهذا يقولُ عامَّةُ السلف، وهو قولُ الجمهورِ؛ خلافًا لأبي حنيفةَ؛ إذ ساوَى بينَ الجزاءِ بالمِثْلِ وبينَ الإطعامِ والصيامِ في كلِّ حيوانٍ، له مثيلٌ أو ليس له مثيلٌ.
ويختلِفُ الأمرُ بحسَبِ نظرِ الناسِ في الحيوانِ وجَمْعِ الحيوانِ للصِّفاتِ المتشابِهةِ مع غيرِه؛ ولهذا تنوَّعَ كلامُ الصحابةِ والتابعينَ في تقديرِ مشابهةِ بعضِ الحيوانِ لبعضٍ.
التحكيمُ في كفَّارةِ الصيدِ:
وقولُه تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ اشترَطَ اللهُ أهلَ العَدْلِ؛ وفي ذلك مَعَانٍ:
الأولُ: أنَّ الحاكِمَ لا ينفرِد بالحُكمِ بحالٍ، واختُلِفَ في أنْ يكونَ المحكومُ عليه أحدَ العَدْلَينِ:
فمنهم: مَن منَعَ حتى لا يَحكُمَ الصائدُ لنفسِه؛ حتى لا يُحابيَها فيُقصِّرَ في حقِّ اللهِ عليه؛ وبهذا يقولُ مالكٌ.
ومنهم: مَنْ أجازَ، وهو قولُ الشافعيِّ وأحمدَ! فأجازَا كونَ القاتلِ أحدَ الحَكَمَيْنِ؛ لأنَّ الثَّانيَ يَدفَع التُّهَمةَ به، وعدمَ إنصافِهِ مِن نفسِه، وجاء عن عمرَ وابنِهِ ابنِ عمرَ أنَّهما حَكَّمَا الصائدَ معه في مِثْلِيَّةِ ما صادَ، ولم يُخالِفْهما أحدٌ مِن الخُلَفاءِ وعامَّةً فُقَهاءِ الصحابةِ.
الثاني: اشتراطُ العَدَدِ؛ فلا يَنفَرِدُ الواحدُ بالحُكمِ إلَّا عندَ العجزِ عن الآخَرِ.
الثالثْ أنه لا يَقضِي الفاسقُ الذي لا يُؤتمَنُ على مالٍ ولا على قولٍ؛ لأنَّه ليس بعَدْلٍ، فربَّما لم يتورَّعْ عن ظلمٍ وإجحافٍ في تقديرِه.
стр. 1230
الرابعُ: أَنَّه لا يَقضِي إلَّا عارفٌ بالحيوان وأشباهِهِ وصِفاتِه، ومَن لم يَعرِفْ أحوالَ الحيوانِ وأنواعَهُ، لم يَجُزْ له الحُكْمُ؛ حتى لا يَقضِيَ بجهلٍ؛ فإنَّ العِلْمَ أعظَمُ أصولِ العَدْل، والجَهْلَ أعظَمُ أصولِ الظُّلمِ.
الخامسُ: اشتراطُ الإسلامِ في المُسلمينِ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ يعني: مِن المُسلِمينَ؛ كما قال تعالى، ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ﴾، والخِطابُ للمُؤمنينَ في الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.
حكمُ الصحابةِ في صيدِ المحرِمِ:
وقضاءُ الصحابةِ ليس توقيفيًا؛ لاختلافِ الأحوالِ وتغيُّرها، ولكنَّ حُكمَهُمْ أقرَبُ إلى الحقِّ والصوابِ؛ ولذا جعَلَ أحمدُ والشافعيُّ حُكمَهم مقدَّمًا على غيرِهم؛ فما حَكَمُوا فيه يُحكَمُ فيه، وما لم يحكُمُوا فيه فيحكُمُ به ذوَا عَدْلٍ.
وقال مالك وأبو حنيفةَ: إنَّ الحُكمَ ثابتٌ في كلِّ قضيةٍ ولو قَضَى فيها الصحابةُ، امتثالًا، لظاهِرِ الأمر، والمقطوعُ به: أنَّ قضاءَ الصحابةِ وحُكْمَهُمْ ليس وحيًا، ولا يقالُ فيمَن خالَفَهُ: خالَفَ القرآنَ والسُّنَّةَ، ما لم يُجمِعُوا؛ ولهذا اختلَفُوا في تقديرِ بعضِ الصيدِ بينَهم.
قال تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ إخراجُ فِدْيةِ الصيدِ مِن الهَدْيِ إلى البلدِ الحرام، ويجبُ ذبحُه فيها، وتوزيعُهُ على أهلِها؛ لظاهِرِ الآيةِ.
قال تعالى: ﴿أَو كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ يعني: مَنْ لم يَجِدْ مثيلًا للصيدِ ولا قريبًا منه، فيُطعِمُ مساكينَ بقيمتِهِ؛ وبهذا قَضَى عمرُ وعثمانُ وعليٌّ وابنُ عبَّاسٍ وزيدٌ.
وجعَلَ مالكٌ والشافعيُّ لكلِّ مسكينٍ مُدًّا.
وذهَبَ أحمدُ: إلى أنَّ الحِنطَةَ تختلِفُ عن غيرِها؛ فمنها مُدٌّ للمسكين، ومِن غيرِها مُدَّانِ.
стр. 1231
وذهَبَ أهلُ الرأيِ إلى أنَّ لكلِّ مسكينٍ مُدَّيْنِ.
التخييرُ في كفَّارة الصيدِ:
واختلَفوا في التخييرِ والترتيبِ بينَ المِثْليَّةِ: ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ وبينَ الإطعامِ والصِّيَامِ: هل الثلاثةُ كلُّها على التخييرِ؛ لأنَّ اللهَ خيَّرَ بينَها بقولِ: (أَو)؟ وقد اختلفَ العلماءُ في ذلك على أقوالٍ:
ذهب جمهورُ العلماءِ: إلى أنَّ التخييرَ في الجميع، وهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ، وأحدُ قولَيِ الشافعيِّ وأحمدَ.
وذهَبَ بعضُ الفقهاءِ: إلى أنَّها على الترتيبِ! فيجبُ أولًا مِثلُ الصيد، ثَمَّ يُخيَّرُ بينَ الإطعامِ أو عَدْلِ ذلك صيامًا؛ وجاء هذا عن ابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ وعطاءٍ، وفي روايةٍ أُخرى عى هؤلاء الثلاثةِ: أَنَّها على التخييرِ.
قيمة الإطعامِ ومحلُّهُ من كفَّارةِ الصيدِ:
واختلَفُوا في قيمةِ الإطعامِ: هل تكونُ على قيمةِ الصيد، أو على قِيمةِ مِثلِهِ لو كان له مِثلٌ؟ على قولَيْنِ:
والجمهورُ: على أنَّ المقوَّمَ هو الصيدُ.
والشافعيُّ: يَرى أنَّ المقوَّمَ هو مَثِيلُهُ مِن النَّعَمِ لو كان موجودًا.
والأظهَرُ: أنَّ القيمةَ تكونُ للنَّعَم، لا للصيدِ؛ لأنَّ تقييمَ الصيدِ شاقٌّ، وعالبُهُ لا قيمةَ له؛ لأنَّ الناسَ لا يتبايَعُونَهُ عادةً، وفي هذا حرَجٌ على الناسِ في معرفةِ القيمة، وخاصَّةً في الأزمنةِ المتأخِّرةِ؛ فإنَّ قيمةَ الصيدِ أضعافُ قيمةِ مِثْلِهِ مِن الأنعامِ؛ لنُدْرةِ الصيدِ وكثرةِ بهيمةِ الأنعامِ.
واختلَفوا في محلِّ الإطعامِ والصيامِ: هل يأخُدُ حُكمَ مثلِ الصيدِ مِن
стр. 1232
النَّعَمِ؛ فيقسَّمُ في مكَّةَ على فقراءِ الحَرَمِ وذوي الحاجةِ منها، أم يُتصدَّقُ به في أيِّ موضعٍ؟ :
قال بالأولِ: عطاءٌ وطاوسٌ والشافعيُّ ومالكٌ في قولٍ.
وبالثاني: النخَعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ قولًا ثالثًا؛ وهو أنَّ الإطعامَ يكونُ بمحلِّ الإصابة، وهذا قولٌ لمالكٍ آخَرُ.
والأظهَرُ التيسيرُ؛ لأنَّ اللهَ خَصَّ المكانَ في الهَدْيِ، ولو كان الإطعامُ يجبُ كالهَدْي، لَتَأخَّرَ بيانُ المكانِ إلى ما بعدَ الإطعام، ولو قيل: إنَّ الإطعامَ يكونُ كالهَدْي، لَلَزِمَ أنْ يكونَ ذلك في الصيام؛ لأنَّها كلَّها كفَّاراتٌ، فيجبُ الصومُ في الحَرَم، وفي هذا حَرَجٌ شديدٌ.
وأمَّا قولُهُ: ﴿عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، فيعني: ما يُعادِلُ ذلك المقدارَ مِن الطعام، وقد قدَّرَهُ جماعةٌ مِن الصحابةِ بأنَّ كلَّ نِصْفِ صاعٍ يُعادِلُ صيامَ يومٍ؛ صحَّ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قد جعَلَ الكفَّارةَ على كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ: أنْ يُطعِمَ ستةَ مساكينَ؛ لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ، أو أنْ يصومَ ثلاثةَ أيامٍ؛ والحديثُ في "الصحيحَيْنِ" (١).
ولا زمانَ محدودًا للصيامِ؛ فيصومُ حيثُ شاء ومتى شاء؛ في طريقِه، أو في مكةَ، أو في بلدِه إذا رجَعَ إليها، ولذا قال عطاءٌ: "الصِّيَامُ حيثُ شاء" (٢).
وقولُه تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾؛ يعني: عقوبتَهُ؛ فوَبَالُ الشيءِ: بلاؤُه وعقوبتُهُ ونقمتُهُ على صاحِبه.
стр. 1233
فالكفَّارةُ المذكورةُ على الصيدِ تَغفِرُ ذنبَهُ الذي فعَلَ، فإنَّما هي لمحوِ سيِّئاتِه، وليستْ عملًا صالحًا مجرَّدًا يُكتَبُ له في صحيفةِ حسناتِه، إلَّا أنْ يشاءَ اللهُ.
تكرارُ المحرِمِ للصيد:
وقولُه تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾:
العَوْدُ للذنبِ مرَّةً ثانيةً أعظَمُ مِن المرَّةِ الأولى، كما أنَّ الرِّدَّةَ أغلَظُ في تَكرارِها مِن الكَفْرِ أولَ مَرَّةٍ؛ لأنَّ التَّكرارَ يَقترِنُ به الإصرارُ والاستهانةُ، بخلافِ فِعْلِ المعصيةِ مرةً.
ومِن المَعاني المرادةِ بالآيةِ: أنَّ مَن كرَّرَ السيِّئةَ عن عِلْمٍ مستسهِلًا الكفَّارةَ كحالِ الأغنياءِ الذين لا يَجِدُونَ ضِيقًا مِن الكفَّارات، فهؤلاء يُضاعَفُ عليهم العقوبةُ، فمع الكفَّارةِ مرة أُخرى وعيدٌ يَلحَقُهُمْ في الدُّنيا والآخِرةِ؛ للمُكابَرةِ والعِنادِ.
ومِن السلفِ مَن قال: إنَّ مَن كرَّرَ الصيدَ متعمِّدًا مرَّةً أُخرى، فلا يُحكَمُ عليه؛ لعِنَادِه، ويُترَكُ لانتقامِ اللهِ منه؛ رواهُ عِكرِمةُ وعليٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ (١)، وبه قال مجاهدٌ والشعبيُّ وشُرَيحٌ (٢).
وأكثرُ السلفِ: على أنَّ الكفَّارةَ تجبُ عليه كلَّ مرةٍ، فيُحكَمُ عليه في كلِّ صيدٍ؛ وبه يقولُ عطاءٌ وسعيدُ بن جُبَيْرٍ (٣).
* * *
стр. 1234
* قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)﴾ [المائدة: ٩٦].
في هذا توسعةٌ للمحرِمِ في حِلِّ صيدِ البحرِ له، ولم يُستثنَ منه شيءٌ إلَّا ما استثنى اللهُ أصلَ حِلِّهِ ممَّا يُستخبَثُ منه، فما جاز أكلُهُ مِن صيدِ البحرِ للحلال، فهو جائزٌ للمحرِمِ على السَّوَاء، وما كُرِهَ أو اختُلِفَ فيه على الحلال، فهو مكروهٌ أو مختلَفٌ يه على المحرمِ سواءً؛ ولذا قال تعالى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾، فيَحِلُّ للمحرِمِ ما يَحِلُّ للمسافِرِ المستمتِعِ بصيدِ البحرِ، والسَّيَّارة هم أهلُ الأمصارِ وأجناسُ الناسِ كلِّهم؛ كما قالهُ مجاهدٌ وغيرُه (١).
واختُلِفَ في بعضِ الحَيَوانِ: هل هو مِن صَيْدِ البَرِّ أو البحرِ؛ كالجَرَادِ وغيرِه؟ وطعامُ البحرِ: ما رماهُ مِن حيوانِه، فوُجِدَ ميِّتًا.
تحريمُ صيدِ الحلالِ للمحرِمِ ولغيرِهِ:
وقولُه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، فيه دليلٌ على تحريمِ الصيدِ بذاتِه، ولو كان الصائدُ غيرَ المحرِمِ ما دام صِيدَ لأجْلِه، ومَن صادَهُ أو طلَبَ أن يُصادَ له ولو كان الصائدُ حلالًا، فالكفَّارةُ على المحرِم، وإنْ عادَهُ غيُرهُ له وهو لم يَعلَمْ، فلا كفَّارةَ عليه، إلَّا أنه يحرُمُ عليه أكلُهُ، ومَن أكَلَهُ، أَثِمَ بأكلِه ولا زيادةَ على كفَّارتِهِ السابقةِ؛ وعلى هذا عامَّةُ السلفِ وأكثرُ الفُقهاءِ.
стр. 1235
خلافًا لعطاءٍ! فقد جعَلَ على الأكلِ كفَّارةَ أخرى خاصَّةَ به، وفي ذلك نطرٌ؛ لمخالفتِهِ لظاهِرِ الآية، والشريعةُ علَّقَتِ الحُكمَ بالصيدِ عامِدًا وجاهِلًا، ولو كان الحُكمُ ينجرُّ على الآكِلِ كذلك، لَلَزِمَ أنَّ الكفَّارةَ تَلحَقُ الآكلَ الناسيَ مِن طعامٍ وحَدَهُ لا يَعلَمُ ما هو؛ وهذا يُخالِفُ الأصولَ.
وإذا صِيدَ الطعامُ مِن حلالٍ ولغيرِ المحرِم، فيجوزُ للمحرِمِ الأكلُ منه؛ لحديثِ أبي قتادةَ في "الصحيحَيْنِ"، لمَّا صادَ حمارَ وحشٍ وهو حلالٌ والنبيُّ ﷺ وأصحابُهُ حُرُمٌ، فأكَلُوا منه (١)؛ وبهذا أفتى عمرُ وأبو هريرةَ.
وأمَّا صيدُ الحلالِ للمحرِم، فيحرُمُ كما لو صادَهُ المحرِمُ لنفسِهِ أو طلَبَ صَيْدَهُ له! وذلك لما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ الصَّعْب بْنِ جَثَّامَةَ؛ أنه أَهْدَى للنبيِّ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالأَبْوَاء، أَو بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْه، فَلَمَّا رَأى مَا فِي وَجْهِه، قَالَ: "إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَا حُرُمٌ) (٢).
وفي الآيةِ بيَّنَ الغايةُ التي يَبْقَى فيها تحريمُ الصيد، وهي بانتهاءِ الإحرامِ؛ حتى لا يُظَن أنَّ التحريمَ يَبقى حتى يعودَ الإنسانُ إلى الموضعِ الذي أحرَمَ منه، فإنَّ المحرمَ يُحرِمُ مِن مِيقاتِهِ أو قبلَهُ، فيَحرُمُ عليه الصيدُ، ولكنْ ينتهي عليه بتحلُّلِهِ مِن إحرامِه وهو بمكةَ، فيَحِلُّ له الصيدُ، ويبقى تحريمُ البلدِ الحرام، فيجوزُ للحاجِّ والمعتمِرِ أنْ يَصِيدَ في طريقِ عودتِهِ إلى أهلِهِ ولو كان مِن دونِ المِيقاتِ.
* * *
стр. 1236
* قال تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)﴾ [المائدة: ٩٧].
والكعبةُ هي ما يُطافُ بها، لا عمومُ الحَرَمِ ولا المسجد، وإنَّما سُمِّيَت كَعْبةً؛ لأنَّها مكعَّبةٌ؛ كما صحَّ عن مجاهدٍ وعِكْرِمةَ وغيرِهما (١).
الحكمةُ مِن وضعِ الكَعْبةِ:
وقد جعَلَ اللهُ الكعبةَ ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾؛ يعني: تَؤمُّهُمْ وتَجمَعُهُمُ على دِينٍ واحدٍ، وملَّةٍ واحدةٍ، وإنِ اختلَفُوا في أنسابِهم وأعراقِهم وبُلْدانِهم، يَجمَعُهم اللهُ على قِبْلَتِهم وبَلَدِهم الحرامِ، وقد امْتَنَّ اللهُ على العربِ أولَ الأمرِ أنْ جعَلَ الكعبةَ قيامًا لهم تَجْمَعُهم، فكان في الأممِ ملوكٌ ورؤوسٌ يَتَّحِدُونَ بهم ويَعْتصِمونَ وَيلُوذونَ بهم عندَ الشدائدِ على غيرِهم، فيتَّحِدونَ على خصومِهم بحُكَّامِهم ورؤُوسِهم، فامْتَنَّ اللهُ على العربِ أولَ أمرِهم بقِبْلةٍ واحدةٍ تَجمَعُهم يتَّفقونَ على حمايتِها ويتَّحِدونَ عليها، ويُعظِّمونَ قاصدَها فلا يَعتدونَ عليه، ثُمَّ كانت بعدَ ذلك قيامًا لكلِّ مسلمٍ.
وقولُه ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾؛ يعني: قِيَامًا لدِينِهِمْ، ومَعْلَمًا لِحَجِّهم؛ كما جاء عن ابنِ عبَّاسِ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ (٢).
ومِثُل ذلك الشهرُ الحرامُ والهَدْيُ والقلائدُ، لقد جعَلَها الله معظَّمةً عندَهم؛ يُقِيمونَ الحقَّ بها، ويُعظِّمونَها ويُعظِّمونَ فاعلَها، وَيعصِمونَ الدمَ في الشهرِ الحرامِ ولا يَعْتدونَ فيه، ويُعظِّمونَ القلائدَ ومُقلِّدِيها، والهَدْيَ وسائقيه، فقامتْ بذلك دُنياهم تَبَعًا لقيامِ تلك الشعائرِ وحِفظِها، حتى إنَّهم
стр. 1237
كانوا يتحافظونَ فيما بينَهم الأنفُسَ والأموالَ والأعراضَ، أعظَمَ مِن حفظِ الملوكِ والرؤساءِ والشُّرَطِ لرعاياهم؛ كملوكِ فارسَ والروم، والحبشةِ والسودانِ؛ حتى إنَّ مِن العربِ مَن يقلِّدُ أنعامَهُ قلائدَ الهَدْيِ لِيَعبُرَ مِن الشامِ ونَجْدٍ إلى اليمنِ؛ لِيَظُنَّ الناسُ أنَّها حرامٌ فتُترَكَ ويُترَكَ هو؛ فلا يُقصَدَ بشيءٍ.
وفد تقدَّمَ في أولِ سورةِ المائدةِ معنى القلائد، وشيءٌ مِن أحكامِها، وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ الكلامُ على الأشهُرِ الحُرُمِ وعدَدِها وتعظمِها وأحكامِها.
ومَن أقامَ أحكامَ الله، أَدْرَكَ عِلَلَها وآثارَها عليه، وعرَفَ قَدْرَ نِعْمةِ اللهِ على الناسِ؛ ولذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)﴾، وإنَّما بفرَّطُ الناسُ في امتثالِ أحكامِ اللهِ؛ لغيابِ عِلَلِها ومنافِعِها ومَضَارَّ تَرْكِها عليهم، فيتساهَلُونَ دي ترْكِها فيقَعُ فيهم الفسادُ، ومَنِ امتثَلَها، أدرَكَ نعمةَ اللهِ عليه.
* * *
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾ [المائدة: ١٠١].
نزَلَتْ هذه الآيةُ في سؤالِ الصحابةِ عمَّا لم يكلَّفُوا به، وقد جاء ذلك في أحاديثَ؛ منها مِن حديثِ عليٍّ (١) وابنِ عبَّاسٍ (٢)
стр. 1238
وأبي هريرةَ (١) وأبي أُمَامةَ (٢): أنَّها نزلَت لمَّا سأَلُوا عن الحَجِّ: "أفي كلَّ عامٍ؟ "، وجاء مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ (٣) وأبي هريرةَ (٤): أنَّها نزلَتُ في سؤالِ الصحابةِ النبيَّ ﷺ عن آبائِهِمْ وضالَّتِهمْ، ونحوُهُ عن أنسٍ في "الصحيحَيْنِ" (٥).
ورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ المسألةَ التي نُهِيَ عنها هي البَحِيرَةُ والسَّائِبَةُ والوَصِيلَةُ والحَامُ؛ لأنَّ اللهَ ذكَرَها بحدَ ذلك (٦)، وقد تفرَّدَ به خُصَيْفٌ، وقد تُكُلِّمَ فيه.
وفد نَهَى اللهُ عن السؤالِ؛ رحمةً بالأمَّةِ وتوسعةً عليها؛ فإنَّ السؤالَ يَلزَمُ منه الجوابُ، والجوابُ يُضيِّقُ سَعَةَ الحُكْمِ السابق، وكلَّما زاد السؤالُ، ضاق التكليفُ، فنَهَى اللهُ عن السؤالِ رَحْمةً بالناس، وقد جاء النهيُ في السُّنَّةِ عن السؤال، كما في "الصحيحِ"، عن رسولِ الله ﷺ ؛ أنه قال: (ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ؛ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ؛ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ، فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ، فَدَعُوهُ) (٧)، وفي الحديث الصحيحِ أيضًا؛ قال ﷺ : (إِنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا،
стр. 1239
وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْبَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا) (١).
واللهُ يُنزِلُ الحُكمَ وفي اختيارِهِ أو صِفَتِهِ وزمانِهِ وعَدَدِهِ سَعَةٌ على الناس، والسؤالُ يضيَّقُ رحمةَ اللهِ تلك ويَشُقُّ على الناس، ولمَّا نزَلَتِ الأحكامُ واستقَرَّ الدَّينُ، شُرعَ السؤالُ؛ لأنَّه لن يُزادَ في الحُكْمِ؛ لانقطاعِ الوحي، فكلُّ سؤالٍ في الدَّين، فالأصلُ أنه لرفعِ الجهلِ وتحصيلِ العِلْمِ؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾، وفي هذا أنَّ السؤالَ بعدَ ثُبُوتِ الحُكْمِ للاستيضاحِ مِن مُشكِلٍ، ولاستبانةِ مُستبِهِ: محمودٌ، وقد قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، والأنبياء: ٧]، وقد أجاب اللهُ سؤالَ الصحابةِ لنبيِّهم في مواضعَ مِن القرآنِ مِن هذا النوع، ولم يُعاتِبْهم اللهُ على ذلك.
وقد بَقِيَتْ أنواعٌ مِن السؤالِ مَنْهِيٌّ عنها:
منها: السؤالُ عمَّا سكَتَتِ الشريعةُ عن دقائقِهِ وأوصافِه، وطلَبُها مِن كلامِ الناسِ مِن الأممِ السابقةِ كبني إسرائيلَ، أو اللاحقةِ مِن سائرِ الفُقَهاءِ؛ فإنَّ اللهَ لمَّا نَهَى عن سؤالِه هو، وجوابُهُ حقٌّ لا يأتيهِ الباطلُ مِن بينِ يدَيْهِ ولا مِن خَلْفِه، فإنَّ سؤالَ غيرِهِ الذي يَحتمِلُ الحقَّ والباطلَ أشَدُّ في النهيِ؛ فيجبُ أن تُؤخَدَ الشريعةُ على ما ظهَرَ منها مِن غيرِ تكلُّفٍ.
ومنها: السؤالُ مُغالَطةً لا طلبًا للحقِّ، كإيرادِ الرَّجُلِ المسائلَ لِيُبيِّنَ عجزَ غيرِهِ ويُظهِرَ عِلْمَه، ومنه المناظَرةُ لغيرِ قصدِ إظهارِ الحقِّ؛ وإنَّما للإفحامِ والترفُّعِ؛ وقد رُوِيَ في "المسنَدِ" و"سُنَنِ أبي داود"، عن معاويةَ: نَهَى رسولُ الله ﷺ عن الْغُلُوطَاتِ (٢)، فسَّرَهُ الأوزاعيُّ بشِدَادِ المسائلِ
стр. 1240
وصِعَابِها (١)، ومرادُهُ: التي يُلتمَسُ بها استِزلالُ الناسِ وليس تعليمَهُمْ، وهذه تَغلِبُ عندَ مَن قصَدَ العِلْمَ لغيرِ اللهِ.
ومنها: السؤالُ عمَّا لا يَملِكُ أحدٌ جوابًا عنه إلَّا اللهُ؛ ككيفيَّةِ صِفَاتِ اللهِ تعالى، ووقتِ عِلْمِ الساعة، وأَعْمَارِ الناس، وحوادثِ المستقبل، وغيرِ ذلك مِن أمورِ الغيبِ؛ لأنَّ كلَّ جوابٍ سيكونُ كَهَانةً وخَرْصًا؛ وهذا منازَعةٌ للهِ في عِلْمِه؛ فلا يَعلَمُ الغيبَ إلَّا هو.
ومنها: السؤالُ مِرَاءً وتزيُّدًا؛ كإكثارِ السؤالِ على العالِمِ عن جزئيَّاتٍ معِ عدمِ إدراكِ الكليَّات، أو السؤالِ عن فروعٍ مع الجهلِ بالأصولِ؛ فإنَّ لطلَبِ العِلْمِ مقاصدَ:
فإنْ كان طلبُ العِلْمِ لأجلِ العمل، فالعملُ بالأصولِ والكليَّاتِ أوْلى، وإن كان لأجلِ البلاغ، فتبليغُ الأصولِ والكليَّاتِ أَولى.
ومِثلُ ذلك السؤالُ عن الواضحاتِ تكلُّفًا، والسؤالُ عن كلِّ ما يَرِدُ على النفسِ مِن غيرِ تمييزِ ما يُناسِبُ وما يَصلُحُ للحالِ والمَقام، وكثيرًا ما يُحرَمُ المتعلِّمُ عِلْمَ العالِمِ بسبِ مِرَائِه؛ لأنَّ العالِمَ يَحبِسُ عِلْمَهُ عن أهلِ المِراء، وربَّما كان مِن عادةِ العالِمِ التفصيلُ والبسطُ في المسائلِ والتفريعُ، ولكنَّه عندَ أهلِ المِرَاءِ يَختصِرُ؛ لأنَّه يَعلَمُ أنَّ المُمَارِيَ يَلتقِطُ الجزئيَّاتِ لِيُغالِطَ فيها ويُناظِرَ عليها؛ ومِن ذلك قولُ مَيْمونِ بنِ مِهْرَانَ: "لا تُمارِ مَن هو أعلَمُ منك؛ فإذا فَعَلْتَ ذلك، خَزَنَ عنك عِلمَهُ ولم تَضُرَّهُ شيئًا" (٢).
وربَّما يقعُ المِراءُ ممَّن يُحسَنُ الظنُّ به، فيَخلِطُ بينَ المِراءِ وبينَ فصلِ السؤالِ والحاجةِ إلى كثرتِه لتحصيلِ العِلْم، قال الزُّهْريُّ: "كان أبو
стр. 1241
سَلَمَةَ يُماري ابنَ عبَّاسٍ؛ فحُرِمَ بذلك علمًا كثيرًا" (١).
وكان أبو سلمةَ يقولُ بعدَ ذلك: "لو رَفَقْتُ بابنِ عبَّاسٍ، لاستخرَجْتُ منه علمًا كثيرًا" (٢).
ومنها: السؤالُ عمَّا لا يَنفَعُ المرءَ ولا يَغنِيهِ؛ كالسؤالِ عمَّا لا يحتاجُ إليه في عملٍ ولا تبليغٍ، أو السؤالِ عن أسرارِ الناسِ وما يُخبِّئونَ؛ فضلًا عن تتبُّعِ عيوبِهم وعَوْراتِهم، ويُروى في الخَبَرِ: (مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ: تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ) (٣).
وقولُهُ تعالى: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)﴾ [المائدة: ١٠٢]؛ يعني: كَفَرُوا؛ لأنَّهم لم يُريدُوا الخيرَ والاسترشادَ، فحُرِمُوا التوفيقَ إلى العملِ؛ لأنَّهم سأَلوا تكلُّفًا وتعنُّتًا.
وكذلك في العِلْمِ؛ فمَنْ تكلَّفَ في السؤالِ وتعنَّتَ ولم يُرِدِ استرشادًا، حُرِمَ برَكةَ العِلْم، ولم يُوفَّقْ إلى العمل، ولم يَنتَفِعْ بسؤالِهِ في نفسِه، ولا في غيرِهِ.
بَرَكةُ العِلْمِ بالعملِ والبلاغِ:
وللعِلْمِ بَرَكةٌ لا يَنالُها إلَّا مَن أخَذَهُ ليعمَلَ به أو يُبلِّغَهُ، وقد كان في بني إسرائيلَ مَن يَسألُ النبيَّ تعنُّتًا وعنادًا ومغالَطةً، فلمَّا أُجِيبَ عن سؤالِه، لم يَعْمَلْ بما عَلِمَ، بل تولَّى وكفَرَ، ومَن كَثُرَ عِلمُهُ وقلَّ عملُهُ، فلسُوءِ نيَّتِهِ وقصدِه.
وفي هذه الآيةِ: إشارةٌ إلى ما يَسُوغُ السؤالُ عنه، وهو ما يَقتضي
стр. 1242
العملَ والبلاغَ؛ ولهذا فينبعي على مَن قصَدَ عِلمًا أنْ يَنظُرَ قبلَ سؤالِه إلى أمرَيْنِ:
الأولُ: العملُ؛ فإنْ كان مِن أهلِ العملِ بما عَلِمَ مِن العِلْمِ السابق، وكلَّما تعلَّمَ عَمِلَ، فإنَّ هذه أَمَارَةٌ على حُسْنِ قصدِه، وإنْ قَلَّ عملُهُ أو عُدِمَ مع كثرةِ سؤالِه، فهو يَستكثِرُ مِن حُجَجِ اللهِ عليه، والأَولى بمَن عَلِمَ شيئًا مِن العِلْمِ أنْ يعمَلَ به، وقد تتزاحَمُ العلومُ عليه، ويَستثقِلُ العملَ بكلِّ ما عَلِمَ، فلْيَعمَلْ بما عَلِمَ ولو مرَّةً؛ ليَنالَ بَرَكَةَ عِلْمِه، وقد جاء عن أحمدَ بنِ حنبلٍ: "ما كتبتُ حديثًا عن النبيِّ ﷺ إلَّا وقد عَمِلْتُ به، حتى مَرَّ بي الحديثُ أنَّ النبيَّ ﷺ احْتَجَمَ وأَعطى أبا طَيْبَةَ دينارًا، فأعطَيْتُ الحَجَّامَ دينارًا حينَ احتَجَمْتُ" (١).
والعاملُ الصادقُ يَعملُ بأَولى العِلْمِ وأَوْجَبِهِ عليه، فمَن أراد تعلُّمَ عِلْمٍ، فلْيَنظُرْ خلْفَهُ إلى ما وجَبَ عليه مِن أقرَبِ العِلْمِ الذي يَتْبَعُه، فإنْ كان مِنَ أهلِ العملِ به، فلْيتعلَّمْ ما بعدَه؛ فإنَّ العِلْمَ مراتبُ بحسَبِ التكليفِ.
الثاني: البلاغُ؛ وذلك أنَّ العملَ قد لا يُطيقُهُ كلُّ أحدٍ، فمِن العِلْمِ ما لا يَلحَقُ المكلَّفَ تكليفٌ به؛ كطالبِ العِلْمِ الفقيرِ في أحكامِ الزكاةِ، والعاجزِ في الحجِّ والجهاد، وغيرِ التاجِرِ في أحكامِ البيوعِ وغيرِها؛ فالبلاغُ لهذا العِلْمِ مِن مقاصدِ تعلُّمِه، والناسُ يختلِفونَ في مقامِهم في الناسِ، ولا يخلو أحدٌ الناسِ مِن القُدْرةِ على البلاغِ ولو لأقرَبِ الناسِ إليه، فيَنصَحُ ويأمُرُ ويَنهى ويُعلِّمُ ولو خادمًا، أو زوجةً وولدًا، أو جارًا وصاحبًا؛ ولذا قال ﷺ : (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً) (٢).
* * *
стр. 1243
قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾ [المائدة: ١٠٣].
تقدَّمَ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩)﴾ [النساء: ١١٩]، الكلامُ على البَحِيرَةِ والسَّائِبَة، وأنَّها مِن عملِ الجاهليَّة، ووجوهِ الشَّرْكِ فيها؛ فلْتُنظَرُ.
معنى الوصيلةِ:
وأمَّا الوَصِيلَةُ، فهي الشَّاةُ التي تَلِدُ سبعةَ أَبْطُنٍ، فينظُرُونَ السابعَ؛ فإنْ كان ذَكَرًا أو أُنثى وهو ميِّتٌ، اشترَكَ فيه الرَّجالُ دون النِّساء، وإنْ كان أُنثى استَحْيَوْها، وإنْ كان ذكَرًا وأُنثى في بطنٍ، استحيَوْهُما، وقالوا: وصَلَتْهُ أختُهُ، فحرَّمُوهُ على أنفسِهم؛ رُوِيَ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ (١)، ورُوِيَ غيرُه عن ابنِ إسحاقَ وابنِ زيدٍ وغيرِهما (٢)، ولا فرقَ بينَ تلك الأوصافِ؛ لأنَّ النهيَ يَنزِلُ عليها جميعِها، وربَّما اختلَفَتْ صورُ الوَصِيلَةِ؛ لاختِلافِ الناسِ في تعيِينِها؛ فإنَّ الناسَ قبائلُ مختلِفةُ العادات، وما لم يكنْ ثُبُوتُ تحريمِهِ مِن النصَّ الصريحِ بالكتابِ والسُّنَّة، فإنَّ الناسَ يضطرِبونَ في حدِّه ووصفِهِ اضطرابًا كثيرًا، كما في حدِّهم للوَصِيلَةِ والسائبةِ والبَحِيرَة، ومِثلُها الحامِي.
стр. 1244
معنى الحامِي:
والحامِي عرَّفَه ابنُ عبَّاسٍ بأنَّه: الفحلُ مِن الإبلِ إذا وُلِدَ لوَلدِهِ؛ قالوا: حَمَى هذا ظَهْرَهُ، فلا يُركَبُ ولا يُحمَلُ عليه، ولا يَجُزُّونَ وَبَرَهُ، ولا يَمنَعونَهُ مِن حوضٍ ولا حِمًى وإن كان الحوضُ لغيرِ صاحِبِه (١).
ورُوِيَ نحوُهُ عن ابنِ المسيَّبِ (٢).
ولم تكنِ السوائبُ معروفةً عندَ العرب، وأولُ مَن شَرَعَها وسيَّبَها عمرٌو بن لُحَيَّ؛ كما جاء في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال ﷺ : (رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ؛ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ) (٣).
وفي روايةٍ: (أَوَّلُ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِبْرَاهِيمَ) (٤)؛ حيثُ كانتِ العربُ على بَقَايَا الحَنيفيَّةِ مِلَّةِ إبراهيمَ، وكانوا يقولونَ: نحن بنو إبراهيمَ، ودَعْوَاهُم تلك التي غالَبُوا بها محمدًا ﷺ الذي يَدْعُو مِثلَ دَعْواهم؛ كما قال اللهُ له: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]: دليلٌ على أنَّ العِبْرةَ بالحقيقةِ لا بالدَّعْوَى؛ كمَن يزعُمُ اليومَ أنه على الإسلامِ وعلى مِلَّةِ محمدٍ وهو يعبُدُ الأصنامَ والقبورَ والأضرِحةَ بالسجودِ لها والنَّحْرِ والنَّذْرِ لها.
الحكمةُ من النهي عن السوائبِ:
وعِلَّةُ النهيِ عن السائبةِ والوَصِيلةِ والحامِي والبَحِيرَةِ: أنَّهم جعَلُوا سببًا للتحريمِ والتعظيمِ لم يَجعَلْهُ اللهُ كذلك، فشَرَعُوا ما لم بَشرَعْهُ اللهُ افتراءً عليه، والتحريمُ لا بدَّ فيه مِن ثُبُوتِهِ بالشَّرْعِ أو ثبوتِ ضَرَرِهِ بالحِسِّ، وأمَّا التحريمُ بمجرَّدِ المصادفةِ القَدَرِيَّة، فهذا مِن عملِ الجاهليَّة، فسمَّاهُ اللهُ
كما سبَقَ في سورةِ البقرةِ والنِّساءِ وهنا في المائدة، فبيَّنَ فيها شيئًا مِن أحكامِها، وذكَرَها إشارةً في سورةِ يس في قولِهِ تعالى: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٥٠]؛ وذلك عندَ قيامِ الساعةِ تُباغِتُ الناسَ؛ فلا يَتمكَّنونَ ممَّا يَتمكَّنُ مه المُحْتَضَرُ عادةً مِن الوصيَّةِ بما يُرِيدُ لمَن خَلْفَهُ؛ لمُسارَعةِ الأمرِ وانقضاءِ الأجَلِ.
نزَلَتِ الآيةُ في الوصيَّةِ لِمَنْ حَضَرَهُ الموتُ وهو في أرضٍ غيرِ أرضِه، وبينَ سكَّانٍ ليسوا مِن أهلِه، ومعه مالُهُ ونفقتُةُ ومَرْكُبُه، ومِن خَلْفِهِ مالٌ وعيالٌ، فيَحتاجُ إلى أنْ يُوصِيَ - أنْ يدفَعَ ذلك إلى عَدْلَيْنِ مِن المُسلِمينَ أو مِن غيرِهم.
وهذا يدُلُّ على عِظَمِ الوصيَّةِ حتى على الغريب، فلم يُعذَرْ في تركِ المالِ والوَرَثة، ويُهمِلَ الحقوقَ التي عليه وله؛ فإنَّ لصاحِبِ الحقَّ وللوارثِ حقًّا.
وقيل بتسخِ هذه الآيةِ؛ رُوِيَ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ (١)، وعن النخَعيَّ (٢)، وابنِ زيدٍ (٣)، فجعَلُوها قضيَّةَ عَيْنٍ، ثم نُسِخَتْ، والأكثرُ على إحكامِها، وهو الأظهَرُ، واللهُ أعلَمُ.
وقولُه تعالى: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، به تقديمُ إشهادِ الشاهدَيْنِ مِن المُسلِمينَ على غيرِهم عندَ وجودِهم؛ قال ابنُ عبَّاسٍ: "أمَرَهُ أنْ يُشهِدَ على وصيَّيِهِ عَدْلَيْنِ مِن المُسلِمينَ" (٤).
وقولُه، ﴿مِنْكُمْ﴾ "حُمِلَ على معنيَينِ:
أولُهما: أنَّ المرادَ: مِن القبيلةِ وقرابتِكم المُسلِمينَ؛ وهو قولُ
стр. 1247
عِكْرِمةَ وعبِيدَةَ وابنِ شهاب والحسن؛ وعلى هذا المعنى فيكونُ ما بعدَهُ في قوله تعالى ﴿أَو آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ المرادُ له مِن المُسلِمينَ مِن غيرِ قبيلتِكم ولا قرابتكم.
ثانيهما: أنَّ المرادَ بقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾؛ يعني: مِن المُسلِمينَ؛ وبه يقولُ ابن عبَّاسِ وابنْ المسيَّبَّ ومجاهِدٌ، وغيرُهم كثيرٌ مِن السلفِ؛ وهو الأرجَحُ.
ويؤكّدّ ذلك ويُبَيِّنُهُ: قولُهُ تعالى بعدَ ذلك: ﴿أَو آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾؛ يعني: مِن عبرِ المُسلِمينَ، مِن غيرِ أهلِ مِلَّتِكم؛ وهو قولُ عامَّةِ السلفِ.
وقولُه: ﴿أَو آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ حُمِلَ على معنَيْينِ: أولُهما: أنَّ المرادَ: مِن المُسلِمينَ مِن غيرِ قبيلتِكم وعشيرتِكم؛ وهو قول عِكرِمةَ وعبِيدَةَ وابنِ شهابٍ والحسنِ (١).
ثانيهما: أنَّ المرادَ بقوله: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾؛ يعني: مِن غيرِ المُسلِمينَ؛ وبه يقولُ ابنُ عبَّاسٍ وابنُ المسيَّبِ ومجاهدٌ، وغيرُهم كثيرٌ مِن السلف؛ وهو الأرجَحُ، وهو قولُ عامَّةِ السلفِ (٢).
تاركُ والصلاةِ:
وفي الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ تارِكَ الصلاةِ بالكليَّةِ لا يكونُ مُسلِمًا؛ لأنَّ المُسلِمَ هو الذي يَشهَدُ بعدَ صلاتِه، ومَن لم تكنْ له صلاةٌ، فليس بمُسلِمٍ، وقد فسَّرَ عامِرٌ الشعبيُّ قولَه تعالى: ﴿أَو آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قال: مِن غيرِ المُصَلينَ، كما رواهُ ابنُ وهبٍ في "جامِعِه".
стр. 1248
شهادةُ الذميِّ:
وفيها أيضًا: إشارةٌ إلى عدمِ جوازِ شهادةِ الذميِّ إلا بشرطَيْها؛ وهما في مِثْلِ هذه الوصيَّةِ: أنْ يكونَ المُسلِمُ في سَفَرٍ، وألَّا يجدَ شاهِدًا مُسلِمًا يَشهَدُ، فحتى لا يَضِيعَ حقُّهُ وحقُّ الناسِ مِن الوَرَثةِ وغيرِهم فيُشهِدُ الذِّمِّيَّيْنِ؛ وبهذا كان يَقضي السلفُ، وقد صحَّ عن شُرَيْح؛ قال: "لا تَصِحُّ شهادةُ الذِّمِّيِّ إلَّا في سفرٍ، ولا في السفرِ إلَّا في الوصيَّةِ" (١)؛ وبهذا يقولُ أحمدُ.
وذهَبَ أبو حنيفةَ ومالكٌ والشافعيُّ: إلى عدمِ جوازِ شهادةِ الذميِّ على المُسلِمينَ، وجوَّزَ أهلُ الرأيِ شهادتَهم على أنفسِهم، وقد رُوِيَ عن الزُّهريِّ أنه قال: "مضَتِ السُّنَّة أنه لا تجوزُ شهادةُ الكافرِ على المُسلِمينَ لا في حضرٍ ولا في سفرٍ" (٢).
وإنَّما خَصَّتِ الآيةُ السفرَ والوصيَّةَ لإشهادِ الكافرِ على حقِّ المُسلِمِ؛ بخلافِ غيرِها مِن الأحوال؛ كالبُيُوعِ والدُّيُونِ والرَّهْنِ للحاضرِ والمسافِرِ؛ لأنَّ الاحتِضارَ في السفرِ يعجِزُ معه الإنسانُ عن البحثِ عن شاهدِ يَشهَدُ له في حقِّه؛ لكونِهِ عندَ غيرِ أهلِهِ وفي غيرِ بلدِه، بخلافِ ما لو كان بائعًا صحيحًا، فعندَهُ فُسْحةِ الوقتِ وصِحَّةِ البدنِ ما يَقدِرُ على الإشهادِ على حقِّه مِن المْسلِمينَ، فكان الأمرُ للمْحتضَرِ المسافرِ في بلدِ كفر بينَ أمرَيْنِ: الموتِ بلا وصيَّةٍ وتضييعِ المالِ والحقوق، أو الوصيَّة وإشهادِ كافرِ عليها يَحتمِلُ صِدقُهُ وكذبُهُ، ويُجعَلُ للمسلِمِ مِن الوَرَثةِ الحقُّ في الطعنِ فيها وإسقاطِها عندَ قيامِ بيِّنةٍ وقرينةٍ على فسادِ تلك الشهادةِ؛ فكان أخَفَّ الحالَيْنِ وأقَلَّ المَفسدتَيْنِ إشهادُ الكافرِ على وصيَّتِه.
стр. 1249
وإنْ رَضِيَ أهلُ الميراثِ بشهادةِ الشاهدَيْنِ؛ وذلك لأنَّهم يَعرِفونَ صِدْقَهما أو يَعرِفونَ مالَ المُوصِي كثرةً وقلةً ونوعًا، فإنَّهم يَترُكونَهما، وإنْ شكوا فيهما واتَّهَمُوهما فيَدفَعُونَهما إلى السُّلْطانِ لِيَمتحنَهما ويَستحلفَهما.
الحلف بعد الصلاة:
وقولُه تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾، فيه تعظيمُ الحَلِفِ بعدَ الصلاةِ؛ لكونِه مُنصرَفَ العبادة، وقريبَ العهدِ بالخضوعِ للخالق، وأقرَبَ لذِكْرِ المَعادِ وخَشْيةِ اللِّقاء، وقد خَصَّ بعضُ السلفِ الصلاةَ بصلاةِ العصرِ؛ كما قالهُ ابنُ عبَّاسٍ وعبَيدَةُ السَّلْمَانُّي والشعبيُّ وابنُ جُبيرٍ والنخَعيُّ وقتادةُ (١).
وقال الزُّهْريُّ بعمومِ الصلاةِ في أيِّ وقتٍ أدرَكَها.
وإن كان الشهودُ مِن غيرِ المُسلِمينَ، فيَحلِفانِ بعدَ صلاتِهما في دِينِهما؛ رُوِيَ هذا عن ابنِ عبَّاسِ (٢)؛ لأن المرادَ تعظيمُ اليمينِ في نفسَيْهما، وحِفظُ الحقِّ بتخويفِهما وترهيِبهما مِن ربِّهما، وليس في ذلك إعانةٌ لهما على عِبادةِ غيرِ الله، ودَعْوَتَهما لإقامةِ صلاةٍ غيرِ صلاةِ المُسلِمينَ، وعبادةِ ربِّ غيرِ اللهِ؛ وإنَّما هو حفظٌ لحقِّ المُسِلِمينَ بعدَ صلاتِهم التي يُؤدُّونَها في دينِهم كما كانوا مِن قبلُ.
استحلافُ الكافِرِ:
وفي هذا: دليلٌ على جوازِ استحلافِ الكافرِ على ما يُعظِّمُهُ في دِينِه، والتنزُّلِ معه بما يُشعِرُهُ بِعَظَمةِ دِيِنةِ ومَعبدِهِ مِن عيرِ تصريحٍ.
стр. 1250
ويُقسِمانِ على ما شَهِدَا ويبيِّنانِ أنَّهما بيَّنَا ولم يَكتُمَا لدُنيا ولا لرِشْوةٍ، ويكونُ ذلك عندَ الرِّيبةِ منهما؛ كما قال تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾، ويسقِطُ عنهما ذلك التُّهمةَ؛ لأنَّه لا بيِّنةَ عليهما، والقولُ قولُهما.
ولا يثبُتُ في الوحيِ: أنَّ الشاهدَ يَحلِفُ على شهادتِهِ إلَّا في هذا الموضعِ.
وقولُه تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾؛ وذلك بكتمانِهما للحقِّ، وأخذِ شيءٍ مِن مال الميِّت، ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾؛ أيْ: يقوم اثنانِ مِن أحَقِّ الورثةِ بالمالِ، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ أيْ: أحَقُّ بالقَبُولِ والأخذِ مِن كَذِبِهما وخيانتِهما؛ لعِلمِهما بحالِ الميِّتِ وما له وما عليه مما يجهلُ الكفَّارُ حالَهُ، ويُبيِّنانِ أنَّهما لم يَتعدَّيَا عليهما وَيَبهتاهُما بما ليس فيهما؛ وإنَّما لبُطْلانِ قولِهما على الميِّتِ؛ فلا يَتضرَّرُ صاحِبُ الحقِّ في مالِ مورِّثِه، وصاحِبُ الحقِّ مِن مالِ الميِّتِ؛ بدَيْنٍ أو رهنٍ أو هبةٍ وعطيةٍ؛ فإنَّ ذلك مِن الظُّلْمِ العظيمِ؛ وبذلك تُرَدُّ شهادةُ الكافرَيْنِ لشهادةِ المُسلِميْنِ مِن الورثةِ؛ لأنَّ اللَّه قال: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾، فجعَلَ المُسلِمَينِ بدَلَ الكافرَيْنِ.
وإن كان الورثةُ قُصَّرًا صِغارًا واسْتُرِيبَ بشهادةِ الذِّمِّيَّيْن، فيقومُ مَقامَهما مِن عامَّةِ المُسلِمينَ ممَّن استرابَ بشهادةِ الذِّمِّيَّيْنِ؛ رُوِيَ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ وغيرِه (١).
* * *
стр. 1251
سورة الأنعام
سورةُ الأنعامِ سورةٌ مكيةٌ، كما قاله ابنُ عبَّاس وابنُ عمرَ، وحكى الإجماعَ على ذلك غيرُ واحد، وإنَّما الخلافُ في بضعِ آياتٍ فيها، وتضمَّنت السورة تعظيم الله وآياتهِ ومخلوقاتِه، وعَرَضَتْ حُجَجَ المُبْطِلينَ المعانِدِينَ للحقّ، وأحوال بعضِ الأنبياءِ مع أقوامِهِمْ وتشابُه كفَّار الأممِ في الحججِ الواهيَةِ والعناد، وفي هذه السورة ذِكْرٌ لنعمةِ الأنعامِ وتعدِّي الكافرين عليها بالتحريمِ والتحليل بالهوى.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾ [الأنعام: ٥٤].
هذه الآيةُ تَبَعٌ لما قبلَها، وقد نزَلَ ذلك في أعيانِ قريشٍ؛ أتَوْا رسولَ اللهِ ﷺ ، وازْدَرَوْا جُلساءَهُ الضُّعفاءَ، واستثقَلُوا الجلوسَ معهم، حتى قالوا: إنَّا نُحِبُّ أنْ تجعَلَ لنا منك مَجلسًا تَعرِفُ لنا العَرَبُ به فَضْلَنا؛ فإنَّ وُفُودَ العربِ تأتيكَ فنَستَحْيِي أن تَرانا العربُ مع هؤلاءِ الأعْبُد، فإذا نحن جِئناكَ، فأَقِمْهم عنَّا، فإذا نحن فَرَغْنا، فاقعُدْ معهم إنْ شئتَ، فأراد النبيُّ ﷺ أنْ يتألَّفَهُمْ بذلك، فمنَعَهُ اللهُ أنْ يفرِّقَ بينَ ضُعَفاءِ المؤمنينَ وبينَهم، وأُمِرَ أنْ يُرحِّبَ بالضُّعَفاءِ إنْ جاؤوهُ بقولِهِ: "سلامٌ عليكم، كتَبَ ربُّكم على نفسِهِ الرحمةَ"؛ وقد روى ذلك مطوَّلًا ابنُ
стр. 1252
ماجَهْ (١)، وابنُ جريرٍ (٢)، وفيه لِينٌ، وسياقُ الآياتِ يدُلُّ عليه، وقد قال اللهُ قبلَ ذلك: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ [الأنعام: ٥٢].
وأصلُ القِصَّةِ في مُسلِمٍ؛ مِن حديثِ سعدٍ؛ قال: "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ اطْرُدْ هَؤُلَاءِ لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا، قَالَ: وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ، وَبِلَالٌ، وَرَجُلَانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا شَاءَ اللهُ أنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ " (٣).
أثرُ الجاهِ في عدم قبولِ الحقِّ:
وإنَّما طلَبَ كفَّارُ قريشٍ ذلك؛ لأنَّهم يُريدونَ أنْ يَبْقَوْا على منزلتِهم وجَاهِهِم الذي في الجاهليَّة، فيكونوا عليه في الإسلام، وهؤلاءِ إنْ دخَلُوا الإسلامَ على ذلك، عَظُمَتْ فِتْنَتُهم في الإسلامِ وانتكَسُوا وارتَدُّوا؛ لأنَّ الإسلامَ يُساوي بينَ الناسِ في أحكامِهِ وتشريعِه، فإنْ فرَّقَتْهُمْ مَجالِسُ السَّمَرِ، جَمَعَتْهم صفوفُ الصلاةِ والقتالِ والتعليمِ والحدود، ومَن دخَلَ الإسلامَ لِيُرفَعَ به، عامَلَهُ اللهُ بنقيضِ قصدِه، فوضَعَهُ وأذَلَّه؛ ولذا نَهَى اللهُ نبيَّه ﷺ عن التفريقِ بينَ الأشرافِ والضُّعَفاءِ؛ حتى لا يقودَ الأشرافُ الإسلامَ إلى ما يَرتفِعونَ به هم، فيُريدونَ أنْ يُحفَظَ جاهُهم بالإسلام، لا أنْ يُحفَظَ الإسلامُ بجاهِهِم، فمَن حَفِظَ الإسلامَ بجاهِهِ وسُلْطانِه، حفِظ اللهُ
стр. 1253
له جاهَهُ وسُلطانَه، ومَن حَفِظَ جاهَهُ بالإسلام، ضيَّعَ اللهُ عليه جاهَه، وأبدَلَ الإسلامَ به غيرَه.
مساواةُ الناسِ في البلاغِ:
وينبغي عدمُ تخصيصِ الكُبَرَاءِ والرُّفَعاءِ بالجلوسِ إليهم مجلسًا يُمنَعُ منه الضُّعَفاءُ والفقراءُ ولا يُدْعَوْنَ إليه، لقد نَهى اللهُ نبيَّه عن ذلك، وأتباعُهُ مِن العلماءِ مِن بابِ أَوْلى؛ لأنَّ ذلك يَزيدُ الكُبراءَ كِبْرًا، وَيَزيدُ الضُّعَفاءَ وَضْعًا وكَسْرًا، واللهُ جاء بالدِّينِ وشَبَّهَهُ بالغَيْثِ تَستوِي الأوديةُ والشِّعابُ ورؤوسُ الجِبالِ في نزولِهِ عليها.
بذلُ السلامِ مِن المدخولِ عليه:
وفي الآيةِ: سلامُ المدخولِ عليه، وهو النبيُّ ﷺ ، على الداخِل، وهم المؤمنونَ، وقد تقدَّمَ في سورةِ النِّساءِ الكلامُ على حُكْمِ التحيَّةِ وردَّها وصِيَغِها، عندَ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَو رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦].
والأصلُ: أنَّ الداخلَ يسلِّمُ على المدخولِ عليه؛ لقولِهِ تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٧]، وآيةُ البابِ جاءتْ بفضلِ مُبادَرةِ المدخولِ عليه بالسلامِ على الداخِل، ويكونُ الداخلُ أحَقَّ بالسلامِ عليه إذا كان له حقٌّ وله حاجةٌ عندَ المدخولِ عليه، ومِن هذا النوعِ: سلامُ ملائكةِ الجنَّةِ على المؤمنينَ الداخِلينَ إليها؛ قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣].
وإنَّما كانتِ المُبادَرةُ بسلامِ المدخولِ عليه على الداخلِ تحيةً تتضمَّنُ بيانًا لحقِّه وحفظًا له، وقد كان بعضُ السلفِ يُبادِرُ بالسلامِ على
стр. 1254
القادمِ مِنْ أصحابِهِ إجلالًا ومودَّةً؛ أخذًا مِن هذِهِ الآيةِ كما جاء عن أبي العالية، كما عندَ أبي نُعَيْمٍ عن أبي خَلْدَةَ؛ قال: "كان أبو العاليةِ إذا دخَل عليه أصحابُهُ يُرحِّبُ بهم ثم يَقْرَأُ: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] " (١).
والحقوقُ والحاجةُ بينَ النبيِّ ﷺ والصحابةِ متبادَلةٌ، والأصلُ: أنَّ حقَّ النبيِّ أعظَمُ، وإنْ جاؤوا طالِبينَ سماعَ كلامِ الله، فحقُّهم أعظَمُ، لا لفضلِهم على مقامِ النُّبُوَّةِ؛ وإنَّما لفضلِ مطلوبِهِمْ على كلِّ مطلوبٍ، وحقِّهم على كلِّ حقٍّ؛ فواجبُ النبوَّةِ البلاغُ، وواجبُ الناسِ السماعُ والعملُ، والنبيُّ ﷺ يَملِكُ البلاغَ والإسماعَ، ولكنْ لا يَملِكُ قلوبَ العِبادِ؛ فدخولُ الصحابةِ لمعرِفةِ العملِ ليَعمَلوا؛ وبهذا زادُوا بالحقِّ؛ ولهذا جاء تخصيصُ مُبادَرةِ النبيِّ ﷺ بالتحيَّةِ على مَن دخَلَ مؤمنًا مِن قبلُ: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾، ولم تكنِ المبادرةُ بالتحيَّةِ لِمَنْ دخَلَ غيرَ مؤمنٍ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، وبطلبِ السماعِ للاتَّباعِ استحَقَّ الصحابةُ حقَّ بَذْلِ التحيَّةِ عليهم ولو كانوا هم الداخِلِين؛ فقد يكونُ المفضولُ أحَقَّ بالشيءِ مِن الفاضل، ولا يُؤثِّرُ هذا في أصلِ التفاضُلِ.
البداءةُ بالسلامِ:
وقد جاءَتِ السُّنَّةُ بترتيبِ الأحقِّ بالبدءِ بالسلامِ؛ حتى لا يتواكَلَ الناسُ بعضُهُم على بعضٍ، وتَجِدَ النفوسُ للكِبْرِ مَوضِعًا، ويطلُبَ أحدُهُمْ حقًّا ليس له، فيَظُنَّ الرفيعُ أنَّ له الحقَّ أنْ يُسلَّمَ عليه لرِفْعَتِهِ وشَرَفِهِ بكلِّ
стр. 1255
حالٍ، ويظُنَّ الغنيُّ أنَّ له الحقَّ بالسلامِ عليه على الفقيرِ بكلِّ حالٍ، وقد جاء الإسلامُ بالتفريقِ بينَ الأحوالِ بالسلامِ؛ ففي "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال ﷺ : (يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الكَبِير، وَالمَارُّ عَلَى القَاعِد، وَالقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ) (١).
والتحيَّةُ لا تسقُطُ بتعطيلِ الأَوْلى ببَذْلِها؛ فإنَّ المُادِرَ بالسلامِ أفضَلُ بكلِّ حالٍ، وإنَّما جاء بيانُ الأحقِّ بها؛ حتى لا يَضَعَ الناسُ الاستحقاقَ بها على ما يَهوَوْنَ، فيَجعلُوها على الدُّنيا باعتبارِ الغِنَى أو الرياسةِ، أو الجَاهِ والشَّرَفِ والنَّسَبِ وغيرِ ذلك.
وقد كان السلفُ يَتَّفِقونَ على أنَّ السلامَ لا يسقُطُ بتَرْكِ الأَولى به، وأنَّ المُبادِرَ بالسلامِ أفضَلُ مِن غيرِهِ؛ كما قال ﷺ : (وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ) (٢)؛ وبهذا يقولُ السلفُ ويَعملونَ؛ كأبي بكرٍ وعمرَ وابنِ عمرَ وابنِ مسعودٍ وشُرَيْحٍ والشَّعْبيِّ وغيرِهم، وقد جاء عن أبي هريرةَ قولُهُ: "أَبْخَلُ النَّاسِ مَنْ بَخِلَ بِالسَّلَامِ" (٣)، وقد صحَّ عن ابنِ عمرَ أنه ما كان أَحَدٌ يَبْدَؤُهُ -أَو يَبْدُرُهُ- بِالسَّلَامِ؛ رواهُ البخاريُّ عن بُشَيْرِ بنِ يَسارٍ، عنه، به (٤).
وقد روى البيهقيُّ، عن زيدِ بنِ وهبٍ؛ قال: قال عبدُ اللهِ - هو ابنُ مسعودٍ -: "إِنَّ السَّلَامَ هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى، وَضَعَهُ اللهُ فِي الْأرْض، فَأَفْشُوهُ بَيْنَكُمْ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَرَّ عَلَى الْقَوْم، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَرَدُّوا عَلَيْه، كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ فَصْلُ دَرَجَةٍ بِأنَّهُ أَذْكَرَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَرُدُّوا عَلَيْه،
* قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٦].
جعَلَ اللهُ عيسى مِن ذريَّةِ إبراهيمَ أو نوحٍ، على خلافٍ في رجوعِ الضميرِ في قولِه تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾:
ورجوعُهُ إلى إبراهيمَ أشهَرُ؛ وبه قال يحيى بن يَعْمَرَ (١).
وقال بعضُهم: إنَّه يَرجِعُ إلى نوحٍ؛ وهو قولُ ابنِ جريرٍ (٢)؛ ويعضُدُ قولَهُ: أنَّ اللهَ ذكَرَ لُوطًا وهو ليس مِن ذريَّةِ إبراهيمَ، وهو ابنُ أَخِيه، وقيل: ابنُ أُختِه؛ فإبراهيمُ عمُّهُ أو خالُهُ، والعربُ تُنزِلُ الخالَ والعمَّ بمنزلةِ الوالدِ؛ ففي الوالدِ قال تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣]؛ فيعقوبُ هو ابنُ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ، وإسماعيلُ بن إبراهيمَ عمُّه، فسمَّاهُ اللهُ أبًا، وفي مسلمٍ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: (إِنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنوُ أَبِيهِ) (٣)، وفي الخالِ روى الدارقطنيُّ في الأفرادِ؛ مِن حديثِ عائشةَ مرفوعًا؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال للأسودِ بنِ وهبٍ، وهو خالُهُ: (اجْلِسْ يَا خَالِ؛ فَإِنَّ الْخَالَ وَالِدٌ) (٤)، وفيه كلامٌ، ويعضُدُ معناهُ قولُ النبيِّ ﷺ :
стр. 1258
(الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ) (١)؛ رواهُ البخاريُّ عن البَرَاء، ومُقتضاهُ: أنَّ الخالَ بمنزلةِ الأب، والذكورةُ في الانتِسابِ أَقْوَى مِن الأُنوثةِ؛ ولهذا احتاجَ إلى الإلحاقِ؛ كما في قولِه ﷺ : (ابْنُ أَخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ)؛ رواهُ الشيخانِ عن أَنَسٍ (٢).
وما بعدَ نوحٍ مِن الناسِ: فكلُّهم مِن ذريَّتِه، وكلُّ الأنبياءِ بعدَ إبراهيمَ مِن ذريَّةِ إبراهيمَ؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦]، وقال تعالى في إبراهيمَ خاصَّةً: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧].
وعيسى لا أبَ له؛ وبهذا استدَلَّ مَن قال بأنَّ أولادَ البناتِ يُنسَبونَ لجَدِّهم، وأنَّهم يَدخُلُونَ في الوقفِ عندَ إطلاقِهِ في الذُّرِّيَّةِ والأولاد، وقد اختلَفَ العلماءُ في هذه المسألةِ على قولَيْنِ:
انتسابُ أولادِ البناتِ لجدِّهم من الأمِّ:
ذهَب قومٌ: إلى أنَّ أولادَ البناتِ في حُكمِ أولادِ البنينَ، فمَن أوقَفَ مالًا على ذُرِّيَّتِهِ وأولادِه، فإنَّ أولادَ البناتِ كأولادِ البنينَ؛ لهذه الآية، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قال للحَسَنِ بنِ عليٍّ: (إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ) (٣).
وبهذا القولِ قال أبو حنيفةَ والشافعيُّ، وهو روايةٌ عن أحمدَ، وجاء عن غيرِهم، وغَلِطَ ابنُ الحاجبِ في حكايةِ الإجماعِ.
وقد ذهَب آخَرونَ: إلى أنَّ أولادَ البناتِ لا يَدخُلُونَ في حُكْمِ الأولادِ ولا أولادِهم؛ وبهذا قال مالكٌ، وهو روايةٌ أخرى عن أحمدَ؛
стр. 1259
وهو الأشهرُ في مذهبِهِ عندَ المتأخِّرِين؛ وذلك هو المعروفُ عندَ العرب، وعلى عُرْفِهم نزَلَ القرآنُ، ومنه قولُهُ تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء - ١١]، فلا يَنصرِفُ إلَّا إلى الأولادِ وأولادِ الأبناءِ دونَ البناتِ؛ وبهذا استدَلَّ مالكٌ.
ومِن ذلك قولُ الشاعرِ في الحماسةِ:
بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا، وبَنَاتُنَا … بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأَبَاعِدِ
وأمَّا نسبةُ عيسى لذريَّةِ إبراهيمَ ونوحٍ، مع كونِه بلا أبٍ، فإنَّ مريمَ حلَّتْ مَحَلَّ الأبِ؛ لانعدامِه، فيُنسَبُ إليها وإلى جَدِّهِ منها، ولا حُكْمَ للأُبُوَّةِ الذُّكوريَّةِ في عيسى حتى يُقالَ بِتَرْكِها، والعربُ قد تنسُبُ الولدَ لأُمِّه، وهذا كثيرٌ؛ كمحمَّدِ بنِ الحَنَفِيَّة، وهي أُمُّه، وهو ابنُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، ولكنْ لم تَحُلَّ الأُمُّ محلَّ الأبِ بإطلاقٍ؛ حيثُ إنَّه لا يُقالُ: محمدُ بن الحنفيَّةِ بن أو بنتِ فلانِ بنِ فلانٍ، فيستمِرَّ نَسَبُهُ إلى أُمِّه؛ وإنما يُقتصَرُ في نسبتِهِ إلى أُمِّه ولا يُجاوَزُ، ثم يَرجِعُ نسبُهُ إلى أبيه، بخلافِ عيسى؛ فهو عيسى بن مريمَ بنتِ عِمْرانَ، ويستمرُّ نسبُه؛ لأنَّ أمَّهُ حَلَّتْ محلَّ الأبِ مِن جميعِ الوجوهِ؛ إذْ لا وجودَ له، وهذا هو الفرقُ بينَ انتسابِ عيسى لِأمِّهِ وآبائِها وبينَ انتسابِ غيرِهِ لأمِّه؛ لأنَّه انتسابٌ قاصرٌ.
وأمَّا انتسابُ الحَسَنِ والحُسَيْنِ إلى النبيِّ ﷺ وقولُهُ للحسنِ: (إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ)، وقولُهُ لمَّا رفَعَهما على المنبرِ معَهُ: (صَدَقَ اللهُ: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] (١)، فذاك نسبُ تشريفٍ، ولا خلافَ أنَّ نَسَبَ النبوَّةِ أعظَمُ نسبٍ، فإذا كانتِ العربُ تنسُبُ بعضَ وَلَدِها إلى أمَّهاتِها تعريفًا وتشريفًا، فإنَّ نِسْبةَ الحسنِ والحسينِ إلى النبيِّ ﷺ أولى،
стр. 1260
ثم إنَّ الحسنَ والحُسَيْنَ مِن ولدِهِ ﷺ مِن بنتِه؛ وهذا جائزُ النسبةِ صحيحٌ، ولكنَّه ليس بالعُرْفِ ولا بالوضعِ عندَ العرب، فالأصلُ عندَهم والعُرْفُ فيهم الانتسابُ إلى الأب، وأمَّا إلى الأمِّ وأبيها، فيكونُ تشريفًا وتعريفًا، مع صحَّتِهِ حقيقةً؛ لوجودِ معنى الولادةِ.
ويدخُلُ على كونِ انتسابِ الحسنِ والحسينِ إلى النبيِّ ﷺ تشريفًا: أنَّ النسبَ عندَ حكايةِ العربِ والسلفِ في الصدرِ الأوَّلِ يَنتهي إلى المعرَّفِ والمشرَّفِ به؛ فيُقالُ: الحسنُ بن محمَّدٍ رسولِ اللهِ ﷺ ، ويُنتهى إلى ذلك، وعندَ إرادةِ وصلِه يُرجَعُ به إلى الأبِ؛ فيُقالُ: "الحسنُ بن عليِّ بنِ أبي طالبِ بنِ عبد المطَّلبِ".
* * *
قال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٦ - ٩٧].
التوسعةُ في استقبالِ القبلةِ:
تقدَّمَ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] الكلامُ على الحِكْمةِ مِن الحسابِ بالأَهِلَّة، وفي قولِهِ تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] الكلامُ على التوسعةِ في استِقبالِ القِبْلةِ بدَلَالةِ الشمس، لا بضَبْطِ النجومِ؛ لأنَّ دلالةَ الشمسِ أوسَعُ وأيسَرُ، ودلالةَ النجمِ أضيَقُ وأشَقُّ، وإنْ كان النجمُ أدَقَّ وأضبَطَ؛ لأنَّ المقصودَ في معرفةِ جِهَةِ القِبْلةِ التوسعةُ؛ ولهذا لا يُشترَطُ التصويبُ على القِبْلةِ لِمَنْ كان بعيدًا عنها؛ وإنَّما الواجبُ الصلاةُ إلى جِهَتِها، ولكنْ مَن كان في المسجدِ يَرى البيتَ، فلا يَجْزِيهِ إلَّا التصويبُ، وفي
стр. 1261
"الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ، لمَّا خرَجَ النبيُّ ﷺ مِن الكَعْبةِ، ركَعَ ركعتَيْنِ في قُبُلِ الكعبةِ وقال: (هَذِهِ الْقِبْلَةُ) (١)، وفي البخاريِّ؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ: أنه صلَّى في وجهِ الكَعْبةِ ركعتَيْنِ (٢).
استقبالُ البعيد للقبلةِ:
ومَن كان في مكَّةَ فيُصلِّي جهةَ المسجدِ؛ كما فعَل النبيُّ ﷺ لمَّا صلَّى بالبَطْحَاء، وفيه أنه استقبَلَ جهةَ المسجدِ.
وأمَّا مَن كان مِن غيرِ أهلِ مكَّةَ، فيَستقبلُ جِهتَها ولو لم يُصِبْها؛ لأنَّ اللهَ أمَرَ بالصلاةِ ناحيتَها؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وفي ذلك قولُهُ ﷺ : (مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغرِبِ قِبْلَةٌ)؛ رواهُ الترمذي؛ مِن حديثِ المَقبُريِّ، عن أبي هريرةَ (٣)، ورواهُ الدارقطنيُّ؛ مِن حديثِ نافعٍ، عن ابنِ عمرَ (٤)، والحديثُ أَعَلَّهُ غيرُ واحدٍ مِن الحُفَّاظِ كأبي زُرْعةَ، فقال: "هذا وهمٌ، والحديثُ موقوفٌ" (٥)، والأشبَهُ وقفُه على عمرَ؛ فقد رواهُ عبيدُ اللهِ بن عمرَ، وعبدُ اللهِ بن عمرَ، ونافعُ بن أبي نُعَيْمٍ، وموسى بن عُقْبةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن عمرَ، موقوفًا.
ورواهُ مالكٌ، عن نافعٍ، عن عمرَ؛ كما في "المُوَطَّأِ" (٦).
ويدُلُّ على أنَّ المرادَ بقِبْلةِ المدينةِ جهةُ الجنوبِ بسَعَتِها، وتنتهي بالتصويبِ إلى الجهتَيْنِ الشرقِ والغربِ-: ما ثبَتَ في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن
стр. 1262
حديثِ أبي أيُّوبَ؛ قال ﷺ : (لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَو غَرِّبُوا) (١)، فجعَل النبيُّ ﷺ جهةَ الجنوبِ بالمدينةِ باتِّساعِها معظَّمةً؛ فلا تُستقبَلُ بالبولِ والغائطِ؛ لأجلِ القِبْلةِ.
وقد جاء أنَّ ما بينَ المشرِقِ والمغرِبِ قِبْلةٌ: عن عمرَ وعليٍّ وابنِ عمرَ وابنِ عبَّاسٍ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ وغيرِهم.
الانتفاعُ مِن الشمسِ والقمر للحسابِ وغيرِهِ:
وقد بيَّنَ اللهُ تعالى أنه جعَل القمرَ وقدَّرَهُ مَنازلَ لمعرِفةِ الحسابِ به، ومعرفةِ الشهورِ والأعوام، والناسُ يَنتفِعونَ مِن الشمسِ في عملِهم أكثَرَ مِن انتفاعِهم مِن القمر، وَيَنتفِعونَ مِن القمرِ في حسابِهِمْ أكثَرَ مِن انتفاعِهم مِن الشمسِ؛ فإنَّ الإنسانَ يَعرِفُ بالشمسِ اليومَ والليلةَ، ودخولَ النهارِ ودخولَ الليل، وبالقمرِ يَعرِفُ حسابَ الشهورِ والأعوام، وبها تكونُ عقودُ البيعِ وعهودُ الحربِ والسلمِ وعِدَدُ الطلاقِ والوفاةِ وغيرُ ذلك، وبه تُعرَفُ مواسمُ العبادةِ؛ كرمضانَ والحجّ، والشمسُ أنفَعُ في العملِ؛ لأنَّ العملَ يتعلَّقُ بالحال، وأعظَمُ أعمالِ الحالِ الدينيَّةِ الصلاةُ، فتُعرَفُ بالشمسِ لا بالقمر، وأعظَمُ أعمالِ الدُّنيا: كَسْبُ العيشِ والضَّرْبُ في الأرض، وذلك يكونُ بالشمس، وأمَّا القمرُ فللآجالِ البعيدةِ؛ دينيَّةً؛ كالحجِّ ورمضانَ، ودنيويَّةً؛ كآجالِ البيوعِ وغيرِه، وما بينَهما مِن عِدَدِ الطلاقِ والوفاةِ ونحوِها.
والناسُ في يومِهم يحتاجونَ إلى نُورِ الشمس، وفي الشهورِ والأعوامِ يحتاجونَ إلى مَنَازلِ القمرِ؛ ولذا قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾
стр. 1263
[يونس: ٥]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء: ١٢]، وقال: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩].
الحكمةُ مِن النجومِ:
وذكَرَ اللهُ النجومَ للاهتداءِ بها في سَيْرِ البَرِّ والبحرِ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾، وظاهرُ ذلك: أنَّ النجومَ لم تُجعَلْ لمعرِفةِ مواقيتِ الصلاةِ، ولا جهةِ القِبْلةِ؛ فأمَّا مواقيتُ الصلاة، فتُعرَفُ كلَّها بالشمس، ودَلَالةُ الشمسِ عليها ظاهِرةٌ إلَّا صلاةَ العشاء، فدَلَالتُها عليها باطنةٌ، فبمغيبِ الشمسِ تَظهَرُ النجومُ، فإنْ بعُدَتِ اشتَبَكَتْ، فدخَلَ وقتُ العِشَاء، وإنِ اقترَبَتْ مِن المشرِق، بدأَتِ النجومُ بالإدبارِ والخَفَاءِ؛ فانتهَى وقتُ العِشَاءِ ودخَلَ الفجرُ، وهذا في حقيقتِهِ الباطنةِ مِن دلالةِ الشمس، وفي حقيقتِهِ الظاهرةِ مِن دَلَالةِ النجومِ؛ كما في "المسنَدِ"، و"السُّننِ"؛ مِن حديثِ أبي أيُّوبَ؛ قال ﷺ : (لَا تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى الْفِطْرَة، مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا المَغْرِبَ حَتَّى تَشْتَبِكَ النُّجُومُ) (١)، وبإدبارِ النجومِ يَنتهي وقتُ العِشاءِ ويَطلُعُ الفجرُ؛ كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩]، وصلاةُ الليلِ وقتٌ لصلاةِ العِشاءِ على الأرجح، وقد كان وقتُ قيامِ النبيِّ ﷺ وأصحابِهِ يَبدأُ بعدَ العِشَاءِ ويَنتهي بالفجر، وقد قال غيرُ واحدٍ مِن السلفِ: إنَّ المرادَ بقولِهِ: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ هو دخولُ الفجر، والمرادَ بالتسبيحِ الصلاةُ، وهي الركعتانِ قبلَ الصبحِ؛ كما قاله عليٌّ وابنُ عبَّاسٍ، والشعبيُّ والنخَعيُّ وقتادةُ (٢).
стр. 1264
الاهتداءُ بالشمس إلى القبلةِ:
وأمَّا جِهةُ القِبْلة، فيُهتدَى بها بمعرِفةِ مَطلِعِ الشمسِ ومَغرِبِها وما بينَ ذلك مِن جهاتٍ، فالمقصودُ مِن ذلك التوسِعةُ، وأمَّا الاهتِداءُ بالنجوم، فهو تضييقٌ مع كونِه أدَقَّ إلَّا أنه أشَقُّ، والتيسيرُ في أمرِ القِبْلةِ مقصودٌ؛ ولذا جعَلَ اللهُ الاهتداءَ بالنجومِ لمعرِفةِ مسالكِ السائِرِينَ في البَرِّ والبحر، لا معرفةِ تصويبِ القِبْلةِ.
وأمَّا ما رواهُ المُعافَى بن عِمْرانَ، عن عمرَ بنِ الخطَّابِ؛ أنه قال: "تَعَلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ مَا تَعْرِفُونَ بِهِ الْقِبْلَةَ وَالطَّرِيقَ، ثُمَّ أَمْسِكُوا" (١)، فقد رواهُ المُعافَى، عن مِسعرٍ، عن أبي عونٍ الثَّقَفيّ، عن عمرَ، ولم يَسمَعْهُ مِن عمرَ، وقد نقَل الأَثْرَمُ، عن أحمدَ؛ أنه قِيلَ له: قِبْلةُ أهلِ بغدادَ على الجَدْيِ؟ فجعَل يُنكِرُ أمرَ الجَدْي، فقال: أَيْشٍ الجَدْيُ؟ ولكنْ على حديثِ عمرَ: "مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ قِبْلَةٌ" (٢).
الاستدلالُ بالنجوم على القبلةِ:
وأمَّا ما يَرِدُ في كلامِ بعضِ الأئمَّةِ السالِفينَ مِن الاستدلالِ بالنجمِ على القِبْلة، فإنَّهم يُريدونَ بذلك معرِفةَ الجهةِ لا التصويبِ؛ لأنَّ السائرَ في الليلِ يَتِيهُ عن معرفةِ الجهاتِ الأربع، فلا يَعرِفُ المشرِقَ مِن المغرِب، فهو يجعلُ النجومَ بمقامِ الشمسِ التي تُبيِّنُ له الجهات، فإنِ اهتَدى بالنجمِ إلى معرفةِ الجهات، عرَفَ القِبْلةَ مِن الجهاتِ بعدَ ذلك، وجعَل القِبْلةَ بينَ جهتَيْنِ منها، فالنجمُ يُهتدَى به إلى معرفةِ الجهةِ التي يَفقِدُها لظلامِ الليلِ بفِقْدانِ الشمس، وليس للسائرِ الذي يَعرِفُ الجهاتِ أنْ يتكلَّفَ بالنجمِ ليصوِّب إلى القِبْلةِ؛ لأنَّه يُخالِفُ المقصودَ مِن التيسيرِ
стр. 1265
والسَّعَة، وذلك شبيهٌ بالاهتِداءِ بالحسابِ لمعرفةِ دخولِ الشهرِ وانصرامِه؛ فإنَّ الشارعَ علَّقَ الأمرَ بالرُّؤْيةِ مع كونِ الحسابِ دقيقًا؛ لأنَّ الرؤيةَ مقصودةٌ ليُسْرِها، فعُلِّقَ الحُكْمُ بها.
وقد كانتِ العربُ تَعرِفُ الجهاتِ في الليلِ بالنجومِ والرِّيَاح، ومَنَارَاتِ الأرضِ مِن جبالٍ وسهولٍ، ولكنَّ النجومَ أوسَعُ لكلِّ أحدٍ في بَرِّه وبَحْرِه، وما يُروَى عن ابنِ عبَّاسٍ، عن النبيِّ ﷺ ؛ أنه قال: (الجَدْيُ عَلَيْهِ قِبْلَتُكُمْ، وَبِهِ تَهْتَدُونَ فِي بَرِّكُمْ وَبَحْرِكُمْ؛ إِنَّهُ لَا يَزُولُ) (١)، فلا أصلَ له.
* * *
قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨]، وقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١].
حكمُ التسميةِ على الذبيحةِ:
تقدَّمَ في سورةِ المائدةِ الكلامُ على حُكمِ التسميةِ على سبيلِ الإجمال، والصوابُ: أنَّ العِبْرةَ بالنِّيَّةِ والذَّبْحِ والذابحِ؛ فما ذبَحَهُ غيرُ المسلِمِ والكتابيّ، يحرُمُ ولو سُمِّيَ عليه، وما خُنِقَ أو وُقِذَ، فلا يَحِلُّ ولو سُمِّيَ عليه، ولو كان الخانقُ مسلِمًا، وما سُمِّيَ عليه وذُبِحَ مِن غيرِ المسلِمِ والكتابيّ، فلا يَحِلُّ؛ لأنَّ المجوسَ لو سَمَّوْا لم تُؤكَلْ ذبائحُهم، وجملةُ الأقوالِ في وجوبِ التسميةِ عن الأئمَّةِ قولانِ:
الأوَّلُ: قالوا بوجوبِ التسمية، وأنَّ ما ذبُحَ ولم يُسَمَّ عيه، لا يَحِلُّ