← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

"الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ، لمَّا خرَجَ النبيُّ ﷺ مِن الكَعْبةِ، ركَعَ ركعتَيْنِ في قُبُلِ الكعبةِ وقال: (هَذِهِ الْقِبْلَةُ) (١)، وفي البخاريِّ؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ: أنه صلَّى في وجهِ الكَعْبةِ ركعتَيْنِ (٢). استقبالُ البعيد للقبلةِ: ومَن كان في مكَّةَ فيُصلِّي جهةَ المسجدِ؛ كما فعَل النبيُّ ﷺ لمَّا صلَّى بالبَطْحَاء، وفيه أنه استقبَلَ جهةَ المسجدِ. وأمَّا مَن كان مِن غيرِ أهلِ مكَّةَ، فيَستقبلُ جِهتَها ولو لم يُصِبْها؛ لأنَّ اللهَ أمَرَ بالصلاةِ ناحيتَها؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وفي ذلك قولُهُ ﷺ : (مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغرِبِ قِبْلَةٌ)؛ رواهُ الترمذي؛ مِن حديثِ المَقبُريِّ، عن أبي هريرةَ (٣)، ورواهُ الدارقطنيُّ؛ مِن حديثِ نافعٍ، عن ابنِ عمرَ (٤)، والحديثُ أَعَلَّهُ غيرُ واحدٍ مِن الحُفَّاظِ كأبي زُرْعةَ، فقال: "هذا وهمٌ، والحديثُ موقوفٌ" (٥)، والأشبَهُ وقفُه على عمرَ؛ فقد رواهُ عبيدُ اللهِ بن عمرَ، وعبدُ اللهِ بن عمرَ، ونافعُ بن أبي نُعَيْمٍ، وموسى بن عُقْبةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن عمرَ، موقوفًا. ورواهُ مالكٌ، عن نافعٍ، عن عمرَ؛ كما في "المُوَطَّأِ" (٦). ويدُلُّ على أنَّ المرادَ بقِبْلةِ المدينةِ جهةُ الجنوبِ بسَعَتِها، وتنتهي بالتصويبِ إلى الجهتَيْنِ الشرقِ والغربِ-: ما ثبَتَ في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن

стр. 1262

حديثِ أبي أيُّوبَ؛ قال ﷺ : (لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَو غَرِّبُوا) (١)، فجعَل النبيُّ ﷺ جهةَ الجنوبِ بالمدينةِ باتِّساعِها معظَّمةً؛ فلا تُستقبَلُ بالبولِ والغائطِ؛ لأجلِ القِبْلةِ. وقد جاء أنَّ ما بينَ المشرِقِ والمغرِبِ قِبْلةٌ: عن عمرَ وعليٍّ وابنِ عمرَ وابنِ عبَّاسٍ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ وغيرِهم. الانتفاعُ مِن الشمسِ والقمر للحسابِ وغيرِهِ: وقد بيَّنَ اللهُ تعالى أنه جعَل القمرَ وقدَّرَهُ مَنازلَ لمعرِفةِ الحسابِ به، ومعرفةِ الشهورِ والأعوام، والناسُ يَنتفِعونَ مِن الشمسِ في عملِهم أكثَرَ مِن انتفاعِهم مِن القمر، وَيَنتفِعونَ مِن القمرِ في حسابِهِمْ أكثَرَ مِن انتفاعِهم مِن الشمسِ؛ فإنَّ الإنسانَ يَعرِفُ بالشمسِ اليومَ والليلةَ، ودخولَ النهارِ ودخولَ الليل، وبالقمرِ يَعرِفُ حسابَ الشهورِ والأعوام، وبها تكونُ عقودُ البيعِ وعهودُ الحربِ والسلمِ وعِدَدُ الطلاقِ والوفاةِ وغيرُ ذلك، وبه تُعرَفُ مواسمُ العبادةِ؛ كرمضانَ والحجّ، والشمسُ أنفَعُ في العملِ؛ لأنَّ العملَ يتعلَّقُ بالحال، وأعظَمُ أعمالِ الحالِ الدينيَّةِ الصلاةُ، فتُعرَفُ بالشمسِ لا بالقمر، وأعظَمُ أعمالِ الدُّنيا: كَسْبُ العيشِ والضَّرْبُ في الأرض، وذلك يكونُ بالشمس، وأمَّا القمرُ فللآجالِ البعيدةِ؛ دينيَّةً؛ كالحجِّ ورمضانَ، ودنيويَّةً؛ كآجالِ البيوعِ وغيرِه، وما بينَهما مِن عِدَدِ الطلاقِ والوفاةِ ونحوِها. والناسُ في يومِهم يحتاجونَ إلى نُورِ الشمس، وفي الشهورِ والأعوامِ يحتاجونَ إلى مَنَازلِ القمرِ؛ ولذا قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾

стр. 1263

[يونس: ٥]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء: ١٢]، وقال: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩]. الحكمةُ مِن النجومِ: وذكَرَ اللهُ النجومَ للاهتداءِ بها في سَيْرِ البَرِّ والبحرِ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾، وظاهرُ ذلك: أنَّ النجومَ لم تُجعَلْ لمعرِفةِ مواقيتِ الصلاةِ، ولا جهةِ القِبْلةِ؛ فأمَّا مواقيتُ الصلاة، فتُعرَفُ كلَّها بالشمس، ودَلَالةُ الشمسِ عليها ظاهِرةٌ إلَّا صلاةَ العشاء، فدَلَالتُها عليها باطنةٌ، فبمغيبِ الشمسِ تَظهَرُ النجومُ، فإنْ بعُدَتِ اشتَبَكَتْ، فدخَلَ وقتُ العِشَاء، وإنِ اقترَبَتْ مِن المشرِق، بدأَتِ النجومُ بالإدبارِ والخَفَاءِ؛ فانتهَى وقتُ العِشَاءِ ودخَلَ الفجرُ، وهذا في حقيقتِهِ الباطنةِ مِن دلالةِ الشمس، وفي حقيقتِهِ الظاهرةِ مِن دَلَالةِ النجومِ؛ كما في "المسنَدِ"، و"السُّننِ"؛ مِن حديثِ أبي أيُّوبَ؛ قال ﷺ : (لَا تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى الْفِطْرَة، مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا المَغْرِبَ حَتَّى تَشْتَبِكَ النُّجُومُ) (١)، وبإدبارِ النجومِ يَنتهي وقتُ العِشاءِ ويَطلُعُ الفجرُ؛ كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩]، وصلاةُ الليلِ وقتٌ لصلاةِ العِشاءِ على الأرجح، وقد كان وقتُ قيامِ النبيِّ ﷺ وأصحابِهِ يَبدأُ بعدَ العِشَاءِ ويَنتهي بالفجر، وقد قال غيرُ واحدٍ مِن السلفِ: إنَّ المرادَ بقولِهِ: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ هو دخولُ الفجر، والمرادَ بالتسبيحِ الصلاةُ، وهي الركعتانِ قبلَ الصبحِ؛ كما قاله عليٌّ وابنُ عبَّاسٍ، والشعبيُّ والنخَعيُّ وقتادةُ (٢).

стр. 1264

الاهتداءُ بالشمس إلى القبلةِ: وأمَّا جِهةُ القِبْلة، فيُهتدَى بها بمعرِفةِ مَطلِعِ الشمسِ ومَغرِبِها وما بينَ ذلك مِن جهاتٍ، فالمقصودُ مِن ذلك التوسِعةُ، وأمَّا الاهتِداءُ بالنجوم، فهو تضييقٌ مع كونِه أدَقَّ إلَّا أنه أشَقُّ، والتيسيرُ في أمرِ القِبْلةِ مقصودٌ؛ ولذا جعَلَ اللهُ الاهتداءَ بالنجومِ لمعرِفةِ مسالكِ السائِرِينَ في البَرِّ والبحر، لا معرفةِ تصويبِ القِبْلةِ. وأمَّا ما رواهُ المُعافَى بن عِمْرانَ، عن عمرَ بنِ الخطَّابِ؛ أنه قال: "تَعَلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ مَا تَعْرِفُونَ بِهِ الْقِبْلَةَ وَالطَّرِيقَ، ثُمَّ أَمْسِكُوا" (١)، فقد رواهُ المُعافَى، عن مِسعرٍ، عن أبي عونٍ الثَّقَفيّ، عن عمرَ، ولم يَسمَعْهُ مِن عمرَ، وقد نقَل الأَثْرَمُ، عن أحمدَ؛ أنه قِيلَ له: قِبْلةُ أهلِ بغدادَ على الجَدْيِ؟ فجعَل يُنكِرُ أمرَ الجَدْي، فقال: أَيْشٍ الجَدْيُ؟ ولكنْ على حديثِ عمرَ: "مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ قِبْلَةٌ" (٢). الاستدلالُ بالنجوم على القبلةِ: وأمَّا ما يَرِدُ في كلامِ بعضِ الأئمَّةِ السالِفينَ مِن الاستدلالِ بالنجمِ على القِبْلة، فإنَّهم يُريدونَ بذلك معرِفةَ الجهةِ لا التصويبِ؛ لأنَّ السائرَ في الليلِ يَتِيهُ عن معرفةِ الجهاتِ الأربع، فلا يَعرِفُ المشرِقَ مِن المغرِب، فهو يجعلُ النجومَ بمقامِ الشمسِ التي تُبيِّنُ له الجهات، فإنِ اهتَدى بالنجمِ إلى معرفةِ الجهات، عرَفَ القِبْلةَ مِن الجهاتِ بعدَ ذلك، وجعَل القِبْلةَ بينَ جهتَيْنِ منها، فالنجمُ يُهتدَى به إلى معرفةِ الجهةِ التي يَفقِدُها لظلامِ الليلِ بفِقْدانِ الشمس، وليس للسائرِ الذي يَعرِفُ الجهاتِ أنْ يتكلَّفَ بالنجمِ ليصوِّب إلى القِبْلةِ؛ لأنَّه يُخالِفُ المقصودَ مِن التيسيرِ

стр. 1265

والسَّعَة، وذلك شبيهٌ بالاهتِداءِ بالحسابِ لمعرفةِ دخولِ الشهرِ وانصرامِه؛ فإنَّ الشارعَ علَّقَ الأمرَ بالرُّؤْيةِ مع كونِ الحسابِ دقيقًا؛ لأنَّ الرؤيةَ مقصودةٌ ليُسْرِها، فعُلِّقَ الحُكْمُ بها. وقد كانتِ العربُ تَعرِفُ الجهاتِ في الليلِ بالنجومِ والرِّيَاح، ومَنَارَاتِ الأرضِ مِن جبالٍ وسهولٍ، ولكنَّ النجومَ أوسَعُ لكلِّ أحدٍ في بَرِّه وبَحْرِه، وما يُروَى عن ابنِ عبَّاسٍ، عن النبيِّ ﷺ ؛ أنه قال: (الجَدْيُ عَلَيْهِ قِبْلَتُكُمْ، وَبِهِ تَهْتَدُونَ فِي بَرِّكُمْ وَبَحْرِكُمْ؛ إِنَّهُ لَا يَزُولُ) (١)، فلا أصلَ له. * * * قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨]، وقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]. حكمُ التسميةِ على الذبيحةِ: تقدَّمَ في سورةِ المائدةِ الكلامُ على حُكمِ التسميةِ على سبيلِ الإجمال، والصوابُ: أنَّ العِبْرةَ بالنِّيَّةِ والذَّبْحِ والذابحِ؛ فما ذبَحَهُ غيرُ المسلِمِ والكتابيّ، يحرُمُ ولو سُمِّيَ عليه، وما خُنِقَ أو وُقِذَ، فلا يَحِلُّ ولو سُمِّيَ عليه، ولو كان الخانقُ مسلِمًا، وما سُمِّيَ عليه وذُبِحَ مِن غيرِ المسلِمِ والكتابيّ، فلا يَحِلُّ؛ لأنَّ المجوسَ لو سَمَّوْا لم تُؤكَلْ ذبائحُهم، وجملةُ الأقوالِ في وجوبِ التسميةِ عن الأئمَّةِ قولانِ: الأوَّلُ: قالوا بوجوبِ التسمية، وأنَّ ما ذبُحَ ولم يُسَمَّ عيه، لا يَحِلُّ

стр. 1266

ولو كان الذابحُ مسلمًا ولم يَذكُرِ اسمَ غيرِ اللهِ عليه سواءً؛ وهذا قولُ الجمهورِ: أبي حنيفةَ ومالكٍ وأحمدَ، اتَّفَقَ هؤلاءِ في العامد، ولكنَّهم اختلَفُوا في تارِكِ التسميةِ نسيانًا، على قولَيْنِ هما روايتانِ عن أحمدَ، والجمهورُ: على أنه معذورٌ. وقال بعُذرِ الناسِي مِن الأصحابِ: ابنُ قُدامةَ، وجماعةٌ. وقيل: إنَّ الناسيَ كالعامد، وهذا روايةٌ عن أحمدَ؛ قال بها جماعةٌ مِن الأصحابِ؛ كأبي الخطَّاب، وابنِ تيميَّةَ؛ أخذًا بظاهرِ الأدلَّةِ مِن القرآنِ؛ كما في الآياتِ السابقة، وكما في قولِهِ ﷺ : (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْه، فَكُلُوا) (١)، وأنَّه في الحديثِ قرَنَ ذِكْرَ اسمِ اللهِ وخروجَ الدمِ سواءً، فكما لا يسقُطُ خروجُ الدمِ بالنِّسْيان، فكذلك التسميةُ، وكذلك: الذابحُ خَنْقًا بلا عمدٍ كالتاركِ للتسميةِ نسيانًا. الثاني: أنَّ التسميةَ سُنَّةٌ ولا تَجِبُ، وتَرْكَها عمدًا فضلًا عن السهوِ لا يَضُرُّ، ما لم يَنْوِ بها غيرَ اللهِ أو يُهِلَّ به غيرَ اسمِ اللهِ؛ وهو قولُ الشافعيّ، وروايةٌ عن أحمدَ، وهو مذهبُ الشافعيَّة، وقد صحَّ هذا المعنى عن ابنِ عبَّاسٍ وجماعةٍ مِن أصحابِه؛ وهو الأقربُ للصوابِ. التسميةُ والإهلالُ عند الذبح: والمرادُ بإيجابِ التسميةِ قَصْدُ الإهلالِ؛ لأنَّ العربَ تُهِلُّ بذبحِها لأصنامِها وتذكُرُ اسمَها لا اسمَ اللهِ؛ فجاء ما يُنافي ذلك ويُناقِضُهُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، وهذا الفِسْقُ في الآيةِ هو الفِسْقُ في الآيةِ الأُخرى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَو فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]؛ فالمقصودُ به: الإهلالُ لغيرِ الله، لا مجرَّدُ

стр. 1267

تركِ التسميةِ مِن الموحِّد، وقد تُترَكُ التسميةُ نسيانًا ولا يكونُ ذلك فِسْقًا؛ ولهذا جاء بيانُ ذلك القصدِ في مواضعَ؛ فذكَرَ اللهُ المحرَّماتِ وجعَلَ منها قولَهُ: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، فلم يذكُرِ اللهُ في موضعٍ واحدٍ ما أُهِلَّ به لغيرِ اللهِ وما لم يُذكَرِ اسمُ اللهِ عليه؛ لأنَّ المقصودَ بهما معنًى واحدٌ، ولو كانَا معنيَيْن، لذُكِرَا جميعًا في آيةٍ واحدةٍ، ولكنَّهما يَتناوَبانِ بالقصدِ فيُغني أحدُهما عن الآخَرِ عندَ ذِكْرِه، والمعنى المشتَرَكُ بينَهما هو القصدُ. تاركُ التسميةِ عند الذبح عمدًا: والتارِكُ المتعمِّدُ للتسميةِ إنْ كان تركُهُ لها يَعتقِدُ عدمَ وجوبِ الذبحِ لله، فذلك فِسْقٌ كما في الآيةِ؛ لأنَّه شارَكَ المشرِكِينَ في عدمِ قصدِ الله، ولم يُشارِكْهُمْ في قصدِ أوثانِهم. والمشابَهَةُ بينَ إنهارِ الدمِ بالذبحِ والتسميةِ وتركِهما، وقياسُ نِسْيانِ التسميةِ على نسيانِ الذبحِ والإماتةِ بالخَنْقِ أو الصَّعْقِ قياسٌ مع الفارقِ؛ لأنَّ عِلَّةَ الأمرِ بالذبحِ عدمُ حبسِ الدمِ في البهيمةِ؛ فنِسْيانُ الذبحِ كالعمدِ فيه، بخلافِ تعمُّدِ تركِ التسميةِ؛ فلا يُوجَدُ عِلَّةٌ تقومُ في المذبوحِ وإنَّما في الذابح، وما تعلَّقَ بالذابحِ إنْ جعَل القصدَ لغيرِ الله، فهي محرَّمةٌ، لا لخُبْثِ لحمِها؛ وإنَّما لحُكْمِها، كتحريمِ الذهبِ والحريرِ على الرِّجال، وتَلبَسُهُ النِّساءُ، فهذا مِن الأحكامِ التي لا تتعلَّقُ عِلَّةُ التحريمِ فيها بنجاسةِ العَيْنِ المحرَّمة، وإنَّما بما اقترَنَ بها. ومَن تعمَّدَ تركَ التسميةِ تهاوُنًا ولم يَقصِدْ بها غيرَ اللهِ ولم يُسَمِّ غيرَه، فلا تحرُمُ ذبيحتُهُ على الأرجح، وإنْ قيل بتأثيمِهِ. فالقولُ بوجوبِ التسميةِ عندَ الذبحِ مع عدمِ تحريمِ المذبوحِ عندَ تعمُّدِ تركِها، أقرَبُ إلى الصوابِ مِن القولِ بوجوبِ التسميةِ وتحريمِ أكلِها

стр. 1268

عندَ تعمُّدِ تركِها، ويُنسَبُ إلى بعضِ الأئمَّةِ أقوالٌ في حُرْمةِ أكلِ ما تُرِكَتِ التسميةُ عليه عمدًا مِن بهيمةِ الأنعامِ؛ لأنَّهم يقولونَ بوجوبِ التسمية، والقولُ بوجوبِ التسميةِ لا يَلزَمُ منه جعلُ الذبيحةِ في حُكْمِ الميتةِ إلَّا لِمَنْ صرَّحَ بذلك، أو كانتْ أُصولُهُ تَقتضي ذلك. واللهُ قد أحَلَّ ذبيحةَ أهلِ الكتاب، ولم يُلزِمْ أهلَ الإيمانِ بالتحرِّي في تسميتِهم على ذبائحِهم، وتركُهُمْ لذِكْرِ اسمِ اللهِ على الذبيحةِ يقعُ منهم أكثَرَ مِن أهلِ الإسلامِ؛ وهدا ظاهرٌ في حديثِ عائشةَ؛ أنَّ قومًا قالوا للنبيِّ ﷺ : إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَا بِاللَّحْم، لَا نَدْرِي: أَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فقال: (سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ)، قالتْ: وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْدِ بِالكُفْرِ (١). وأمَّا حديثُ: (ذَبِيحَةُ المُسْلِمِ حَلَالٌ، سَمَّى أَو لَمْ يُسَمِّ، مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ، والصَّيْدُ كَذَلِكَ)، فرواهُ عبدُ بن حُمَيْدٍ في "تفسيرِه"؛ مِن حديثِ راشدِ بنِ سعدٍ، مرسلًا (٢). * * * قال تعالى: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨ - ١٣٩]. تقدَّمَ في مواضعَ ذِكْرُ ما حرَّمَهُ الجاهليُّونَ على أنفسِهِمْ مِن السائبةِ

стр. 1269

والوَصِيلةِ والحَام، وهذه الآيةُ في معناها؛ فقولُه تعالى، ﴿حِجْرٌ﴾؛ يعني: محرَّمًا، وهو مِن احتِجارِ الشيءِ واحتجازِهِ عن التصرُّفِ به، فهو محجورٌ لآلهتِهم؛ كما جاء معناهُ عن ابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ وقتادةَ وغيرِهم (١)، ومِن ذلك قولُ اللهِ: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢]. وقولُه تعالى عن قولِ الجاهليِّينَ: ﴿لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾؛ يعني: أنَّ الأصلَ فيها الحُرْمةُ، فهم وقَعُوا في شِرْكِ التشريعِ بوجهَيْهِ: تحريمِ الحلالِ الذي أحَلَّ اللهُ، فجعَلُوهُ هو الأصلَ، وتحليلِ الحرامِ الذي حرَّمَهُ اللهُ، فجعَلُوهُ استثناءً، لِمَنْ يُريدونَ لا لِمَنْ يُريدُ اللهُ؛ فشارَكوا اللهَ في حُكْمِه. وقولُهم: ﴿مَنْ نَشَاءُ﴾ رُوِيَ أنَّهم جعَلوه حلالًا لنسائِهم دونَ رِجَالِهم. وقولُه تعالى: ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾، والمرادُ: ما حرَّمُوا ركوبَهُ مِن الأنعامِ؛ كالبَحِيرَةِ والسَّائبةِ والوَصِيلةِ والحامِ. ومِن تلك الأنعامِ أنعامٌ لا يَذكُرونَ اسمَ اللهِ عليها؛ وإنَّما يَذكُرونَ اسمَ أصنامِهم وأوثانِهم. ومِن تشريعِهِمُ الباطلِ: أنْ تعدَّى تحريمُهُمْ لظاهرِ الأنعامِ إلى تحريمِ ما في بطونِها مِن لَبَنٍ ووَلَدٍ، فجعَلُوا ما في هذه البطونِ حِلًّا للذكور، وحرامًا على الإناث، وما كان ممَّا وُلِدَ مِن بطونِها خرَجَ ميِّتًا فيَشترِكُ فيه الذكورُ والإناثُ؛ وهذا شِرْكٌ في التشريع، وظلمٌ في الحقوقِ. * * *

стр. 1270

قال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠]. سببُ قتلِ الجاهليّةِ للأولاد: كان أهلُ الجاهليَّةِ يَقتُلونَ أولادَهُمْ لعلَّتَيْنِ: الأُولى: قتلُهُمْ خوفَ الفقرِ والفاقة، وهذا يشملُ الذكورَ والإناثَ؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١]. الثانيةُ: قتلُهُمْ خوفَ العارِ؛ فيَخُصُّونَ به الأُنثى دونَ الذَّكَر، فيَئِدُونَها عندَ ولادتِها أو بعدَها؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٨ - ٥٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨ - ٩]. وكانوا يَقتُلُونَها خَشْيةَ عارِها، وعارُها يكونُ بفِعْلِها الفاحشةَ أو تَغَزُّلِ الرِّجالِ بها، أو بسَبْيِها؛ حيثُ يَقتُلُ بعضُهُمْ بعضًا، فيَتَسَابَوْنَ النِّساءَ حتى تكونَ الحُرَّةُ عندَ غزوِ القومِ عليها تُسفِرُ عن وَجْهِها؛ حتى تُظَنَّ أنَّها أَمَةٌ لا حُرَّةٌ فلا يَسْبُوها؛ فقد كانوا يَطمَعونَ في الحرائرِ ليكونَ أشَدَّ إيلامًا لعدوِّهم وأكثَرَ إذلالًا له. وحتى لا ينقطِعَ نَسْلُهُمْ لحاجتِهم إلى الأزواج، كانوا يَئِدُونَ جاريةً وَيَسْتَحْيُونَ أُخرى، وقد صحَّ عن عكْرِمةَ قولُهُ: "تَئِدُ البناتِ ربيعةُ ومُضَرُ؛ كان الرجلُ يَشترِطُ على امرأتِهِ أنْ تَستَحْيِيَ جاريةً وتَئِدَ أُخرى" (١).

стр. 1271

وقد بيَّنَ اللهُ خسارتَهُمْ وضَعْفَ عقولِهم وجَهْلَهم؛ فقد كان الواحدُ منهم يقتُلُ ولدَهُ خوفَ الفَاقَة، ويُطعِمُ كَلْبَهُ، خِسِرُوا في الدُّنيا أولادَهم، وفي الآخِرةِ رحمةَ اللهِ ورِضاهُ؛ فلا أقامُوا دُنيا، ولا حَفِظُوا دِينًا. وفِعْلُ العربِ هذا كان في جاهليَّتِهم القريبةِ التي بُعِثَ فيها محمدٌ ﷺ ، وليس في أُمَمٍ غابرةٍ؛ فإنَّ اللهَ يتكلَّمُ عمَّا كانوا عليه حالَ البَعْثةِ. وقد رأيتُ مَن يُنكِرُ وَأْدَ الأولادِ ذكورًا وإناثًا ويَنفِيهِ عن العرب، ويَنسُبُهُ إلى غيرِهم، وهذا خطأٌ؛ فقد روى البخاريُّ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄؛ قال: "إِذَا سَرَّكَ أَنْ تَعْلَمَ جَهْلَ العَرَب، فَاقْرَأْ مَا فَوْقَ الثَّلَاثِينَ وَمِئِةً فِي سُورَةِ الأَنْعَامِ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (١). وأدُ الأجنَّةِ المعاصِرُ: واليومَ يحصُلُ مِن بعضِ الناسِ وَأْدُ الأجنَّةِ بعدَ نفخِ الرُّوحِ فيها، وهو الوَأْدُ الجديدُ، بإسقاطِ الجنينِ خوفَ الفقرِ أو لتنظيمِ تسلسُلِ الأولادِ وتربيتِهم، وهذه عِلَلٌ وأعذارٌ أضعَفُ وأَوْهَى مِن أعذارِ الجاهليَّةِ الأُولى، ولكنَّ الجاهليَّةَ الأُولى فاقَتْ بعِظَمِ وأدِها أنَّها تَئِدُ مواليدَها بعدَ الولادة، والجاهليُّونَ اليومَ يَئِدُونَ الأنفُسَ في بطونِ أمَّهاتِها. وأمَّا إسقاطُ الأَجِنَّةِ الحيَّةِ مِن البطون، فيأتي مزيدُ كلامٍ عليه عندَ قولِه تعالى في سورةِ الكهفِ: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [٨٠]. * * *

стр. 1272

قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]. وقولُهُ تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾؛ يعني: زمنَ الحصادِ والصِّرَامِ. وجاء في تفسيرِ معنى ﴿حَقَّهُ﴾ معنيانِ: الأوَّلُ: زكاتُهُ، والثاني: الإطعامُ منه: فأمَّا الزكاةُ فواجبةٌ، وبه فسَّرَهُ ابنُ عبَّاسٍ وأنسٌ (١). حُكْم الإطعام عند الحصاد: وأمَّا الإطعامُ عندَ الحصادِ للعابرِ والمَارّ، فقد كان معروفًا في العربِ وغيرِهم؛ يجتمِعُ الفقراءُ والمساكينُ عندَ الزروعِ ليَنالوا منه؛ كما قال تعالى عن أصحابِ الجَنَّةِ: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ١٧ - ٢٤]، وهذه الآيةُ تدُلُّ على أنَّ الإطعامَ قبلَ الزكاةِ كان واجبًا؛ لأنَّ اللهَ لا يُعاقِبُ ويُعذِّبُ بسببِ تركِ سُنَّةٍ ومُستحَبٍّ، ويكونُ الإطعامُ قبلَ كَيْلِهِ أو خَرْصِه، ثم إنْ كالَهُ أو خرَصَهُ يَعْزِلُ زكاتَهُ ولا يحسُبُ إطعامَهُ مِن الزكاةِ؛ قالهُ عطاءٌ

стр. 1273

وسعيدُ بن جُبيرٍ ومجاهدٌ وغيرُهم (١). وقد كان النبيُّ ﷺ يأمُرُ بالصدقةِ عندَ الصِّرَامِ والحَصادِ للفُقَراءِ والمُحتاجِين؛ كما روى أحمدُ، وأبو داودَ، عن جابرٍ بنِ عبد اللهِ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ أَمَرَ مِنْ كُلِّ جَادِّ عَشَرَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْر، بِقِنْوٍ يُعَلَّقُ فِي المَسْجِدِ لِلْمَسَاكِينِ (٢). وكان ابنُ عمرَ يقولُ: "كَانُوا يُعْطُونَ شَيْئًا سِوَى الزَّكَاةِ" (٣). ومَن فسَّرَها بالإطعامِ جعَلَ الآيةَ منسوخةً بالعُشْرِ ونِصْفِ العُشْر، ويَبقى الإطعامُ سُنَّةً لا واجبًا كسائرِ الإطعام، وبنسخِ وجوبِ الإطعامِ قال عامَّةُ السلفِ؛ كابنِ المسيَّبِ وعِكْرِمةَ والنخَعيِّ والحسنِ؛ قال عِكْرِمةُ: "نسَخَتِ الزكاةُ كلَّ صدقةٍ في القرآنِ" (٤). ومُرادُ عِكْرِمةَ كلُّ صدقةٍ واجبةٍ. والأظهَرُ: أنَّ النبيَّ ﷺ كان يأمُرُ بالإطعامِ عندَ الحَصَادِ والصَّرَامِ بلا تقديرٍ محدَّدٍ، ثم أمَرَ به بتقديرٍ، وهو الزكاةُ، وذلك في ثاني سَنَةٍ مِن الهجرة، وقال بالنسخِ بعضُ السلفِ؛ حتى لا يُظَنَّ أنَّ ثمَّةَ شيئًا واجبًا فوقَ الزكاةِ في ثمارِهم وزرعِهم. الزكاةُ عند الحصادِ: وزكاةُ الثِّمَارِ والحبوبِ تكونُ عندَ حَصَادِها وصِرَامِها؛ وهذا هو حَوْلُها، ولا يُنتظَرُ حتى يَدُورَ عليها الحَوْلُ، ومَن زرَعَ في العامِ ثمرًا أكثَرَ مِن مرَّةٍ، فإنَّه يُعطي زكاتَهُ عندَ كلِّ حصادٍ وصِرامٍ ولو في العامِ مرَّاتٍ؛ لأنَّ اللهَ قيَّدَ ذلك بيومِ الحطاد، وهو حولُ الثِّمارِ.

стр. 1274

مقدارُ الزكاةِ وأنواع الزروع: وأمَّا مِقدارُ الزكاة، فإنَّ الزروعَ على نوعَيْنِ: الأوَّلُ: ما سقَتْها السماءُ، أو كان عَثَرِيًّا يَشرَبُ بعُرُوقِهِ مِن ماءِ الأرضِ في باطنِها، أو ممَّا يُزرَعُ على أطرافِ الأنهار، فيَشْرَبُ منها بلا سَقْيٍ مِن آبارٍ أو آلاتٍ؛ فهذا نِصَابُهُ نِصْفُ العُشْرِ. الثاني: ما سُقِيَ مِن الآبارِ والنَّوَاضِحِ؛ فإنَّ نِصابَ زكاتِهِ رُبُعُ العُشرِ. وهذا مِن التخفيفِ على الناسِ في مُؤْنَتِهم، فلا يُحَمَّلُونَ ما لا يُطيقونَ، وإذا كانتِ العِلَّةُ كذلك، فما شَقَّ على الناسِ مِن الزروعِ التي تُسقى مِن السماء، فجاءتِ المَشقَّةُ والمَؤُونةُ بغيرِ السَّقْيِ؛ كمشقَّةِ السقيِ ومؤونتِهِ كالذين يَزرَعُونَ زروعًا لا تَنْبُتُ وحدَها، وإنَّما تحتاجُ إلى وضعِ محميَّاتٍ تستُرُها مِن الشمسِ؛ لأنَّها لا تنبُتُ إلَّا في الظلّ، ويُكلِّفُهم ذلك كما لو كُلِّفَ مَن سَقَى بالماء، فإنَّ زكاتَهُ رُبُعُ العُشرِ كما لو سقَى بالآبارِ؛ لجامعِ العِلَّة، وهو مِن التحفيفِ وأقرَبُ إلى المقاصد، وإنْ كانتِ المشقَّةُ أخَفَّ وأيسَرَ مِن ذلك، فتجبُ كما لو سقَتْهُ السماءُ بلا مشقَّةٍ؛ إعمالًا للأدلةِ. والإطلاقُ في إيجابِ إخراجِ حقِّ الثِّمارِ والزروعِ مقيَّدٌ بالمِقْدارِ الواردِ في السُّنَّة، فلا تجبُ الزكاةُ فيما كان دونَ خمسةِ أَوْسُقٍ؛ كما قال ﷺ : (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاقٍ مِنْ تَمْرٍ وَلَا حَبٍّ صَدَقَةٌ) (١). وقولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾: نهَى اللهُ عن السَّرَفِ بعدَ ذِكْرِهِ لحقِّ الزكاة، والسَّرَفُ: ما

стр. 1275

جاوَزَ الإنسانُ به حَدَّهُ المشروعَ، ويقعُ السَّرَفُ على مَعنيَيْنِ: الأولُ: في المشروعِ والمباحِ؛ فلا يجوز تجاوُزُ الحدِّ به، وهذا كمَنْ يضعُ مالَهُ في مباحٍ لا ينتفِعُ منه هو ولا غيرُهُ، فذلك سرَفٌ ولو كان قليلًا، ومنه مَن يضعُ مَالَهُ في محلٍّ ويتعطَّلُ بسببِ ذلك محلٌّ أَولى منه، كمَنْ يُهدِي الهديَّةَ مِن قُوتِ عيالِهِ الذي لا يجدُونَ غيرَهُ، فهذا جمَعَ بينَ مشروعَيْنِ: الهديَّةِ والنفقةِ؛ ولكنَّ النفقةَ أوجَبُ، فكانتِ الهديَّةُ سرَفًا؛ ولذا قال السُّدِّيُّ في معنى السَّرَفِ هنا: "لا تُعْطُوا أَمْوَالَكُمْ، وَتَقْعُدُوا فُقَرَاءَ" (١). الثاني: في الممنوعِ؛ فكلُّ مالٍ وُضِعَ في حرامٍ، فهو سَرَفٌ ولو كان ذَرَّةً، وقد قال مجاهدٌ: "لَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أَبِي قُبَيْسٍ ذَهَبًا فِي طَاعَةِ الله، لَمْ يَكُنْ إِسْرَافًا، وَلَوْ أَنْفَقْتَ صَاعًا فِي مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى، كَانَ إِسْرَافًا" (٢). * * * قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١]. هذه الآيةُ مِن آخِرِ ما نزَلَ على رسولِ اللهِ ﷺ ، وهي مِن المُحْكَمات، وذكَرَها ابنُ عبَّاسٍ مِن المقصودِ بقولِهِ تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] (٣)، وعن ابنِ مسعودٍ ﵁؛ قال: "مَن أرادَ أنْ يقرَأَ

стр. 1276

صحيفةَ رسولِ اللهِ ﷺ التي عليها خاتَمُهُ، فلْيَقْرَأْ هؤلاءِ الآياتِ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، إلى قولِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (١). وذلك أنَّ هذه الآياتِ ممَّا نزَلَ في المدينة، وجُلُّ سورةِ الأنعامِ نزَلَ بمكَّةَ، وحَكَى ابنُ عبد البَرِّ الإجماعَ على أنَّ الأنعامَ مكِّيَّةٌ إلَّا آياتِ الوَصَايَا الثلاثَ (٢). وقد روى أبو عُبَيْدٍ والطبرانيُّ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّها نزَلَتْ على رسول اللهِ ﷺ بمكَّةَ جُمْلةً واحدةً (٣). وقد تقدَّمَ في آيةٍ سابقةٍ مِن الأنعامِ الكلامُ على وَأْدِ البنتِ وقتلِ الولدِ. والإملاقُ هو الفقرُ، وفي قولِهِ تعالى: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ أراد أنَّ الذي رزَقَ الآباءَ مِن قبلُ هو الذي يتكفَّلُ برِزْقِ الأبناءِ مِن بعدُ، فالربُّ واحدٌ؛ فقد كان يَخشى الجَدُّ على ولدِه، فرزَقَ الجَدَّ وولدَهُ، ثم خاف الأبُ على وَلَدِه، فرزَقَ الأبَ ووَلَدَه، وهكذا فرَبُّ الأجيالِ واحدٌ. بركةُ الأولاد والآباء بعضهم على بعض: وفي قولِه في هذه السورةِ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾، مع قولِهِ في الإسراءِ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [٣١] إشارةٌ إلى أنَّ اللهَ يرزقُ الوالدَ بالولد، ويرزُقُ الولدَ بالوالد، رحمةً من الله فيهما متبادَلةً، ومِن ذلك ما في سورةِ الكهفِ في مالِ اليتيمَيْنِ؛ قال: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا

стр. 1277

أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف - ٨٢]، وقد يَحفَظُ اللهُ الوَلَدَ بصلاحِ والدِه، ولكنْ لا يُضيِّعُهُ لضياعِ والدِهِ؛ فلا تَزِز وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى؛ ولذا قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٨ - ٣٩]؛ وهذا في الدُّنيا والآخِرةِ؛ فيَلحَقُ الولدُ والدَهُ في الخيرِ في الآخِرةِ إنْ كانا مؤمنَيْن، ولا يَلحَقُهُ في الشرِّ وجزاؤُهُ بعَمَلِهِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١]. [قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)﴾ [الأنعام: ١٥٢]. تقدَّمَ الكلامُ على مالِ التيمِ وحِفْظِهِ والمُتاجَرةِ فيه وخلْطَتِه، ووقتِ بلوغِهِ ودفعِ المالِ إليه - في سورةِ البقرةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [٢٢٠]، وفي أوائلِ سورةِ النِّساءِ. والأَشُدُّ هو الرُّشْدُ في سورةِ النِّساء، وحَدَّهُ بعضُهُمْ بالحُلُمِ؛ كالشَّعْبيِّ ومالكٍ (١)، وحدَّه آخَرونَ بثمانيةَ عشَرَ (٢). وتقدَّمَ في سورةِ النِّساءِ الكلامُ على الشهادةِ على الأَقرَبِينَ عندَ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَو فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥]. * * *

стр. 1278

* قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]. المرادُ بالنُّسُكِ: الذبحُ عندَ عامَّةِ المفسِّرينَ، وفي الآيةِ: عمومُ جَرَيانِ الأحكامِ وسَرَيانِها على المكلَّفينَ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ متى قام مُوجِبُها عليهم؛ حيثُ قيَّدَ اللهُ حقَّ اللهِ على العبدِ في حياتِهِ بقولِهِ: ﴿وَمَحْيَايَ﴾، فأطلَقَهُ في عمومِ الحياة، ولم يُقيِّدْهُ بزمانٍ ولا مكانٍ. ومَن يقولُ مِن بعضِ المَلاحِدةِ اليومَ "إنَّ التكاليفَ في مواضعِ العِبادةِ ودُورِها فحَسْبُ، أو هي في التكليفاتِ الخاصَّةِ بالفردِ فقطْ؛ لا تكونُ في الأشياءِ المشتَرَكةِ بينَ الناسِ في مجتَمَعَاتِهم"؛ فيَجعَلونَهُ خاصَّةً بينَ العبدِ وبينَ ربِّه؛ كما يُقرِّرُهُ فلاسفةُ اللِّيبراليَّةِ والعَلْمانيَّةِ -: فهذا إلحادٌ وكُفْرٌ أشَدُّ مِن كفرِ الوثنيَّةِ؛ لأنَّ الوثنيَّةَ تعبُدُ اللهَ، وغيرَ الله، فتُشرِكُهُ بالعبادةِ مع أصنامِها، فقد جعَلُوا للهِ بعضَ الحقِّ في أنفسِهِمْ في كلِّ مكانٍ، وفلاسفة العَلْمانيَّةِ لم يَجعَلُوا للهِ حقًّا مطلَقًا في الحياةِ؛ تعالى اللهُ! * * * * قال تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. لا تَحمِل النفوسُ إلَّا أوزارَها وحَسَناتِها، التي كسَبَت بنفسِها أو دَلَّتْ غَيْرَها عليها؛ فأخَذَت إثمَ الدَّلَالةِ أو أجرَهَا وعَمَلَ المدلولِ ولو لم تَقُمْ بالعملِ بنفسِها؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس: ٥٤]، وقال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال: ﴿نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٨ - ٣٩]، وقال: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩].

стр. 1279

والوِزْرُ لا يُهدَى، ولو أراد أحدٌ في الدُّنيا أنْ يتحمَّلَ وِزْرَ غيرِهِ في الآخِرة، لم يكن له ذلك ما لم يَكْنْ هو الذي عَمِلَ الوِزْرَ أو دَلَّ عليه؛ بخلافِ الثوابِ فيُهدَى بشروطِهِ ولو لم يَعْلَمِ المُهدَى إليه؛ وهذا مِن رحمةِ اللهِ وعَدْلِهِ. ما يَنْفَعُ الحيَّ والميتَ من عملِ غيرِهِ: وفي "الصحيحِ"؛ قال ﷺ : (إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ، انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِه، أَو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) (١). ولا خلافَ عندَ السلفِ في أنَّ الصدقةَ الجاريةَ، والعِلْمَ الذي يُنتفَعُ به، ودعاءَ الوَلَدِ: ثلاثةٌ تَصِلُ إلى الميِّتِ بعدَ مَوْتِهِ؛ لظاهِرِ الحديثِ. وقد دَلَّ الدليلُ على غيرِها مِن الأعمالِ التي يَصِحُّ إهداؤُها إلى الميِّت، على خلافٍ عندَ العُلَماءِ في بعضِ أحوالِها وصُوَرِها، ومنها الحجُّ والعمرةُ. وذِكْرُ دعاءِ الولدِ لا يُخرِجُ دعاءَ غيرِهِ للميِّتِ بالإجماعٍ، فلو دعا غيرًا لولدِ لأحدٍ وتقبَّلَهُ اللهُ، نفَعَ صاحِبَهُ، فهو موقوفٌ على قَبُولِ اللهِ له، كما أنَّ دعاءَ الرجلِ لنفسِهِ موقوفٌ على قَبُولِ اللهِ له، وقد امتدَحَ اللهُ دعاءَ المؤمنينَ لِمَنْ سَبَقَهُمْ بقولِهِ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠]. وإنَّما ذكَرَ رسولُ اللهِ ﷺ الولدَ خاصَّةً؛ لأنَّه أولى الناسِ أنْ يَدْعوَ لأبيهِ وأَرْجَاهُم؛ فالميِّتُ يُنسى غالبًا إلَّا في ذُرِّيَّتِه، وفي ذلك إشارةٌ إلى استِصْلاحِ الأولادِ؛ رَغْبةً في دعائِهم.

стр. 1280

وإنَّما ذكَرَ دعاءَ الولدِ ولم يذكُرْ صَدَقةَ الولدِ مع قَبُولِها منه؛ إشارةً إلى أنَّ الأَولى أنْ يُقدِّمَ لنفسِهِ صدقةً جاريةً؛ فنفوسُ الناسِ حتى الأولادِ مجبولةٌ على الشُّحّ، فيَبخَلُ الولدُ بالنفقةِ على والدِهِ ولو كان يُحِبُّهُ، ولكنَّه لا يَبخَلُ بالدُّعَاءِ؛ لأنَّه لا يَنقُصُهُ شيئًا، فذكَرَ الصدقةَ الجاريةَ وأطلَقَها؛ إشارةً إلى أنَّ الميِّتَ ينبعي أنْ يُقدِّمَ لنفسِه، ولا ينتظِرَ غيرَه. إهداءُ الثوابِ: واختُلفَ في أكثرِ الأعمالِ كالذِّكْرِ والصلاةِ وقراءةِ القرآنِ والصومِ: هل يَصِحُّ إهداؤْها أو لا؟ على خلافٍ عندَ العلماءِ: وقد ذهَبَ أبو حنيفةَ وأحمدُ: إلى جوازِ إهداءِ ثوابِ جميعِ الأعمال، وإلى هذا ذهَب جماعةٌ مِن الشافعيَّة، واستثنى الحنفيَّةُ الصيامَ: فيَرَوْنَ الإطعامَ عن الميِّت، لا الصيامَ عنه. وذهَب مالكٌ والشافعيُّ: إلى أنه لا يَصِلُ إلى الميِّتِ إلَّا ما دَلَّ عليه الدليلُ؛ وهذا الأشبَهُ والأقرَبُ؛ لأنَّ الصحابةَ يُكثِرُونَ مِن السؤالِ عن بعضِ الأعمالِ ووصولِها إلى الميِّتِ وانتفاعِهِ بها؛ ممَّا يدُلُّ على إدراكِهِمْ أنَّ الأصلَ عدمُ وصولِها، ولو كان الأصل الوصولَ، لجاز عمَلُ الحيِّ للميِّتِ كما يَعمَلُ الحيُّ لنفسِه، وجاء الحثُّ عامًّا لا خاصًّا بصدقةٍ وحجٍّ ونحوِهما. وقد كان الصحابةُ والتابِعونَ أحرَصَ الناسِ على عملِ البِرِّ لغيرِهم، ولم يَرِدْ عنهم أداءُ الصلواتِ وقراءةُ القرآنِ وإهداءُ الثوابِ لغيرِهم، ومع حبِّ بعضِهم بعضًا وحبِّهم مَن سلَفَ منهم، فلم يَثبُتْ عن واحدٍ منهم ذلك، ومع حِرْصِهم على الاستزادةِ فكانوا يُوصُونَ بأشياءَ كثيرةٍ، ولم يثبُتْ أنَّ واحدًا منهم أَوْصى بالصلاةِ عنه، وقراءةِ القرآنِ عنه، والتسبيحِ والتحميدِ والتهليلِ وإهداءِ ثوابِ ذلك إليه، وقد

стр. 1281

كانوا يَزُورُونَ القبورَ ويَستحضِرونَ أهلَها وفَضْلَهُمْ وسَبْقَهم وحاجتَهم وفرَحَهُمْ بالعملِ الصالح، ومع ذلك لم يثبُتْ عن واحدِ منهم أنه صلَّى أو قرَأَ أو سبَّحَ لميِّتٍ منهم. وقد جاء في الأحاديثِ والآثارِ عنهم: الدعاءُ للميِّت، ولم يَرِدْ إهداءُ ثوابِ الأعمال، مع قيامِ داعِيهِ ومُوجبِهِ وحضورِ الحاجةِ إليه، وكار السلفُ يَذكُرونَ حَسْرةَ أهلِ القبورِ على فَوَاتِ الأعمال، وحاجتَهُمْ إلى ركَعاتٍ وتسبيحاتٍ، ومع ذلك لم يَحمِلْهُمْ وَجْدُهُمْ على مَوْتاهُم على إهداءِ صلاةٍ أو قراءةٍ لهم، ولم يَفْعَلْهُ الأبناءُ بآبائِهم وهم أعظَمُ القرونِ بِرًّا بهم. أثرُ ذنبِ الوالدْين على الوَلَدِ: وفي قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ دليلٌ على أنَّ جَرِيرَةَ الوالدِ لا تنتقِلُ إلى الولد، وأمَّا ما استفاضَ في الآثارِ؛ بأنَّ جزاءَ البِرِّ وعقابَ العقوقِ دَيْنٌ ناجِزٌ في الأولاد، فليس المرادُ أنَّ اللهَ يَجعلُ إثمَ عقوقِ الوالدِ لأبيهِ على ابنِه، بل إنَّ الوَلَدَ لا يأخُذُ جريرةَ العقوقِ حتى يَعُقَّ هو بنفسِهِ أباه، لا بمجرَّدِ عقوقِ أبيهِ لجَدِّه، ولو مات قبلَ ذلك أو كان بارًّا، لم يَلحَقْهُ شيءٌ. ومِثلُ ذلك: ما جاء في عِفَّةِ الأمِّ وأثرِ ذلك على وَلَدِها؛ كما في قولِهِ تعالى عن عفافِ مريمَ وقولِ قَوْمِها لها: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]، فليس المرادُ له أنَّ البنتَ تكونُ بَغِيًّا بمجرَّدِ زِنى أُمِّها؛ وإنَّما المرادُ أنَّ الأمَّ تُربِّي بنتَها على مِثْلِ ما هي عليه، وتَرَاها بنتُها وتَصنَعُ مِثْلَها، والعفيفةُ تُربِّي عفيفةً مِثلَها؛ وليس هذا انتقالًا للأوزارِ.

стр. 1282

وقد تكونُ المرأةُ بغيًّا وليس لها ابنٌ ولا بنتٌ، وقد يكونُ لها بنتٌ عفيفةٌ، وقد يكونُ في الأمِّ العفيفةِ بنتٌ عَكْسُها؛ فإنَّ الزِّنى لم يكنْ في ذُرِّيَّةِ آدَمَ وحَوَّاءَ الأُولى؛ وإنَّما كان في ذراريَّ جاءتْ بعدَ ذلك بِزَمَنٍ، فلم تُسبَقْ كلُّ زانيةٍ بأمِّ مِثْلِها، فالأصلُ في بني آدَمَ العفافُ. وأمَّا ما يُروى في الحديثِ: (عِفُّوا تَعِفَّ نِسَاؤُكُمْ)، فرواهُ الحاكمُ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ وجابرٍ (١)، وجاء عندَ الطبرانيِّ بنحوِه من حديثِ ابنِ عمرَ وعائشةَ (٢)، وعندَ الخرائطيِّ عن ابنِ عبَّاسٍ (٣)، وفي بعضِها زيادةٌ: "بَرُّوا آباءَكُمْ، تَبَرَّكُمْ أَبْنَاؤُكُمْ"، ولا يصحُّ منها شيءٌ. وقد يكونُ العقوقُ في الأولادِ عقوبةً لعقوقِ الآباءِ لآبائِهم، بأنْ يكونَ في الأولادِ أسبابٌ تُوجِبُ عقوقَهُمْ لآبائِهِمْ قامتْ فيهم كما قامتْ في آبائِهِمْ مع أجدادِهم، وكلٌّ محاسَبٌ مكلَّفٌ؛ الأحفادُ والآباءُ وقد يتوبُ الوالِدُ مِن عقوقِهِ لأبيهِ فلا يَعُقُّهُ ولدُه، وقد لا يكونُ عاقًّا وقد يكونُ عاقًّا ويتوبُ ثم يَعُقُّهُ ولدُهُ! ابتِلاءً مِن الله، لا عقوبةً، وقد وُجِدَ مِن ذريَّةِ البارِّينَ أولادٌ عاقُّونَ، والعكسُ كذلك، وقد لا يكونُ للعاقِّ ذريَّةٌ ولا زوجٌ أصلًا، فلا تُعجَّلُ عقوبتُهُ مِن ولدِه. وإنَّما ذكَرَ اللهُ أمرًا يقعُ ويكثُرُ، وهو الجزاءُ العاجلُ بمِثْلِ ما وقَعَ منه، وليس ذلك بلازِمٍ لكلِّ أحدٍ؛ ولهذا لم تَثبُتْ بصراحتِهِ النصوصُ، وإنَّما جاء على سبيلِ الإجمالِ تعجيلُ العقوبةِ بقطيعةِ الرَّحِمِ والعقوقِ. وقد يُعاقِبُ اللهُ الوالِدَ بعقوقِ ولدِهِ له؛ لأنَّ الوالِدَ كان عاقًّا لأبيه، ثم يرزُقُ اللهُ الحفيدَ التوبةَ، فأَجْرَى اللهُ على يدِ الوَلَدِ عقوبةً لوالدِه، ثم

стр. 1283

وفَّقَهُ للتوبةِ فتاب عليه؛ فكانتْ رحمةً بالوالدِ والولدِ؛ وذلك أنْ عَجَّلَ عقوبةَ الوالدِ في الدُّنيا، ووَفَّقَ الولدَ للتوبة، وقَبِلَ منهم، وكلُّهم لَقِيَ اللهَ بلا وِزْرٍ؛ وهذا مِن رحمةِ اللهِ وإحسانِهِ وحكمتِه.

стр. 1284

سُورَةُ الأَعْرَافِ سورةُ الأَعْرَافِ سورةٌ مكيَّةٌ؛ قاله ابنُ عبَّاس ومجاهدٌ والحسَنُ وعطاءٌ، ومن العلماء: مَنْ نقَل الاتفاقَ على ذلك، وقد تضمَّنت السورةُ سنةَ الله الكونيَّةَ في الأممِ المخالِفة، وتذكيرًا للناسِ بآياتِ اللهِ في الكونِ وخلقِهِ وخلقِ الإنسانِ وضعفِه، وبدايةِ عداوةِ الشيطانِ للإنسان، وذكر اللهُ فيها جملة من حجج المعاندين من الأممِ السابقةِ وحذَّر مِن سلوكِ طرِيقَتِهِم، وخوَّف من يومِ القيامةِ ومن عاقبةِ الكافرين في النار، ورغَّب بالجنَّةِ وذكَرَ عاقبةَ أهْلها. * * * * قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠]. في هذه الآيةِ: دليلٌ على أنَّ الأصلَ في منافعِ الأرضِ أنَّها مُشاعةٌ بينَهم، يَستوُونَ في حقِّ الانتِفاعِ منها والقَرَارِ فيها، وإنَّما جاءتِ الشرائعُ ببيانِ المحرَّماتِ والحدودِ التي تَحُدُّ هذا الإطلاقَ ولا تُلغِيه، وهذا يَظهرُ في مواضعَ عديدةِ مِن القرآنِ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وقولهِ تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: ٢٢]، وقولِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [طه: ٥٣، والزخرف: ١٠]، وقولِه: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ [غافر: ٦٤].

стр. 1285

وقد جاءَ في السُّنَّةِ ما يُبيِّنُ هذا المعنى؛ كما في "المسنَدِ" و"سننِ أبي داودَ"؛ من حديثِ رجلٍ من الصحابةِ؛ قال ﷺ : (المُسْلِمُونَ شرَكاءُ فِي ثَلَاثٍ: المَاء، وَالْكَلَأ، وَالنَّارِ) (١). ومِن هذا ما في "الصحيحينِ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: (لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ) (٢). منافعُ الأرضِ حَقٌّ مشاعٌ: ولا يجوزُ لأحدٍ أنْ يَمْنَعَ الناسَ مِن الانتفاعِ مِن الأرضِ؛ مِن ترابِ وماءٍ وكَلَأٍ، ما لم يكنْ له مِلْكًا يَمْلِكُهُ وله فيه مَؤُونةٌ، وكان مالكُ بن أنسٍ ذهَبَ إلى أنَّ ذلك في كلأِ الفَلَواتِ والصَّحَاري، وما لا تُملَكُ رَقَبةُ الأرضِ فيه، وجعَلَ الرجُلَ أحَقَّ بكلِأ أرضِه؛ إنْ أحَبَّ المنعَ منه، فإنَّ ذلك له (٣). وإنَّما جاء تخصيصُ الماءِ بالنَّهْي عن بيعِ فَضْلِه، وتكاثَرَتِ الأحاديثُ في ذلك؛ لأنَّ المِنَّةَ فيه أظهَرُ، وَالحاجةَ إليه أشَدُّ، وقد يَصبِرُ الناسُ عن الحاجةِ إلى المَلْبسِ والمَسْكَنِ ولا يَمُوتونَ، ولكنْ لا يَحْيَوْنَ إلَّا بالماء، وفاقدُ الماءِ يموتُ قبلَ فاقدِ الطعام، فيَصبِرُ على الجوعِ أطوَلَ مِن صبرِهِ على العطشِ. ونصَّ أبو حنيفةَ ومحمدُ بن الحسنِ: على أنَّ فضلَ الماءِ مِن الآبارِ يُسقى للنفوسِ لا للزُّروعِ والنخلِ؛ فيجبُ بَذْلُهُ لِشُرْبِ الناسِ ودوابِّهم إبلًا وغنمًا وغيرَها.

стр. 1286

حكمُ بيعِ الماءِ وعُشْبِ الأرضِ: وليس لأحدٍ أنْ يبيعَ ما لا يَملِكُهُ منها؛ كمياهِ البحرِ ومياهِ الأنهارِ والغُدْرانِ وعُشْبِ الأرض، ما لم يكنْ منه مَؤُونةٌ عليه؛ كالمياهِ المصنَّعةِ وعُشْبِ أرضِهِ وبُسْتانِهِ وبيتِهِ الذي يَحْمِيهِ ويَسْقِيه، وفي "صحيحِ مسلمٍ"؛ مِن حديثِ جابرٍ أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيعِ فَضْلِ المَاءِ (١). ومنعُ فضلِ الماءِ الذي لم تَعمَلْهُ اليدُ عن ابنِ السَّبِيلِ كبيرةٌ مِن كبائرِ الذُّنُوب، وقد قال ﷺ : (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهُوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ العَصْرِ؛ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ فَيَقُولُ اللهُ: اليَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ)؛ رواهُ البخاريُّ، وهو في مسلمٍ مختصَرًا (٢). حكمُ بيعِ منافعِ الأرضِ الطبيعيَّةِ: وكلُّ ما يَنتفِعُ الناسُ به، وجعَلَهُ اللهُ في الأرض، ولم يَملِكْهُ أحدٌ بعينِه: فلا يجوزُ لأحدٍ بيعُهُ ولو كان سُلْطانًا؛ سواءٌ كان مطعومًا كالمِلْحِ والماءِ والعُشْب، أو كان يُتَّخَذُ منه سكنٌ؛ كأعوادِ الشجرِ وحجارةِ الأرضِ وتُرابِها؛ وهذا ما تدُلُّ عليه ظواهرُ الأدلَّة، وقد جاءَ في "المسنَد"، و"سُننِ أبي داودَ"؛ حديثٌ ضعيفٌ عن بُهَيْسَةَ، أنَّ أباهَا قال: يَا نَبِيَّ الله، مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: (المَاءُ)، قَالَ: يَا نَبِيَّ الله، مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: (الْمِلْحُ)، قَالَ: يَا نَبِيَّ الله، مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: (أَنْ تَفْعَلَ الْخَيْرَ خَيْرٌ لَكَ) (٣).

стр. 1287

ويدخُلُ في هذا حِمَى الملوكِ التي يَحمُونَها بلا مصلحةٍ عامَّةٍ، وَيمنَعونَ منها ابنَ السَّبِيلِ ورُعَاةَ البهائمِ أنْ تَطعَمَ وتَشرَب ممَّا لم تَعمَلْهُ أيدِيهِم فيها؛ فهذا داخلٌ في النهيِ بلا خلافٍ. وأمَّا ما كان له مؤونةٌ فيه كماءِ البئرِ الذي يُخرِجُهُ بنفسِه، وعُشْبِ بُستانِهِ الذي يَرْعاهُ ويَحمِيهِ ويَسقِيه، أو الحَطَبِ الذي يَحْتَطِبُهُ بنفسِه، فلا حرَجَ في بيعِه. وما كان في أرضِهِ ممَّا لم يَبْذُلْ فيه جهدًا؛ كأن تَنبُعَ عينٌ في أرضِهِ أو يكونَ في أرضِهِ ماءٌ مِن المطرِ: فذهَبَ أحمدُ في روايةٍ: أنه لا يجبُ علمِه بَذْلُه، ولكن لا يجوزُ له أنْ يَحبِسَهُ عن الناسِ وهو يَعلَمُ أنه لا يَنتفِعُ منه، فما زادَ عن حاجتِهِ مِن مائِه، فاختُلِفَ في وجوبِ بَذْلِهِ لمَن يحتاجُ إليه على قولينِ, هما روايتانِ عن أحمدَ: فقال الشافعيُّ: لا يَلزَمُه بَذْلُهُ، وله أخذُ عِوَضٍ عليه. وقال بعضُهم: بوجوب بَذلِه بلا عِوَضٍ؛ واحتجُّوا بما رُوِيَ عن عبد اللهِ بنِ عمرٍو: أنَّ قَيِّمَ أرضَهِ بالوَهْطِ كتَبَ إليه يُخبِرُهُ أنه سَقَى أرضَهُ، وفَضَلَ له من الماءِ فضلٌ يُطلَبُ بثلاثينَ ألفًا، فكتَبَ إليه عبدُ اللهِ بن عَمرٍو ﵄: "أَقِمْ قِلْدَكَ ثُمَّ اسْقِ الْأَدْنَى فَالْأَدْنَى؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ" (١). فقد فَهِمَ عبدُ اللهِ بن عمرٍو مِن الحديثِ مَنْعَ بيْعِ ما زادَ عن ماءِ أرضِه. وكان أحمدُ في قولٍ يَنْهَى عن بيعِ فضلِ ماءِ الآبارِ والعيون، فضلًا عن الأنهارِ والبحارِ.

стр. 1288

وأمَّا البئرُ، فيجوزُ بيعُها؛ لأنَّها حُفِرَتْ بمؤونةٍ وعملٍ، ولو كان الماءُ الذي فيها فضَلَ عن حاجةِ صاحِبِها؛ لأنَّ البيعَ للبئر، وقد أَذِنَ النبيُّ ﷺ ، بذلك؛ (مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ، فَيَكُونُ دَلْوُهُ فيهَا كَدِلَاءِ المُسْلِمِينَ)، فَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ ﵁، كما في البخاريِّ (١)، وقد سَبَّلَها عثمانُ بن عفَّانَ ﵁ بأمرِ النبيِّ ﷺ لِلمُسلمِينَ، وكان اليهوديُّ يبيعُ ماءَها. وفي بعضِ رواياتِ الحديثِ خارجَ "الصحيحِ"؛ أنَّ عثمانَ ﵁ اشترَى منه نِصفَها باثنَيْ عشَرَ ألفًا، ثم قال لليهوديِّ: اختَرْ إمَّا أنْ تَأْخُذَهَا يومًا، وآخُذَهَا يومًا، وإمَّا أنْ تَنْصِبَ لك عليها دَلْوًا، وأَنْصِبَ عليها دَلْوًا، فاختارَ يومًا ويومًا، فكان الناسُ يَسْتَقُونَ منها في يومِ عثمانَ لِليومَين، فقال اليهوديُّ: أَفْسَدتَّ عليّ بِئْرِي، فاشَتَرِ بَاقِيَها، فاشتراهُ بثمانيةِ آلافٍ (٢). ومِثلُ الماءِ: الرِّمالُ والتُّرابُ والحجارةُ التي في الأرضِ غيرِ المملوكةِ: لا يجوزُ أنْ يتسلَّطَ عليها مَن يَمنَعُها إلَّا بِبَيْعِها، وأمَّا إنْ كان ذلك في مِلْكِه، فيأخُذُ حُكْمَ الماءِ على الأرجحِ؛ فما كان للإنسانِ فيه مؤونةٌ كحَفْرٍ ونقلٍ، جاز، وما لم يكنْ له مؤونةٌ وكُلْفةٌ وكان مِن فضلِ أرضِه لا يَتضرَّرُ بفَقْدِه، فلا يجوزُ بيعُهُ على الأظهَر، وإنْ كان محتاجًا إليه وليس مِن فضلِ أرضِهِ وأرادَ أن يبيعَ حقَّه منه، جاز ذلك. وأمَّا الأرضُ المُشَاعةُ كالماءِ المُشَاعِ مِن مياهِ الأنهارٍ والبحار، فلا يجوزُ لأحدٍ أنْ يقولَ: "أَبِيعُ نَصِيبِي منه"؛ كما لو تقاسَمَ الناسُ

стр. 1289

الورودَ على النهرِ كلَّ يومِ لأهلِ بيتٍ أو لبَلْدةٍ أو لقومٍ، فيُرِيدُ مَن كان يومُهُمُ السبتَ أنْ يَبِيعُوا يومَهُمْ لغيرِهم، لم يَجُزْ ذلك؛ لأنَّه تحايُلٌ على بيعِ ماءِ الفَلاة، وقد كان أحمدُ يَنهى عن ذلك. * * * * قال تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣]. وفي هذه الآيةِ وما يَلِيها مِن آياتٍ: إخراجُ إبليسَ وإنزالُهُ إلى الأرضِ؛ إشارةً إلى نفي اللهِ له عقوبةً له، وقد تقدَّمَ الكلامُ على هذه المسألةِ في سورةِ البقرةِ عندَ قولهِ تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨]، وفي سورةِ المائدةِ في حدِّ الحِرَابَةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿أَو يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]. * * * [قال تعالى: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤ - ١٥]. في هذه الآيةِ وما قبلَها: عَدْلُ اللهِ سبحانَه بسماعِ قولِ الظالمِ وطلبِهِ قبلَ عقابِه، وهو أعلَمُ سبحانَهُ بظُلْمِهِ وعنادِهِ وسُوءِ قَصْدِه؛ وذلك أنَّ اللهَ لا يُنزِلُ عقوبةً بظالمٍ حتى يُقِيمَ الحُجَّةَ عليه؛ لِيَقطَعَ عُذرَهُ عندَ نفسِهِ قبلَ غيرِه، ومِن ذلك: أنَّ اللهَ يُقيمُ الحُجَجَ المادِّيَّةَ على العبادِ في الآخِرةِ بالبيِّناتِ عليهم، وهو أعلَمُ بهم؛ بالكتابةِ عليهم، وإشهادِ الملائكة، وإشهادِ جوارِحِهم عليهم؛ لِيَقطَعَ بذلك أعذارَهُمْ؛ وهذا مِن كَمَالِ عَدْلِه، فجعَلَهُ سبحانَهُ على نفسِه، ولم يَجْعَلْهُ عليه أحدٌ.

стр. 1290

سماعُ قولِ الظالِمِ: وفي هذه الآيةِ: أنَّه يجبُ على السُّلْطانِ والقاضي أنْ يسمَعَ قولَ الظالمِ والجانِي ولو قامَتِ البيِّناتُ عليه مِن غيرِ إقرارِه؛ لأنَّ مِن مَقاصدِ الحُكْمِ إقامةَ العدلِ في الظالمِ عندَ نَفْسِه؛ حتى لا تُسوِّلَ له نفسُهُ وشيطانُهُ أنه ظُلِمَ وبُغِيَ عليه ولم يُسمَعْ قولُه، أو يَدَّعِيَ أحدٌ مِن أهلِهِ وذويهِ أنَّ له حُجَّةً لم تُسمَعْ، فيَقَعَ ذلك في بعضِ النفوسِ الجاهلة، فإنْ وقَعَ، فهو ظُلْمٌ تسبَّبَ فيه السُّلْطانُ بتقصيرِهِ بعدمِ سماعِ قولِ الظالمِ وإزالةِ شُبْهتِهِ وعنادِهِ عندَ نفسِهِ ولو لم يُقِرَّ بذلك عندَ غَيرِه. وهذا إذا كان في سماع الظالِم المُعانِد، فإنَّه في حقِّ المظلومِ وصاحِبِ الحقِّ أَوْلى وأَوْجَبُ. وإذا كانت خصومةٌ بينَ اثنَينِ أو جماعةٍ، وجَبَ على القاضي السماعُ منهما جميعًا في مجلسٍ واحدٍ؛ حتى يستوفيَ الردودَ بينَهما، ولا يجوزُ له أنْ يسمَعَ مِن كلِّ واحدٍ في مجلسٍ؛ حتى لا يقولَ في خَصْمِهِ شيئًا وهو غائبٌ وعندَهُ حُجَّةٌ تَدفَعُهُ، وقد قال النبيُّ ﷺ : (يَا عَلِيُّ، إِذَا جَلَسَ إِلَيْكَ الْخَصْمَانِ فَلا تَقْضِ بَيْنَهُمَا حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الْآخَرِ كَمَا سَمِعْتَ مِنَ الْأَوَّلِ؛ فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ)؛ رواهُ أحمدُ وأبو داودَ (١)، وعندَهما عن عبد اللهِ بي الزُّبَيْرِ؛ قال: "قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّ الْخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَكَمِ" (٢). ومِن مَقاصِدِ الشرعِ في سماعِ أطرافِ الخصومةِ ولو تبيَّنَ الظالِمُ منهما: إقناعُ الباغِي ببَغْيِه، وقطعُ حُجَّتِهِ عندَ نفسِهِ حتى تَنزِلَ عليه العقوبةُ بتسليمٍ لا بعنادٍ, فتجدَ نفسُهُ مَدْخَلًا لاتِّهامِ الشريعةِ وأهلِها، فيتحوَّلَ مِن

стр. 1291

الذَّنْبِ والظُّلْمِ إلى الكفر، ومِن مَقاصِدِها: أنْ تُسَدَّ أبوابُ اتِّهامِ الشريعةِ وأهلِها مِن المُنافِقِينَ أو مِن أهل الجهلِ مِن قَرَابةِ الظالِمِ بأنَّ الظالِمَ لم يُنصَفْ وقد ظُلِمَ وبُغِيَ عليه؛ لأنَّ لَدَيهِ حُجَّةً لم تُسمَعْ منه. * * * قال تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢]. في هذه الآيهِ: سَتْرُ العَوْراتِ والسَّوْءَاتِ عندَ الخروج، ولو لم يكنْ هناك مَن يَرى العورةَ، وهذا مِن الفِطْرةِ التي فُطِرَ عليها الإنسانُ، وما عدا ذلك مُخالِفٌ للفِطْرة، منهيٌّ عنه جِبِلَّةً وشِرْعَةً، ولمَّا ظهَرَتْ عَوْراتُ حَوَّاءَ وآدمَ، خَصَفَا وقطَعَا مِن ورقِ شجرِ الجنةِ ما يستُرُ عَوْراتِهما، فلم يَنتظِرَا حتى تُؤوِيَهما دارُهُما، ولا أنْ يلُوذَا بحائطٍ أو شجرةٍ أو دارٍ؛ وذلك أنَّ الحائطَ والشجرَ يستُرُ مِن جهةٍ دونَ بقيَّةِ الجهات، وورقُ الشجرِ أقرَبُ مِن الدُّورِ؛ لأنَّه عندَهما، وتنالُهُ أيدِيهما. حكمُ سَتْرِ العوراتِ: والمبادَرةُ بسَتْرِ العَوْراتِ مِن آدمَ وحوَّاءَ ومِن وَرَقي الشجرِ مُشعِرٌ بالوجوب، وذِكْرُ السَّوْءَاتِ مؤكِّدٌ لذلك؛ لأنَّ إخراجَها يسُوءُ الإنسانَ في نَفْسِه، ويسُوءُ غيرَهُ أن يراهُ مِن أحدٍ، وهذه مِن فوارقِ الإنسانِ عن الحيوانِ. وليس في الجنةِ مِن الناسِ سوى آدمَ وحوَّاءَ؛ لأنَّهما أَبَوَا البَشَر، وكلُّ البشرِ بعدَهما، وإنَّما فيها مِن الملائكةِ والحيوانِ وما شاء اللهُ، ولا يثبُتُ أنه كان قبلَ آدمَ بشريَّةٌ مشابِهةٌ لبشريَّةِ آدمَ وذُرِّيَّتِه.

стр. 1292

وقد تكلَّفَ بعضُ المعاصِرِينَ ليُوافِقَ المَلَاحِدةَ الذين يقولونَ بنظريَّةِ النُّشُوءِ والتطوُّر، وبعضَ علماءِ الطبيعةِ الذين يَذكُرُونَ عُمْرَ الأرضِ بملايينَ طويلةٍ، وتكلُّفَهم بأنَّ الأرضَ معمورةٌ قبلَ بشريَّةِ آدمَ مِن بشرٍ آخَرِينَ، وتعسَّفُوا أدلةً لذلك مِن القرآنِ. العورةُ بين الزوجَيْن: وأنزَلَ اللهُ اللِّباسَ وشرَعَ الاستِتارَ بكلِّ حالٍ، وجعَلَ الاستِتارَ هو الأصلَ، والكشفَ والنَّزْعَ عارِضًا. ولمَّا رخَّصَ اللهُ للرَّجُلِ مِن زوجتِهِ وللمولى من أَمَتِه، فالرُّخصةُ بما قامَتِ الحاجةُ إليه، فليس للزَّوجَينِ أنْ يَبْقَيَا عُرَاةً - ولو لم يَرَهُما أحدٌ - بلا حاجةٍ، ولا أنْ تبقَى الأَمَةُ متعرِّيةً عندَ سيِّدِها بلا حاجةٍ، وقد كَرِهَ مالكٌ أن يَكشِفَ الرجُلُ فَخِذَهُ عندَ زوجتِه؛ يعني: بلا حاجةٍ؛ وذلك مِن مالكِ أحفَظُ لغريزةِ الحياء، وأدوَمُ لغريزةِ الشهوةِ. ولمَّا رُفِعَ أبوابُ العَوْراتِ بينَ الزوجَيْن، لم يكنْ ذلك مُسقِطًا لبابِ الحياءِ بينَهما، فتُكشَفُ العَوْراتُ عندَ الحاجات، ولو لم يَأْثَمَا بكَشْفِها في غيرِ حاجةٍ، ومِن الفِطْرةِ: الاستِتارُ والتزيُّن باللِّباسِ ولو بينَ الزوجَيْن، وإبداءُ السَّوْءَتَيْنِ والعوراتِ بينَ الزوجَيْنِ بلا حاجةٍ ولا مَقصَدٍ مأذونٍ به: مكروهٌ؟ لأنَّه يُسقِطُ هَيبَةَ الحياءِ في النفس، وتزهدُ نفوسُ بعضِهما في بعضٍ، وتتشوَّفُ إلى غيرِهما مِن الحرام، وقد فطَرَ اللهُ آدمَ وحوَّاءَ على ذلك، فسَتَرَا عَوْراتِهما بوَرَقِ الشجرِ مع أنه لا يَراهُما أحدٌ مِن البشرِ غيرُهما، فليس لهما ذريَّةٌ عندَ ذلك؛ ولذلك قال تعالى: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧]، فجعَل رؤيةَ بعضِهما لبعضٍ بلا حاجةٍ مِن مقاصدِ الشيطانِ ولو كانتْ مباحةً في الأصل، ولكنَّ الأصلَ السَّتْرُ واللِّبَاسُ، وأمَّا الكشفُ فعارضٌ.

стр. 1293

وقد جعَلَ اللهُ الأصلَ في بني آدمَ السَّتْرَ باللِّباسِ؛ فتَستتِرُ المرأةُ وتَتَزيَّنُ ولو كانتْ لا يراها أحدٌ، والرجُلُ يكونُ وحدَهُ ولو في فَلَاةٍ لا يراهُ أحدٌ يُحِبُّ أن يَستُرَ بدَنَهُ، فذلك استِتارٌ تُحِبُّهُ النفسُ، وهي مفطورةٌ عليه، حتى لو كان الإنسانُ في بيتِه مُغلِّقَ الأبواب، لم يُحِبَّ أنْ يَبقى عُرْيانًا؛ لأنَّه مُخالِفٌ للفِطْرة، ولو كان الإنسانُ أعمَى البصرِ لا يَرى عورةَ نفسِهِ ولا يراهُ أحدٌ، لَأَحَبَّ أنْ يَستتِرَ؛ لحرارةِ الفِطْرةِ في نفسِهِ التي يجدُها. أسباب مشروعيةِ السترِ: وقد شرَع اللهُ الاستِتارَ باللِّباسِ؛ لجملةٍ مِن الأسبابِ: الأوَّلُ: حياءً مِن اللهِ؛ فاللهُ يُحِبُّ أن يُستحْيَا منه؛ وذلك مِن تعظيمِهِ وإجلالِه، واللهُ لا تُستَرُ عنه عينٌ، ولا تُستَرُ عنه عَوْرةٌ فلا يَراها؛ وإنَّما مجرَّدُ فعلِ اللِّباسِ والاستِتارِ به مِن الحياءِ مِن اللهِ ولو كان في عِلْمِ العبدِ أنَّ اللهَ يَراه؛ فالإنسانُ يستتِرُ في نفسِهِ وهو يَعلمُ نفسَهُ؛ حِفْظًا لحياءِ نفسِه، وقد جاءَ في سترِ العورةِ حياءً مِن اللهِ حديثُ بَهْزٍ؛ كما في "المُسنَدِ", و"السُّننِ"، عن معاويةَ بنِ حَيدَةَ؛ قال: يَا رسُولَ الله، عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قال: (احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَو مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ)، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضهُمْ فِي بَعْضٍ؟ قَالَ: (إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا) , قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَالَ: (اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ) (١). ورُوِيَ في بعضِ الأخبارِ: أنَّ آدمَ وحوَّاءَ استَتَرَا حياءً مِن اللهِ لمَّا بَدَت سَوْءَاتُهما؛ فعن أُبَيِّ بنِ كعبٍ مرفوعًا؛ أنَّ اللهَ قال لآدمَ: يَا آدمُ،

стр. 1294

منِّي تَفِرُّ؟ فَلَمَّا سَمِعَ كَلامَ الرَّحْمَن، قَالَ: يَا رَبّ، لا، وَلَكِنِ اسْتِحْيَاءً (١). وجاءَ ذلك في بعضِ الإسرائيليَّاتِ؛ كما قال وهبُ بن مُنَبِّهِ: "دخَلَ آدمُ فِي جَوْفِ الشَّجَرَة، فَنَادَاهُ رَبُّهُ : يَا آدمُ, أَيْنَ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا هَذَا يَا رَبِّ، قَالَ: أَلَا تَخرُجُ، قَالَ: أَسْتَحْيِيِ مِنْك يَا رَبِّ" (٢). وكان بعضُ خِيارِ السلفِ يَستتِرُونَ فيُغطُّونَ رؤوسَهُمْ وهم في الخلاءِ حياءً مِن اللهِ؛ كما صحَّ عن أبي بكرٍ وطاوسٍ، فقد روى عروةُ بن الزبير، عن أبيه، أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ قال وهو يخطُبُ الناسَ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، اسْتَحْيُوا مِنَ الله، فَوَالَّذِي نَفسِي بِيَدِه، إِنِّي لَأظَلُّ حِينَ أَذْهَبُ إِلَى الْغَائِطِ فِي الْفَضَاءِ مُغَطِّيًا رَأْسِي؛ اسْتِحْيَاءً مِنْ رَبِّي (٣). وكان طاوسٌ يأمُرُ ابنَهُ بذلك (٤). وجاءَ في ذلك خبرٌ مرسَلٌ عندَ البيهقيّ، ومِن حديثِ عائشةَ مرفوعًا، ولا يصحُّ، ونَصَّ على استحبابِهِ غيرُ واحدٍ مِن الفُقَهاءِ كإمامِ الحرَمَينِ والغزاليِّ والبغويِّ وغيرِهم. الثاني: حياءً مِن الملائكةِ؛ فإنَّ الملائكةَ تتأذَّى ممَّا يتأذَّى منه بنو آدمَ؛ كما جاءَ في الحديث، وممَّا يتأذَّى منه بنو آدمَ: بُدُوُّ السَّوْءَةِ؛ وذلك مِن مقاصدِ قيامِ الفِطْرةِ في آدمَ وحوَّاءَ وذرَيَّتِهما، وحبِّهما للاستِتارِ في الجنةِ وليس فيها مِن البَشَرِ غيرُهما. وقد دلَّ الدليلُ: أنَّ الملائكةَ مجبولةٌ على الحياءِ كبني آدمَ؛ كما

стр. 1295

قال ﷺ : (أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ المَلَاِئكَةُ) (١)؛ يعني: عثمانَ بنَ عفَّانَ. الثالثُ: الاستِتارُ عن الناس، والحياءُ منهم؛ فإنَّ هذا مِن أعظَمِ مقاصدِ اللِّبَاسِ واتِّخاذِ الزِّينة، ولهذا لمَّا سأَلَ معاويةُ بن حَيْدَةَ عن العَوْراتِ، كان أوَّلَ ما بدَأَ به النبيُّ ﷺ حفظُ العوراتِ عن أَعْيُنِ الناسِ. ومَن حازَ له أن يُبدِيَ عورتَهُ له، فيكونُ ذلك بقَدْرِ الحاجةِ؛ حفظًا لفِطْرةِ أصلِ الاستِتارِ؛ ولذا شُرعَ سترُ عورةِ الطفلِ وليس له عورةٌ لكلِّ الناظِرِينَ، ولو كان مولودًا، لتُحفَظَ هَيْبةُ العورةِ في نفسِه، ومِن هذا ما جاءَ في التفريقِ بينَ الأطفالِ في المَضاجِعِ؛ كما في قولهِ ﷺ : (وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ) (٢)؛ فإنَّ مِن مقاصدِ التفريقِ: ألَّا تبدوَ العوراتُ؛ فإنَّ الصغيرَ لا يَحترِزُ في عورتِهِ في مَنامِهِ كما يَحترِزُ الكبيرُ، فأمَرَ بالتفريقِ بينَهمْ في المَضاجِعِ حتى لا تَظهَرَ سَوْءَاتُ بعضِهم لبعضٍ، فيَنشؤوا على ذلك، أو يكونَ ذلك مُثيرًا لغرائزِهم في حَرَامٍ. وكذلك: فإنَّه يُستحَبُّ لباسُ الزوجَينِ عندَ بعضِهما البعض مِن غيرِ دواعِي الحاجةِ إلى ذلك، وذلك حِفْظًا للفِطْرةِ بينَهما، ولِوَازِغِ الحياءِ أنْ يُكسَرَ. الرابعُ: الاستِتارُ عن الجنِّ؛ وذلك أنَّ الجِنَّ يُبصِرُونَ بني آدمَ، وبنو آدمَ لا يُبصِرُونَهم؛ وذلك أنَّ اللهَ لمَّا ذكَرَ قصةَ آدمَ وحوَّاءَ مع إبليسَ وما جَرَى عليهما مِن كشفِ سَوْءَتَيهِما، ذكَرَ اللهُ حالَ رؤيةِ الجنِّ للإنسانِ مِن غيرِ أنْ يَرَاهُ: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] ,

стр. 1296

وفي ذِكْرِ هذا المعنى في سياقِ قصةِ كشفِ عورةِ آدمَ وحوَّاءَ: إشارةٌ إلى مشروعيَّةِ الاستِتارِ عن الجانّ، وإنْ كانتِ المشروعيَّةُ عن أعيُنِ بني آدَمَ آكَدَ وأشَدَّ؛ ولذا رُوِيَ في الحديثِ مشروعيَّةً التسميةِ عندَ كشفِ الإنسانِ لعَوْرَتِه؛ حتى يَمنَعَ اللهُ بها الجِنَّ عن رُؤْيَتِهِ؛ كما في الترمذيِّ؛ مِن حديثِ عليٍّ مرفوعًا: (سَتْرُ مَا بَيْنَ أَعْيُنِ الجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمُ الخَلَاء أَنْ يَقُولَ: بِاسْمِ اللهِ) (١). الخامسُ: الاستِتارُ للنَّفْسِ والحِفاظُ على فِطْرتِها! فإنَّ كشفَ السَّوْءَةِ في حالِ الخَلوة، والدوامَ على ذلك: يَكسِرُ فِطْرةَ الحياءِ والاستِتار، ولو كان الواحدُ أعمَى لا يَرَى نفسَهُ وليس عندَهُ مَن يَراه، فالهَيْبةُ لحياءِ النفسِ وهي تُحِسُّ بالتعرِّي وهيبتِهِ ولو كانتْ في ظلامٍ أو لا تُبصِرُ. عورةُ الرجلِ: وعَوْرة الرجُلِ تختلِفُ عن عورةِ المرأة، وأمَّا عورةُ المرأة، فيأتي الكلامُ عليها في سورةِ النورِ والأحزاب، وأمَّا عورةُ الرَّجُل، فاتَّفَقَ العلماءُ على أنَّ السَّوْءَتَيْنِ وما أحاطَ بهما عورةٌ، واختُلِفَ في فَخِذِ الرجُلِ على قولَيْنِ: الأوَّلُ - وهو قولُ حمهورِ العلماءِ وقولة الأئمَّةِ الأربعةِ في المشهورِ - أنَّ الفَخِذَ عورةٌ، وأنَّ عورةَ الرجُلِ مِن سُرَّتِهِ إلى رُكْبَتِه، واختلَفُوا في عينِ الرُّكْبةِ والسُّرَّةِ: هل هما عورةٌ أو لا؟ على قولَيْنِ كما يأتي. الثاني: أنَّ الفخذَ ليستْ بعورةٍ؛ وهو روايةٌ عن أحمدَ، وذهَبَ إلى هذا بعضُ الفقَهاءِ مِن بعضِ المذاهب، واستدَلُّوا بأنَّ النبيَّ ﷺ كشَفَ

стр. 1297

فخذَهُ، كما ثبَتَ عن أنسٍ ﵁؛ أنَّ النبيَّ ﷺ يومَ خَيْبَرَ "حَسَرَ الإِزَارَ عَنْ فَخِذِه، حَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيِّ اللهِ ﷺ "؛ رواهُ البخاريُّ (١). وعن أبي موسى: "أنَّ النبيَّ ﷺ كَادَ قَاعِدًا فِي مَكَانِ فِيهِ مَاءٌ، قَدِ انْكَشَفَ عَنْ رُكْبَتَيْه أَو رُكْبَتِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عُثْمَانُ غَطَّاهَا" (٢). أنواعُ عَوْرةِ الرجلِ: وحديثَا أنسٍ وأبي موسى لا يَلزَمُ منهما أنَّ الفَخِذَ ليستْ بعورةٍ؛ وإنَّما فيهما التخفيفُ في الفخذَيْن، وأنَّ العورةَ بالنسبةِ للرَّجُلِ على نوعَيْنِ: عورةٌ مغلَّظةٌ، وعورةٌ مخفَّفةٌ: فأمَّا العورةُ المغلَّظةُ: فهما السَّوْءَتانِ وما أحاطَ بهما مِن مَواضعَ، وهذه العورةُ لا يجوزُ إظهارُها إلَّا لزوجةٍ وما ملَكَتِ اليمينُ؛ ولا تَظهَرُ إلَّا للضَّرورة، ولا يجوزُ إبداؤُها في الحاجاتِ؛ كرفعِ الثوبِ عن طِينِ الأرضِ ووَحَلِه، أو عندَ الاغتِسالِ في البِرَكِ والمَسابح، وكلُّ حاجةٍ: لا تَحِلُّ فيها المحرَّماتُ؛ وإنَّما تَحِلُّ المحرَّماتُ في الضروراتِ؛ كالتطبُّبِ ونحوِه. وأمَّا المخفَّفةُ؛ فالفَخِذ وما علَاها، ويجوزُ إظهارُها للحاجات، والحاجاتُ عارِضةٌ لا دائمةٌ، ويحرُجُ مِن هذا مَن اتَّحَذَ لِباسَا قصيرًا يُظهِرُ فخذَهُ! فهذا لباسٌ دائمٌ لا يجوزُ، ويدُلُّ على كونِها عورةً مخفَّفةً أنَّ النبيَّ ﷺ أبْداها في حاجة؛ كما في حديثِ أنسٍ لمَّا مَرَّ بحائطٍ بخيبرَ، أو على حالٍ لا يَظهَرُ فيه الاستدامةُ ككشفِ بعضِ الفخذِ حالَ الجلوسِ؛ كما في حديثِ أبي موسى، ففعَلَهُ النبيُّ ﷺ جالسًا لا قائمًا؛ ولهذا لمَّا رأى النبيُّ ﷺ أبا بكرٍ كَشَفَ عن رُكْبَتِهِ وهو قائمٌ مِن غيرِ مرورٍ بحائطٍ ولا وَحَلٍ؛ قال: (أمَّا صَاحِبُكُمْ، فَقَدْ غَامَرَ)؛ كما في البخاريّ، عن

стр. 1298

أبي الدَّرْداءِ ﵁؛ قال: "كنتُ جالسًا عندَ النبيِّ ﷺ إذ أَقْبَلَ أبو بكرٍ ﵁ آخِذًا بطَرَفِ ثَوْبهِ حتى أَبْدَى عن رُكْبَتِه، فقال النبيُّ ﷺ : (أمَّا صَاحِبُكُمْ، فَقَدْ غَامَرَ)، فسلَّمَ، فذكَرَ الحديثَ" (١)؛ وذلك أنَّ هذا الفعلَ لا يفعلُهُ إلَّا مَن نزَلَت به نازلةٌ مِن خصومةٍ أو شدَّة، والمُغامِرُ مَن يَرمي بنفسِهِ في الشدائدِ؛ وذلك أنَّ أبا بكرٍ كان بينَهُ وبينَ عمرَ شيءٌ، فجاءَ إلى النبيِّ ﷺ بذلك. ثم إنَّ أنسَ بنَ مالكٍ وأبا موسى لم يَذْكُرَا كَشْفَ النبيِّ ﷺ للفخذِ مِن غيرِ بِيانِ السببِ والحال، ممَّا يُشعِرُ بأنَّها مخفَّفةٌ للحاجةِ لا على الدوام، بحيثُ تُفصَّلُ عليها الألبسةُ والأزُرُ والبناطيلُ، ولمَّا ذكَرَ أنسٌ أنه رأى فَخِذَ النبيِّ ﷺ ، ظهَرَ أنه فعَلَ ذلك اعتراضًا، ولو لم يكنِ اعتراضًا، لَمَا ذكَرَهُ في موضعٍ معيَّنٍ. والقولُ بأنَّ الفخذَ عورةٌ هو الاحتياطُ، ومَن قال بأنَّ الفخذَ ليستْ بعورةٍ يَشُقُّ عليه وضعُ حدٍّ للعورةِ؛ وذلك أنَّ الفخذَ كالسَّاقِ عضوٌ مُتَّصِلٌ؛ القولُ في أَدْناهُ كالقولِ في أَعْلاه، ومَنْ لم يجعَل أدْنى الفخذِ عورةً، لم يَقْدِرْ على حدِّ العورةِ بحدٍّ منضبطٍ في أعْلاها، ومَن قال بأنَّ أَدْنى الفخذِ ليس بعورةٍ، وجَبَ أن يقولَهُ في أعْلاها ممَّا ليس بفَرْجٍ، وهذا مجازَفةٌ. وعن مالكٍ وأبي حنيفةَ وأحمدَ في روايةِ عنه؛ أنَّ الفخذَ عورةٌ مخفَّفةٌ، وقد جاء في غيرِ ما حديثٍ أنَّ (الْفَخِذَ عَوْرَةٌ)! مِن حديثِ ابنِ عبَّاسِ (٢) وجَرْهَدِ (٣).

стр. 1299

واختُلِفَ في الرُّكْبَةِ والسُّرَّةِ: هل هما مِن العورةِ أو لا؟ على قولَيْنِ مشهورَيْنِ: فلم يجعَلْهما مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ في قولٍ عورةً. وجعَلَهما أبو حنيفةَ عورةً. ويأتي الكلامُ على عورةِ المرأةِ في سورتَيِ النورِ والأحزابِ. * * * قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦]. ذكَرَ اللهُ مِنَّتَهُ فيما أنزَلَهُ وخلَقَه لآدمَ مِن النِّعْمةِ التي يجبُ عليه أنْ يأخُذَها وينتفِعَ بها، وهي اللِّباسُ؛ وهو: ما يستُرُ البدَنَ، والرِّياشُ؛ وهو؛ المالُ؛ كما قالهُ ابنُ عبَّاسِ (١)، وقيل: الرِّياشُ: هو ما يُتجمَّلُ به. * * * قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨]. جاءتْ هذه الآيةُ بعدَ قصَّةِ آدمَ وحوَّاءَ مع إبليسَ، وما جازَى اللهُ كلًّا منهم، وكشفِ سَوْءَةِ آدمَ وحوَّاءَ، ثم تحذيرِ اللهِ لبني آدمَ مِن بَعْدِهما أنْ يُسَوِّلَ لهم الشيطان كَشْفَ عَوْرَاتِهم بقولِهِ تعالى: ﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧] ثم ذكَرَ اللهُ بعدَ ذلك الفاحشةَ، مبيِّنًا أنَّ أوَّلَ ما يقعُ في بني آدمَ كَشفُ العورات، ثم تكون الفواحشُ؛ فالشَّرُّ خُطُواتٌ، فإنْ بدَأ جِيلٌ

стр. 1300

بالتعرَّي، تَبِعَهُ الجِيل الذي يَلِيهِ بتطبيعِ الفاحشة، وظَنُّوها في أسلافِهم؛ كما قال تعالى بعدَ آيةِ كشفِ العوراتِ: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾. * * * قال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]. في هذه الآيةِ: مشروعيَّةُ استِقبالِ القِبلةِ بالوجْهِ عندَ الصلاة، وأنَّ البدنَ لا يكفي، فيُكرَهُ الالتفاتُ ولو كان البدنُ موجَّهًا إلى القِبْلةِ. استقبالُ القبلةِ عند الدعاءِ: وفي الآيةِ: استحبابُ استقبالِ القِبْلةِ عند الدُّعاء، وقد تَواتَرَ ذلك عن النبيِّ ﷺ ؛ ففي مسلم، مِن حديثِ عمرَ: لمَّا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى المُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ الْقِبلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْه، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ … الحديثَ (١). وفي البخاريِّ، عن ابنِ مسعودٍ ﵁؛ قال: "اسْتَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ الكَعْبَةَ، فَدَعَا عَلَى نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ" (٢). وكذلك كان يَستقل القِبْلةَ عندَ وقوفِهِ على الصَّفَا والمروةِ. ويُستَحَبُّ أنْ يَستقبلَ المتكلِّمُ القِبْلةَ. وأمَّا توجيهُ الوجهِ إلى القِبْلة، فمُستَحَبٌّ؛ لظاهرِ الآيةِ والأحاديث، ولو نظَرَ إلى السماء، فهو سُنَّةٌ كذلك؛ فقد كان النبيُّ ﷺ ينظُرُ إلى
следующие страницы →