وفي ذِكْرِ هذا المعنى في سياقِ قصةِ كشفِ عورةِ آدمَ وحوَّاءَ: إشارةٌ إلى مشروعيَّةِ الاستِتارِ عن الجانّ، وإنْ كانتِ المشروعيَّةُ عن أعيُنِ بني آدَمَ آكَدَ وأشَدَّ؛ ولذا رُوِيَ في الحديثِ مشروعيَّةً التسميةِ عندَ كشفِ الإنسانِ لعَوْرَتِه؛ حتى يَمنَعَ اللهُ بها الجِنَّ عن رُؤْيَتِهِ؛ كما في الترمذيِّ؛ مِن حديثِ عليٍّ مرفوعًا: (سَتْرُ مَا بَيْنَ أَعْيُنِ الجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمُ الخَلَاء أَنْ يَقُولَ: بِاسْمِ اللهِ) (١).
الخامسُ: الاستِتارُ للنَّفْسِ والحِفاظُ على فِطْرتِها! فإنَّ كشفَ السَّوْءَةِ في حالِ الخَلوة، والدوامَ على ذلك: يَكسِرُ فِطْرةَ الحياءِ والاستِتار، ولو كان الواحدُ أعمَى لا يَرَى نفسَهُ وليس عندَهُ مَن يَراه، فالهَيْبةُ لحياءِ النفسِ وهي تُحِسُّ بالتعرِّي وهيبتِهِ ولو كانتْ في ظلامٍ أو لا تُبصِرُ.
عورةُ الرجلِ:
وعَوْرة الرجُلِ تختلِفُ عن عورةِ المرأة، وأمَّا عورةُ المرأة، فيأتي الكلامُ عليها في سورةِ النورِ والأحزاب، وأمَّا عورةُ الرَّجُل، فاتَّفَقَ العلماءُ على أنَّ السَّوْءَتَيْنِ وما أحاطَ بهما عورةٌ، واختُلِفَ في فَخِذِ الرجُلِ على قولَيْنِ:
الأوَّلُ - وهو قولُ حمهورِ العلماءِ وقولة الأئمَّةِ الأربعةِ في المشهورِ - أنَّ الفَخِذَ عورةٌ، وأنَّ عورةَ الرجُلِ مِن سُرَّتِهِ إلى رُكْبَتِه، واختلَفُوا في عينِ الرُّكْبةِ والسُّرَّةِ: هل هما عورةٌ أو لا؟ على قولَيْنِ كما يأتي.
الثاني: أنَّ الفخذَ ليستْ بعورةٍ؛ وهو روايةٌ عن أحمدَ، وذهَبَ إلى هذا بعضُ الفقَهاءِ مِن بعضِ المذاهب، واستدَلُّوا بأنَّ النبيَّ ﷺ كشَفَ
стр. 1297
فخذَهُ، كما ثبَتَ عن أنسٍ ﵁؛ أنَّ النبيَّ ﷺ يومَ خَيْبَرَ "حَسَرَ الإِزَارَ عَنْ فَخِذِه، حَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيِّ اللهِ ﷺ "؛ رواهُ البخاريُّ (١).
وعن أبي موسى: "أنَّ النبيَّ ﷺ كَادَ قَاعِدًا فِي مَكَانِ فِيهِ مَاءٌ، قَدِ انْكَشَفَ عَنْ رُكْبَتَيْه أَو رُكْبَتِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عُثْمَانُ غَطَّاهَا" (٢).
أنواعُ عَوْرةِ الرجلِ:
وحديثَا أنسٍ وأبي موسى لا يَلزَمُ منهما أنَّ الفَخِذَ ليستْ بعورةٍ؛ وإنَّما فيهما التخفيفُ في الفخذَيْن، وأنَّ العورةَ بالنسبةِ للرَّجُلِ على نوعَيْنِ: عورةٌ مغلَّظةٌ، وعورةٌ مخفَّفةٌ:
فأمَّا العورةُ المغلَّظةُ: فهما السَّوْءَتانِ وما أحاطَ بهما مِن مَواضعَ، وهذه العورةُ لا يجوزُ إظهارُها إلَّا لزوجةٍ وما ملَكَتِ اليمينُ؛ ولا تَظهَرُ إلَّا للضَّرورة، ولا يجوزُ إبداؤُها في الحاجاتِ؛ كرفعِ الثوبِ عن طِينِ الأرضِ ووَحَلِه، أو عندَ الاغتِسالِ في البِرَكِ والمَسابح، وكلُّ حاجةٍ: لا تَحِلُّ فيها المحرَّماتُ؛ وإنَّما تَحِلُّ المحرَّماتُ في الضروراتِ؛ كالتطبُّبِ ونحوِه.
وأمَّا المخفَّفةُ؛ فالفَخِذ وما علَاها، ويجوزُ إظهارُها للحاجات، والحاجاتُ عارِضةٌ لا دائمةٌ، ويحرُجُ مِن هذا مَن اتَّحَذَ لِباسَا قصيرًا يُظهِرُ فخذَهُ! فهذا لباسٌ دائمٌ لا يجوزُ، ويدُلُّ على كونِها عورةً مخفَّفةً أنَّ النبيَّ ﷺ أبْداها في حاجة؛ كما في حديثِ أنسٍ لمَّا مَرَّ بحائطٍ بخيبرَ، أو على حالٍ لا يَظهَرُ فيه الاستدامةُ ككشفِ بعضِ الفخذِ حالَ الجلوسِ؛ كما في حديثِ أبي موسى، ففعَلَهُ النبيُّ ﷺ جالسًا لا قائمًا؛ ولهذا لمَّا رأى النبيُّ ﷺ أبا بكرٍ كَشَفَ عن رُكْبَتِهِ وهو قائمٌ مِن غيرِ مرورٍ بحائطٍ ولا وَحَلٍ؛ قال: (أمَّا صَاحِبُكُمْ، فَقَدْ غَامَرَ)؛ كما في البخاريّ، عن
стр. 1298
أبي الدَّرْداءِ ﵁؛ قال: "كنتُ جالسًا عندَ النبيِّ ﷺ إذ أَقْبَلَ أبو بكرٍ ﵁ آخِذًا بطَرَفِ ثَوْبهِ حتى أَبْدَى عن رُكْبَتِه، فقال النبيُّ ﷺ : (أمَّا صَاحِبُكُمْ، فَقَدْ غَامَرَ)، فسلَّمَ، فذكَرَ الحديثَ" (١)؛ وذلك أنَّ هذا الفعلَ لا يفعلُهُ إلَّا مَن نزَلَت به نازلةٌ مِن خصومةٍ أو شدَّة، والمُغامِرُ مَن يَرمي بنفسِهِ في الشدائدِ؛ وذلك أنَّ أبا بكرٍ كان بينَهُ وبينَ عمرَ شيءٌ، فجاءَ إلى النبيِّ ﷺ بذلك.
ثم إنَّ أنسَ بنَ مالكٍ وأبا موسى لم يَذْكُرَا كَشْفَ النبيِّ ﷺ للفخذِ مِن غيرِ بِيانِ السببِ والحال، ممَّا يُشعِرُ بأنَّها مخفَّفةٌ للحاجةِ لا على الدوام، بحيثُ تُفصَّلُ عليها الألبسةُ والأزُرُ والبناطيلُ، ولمَّا ذكَرَ أنسٌ أنه رأى فَخِذَ النبيِّ ﷺ ، ظهَرَ أنه فعَلَ ذلك اعتراضًا، ولو لم يكنِ اعتراضًا، لَمَا ذكَرَهُ في موضعٍ معيَّنٍ.
والقولُ بأنَّ الفخذَ عورةٌ هو الاحتياطُ، ومَن قال بأنَّ الفخذَ ليستْ بعورةٍ يَشُقُّ عليه وضعُ حدٍّ للعورةِ؛ وذلك أنَّ الفخذَ كالسَّاقِ عضوٌ مُتَّصِلٌ؛ القولُ في أَدْناهُ كالقولِ في أَعْلاه، ومَنْ لم يجعَل أدْنى الفخذِ عورةً، لم يَقْدِرْ على حدِّ العورةِ بحدٍّ منضبطٍ في أعْلاها، ومَن قال بأنَّ أَدْنى الفخذِ ليس بعورةٍ، وجَبَ أن يقولَهُ في أعْلاها ممَّا ليس بفَرْجٍ، وهذا مجازَفةٌ.
وعن مالكٍ وأبي حنيفةَ وأحمدَ في روايةِ عنه؛ أنَّ الفخذَ عورةٌ مخفَّفةٌ، وقد جاء في غيرِ ما حديثٍ أنَّ (الْفَخِذَ عَوْرَةٌ)! مِن حديثِ ابنِ عبَّاسِ (٢) وجَرْهَدِ (٣).
стр. 1299
واختُلِفَ في الرُّكْبَةِ والسُّرَّةِ: هل هما مِن العورةِ أو لا؟ على قولَيْنِ مشهورَيْنِ:
فلم يجعَلْهما مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ في قولٍ عورةً.
وجعَلَهما أبو حنيفةَ عورةً.
ويأتي الكلامُ على عورةِ المرأةِ في سورتَيِ النورِ والأحزابِ.
* * *
قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦].
ذكَرَ اللهُ مِنَّتَهُ فيما أنزَلَهُ وخلَقَه لآدمَ مِن النِّعْمةِ التي يجبُ عليه أنْ يأخُذَها وينتفِعَ بها، وهي اللِّباسُ؛ وهو: ما يستُرُ البدَنَ، والرِّياشُ؛ وهو؛ المالُ؛ كما قالهُ ابنُ عبَّاسِ (١)، وقيل: الرِّياشُ: هو ما يُتجمَّلُ به.
* * *
قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨].
جاءتْ هذه الآيةُ بعدَ قصَّةِ آدمَ وحوَّاءَ مع إبليسَ، وما جازَى اللهُ كلًّا منهم، وكشفِ سَوْءَةِ آدمَ وحوَّاءَ، ثم تحذيرِ اللهِ لبني آدمَ مِن بَعْدِهما أنْ يُسَوِّلَ لهم الشيطان كَشْفَ عَوْرَاتِهم بقولِهِ تعالى: ﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧] ثم ذكَرَ اللهُ بعدَ ذلك الفاحشةَ، مبيِّنًا أنَّ أوَّلَ ما يقعُ في بني آدمَ كَشفُ العورات، ثم تكون الفواحشُ؛ فالشَّرُّ خُطُواتٌ، فإنْ بدَأ جِيلٌ
стр. 1300
بالتعرَّي، تَبِعَهُ الجِيل الذي يَلِيهِ بتطبيعِ الفاحشة، وظَنُّوها في أسلافِهم؛ كما قال تعالى بعدَ آيةِ كشفِ العوراتِ: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾.
* * *
قال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩].
في هذه الآيةِ: مشروعيَّةُ استِقبالِ القِبلةِ بالوجْهِ عندَ الصلاة، وأنَّ البدنَ لا يكفي، فيُكرَهُ الالتفاتُ ولو كان البدنُ موجَّهًا إلى القِبْلةِ.
استقبالُ القبلةِ عند الدعاءِ:
وفي الآيةِ: استحبابُ استقبالِ القِبْلةِ عند الدُّعاء، وقد تَواتَرَ ذلك عن النبيِّ ﷺ ؛ ففي مسلم، مِن حديثِ عمرَ: لمَّا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى المُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ الْقِبلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْه، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ … الحديثَ (١).
وفي البخاريِّ، عن ابنِ مسعودٍ ﵁؛ قال: "اسْتَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ الكَعْبَةَ، فَدَعَا عَلَى نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ" (٢).
وكذلك كان يَستقل القِبْلةَ عندَ وقوفِهِ على الصَّفَا والمروةِ.
ويُستَحَبُّ أنْ يَستقبلَ المتكلِّمُ القِبْلةَ.
وأمَّا توجيهُ الوجهِ إلى القِبْلة، فمُستَحَبٌّ؛ لظاهرِ الآيةِ والأحاديث، ولو نظَرَ إلى السماء، فهو سُنَّةٌ كذلك؛ فقد كان النبيُّ ﷺ ينظُرُ إلى
стр. 1301
السماءِ عدَ دعائِه، وقد ثبَت ذلك في "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ المِقْدَادِ؛ قال: رفَعَ النبيُّ ﷺ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاء، فَقُلْتُ: الآنَ يَدْعْو عَلَيَّ فأَهْلِكُ! فَقَالَ: (اللَّهُمَّ أطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي، وَأَسْقِ مَنْ أَسْقَانِي) (١).
ولكنَّ رفعَ البصرِ في الصلاةِ منهيٌّ عنه ولو كان حالَ دعاءٍ وثناءٍ على الله، والنظرُ إلى السماءِ والتفكُّرُ فيها عبادةٌ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية: ١٧ - ١٨]، وكان النبيُّ ﷺ يَرفعُ بصرَهُ إلى السماءِ كثيرًا كما في "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ أبي موسى (٢)، والنظرُ إليها والتفكُّرُ فيها يُورِثُ هَيْبةً لخالِقِها, وتعظيمًا له، وتواضُعًا وكَسْرَا للنَّفْسِ.
* * *
قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١].
نرَلَت هذه الآيةُ في حالِ العربِ في الجاهليَّةِ؛ أنَّهم كانوا يَقصِدُونَ الكَعْبَةَ عُرَاةً، ويطُوفونَ عندَها بلا لِباسٍ؛ فأنزَلَ اللهُ على نبيِّه هذه الآيةَ؛ كما صحَّ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ؛ كما في مسلم وغيرِه، عنه؛ قال: كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةٌ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ؛ الرِّجَالُ بِالنَّهَار، وَالنِّسَاءُ بِاللِّيْلِ، وَكَانَتِ المَرْأَةُ تَقُولُ:
أَلْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَو كُلُّهُ … وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ (٣)
وكانت قريشٌ لا تَفعَلُ ذلك هي ومَنْ حالَفَها، وأمَّا غيرُهُمْ مِن قبائلِ العربِ الذين يأتُونَ مِن اليمنِ وغيرِها كالأعراب، فقد كانوا يُؤمَرونَ
стр. 1302
بأخذِ لِباسٍ يستُرُهُمْ مِن لباسِ قريشٍ؛ إمَّا شِرَاءً أو عَارِيَّةَ، أو يطُوفُونَ عُراةً، كما عند مسلمٍ والبخاريّ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، من أبيهِ؛ قال: كَانَتِ الْعَرَبُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرَاةً، إِلَّا الْحُمْسَ، وَالْحُمْسُ قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ، كَانُوا يَطُوفُونَ عُرَاةً، إِلَّا أَنْ تُعْطِيَهُمُ الحُمْسُ ثِيَابًا، فَيُعْطِي الرِّجَالُ الرِّجَالَ، وَالنِّسَاءُ النِّسَاءَ (١).
وصحَّ نحوُهُ عن الزُّهْريِّ.
ويُروى أنَّ قريشًا كانت تقولُ: نحنُ أهلُ الحَرَم، فلا ينبغي لأحدٍ مِن العربِ أنْ يطُوفَ إلَّا في ثِيَابِنا، ولا يأكُلَ إذا دخَلَ أرضَنا إلَّا مِن طعامِنا (٢).
وليس فعلُ قريشٍ هذا على أَثَارَةٍ مِن سَلَفِ لهم؛ وإنَّما جاهليَّةٌ ابتدَعُوها؛ لتُعظِّمَهُمُ العربُ، ويَسُودُوا عليهم بالجاهِ والمالِ.
وقول اللهِ تعالى في الآيةِ: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾، جعَلَ الخِطابَ فيه لبني آدمَ؛ تذكيرًا لهم بحالِ أبيهِم آدمَ ومَكْرِ إبليسَ به وبزوجِهِ حتى انكشَفَت سَوْءَاتُهما، التي قد ذكَرها اللهُ قريبًا في هذه السورة، وأنَّ فِعْلَ كفَّارِ قريشٍ مِن تسويلِ الشيطانِ مِن جنسٍ، ما فعَلَهُ بأبيهِم، وفِعْلُهُمْ أعظَمُ؛ لأنَّ آدمَ لم يَكشِفْ سَوْءَتَهُ بنفسِه؛ وإنَّما عُوقِبَ بكَشفِها، وقريشٌ فعَلَتْ ذلك تديُّنًا وتعبُّدًا, وفي حَرَمِ الله، وأمامَ الناظِرِين.
وفي الخِطابِ بـ ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾، تذكيرٌ بأنَّ السترَ واللِّباسَ فِطْرةٌ آدميَّةٌ تشتركُ فيها جميعُ البشريَّة، لا تحتاجُ إلى دليلٍ مِن الوحيِ يُثْبِتُها، ولو رجَعُوا إلى فِطْرتِهِمْ بعقولِ صحيحةٍ، لَوَجَدُوا ذلك وبان لهم تَعَدِّيهِم.
стр. 1303
وقول اللهِ تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾:
المرادُ به: المسجدُ الحرامُ، ويدخلُ في حُكْمِهِ كلُّ مسجدٍ؛ للاشتراكِ في العِلَّةِ، وقولُه: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾؛ أيْ: موضعٍ تتعبَّدونَ اللهَ فيه، ويكونُ المرادُ به القصدَ؛ كلَّما قصَدتُّمُ المسجدَ، فخُذُوا زينتَكُمْ في كلِّ مرَّةٍ، فجعَلَ الموضعَ الواحدَ في كلِّ مرةٍ مسجدًا، ويُؤيِّدُ هذا قولُهُ تعالى قبل ذلك: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩]؛ أي: عندَ كلِّ مرةٍ تتعبَّدونَ اللهَ فيها للصَّلاةِ والدُّعَاءِ ولو كان الموضعُ واحدًا.
أخذُ زينةِ اللباسِ للعبادةِ ومكانُهَا:
ويدخُلُ في معنى الآيةِ أخذُ الزِّينةِ لغَرَضينِ:
الأوَّلُ: لموضعِ العبادةِ؛ سواءٌ كان لغرضِ العبادةِ أو لغيرِها، وللعبادةِ آكَدُ؛ لاجتماعِ الأمرَيْنِ؛ وذلك أنَّ مواضعَ الجادةِ محتَرَمةٌ معظَّمةٌ، فيُستحَبُّ التزيُّنُ لها وعدمُ دخولِها مع كشفِ عورةٍ أو رائحةٍ نَتْنَةٍ؛ تعظيمًا لها وللملائكةِ وللمُصلِّينَ والمُعتكِفينَ والذاكِرِين.
الثاني: للعبادة، وهي الصلاةُ؛ فيُستحَبُّ أخذُ الزِّينة لها ولو لم يكنْ ذلك في موضع عبادة، وهو المسجِدُ، فالمقصدُ مِن الزِّينةِ العبادةُ؛ لأنَّ دُورَ العبادةِ لم تُتَّخَذْ إلَّا لأجلِ العبادة، وإنَّما عُظِّمَتِ المساجدُ لأجلِ العبادةِ فيها، ولو لم يكن فيها عبادةٌ، لم تكن معظَّمةً؛ فمَنْ أرادَ الصلاةَ، استُحِبَّ له أخذُ الزِّينةِ لها، والاستتارُ ولو كان المصلِّي في بيتِهِ لا يراهُ أحدٌ.
الأصلُ حِلُّ اللباسِ:
وفي الآيةِ: دليلٌ على أنَّ الأصلَ في اللِّباسِ: الحِلُّ، فسمَّى اللهُ
стр. 1304
اللِّباسَ بالزِّينةِ ولم يَستَثْنِ منه شيئًا، وإذا ورَدَ النصُّ لإطلاقِ الحِلِّ على عَيْنٍ، دَلَّ على أنَّ الأصلَ فيها الحِلُّ، وأنَّ الاستثناءَ فيها قليلٌ، وقد صرَّحَتِ الآبة بعدَ ذلك بقولِهِ تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢].
والزِّينة؛ كلُّ لِباسٍ اجتمَعَ فيه أمرانِ: سَتْرُ البدنِ أو عضوٍ منه، وأنْ يكونَ اللِّباسُ حسَنًا: أمَّا سَترُ البدنِ أو عضوٍ منه: فلا يدخُلُ فيه الزينةُ التي لا تستُرُ، فليسَتْ ملبوسًا لبَدَنِ ولا لعضوٍ منه؛ كالكُحْلِ والخِضَاب ومِكْياجِ المرأةِ وحُلِيِّها، ولا يدخُلُ فيه ما لا يستُرُ البدنَ ولا عضوًا منه؛ كالخاتمِ؛ فهذا غيرُ مقصودِ مِن الزِّينةِ.
ويُسْتَحَبُّ ما ستَرَ البدنَ أو أكثَرَهُ، كالإزَارِ والرِّدَاءِ والقميصِ والثوب، أو عضوًا منه؛ كالعِمَامةِ والنعلَيْن، ورُوِيَ عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال ذاتَ يومٍ؛ (خُذُوا زِينَةَ الصَّلَاةِ)، قيل: وَمَا زِينَةُ الصَّلَاةِ؟ قال: (الْبَسُوا نِعَالَكُمْ، فَصَلُّوا فِيهَا) (١).
وأمَّا حُسْنُ اللِّباسِ: فلا يدخُلُ فيه قبيحُ اللِّباسِ ولو غلا ثمنُهُ، ولا اللِّباسُ الحرامُ؛ كالحريرِ للرَّجُلِ وجلودِ الخِنْزيرِ والكلابِ وما دَلَّ الدليلُ على تحريمِه؛ لأنَّ المحرَّمَ لا يُسمِّيهِ الشارعُ لباسًا بإطلاقٍ إلَّا مع تقيِيدِ تحريمِه، فضلًا عن تسميتِهِ زِينةً.
وأمَّا إزالةُ النجاسةِ والرِّيحِ الخبيثةِ مِن البدنِ والثوب، فذلك ممَّا يدُلُّ عليه مفهومُ الآية، لا منطوقُها؛ لأنَّ لازمَ الزِّينةِ إزالةُ الخبيث، والزِّينةُ تُتَّخَذُ، وخبيث الرائحةِ يُرفَع ويُزالُ، وذلك عكسُ الاتِّخاذِ.
وكذلك استعمالُ الطِّيب، فدليلُهُ خاصٌّ متواتِرٌ.
стр. 1305
ويُستحَبُّ لُبْسَ ساترِ الثيابِ وجميلِهِ في الصلاةِ وفي المساجد، وقد فضَّلَ النبيُّ ﷺ مِن ألوانِ الثيابِ البَيَاضَ؛ كما في "المسنَدِ"، و"السُّننِ"؛ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسِ مرفوعًا؛ (الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ؛ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ) (١).
سَتْرُ العَوْرَةِ للصلاةِ:
وفي الآيةِ: دليلٌ على وجوبِ سترِ العورةِ للصَّلاة، فإذا وجَب التستُّرُ عندَ موضعِ العبادة، فإنَّ سَترَها للعبادةِ مِن بابِ أَولى، وسببُ نزولِ الآيةِ دالٌّ على ذلك، وبهذه الآيةِ استدَلَّ بعضُ السلفِ كمُجاهِدِ؛ قال: "الزِّينةُ ما وارَى عورتَكَ ولو عباءةً" (٢).
وعورةُ المرأةِ تختلِفُ عن عورةِ الرجُلِ في الصلاة، والسَّتْرُ في الصلاةِ يختلِفُ عن السترِ خارجَها عندَ بعضِ الفقهاءِ: فأمَّا عورةُ الرجُل، فكما تقدَّمَ في قصةِ آدمَ أنَّ عورتَهُ بينَ السُّرَّةِ إلى الرُّكْبةِ على الصحيحِ؛ وهو قولُ جماهيرِ العلماء، وقولُ الأئمَّةِ الأربعةِ في المشهورِ.
عورةُ الرجلِ في الصلاة:
واختلَفوا في عورتهِ في الصلاةِ: هل هي عَيْن عورتِهِ خارجَها, أو أنَّ عورةَ الرجُلِ في الصلاةِ ليستْ عورةً له في خارجِ الصلاةِ؟ على قولَينِ:
ذهَبَ جمهورُ العلماءِ - وهو قولُ أبي حنيفةَ والشافعيِّ وأحمدَ -: إلى أنَّ عورةَ الرجُلِ في الصلاةِ ما بينَ السرَّةِ إلى الرُّكْبةِ.
стр. 1306
وذهَبَ مالكٌ إلى أنَّ عورةَ الرجلِ خارجَ الصلاةِ ليستْ عورتَهُ في الصلاةِ؛ فيَرَى أصحابُ مالكٍ: أنَّ كشفَ ما بينَ السُّرَّةِ إلى الرُّكْبةِ محرَّمٌ خارجَ الصلاة، وينجرُّ الحُكْمُ في الصلاةِ تَبَعًا وليس استقلالًا للصلاةِ إن كان هناك مَن يراهُ، فلا يعلَّقُ الحُكْمُ بالصلاةِ بخصوصِها، وجماعةٌ مِن أصحابِ مالكٍ يَجْعَلونَ كشفَ السَّوْءَتَينِ محرَّمًا في الصلاةِ ولو كان وحدَهُ، ويَجْعلونَ كشْفَهما مبطِلًا لها.
وعلى ظاهرِ قولِ المالكيَّةِ لا تبطُلُ صلاةُ مَن بَدَتْ فخذُهُ، وجاء عن مالكٍ - وقال به بعضُ أصحابِه -: أنَّ عليه الإعادةَ ما دام في الوقت، ومنهم مَن يَستحبُّها.
وجمهورُ العلماءِ: يَرَوْنَ عورتَهُ خارجَ الصلاةِ هي عورتَهُ داخِلَ الصلاةِ ولو كان مصلِّيًا وحدَهُ، فمَن صلَّى وبَدَت له فخذهُ لنفسِهِ هو، وجَبَ عليه الإعادةُ، بخلافِ المالكيَّة، فيرَوْنَ أنَّ سترَ العورةِ واجبٌ، لا شرطٌ لصحةِ الصلاةِ.
عورةُ المرأةِ في الصلاة:
وأمَّا عورةُ المرأةِ في الصلاةِ؛ فما سوى الوجهِ والكَفَّيْنِ؛ وهذا بالاتِّفاق، وإنَّما يختلِفُ العلماءُ في بُدوِّ القدمَينِ في الصلاة، وجمهورُ العلماءِ على وجوب تغطيةِ قدمَيْها في الصلاةِ؛ خلافًا لأبي حنيفةَ وبعضِ أهلِ الرأيِ؛ يقولونَ بأنَّ كشفَ القدمَيْنِ لا يُبطِلُ الصلاةَ، ولا تَأثَمُ له.
وما ظهَرَ مِن عَوْرةِ الرجُلِ والمرأةِ في الصلاةِ وسُتِرَ ولم يَطُلْ كشفُهُ، فلا تبطُلُ له الصلاةُ على الصحيح مِن أقوالِ الفقهاء، ولأنَّ في إبطالِها بما يبدُو مِن العورةِ لَحْظةً - مشقَّةً) ويُغتفَرُ مِن العورةِ اليسيرُ؛ كخَرْقٍ يسيرٍ في ثوبٍ يُبدِي شَعْرَ المرأةِ أو ساعِدَها، أو فخذَ الرجُلِ؛ وبه قال أحمدُ.
стр. 1307
وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾، أمَرَ اللهُ بالأكل والشربِ بعدَما أمَرَ بأخذِ الزِّينةِ؛ لأنَّ كفَّارَ قريْشٍ كانت قد بذَلتْ في اللِّباس، فحرَّمتْ على غيرِها وغيرِ حُلَفائِها الطوافَ بغيرِ لِباسِها، وحرَّمت بعضَ الطعامِ؛ فجاءَ الأمرُ مُبطِلًا لفسادِ فِعْلِهم.
الإسرافُ في الطعامِ:
ثم نهَى اللهُ عن الإسراف في الطعام والشراب، وأكَّدَ النهيَ بأنَّه لا يُحبُّ المخالفِينَ لأمرِه، المُسرِفِينَ في المأكلِ والمشربِ.
والسَّرَفُ؛ مُجاوَزةُ الحدِّ المعروفِ في الشيء، ويقرُبُ مِن معناهُ التبذيرُ، وهو: إنفاقُ المالِ في غيرِ حقِّه؛ كما قالهُ الشافعيُّ وغيرُهُ.
حدودُ الإسرافِ الممنوع:
والسَّرَفُ على مَراتبَ، ومنه: ما هو بيِّنٌ ظاهرٌ يَعرِفُهُ العاقلُ صاحبُ الفِطْرةِ، ومنه: ما هو خفيٌّ يشُقُّ على الناسِ دل كثيرٍ من المُتعلِّمينَ معرفتُهُ؛ لأنَّ منه ما يشتبِهُ على فاعلِهِ؛ لاختلافِ أحوالِ الناسِ غِنًى وفقرًا، وأحوالِ الناسِ جِدَةٍ وعدَمًا، واختلافِ مقاصدِ الناسِ مِن الانتفاع، ولا يمكِن معرِفةُ السَّرَفِ المصنوع إلَّا بالنظرِ إلى جهات أربعٍ:
الجهة الأُولى: النظرُ إلى الفاعل، فلا بدَّ مِن معرفةِ غِناهُ وفَقْرِه، ومقدارِ انتِفاعِهِ ممَّا يبذُلُ عليه، فسَرَفُ الغنيِّ غيرُ سَرَفِ الفقير، فالغنيُّ الذي يجدُ طعامَهُ وشرابَه، ولباسَهُ ومَسْكَنَهُ ومَرْكَبَه: لو وضَع مِئَةَ دِينارٍ فيما ينتفع فيه مِن غيرِ ضروريَّاتِه، لم يُعَدَّ مُسرِفًا، ولو أنفَقَ الفقيرُ الذي لا يجدُ ما يستُرُ عورتَهُ ويُشبعُ بطنَهُ دِيارًا في فضولِ الانتفاع، لكان مُسرِفًا، ولو كان عينُ ما اشتراهُ الغنيُّ هو عينَ ما اشتراهُ الفقيرُ.
стр. 1308
وبهذا كان يَحُدُّ الإسرافَ السلفُ؛ كما روي عبيد الله بن حُميْد؛ قال: مَرَّ جدِّي على عمر بنِ الخطاب؛ وعليه بُرْدةٌ، فقال: بكم ابتعْتَ بُرْدَكَ هذا؟ قال: بستِّين دِرْهمًا، قال: كم مالُك؟ قال: ألفُ درهم؛ قال: فقام إليه بالدِّرَّة، فجعَلَ يضربُهُ ويقولُ: رأسُ مالِكَ ألفُ درهمٍ، وتبتاعُ ثوبًا بستِّين درهمًا؟ ! رأسُ مالك ألفُ درهمٍ وتباعُ ثوبًا بستينَ درهمًا؟ ! (١)
وكذلك فإنَّ حاجةَ الواحدِ مِن الناسِ إلى الانتفاعِ تختلفُ عن حاجةِ غيرِهِ مِن سلعةِ واحدة، فمَن يَشترِي بدرهمٍ شيئًا لا ينتفِعُ منه لِيَرْمِيَهَ أو يُهمِلَهُ - يُعَدُّ مُسرِفًا، ولكنَّ شراءَ غيرِهِ إنِ انتفَعَ مِن تلك السلعةِ ولو بأكثَرَ مِن درهمٍ جائزٌ، وقد كان بعضُ السلفِ يَعُدُّ شراءَ الإنسانِ لكلِّ ما يشتهيهِ سَرَفًا، كما قال عُمَرُ بن الخطَّاب: "كفى بالمرء سَرَفًا أنَّ يأكلَ كلَّ ما اشتهى! " (٢).
الجهةُ الثانيةُ: العينُ المنتفَعُ بها، إمَّا أن تكونَ حرامًا، وإمَّا أن تكونَ حلالًا؛ فكلُّ مالٍ يُنفَقُ في حرامٍ، فهو إسرافٌ ولو كان وزنَ بُرَّةٍ؛ ولذا يقولُ مجاهدُ بن جَبْرٍ: "لو أنفَقتَ مِثلَ أبي قُبَيسٍ ذهَبًا في طاعةِ الله، لم يكنْ إسرافًا، ولو أنفَقتَ صاعًا في معصيةِ الله، كان إسرافًا" (٣).
الجهةُ الثانيةُ: القيمةُ المبذولةُ: فكلُّ عينٍ مباحةٍ لها قيمةٌ؛ فمَنِ اشترَى ما لا قيمةَ له أو بالَغَ في قيمةِ ما قيمتُهُ حقيرةٌ؛ كمَنِ اشترَى الحَصَى والترابَ والعِظامَ، ولا انتفاعَ له به، فذلك إسرافٌ محرَّمٌ، ومِثلُهُ مَن يَشتري ما قيمتُهُ حقيرةٌ كدِرْهمِ وَيَشتريهِ بمئةِ دِينارٍ بقصدِ المباهاةِ والمُفاخَرةِ؛ فهذا محرَّمَ ولو كانتِ العينُ المُشتراةُ مباحةً، ولو كان له
стр. 1309
انتفاعٌ بها، فانتفاعُهُ بها لا يساوِي قيمتَها في العُرْف، فهو مُسرِفٌ بمقدارِ ما زادَ فيها.
ولا يُوجَدُ شيءٌ مِن المباحِ رخَّصَ الشارعُ في الإسرافِ فيه، وما يذكُرُهُ بعضُ الناسِ ويَرفعونَهُ إلى النبيِّ ﷺ وتارَةً إلى عمرَ: أنَّ مَن أنفَقَ مالَهُ كلَّه أو ثُلُثهُ في الطِّيب، لم يكنْ ذلك سَرَفًا"، فهذا لا أصلَ له.
الجهةُ الرابعةُ: محيطُ الإنسانِ وواقعُهُ؛ فبمِقدارِ ما يُفَوِّتُهُ الفاعلُ مِن الواجبِ عليه بإنفاقِهِ على المباحِ يكون مُسرِفًا؛ إذا كان ليس لدَيهِ إلَّا مالٌ لا يكفي إلَّا لقضاءِ منفعتَيْن، فالإنقاقُ على سترِ العورةِ أوجَبُ مِن إشباعِ النفسِ بالطعام، ولو كان الشَّبَعُ مباحًا؛ لأنَّ سترَ العوث واجبٌ يَفُوتُ بالشِّبَعِ؛ فالإنفاق على الشِّبَعِ سَرَفٌ محرَّمٌ.
ومِثلُ ذلك: مَن يُهدِي إلى الأبْعَدِينَ وهو مفوِّتٌ لواجبِ النفقةِ على الوالدَيْنِ والأهلِ والذريَّة، فهو بإهدائِهِ إلى الأبعَدِينَ مُسرِفٌ.
السَّرَفُ في الطاعاتِ:
ولا يدخُلُ السَّرَفُ في الطاعاتِ ولو أنفَقَ الإنسانُ عليها مالَهُ كلَّه؛ كمَن يبني المساجدَ، ويُطعِمُ الأيتامَ، ويُنفِق مالَهُ في سبيلِ الله، وقد أنفَقَ أبو بكرٍ مالَهُ كلَّه، ولم يُنكِرْ عليه النبيُّ ﷺ ، ولم يَعُدَّ ذلك سَرَفًا، وقد ذكَرَ النبيُّ ﷺ أنه لا يفضُلُ العملَ في ذي الحِجَّةِ إلَّا مَن خرَجَ بنفسِهِ ومالِهِ ولم يَرجِعْ مِن ذلك بشيءٍ (١).
ويخرُجُ مِن ذلك؛ مَن يُسرِفُ على ما يَتخلَّلُ الطاعةَ ممَّا ليس منها؛ كمَن يبني المساجدَ ويُسرِفُ في تحليتِها وتصفيرِها، وكذلك مَن يَطبعُ
стр. 1310
المصاحفَ ويُسرِفُ في تحليتِها، فهو قد أسرَفَ في شيء يظُنُّهُ عبادةً؛ لكونِهِ تخلَّلَها، وليس منها.
وأمَّا إنْ كان الإنفاقُ على عبادةِ يُفَوِّتُ ما هو أوجَبُ منها، فذلك سَرَفٌ لا يجوزُ؛ كمَن يتوسَّع في النفقةِ على باءِ المساجدِ لما يتعطَّلُ به الجهادُ، فذلك سَرَفٌ منهيٌّ عنه؛ ولهذا جعَلَ النبيُّ ﷺ السَّرَفَ يَلحَقُ العبادةَ مِن هذا النوع؛ كما في حديثِ عمرِو بنِ شعَيْبٍ، عن أبيه، عن جدِّه؛ قال ﷺ : (كُلوا وَاشرَبُوا، وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا، فِي غَيْرِ مَخِيلَةٍ وَلَا سَرَفٍ؛ فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُرَى نِعْمَتُهُ عَلَى عَبْدِهِ)، رواهُ أحمدُ وأصحابُ "السنن" (١).
ومَن أسقَطَ الواجبَ الأَعْلى عليه مِن العبادةِ والنفقة، فله أنْ يُنفِقَ على ما دُونَها مِن العبادةِ والحاجة، وقد صحَّ عن محمدِ بنِ سِيرينَ: "أنَّ تميمًا الداريَّ اشتَرى رِداءً بألفٍ، وكاد يُصلِّي فيه" (٢).
حضورُ مجالس السَّرَفِ:
ولا يَصْلُحُ للقُدْوةِ حضورُ مجالسِ السَّرَفِ والتبذير، والأماكنِ التي صُنِعَتْ بالتبذيرِ والسَّرَف، كإقامةِ مجالسِ العِلْمِ في مساجدَ محلَّاةٍ بالزَّخْرفةِ الفاحشة، والمزاداتِ التي تُوضَعُ للمُغالاةِ والمُباهاةِ. والمواضعُ والأماكن التي فيها سَرَفٌ على نوعَيْنِ:
النوعُ الأوَّلُ: أماكنُ جاء السَّرَفُ فيها تَبعًا ولم يأتِ استقلالًا، وذلك كالمساجدِ الموقوفةِ التي دخَلَها السَّرَفُ بزَخرفتِها، فهذه يجوزُ دخولُها والصلاةُ فيها للعامَّةِ دونَ القُدْوة، فدخولُها منه على سبيلِ الاعتراضِ أهوَنُ مِن دخولِها على سبيلِ الدوامِ.
стр. 1311
النوع الثاني: أماكنُ جاء السَّرَفُ فيها استقلالًا؛ كالمَزَاداتِ والمتَاجِرِ التي تُوضَعُ للمُباهاةِ بينَ أهلِ البَطَرِ والكِبْرِ، وتَبِيعُ ما لا قيمةَ له بقيمةٍ، كألْبِسةِ وبقايَا المشهورِينَ، مِن مَنَادِيلِهم ومَسابِحِهم وأقلامِهم وأوانيهم، ولو كانتْ بلا قيمةِ في الناسِ لو كانتْ لغيرِهم؛ فهذا لا يليقُ بعاقلِ غِشْيانُهُ، فضلًا عن القُدْوةِ الذي يتأسَّى به الناسُ.
* * *
قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢].
سب نزولِ هذه الآيةِ: هو سببُ نزولِ ما سبَقَها؛ فقد نزَلَتَا جميعًا لبيانِ حُكْمِ واحدٍ؛ والآيةُ السابقةُ كانتْ للأمرِ بالاستتارِ وتغطيةِ العَوْراتِ والتزيُّنِ للعبادةِ؛ وهذه الآيةُ لإبطالِ ما يعتقدونَهُ أنَّ اللِّباسَ محرَّمٌ؛ فقد كانتْ بعضُ قبائلِ العربِ تحرِّمُ على نَفسِها اللِّباسَ في بعضِ طوافِها، فتطوفُ عُرْيانةَ يُصفِّرونَ وَيُصفِّقونَ؛ كما رواهُ ابنُ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ (١).
وصحَّ عن عليٍّ عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّ أهلَ الجاهليَّةِ يُحرِّمُونَ أشياءَ أحَلَّها الله مِن اللِّباسِ كالثِّياب، ومِن الطعامِ؛ كالوَدَكِ وغيرِه؛ فنزَلَتْ هذه الآيةُ (٢).
وقولُه تعالى: ﴿أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾: يُرادُ بهم جميعُ الناسِ مؤمنِهم وكافرِهم؛ فالعبوديَّةُ تكونُ طَوْعًا وكَرْهًا، فالكافرُ عبدٌ للهِ ولو كَرِهَ لا يخرُجُ عن تقديرِهِ عليه، والمؤمِنُ عبدٌ للهِ طائعًا وكارهًا، فيَشترِكُ مع الخَلْقِ
стр. 1312
بخضوعِهِ لتقديرِ الله، وَيزِيدُ بخضوعِهِ لأوامرِهِ الشرعيَّةِ؛ وبهذا اختصَّ واستحَقَّ الرِّضا، واللهُ يرزُقُ الكافرَ في الدُّنيا كما يرزُقُ المؤمِنَ؛ لأنَّ هذا مُقتضى ربوبيَّتِه؛ فالخالقُ متكفِّلٌ بالخَلْقِ، والثوابُ على طاعتِهِ والعقابُ على عِصْيانِهِ يكونُ في الآخِرة، وإنْ عجَّلَ اللهُ بعضَهُ في الدُّنيا.
والكفَّارُ يُشارِكونَ المؤمنِينَ في الاستِمتاعِ بالدُّنيا، لكلَّ مُتْعةَ الآخِرةِ خاصَّةٌ للمؤمنينَ، وهو المرادُ بقولِه تعالى: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، فلا تَبِعَةَ عليهم في الآخِرةِ ما الْتزَمُوا حدودَ اللهِ في الدُّنيا، فلا يَلحَقُهم مَأثَمٌ ولا لومٌ، وصحَّ عن ابنِ عبَّاس؛ أنَّهم يُشارِكونَ الكفَّارَ في الدُّنيا في هذه الطيِّبات، ويَخلُصُونَ بها في الآخِرةِ ويُحْرَمُ منها الكفَّارُ (١).
وجاء عن الحسنِ وعِكْرِمةَ نحوُهُ (٢).
وقولُه تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، المرادُ به؛ تمييزُ الحلالِ مِن الحرام، وفصلُ كلِّ واحدٍ منهما عن الآخَرِ لما خلَطَتها قريشٌ بتحريم ما أحَلَّ اللهُ.
وفيه إشارةٌ إلى أنَّهم فعَلُوا ذلك جهلًا، فاستحَقُّوا العِلْمَ، وفي الآيةِ لِينُ خِطَابٍ معهم، فيُلَانُ مع الجاهل، بخلافِ المُعانِدِ.
* * *
قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].
الدُّعَاءُ بنوعَيْهِ: دعاءِ المسألةِ، ودعاءِ العِبَادةِ: يُصرَفُ للهِ بتضرُّعٍ
стр. 1313
وإخلاص، وإنَّما قدمَ اللهُ التضرُّعَ على الإخفاءِ؛ لأنَّ المقصودَ مِن الإخفاءِ حصولُ التضرُّعِ والخشوع، وبالتضرُّع تتحقَّق الغايةُ مِن إخفاءِ العبادةِ وإسرارِها، فلا يتضرَّعُ إلَّا مُخلِصٌ، وقد يُخفِي العبدُ عِبادتَهُ وقلبُهُ حاضرٌ مع الناسِ.
إخفاء العبادةِ:
وفي الآيةِ: مشروعيةُ إخفاءِ العِبادةِ وسؤالِ العبدِ لربِّه؛ ففي ذلك نزع لعلائقِ الرِّياءِ مِن القلب، وغايةُ الاتِّكالِ على الله، واليقينُ بسماعِهِ وإجابتِه، وعبادةُ السِّرِّ تطهِّرُ عبادةَ العلانيَةِ مِن علائقِ الخَلْق، ولا يتحقَّقُ الإخلاصُ في قلبِ أحدٍ إلَّا وله نصيبٌ مِن عبادةِ السِّرِّ بينَهُ وبينَ رَبِّهِ لا يَعلَمُ بها أحدٌ، ولا يُبتلَى أحدٌ بالرياءِ إلَّا لأنَّ نصيبَهُ مِن عبادةِ السِّرِّ قليلٌ أو معدومٌ؛ فعن الزُّبَيْرِ بنِ العوَّام؛ قال: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَبْءٌ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ، فَلْيَفْعَلْ" (١).
تفاضُلُ إسْرارِ العبادةِ وإعلانِهَا:
وتختلفُ العباداتُ في فضلِ إسرارِها وإعلانِها، والأصلُ: أنَّ إسرارَ العبادةِ أفضَلُ مِن إعلانِها، ويُستثنى مِن الأسرارِ عباداتٌ دَلَّ الدليلُ على إعلانِها، وما يُستحبُّ إعلانُهُ له علاماتٌ:
الأُولى: العباداتُ الواجبةُ: الأصلُ فيها استحبابُ الإعلانِ؛ كالصلواتِ المفروضةِ والزكاةِ - بخلافِ الصَّدَقةِ - وصومِ رمضانَ والحجِّ والأذان، وكلَّما كانتِ العبادةُ أشدَّ في الوجوبِ والفَرْضِيَّة، فإعلانُها آكَدُ ممَّا هو دونَها؛ لأنَّ الفرائضَ شرائعُ تحتاجُ إلى إعلان، وبإعلانِها يقومُ
стр. 1314
الدِّينُ، ويُعرَفُ بلدُ الإسلامِ مِن بلدِ الكفرِ، ويتمايَزُ الناسُ ويَشهَدُ بعضُهُمْ لبعضِ بالخيرِ والعدالةِ.
وقد شرَعَ اللهُ للصلواتِ الخمسِ الأذانَ، وبه يقومُ الناسُ إلى الصلاةِ ويَشْهَدونَها ويَرى بعضُهم بعضًا، ومِثِلُهُ الزكاةُ: يُظهِرونَ حصادَهُمْ، ويَسْألونَ عن الفقير، ويَجْمَعُها السُّلْطانُ إن شاءَ منهم، وكذلك صومُ رمضانَ؛ يتراءَى الناسُ الهلالَ ويَتباشَرونَ به وَيدْعو بعضُهم بعضًا إلى الطعامِ فِطْرًا وسحورًا، وكذلك الحجُّ: مشهودٌ، ويَحْسِرُ الرِّجالُ عن رؤوسهم تذلُّلًا للهِ ولِيرَى بعضُهم بعضًا مجتمعين؛ والنِّساءُ يَحسِرْنَ وُجُوهَهن بينَهُنَّ، ولا يُستحَبُّ أنْ يَستتِرَ الواحدُ منهم عن الناسِ.
الثانية: الجماعةُ؛ فكلُّ عبادةٍ شرَعَ الله لها الاجتماعَ، فإعلانُها أفضَلُ مِن إسرارِها ولو كانتْ في ذاتِها غيرَ واجبةٍ؛ كصلاةِ الاستسقاءِ ومجالسِ الذِّكْرِ والتعليمِ وصلاةِ العيدَيْنِ على قولٍ، وجهادِ الطلَبِ، ولم تُشرَعِ العبادةُ جماعةً إلَّا وإشهارُها مقصودٌ، فإذا اجتمَعَ مشروعيَّةُ الجماعةِ مع وجوبِها، كان ذلك آكَدَ في إعلانِها.
الثالثة: مَن يُقتدَى به؛ فالأفضَلُ له إعلانُ عملِهِ ما لم يَخَفْ على نفسِه، وقد قال النبيُّ ﷺ : "مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ" (١)، وقال ﷺ : (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا) (٢).
ولمَّا كان النبيُّ ﷺ قُدْوةً للناسِ كافَّةً، كان عملُهُ كلُّه تُشرَعُ فيه العلانيَةُ، ولم يثْيُتْ عن النبيِّ ﷺ أنه كان يَستتِرُ عن أعيُنِ الناسِ بعبادتِه، فلو استَتَرَ، لم يَتعلَّمِ الناسُ دِينَهُمْ؛ لأنَّه مبلِّغٌ عن الله، ولكنْ كان النبيُّ ﷺ يطلُبُ الخَلْوةَ بربِّه لَتشريعِ ذلك لأُمَّتِه.
стр. 1315
والناسُ يَختلِفونَ في الاقتداءِ بهم، وأَثَرِهم على الناسِ؛ فمنهم: مَن يُؤثِّرُ في أهلِ بيتِه، ومنهم: مَن أثرُهُ في حيِّه أو بلدِه، ومنهم: مَن هو قُدْوةٌ لدى أكثرِ المُسلِمينَ كالأئمَّةِ؛ فيُستحَبُّ أنْ يُعلِنوا بعضَ العباداتِ التي الأصلُ فيها السِّرُّ، ويَجعَلُوا لهم مِن عادتِهم لربِّهم في الخَفَاءِ ما تزكو به علانيَتُهم، ومَن لا يُقتدَى به، فلا مصلحةَ مِن علانيةِ عبادتِهِ إلَّا ما يذكِّرُ له الناسَ؛ فبهذا القَدْرِ يُشْرَعُ.
ومقصدُ التعليمِ وعِظَمُ أثَرِهِ أعظَمُ مِن مقصدِ الإسرارِ؛ لأنَّ تعليمَ الحقِّ والخيرِ هو الغايةُ مِن إرسالِ الرُّسُلِ؛ ولهذا كان بعضُ السلفِ يتكلَّفُ الجهرَ بما دَلَّ الدليلُ على الإسرارِ به؛ لأجلِ التعليمِ؛ كما جهَرَ عمرُ بدعاءِ الاستفتاحِ للصلاةِ لأجلِ تعليمِ الناسِ (١)، وكان ابنُ عمرَ وأبو هريرةَ يَجْهَرانِ بالاستعاذة، وكان ذلك منهم في القليلِ لا في الكثيرِ؛ بما يؤدِّي مقصدَ التعليم، ولا يضيِّعُ شريعةَ الإسرارِ.
الرابعةُ: ما سمَّاهُ الشارعُ شَعِيرةً؛ كالهَدْيِ والقلائدِ والتَّلْبِيْة، ومقتضى كونِهِ شَعْيرةً أنَّ إشهارَهُ سُنَّةٌ، والتعبُّدَ بإسرارِهِ بِدْعةٌ، ويَلحَقُ في ذلك ما شابَهَه في عملِ النبيِّ ﷺ أو أصحابِه؛ كالجهرِ بالتكبيرِ في أيَّامِ العشرِ وأيَّامِ التشريقِ؛ فقد كان عمرُ يُكبِّرُ بمِنًى فتَرتَجُّ مِنًى تكبيرًا (٢)، وكان ابنُ عمرَ وأبو هريرةَ يُكبِّرانِ في السوقِ في عشرِ ذي الحِجَّةِ (٣).
والأصلُ في نوافلِ الطاعاتِ والقُرُباتِ: السِّرُّ، وهو أفضَلُ مِن العلانيَةِ؛ كما تواتَرَتِ الأدلَّةُ به، سواءٌ كان قراءةَ قرآنٍ أو صدقةً أو ذِكرًا لله، قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا
стр. 1316
الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١]، وعن عُقْبةَ بنِ عامرٍ ﵁؛ قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: (الجَاهِرُ بِالقُرْآنِ كَالجَاهِرِ بِالصَّدَقَة، وَالمُسِرُّ بِالقُرْآنِ كَالمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ) (١)، قال الترمذيُّ: "ومعنى هذا الحديثِ: أن الذي يُسِرُّ بقراءةِ القرآنِ أفضَلُ مِن الذي يَجهَرُ بقراءةِ القرآنِ؛ لأنَّ صدقةَ السِّرِّ أفضَلُّ عندَ أهلِ العِلمِ مِن صدقةِ العلانيَةِ".
ولا يَلزمُ مِن عملِ العلانيَةِ أن يَجهَرَ صاحبُهُ بفعلِهِ أمامَ الناس، بل قد يَقوَى العبدُ على فعلِ العبادةِ سرًّا وَيؤُزُّه الشيطانُ على ذِكرِها للناسِ علانيَةً، فتكونُ في حقيقتِها كأنما فعَلَها علانيَةً؛ قال سفيانُ الثوريُّ: "إنَّ العبدَ لَيَعمَل العملَ في السِّرّ، فلا يَزَالُ به الشيطانُ حتى يتحدَّثَ به، فيَنتقِلَ مِن ديوانِ السِّرِّ إلى ديوانِ العلانيَةِ" (٢).
الاعتداءُ في الدعاء، وصوَرُهُ:
وقولُ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾؛ يعني: في العبادة، وخاصَّة الدعاءَ، والمراد بالاعتداءِ هو الخروجُ عن مقصودِ اللهِ مِن شريعةِ الدعاء، ويختلِفُ مقدارُ خروجِ الناسِ عن تلك الشريعة، وصُوَر الاعتداءِ في دعاءِ اللهِ كثيرةٌ:
منها: أن يَدْعُوَ اللهَ بحرامٍ؛ كمَن يدعو بتيسيرِ الكفرِ والرِّبى والزِّنى، وقطعِ الأرحامِ، فذلك أعظَمُ الاعتداءِ؛ لأنَّ اللهَ شرَعَ الدُّعاءَ عبادةً وتذلُّلًا له لِيُطاعَ؛ فكيف يُدعَى بما شرَع ليُعصَى؟ !
ومنها: دعاءُ اللهِ وسؤالهُ بعيرِ ما سمَّى به نفسَهُ، وهذا يُخالِفُ الأدبَ مع الله، وهو مِن الكذبِ في الخِطابِ.
стр. 1317
ومنها: أنْ يدعوَ على نفسِهِ وولدِهِ بموتِ أو فسادِ حالٍ؛ فهذا ممَّا جاءَ النهيُ فيه، وهو تَعَدٍّ في مقصدِ الدُّعاءِ المشروع، فشُرعَ الدعاءُ عبادةَ للخالقِ ومنفعةً للمخلوق، وسؤالُ العبدِ الضُّرَّ يُخالِفُ شريعةَ اللهِ في الدُّعاءِ.
ومنها: أن يدعوَ على مَن ظلَمَهُ بأعظَمَ مِن مَظْلِمَتِهِ؛ لأنَّ اللهَ ينتصِرُ ويقتصُّ للمظلوم، ومُقتضَى عدلِهِ: ألا يَظلِمَ أحدًا ولو كان ظالمًا، وسؤالُ اللهِ عقابَ الظالمِ بما هو أعظَمُ مِن ظُلمِهِ: سؤالٌ للهِ أنْ يَظلِمَ عبدَه - تعالى اللهُ - كمَن يُغتصَبُ مِن مالِهِ شيءٌ حقيرٌ كعُودِ أَرَاكٍ أو قلمٍ أو درهمٍ، فيَدْعو على المُغتصِبِ بهلاكِ نفسِهِ وولدِهِ وأهلِهِ؛ فهذا اعتداءٌ؛ لأنَّ الدُّعاءَ على الظالمِ يكونُ بقَدرِ المَظلِمَةِ.
ومنها: أن يدعوَ بتحقيقِ المحالِ؛ كأن يدعوَ أحدٌ بأن يجعَلَهُ اللهُ نبيًّا أو ملَكًا، فذلك منهيٌّ عنه يُعارِضُ أصلَ القصدِ مِن الخَلقِ والشرعِ.
ومنها: الدعاءُ بما لا يُحتاجُ إليه مِن فضولِ القولِ، الذي يُغني عنه مُجمَلُهُ، وكذلك فإنَّ الأدبَ مع اللهِ سؤالُ الحاجاتِ بإجمالٍ؛ لعلمِهِ سبحانَهُ بما يُصلِحُ العِبادَ؛ فعن ابنِ لسعدٍ أنه قال: سَمِعَنِي أبِي وَأنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْألُكَ الجَنَّةَ وَنَعِيمَهَا وَبَهجَتَهَا، وَكَذَا وَكَذَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَسَلَاسِلِهَا وَأَغلَالِهَا، وَكَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (سَيَكُون قَوْمٌ يعتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ؛ فَإياكَ أَن تَكُونَ مِنهُمْ؛ إنَّكَ إِن أعْطِيتَ الْجَنَّةَ، أُعطِيتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْخيْرِ، وَإنْ أُعِذْتَ مِنَ النَّار، أعَذْتَ مِنْهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الشَّرِّ) (١).
ومِن ذلك: ما صحَّ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ مُغَفَّلٍ سَمِعَ ابْنَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ القَصرَ الأبيَضَ عَنْ يَمِينِ الجَنَّةِ إِذَا دَخَلتُهَا، فَقَالَ: أي بُنَيَّ!
стр. 1318
سَلِ اللهَ الْجَنَّةَ، وَتَعَوَّذْ بِهِ مِنَ النَّارِ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ في الطَّهُورِ وَالدُّعَاءِ) (١).
ومنها: الجهرُ بالدُّعاءِ بما يُؤذِي غيرَهُ؛ فإنَّ دعاءَ الخَفَاءِ مِن علاماتِ اليقينِ بقُرْبِ اللهِ وسماعِ نَجْواهُ، فاللهُ يَعلَمُ وَيَسمَعُ، وله الكمالُ في ذلك، لا يَزِيدُ علمُهُ وسماعُهُ برفعِ صوتِ الدَّاعِي، ولا يَنقُصُ بخفضِ صوتِه.
وكلَّما خرَجَ الدَّاعي عن المشروعِ فبمقدارِ خروجِهِ يكون معتدِيًا مخاطَبًا بقوله ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
* * *
° قال تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣].
جعَلَ اللهُ حقَّ الناقةِ بالأكلِ؛ لأنَّها في أرضِ الله، وكلُّ الأرضِ لله، وليس في الآيةِ أنه أمَرَهُمْ بألَّا يَمنَعُوها مِن أكلِ معيشتِهِمْ في بيوتِهم وقُوتِهم؛ وإنَّما نهاهُم عن مَنْعِها مِن الأكلِ والشربِ مِن المُشاعِ في الأرض، ويَظَهَرُ هذا في قولِهِ تعالى في سورةِ القمرِ: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [٢٨]؛ أي: إنَّ للناقةِ شِربَ يومٍ، ولهم شِرْبَ يومٍ آخَرَ، يَتزوَّدونَ مِن يومِ شِربِهم ليومِ الناقة، وفي هذا دليلٌ لِما تقدَّمَ مِن أنَّ الناسَ شركاءُ في ثلاثٍ: الماءِ والكَلَأِ والنار، ولا يجوزُ منعُ إنسانٍ أو بهيمةٍ عمَّا لم تَعمَل أيدِيهِم مِن زرعٍ أو ثمرٍ، وقد جعَلَ اللهُ لناقةِ ثمودَ مَزِيدَ تعظيمٍ؛ إذ جعَلَها آيةً لهم في هلاكِهم إنْ مَنَعوها أو عقَرُوها، واللهُ يُعظِّمُ مِن خَلقِهِ ما شاءَ، وعلى الوصفِ والقَدْرِ الذي يشاءُ.
* * *
стр. 1319
قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠ - ٨٤].
سمَّى اللهُ إتيانَ الذُّكْرَانِ فاحشةً؛ تبشيعًا له، وفي قولِه: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ تأكيدٌ لبشاعتِهِ ومخالَفتِهِ للفِطْرةِ القويمةِ مع تكاثُرِ الناسِ وتعاهدِهم، وفي هذا دليل على حُجَّةِ الفِطْرةِ في الحُكمِ على الأفعالِ؛ كاسَتخباثِ الشيءِ واستطابتِه، ولو لم تكنِ الفطرةُ حُجَّةً، ما كان في ذِكْرِ إحداثِهم لهذا الفعلِ على مَنْ سبَقَهم معنًى، إلَّا لأنَّ الفِطَرَ لم تَتواطَأ على تركِهِ إلَّا لبشاعتِه، والزِّنى سابقٌ لِلِّوَاطِ؛ لأنَّ مَيلَ الذكَرِ للأُنثى فِطْريٌّ، ولكنَّه لمَّا كان بغيرِ مُعاقَدةٍ مشروعةٍ، صار محرَّمًا، لا لأصل الوقوعِ؛ وإنَّما لعدمِ توافُرِ شروطِ حِلِّه، وأمَّا فاحشةُ قومِ لُوطٍ، فلا تَحِلُّ أصلًا؛ لا بشروطٍ ولا بغيرِ شروطٍ.
تنازُعُ الغريزةِ والعقلِ:
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ دليلٌ على أنَّ ما دفَعَهُمْ إلى ذلك إنَّما هو الغريزةُ لا العقلُ، والشهوةُ غريزةٌ يَشترِكُ فيها الإنسانُ مع الحيوان، والحيوانُ لا يفعلُ ذلك فيأتيَ الذَّكَرُ الذَّكَرَ، وقيل: إنَّه في أرذلِ البهائمِ؛ رُوِيَ عن ابنِ سِيرِينَ؛ قال: "ليس شيءٌ مِن الدوابِّ يعملُ عمَلَ قومِ لوطٍ إلَّا الخِنزيرُ والحمارُ" (١)، وفيه نظرٌ.
стр. 1320
ولم يَحمِلْ قومَ لوطِ على ذلك عقلُ إنسانٍ، ولا شهوةُ حيوانٍ، فكان ذلك شَهوةً عن هوًى ومُكابَرةٍ؛ ولذا قال تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾.
ذكَرَ الشهوةَ؛ إشارةً إلى أنه لا وجودَ لعقلٍ فيما ذهَبُوا إليه، فليس المَنزَعُ عن شبهٍ فيها عِلمٌ؛ ولذا قال تعالى عنهم في سورةِ النملِ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [٥٥]، فهم مُعتدُونَ على العقلِ والدِّينِ كلِّه، ولذا قال عنهم كما في سُورةِ الشعراءِ: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [١٦٦].
فقومُ لوطٍ ألغَوُا الحقلَ وتجاوَزُوا حد الشهوةِ وجِهَتَها؛ وسَرَفُهُمْ هو تعدِّيهِم على الفِطْرةِ والشِّرْعة، ففِعلُهم غايةُ الجهلِ والمُعانَدةِ الذي لا يمكنُ أن يكونَ معه شُبهةٌ مِن عِلم أو فِطْرة، فهو محضُ جهلٍ اتبعوهُ عن مُكابَرةٍ وعنادٍ.
تدرُّجُ قومِ لوطٍ بالفاحشةِ:
ويدُل النظرُ الصحيحُ البيِّنُ إشارةُ القرآنِ: أنَّ الفاحشةَ بدَأَت في قومِ لوطٍ بالزِّنى، حتى إنَّ الفِطرَ الصحيحةَ لا تَبدأُ بأدبارِ الزوجاتِ حتى يشيعَ فيها الرغبةُ في غيرِ الزوجاتِ كما يَفعَلونَ بالزوجات، ثم يَرجِعونَ إلى أدبارِ زوجاتِهم، ثم أدبارِ الزانيات، فلما استَمرَؤُوا على ذلك، تشوَّفُوا إلى الرِّجالِ.
وهذه خطواتُ إبليسَ في كلِّ بابٍ مِن المحرَّمات، فالشيطانُ تَستعصِي عليه فِطرةُ الإنسانِ أن يُخرِجَها مِن وَطءِ الزوحاتِ بالمشروعِ إلى إتيانِ الذُّكُورِ مباشَرةً، وقد قال جامعُ بن شدَّادٍ: "كانتِ اللُّوطَّيةُ في قومِ لوطٍ في النِّساءِ قبلَ أن تكونَ في الرجالِ بأربعينَ سنةً" (١)، وقال مجاهدٌ:
стр. 1321
"إنَّما تعلَّمَ قومُ لُوطٍ اللُّوطيَّةَ مِن قِبَلِ نسائِهِمْ"؛ أخرَجَه ابنُ أبي حاتمٍ (١).
وقال طاوسٌ: "كان بدْءُ عملِ قومِ لوطٍ فِعْلَ الرِّجالِ والنِّساء، ثم فعَلَه الرِّجالِ بالرِّجالِ"؛ أخرَجَه الخَلَّالُ (٢).
ورُوِيَ في معناهُ خبرٌ مرفوعٌ، لا يصحُّ.
وهذه طريقةُ إبليسَ في إغواءِ بني آدمَ، كما أَغْوَى الغَرْبَ مِن الإنجليزِ والأمريكانِ اليومَ بتشريعِ ما فعَلَهُ قومُ لوطٍ، وقد مَرُّوا بما مَرَّ به أسلافُهُم مِن قومِ لُوطٍ وعلى نفسِ خُطُواتِهم، وقد دَلَّ النظرُ والأثرُ على أنَّ قومَ لُوطٍ مروا بخمسِ مراحلَ في فاحشتِهم:
المرحلةُ الأُولى: وقوعهُمْ في الزنى، فخرَجُوا مِن المكانِ المشروعِ مِن زَوْجاتِهم، إلى المكانِ نفسِهِ مِن النساءِ المحرَّماتِ عليهم.
المرحلةُ الثانية: وقوعُهم في أدبارِ زوجاتِهم، قبلَ وقوعِهم في أدبارِ المحرَّماتِ عليهم.
المرحلة الثالثةُ: وقوعُم في أدبارِ النساءِ المحرَّماتِ عليهم.
المرحلة الرابعة: وقوعهم في إتيانِ الرِّجالِ شَهوةً ونزوةً، لا تشريعًا لِفعلِهم؛ كتشريعِ الشرعِ والفِطرةِ إتيانَ الرِّجالِ للنساءِ في قُبُلِهِنَّ؛ فإنَّ الأُمَمَ لا تُشرِّعُ الشهواتِ ابتداءً، ولكنْ تَبْدَأُ بها خُفيةٌ ونَزوةً يُستتَرُ بها، ثم يَجسُرُونَ على فِعلِها علانيَةً، ثم يُفاخِرونَ بها، ثم تكونُ فِعْلًا صحيحًا وشريعةً يُعمَلُ بها لا يجوزُ إنكارُها على فاعِلِها.
المرحلةُ الخامسةُ: تشريعُهُمْ إتيانَ الرِّجال، فبعدَما فعَلُوها شهوةً، جعَلُوها شريعةً وفخْرًا وحضارةً، وذلك أنَّهم لا يَبدؤُونَ بالمجاهَرةِ في
стр. 1322
النوادِي إلَّا لِما يَرضَوْنَهُ؛ كما قال تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩].
وهذه الخطواتُ والمراحلُ يدُلُّ عليها النظرُ والأثرُ، وكلُّ خُطْوةٍ فيها درجاتٌ، فالنفوسُ لا تُقارِفُ الفاحشةَ حتى تَستلِذَّ النظرَ، ثم تَستلِذَّ المُصافَحةَ فالمُجالَسةَ فالمُماسَّةَ والمُقارَفةَ.
وقد عظَّمَ قومُ لُوطٍ فاحشتَهُمْ حتى جعَلُوها مَيزةً لهم بينَ الأمم، وجعَلُوها تشريعًا كتشريعِ نِكاحِ الرِّجالِ للنساء، وقد صنَعُوا لتلك الفاحشةِ تماثيلَ مِن ذهبٍ وحجارةٍ وخشبٍ تُصَوِّرُ الفاحشةَ، فيُعظِّمونَ تلك التماثيلَ والرسومَ في مَجَالِسِهم ومَعابِدِهم، حتى أصبَحَ فَخرًا بذلك الضلالِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾؛ يعني: مُجاهَرةً ومُفاخَرةً.
وقد زارني رجلٌ مِن أطرافِ الأُرْدُنِّ وأَراني تماثيلَ وجَدَها مِن دَفْنِ الجاهليَّةِ في أرضِ بِكْرٍ استصلَحَها للزِّراعة، فوجَدَ فيها نحوتًا مِن حجارةٍ ومعادنَ تجسِّدُ فاحشةَ قومِ لوطٍ، ومِثلُها لا يجوزُ بيعُهُ ولا اقِتناؤُهُ، بل يجبُ إتلافُه، وظهَرَ مِن تلك التماثيلِ ما بلَغَهُ قومُ لُوطٍ مِن تعظيمٍ لفاحشتِهم وتأصُّلِ العنادِ في نفوسِهِمْ لنبيِّ اللهِ لُوطٍ ﵇.
وظاهرُ فعلِ قومِ لوطٍ: أنَّهم لم يَنحِتُوا تلك التماثيلَ إلَّا لمَّا تَفاخَرُوا بفَعْلَتِهم تلك، ويحتمِل أن الذين مثلوهم وصورُوهم هم الذين بَدَووا بتشريعِ تلك الفَعْلة، وليس أوَّلَ مَن فعَلَها فيهم؛ لأنَّ الفاعِلِينَ الأوَّلينَ لها كانوا يَستتِرُونَ بها، والفواحشُ تَبدَأُ خُفْيةً ثم تَشِيعُ ثم تُشرَّعُ، والأُمَمُ تعظِّمُ المشرِّعينَ للشُّبُهات، لا الفاعِليِنَ للشَّهَوات، والأظهَرُ: أنَّهم عظَّمُوا أولَ مَن شَرَّعَها، لا أوَّلَ مَن فعَلَها.
стр. 1323
وما انتهَى إليه قومُ لُوط انتهَتْ إليه بعض دُوَلِ الغربِ في أوروبا وأمريكا اليومَ، فبَدَؤُوا بالمراحلِ نَفْسِها التي بدَأَ بها قومُ لُوطٍ، حتى آخِرِهِنَّ، فأقَرُّوا وشرَعُوا إتيانَ الذُّكورِ للذُّكور، والإناثِ للإناث، ووضَعُوا العقودَ والوثائقَ لذلك، وأمرُهُمْ سيَنتهِي إلى وَبَالٍ؛ سُنَّة اللهِ في أمثالِهم مِن الأُممِ.
حكمُ تسميةِ فاحشةِ قومِ لوطٍ بـ (اللُّوطيَّة):
وتسميةُ الفاحشةِ باللُّوطيَّة جائزٌ لا كراهةَ فيه، وهي نِسْبةٌ إلى قومِ لوطٍ، لا إلى لوطٍ، فقوم لوطٍ مركَّبٌ تركيبًا إضافيًّا، ولا يُمكِنُ تعريفُ الفاحشةِ إلَّا بالثاني؛ فأُضِيفَتْ إليه - فإنَّها لو نُسِبتْ إلى الأوَّلِ مِن المركَّبِ (قومِ لُوطٍ)، لقِيلَ في نسبتِها: قَوْميَّةٌ، والفاعلُ قَومِيٌّ - كما يُنسَبُ إلى عبد قَيْسٍ، فيُقالُ: القَيْسِيُّ، ويقولُ ابنُ مالكٍ:
وَانسُبْ لِصَدْرِ جُمْلَةٍ وَصَدْرِ مَا … رُكِّبَ مَزْجًا وَلِثَانٍ تَمَّمَا
إِضَافَةً مَبْدُوءَةً بِابْنٍ أَوَ ابْ … أَو مَا لَهُ التَّعْرِيفُ بِالثَّانِي وَجَبْ
وقد ورَدَتْ في بعضِ الأحاديث، وهي - وإنْ كانتْ لا تخلُو مِن عِلَلِ - الَّا أنَّ مجموعَها وروايةَ الرُّواةِ لها دليلٌ على جوازِ إطلاقِ تلك اللَّفْظة، ولو كانتْ تلك اللفْظةُ مُنكَرةً؛ لأنكَرَ أئمَّةُ العِلَلِ متونَ تلك الأحاديثِ؛ لوُرُودِ لفظٍ يَستقبحونَهُ فيها، وإعلالُهُمْ لأسانيدِها دونَ متونِها دليلٌ على عدمِ نَكَارةِ هذا الإطلاقِ.
وصحَّ إطلاقُ اللَّفْظةِ في كلامِ بعضِ الصحابةِ كابنِ عبَّاسٍ، وجاء عن عبد اللهِ بنِ عمرَ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، وغيرِهم، وجماعةٍ مِن أجلَّةِ التابعينَ، واستفاضَتْ على ألسنتِهم؛ كابنِ المسيَّبِ وعطاءٍ والحسنِ والزُّهْريِّ وأتباعِهم ومَن بعدَهُم مِن الأئمَّةِ الأربعة، ولم يُنكِرْها أحدٌ منهم.
стр. 1324
وعليها يُترجِمُ كثيرٌ مِن الأئمَّةِ عندَ الكلامِ على فاحشةِ قومِ لُوطٍ، فيُعبِّرونَ عنها باللُّوطِيَّةِ أو حَدِّ اللُّوطِيِّ ونحوِ ذلك، كما ترجَمَ على ذلك التِّرْمِذيُّ والنسائي وغيرُهما.
وإنَّما لم يُسَمِّها اللهُ بذلك في كتابِهِ؛ لأنَّ اللهَ حَكَى القصةَ حكايةً عن تلك الحال، ولم يُوصَفْ هؤلاءِ القومُ بقومِ لُوطٍ إلَّا بعدَ هَلَاكِهِمْ لاعتِبارِ الأمَمِ بهم وقيامِ الحُجَّةِ عليهم، فلم يكنْ حِينَها اسمُ نبيِّ اللهِ لُوطٍ عَلَمًا عليهم يُعرَفونَ به، فلم يكونوا يُقِرُّونَ بنُبُوَّتِه، ولم يكنْ أكثرُ الناسِ يَنسُبُونَهُمْ إلى لوطٍ، فيقولونَ في حياتِهم وحياةِ نبيِّهم: إنَّهم قَوْمُ لُوطٍ، وكان فِعْلُهُمْ يسمَّى فاحشةً في كلامِ الله، وكلامِ نبيِّه لوطٍ، لا في كلامِهم، ثم بعدَ هلاكِهِمْ واعتبارِ الأُمَمِ بهم، لم يكنْ يُسمَّوْنَ بعدَ ذلك إلَّا بقومِ لوطٍ، وفاحشتُهم نسبةٌ إلى اسمِهِمْ بعدَ شُيُوعِ تسميةِ اللهِ والأُممِ لهم بقومِ لوطٍ.
وما جَرَى على ألسنةِ خيرِ القرونِ واستفاضَ وشاعَ وذاعَ مِن غيرِ نكيرٍ: لا ينبغي لأحدٍ إنكارُهُ: لأنَّه في حُكْمِ الإجماع، والتنزُّهُ عمَّا أجمَعَ خيرُ القرونِ على جوازِه وعدمِ إنكارِه: لا يَلِيقُ بمَن عرَفَ قَدْرَ خيرِ القرونِ في العِلْمِ والدِّيانةِ والورعِ وتعظيمِ اللهِ وشعائرِهِ وتعظيمِ أنبيائِه.
وقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾، ذَكَرَ الله المطرَ والمرادُ به الحجارةُ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤]، وكانتِ الحجارةُ مِن طِينٍ؛ كما قال تعالى: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣].
وقد جعَلَ اللهُ عقوبةَ قومِ لوطِ بجعلِ عاليها سافِلَها، وإمطارِ الحجارةِ عليها؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود: ٨٢].
стр. 1325
واختُلِفَ في عددِ قومِ لوطٍ، وهل هم قريةٌ أو قُرَى متقاربةٌ؟ وليس في ذلك شيءٌ مرفوعٌ ثابتٌ، وعن السلفِ عددٌ متبايِنٌ جِدًّا، واللهُ أعلَمُ بذلك.
عقوبةُ فاعلِ اللوطيَّة:
وقد استدَلَّ بظاهرِ عقوبةِ اللهِ لقومِ لوطٍ في هذه الآيةِ وغيرِها مَن قال: إنَّ جزاءَ مَن عَمِلَ عمَلَ قومِ لوطٍ الرَّجْمُ، سواءٌ كان بِكْرًا أو ثيِّبًا؛ لأنَّ اللهَ عاقَبَهُم بقلبِ أرضِهِمْ ثم رجَمَهم.
وفي الاستدلالِ بهذه الآيةِ على حَدِّ الرجمِ نظرٌ؛ وذلك لأنَّ اللهَ عاقَبَهُمْ لاستحلالِهم لها، لا لمجرَّدِ الفعلِ؛ فقد كان منهم فعلُ الفاحشةِ وشيوعُها زمنًا قبلَ ذلك، ثم لمَّا أعلَنُوها في نَوَادِيهم وشرَّعُوها وعظَّمُوا ذلك وافتخَرُوا به، أرسَلَ اللهُ إليهم رسولًا، ثم عاقَبَهُمْ لمَّا عَصَوْهُ.
ولا خلافَ عندَ العلماءِ أنَّ فاحشةَ قومِ لوطٍ أعظَمُ مِن الزِّنى؛ ولذا لمَّا ذكَرَ اللهُ فاحشتَهُمْ، قال: ﴿لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٨]، ولمَّا ذكَرَ الزِّنى، نَكَّرَ الفاحشةَ؛ كما في قولِهِ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]، فالتنكيرُ إشارةٌ إلى أنَّ الزِّنى فاحشةٌ مِن جملةِ الفواحش، وعرَّفَ فاحشةَ قومِ لوطٍ؛ لبيانِ أنَّها شاملةٌ لكلِّ فُحشٍ، وقد سمَّى الله نكاحَ زَوْجهِ الأبِ فاحشةً ومَقْتًا وساءَ سبيلًا، ولم يُسَمِّ اللُّوطيَّةَ مَقتًا؛ لأنَّ آيةَ نكاحِ زوجاتِ الآباءِ في سياقِ العقود، وذلك يتضمَّنُ تشريعًا واستِحْلالًا، كما تقدَّمَ في سورةِ النِّساءِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، فهي مَقْتٌ مِن جهتَيْها، سواءٌ أكانتْ بعقدٍ؛ فهو استحلالٌ، أم كانتْ زِنًى؛ فهو إتيانُ ذاتِ مَحْرَمٍ.
وقد اختلَفَ العلماءُ في حَدِّ فاعلِ فعلِ قومِ لوطٍ، على أقوالٍ:
القولُ الأوَّلُ: ذهَبَ عامَّةُ السلفِ: إلى أنَّ فاعلَ فعلِ قومِ لوطٍ
стр. 1326
يُقتَلُ، مُحْصَنًا وغيرَ مُحصَنٍ، وقد حكاهُ بعضُهُمْ عن الصحابةِ إجماعًا؛ كابنِ القَصَّارِ وابنِ تيميَّةَ، وهو قولُ جمهورِ الفقهاء، واختلَفُوا في صِفَةِ قتلِه؛ فقيل: يُرجَمُ، وقيل: يُرمَى مِن شاهِقٍ، وقيل: يُرمَى مِن شاهقٍ ثم يُتْبَعُ الحجارةَ كما فُعِلَ بقومِ لوطٍ؛ وقد صَحَّ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ (١) وغيرِه، وهو قولُ مالكٍ، وأحمدَ في المشهور، والشافعيِّ في قولٍ.
وبعضُهُمْ قال بقتلِهِ على أيِّ طريقةٍ ولو بالسيف، أو رميِهِ مِن شاهِقٍ، فلم يجعَلِ الرجمَ مقصودًا لذاتِه.
ولا يُحفَظُ مِن وجهٍ يَصِحُّ عن أحدٍ مِن الصحابةِ: أنه قال بعدمِ قتلِ فاعلِ فعلِ فومِ لوطٍ؛ وإنَّما الخلافُ عنهم في صِفَةِ قتلِه؛ ومِن هنا اختلَفَ الفقهاءُ لأجلِ اختلافِهم:
فمنهم: مَن جعَلَ اتِّفاقَهُمْ كان على حَدٍّ، لا على تعزيرٍ.
ومنهم: مَن جعَلَ اتِّفاقَهُمْ على تعزيرٍ، لا على حدٍّ؛ لأنَّ اختلافَهُمْ في صفةِ قتلِهِ يُشعِرُ بأنَّه تعزيرٌ؛ فالأصلُ في الحدودِ: تعيينُ صفةِ القتلِ؛ كما في رجمِ الزَّاني والقِصَاصِ وشِبْهِهما.
وقد جاء في بيانِ حدِّ فاعلِ اللُّوطيَّةِ أحاديثُ مرفوعةٌ، مِن أشهرِها حديثُ عِكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ يَرفَعُهُ: (مَنْ وَجَدتُّمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَاقتُلُوا الفَاعِلَ وَالمَفعُولَ بِهِ)؛ رواةُ أحمدُ، وهو في "السُّننِ" (٢)، وفيه كلامٌ، وفيه عن أبي هريرةَ ومِن فعلِ أبي بكرٍ؛ وهي معلولةٌ.
وروى أبو داودَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ ومجاهدٍ، يحدِّثانِ عن
стр. 1327
ابنِ عبَّاسٍ في البكرِ يُؤخَذُ على اللُّوطيَّة، قال: يُرجَمُ (١).
وروى صالحُ بن كَيْسانَ؛ قال: سمعتُ ابنَ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ؛ قال: "عِنْدَنَا عَلَى اللُّوطِيِّ الرَّجْمُ، أُحْصِنَ أَو لَمْ يُحصَنْ، سُنَّةً مَاضِيَةً" (٢).
وبنحوِه رواهُ صالحٌ عن ابنِ شهابٍ مِن قولِه (٣).
وجاءَ عن إبراهيمَ؛ أنه قال: "لَوْ كَانَ يَنْبَغِي لِأحَدٍ أَنْ يُرْجَمَ مَرَّتَيْن، لَرُجِمَ اللُّوطِيُّ مَرَّتَيْنِ" (٤).
وعن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ: وابنِ المسيِّبِ؛ أنَّهما كانا يقولانِ: "الفَاعِلُ وَالمَفْعولُ بِهِ بِمَنزِلَةِ الزِّنَى؛ يُرْجَمُ السَّيِّبُ وَالبِكْرُ" (٥).
وروى عبدُ اللهِ بن نافع، عن مالكِ بنِ أنسٍ: "أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ، وَرَبِيعَةَ، وَابنَ هُرْمُزٍ كَانُوا يَرَوْنَ الرَّجْمَ عَلَى مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، أحصِنَ أوْ لَمْ يحصَن (٦).
قتلُ فاعلِ فاحشة قومِ لوطٍ:
ومَن نظَرَ إلى عملِ الصحابةِ وعِلْيةِ التابعينَ، وجَدَ أنَّهم لا يَخْرُجونَ عن العملِ بقَتلِه، ولم يعترِضْ على ذلك فيهم مُعترِضٌ، فيُرْوَى عن أبي بكرٍ وعليِّ بنِ أبي طالبٍ وخالدٍ بنِ الوليدِ تحريقُهُ، وجاء عن ابنِ عبَّاسٍ رميُهُ مِن شاهِقٍ، واختلَفَ التابعون على اختلافِهم في ذلك.
стр. 1328
وفي ثبوتِ تحريقِ فاعلِ فاحشةِ قومِ لوطٍ عن أبي بكرٍ ومَنْ معه نطرٌ، ورُوِيَ التحريقُ له عن ابنِ الزُّبَيْرِ وهشامِ بنِ عبد المَلِكِ؛ وفيه كلامٌ كذلك.
وحمَلَ بعضُ الفُقَهاءِ اختلافَ الصحابةِ والتابعينَ على صفةِ القتلِ على أنه ليس بحَدٍّ، وأنَّ هذا مِن قرائنِ كونِهِمْ يَعُدُّونَهُ تعزيرًا؛ لأنَّ الحدودَ كالقِصاصِ والرَّجْمِ مبيَّنة الصِّفة، ولو كانتْ تتَّفقُ في كونِها إزهاقًا للنفسِ.
القولُ الثاني: قالوا: إنَّ اللِّوَاطَ كالزِّنى؛ يُرجَمُ المُحصَنُ ويُجلَدُ البِكْرُ، وهو أحدُ قولَيِ الشافعيّ، ومال إليه بعضُ أصحابِه، وذكَرَ الربيعُ بن سلَيمانَ: أنَّ الثافعيَّ رجَعَ عن القولِ بالرجمِ إلى أنه زِنّى؛ كما نقَلَهُ البيهقيُّ (١).
وهو روايةٌ عن أحمدَ.
وقد جاء في اعتِبارِ اللُّوطيَّةِ زِنًى خبرٌ مِن حديثِ أبي موسى: (إِذَا أَتَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ، فَهُمَا زَانِيان، وَإِذَا أَتَتِ المَرْأَةُ المَرْأَةَ، فَهُمَا زَانِيَتَانِ)؛ رواهُ البيهقيُّ (٢)، ولا يصحُّ.
القولُ الثالثُ: ذهَبوا إلى أنَّه تعزيرٌ ولا حَدَّ فيه لا يُتجاوَزُ، بل بما يراهُ القاضي بما يزجُرُهُ وغيرَه، وإليه ذهَبَ أبو حنيفةَ، وحُجَّتُهُمْ في ذلك اختلافُ السلف، والحدودُ قطعيَّةٌ، وأنَّ هذه الفاحشةَ معروفةٌ في الأُمَمِ السابقة، وبيانُ عقوبتِها لو كانتْ حَدًّا ضرورةٌ لا تكونُ إلَّا بنصٍّ قطعيٍّ كحدٍّ الزِّنى؛ فاللهُ ذكَرَ عقوبتَهُ في القرآن، واللُّواطُ أَولى منه.
وقد جاء عن بعضِ السلفِ الاستدلالُ على تعزيرِ اللُّوطيِّ بقولِهِ
стр. 1329
تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦]، وقد جعَلَ المرادَ بالآيةِ اللوطيَّةَ مجاهدٌ وغيرُه (١).
ومَن أتى امرأةً أجنبيَّةً عنه في دُبُرِها، فالأظهَرُ: أنه لا يُشابِهُ حُكْمَ إتيانِ الذُّكْران، وكلاهُما كبيرةٌ عظيمةٌ، وفاحشةٌ ممقوتةٌ، ولكنَّ الفواحشَ مراتبُ؛ وذلك أنَّ أصلَ مَيْلِ الرجالِ للنِّساءِ فِطرةٌ، وأمَّا مَيلُ الرِّجالِ للرِّجال، فليس مِن الفِطْرةِ في شيءٍ.
فإتيانُ الرجُلِ امرأةً أجنبيَّةً عنه مِن غيرِ المكانِ المشروعِ فيه تعزيرٌ، وبعضُ العلماءِ جعَلَهُ كحُكمِ الزِّنى؛ وهذا ظاهرُ مذهب الأئمَّةِ الأربعةِ؛ وهو نصُّ مالكٍ في "المدوَّنةِ"، والشافعيِّ في "الأمِّ"، وهو قولُ أبي يوسفَ ومحمدِ بنِ الحسن، وللشافعيِّ وأبي حنيفةَ قولٌ بأنَّه تعزيرٌ لا يُشبِهُ حَدَّ الزِّنى.
وإتيانُ البهيمةِ لا يثبُتُ فيه شيء، والأظهَرُ فيه التعزيرُ، والله أعلَمُ.
قال تعالى: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الأعراف: ٨٥ - ٨٦].
في هذه الآيةِ: بيانٌ لِعِظَمِ حُرمةِ أموالِ الناسِ؛ حيثُ أرسَلَ اللهُ شُعَيْبًا إلى قومِهِ لأجلِ ذلك، وقد وقَعَ قومُ شُعَيْبٍ في تطفيفِ المِكْيالِ والمِيزان، وفي ذلك أكلٌ لأموالِ الناسِ بالباطلِ؛ حيثُ تكونُ الزيادةُ والنقصانُ بغيرِ حقٍّ.
стр. 1330
وممَّا وقَعُوا فيه مِن أكلِ أموالِ الناسِ بالباطلِ: أخذُ العُشُورِ مِن أموالِ الناسِ؛ فيَقِفُونَ في الطُّرُقاتِ ويأخُذونَ مِن كلِّ صاحبِ مالٍ عُشْرَ مالِه أو نحوَهُ بغيرِ حقٍّ، ويحذِّرونَ في طُرُقاتِهم مِن شُعَيْبٍ، ويتهمُونَهُ بالكذب، لينفِرَ الناسُ منه؛ كما قال في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
المكوسُ والضرائب:
ويدخُلُ في حُكمِ ما فعَلَهُ قومُ شعيبٍ: المُكُوسُ المأخوذةُ على التُّجَّارِ وأهلِ الأموال، والمكوسُ هي الأموالُ المضروبةُ على الأموالِ بلا حقّ، وهي عظيمةٌ دَلَّ الدليلُ على كونِها أعظَمَ مِن الزِّنى، ولمَّا رجَمَ النبيُّ ﷺ امرأةً في الزِّنى، قال: "لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكسٍ لَغُفِرَ لَهُ" (١).
وإنَّما كانتِ المكوسَ أعظَمَ مِن الزِّنى مع عظَمةِ الزِّنى وكونِهِ مِن المُوبِقاتِ؛ لأنَّ المكوسَ تتضمَّنُ حقَّ المخلوقينَ مع حقِّ الله، ولكونِها إفسادًا في الأرض، وهي مِن جنسِ المحارَبةِ وإن لم يكنْ فيها قطعُ طريقٍ، وهذا قد يكونَ أعظَمَ وأشَدَّ ممَّا لو كان معه قطعُ طريقٍ؛ لأنَّ قطعَ الطريقِ يُتَّقَى بالسَّيْرِ نهارًا وبرُفْقةٍ، ويفعَلُهُ الناسُ خُفيةً مع علمٍ بتحريمِه، وأمَّا المكوسُ، فتؤخذُ مع إظهارِ حِلِّها وكَوْنِها حقًّا لآخِذِها، وهذا محادَّةٌ للهِ أعظَمُ مِن عِصيانِهِ مع الإقرارِ بالمعصية، وارتكابُ الصغائرِ مع تشريعِها ونسبتِها للهِ أعظَمُ مِن ارتكابِ الكبائرِ غيرَ الشركِ مع الإقرارِ بأنَّها عِصيانٌ للهِ.
وتعدَّدَتْ أسماءُ العُشُور، فتسمَّى الخَرَاجَ والجَماركَ والمُكُوسَ والإتاوةَ والرسومَ.
стр. 1331
أنواعُ الضرائِب والعشورِ:
والعُشُورُ التي تُؤخَذُ مِن المسلِمينَ، ويُسمَّى بعضُها اليومَ ضرائبَ؛ على نوعَيْنِ:
النوعُ الأوَّلُ: أموالٌ يَضرِبُها الحُكَّامُ والسلاطينُ على التُّجَّارِ وأصحابِ الأموالِ المُسلِمينَ بلا شيءٍ يُقابِلُها مِن عملٍ، فلا يَحمِلونَ لهم متاعَهم، ولا يَحْمُونَهُ لهم؛ فتلك العُشُورُ والضرائبُ محرَّمةٌ بلا خلافٍ، وهي مِن جنس ما كان يفعلُهُ قومُ شُعيْبٍ؛ كمَنْ يأخُذُ نِسْبةً على كلِّ المبيعاتِ وعلى التِّجَاراتِ والمدَّخَراتِ والمملوكات، وما يُؤخَذُ على أشخاصِ العاملينَ، فكلُّه عشورٌ محرَّمةٌ.
النوعُ الثاني: الأموالُ التي تؤخَذُ على التجارةِ وأصحابِ المالِ والعُمَّالِ مقابِلَ عملٍ يُقدِّمُهُ السُّلطانُ والحاكمُ ونظامُهُ لهم، وذلك بحَمْلِ متاعِهِمْ وحمايتِهِ مِن قُطَّاعِ الطريقِ:
فإنْ كانتْ تلك الخِدمةُ التي تُقدَّمُ لأصحابِ الأموالِ مِن بيتِ المال، وفي المالِ العامِّ قُدْرةٌ على إعانةِ الناسِ وحِفْظِ مالِهِمْ ورعايتِه، فذلك حق لهم لا يُؤخَذ عليه عِوَضٌ.
وإنْ كان في بيتِ المالِ عَجزٌ وضَعْفٌ، فيجوزُ أخذُ مالٍ على التجاراتِ والمالِ بمِقدارِ ما يُقدَّمُ عليه مِن عملٍ وجهدٍ؛ كتحميلِهِ وحفظِهِ وتخزينِه، ويكونُ بالعدلِ المقدَّر، لا بما يزيد عن ذلك؛ لأنَّ الدَّوَلَ لا تأذَنُ أنْ يقومَ الناسُ بحِفْظِ أمنِهم في الطُّرُقاتِ والأسواقِ والمَتاجِرِ فتضْعُفَ هَيبةُ السُّلْطان، ولا يقومُ ذلك إلا بأخذِ ما يُقابِلُهُ؛ وهذا كلُّه مشروطٌ جوازُهُ بشرطَيْنِ:
الأوَّلُ: أن يكونَ مقابِلَ عملٍ يُقدَّمُ لصاحبِ المالِ والتاجرِ.
الثاني: أن بكونَ بمِقْدارِ ذلك العملِ لا يَزيدُ عليه؛ فلا يكونَ في
стр. 1332
المأخوذِ على صاحبِ المالِ غَبْنٌ؛ كمَن يُعبِّدُ للناسِ الجُسُورَ والطُّرُقاتِ والمصالحَ العامَّةَ، ويُفسِدُها مرورُ الناسِ عليها ويجبُ رعايتُها، فيُؤخَذُ منهم قَدْرُ رعايتِها.
أخذُ الضرائبِ من غيرِ المسلمين:
ويجوزُ أخذُ العُشُورِ والضرائبِ على أموالِ غيرِ المسلِمينَ؛ وبهذا عَمِلَ عمرُ وأقَرَّهُ الصحابةُ على ذلك، والكافرُ إمَّا أن يكون حربيًّا؛ فالأصل في مالِهِ الحِلُّ، وإمَّا أن يكونَ ذمِّيا؛ فيجوزُ أخذُ الجِزْيةِ منه، وأخذُ الجِزْيةِ منه دليلٌ على أنه في أنفُسِهم وأموالِهم حقٌّ للمسلِمينَ، يُقدِّرُهُ حاكمٌ عالمٌ عادلٌ على ما أقامَ العدلَ فيهم مِن غيرِ ظُلْمِهم.
وقد صحَّ عن ابنِ عمرَ: "أنَّ عمرَ بنَ الخَطَّاب كان يَأخُذُ مِنَ النَّبَطِ مِنَ الحِنطَةِ وَالزَّيْتِ نِصْفَ العُشْرِ؛ يُرِيدُ بذَلِكَ أَنْ يُكْثُرَ الحَمْلُ إِلَى المَدِيَنة، وَيَأخذ مِنَ القِطْنِيَّةِ العُشْرَ"؛ رواهُ مالكٌ (١).
وأخرَجَ مالكٌ أيضًا في "الموطَّأِ"، عن ابنِ شهابٍ، عن السائبِ بنِ يزيدَ؛ أنه قال: "كُنْتُ غلَامًا عَامِلًا مَعَ عبد اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسعُودٍ عَلَى سُوقِ المَدِينَةِ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب، فَكُنَّا نَأخُذُ مِنَ النَّبَطِ العُشْرَ" (٢).
والأحاديثُ المرفوعةُ فيها لا تصحُّ، وأعلى شيءٍ صحيحٍ في جوازِ أخذِ العشورِ مِن غيرِ المُسلِمينَ عن عُمَرَ وأقَرَّهُ الصحابةُ، ويُروى عندَ أبي داودَ؛ مِن حديثِ حربِ بنِ عبيدِ الله، عن جدِّه أَبي أُمِّه، عن أبيهِ؟ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّمَا الْعُشور عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَيسَ عَلَى المسلمِينَ عُشُورٌ" (٣)؛ ولا يصحُّ.
стр. 1333
ولا يُحفَظُ لعمرَ مخالِفٌ مِن الصحابةِ في جوازِ ذلك، وقد رَوَى عبدُ الرزَّاق، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عمرِو بنِ شعيبٍ: "كَتَبَ أَهلُ مَنْبجَ وَمَنْ وَرَاءَ بَحْرِ عَدَنَ إِلَى عُمَرَ بْن الْخَطَّابِ يَرضُونَ عَلَيْهِ أنْ يَدخُلُوا بِتِجَارَتِهِم أرْضَ العَرَبِ وَلَهُم العشُورُ مِنهَا، فَشَاوَرَ عُمَرُ فِي ذَلِكَ أَصحَابَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أخَذَ مِنْهُمُ العُشُورَ" (١).
ولمَّا فتَحَ النبيُّ ﷺ خَيبَرَ، أَبْقَى رَقَبةَ الأرضِ بأيْدِي يهودَ؛ نظيرَ خَرَاجِ يُؤدُّونهُ إلى المسلِمينَ، ومِثْلَ ذلك فعَل عمرُ في سَوَادِ العراقِ.
وإنَّما كانتِ العشورُ والجِزْيةُ على الكفَّارِ؛ لأنَّه ليس عليهم في مالِهم زكاةٌ ولا صَدَقةٌ كالمُسلِمينَ، في نقودِهِم ومَوَاشيهِمْ ونَخِيلِهم، كما قال مالكٌ: "لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الذمةِ وَلَا عَلَى المَجوسِ فِي نَخيلِهِمْ، وَلَا كُرُومِهِم، وَلَا زُرُوعِهِمْ، وَلَا مَوَاشِيهِم: صَدَقَةٌ، لِأنِّ الصَّدَقَةَ إِنَّمَا وُضِعَتْ عَلَى المُسلِمِينَ؛ تَطْهِيرًا لَهُمْ، وَرَدًّا عَلَى فُقَرَائِهِمْ" (٢).
ولم يكنْ عمرُ يأخُذُ العُشورَ على المُسلِمينَ؛ كما قالهُ ابنُ عمرَ لمَّا سُئِلَ عن ذلك: هَل عَلِمْتَ عُمَرَ أخَذَ الْعُشْرَ مِنَ المُسلِمِينَ؟ فَقَالَ: لَا، لَمْ أعلَمهُ (٣).
وقد كان عمرُ يأخُذُ مِن المُسلِمينَ زكاةً، ومِن الذمِّيِّينَ عُشُورًا؛ كما جاء عن أنسِ بنِ سيرينَ؛ قال: "بَعَثنِي أَنَسُ بن مَالِكٍ ﵁ عَلَى العُشُور، فَقُلْتُ: تَبْعَثُنِي عَلَى العُشُورِ مِنْ بَينِ غِلْمَتِكَ؟ فَقَالَ: ألَا تَرضَى أَنْ أَجْعَلَكَ عَلَى مَا جَعَلَنِي عَلَيهِ عُمَرُ بن الخَطَّابِ ﵁؟ ! أَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنَ
стр. 1334
المُسلِمِينَ رُبُعَ العُشر، وَمِن أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ العُشْر، وَمِمَّنْ لَا ذِمَّةَ لَهُ العُشْرَ" (١).
أخذُ خَرَاجِ الأرضِ مع الزكاةِ:
وإذا كان المسلِمُ يَنَتفِعُ بأرضِ الخراج، فقد اختلَفَ الفقهاءُ في جوازِ أخذِ خراجٍ عليه مع الزكاةِ على قولَيْنِ:
وجمهورُ العلماءِ: على جوازِ اجتماعِ الخراجِ والزكاةِ في مالِ المسلمِ المُنتفِعِ مِن الأرضِ الخَرَاجِيَّة؛ وذلك أنَّهم يَجعلونَها في حُكْمِ كِرَاءِ الأرضِ؛ فعليه دفعُ حقِّها إلى أهلِها، وأهلُها بيتُ المالِ؛ كما لو اكتَرَى أرضًا مِن أحدٍ، فلا يَمنَعُ الكِرَاءُ الزكاةَ، ولا الزكاةُ الكِرَاءَ.
أخذُ المالِ مِن الناسِ عند إفلاسِ بيتِ المالِ:
وأجازَ بعضُ الفقهاءِ: أنْ يأخُذَ السُّلطانُ المالَ مِن المُسلِمينَ عندَ خُلُوِّ بيتِ المالِ مِن المال، فيأخُذَ بما يَحفَظُ قِوامَ الدَّوْلةِ وَيحمي ثغُورَها وداخِلَتَها، ولا يَظلِمُ ولا يَبغي ولا يَغبِنُ أحدَا في الأخذِ منه، والأظهَرُ: أنه لا يجوزُ للسُّلطانِ أن يأخُذَ مِن أموالِ الناسِ شيئًا عندَ خلوِّ بيتُ المالِ مِن المال، إلَّا بعدَما يَستَنفِقُهُم ويَستعطِيهِم، فيَستحِثُّ التُّجَّارَ وأهلَ الجِدَةِ على الإنفاقِ عندَ الحاجاتِ العامَّة، فإن أنفَقُوا واكتفَى بيتُ المال، لم يَجُزْ له أنْ يأخُذَ ما زادَ على ذلك، وإنْ أنفَقُوا ولم يَكف، جازَ له أن يأخُذَ بقدرِ العَوَزِ والحاجة، وقد صحَّ عن عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁، أنه قال: "لَوِ اسْتَقْبلتُ مِنْ أَمرِي مَا استدْبَرتُ، لَأخَذْتُ فُضُولَ الأغنِيَاء، فَقَسَمتُهَا فِي فقَرَاءِالمُهَاجِرِينَ (٢).
стр. 1335
ولا يَحِل بغيرِ الضروراتِ ولا ما زادَ عن الحاجة؛ فإنَّه لا يَحِلُّ مالُ امرئٍ مسلمٍ الَّا بطِيبِ نفسٍ منه، إن النبيَّ ﷺ قد مَرَّت به شدائدُ وبالمُسلِمينَ فاقاتٌ وحاجاتٌ، ومِثلُ ذلك في الخُلَفاء، فما كانوا يأحُذونَ أموالَ الناسِ كَرْهَا، بل كانوا يَستَحثونَهُمْ ليُنِفِقُوا فيُنفِقون ويَكتفُون.
ولو أخَذَ الحاكمُ زكاةَ الأغنياءِ واستحَثَّهُم على الصَّدَقة، لم يَحتَجِ المُسلِمونَ غالبًا لغيرِ ذلك؛ فإنَّ أكثَرَ الفقرِ في الدولِ يكونُ بسببِ أمرَيْنِ: إمَّا بضَعْفِ جِبَايةِ الصَّدَقةِ المشروعةِ مِن الأغنياء، أو بسُوءِ قسْمتِها على الفقراءِ بعدَ جَمعِها.
ولو أقامَ الحُكامُ الدُّوَلَ على ما أمَرَ اللهُ، لم يَحتاجُوا في الغالبِ إلى سَدِّ بيتِ المالِ بغيرِ المالِ المشروعِ؛ فقد جعَلَ اللهُ لبيتِ المالِ مَوارِدَ؛ منها الزكاةُ والصَّدَقةُ والغنيمةُ والفَيْءُ.
* * *
° قال تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٠].
ذكَرَ الله في الآيةِ سجودَ السحَرَة، وظاهرُ سجودِهم: أنه مِن غيرِ صلاةٍ؛ لأنَّهم أُلْقُوا ساجِدِينَ كما كانوا يَفعَلُونَ لفِرْعَوْنَ ولآلهتِهم، وقد شرَعَ اللهُ الصلاةَ وجعَلَ فيها أعمالًا، منها: ما يصحُّ التعبُّدُ به منفرِدًا بلا صلاةٍ، ومنها: ما لا يصحُّ التعبدُ به منفرِدًا، وإنَّما جازَ لكونِهِ في صلاةٍ فالصلاةُ تتضمَّنُ أفعالًا، كالقيامِ والقعود، والركوعِ والسجود، وإشاراتٍ؛ كرفعِ اليدَيْنِ والأصبَعِ فليس كل ما جازَ في الصلاة، يجوز خارجَها، فمِن أَعمالِ الصلاةِ:
التعبُّدُ بالقيامِ وَحدَهُ:
القيامُ: والقيامُ عبادةٌ في الصلاةِ لا خارجَها؛ فلا يصحُّ مِن أحدٍ أنْ