← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

أنواعُ الضرائِب والعشورِ: والعُشُورُ التي تُؤخَذُ مِن المسلِمينَ، ويُسمَّى بعضُها اليومَ ضرائبَ؛ على نوعَيْنِ: النوعُ الأوَّلُ: أموالٌ يَضرِبُها الحُكَّامُ والسلاطينُ على التُّجَّارِ وأصحابِ الأموالِ المُسلِمينَ بلا شيءٍ يُقابِلُها مِن عملٍ، فلا يَحمِلونَ لهم متاعَهم، ولا يَحْمُونَهُ لهم؛ فتلك العُشُورُ والضرائبُ محرَّمةٌ بلا خلافٍ، وهي مِن جنس ما كان يفعلُهُ قومُ شُعيْبٍ؛ كمَنْ يأخُذُ نِسْبةً على كلِّ المبيعاتِ وعلى التِّجَاراتِ والمدَّخَراتِ والمملوكات، وما يُؤخَذُ على أشخاصِ العاملينَ، فكلُّه عشورٌ محرَّمةٌ. النوعُ الثاني: الأموالُ التي تؤخَذُ على التجارةِ وأصحابِ المالِ والعُمَّالِ مقابِلَ عملٍ يُقدِّمُهُ السُّلطانُ والحاكمُ ونظامُهُ لهم، وذلك بحَمْلِ متاعِهِمْ وحمايتِهِ مِن قُطَّاعِ الطريقِ: فإنْ كانتْ تلك الخِدمةُ التي تُقدَّمُ لأصحابِ الأموالِ مِن بيتِ المال، وفي المالِ العامِّ قُدْرةٌ على إعانةِ الناسِ وحِفْظِ مالِهِمْ ورعايتِه، فذلك حق لهم لا يُؤخَذ عليه عِوَضٌ. وإنْ كان في بيتِ المالِ عَجزٌ وضَعْفٌ، فيجوزُ أخذُ مالٍ على التجاراتِ والمالِ بمِقدارِ ما يُقدَّمُ عليه مِن عملٍ وجهدٍ؛ كتحميلِهِ وحفظِهِ وتخزينِه، ويكونُ بالعدلِ المقدَّر، لا بما يزيد عن ذلك؛ لأنَّ الدَّوَلَ لا تأذَنُ أنْ يقومَ الناسُ بحِفْظِ أمنِهم في الطُّرُقاتِ والأسواقِ والمَتاجِرِ فتضْعُفَ هَيبةُ السُّلْطان، ولا يقومُ ذلك إلا بأخذِ ما يُقابِلُهُ؛ وهذا كلُّه مشروطٌ جوازُهُ بشرطَيْنِ: الأوَّلُ: أن يكونَ مقابِلَ عملٍ يُقدَّمُ لصاحبِ المالِ والتاجرِ. الثاني: أن بكونَ بمِقْدارِ ذلك العملِ لا يَزيدُ عليه؛ فلا يكونَ في

стр. 1332

المأخوذِ على صاحبِ المالِ غَبْنٌ؛ كمَن يُعبِّدُ للناسِ الجُسُورَ والطُّرُقاتِ والمصالحَ العامَّةَ، ويُفسِدُها مرورُ الناسِ عليها ويجبُ رعايتُها، فيُؤخَذُ منهم قَدْرُ رعايتِها. أخذُ الضرائبِ من غيرِ المسلمين: ويجوزُ أخذُ العُشُورِ والضرائبِ على أموالِ غيرِ المسلِمينَ؛ وبهذا عَمِلَ عمرُ وأقَرَّهُ الصحابةُ على ذلك، والكافرُ إمَّا أن يكون حربيًّا؛ فالأصل في مالِهِ الحِلُّ، وإمَّا أن يكونَ ذمِّيا؛ فيجوزُ أخذُ الجِزْيةِ منه، وأخذُ الجِزْيةِ منه دليلٌ على أنه في أنفُسِهم وأموالِهم حقٌّ للمسلِمينَ، يُقدِّرُهُ حاكمٌ عالمٌ عادلٌ على ما أقامَ العدلَ فيهم مِن غيرِ ظُلْمِهم. وقد صحَّ عن ابنِ عمرَ: "أنَّ عمرَ بنَ الخَطَّاب كان يَأخُذُ مِنَ النَّبَطِ مِنَ الحِنطَةِ وَالزَّيْتِ نِصْفَ العُشْرِ؛ يُرِيدُ بذَلِكَ أَنْ يُكْثُرَ الحَمْلُ إِلَى المَدِيَنة، وَيَأخذ مِنَ القِطْنِيَّةِ العُشْرَ"؛ رواهُ مالكٌ (١). وأخرَجَ مالكٌ أيضًا في "الموطَّأِ"، عن ابنِ شهابٍ، عن السائبِ بنِ يزيدَ؛ أنه قال: "كُنْتُ غلَامًا عَامِلًا مَعَ عبد اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسعُودٍ عَلَى سُوقِ المَدِينَةِ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب، فَكُنَّا نَأخُذُ مِنَ النَّبَطِ العُشْرَ" (٢). والأحاديثُ المرفوعةُ فيها لا تصحُّ، وأعلى شيءٍ صحيحٍ في جوازِ أخذِ العشورِ مِن غيرِ المُسلِمينَ عن عُمَرَ وأقَرَّهُ الصحابةُ، ويُروى عندَ أبي داودَ؛ مِن حديثِ حربِ بنِ عبيدِ الله، عن جدِّه أَبي أُمِّه، عن أبيهِ؟ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّمَا الْعُشور عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَيسَ عَلَى المسلمِينَ عُشُورٌ" (٣)؛ ولا يصحُّ.

стр. 1333

ولا يُحفَظُ لعمرَ مخالِفٌ مِن الصحابةِ في جوازِ ذلك، وقد رَوَى عبدُ الرزَّاق، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عمرِو بنِ شعيبٍ: "كَتَبَ أَهلُ مَنْبجَ وَمَنْ وَرَاءَ بَحْرِ عَدَنَ إِلَى عُمَرَ بْن الْخَطَّابِ يَرضُونَ عَلَيْهِ أنْ يَدخُلُوا بِتِجَارَتِهِم أرْضَ العَرَبِ وَلَهُم العشُورُ مِنهَا، فَشَاوَرَ عُمَرُ فِي ذَلِكَ أَصحَابَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أخَذَ مِنْهُمُ العُشُورَ" (١). ولمَّا فتَحَ النبيُّ ﷺ خَيبَرَ، أَبْقَى رَقَبةَ الأرضِ بأيْدِي يهودَ؛ نظيرَ خَرَاجِ يُؤدُّونهُ إلى المسلِمينَ، ومِثْلَ ذلك فعَل عمرُ في سَوَادِ العراقِ. وإنَّما كانتِ العشورُ والجِزْيةُ على الكفَّارِ؛ لأنَّه ليس عليهم في مالِهم زكاةٌ ولا صَدَقةٌ كالمُسلِمينَ، في نقودِهِم ومَوَاشيهِمْ ونَخِيلِهم، كما قال مالكٌ: "لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الذمةِ وَلَا عَلَى المَجوسِ فِي نَخيلِهِمْ، وَلَا كُرُومِهِم، وَلَا زُرُوعِهِمْ، وَلَا مَوَاشِيهِم: صَدَقَةٌ، لِأنِّ الصَّدَقَةَ إِنَّمَا وُضِعَتْ عَلَى المُسلِمِينَ؛ تَطْهِيرًا لَهُمْ، وَرَدًّا عَلَى فُقَرَائِهِمْ" (٢). ولم يكنْ عمرُ يأخُذُ العُشورَ على المُسلِمينَ؛ كما قالهُ ابنُ عمرَ لمَّا سُئِلَ عن ذلك: هَل عَلِمْتَ عُمَرَ أخَذَ الْعُشْرَ مِنَ المُسلِمِينَ؟ فَقَالَ: لَا، لَمْ أعلَمهُ (٣). وقد كان عمرُ يأخُذُ مِن المُسلِمينَ زكاةً، ومِن الذمِّيِّينَ عُشُورًا؛ كما جاء عن أنسِ بنِ سيرينَ؛ قال: "بَعَثنِي أَنَسُ بن مَالِكٍ ﵁ عَلَى العُشُور، فَقُلْتُ: تَبْعَثُنِي عَلَى العُشُورِ مِنْ بَينِ غِلْمَتِكَ؟ فَقَالَ: ألَا تَرضَى أَنْ أَجْعَلَكَ عَلَى مَا جَعَلَنِي عَلَيهِ عُمَرُ بن الخَطَّابِ ﵁؟ ! أَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنَ

стр. 1334

المُسلِمِينَ رُبُعَ العُشر، وَمِن أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ العُشْر، وَمِمَّنْ لَا ذِمَّةَ لَهُ العُشْرَ" (١). أخذُ خَرَاجِ الأرضِ مع الزكاةِ: وإذا كان المسلِمُ يَنَتفِعُ بأرضِ الخراج، فقد اختلَفَ الفقهاءُ في جوازِ أخذِ خراجٍ عليه مع الزكاةِ على قولَيْنِ: وجمهورُ العلماءِ: على جوازِ اجتماعِ الخراجِ والزكاةِ في مالِ المسلمِ المُنتفِعِ مِن الأرضِ الخَرَاجِيَّة؛ وذلك أنَّهم يَجعلونَها في حُكْمِ كِرَاءِ الأرضِ؛ فعليه دفعُ حقِّها إلى أهلِها، وأهلُها بيتُ المالِ؛ كما لو اكتَرَى أرضًا مِن أحدٍ، فلا يَمنَعُ الكِرَاءُ الزكاةَ، ولا الزكاةُ الكِرَاءَ. أخذُ المالِ مِن الناسِ عند إفلاسِ بيتِ المالِ: وأجازَ بعضُ الفقهاءِ: أنْ يأخُذَ السُّلطانُ المالَ مِن المُسلِمينَ عندَ خُلُوِّ بيتِ المالِ مِن المال، فيأخُذَ بما يَحفَظُ قِوامَ الدَّوْلةِ وَيحمي ثغُورَها وداخِلَتَها، ولا يَظلِمُ ولا يَبغي ولا يَغبِنُ أحدَا في الأخذِ منه، والأظهَرُ: أنه لا يجوزُ للسُّلطانِ أن يأخُذَ مِن أموالِ الناسِ شيئًا عندَ خلوِّ بيتُ المالِ مِن المال، إلَّا بعدَما يَستَنفِقُهُم ويَستعطِيهِم، فيَستحِثُّ التُّجَّارَ وأهلَ الجِدَةِ على الإنفاقِ عندَ الحاجاتِ العامَّة، فإن أنفَقُوا واكتفَى بيتُ المال، لم يَجُزْ له أنْ يأخُذَ ما زادَ على ذلك، وإنْ أنفَقُوا ولم يَكف، جازَ له أن يأخُذَ بقدرِ العَوَزِ والحاجة، وقد صحَّ عن عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁، أنه قال: "لَوِ اسْتَقْبلتُ مِنْ أَمرِي مَا استدْبَرتُ، لَأخَذْتُ فُضُولَ الأغنِيَاء، فَقَسَمتُهَا فِي فقَرَاءِالمُهَاجِرِينَ (٢).

стр. 1335

ولا يَحِل بغيرِ الضروراتِ ولا ما زادَ عن الحاجة؛ فإنَّه لا يَحِلُّ مالُ امرئٍ مسلمٍ الَّا بطِيبِ نفسٍ منه، إن النبيَّ ﷺ قد مَرَّت به شدائدُ وبالمُسلِمينَ فاقاتٌ وحاجاتٌ، ومِثلُ ذلك في الخُلَفاء، فما كانوا يأحُذونَ أموالَ الناسِ كَرْهَا، بل كانوا يَستَحثونَهُمْ ليُنِفِقُوا فيُنفِقون ويَكتفُون. ولو أخَذَ الحاكمُ زكاةَ الأغنياءِ واستحَثَّهُم على الصَّدَقة، لم يَحتَجِ المُسلِمونَ غالبًا لغيرِ ذلك؛ فإنَّ أكثَرَ الفقرِ في الدولِ يكونُ بسببِ أمرَيْنِ: إمَّا بضَعْفِ جِبَايةِ الصَّدَقةِ المشروعةِ مِن الأغنياء، أو بسُوءِ قسْمتِها على الفقراءِ بعدَ جَمعِها. ولو أقامَ الحُكامُ الدُّوَلَ على ما أمَرَ اللهُ، لم يَحتاجُوا في الغالبِ إلى سَدِّ بيتِ المالِ بغيرِ المالِ المشروعِ؛ فقد جعَلَ اللهُ لبيتِ المالِ مَوارِدَ؛ منها الزكاةُ والصَّدَقةُ والغنيمةُ والفَيْءُ. * * * ° قال تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٠]. ذكَرَ الله في الآيةِ سجودَ السحَرَة، وظاهرُ سجودِهم: أنه مِن غيرِ صلاةٍ؛ لأنَّهم أُلْقُوا ساجِدِينَ كما كانوا يَفعَلُونَ لفِرْعَوْنَ ولآلهتِهم، وقد شرَعَ اللهُ الصلاةَ وجعَلَ فيها أعمالًا، منها: ما يصحُّ التعبُّدُ به منفرِدًا بلا صلاةٍ، ومنها: ما لا يصحُّ التعبدُ به منفرِدًا، وإنَّما جازَ لكونِهِ في صلاةٍ فالصلاةُ تتضمَّنُ أفعالًا، كالقيامِ والقعود، والركوعِ والسجود، وإشاراتٍ؛ كرفعِ اليدَيْنِ والأصبَعِ فليس كل ما جازَ في الصلاة، يجوز خارجَها، فمِن أَعمالِ الصلاةِ: التعبُّدُ بالقيامِ وَحدَهُ: القيامُ: والقيامُ عبادةٌ في الصلاةِ لا خارجَها؛ فلا يصحُّ مِن أحدٍ أنْ

стр. 1336

يَقِفَ متعبِّدًا للهِ بلا صلاةٍ بالاتِّفاق، ما لم يكن قيامُهُ لأجلِ عملٍ مقصودٍ أَوْلى مه كالدُّعاءِ؛ كمَن يقفُ على الصَّفَا والمَرْوَةِ يَدْعُو، فإَّنما وقَفَ لأجلِ الدُّعَاءِ لا لِذَاتِ القيام، فشُرعَ القيامُ تَبَعًا، ومِثلُهُ الوقوفُ للدُّعَاءِ عندَ الدعاءِ في رمي الجِمارِ وبعَرَفةَ، وعندَ الشدائدِ والتقاءِ الصَّفَّيْنِ؛ كما كان النبيُّ ﷺ يفعلُهُ في بدرٍ وغيرِها. التعبُّدُ بالركوعِ وَحْدَه: ومِن أعمالِ الصلاةِ: الرُّكُوعُ، وليس عبادةً مستقلَّةً بحالٍ؛ فلا يصحُّ مِن أحدٍ أن يركَعَ للهِ مِن غيرِ صلاةٍ ولو استقبَلَ القِتلةَ؛ لأنَّ الركوعَ إنَّما شُرعَ في الصلاةِ بلا خلافٍ، ولم يَتعبَّدِ النبيُّ ﷺ ولا أصحابُهُ بالركوعِ بحالٍ، ولم يَشرَعِ اللهُ للركوعِ سببًا في غيرِ الصلاةِ. ومِن أعمالِ الصلاةِ: التعبُّدُ بالإشارةِ باليَدَيْنِ أو بالإصبع: وتُشرَعُ في الصلاةِ وغيرِها، ولكن بسببٍ قد دلَّ الدلِيلُ عليه؛ فقد شرَعَ النبيُّ ﷺ الإشارةَ في الصلاةِ عندَ تكبيرةِ الإحرامِ والركوعِ والرفعِ مه، وشَرَعها في غيرِه عندَ المرورِ بالحَجَرِ الأَسْوَدِ وبَذْلِ السلام، ولكنْ لا يُشرَعُ التعبُّدُ بها مِن غيرِ سببٍ دَلَّ الدليلُ عليه، ومِثلُها الأشَارةُ بالإصبعِ؛ فشُرِعَت في التشهُّدِ في الصلاة، ويجورُ رفعُها عندَ الدُّعاءِ خارجَ الصلاة، وعندَ النُّطْقِ بالشهادتَين، وذاتُ الإشارةِ ليست عبادةً وحدَها، فلا يُتعبَّدُ بها مجرَّدةً كما يُتعبَّدُ بالسجودِ. التعبُّدُ بالجلوسِ: ومِن أعمالِ الصلاةِ: الجلوسُ، وهو مشروعٌ في الصلاةِ على أحوالٍ وأوصافٍ؛ كالتشهُّدِ وبينَ السجدتَين، ويُشرَعُ التعبُّدُ لله بالجلوسِ في المسجدِ وغيرِهِ للذِّكرِ وانتظارِ الصلاةِ وغيرِ ذلك ممَّا شرَعَهُ اللهُ، ولا يُشرَعُ

стр. 1337

التعبُّدُ لله بالجلوسِ المجرَّدِ بلا سببٍ يَقترِنُ به؛ فليس عبادةً في ذاتِه. حكمُ السجودِ بسببٍ وغيرِ سببٍ: ومِن أعمالِ الصلاةِ: السجودُ؛ وهو أعظَمُ أعمالِ الصلاة، وأعظَمُ مِن القيامِ والركوعِ والجلوس، وأقرَبُ ما يكونُ العبدُ إلى ربِّه، وهو ساجدٌ، ويُشرَعُ في الصلاةِ وفي غيرِ الصلاة، وفي غيرِ الصلاةِ؛ كسجودِ التلاوةِ والشُّكرِ والآية، واختلَفَ العلماءُ في جوازِ التعبُّدِ للهِ بالسجودِ بلا سببِ على قولَينِ: والأصحُّ: عدمُ جوازِ ذلك؛ لأنَّه لو كانَ مشروعًا، لَدَلَّ الدليلُ على التعبُّدِ بالسجودِ؛ فهو أيَسرُ للمسلِمِ مِن إنشاءِ الصلاة، وقياس جوازِهِ على جوازِ الصلاةِ خطأٌ؛ فإنَّ الصلاةَ قد دلَّ الدليلُ على جوازِها بسببٍ وبغيرِ سببٍ؛ فشرَعَ اللهُ النوافِلَ المُطلَقة، ولم يَشرَعِ السجودَ المُطلَقَ، وهو أيسَرُ وأسهَلُ وأولى لو كان جائزًا أن يَرِدَ الدليلُ في جوازِه. ثم إنَّه لم يثبُت عن النبيِّ ﷺ أنه كان يسجُدُ بلا سببٍ، لا هو ولا أصحابُه، وكلُّ السجودِ المرويِّ عنهم فكان لسببٍ خارجٍ عن مجرَّدِ السجودِ؛ كالتلاوةِ؛ فلولا التلاوةُ ما سجَدَ، وكسجودِ الآيةِ؛ فلولا الآيةُ ما سجَدَ، وكسجودِ الشكرِ؛ ولولا ظهورُ النِّعْمةِ ما سجَدَ. والقولُ بمشروعيَّةِ السجودِ بلا سببٍ: يُعطِّلُ الصلاةَ، ولو كان، لَظهَرَ العمل به في السالفِين؛ فإنَّ السجودَ أَعظَمُ أعمالِ الصلاة، وتتشوَّفُ الناسُ إليه؛ ومِن ذلك ما جاءَ في "صحيحِ مسلمٍ" مِن قولِهِ ﷺ : (عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ؛ فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً، إلَّا رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرَجَةً) (١)، والمرادُ بذلك: الصلاةُ، لا السجودُ المجرَّدُ، فاللهُ يُسمِّي

стр. 1338

الصلاةَ سجودًا؛ وذلك لأنَّ الشيءَ يُسمَّى بأعظَمِ ما فيه. أو بالعظيمِ به، كما يُسمَّى الإنسانُ رَقَبةً، فيُقالُ: عتَقَ رَقَبةً، ويُقالُ في الحيوانِ والإنسانِ: رَأسٌ لأنَّ الرأسَ أعظَمُ ما فيه. ومِن العلماءِ: مَن يقولُ بأسبابٍ تُجيزُ السجودَ غيرِ منصوصٍ عليها في الشريعةِ؛ وإنَّما أدخَلُوها مِن بابِ الاجتِهادِ؛ فحمَلَ بعضُ الناسِ قولَهُمْ ذلك على جوازِ التعبُّدِ بالسجودِ بلا سببٍ، وليس كذلك، كما ينقُلُهُ بعضُهم عن ابنِ تيميةَ؛ أنه قال: "ولو أرادَ الإنسانُ الدُّعَاءَ، فعَفَّرَ وجهَهُ للهِ فِيِ التراب، وسجَدَ له لِيَدْعُوَهُ؛ فهذا سجودٌ لأجلِ الدُّعَاء، ولا شيءَ يَمنَعُه" (١). وابنُ تيميةَ أنَّما جعَلَ سببًا جائزًا للسجود، ولم يَجعَلِ السجودَ بلا سببٍ جائزًا، وفرقٌ بين هاتَيْنِ الحالتَين، وقد نصَّ ابنُ تيميَّةَ على كراهةِ السجودِ بلا سببٍ، كما في "اختياراتِ البعليِّ" (٢). وكثيرٌ مِن العلماءِ على كراهةِ السجودِ بلا سببٍ، ونصَّ على تحريمِهِ الجُوَينيُّ وأبو حامدٍ الغزاليُّ والنَّوويُّ والعِزُّ بن عبد السلام، وغيرُهم كثيرٌ. ومِن الفقهاءِ -خاصَّةً أهلَ الرأي المتأخرينَ منهم- من يُجيزُ ذلك، ويتوقَّفُ في مشروعيَّته، والسجودُ عبادةٌ إن لم يكنْ مشروعًا فهو ممنوعٌ. وظاهرُ سجودِ السَّحَرَةِ: إمَّا سجودُ آيةٍ لِمَا رأَوْا مِن دلائلِ حقِّ اللهِ عليهم، وإمَّا لأجلِ الدُّعاءِ بقَبُولِ التوبةِ وغُفرانِ ذنبِهم، وإمَّا أنْ يكونَ لإثباتِ إيمانِهم بالله، فإنَّ الأفعالَ أَثبَتُ مِن الأقوالِ؛ فأرادُوا أن يُبيِّنُوا

стр. 1339

أنَّهم يَسجُدونَ لغيرِ فِرْعَوْنَ وَيعبُدُونَ اللهَ وحدَهُ، وقد يكون اجتمعتْ فيهم تلك الأسباب كلُّها، واللهُ أعلَمُ. * * * قال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٠]. لمَّا دخَلَ بنو إسرائيلَ في التِّيه، أعطاهُمُ اللهُ الطعامَ والشرابَ، وقد جعَل اللهُ الشرابَ بعَدَدِهِمْ؛ فقد كانوا اثنَيْ عشَرَ سِبْطًا، لكلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ يَشْرَبُ منها هو ومَنْ معه، رَوَى عِكْرِمةُ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: "ذَلِكَ فِي التِّيهِ؛ ضَرَبَ لَهُمْ مُوسَى الْحَجَرَ، فَصَارَ فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا مِنْ مَاءٍ، لِكُلِّ سِبْطٍ مِنْهُمْ عَينٌ يَشْرَبُونَ مِنْهَا" (١). ورَوَى النَّسَائيُّ، عن سعيدٍ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عبَّاس؛ قال: (فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا، فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ ثَلَاثَةُ أَعْيُنٍ، وَأعْلَمَ كُلِّ سِبْطٍ عَينَهُمُ الَّتِي يَشْرَبُونَ مِنْهَا" (٢). وبنحوِه قال مجاهدٌ وجُوَيْبِرٌ وغيرُهما (٣). وفي هذا: أنَّ الأصلَ مساواةُ الرعيَّةِ في العطيَّة، فإنَّ هذا أقوَمُ لصفاءِ نفوسِهم، وقضاءِ وَطَرِهم، وقطعًا للنِّزاعِ بينَهُمْ وبينَ مَن يَلِي أمْرَهم.

стр. 1340

اتخاذُ العرفاء والنقباء: وفي ذلك: مشروعيَّةُ جعلِ العرَفاءِ والنُّقَباءِ على الناسِ؛ يَقُومُونَ بشأنِهم، وَيرعَوْنَ قِسْمةَ عطاياُهم بينَهم؛ كما فعَلَ الأسباطُ مع مَن كان معهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٥٩ - ١٦٠]. ومِن السياسةِ الشرعيَّةِ: جعلُ نُقَباءَ في المجتَمَعاتِ؛ على كلِّ جهةٍ وناحيةٍ وجماعةٍ مِن الناسِ واحدٌ يبيِّنُ للسُّلطانِ حالَهم، وَيرْفَعُ حاجتَهم، وَيدْفَعُ فتْنَتَهم، ولا تكونُ للواحدِ منهم شَوْكةٌ يَفتئِتُ بها على إمامِ المُسلِمينَ. ومِن ذلك: تمييزُ ما لكلِّ بلدةٍ وجماعةٍ عمَّا للأُخرى، حتى لا تتنازَعَ مع غيرِها؛ فإنَّ الناسَ تتنافَس على الدُّنيا وتتقاتَلُ عليها، وفي فصلِ الحقوقِ وتمييزِها قطعٌ للنِّزاعِ والخلافِ؛ ولذا قال تعالى مُظهِرًا منَّتَهُ: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾، وقد قال يحيى بن النضرِ: قلتُ لجُوَيْبِرٍ: كيف عَلِمَ كل أناسٍ مَشْرَبَهم؟ قال: كان موسى يَضَعُ الحَجَرَ ويقومُ مِن كلِّ سِبْطٍ رجلٌ، ويضربُ موسى الحجرَ فينفجِرُ منه اثنتَا عشْرةَ عينًا، فينْضَحُ مِن كلِّ عَيْنٍ على رَجلٍ، فيَدْعُو ذلك الرجلُ سِبْطَهُ إلى تلك العَينِ (١). ومِثلُ هذا العدلِ والتمييزِ يَدفَعُ الفسادَ والبَغْيَ والظُّلْمَ، ولما كان ذلك كذلك، أقامَ اللهُ بقِسْمةِ الحقوقِ والرزْقِ العَدْلَ؛ قال كما في البقرة: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [٦٠]

стр. 1341

حكمُ أخذِ السلطانِ مِن بيتِ المالِ وحدودُهُ: ويأخُذُ الحاكمُ مِن بيتِ المالِ ما يَكفِيهِ ويُغنيهِ عن الاشتغالِ بالتكسُّبِ؛ حتى لا تتعطَّلَ مصالحُ المُسلِمينَ باشتغالِهِ عنهم؛ وبهذا القَدْرِ كان يأخُذُ أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعليٌّ -عليهم رضوانُ اللهِ- لأنَّ المالَ مِلْكٌ للمُسلِمينَ ومصَالِحِهم، لا مِلْكٌ يخُصُّ السُّلْطانَ. ولذا قال أبو بكرٍ الصِّدِّيق: "إنِّي ما أصَبْتُ مِن دُنياكُم بشيءٍ، ولقد أقمتُ نفسي في مالِ اللهِ وفَيءِ المُسلِمينَ مُقَامَ الوَصِيُّ في مالِ اليتيمِ؛ إنِ استغنَى تعَّففَ، وإنِ افتقَرَ أكَلَ بالمعروفِ" (١). ورُوي عن عمرَ بنِ الخطَّابِ قولُهُ: "والله، ما كنتُ أَرَى هذا المالَ يَحِقُّ لي مِن قَبْلِ أن ألِيَهُ إلَّا بحقِّه، وما كان قطُّ أَحْرَمَ عليّ منه إذْ وَلِيتُهُ، فأصبَحَ أمانتي" (٢). وفي هذا المعنى عنهما شيءٌ غبرُ قليلٍ. قِسْمَةُ المالِ العامِّ: والأصل: أنَّ العطيَّةَ تكونُ بينَ الرعيَّة بالسَّوَاء، إلَّا لمصلحةٍ عامَّةٍ راجحةٍ تَقتضيهِ؛ فيكونُ مِن بابِ تأليفِ القلب، ودفعِ شرِّ ذي الشرِّ. ومِن واجباتِ السُّلْطانِ في المالِ: قِسْمةُ المالِ في مهمَّاتِه، فلا يُقدِّمُ حقًّا على أَحَقَّ منه، فضلًا عن تقديمِ شرٍّ على خيرٍ، وباطل على حقٍّ؛ فالمالُ أمانةٌ، ومَن وضَعَهُ في موضعٍ وهو يَعلَمُ موضعًا أوجَبَ منه وأحَقَّ، فقد تخوَّضَ في مالِ اللهِ بغيرِ حقٍّ كما قال ﷺ : (إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ في مَالِ اللهِ بِغَيرِ حَقٍّ؛ فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ) (٣).

стр. 1342

ومَن تصرَّفَ في مالِ المُسلِمينَ بغيرِ وَجْهِه، ففيه صِفَةٌ مِن المُلُوك، ومَن صرَفَهُ بعدلٍ بينَ الناسِ بالعدلِ وعلى حقِّ الله، فهو خليفةٌ على مِنْهاج النبوَّةِ؛ فقد سأَل عمرُ سَلْمانَ الفارسيَّ: "مَلِكٌ أنَا أمْ خَلِيفَةٌ؟ قال: إِن أَنْتَ حَبَيْتَ مِنْ أَرْضِ المُسْلِمِينَ دِرْهَمًا أوْ أَقَلَّ أَو أَكثَرَ، ثُمَّ وَضَعْتَهُ فِي غَيْرِ حَقِّه، فَأَنْت مَلِكٌ" (١). إعطاءُ الحاكِمِ مالًا لأحدٍ دُونَ غيرِهِ: وللحاكمِ أن يُعطيَ مِن المالِ لأحدٍ ما لا يُعطِي غيرَهُ؛ إذا قامتْ مصلحةٌ عامَّةٌ، لا مصلحةٌ خاصَّةٌ يتضرَّرُ بها غيرُهُ، فردًا كان أو جماعةً، وقد أعطى النبيُّ ﷺ أقوامًا، وترَكَ آخَرِينَ، لمصلَحَةِ تأليفِهم، لا لمصلحةِ أشخاصِهم ودُنْياهم يَنتفِعُونَ يها وَيتضرَّرُ بذلك غيرُهم، والحاكمُ نائبٌ عن المُسلِمينَ في التصرُّفِ في المالِ بما يُصلِحُ دِينهُمْ ودُنياهم، وفي "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ سعدٍ ﵁؛ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ أعْطَى رَهْطًا وَسَعْدٌ جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلَا هُوَ أعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَا لَكَ عَن فلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لَأرَاهُ مُؤُمِنًا، فَقَالَ: (أَوْ مُسْلِمًا)، فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدتُّ لِمَقَالَي، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَن فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لَأرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: (أَو مُسْلِمًا)، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أعْلَمُ مِنهُ فَعُدتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: (يَا سَعْدُ، إِنِّي لَأُعْطي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ؛ خشْيَةَ أن يَكُبَّهُ الله في النَّارِ) (٢). وقد قال النبيُّ ﷺ : (مَا أُعْطِيكُمْ وَلَا أَمْنَعُكُمْ؛ إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ؛ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ) (٣)، وفي لفظٍ: (إنْ أَنَا إلَّا خَازِنٌ) (٤).

стр. 1343

فجعَلَ ﷺ مِن نفسِهِ خازِنًا قاسِمًا بينَهم ما يُؤمَرُ به مِن ربِّه، وما يقومُ به قائمُ العَدْلِ في الميزانِ الذي أنزَلَهُ الله في الأرض؛ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد ٢٥٠]، فإذا لم يكنْ ذلك للأنبياء، فليس لغيرِهم مِن السلاطينِ والحُكَّامِ. وإذا لم يَتضرَّرْ بالعطيَّةِ أحدٌ، ووجَدَ الحاكمُ في بعضِ المُسلِمينَ قدرةً على الانتِفاعِ ونفعِ الناسِ باستِصلاحِ أراضي المُسلِمينَ ونفعِهم بها، فله أن يُعْطِيَهُ. * * * قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]. في هذه الآيةِ: إشارةٌ إلى حقِّ الزوجةِ بالسَّكَن، فأعظَمُ المنافعِ الجامعةِ بينَهما سُكنى النُّفوس، ولذا قال تعالى: ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ فلا لسكُنُ الزَّوجُ إلى زوجةٍ إلا بسكنٍ يخلوان فيه معًا عن الناس، وسيأتي الكلامُ على مسألةِ السُّكْنى بتمامِها في سورةِ الطلاق، عندَ قولِ اللهِ تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [٦] فإنَّها أصرَحُ في المسألةِ. * * * قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. المعروفُ: ضدُّ المُنكَر، والعُرْفُ: ضدُّ النُّكر، وفي الآيةِ: دلِيلٌ على حُجِّيِّةِ العُرْفِ والعملِ به، فيما لم يَحسِمْهُ الشرعُ ويُبيِّنْهُ؛ فكلُّ ما

стр. 1344

تطبَّعَت نفوسُ الناسِ عليه، وتوارَدَ على الأذهانِ انصرافُ الذهنِ إليه عندَ ذِكرِه، فدلك العُرْفُ. أنواعُ أعرافِ الناسِ: وتختلِفُ البلدانُ في أعرافِها، وكلُّ بلدٍ محكومٌ بعُرفِهِ ما لم يَفصِلْ فيه الحُكْمُ مِن الشرع، وقد اعتبَرَ بالعُرْفِ السلفُ لظواهرِ الأدلَّة، والعُرْفُ على نوعَيْنِ: عُرْفٌ فاسدٌ، وعُرْفٌ صالحٌ: فأمَّا العرفُ الفاسدُ: فما خالَفَ الشرعَ والفِطْرةَ الصحيحةَ، فلو تعارَفَ الناسُ على محرَّمِ وشرٍّ، فيجبُ إنكارُهُ فضلًا عن كونِهِ دليلًا يستحِقُّ الأخذَ به، فقد تعارَفَتِ الأممُ على حرامٍ جاءَ الأنبياءُ بإنكارِه؛ مِن الكُفْر، وأكلِ أموالِ الناسِ بالباطل، واللواط، وتطفيفِ المِكْيالِ والمِيزان، والتعرِّي، والبغيِ والظُّلْم، وَوَأْدِ البنات، وقتلِ الأولادِ. وأمَّا العرفُ الصحيحُ: فما لم يُعارِضْ ما حَدَّتْهُ الشريعةُ ووصَفَتْهُ، فالأخدُ بذلك صحيحٌ، ويُحمَلُ مجملُ الأقوالِ والأفعالِ والشروطِ عليه؛ فالقاعدةُ عندَ الفقهاء: أنَّ المعروفَ عُرْفا كالشروط شرطًا، وذلك في الحقوقِ والعقودِ والشروط، والألفاظ، كالقذفِ والسَّبِّ والاستهزاءِ وغيرِ ذلك، وقد قال اللهُ تعالىْ ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال ﷺ لِهِنْدٍ زَوْجةِ أبي سُفْيانَ، وقد شكَت له شُحَّ زَوْجِها: (خُذِي مَا يَكفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ)؛ رواهُ البخاريُّ (١). وقد يَرِدُ في الشرعِ العملُ على عُرْفِ الصدرِ الأوَّل، لا تعيينًا له

стр. 1345

وتحريمًا للخروجِ عليه، فيَظُنَّهُ الناسُ حدًّا شرعيًّا؛ وإنَّما هو إقرارٌ لعُرْفٍ، وعلامة ذلك خروجُ الصحابةِ خيرِ القرونِ عنه مع عِلْمِهم به، وأقوَى ذلك عمل أهلِ المدينة ومَكَّةَ. وما مِن فقيهٍ مِن السلفِ والأئمَّة الأربعةِ إلَّا وقد عَمِلَ بالعُرْف، ولكنْ تختلِفُ درجةُ اعتِبارِهِمْ به وجعلِهِ دليلًا مِن الأدلة؛ فذهَبَ المالكيَّةُ والحنفيَّةُ إلى كونِه دليلًا. وقولهُ تعالى ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، فيه عدمُ اعتِبارِ عُرْفِ الجُهَّالِ والضُّلَّال، وما تعارَفَ عليه القِلَّةُ ممَّا لا يُقِرُّ به العامَّةُ. * * * قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]. في هذه الآيةِ: مشروعيَّةُ الاستعاذةِ عندَ ورودِ الشيطانِ على الإنسانِ بخَطَراتِ السُّوء، أو دخولِ الإنسانِ أماكنَ يُغلِبُ عليها الشيطانُ كأماكنِ القَذَرِ والنَّجَس، أو الخَلَواتِ المُوحِشةِ والبِقاعِ المُقفِرةِ التي يَغلِبُ على الظنِّ ورودُ الجنِّ والشياطين إليها، ولو لم يَرِدْ دليلٌ في خاصَّةِ ذلك. الاستعاذةُ عند التثاؤُبِ: ومِن ذلك: الاستعاذةُ عندَ التثاؤبِ؛ فهو وإن لم يَصِحَّ فيه شيءٌ مرفوعٌ، إلا أنه لمَّا صَحَّ أنَّ التثاؤبَ مِن الشيطانِ؛ كما في قولِهِ ﷺ : (التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَان، فَإِذَا تَثاءَبَ أَحَدكُمْ فَلْيَرُدهُ مَا اسْتَطَاعَ؛ فَإِنَّ أحَدَكُمْ إِذَا قَالَ: هَا، ضَحِكَ الشَّيْطَانُ) (١)، فإنَّه يُستحَبُّ الاستعاذةُ عندَهُ ولو لم يَرِدْ دليلٌ بخصوصِه؛ لعمومِ الآية، ويُروى عن ابن مسعودٍ؛ قال:

стр. 1346

(التَّثَاؤُبُ فِي الصَّلَاةِ وَالْعُطَاسُ مِنَ الشَّيطَانِ؛ فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْهُ"؛ رواهُ ابنُ أبي شيْبَةَ، عن يَزِيدَ بنِ أبي ظَبْيَاَن؛ وهو ضعيفٌ (١). والاستعاذةُ عندَ الشيطانِ والشعورِ به والقُرْبِ مِن مَواضعِهِ مشروعةٌ، وهي كمشروعيَّةِ تخصيصِ الحَمدِ مِن أنواعِ الذِّكرِ بالقولِ عندَ تجدُّدِ النِّعْمةِ؛ لأنَّ مِن شُكرِها حَمْدَ اللهِ عليها؛ فلا يحتاجُ المؤمن إلى نَصِّ في كلِّ نعمةٍ تتجدَّدُ أنْ يخصَها بالحمدِ للهِ مِن دونِ الأذكارِ؛ كما أنه لا يحتاجُ إلى نصِّ في كلِّ قُرْب للشَّيْطانِ منه أن يَخُصَّهُ بالاستعاذةِ باللهِ منه مِن دونِ الأذكارِ والأدعيةِ؛ وذلك لأنَّ اللهَ عمَّمَ وقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. مواضعُ الاستعاذةِ: وقد جاء في الوحيِ بيانٌ لمواضعِ الشيطانِ مِن الإنسان، وشُرِعَتْ لها عندَها الاستعادةُ: فمنها: الغَضَبُ؛ كما قال البنيُّ ﷺ للغاضبِ: (إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَان، ذَهَبَ عنْهُ مَا يَجِدُ) (٢). ومنها: الحُلُمُ، كما قال ﷺ : (الحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَان، فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلُمًا يَخَافُهُ، فَلْيَبْصُق عَنْ يَسَارِه، وَلْيَتَعَوَّذ بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا) (٣). ومنها: عندَ سماعِ نَهِيقِ الحَمِيرِ؛ كما قال ﷺ : (إِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الحِمَارِ؛ فتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فَإِنَّهُ رَأَى شَيْطَانًا) (٤).

стр. 1347

ومنها: عندَ الولادةِ ووضعِ الجَنِينِ؛ كما قال ﷺ : (كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ في جَنْبَيْهِ بإِصْبَعِهِ حِينَ يُولَدُ، غَيْرَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ) (١)، وقد قالتِ امرأة عِمرانَ لمَّا وضَعَت مَرْيَمَ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]، ويكونُ التعوُّذُ للتخفيفِ مِن أثرِ الشيطانِ لا لمنعِه؛ لأنَّ اللهَ أقْدَرَهُ على الجميعِ إلَّا عيسى. ومنها: خطَرات السُّوءِ التي يَستدرجُ بها الشيطانُ الإنسانَ ليُفسِدَ إيمانَهُ بربِّه؛ كما في قولِه ﷺ : (يَأْتِي الشَّيْطَان أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ، فَلْيَسْتَعذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ) (٢). ومنها: ما جاءَ أنه مِن كيدِ الشيطانِ ووَسْواسِهِ بالإنسانِ؛ كالتفاتِ المصلِّي، وكذلك وَسْواسُهُ في صلاتِه، وحينَما اشتَكَى عثمانُ بن أبي العاصِ للنبيِّ ﷺ مِن ذلك، قال: (ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ: خَنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ، فَتَعَوَّذ بِاللهِ مِنْهُ، وَأْتْفِل عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا)؛ كما رواهُ مسلمٌ (٣)، وفيه أن الإنسانَ قد يُحِسُّ بالشيطانِ؛ ولذا قال عثمانُ بن أبي العاصِ في هذا الحديثِ: "فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأذْهبَهُ اللهُ عَنِّي". وفد تُستحَبُّ الاستعاذةُ من الشيطانِ في مواضِعَ لم يأتِ التصريحُ بعلَّتِها والحِكْمةِ منها: كالاستعاذةِ قبلَ القراءةِ في الصلاةِ وخارجَها، وظاهرُهُ: أنه صَرْفٌ للشَّيْطانِ أن يقطَعَ عنه تدبُّرَةُ وتأمُّلَهُ وحضورَ قَلْبِه، ولا يُشكِلُ على هذا: أنَّ قراءةَ القرآنِ في نفسِها مُنفَّرةٌ للشيطانِ؛ وذلك أنَّ الاستعاذةَ سابِقةٌ للقراءة، صارفةٌ لحضورِ الشيطانِ ولو في أولِ القراءة، وهي تتضمَّنُ الدعاءَ والالتجاءَ إلى الله، وقد يكونُ في ذلك حِكَمٌ أُخرى اللهُ أعلَمُ بها.

стр. 1348

ويُشبِه هذا الاستعاذةُ عندَ دحولِ المسجدِ؛ كما في "السُّننِ"؛ مِن حديثِ عبد اللهِ بنِ عمرٍو؛ أنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ، قَالَ: (أعُوذُ بِاللهِ الْعَظِيم، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيم، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيم، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (١). وعندَ ابنِ ماجَة يقولُ: (اللَّهُمَّ اعصِمْني مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ) عندَ الخروجِ مِن المسجدِ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ (٢). والاستعاذةُ عندَ كلِّ موضعٍ يكونُ فِيه شيطانٌ دَلَّ الدليلُ على ذلك، دليلٌ مِن جنسِ التسبيحِ عندَ تنزيهِ الله مِن ألفاظِ وأفعالِ النقصِ ولو لم يَرِدْ في عَينِ الألفاظِ والأفعالِ حُكْمٌ خاصٌ، ومِن جنسِ الصدقة بعدَ السيِّئة، ومِن جنسِ قولِ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، عندَ التلبُّسِ بقولِ الكُفْرِ وفعلِهِ ولو مِن غيرِ قصدٍ؛ كما قال ﷺ : (مَن حَلَفَ فَقَالَ في حَلِفِهِ: وَاللَّاتِ وَالعُزَّى، فَلْيَقُل: لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أقامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّق) (٣). وأما القولُ بعدمِ مشروعيَّةِ الاستعاذةِ عندَ التثاؤبِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ بيَّنَ أنَّ التثاؤْبَ مِن الشيطانِ وأمَرَ بكَظْمِهِ حَسَبَ الاستطاعة ولم يُرشِدْ إلى الاستعاذة، كما أرشَدَ عثمانَ بنَ أبي العاصِ عندَ إحساسِهِ بالشيطانِ يَحُولُ بينَهُ وبينَ صلاتِه، فأمَرَهُ بالاستعاذةِ والتَّفْلِ: فهذا ككثيرِ مِن النِّعَم التي يذكُرُها اللهُ ويذكُرُ أنَّها مِن عِنْدِهِ ولا يَنُصُّ على الحمد، فليس كلُّ نِعْمةٍ يذكُرُ أنَّها مِن اللهِ ولا يأمُرُ بالحمدِ عندَ ذِكرِهِ لها: لا يُشرَعُ الحمدُ لذلك؛ كما أنه ليس كلُّ عملٍ يذكُرُ اللهُ أنه مِن الشيطانِ ولا يأمُرُ بالاستعاذةِ منه عندَ ذِكرِهِ له: لا يُشرَعُ له الاستعاذةُ؛ لكثرةِ الأنواعِ وتعدُّدِها، فاكتُفِيَ بالأمرِ العامِّ. * * *

стр. 1349

قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. نزَلت هذه الآيةُ في الصلاة، أمِرُوا بالإنصاتِ فبها؛ تعظيمًا لها ولو لم يكنْ هناك قراءةٌ مسموعةٌ، وإذا كانتِ الصلاةُ جهريَّةً، فالإنصاتُ آكَدُ؛ ولذا قدَّمَ اللهُ الاستماعَ على الإنصاتِ؛ لأنَّه هو المقصودُ منه، فقد يُنصِتُ مَن يَسمَعُ ولا يَستمِعُ. وحكَى أحمدُ الإجماعَ في أن نُزُولَها في الصلاة، وحكاهُ مِثلَهُ الجصَّاصُ وغيرُه. المقصودُ من الإنصاتِ في الصلاةِ: وقد اختُلِفَ في المقصودِ مِن الإنصاتِ في الصلاةِ: هل هو منعٌ لكلامِ الناسِ أو هو شاملٌ حتى للقراءةِ؟ وقد جاءَ أنَّ هذه الآيةَ نزَلتْ في الصلاةِ بعدَما كانتِ الرُّخْصةُ لهم أنَّهم يتكلَّمونَ فيها، وقد ثبَتَ ذلك كما رواهُ ابنُ مسعودٍ؛ قال: "كنَّا يُسَلِّمُ بعضنا على بعضٍ في الصلاة، فجاءَ القرآنُ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١). وجاء عن بعضِ السلفِ؛ صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ المسيِّبِ ومجاهدٍ والنخَعيُّ وغيرِهم؛ أنَّها نزَلَت في الصلاةِ للإنصاتِ خَلْفَ الإمامِ في الصلاةِ الجهريَّةِ؛ فلا يُقرَأُ القرآن وبهذا جرَّمَ أحمدُ؛ وهذا ظاهرٌ دخولُهُ في الآية؛ لأنَّ اللهَ قال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، وليس كلُّ الصلواتِ جهريَّةً يجبُ الإنصاتُ فيها لأجلِ الاستماع، فأكَثَرُ الرَّكَعات سِرِّيَّةٌ؛ ففي الفرائضِ سِتٌّ ركعاتٍ جهريَّةٍ، وهنَّ: الفجرُ وركعتَا المغربِ والعِشاءِ الأُوليَان، عدا يومِ الجمعةِ فتزيدُ فتكونُ ثمانيَ ركعاتٍ،

стр. 1350

وأمَّا السِّرِّيَّةُ فإحدى عَشْرةَ ركعةً، إلَّا الجمعةَ ففيها سبعُ ركعاتٍ سِرِيَّةٍ. ومِن السلفِ: مَن عمَّمَ الحُكْمَ لكلِّ قراءةٍ؛ في صلاةٍ وغيرِها، وفي كلِّ ذِكرٍ؛ كخُطْبةِ الجمعةِ والعيدَيْنِ وغيرِهما، وهذا ليس مِن الخلافِ في سبب نزولِ الآية، وإنَّما في تعميمِ حُكمِها. الإنصاتُ عند سماعِ القرآنِ خارج الصلاةِ: ومَن سمِع قرآنًا في غيرِ الصلاة، فلا يخلو مِن حالَيْنِ: الأُولى: أن يكونَ مقصودًا بالقراءةِ؛ كمَن يقرَأ القرآنُ في مجلسٍ هو فيه ويُجهَرُ بالقراءةِ للناس، فإنصاتُهُ مشروعٌ، ولَغْوُهُ فيه محرَّمٌ، ولا حرَجَ عليه في الكلمةِ والكلمتَيْنِ لمَن حولَهُ التي لا تُذهِبُ هَيْبةَ القرآنِ وتعظيمَهُ. الثانيةُ: ألا يكونَ مقصودًا بالقراءة، كمَن يَسمعُ رجلًا يَقرَأ لنفسِه، أو يَسمعُ مُقرِئًا يُقرِئُ غيرَهُ، أو حَلْقةَ علمٍ ليس هو فيها، أو إمامًا يُصلِّي بالناسِ في مسجدٍ ليس هو منهم؛ فلا يدخُلُ في مشروعيَّةِ الإنصاتِ المقصودِ في الآيةِ. والوجوبُ إنما هو في الصلاةِ لا خارجَها، وقد صحَّ عن طَلْحةَ بنِ عُبَيدِ الله بنِ كَرِيزٍ؛ قال: "رَأَيْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ، وَعَطَاءَ بْنَ أبِي رَبَاح، يَتَحَدّثَانِ وَالقَاصُّ يَقُصُّ، فَقُلْتُ: أَلَا تسْتَمِعَانِ إِلَى الذِّكرِ وَتَسْتوْجبَانِ المَوْعُودَ؟ قَالَ: فَنَظَرَا إِلَيَّ، ثُمَّ أقْبَلَا عَلَى حَدِيثهِمَا، قَالَ: فَأَعَدتُّ، فَنَظَرَا إِلَيَّ، ثُمَّ أقبَلَا عَلَى حَدِيثهِمَا، قَالَ: فَأَعَدتُّ الثَّالِثَّةَ، قَالَ: فَنَظَرَا إِلَيَّ، فَقَالَا: إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (١).

стр. 1351

وقال بجوازِ الكلامِ خارجَ الصلاةِ سعيدُ بن جُبَيرٍ، والشَّعبيُّ، وقتادةُ، والنخَعيُّ، وغيرُهم. ولا يختلِفُ العلماءُ في أنَّ هذه الآيةَ نزَلَتْ في الإنصاتِ في الصلاةِ؛ كما حكَى الإجماعَ أحمدُ والجصَّاصُ؛ وإنَّما الخلافُ في فروعِ مسألةِ القراءةِ خلفَ الإمام، وقد حكَى أحمدُ إجماعَ مَن سبَقَ على أنَّ مَن ترَكَ القراءةَ خَلفَ الإمامِ في الصلاةِ الجهريةِ أن صلاتَه لا تَبطُلُ؛ فقال: "ما سَمِعْنا أحدًا مِن أهلِ الإسلام يقولُ: إن الإمامَ إذا جهَرَ بالقراءةِ لا تُجزِئُ صلاةَ مَن خلفَه إذا لم يَقرَأْ" (١). القراءةُ خلفَ الإمامِ في الجهريَّة: وقد اختلَفَ العلماءُ في القراءةِ خلفَ الإمامِ في الجهريَّةِ على أقوالٍ، أشهرُها أقوالٌ ثلاثة: الأوَّلُ: أنه لا يُقرَأُ خلفَ الإمامِ في الجَهُريَّةِ؛ وهو قولُ جماهيرِ العلماءِ وعامَّةِ السلف، وهو قولُ الأئمَّةِ الأربعة، ومنهم الشافعيُّ في القديمِ. ومِن العلماءِ مَن قال: إنَّها لا تجبُ حتى في السِّرِّيَّةِ؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ وروايةٌ عن أحمدَ؛ لظاهرِ قولِهِ ﷺ : (مَن كَانَ لَهُ إِمَامٌ، فَقِرَاءَتُهُ لَهُ قِرَاءَةٌ)؛ رواهُ أحمدُ وابنُ ماجه، عن جابرٍ (٢)، ورواهُ مالكٌ في "الموطَّأِ"، عن وهبِ بنِ كَيْسَانَ، عن جابرٍ؛ مِن قولِه (٣)، وهو أرجَحُ، وله طرقٌ مرفوعةٌ لا يصحُّ منها شيءٌ. القولُ الثاني: أنَّ القراءةَ تجبُ خلفَ الإمامِ في الجَهْرِيَّة، وفي

стр. 1352

السرِّيَّةِ مِن بابِ أَوْلى؛ وهو قولُ الشافعيِّ في الجديد، وهو مذهب الشافعيَّة، فيُوجِبُ الشافعيُّ القراءةَ في سَكَتاتِ الإمامِ؛ لِيَجمَعَ بينَ الامتثالِ للآية، وهو الإنصاتُ، وبينَ الإتيانِ بالرُّكْن، وهو القراءةُ. ونقَل البُوَيْطِيُّ أنه يقرَأُ فيما أسَرَّ الإمامُ بأمِّ القرآنِ وسورةٍ في الأولَيَيْن، وأُمِّ القرآنِ في الأخريَين، وفيما جهَرَ فيه الإمامُ لا يَقرَأُ مَن خَلْفَهُ إلا بأمِّ القرآنِ. وكان الشافعيُّ في القديمِ يُوجِبُ القراءةَ في الصلاةِ السِّرَّيَّةِ دونَ الجهريَّة، ثم أوجَبَها في الجميعِ في قولِه الجديدِ. وللبخاريِّ جزءٌ في القراءةِ خلفَ الإمام، أوجَبَ فيه القراءةَ حتى في الجهريَّة، ووافَقَهُ جماعةٌ مِن أهلِ الحديثِ والفقهِ. القولُ الثالثُ: أنَّ القراءةَ مستَحبَّةٌ لا تجبُ؛ وهو قولُ الأوزاعيِّ واللَّيْثِ. وأصحُّ الأقوالِ وأرجَحُها: أنَّ القراءةَ لا تجبُ ولا تُشرَعُ أيضًا في الجهريَّةِ؛ لِمَا ثبَتَ في مسلم، في الإتمامِ بالإمام، عن أبي موسى الأشعريّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وإِذَا قَرَأَ فَأَنصِتُوا)، وذكَرَ بقيَّةَ الحديث، وهو في "السُّننِ"، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ؛ أنه قال: (وإِذَا قَرَأ، فَأَنصِتُوا) (١)، وقد صحَّحَهُ مسلمٌ (٢)، وحديثُ أبي هريرةَ في "الصحيحَيْنِ"، وليس فيه هذه اللَّفْظةُ (٣)؛ ولذا أعلَّها بعضُهم. لأنَّ اللهَ لم يأمُرِ الإمامَ بالجهرِ بالقراءة، إلَّا لأجلِ المأمومِ، ولم

стр. 1353

يُفرِّق بينَ السرِّيَّةِ والجهريَّةِ إلَّا لذلك، ولا يَصِحُّ مِن جهةِ النظرِ ولا الشرعِ أنْ يُؤمَرَ أحدٌ بالجهرِ ومَن خَلْفَهُ بقراءةٍ مخالِفةٍ له في أنفُسِهِمْ، ثم يُؤمَرونَ بالخشوعِ جميعًا، والقولُ بوجوبِ القراءةِ في الجهريَّةِ لازمٌ لعدمِ اعتبارِ الخشوعِ في الصلاةِ بالنسبةِ للمأمومِ؛ فلا يحضُرُ قلبُ مَن يَتكلَّمُ في نفسِهِ وَيسمعُ مَن يَجْهَرُ بخلافِه. القراءةُ خلفَ الإمامِ عند الصحابةِ: وقد كان الصحابةُ ﵁ لا يَقرَؤونَ خلفَ الإمامِ في الجهريَّة، وجَرَى على ذلك عملُ عامَّتِهم. صحَّ ذلك عن ابنِ مسعودٍ وابنِ عمرَ وابنِ عبَّاسٍ وجابرِ بنِ عبد اللهِ وأبي هريرةَ وأبي الدَّرداءِ وغيرِهم. فقد روى أبو وائل، عن ابنِ مسعودٍ؛ قولَهُ: "أَنْصِتُ لِلْقُرْآن، فَإِنَّ فِي الصَّلاةِ شُغلًا، وَسَيَكفِيكَ ذَاكَ الْإِمَامُ" (١). ورَوَى نافعٌ، عن ابنِ عمرَ؛ أنه قال: "يَكفِيكَ قِرَاءَةُ الإِمَامِ" (٢)، وكان ابنُ عمرَ لَا يَقرَأُ خَلْفَ الإِمَامِ (٣). وتابَعَه بمعناهُ سالمٌ (٤). وصحَّ عن زيدٍ؛ كما رواهُ مسلمٌ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ؛ أنه سألَ زيدَ بنَ ثابتٍ عن القراءةِ مع الإمامِ؛ فقال: "لَا قِرَاءَةَ مَعَ الإِمَامِ فِي شَيْءٍ" (٥).

стр. 1354

وصحَّ عن وهبِ بن كَيسانَ؛ قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبد اللهِ يقولُ: "مَنْ صَلى رَكعَةً لَمْ يَقرَأُ فِيهَا بِأُمِّ القُرْآنِ؛ فَلَمْ يُصَلّ، إِلَّا أَنَّ يَكُونَ وَرَاءَ الإمَامِ"؛ روه مالكٌ والتِّرْمِذيُّ (١). وجاء ذلك عن ابنِ مسعودٍ وأصحابِه، وأعلَمُ أصحابِ ابنِ مسعودٍ أبو وائلٍ شقيقُ بن سَلَمةَ -كما قاله أبو عبيدةَ بن عبد اللهِ بنِ مسعودٍ - يُفتِي بعدمِ القراءةِ خلفَ الإمامِ. القراءةُ خلفَ الإمامِ عند التابعين: وقد كان كبارُ الفقهاءِ مِن التابعينَ في المدينةِ ومَكَّةَ والكُوفةِ لا يقولونَ بالقراءةِ خلفَ الإمامِ في الجهريَّة، وهم أدْرَى الناسِ بمِثلِ هذه السُّنَن، وهي مِن العِلْمِ المشهودِ المُتتابعِ كلِّ يومٍ، وتغيُّرُ الحالِ واختلافُها يَظهَرُ فيهم أكَثَرَ مِن غيرِهم؛ لأنَّ صلاتَهُمْ بمسجدِ النبيِّ ﷺ ؛ وأئمَّتُهُمْ هم مَن شَهِدُوا النبيَّ ﷺ وكبارَ أصحابِه، بخلافِ بقيَّةِ البُلدانِ الذين لم تَعمُرْ أكثرُ مساجدِهم إلَّا بعدَ وفاةِ النبيِّ ووفاةِ خُلَفائِه، وقد كان ابنُ المسيَّبِ يُفتِي بالقراءةِ خلفَ الإمام في السِّرِّيَّةِ؛ كما صحَّ عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ؛ أنه قال: "يَقْرَأَ الإِمَامُ وَمَن خَلْفَهُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ" (٢). وبه قال عُرْوةُ وغيرُهُ. ولم يَثبُتْ عن أحدٍ مِن الخلفاءِ وفقهاءِ الصحابةِ القولُ بالقراءةِ خلفَ الإمامِ في الجهريَّة، ويكونَ قولُهُ صريحًا بذلك، بل الثابتُ عن عمرَ وعليٍّ عَدَمُها، وأمَّا ما جاءَ عن عمرَ بنِ الخطَّابِ في القراءةِ خلفَ الإمامِ

стр. 1355

في الجهريَّة، فقد رواهُ هُشيمٌ، قال: أخبَرَنا الشيبانيُّ، عن جَوَّابِ بنِ عُبيدِ اللهِ التَّيْمِيِّ؛ قال: حدَّثَنا يزيدُ بنُ شَرِيكٍ التيميُّ أبو إبراهيمَ؛ قال: سَأَلْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الإِمَامِ؟ فَقَالَ لِي: اقْرَأْ، قَالَ: قُلْتُ: وإن كُنْتُ خَلْفَكَ؟ قَالَ: إِنْ كنْتَ خَلْفِي، قُلْتُ: وَإِن قَرَأتَ؟ قَالَ: وإِنْ قَرَأتُ (١). فهذا إسنادٌ عراقيٌّ بتمامِهِ تُفُرِّدَ به عن عمرَ بنِ الخطَّاب، وهو عريبٌ، وجَوَّابُ بن عُبيدِ اللهِ ضعَّفَهُ ابنُ نُمَيرٍ، وابنُ نُمَيرٍ بصيرٌ بالكوفيِّينَ، وقد رأى سفيان الثوريُّ جَوَّابًا التَّيْمِيَّ وترَكَ الحديثَ عنه، ومِثلُ هذا الإسنادِ العراقيِّ لا يُحمَل في الرِّوايةِ عن مدنيِّ كبيرٍ، فضلًا عن مِثْلِ عمرَ بنِ الخطَّاب، ثم لا يُعرَفُ عندَ أصحابِه المدنيِّينَ ولا يُفتُونَ به. وقد ثبَتَ عن نافع وأنس بنِ سيرينَ عن عمرَ قولُهُ: "تَكْفِيكَ قِرَاءَةُ الإمَامِ" (٢). وإن لم يصحَّ سماعُ نافعٍ وأنسٍ مِن عمرَ، إلَّا أن حديثَ نافعٍ منقطعًا أصَحُّ مِن تفرُّدِ جوَّابِ بنِ عبيدِ اللهِ والكوفيينَ موصولًا عن عمرَ، وروايةُ نافعٍ عن عمرَ ممَّا يَحتجُّ به بعضُ الأئمةِ. وأصحابُ عمرَ والعارِفونَ بفِقهِهِ يُخالِفونَ بفُتياهُمْ ما تفرَّدَ به الكوفيِّونَ عن عمرَ، كابْنِهِ عبد اللهِ بنِ عمرَ وابنِ المسيَّب، ولو صحَّ عندَ الكوفيِّينَ، لَأَحْدَثَ في كبارهم عَمَلًا، وكبارُهُمْ يُفتُونَ بخلافِ ذلك؛ صحَّ عدمُ القراءةِ عن سُوَيدِ بنِ غَفَلَةَ وأبي وائلِ شقيقِ بنِ سَلَمةَ، وهما كوفيَّانِ مُخضرَمان، وفقهُ أهلِ البلدِ يُعِلُّ الحديثَ الذي يَروُونَهُ ويُخالِفونَهُ؛ كما بَيَّناهُ في "كتابِ العِلَلِ". والقولُ بعدمِ القراءةِ خَلْفَ الإمامِ في الجهريَّةِ هو قولُ عليِّ بنِ

стр. 1356

أبي طالبٍ؛ فقد صحَّ عنه قولُهُ: "يَقْرَأُ الإِمَامُ وَمَن خَلْفَهُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ، وَفِي الْأُخرَيَيْنِ بفَاتِحَةِ الْكِتَابِ"؛ رواهُ عنه كاتبُهُ عبيدُ اللهِ بن أبي رافعٍ، عندَ ابنِ أبي شَيْبَةَ (١). وتخصيصُهُ للقراءةِ في الظهرِ والعصرِ دليلٌ على أنَّ الجَهْريَّةَ على خلافِها، فيَقرَأُ الإمامْ ولا يَقرَأُ مَن خَلْفَهُ. وظاهِرُ قولِ أحمدَ: أنَّ السلفَ عامَّةً على هذا، وقد أنكرَ على مَنْ قال له: "قراءة الفاتحة خلف الإمام مخصوصٌ من قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾؛ قال أحمد: عمّن يقولُ هذا؟ ! أجمَعَ الناسُ أنَّ هذه الآية في الصلاةِ" (٢). وكان إبراهيمُ الحربيُّ يقولُ عن أحمد: إمَّا ألفَ مرَّة إنْ لم أقُلْ، فقد سمعتُهُ يقرأُ فيما خافَتَ، ويُنصِتُ فيما جَهَرَ (٣). القراءةُ خَلْفَ الإمامِ في السريَّة: وهناك مَن يَستدلُّ على القراءةِ خلفَ الإمامِ في الجهريَّةِ ببعضِ المُجمَلاتِ مِن الأحاديثِ والآثارِ في القراءةِ خلفَ الإمام، ويَغْفُلُونَ عن أنَّ القراءةَ خلفَ الإمام منها سِرِّيَّةٌ ومنها جَهْريَّةٌ، وأنَّ القولَ بعدمِ القراءةِ خلفَ الإمامِ في السِّرِّيَّةِ قولٌ قديمٌ، والخلافُ فيه معروفٌ عندَ السلف، وليس الخلافُ فيه مقصورًا على الجهريَّة، والخلافُ في السرِّيَّةِ على قولَيْنِ عندَ السلفِ والفقهاءِ: الأوَّلُ: أنه لا يُقرَأُ فيها، وقد صحَّ عن بعضِ الصحابةِ عدمُ القراءةِ

стр. 1357

خلفَ الإمام في سِرِّيَّةٍ ولا جَهْريَّةٍ؛ كزيدِ بنِ ثابتٍ؛ فقد روى عنه ابن ثَوْبانَ قولَهُ: "لَا يُقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَام إِنْ جَهَرَ، وَلَا إِنْ خَافتَ" (١)، ومِن التابعينَ سُوَيْدُ بن غَفَلَةَ، وعطاءُ بن أبي رباحٍ، وسعيدُ بن جُبيرٍ. وهذا قولُ أبي حنيفةَ. القولُ الثاني: أنه يُقرَأُ في السِّرِّيَّة، وقد صحَّ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ ذلك كما تقدَّمَ، وثبَتَ هذا عن ابنِ عمرَ؛ فقد روى سالمٌ عنه؛ أنه خصَّصَ الإنصاتَ بما بَحهَرُ له الإمامُ (٢). ومِن ذلك الإجمالِ الذي يَستدِلُّ به بعضُهُمْ على أنَّ الصحابةَ كانوا يَقرَؤُونَ خلفَ الإمامِ في الجهريَّةِ: ما يَرويهِ ابنُ أبي شَيبةَ، عن حُصَيْنٍ؛ قال: "صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ عُبَيدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَام، قَالَ: فَلَقِيتُ مُجَاهِدًا، فَذَكَرتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو يَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ" (٣). وليس في هذا ذِكْرٌ للجهرِ والإسرار، والصحيحُ: أنَّها صلاةٌ سرِّيَّةٌ؛ كما رواهُ مجاهدٌ عه مِن وجهٍ آخَرَ أنَّها صلاةُ الظهرِ (٤). ومِن ذلك: ما في مسلمٍ، عن أبي هربرةَ؛ أنه قال في القراءةِ خلفَ الإمامِ: "اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ" (٥)؛ وهذا عامٌّ يَستدِلُّ به البعضُ على الجهريَّة، وفيه نظرٌ؛ فقد ثبَتَ عن أبي هريرةَ قولُه: "اقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ فِيمَا يُخَافِتُ بِهِ"؛ رواهُ ابن المُنذِرِ (٦)، وليس هذا مِن اختلافِ القولِ

стр. 1358

لأبي هريرةَ؛ كما يحكي بعضُ الأئمَّةِ عن أبي هريرةَ في المسألةِ قولَيْنِ. ورُوِيَ مِثلُ هذا الإجمالِ عن عمرَ وعليِّ بنِ أبي طالبٍ وابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمرَ وفبادةَ وأُبَيِّ بنِ كعبٍ وأبي سعيدٍ وعائشةَ، ومنها ما هو معلولٌ، ومنها ما ليس بصريحٍ في الصلاةِ الجهريَّةِ؛ وإنَّما في القراءةِ خلفَ الإمامِ. سكوتُ الإمامِ ليتمكَّن المأمومُ مِن القراءة: وجاءَ عن بعضِ السلفِ كابنِ جُبَيْرٍ: أنَّ الإمامَ يسكُتُ لِيَقْرَأَ المأمومُ في الجهريَّةِ؛ وهذا لا يُحفَظُ عن أحدٍ مِن الصحابةِ؛ روى البخاريُّ في "جُزءِ القراءةِ"، عن عبد اللهِ بن عثمانَ بنِ خُثَيْمٍ؛ قال: "قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَقْرَأُ خَلْفَ الْإِمَامِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ سَمِعْتَ قِرَاءَتَهُ، إِنَّهُمْ قَدْ أَحْدَثُوَا مَا لَمْ يَكُونُوا يَصْنَعُونَهُ؛ إِنَّ السَّلَفَ كَانَ إِذَا أَمَّ أَحَدُهُمُ النَّاسَ، كَبَّرَ ثُمَّ أَنْصَتَ، حَتَّى يَظُنَّ أَنَّ مَنْ خَلْفَهُ قَدْ قَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَاب، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ " (١). وصحَّ عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ قولُهُ: "لَيْسَ خَلْفَ الْإِمَامِ قِرَاءَةٌ" (٢). ولا أعلَمُ أحدًا مِن الصحابةِ أوجَبَ على الإمامِ السكوتَ ليتمكَّنَ المأمومُ مِن القراءة، ولا أنْ يَتحيَّنَ المأمومُ سَكَتاتِ الإمامِ ليَقْرَأَ؛ وهذا الأمرُ لو كان في عَمَلِهم، لَنُقِلَ ولَظهَرَتْ شكوى الناسِ فيه؛ فقد كانوا يَشْتَكُونَ مِن طولِ صلاةِ بعضِ أئمَّتِهم ونوعِ ما يَقْرَؤونَ، ولم يَثبُتْ أنَّهم تكلَّموا بهذا، ولا اشتكَى الصحابةُ ولا التابعونَ للصحابةِ مِن عدمِ قراءتِهم في سَكَتاتِ أئمَّتِهم أو عدمِ سكوتِ أئمَّتِهم، مع كثرةِ المتعلِّمينَ

стр. 1359

والمصلِّينَ، ومِثلُ هذا الحُكْم في تتبُّعِ المأمومِ لِسَكَتاتِ الإمامِ عملٌ دقيقٌ لا يَعلَمُهُ كلُّ أحدٍ، ويجبُ ألَّا يُترَكَ بيانُه. وما جاء في بعصِ الآثارِ والأحايثِ مِن القراءةِ خلفَ الإمامِ إذا أنصَتَ، والسكوتِ إذا قرَأَ، يحمِلُهُ بعضُهم على القراءةِ حالَ سَكَتاتِ الإمام، والمقصودُ منه التفريقُ بينَ الصلاةِ الجَهْريَّةِ والسرِّيَّة، وركَعاتِ الجهرِ والسرِّ مِن العِشَاءِ والمَغْربِ. وقد جاءَ سكوتُ الإمامِ عن بعضِ التابعينَ؛ كسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ ومكحولٍ وأبي سلمةَ بنِ عبد الرحمنِ وعُرْوةَ وعطاءٍ. وبقراءةِ المأمومِ الفاتحةَ في سكَتاتِ الإمامِ قال الشافعيُّ كما نقَلَهُ عنه البُوَيْطِيُّ. فأمَّا كلامُ سعيدِ بنِ جُبيرٍ، فتقدَّمَ، وابنُ خُثَيْمٍ متكلَّمٌ فيه معِ صدقِه، ولم يُحدِّثْ عنه يحيى وعبدُ الرحمن، ومَنْ هم أوثَقُ مِن ابنِ خُثَيْمٍ يَرْوُونَ عن سعيدٍ عدمَ القراءةِ خلفَ الإمامِ؛ كما رواهُ هُشَيْمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَام، قَالَ: "لَيْسَ خَلْفَ الْإمَامِ قِرَاءَةٌ"؛ رواهُ ابنُ أبي شيبةَ (١). وهُشَيْمٌ بصيرٌ بالموقوفات، وهذا السَّنَدُ على شرطِ الشيخَيْنِ. ثم إنَّ قولَ سعيدٍ السابقَ لم يَنسُبْهُ لأحدٍ مِن السلف، وربَّما قصَدَ كبارَ التابعينَ؛ فسعيدٌ ليس مِن طبقةِ التابعينَ المتقدِّمةِ. وأمَّا كلامُ مكحولٍ، فرواهُ أبو داودَ إثرَ حديثِ عُبادةَ، قال مكحولٌ: "اقْرَأُ بِهَا -يعني الفاتحةَ- فِيمَا جَهَرَ بِهِ الْإِمَامُ إِذَا قَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسَكَتَ سِرًّا، فَإِنْ لَمْ يَسْكُتِ اقْرَأُ بِهَا قَبْلَهُ وَمَعَهُ وَبَعْدَهُ، لَا تَتْرُكْهَا

стр. 1360

عَلَى كُلِّ حَالٍ" (١). ومكحولٌ يؤكِّدُ ذلك ولا يُوجِبُهُ، وقد كان الأوزاعيُّ بصيرًا برأيِ مكحولٍ وعُبَادةَ بنِ الصامتِ في القراءةِ في الصلاة، ولم يكنْ يُوجِبُ قراءةَ المأمومِ في الجهريَّةِ؛ وإنَّما يَستحِبُّها، وقد كان الأوزاعيُّ يقولُ: "أَخَذْتُ الْقِرَاءَةَ مَعَ الْإِمَامِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِت، وَمَكْحُولٍ" (٢). وأمَّا ما جاءَ عن أبي سلمةَ، فهو قولُه: "لِلْإِمَامِ سَكْتَتَان، فَاغْتَنِمُوا الْقِرَاءَةَ فِيهِمَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ"؛ رواهُ عنه البخاريُّ في "جزئِه"، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عنه (٣). وفي القراءةِ في سَكَتاتِ الإمامِ حديثٌ مرفوعٌ عن عبد اللهِ بنِ عمرٍو، ولا يَثبُتُ. وأمَّا كلامُ عُرْوةَ، فرواهُ عنه إبراهيمُ بن أبي يحيى، عن شَرِيكِ بنِ أبي نَمِرٍ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيْرِ؛ قال: "إِذَا قَالَ الْإِمَام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، قَرَأْتُ بِأُمِّ الْقُرْآن، أَو بَعْدَمَا يَفْرُغُ مِنَ السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَهَا" (٤)، وابنُ أبي يحيى مُتَّهَمٌ، والثابتُ عن عُرْوةَ ما يَرويهِ ابنُهُ هشامٌ عنه؛ قال: "اسْكُتُوا فِيمَا يَجْهَرُ، وَاقْرَؤُوا فِيمَا لَا يَجْهَرُ"؛ كما رواهُ ابن أبي شيبةَ (٥). وأصحُّ ما جاءَ في ذلك وأرفَعُهُ فقهًا: ما جاء عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ؛ كما رواهُ عبدُ الرزَّاق، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عنه؛ قال: "إِذَا كَانَ الْإِمَامُ يَجْهَرُ، فَلْيُبَادِرْ بِأُمِّ الْقُرْآن، أَو لِيَقرَأُ بَعْدَمَا يَسْكُتُ، فَإِذَا قَرَأَ،

стр. 1361

فَلْيُنْصِتُوا كَمَا قَالَ اللهُ " (١). وعطاءٌ يَستحِبُّ ذلك ولا يُوجِبُهُ، فهو يُخيِّرُ مَن لا يَسمَعْ الإمامَ في الجهريَّةِ بينَ القراءةِ والتسبيح؛ كما رواهُ عنه ابن جُرَيْجِ نفسُهُ؛ حيثُ قال: "إِذَا لَمْ تَفْهَمْ قِرَاءَةَ الْإِمَام، فَاقْرَأُ إِن شِئْتَ أَو سَبِّحْ"؛ أخرَجَهُ عبدُ الرزَّاقِ (٢)، وروى بهذا الإسنادِ عنه؛ قال: "يُجْزِي قِرَاءَةُ الْإِمَامِ عَمَّنْ وَرَاءَهُ، قُلْتُ: عَمَّن تَأْثِرُهُ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ، وَلَكِنَّ الْفَضَائِلَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ تَأْخُدُوا بِهَا، أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ تَقْرَؤُوا مَعَهُ" (٣)، وعن ابنِ جُرَيْجٍ أيضًا؛ قال: قُلْتُ لِعَطَاءٍ أَيُجْزِي عَمَّنْ وَرَاءَ الْإِمَامِ قِرَاءَتُهُ فِيمَا يَرْفَعُ بهِ الصَّوْتَ وَفِيمَا يُخَافِتُ؟ قَالَ: نَعَمْ (٤). والقولُ بأنَّ عطاءً يُوجِبُ القراءةَ خلفَ الإمامِ؛ لقولِهِ بالقراءةِ في السَّكَتاتِ - تلفيقٌ بينَ أحدِ أقوالِه مع قولِ غيرِه؛ وهذا لا يستقيمُ لعارفٍ بالرِّواية، ولا بصيرٍ بالدِّرايةِ. ومَن تأمَّلَ أقوالَ الصحابةِ والتابعين، وجَدَ أنه لا يثبُتُ عن واحدٍ منهم إبطالُ الصلاةِ بتركِ القراءةِ خلفَ الإمامِ؛ وهذا يدُلُّ على أنَّهم لم يكونوا يَحمِلونَ حديثَ الأمرِ بقراءةِ الفاتحةِ والقولَ بركنيَّتِها على الصلاةِ الجهريَّة، وأنَّ عامَّتَهُمْ على عدمِ القراءةِ فيها للمأمومِ. وبعدمِ القراءةِ خلفَ الإمامِ في الجهريَّةِ يُفتي أئمَّةُ الفُتْيا مِن التابعينَ؛ صحَّ عن أئمَّةِ المدينةِ؛ كابنِ المسيَّبِ وعُرْوةَ، وأئمَّةِ الكوفةِ؛ كسُوَيْدِ بنِ غَفَلَةَ، وسيدِ بنِ جُبَيْرٍ، والأَسْوَدِ؛ فقد رَوَى عه النخَعيُّ قولَهُ: "لَأَنْ أَعَضَّ عَلَى جَمْرَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ أَعْلَمُ أَنَّهُ

стр. 1362

يَقْرَأُ" (١). وأمَّا إيجابُ القراءةِ لظاهرِ حديثِ عُبَادَةَ في "الصحيحَيْنِ": (لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) (٢)، ونحوِه في مسلمٍ، عن أبي هريرةَ: (مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآن، فَهِيَ خِدَاجٌ - ثَلَاثا - غَيْرُ تَمَامٍ) (٣)، فذلك هو الأصلُ، وهو وجوبُ قراءةِ الفاتحة، وهو الأغلبُ في الصلواتِ؛ لأنَّ غالبَ الصلواتِ سرِّيَّةٌ لا جهريَّةٌ، وحتى الجهريَّةُ لا تَسقُطُ الفاتحةُ عن الإمام، فهي واجبةٌ لكلِّ صلاةٍ وكلِّ ركعةٍ، ومقامُ الإمامِ في الجهريَّةِ مقامُ المَأمومِ وهو نائبُهُ فيها، فهو يَقرَأُ والمأمومُ يُنصِتُ، وللمأمومِ أجرُ ما عقَلَ مِن سماعِه؛ كما أنَّ للإمامِ ما عقَلَ مِن قراءتِه، والمأمومُ يُؤَمِّنُ بعدَ الفاتحةِ مع الإمام، والمُؤَمِّنُ كالدَّاعي، كما جعَلَ اللهُ هارونَ داعيًا وهو يُؤَمِّنُ مع موسى؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٨ - ٨٩]. والنصوصُ تتعلَّقُ بالأغلب، وأغلبُ الصلاةِ تجبُ فيها؛ كنوافلِ الرَّواتِب، فهي في اليومِ اثنتَا عَشْرةَ ركعةً، ويَزِيدُ في ذلك صلاةُ الضُّحَا، وتحيَّةُ المسجد، وقيامُ الليل، والفرائضُ تجبُ في جميعِها على الإمام، وفي السِّرِّيَّةِ على الجميعِ على الصحيح، والناظرُ لصلاةِ المرأةِ كلِّها جُلُّها في بيتِها ويجبُ عليها القراءةُ فيها جميعًا، وكلُّ منفرِدٍ مِن الرِّجالِ مِثْلُها لفَرْضِهِ ونَفْلِه، واستثناءُ الجهريَّةِ مِن إيجابِ القراءةِ لا يُلْغي الحُكْمَ،

стр. 1363

ولا يُعطِّلُ العملَ بحديثِ عُبادةَ وأبي هُرَيْرةَ؛ وإنَّما هي عامَّةٌ دخَلَها التخصيصُ. وأمَّا حديثُ عُبادةَ عن النبيِّ ﷺ ؛ (لَعَلَّكمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ)، قُلْنَا: نَعَمْ، هَذًّا يَا رَسُولَ الله، قَالَ: (لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ؛ فَإِنَّه لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا)، فرواهُ أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ؛ مِن حديثِ محمدِ بنِ إسحاقَ، عن مكحولٍ، عن محمودِ بنِ الرَّبيع، عن عُبَادةَ (١)، فالحديثُ في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ الزُّهْريّ، عن محمودِ بنِ الربيع، عن عُبادةَ؛ بلفظِ: (لَا صَلَاةَ لِمَنْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكَتَابِ) (٢)، وليس فيه هذه الزِّيادةُ. وقال الترمذيُّ: هذا أصَحُّ (٣). وابن إسحاقَ تفرَّدَ بهذه اللفظةِ بهذا الإسنادِ. وحديث عُبادةَ يَرويهِ الزُّهْريُّ، وهو أعلَمُ الناسِ بألفاظِ ما يَرويهِ وأحكامِه الفقهيَّة، وهو يُفتي بعدمِ القراءةِ خلفَ الإمامِ في الجهريَّة، كما رواهُ عنه مَعْمَرٌ (٤)، ولو صحَّ عنه المعنى في حديث عُبادةَ أو صَحَّ عندَهُ ما رواه ابنُ إسحاقَ، لَعَمِلَ به. وفي حديثِ مكحولٍ اضطرابٌ أيضًا، فتارةً يَرويهِ عن محمودِ بنِ الربيع، ومرَّةً عن ابنِه نافعِ بنِ محمودٍ، ومرَّةً عن عُبادةَ بنِ الصامتِ؛ وهذا لا يُحتمَلُ في مثلِ هذا الحديثِ. وقد ضعَّفَ حديثَ عُبادةَ أحمدُ وابن عبد البَرِّ وغيرُهما.

стр. 1364

وله طريقٌ أُخرى عندَ أحمدَ؛ مِن حديثِ خالدٍ الحَذَّاء، عن محمدِ بنِ أبي عائشةَ، عن رجلٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ ، مرفوعًا؛ قال: (لَعَلَّكُمْ تَقرَؤُونَ وَالإِمَامُ يَقْرَأُ) - مَرَّتَيْن، أَو ثَلَاثًا - قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إِنَّا لنَفْعَلُ، قَالَ: (فَلَا تَفْعَلُوا، إِلَّا أَنْ يَقْرَأَ أَحَدُكُمْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) (١). وقد خالَفَ أيُّوبُ فيها خالدًا الحذَّاءَ, فرواهُ عن أبي قلابةَ وأرسَلَهُ كما رواهُ البخاريُّ في "التاريخِ" (٢)، وهو أصحُّ؛ فأيوبُ أثبَتُ مِن خالدٍ. ورجَّحَ الإرسالَ الدارقطنيُّ (٣). وصوَّبَ أبو حاتمٍ الوصلَ عن خالدٍ, عن أبي قلابةَ، عن محمدٍ، به، لكنَّه لم يذكُرْ مَتْنَهُ (٤). ولو صَحَّ مسنَدًا؛ كما رواهُ أحمدُ (٥)، والبخاريُّ في "التاريخِ" (٦)، عن إسماعيلَ، وابنُ أبي شيبةَ عن هُشَيْمٍ (٧)؛ كلاهُما عن خالدٍ الحذَّاءِ؛ أنه سأَل أبا قِلابةَ: ممَّن سَمِعَهُ؟ فقال: مِن محمدِ بنِ أبي عائشةَ -: فقد ساقَ المتنَ أحمدُ في "عِلَلِه"، وأحالَهُ إلى متنِ المُرسَل، وفيه: "فَلَا تَفْعَلُوا"، وليس فيه: "إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ"، والبخاريُّ لم يَذكُرْ مَتْنَه. وليس فيه أيضًا تصريحُ روايةِ محمدِ بنِ أبي عائشةَ عن أحدٍ، وقد يكون عنه مرسَلًا، ولو صحَّتْ، لَمَا ترَكَ البخاريُّ الاحتجاجَ بها ولو معلَّقةً كعادتِه.

стр. 1365

ورواهُ أبو يَعْلَى، عن مَخْلَدِ بنِ أبي زُمَيْلٍ؛ ثنا عُبيدُ اللهِ بن عمرٍو الرَّقِّيُّ، عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ، عن أنسٍ؛ بنحوِه (١). وهو غلطٌ جرَى فيه على الجادَّة، والصحيحُ فيه عن أيوبَ المرسَلُ، وقال البخاريُّ: "لا يصحُّ عن أنسٍ" (٢)، ومع أنَّ البخاريَّ يقولُ به، فأَعَلَّهُ؛ لأنَّ مِثلَهُ لا يُنتصَرُ به؛ لشذوذِهِ. والخطأُ فيه مِن عُبَيْدِ اللهِ؛ كما قالهُ البخاريُّ، وأبو حاتمٍ (٣)، وابنُ عديِّ (٤)، واللهُ أعلَمُ. * * * قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. جاءت هذه الآيةُ بعد الأمرِ بالإنصاتِ عندَ سَماعِ القرآن ممَّن يَتلُوه، ثم ذَكَرَ تلاوةَ الإنسانِ للقرآن في نَفْسِه لنفسِه، فكما تُشرَعُ قراءتُه للسامِعِين، فتُشرَعُ قراءتُه للنَّفْس، وأمَرَ اللهُ بالتضرُّعِ والخشيةِ عندَ قراءتِه، وهذا يتضمَّنُ الأخذَ بأسبابِ ذلك؛ مِن التَّغَنِّي بالقرآن، وتدبُّرِ معانيه، وحضورِ القلبِ معها. وظاهِرُ الآيةِ: أنه تُشرَعُ قراءةُ القرآنِ مع تذلُّلٍ وخشوعٍ لا مع لَهْوٍ ولَعِبٍ وضحكٍ، فالتضرُّعُ هو التذلُّل، ويكونُ هذا في الذِّكْرِ والدُّعاءِ جميعًا، كما في قولِه تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥].

стр. 1366

وأمَرَ اللهُ أن يكونَ الذِّكرُ للنَّفْس وسَطًا لا جهرًا ولا إسرارًا، وهذا في الذِّكْرِ والقراءة، كما في الآية وكما في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]. مشروعيةُ الذِّكْرِ وقراءةِ القرآنِ في الصَّباحِ والمَسَاءِ: وقولُه تعالى: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ يتضمَّنُ مشروعيةَ الذِّكرِ وقراءةِ القرآن في الصباح والمساء، وأن يكونَ للمسلمِ وِرْدٌ مِن ذلك، فالغُدُوُّ هو البُكورُ والإصباحُ، وأما الآصالُ فالعَشِيُّ. ولا يختلِفُ السلفُ أنَّ أذكارَ الصباحِ تكونُ بعد طلوعِ الفَجْر، وأنَّ ما قَبْلَها فهو مِن أذكارِ الليل، والسُّنَّةُ والأثَرُ دالَّانِ على أنَّهم يَذكُرونَ أذكارَ الصباحِ بعد صلاةِ الفَجْر، ومَن ذَكَرَها قبلَ ذلك جاز، وقد فَسَّرَ مجاهِدٌ الغُدُوَّ في الآيةِ بأنه آخِرُ الفجر، وهو وقتُ صلاةِ الصبح. ويمتَدُّ الصباحُ إلى نهايةِ الضُّحى، والسُّنَّةُ: التبكيرُ بالذِّكرِ؛ لأنَّ فيه حِرْزًا وحِصنًا وكِفاية، ففَضْلُه في أوَّلِ وقتِه شبيهٌ بفضلِ الصلاة أوَّلَ وقتِها، وإنْ أَخَّرَها لآخِرِه صحَّ ذلك وجازَ. وأمَّا العَشِيُّ - وهو الآصالُ في الآية - فقد اختلَفَ السلفُ فيه: فمِنهم مَن جعلَه يبدأُ مِن العَصْرِ؛ وهو قولُ مجاهدٍ. ومِنهم مَن جعلَه يبدأُ مِن مَغِيبِ الشمس؛ كأبي وائلٍ، وبه قال ابنُ جريرٍ، ونسَبَه إلى العرب، قال معرّفُ بن واصلٍ السَّعديُّ: سمعتُ أبا وائلٍ -يعني: شَقِيقَ بنَ سَلَمَةَ- يقولُ لغُلَامِه عندَ مغيبِ الشمس: "آصَلْنا بعدُ؟ "؛ يعني: دَخَلْنا في الأصيل؟

стр. 1367

وظاهِرُ الأدلَّةِ: أنَّ وقتَ الاختيارِ لأذكارِ الصباحِ كوقتِ صلاةِ الصبح؛ يبتدِئُ بطلوعِ الفَحر، وينتهي بطُلوعِ الشمس، ووقتُ أذكارِ المساء كوقتِ صلاة العصرِ؛ يبتدئُ بدخولِ وقتِها وينتهي بغُروبِ الشمس. واللهُ أعلَم. * * *

стр. 1368

سُورَةُ الأَنفَالِ عامَّةُ العلماءِ: على أنَّ سورةَ الأنفالِ مَدَنِيَّةٌ، وقد نزَلتْ على النبيِّ ﷺ يومَ بدرٍ في السَّنةِ الثانية، وجاءَ عن ابنِ عبَّاسٍ أنه يُسمِّيها سورةَ بدرٍ؛ كما في "صحيحِ مسلمٍ" (١)، ومنهم مَن قال في بعضِ آياتِها: إنِّها مكيَّةٌ، وهي قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠]. قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]. النَّفَلُ: الزِّيادةُ، ونافلةُ الشيءِ: ما زادَ عنه، ومِن ذلك: نافلةُ القول، ونافلةُ الصلاة، وهي: ما زادَ عن واجبِ القولِ وعن فريضةِ الصلاة، وتقولُ العربُ: نَفَّلْتُكَ كذا؛ يعني: زِدتُّك، وتُسمِّي العربُ ولَدَ الولدِ نافلةً؛ يعني: زيادةَ بَرَكَةٍ في العطاءِ للجَدِّ؛ كما قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢]. وقد ثبت في نزولِ هذه الآيةِ ما في مسلمٍ؛ مِن حديثِ مُصْعَبِ بنِ سعدٍ، عن أبِيه، قال: "نَزَلَتْ فِيَّ أَرْبَعُ آيَاتٍ: أَصَبْتُ سَيْفًا، فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، نَفِّلْنيه، فَقَالَ: (ضَعْهُ)، ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : (ضَعْهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ)، ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ: نَفِّلْنِيهِ يَا رَسُولَ الله،

стр. 1369

فَقَالَ: (ضَعْهُ)، فَقَامَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، نَفِّلْنِيه، أَأُجْعَلُ كَمَنْ لَا غَنَاءَ لَهُ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : (ضَعْهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ)، قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١). معنى الأَنْفَالِ: والأنفالُ: ما زادَ عمَّا في أَيدِي المُقاتِلينَ مِن مالٍ وعُدَّةٍ، فهم وجَبَ عليهم الجهادُ بما في أيدِيهِم، ثم رزَقَهم اللهُ فوقَ ذلك مِن العدوِّ مالًا، وكذلك فالمالُ المأخوذُ مِن الكفَّارِ زائدٌ عن شريعةِ اللهِ المفروضة، وهي قتالُهم وجهادُهم، فلم تكنِ الأنفالُ مقصودةً بعَينِها، ولا مطلوبةً في القتالِ بنفسِها. وقد سمَّى اللهُ المالَ المأخوذَ مِن الكفَّارِ بأسماءٍ، منها: الأنفالُ، والغنائمُ، والفَيْءُ، والسَّلَبُ، والجِزْيَةُ، والخَرَاجُ، وبينَ هذه الأسماءِ عمومٌ وخصوصٌ؛ مِن جهةِ اللُّغة، وفي اصطِلاحِ الشرع، وقد يُطلَقُ بعُضُها على بعضٍ؛ ولهذا استُعْمِلَتْ في بعضِ نصوصِ الوحيِ والأثرِ بما يُفيدُ جوازَ كونِها على معنًى واحدٍ بِحَسَبِ السِّياقِ؛ كالفَيْءِ والسَّلَبَ والنَّفَلِ قد يُسمَّى غنيمةً باعتبارِ أنه غُنْمٌ غَنِمُوهُ مِن الكفار، وكالغنيمةِ والفَيْءِ والسَّلَبِ قد يسمَّى نَفَلًا باعتبارِ كونِهِ مِن المالِ الزائدِ عمَّا في أيدِيهِم عندَ قتالِهم؛ فامْتَنَّ اللهُ به عليهم، ومِن ما اختلَفَ قولُ السلفِ والأئمَّةِ في تعيينِ نوعِ المرادِ مِن الأنفالِ في هذه الآيةِ: فمنهم: مَن جعَلَهُ في كلِّ مالٍ يأخُذُهُ المُسلِمونَ مِن الكافِرِينَ بغيرِ قتالٍ؛ كالبعرِ الشاردِ والخيلِ الشاذِّ منهم إلى المُسلِمينَ، فجعلوا الزِّيادةَ هنا في المالِ ممَّا لم يكنْ بقتالٍ، فكان نافلةً فوقَ نافلةِ الغنيمة، والغنيمةُ

стр. 1370

نافلةٌ باعتارِ أنَّها قَدْرٌ زائدٌ عمَّا في أيدِيهِم؛ فصارَتِ الأنفالُ بمعنى الفَيْءِ عند الفُقهاءِ؛ كما صارَ كلُّ المالِ نَفَلًا، صحَّ أنَّ الأنفالَ هي كلُّ مالٍ مُغتنَمٍ مِن الكفارِ بقتالٍ أو غيرِهِ؛ عن ابنِ عبَّاسٍ وجماعةٍ مِن أصحابِه. وقد جاء عن ابنِ عبَّاسٍ: حملُ الأنفالِ على معنًى خاصٍّ، وهو ما يُعطيهِ الإمامُ الغارِيَ أو غيرَهُ مِن الغنيمةِ بعدَ قِسْمتِها (١). وقد امتَنَّ اللهُ على المُسلِمينَ بحِلِّ الغنائمِ ولم تكنْ مباحةً مِن قبلُ لأحدٍ مِن الأُمَمِ؛ ولذا سمَّاها اللهُ نافلةً؛ لإظهاَرِ أنَّها ليستْ فيمَن قبَلَهم كذلك، فجاءتْ زائدةً على شريعةِ مَن سبَقَ؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي) (٢). ومنهم: مَن جعَلَ الأنفالَ الخُمُسَ؛ لأنَّه قدرٌ زادَ عن المفروضِ للغازي؛ وبهدا قال مجاهدٌ (٣)؛ وهو قولُ مالكٍ. ومنهم: مَن جعَلَ الأنفالَ كلَّ ما زادَ مِن المالِ المضروبِ لبعضِ السَّرَايَا ممَّا تزيدُ به على الجيشِ المُقاتِلِ؛ لخصيصةٍ فيها؛ مِن شدَّةِ بأسٍ، وخطورةِ مكانٍ، وتتبُّعِ للعدوِّ وتربُّصٍ به، ويدخُلُ في ذلك سَلَبُ القتيلِ؛ فسُمِّيَ ذلك نَفَلًا؛ لأنَّه قَدْرٌ زائدٌ عن الغنيمةِ التي يَشْرَكُونَ فيها غيرَهم؛ صحَّ هذا المعنى عن ابنِ عبَّاسٍ؛ رواهُ القاسمُ بن محمدٍ عنه؛ أخرَجَهُ عبدُ الرزَّاقِ والطبري (٤). ويَلحَقُ بهذا المعنى كلُّ زيادةٍ يَريدُها الإمامُ لأحدٍ مِن المُقاتِلِينَ لخصيصةٍ استحَقَّ بها ذلك؛ فإنَّه يجوزُ للإمامِ أنْ يَزيدَ العطاءَ للسَّريَّةِ أو
следующие страницы →