← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

وأمَرَ اللهُ أن يكونَ الذِّكرُ للنَّفْس وسَطًا لا جهرًا ولا إسرارًا، وهذا في الذِّكْرِ والقراءة، كما في الآية وكما في قولِه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]. مشروعيةُ الذِّكْرِ وقراءةِ القرآنِ في الصَّباحِ والمَسَاءِ: وقولُه تعالى: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ يتضمَّنُ مشروعيةَ الذِّكرِ وقراءةِ القرآن في الصباح والمساء، وأن يكونَ للمسلمِ وِرْدٌ مِن ذلك، فالغُدُوُّ هو البُكورُ والإصباحُ، وأما الآصالُ فالعَشِيُّ. ولا يختلِفُ السلفُ أنَّ أذكارَ الصباحِ تكونُ بعد طلوعِ الفَجْر، وأنَّ ما قَبْلَها فهو مِن أذكارِ الليل، والسُّنَّةُ والأثَرُ دالَّانِ على أنَّهم يَذكُرونَ أذكارَ الصباحِ بعد صلاةِ الفَجْر، ومَن ذَكَرَها قبلَ ذلك جاز، وقد فَسَّرَ مجاهِدٌ الغُدُوَّ في الآيةِ بأنه آخِرُ الفجر، وهو وقتُ صلاةِ الصبح. ويمتَدُّ الصباحُ إلى نهايةِ الضُّحى، والسُّنَّةُ: التبكيرُ بالذِّكرِ؛ لأنَّ فيه حِرْزًا وحِصنًا وكِفاية، ففَضْلُه في أوَّلِ وقتِه شبيهٌ بفضلِ الصلاة أوَّلَ وقتِها، وإنْ أَخَّرَها لآخِرِه صحَّ ذلك وجازَ. وأمَّا العَشِيُّ - وهو الآصالُ في الآية - فقد اختلَفَ السلفُ فيه: فمِنهم مَن جعلَه يبدأُ مِن العَصْرِ؛ وهو قولُ مجاهدٍ. ومِنهم مَن جعلَه يبدأُ مِن مَغِيبِ الشمس؛ كأبي وائلٍ، وبه قال ابنُ جريرٍ، ونسَبَه إلى العرب، قال معرّفُ بن واصلٍ السَّعديُّ: سمعتُ أبا وائلٍ -يعني: شَقِيقَ بنَ سَلَمَةَ- يقولُ لغُلَامِه عندَ مغيبِ الشمس: "آصَلْنا بعدُ؟ "؛ يعني: دَخَلْنا في الأصيل؟

стр. 1367

وظاهِرُ الأدلَّةِ: أنَّ وقتَ الاختيارِ لأذكارِ الصباحِ كوقتِ صلاةِ الصبح؛ يبتدِئُ بطلوعِ الفَحر، وينتهي بطُلوعِ الشمس، ووقتُ أذكارِ المساء كوقتِ صلاة العصرِ؛ يبتدئُ بدخولِ وقتِها وينتهي بغُروبِ الشمس. واللهُ أعلَم. * * *

стр. 1368

سُورَةُ الأَنفَالِ عامَّةُ العلماءِ: على أنَّ سورةَ الأنفالِ مَدَنِيَّةٌ، وقد نزَلتْ على النبيِّ ﷺ يومَ بدرٍ في السَّنةِ الثانية، وجاءَ عن ابنِ عبَّاسٍ أنه يُسمِّيها سورةَ بدرٍ؛ كما في "صحيحِ مسلمٍ" (١)، ومنهم مَن قال في بعضِ آياتِها: إنِّها مكيَّةٌ، وهي قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠]. قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]. النَّفَلُ: الزِّيادةُ، ونافلةُ الشيءِ: ما زادَ عنه، ومِن ذلك: نافلةُ القول، ونافلةُ الصلاة، وهي: ما زادَ عن واجبِ القولِ وعن فريضةِ الصلاة، وتقولُ العربُ: نَفَّلْتُكَ كذا؛ يعني: زِدتُّك، وتُسمِّي العربُ ولَدَ الولدِ نافلةً؛ يعني: زيادةَ بَرَكَةٍ في العطاءِ للجَدِّ؛ كما قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢]. وقد ثبت في نزولِ هذه الآيةِ ما في مسلمٍ؛ مِن حديثِ مُصْعَبِ بنِ سعدٍ، عن أبِيه، قال: "نَزَلَتْ فِيَّ أَرْبَعُ آيَاتٍ: أَصَبْتُ سَيْفًا، فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، نَفِّلْنيه، فَقَالَ: (ضَعْهُ)، ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : (ضَعْهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ)، ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ: نَفِّلْنِيهِ يَا رَسُولَ الله،

стр. 1369

فَقَالَ: (ضَعْهُ)، فَقَامَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، نَفِّلْنِيه، أَأُجْعَلُ كَمَنْ لَا غَنَاءَ لَهُ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : (ضَعْهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ)، قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١). معنى الأَنْفَالِ: والأنفالُ: ما زادَ عمَّا في أَيدِي المُقاتِلينَ مِن مالٍ وعُدَّةٍ، فهم وجَبَ عليهم الجهادُ بما في أيدِيهِم، ثم رزَقَهم اللهُ فوقَ ذلك مِن العدوِّ مالًا، وكذلك فالمالُ المأخوذُ مِن الكفَّارِ زائدٌ عن شريعةِ اللهِ المفروضة، وهي قتالُهم وجهادُهم، فلم تكنِ الأنفالُ مقصودةً بعَينِها، ولا مطلوبةً في القتالِ بنفسِها. وقد سمَّى اللهُ المالَ المأخوذَ مِن الكفَّارِ بأسماءٍ، منها: الأنفالُ، والغنائمُ، والفَيْءُ، والسَّلَبُ، والجِزْيَةُ، والخَرَاجُ، وبينَ هذه الأسماءِ عمومٌ وخصوصٌ؛ مِن جهةِ اللُّغة، وفي اصطِلاحِ الشرع، وقد يُطلَقُ بعُضُها على بعضٍ؛ ولهذا استُعْمِلَتْ في بعضِ نصوصِ الوحيِ والأثرِ بما يُفيدُ جوازَ كونِها على معنًى واحدٍ بِحَسَبِ السِّياقِ؛ كالفَيْءِ والسَّلَبَ والنَّفَلِ قد يُسمَّى غنيمةً باعتبارِ أنه غُنْمٌ غَنِمُوهُ مِن الكفار، وكالغنيمةِ والفَيْءِ والسَّلَبِ قد يسمَّى نَفَلًا باعتبارِ كونِهِ مِن المالِ الزائدِ عمَّا في أيدِيهِم عندَ قتالِهم؛ فامْتَنَّ اللهُ به عليهم، ومِن ما اختلَفَ قولُ السلفِ والأئمَّةِ في تعيينِ نوعِ المرادِ مِن الأنفالِ في هذه الآيةِ: فمنهم: مَن جعَلَهُ في كلِّ مالٍ يأخُذُهُ المُسلِمونَ مِن الكافِرِينَ بغيرِ قتالٍ؛ كالبعرِ الشاردِ والخيلِ الشاذِّ منهم إلى المُسلِمينَ، فجعلوا الزِّيادةَ هنا في المالِ ممَّا لم يكنْ بقتالٍ، فكان نافلةً فوقَ نافلةِ الغنيمة، والغنيمةُ

стр. 1370

نافلةٌ باعتارِ أنَّها قَدْرٌ زائدٌ عمَّا في أيدِيهِم؛ فصارَتِ الأنفالُ بمعنى الفَيْءِ عند الفُقهاءِ؛ كما صارَ كلُّ المالِ نَفَلًا، صحَّ أنَّ الأنفالَ هي كلُّ مالٍ مُغتنَمٍ مِن الكفارِ بقتالٍ أو غيرِهِ؛ عن ابنِ عبَّاسٍ وجماعةٍ مِن أصحابِه. وقد جاء عن ابنِ عبَّاسٍ: حملُ الأنفالِ على معنًى خاصٍّ، وهو ما يُعطيهِ الإمامُ الغارِيَ أو غيرَهُ مِن الغنيمةِ بعدَ قِسْمتِها (١). وقد امتَنَّ اللهُ على المُسلِمينَ بحِلِّ الغنائمِ ولم تكنْ مباحةً مِن قبلُ لأحدٍ مِن الأُمَمِ؛ ولذا سمَّاها اللهُ نافلةً؛ لإظهاَرِ أنَّها ليستْ فيمَن قبَلَهم كذلك، فجاءتْ زائدةً على شريعةِ مَن سبَقَ؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي) (٢). ومنهم: مَن جعَلَ الأنفالَ الخُمُسَ؛ لأنَّه قدرٌ زادَ عن المفروضِ للغازي؛ وبهدا قال مجاهدٌ (٣)؛ وهو قولُ مالكٍ. ومنهم: مَن جعَلَ الأنفالَ كلَّ ما زادَ مِن المالِ المضروبِ لبعضِ السَّرَايَا ممَّا تزيدُ به على الجيشِ المُقاتِلِ؛ لخصيصةٍ فيها؛ مِن شدَّةِ بأسٍ، وخطورةِ مكانٍ، وتتبُّعِ للعدوِّ وتربُّصٍ به، ويدخُلُ في ذلك سَلَبُ القتيلِ؛ فسُمِّيَ ذلك نَفَلًا؛ لأنَّه قَدْرٌ زائدٌ عن الغنيمةِ التي يَشْرَكُونَ فيها غيرَهم؛ صحَّ هذا المعنى عن ابنِ عبَّاسٍ؛ رواهُ القاسمُ بن محمدٍ عنه؛ أخرَجَهُ عبدُ الرزَّاقِ والطبري (٤). ويَلحَقُ بهذا المعنى كلُّ زيادةٍ يَريدُها الإمامُ لأحدٍ مِن المُقاتِلِينَ لخصيصةٍ استحَقَّ بها ذلك؛ فإنَّه يجوزُ للإمامِ أنْ يَزيدَ العطاءَ للسَّريَّةِ أو

стр. 1371

للجيشِ أو لبعضِهم؛ لخصيصةٍ فيه، لا لمجرَّدِ الهوى والقُرْبَى؛ ففي "الصحيحَيْنِ" عن ابنِ عمرَ ﵄؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ بعَثَ سَرِيَّةً فِيهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا إِبِلًا كَثِيرَةً، فَكَانَتْ سِهَامُهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِرًا، أَو أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا (١). فجعَل النافلةَ ما زادَ عن سِهَامِهم في الغنيمةِ؛ وذلك أنَّ الأنفالَ هي كلُّ إحسانٍ وفضلٍ فعَلَهُ فاعلٌ لأحدٍ تفضُّلًا منه عليه مِن غيرِ أنْ يجبَ ذلك على الفاعل، وسُمِّيَ ما أُعطِيَ فوقَ الغنيمةِ نَفَلًا؛ لأنَّه قَدْرٌ زادَ به على غيرِه مِن الجيشِ. ومنهم: مَن خصَّصَ الغنيمةَ بما أُخِذَ بقوَّةٍ وغَلَبةٍ وقتالٍ وقهرٍ للمُشرِكِينَ، وما خرَجَ عن ذلك كالبعيرِ الشاردِ والفرسِ الشاذّ، فكلُّه نَفَلٌ؛ صحَّ هذا عن عطاءٍ (٢)، وبه فسَّرَهُ أبو عُبَيْدٍ القاسمُ بن سلَّامٍ. وهذا قد يُرادُ في الآية، لا في جميعِ مواضعِ ما سمَّاهُ الشارعُ نَفَلًا؛ فقد كانتِ الغنيمةُ تُسمَّى نَفَلًا؛ كما في "الصحيحينِ"؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ؛ قال: "قَسَمَ النبيُّ ﷺ النَّفَلَ: لِلْفَرَسِ سَهْمَيْن، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا" (٣). ومنهم: مَن جعَلَ الأنفالَ هي الخُمُسَ فقطْ، وجعَلَها معلومةً قبلَ آيةِ الغنيمة، وأنَّ السؤالَ كان عنها؛ صحَّ هذا مِن مُرسَلِ مجاهدٍ، رواهُ عنه ابنُ أبي نَجِيحٍ (٤). ومَن نظَر إلى معنى الأنفال، وجَدَ أنَّ لها معنًى خاصًّا ومعنًى عامًّا،

стр. 1372

كما ورَدَ المَعْنيانِ عن الصحابةِ كابنِ عبَّاسٍ وغيرِه، وأنَّ معانيَ الأنفالِ تتحقَّقُ جميعًا في كثيرٍ مِن النصوصِ مِن جههٍ اللُّغةِ وسياقِ الآيات، وإنْ كانتْ بعضُ سياقاتِ الآياتِ والأحاديثِ تعيِّنُ أحدَ هذه الأنواع؛ كالغنيمةِ بأنَّه ما أُخِذَ بقتالٍ؛ فذلك لا يُخرِجُها عن دخولِها فيما تشترِكُ فيه مِن المعاني؛ كالنفقةِ والصدَقةِ والزَّكاة والهِبَةِ والعطاء، وكلُّها مَعانٍ تشتركُ في معنًى، وتختلفُ كلُّ واحدةٍ عن الأُخرى بنوعٍ يختصُّ بها، وقد يتَّفقُ بعضُها مع بعضٍ في المعنى في بعضِ المواضعِ مِن القرآنِ كالنفقةِ والصدقةِ؛ فهي شاملةٌ لذلك كلِّه في كثيرٍ مِن مواضعِ القرآنِ والسُّنَّةِ. وروى أبو داودَ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: "قال رسولُ اللهِ ﷺ يومَ بدرٍ: (مَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَلَهُ مِنَ النَّفَلِ كَذَا وَكَذَا)، قَالَ: فَتَقَدَّمَ الْفِتْيَانُ، وَلَزِمَ المَشْيَخَةُ الرَّايَاتِ فلَمْ يَبْرَحُوهَا، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيهِمْ، قَالَ المَشْيَخَةُ: كُنَّا رِدْءًا لَكُمْ؛ لَوِ انْهَزَمْتُمْ لَفِئْتُمْ إِلَيْنَا، فَلَا تَذْهَبُوا بِالمَغنَمِ وَنَبْقَى، فَأَبَى الْفِتْيَانُ، وَقَالُوا: جَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَنَا، فأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ إلى قولِهِ: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال: ٥]؛ يَقُولُ: فَكَانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُمْ، فَكَذَلِكَ أَيْضًا فَأَطِيعُونِي؛ فَإِنِّي أَعْلَمُ بِعَاقِبَةِ هَذَا مِنْكُمْ" (١). وقد أعطى النبيُّ ﷺ يومَ بَدْرٍ مِن الغنيمةِ بعضَ مَن لم يُقاتِلْ ولم يحضُرِ القتالَ كعثمانَ بنِ عفَّانَ؛ لأنَّه تخلَّفَ بإذنِ رسولِ اللهِ ﷺ يمرِّضُ زوجتَهُ ابنةَ الرسولِ ﷺ ، وأعطى طلحةَ وسعيدَ بنَ زيدٍ؛ لأنَّه بعَثَهما يَتجسَّسانِ على عِيرٍ لقريشٍ في طريقِ الشام، وهؤلاءِ مُهاجِرونَ، وأعطى مِن الأنصارِ أبا لُبَابةَ بنَ المُنذِرِ؛ لأنَّه خليفتُهُ على المدينة، وعاصمًا، والحارثَ بنَ حاطبٍ، والحارثَ بنَ الصِّمَّة، وخَوَّاتَ بنَ جُبَيْرٍ، وكلُّ

стр. 1373

واحدٍ مِن هؤلاء جعَلَهُ النبيُّ ﷺ في مهمَّةٍ، وربَّما نازَعَ بعضُ الصحابةِ فيهم، فأرادُوا مِثلَهم. أثرُ الغنائمِ على نفوسِ المُجاهدِينَ: وقد سُمِّيَتِ الغنائمُ التي يَغنَمُها المُسلِمونَ مِن المشرِكينَ في قتالِهم أنفالًا؛ لأنَّها لم تكنْ مطلوبةً بعَيْنِها، ولا مقصودةً بِنَفْسِها، فلم يُبعَثُوا جُبَاةٌ ولا مُغتصِبِين؛ وإنَّما داعِينَ إلى الله، ومُرغِمينَ للكافرِين، فزادَهُم اللهُ على ذلك المَقصَدِ هذا المالَ المُغتنَمَ؛ وفي هذا دليلٌ على عِظَمِ المَقصَدِ في الجهاد، وخطرِ فصورِ النيَّةِ وضَعْفِها في المجاهِدِين، فمَن عرَفَ الغايةَ والمَقصَدَ مِن القتال، أقدَمَ عليها لا على غيرِها، ولم يَمنَعْهُ عدمُ الغنيمةِ مِن الجهاد، ولا يجعلُهُ يُنشِئُ الجهادَ ليَغنَمَ؛ لأنَّها نافلةٌ وزائدةٌ امتَنَّ اللهُ بها على المُسلِمينَ، وإذا تغيَّرَتِ الأولويَّاتُ وانقلَبَتِ المقاصدُ, تنازَعَ الناسُ على الغنيمة، وسفَكَ بعضُهم دمَ بعضِ لأَجْلِها، وإذا اقتتَلَ المُجاهِدونَ على الغنائم، فهذه علامةٌ على صَعْفِ القصد، وجعلِ المالِ أصلًا، والإسلامِ نَفْلًا، والأصلُ أنَّ اللهَ حَفِظَ الإسلامَ أصلًا، والمالَ نَفْلًا، ولم يُشرَعِ الجهادُ إلَّا لإعلاءِ كلمةِ اللهِ وعصمةِ المُسلِمينَ ودمائِهم بكسرِ شَوْكةِ الكافرِين، وسفكُ المُسلِمينَ دماءَ بعضٍ لأجلِ الغنيمةِ علامةٌ ظاهرةٌ على أنَّ الغنائمَ ليستْ أنفالًا، بل غاياتٌ مقصودةٌ، استتَرَتْ برِفْعةِ الإسلامِ وعلوِّ شأنِه، فلِلنَّفْسِ دفينٌ مِن مقاصدِ السُّوءِ يُظهِرُهُ الطمعُ. وقد كان بعضُ الصحابةِ ربَّما اختلَفُوا في الغنيمة، واشتَكَى بعضُهم إلى النبيِّ ﷺ ، ولكنَّهم لإيمانِهم ما كانوا يَتقاتلُونَ ولا يَتقاطعُونَ ولا يَتفرَّقُونَ عن جماعةٍ واحدةٍ إلى جماعاتٍ ﵃. وقد تقدَّمَ مزيدُ كلامٍ عن بعضِ العِلَلِ في تشريعِ اللهِ للغنائمِ وتنفيلِ المُسلِمينَ لها وحُرْمتِها على السابقينَ، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ

стр. 1374

الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وعندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ٧٤]؛ فلْيُنظَرْ. ولمَّا كانتِ الدُّنيا مَحَلَّ طمعٍ، والأنفالُ موضعًا للأثَرَةِ والتكثُّرِ؛ بيَّنَ اللهُ أمورًا أربعةً: الأوَّلُ: أنَّ مِلْكَها وفَصْلَها وتقسيمَها إلى اللهِ ورسولِه: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾؛ فلا تُقَسَمُ بالهَوَى ومَيْلِ النفسِ. الثاني: فضلُ التقوى والأمرُ بها: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ وهو عامٌّ لقاسِمِ الغنيمةِ ومُستحِقِّها والمنازعِ عليها؛ فكلُّ أحدٍ يتَّقي اللهَ فيما وجَبَ عليه وله؛ فالقاسمُ يَعدِلُ، والآخِذُ يَستعمِلُ المالَ في حقِّه، ويَضَعُهُ في مَوْضعِه، ولا يَرفَعُهُ فوقَ منزلتِهِ التي أنزَلَهُ اللهُ إيَّاها؛ فيكونَ غايةً ومطلوبًا أعظَمَ مِن إعلاءِ كلمةِ الله، وكذلك يُؤمَرُ المنازعُ الطامِعُ فيها يَزيدُ عن حقِّه أنْ يَتَّقِيَ اللهَ في أمرِ اللهِ وحُكْمِهِ؛ فلا يأخُذَ حقَّ غيرِهِ ومالَه. الثالثُ: فضلُ الإصلاحِ والأمرُ به: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾؛ لأنَّ المالَ: إمَّا أنْ يُصلِحَ، وإمَّا أنْ يُفسِدَ؛ فإنْ أفسَدَ ذاتَ البَيْن، فيجبُ الإصلاحُ بينَ المُتباغِضِينَ لأجلِه، وبيانُ الحقوقِ وفصلُها بينَ المُتحاقِقينَ. الرابعُ: الأمرُ بطاعةِ اللهِ وطاعةِ نبيِّه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ لأنَّ وجودَ الدُّنيا والمالِ مَظِنَّةٌ لوجودِ الهَوَى المُطاعِ والشُّحِّ المُتَّبَعِ. نَسْخُ آيةِ الأنفالِ وإحكامُها: وهذه الآيةُ أوَّلُ ما نزَلَ مِن أحكامِ الغنائم، وجاء مزيدُ تفصيلٍ بعدَ ذلك بقولِهِ تعالى في هذه السُّورةِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآيةَ [الأنفال: ٤١]، وقد اختلَفَ العلماءُ في آيةِ الغنيمةِ: هل هي ناسخةٌ لآيةِ الأنفالِ أو لا؟ على قولَيْنِ:

стр. 1375

القولُ الأوَّلُ: القولُ بالنَّسْخِ؛ صحَّ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ (١)، ويُروى عن مجاهدٍ وعِكْرِمةَ (٢)، وبه قال أبو عُبَيْدِ القاسمُ بن سلَّامِ (٣)، وقد يسمِّي بعضُ السلفِ التخصيصَ نسخًا. القولُ الثاني: القولُ بأنَّ الآيتَيْنِ مُحْكَمتان، وحمَلُوا آيةَ الأنفالِ على مَحامِلَ: منها: أنَّها مُجمَلةٌ، وآيةُ الغنيمةِ مفسِّرةٌ مبيِّنةٌ لها، وكلاهُما مُحْكَمٌ؛ فكانتِ الغنيمةُ كلُّها أنفالًا لرسولِ اللهِ ﷺ ، ثم جعَلَ اللهُ له منها الخُمُسَ نافلةً، والباقيَ للغُزاةِ كما في آيةِ الغنائمِ التالِيةِ؛ فآيةُ الغنائمِ خصَّصَتْ وما نسَخَتْ على هذا القولِ. ومنها: أنَّ السؤالَ عن الأنفالِ كان عن نافلةِ الخُمُس، لا عن أصلِ الغنيمةِ؛ فجعَلُوا حُكْمَ الغنيمةِ معلومًا قبلَ ذلك بغيرِ القرآنِ؛ وإنَّما يُريدونَ النافلةَ مِن الخُمُسِ؛ وعلى هذا لم تكنْ آيةُ الأنفالِ منسوخةً؛ كما روَى ابنُ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ؛ أنَّهم سأَلوا رسولَ اللهِ ﷺ عن الخُمُسِ بعدَ الأربعةِ الأخماس، فنزَلتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ (٤). ولم يَثبُتْ أنَّ الغنائمَ كانتْ تُخمَّسُ ومعلومةَ الفصلِ في غزوةِ بدرٍ قبلَ نزولِ آيةِ الأنفالِ. ومنها: أنَّ الأنفالَ ما شَذَّ مِن أموالِ المشركينَ بغيرِ قتالٍ؛ كالبعيرِ الشارِدِ والفرسِ الشاذَّة، وكان سؤالُ الصحابةِ عن تلك الأنفال، لا عن أصلِ الغنيمةِ؛ كما صحَّ عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾؛ قال: يَسألونَكَ فيما شَذَّ مِن المشركينَ إلى المُسلِمينَ في غيرِ قتالٍ؛ مِن دابَّةٍ أو عبدٍ أو أَمَةٍ أو متاعٍ؛ فهو نفَلٌ للنبيِّ ﷺ يَصنَعُ به ما يشاءُ (٥).

стр. 1376

وإنَّما رجَّحَ بعضُهم النَّسْخَ؛ لأنَّ اللهَ قسَّمَ الغنيمةَ بعدَ آيةِ الأنفال، وآيةُ الأنفالِ جعَلَتِ المَغنَمَ كلَّه للهِ ورسولِهِ مِلْكًا؛ وهذا لا يَجْعَلُ فيه لغيرِهم حقًّا مقسومًا محدودًا، وكذلك فإنَّ في آيةِ قسمةِ الغنيمةِ الآتيةِ تقسيمًا للغنيمةِ وجَعْلَ خمُسِها للهِ ولرسولِهِ ولذي القُربى واليتامى والمساكين، ولا محلَّ فيها لنفَلِ الغازي إلَّا مِن الخُمُسِ. والأئمَّةُ الأربعةُ يتَّفقونَ على أنَّ حُكْمَ النفَلِ محكَمٌ في ذاتِه؛ وإنَّما خلافُهم بينَهم في الموضعِ الذي يأخُذُ منه الأميرُ النفَلَ فيَخُصُّ له أحدًا: هل يكون مِن أصلِ الغنيمةِ؛ أي: قبلَ قسْمتِها، فيُنفَّلَ المُستحِقُّ ثم تُخمَّسَ، أو يُخرَجُ الخُمُسُ ويُنفَّلُ مِن الأربعةِ الأخماس، أو تُخمَّسُ ويُعطَى مُستحِقُّ النفَلِ مِن الخُمُسِ أو مِن خُمُسِ الخُمُسِ؟ على أقوالٍ: الأوَّلُ: أنَّ النفَلَ بكون مِن أصلِ الغنيمةِ قبلَ تخميسِها وتقسيِمِها، فيُنفِّلُ الإمامُ مَن شاءَ ثم يُقسِّمُها؛ بهذا يقولُ مَن أخَذَ بظاهرِ آيةِ الأنفالِ وأَحْكَمَها؛ كالأوزاعيِّ وأحمدَ وغيرِهما. الثاني: أنَّ النفَلَ يكونُ بعدَ قِسْمةِ الغنيمة، ويكونُ في الخُمُسِ؛ وبهذا يقولُ الجمهورُ، ولكنَّهم اختلَفوا فيما بينَهم في محلِّ الملِ مِن الخُمَسِ؛ هل يكونُ مِن جميعِ الخُمُسِ فللأميرِ حقٌّ بتنفيلِه كلِّه، أو لا يحقُّ له إلَّا التنفيل مِن خمُسِ الخُمُسِ الذي هو (للهِ) فقط؟ على قولينِ: ذهَب الجمهورُ -وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وأبي حنيفةَ في أحدِ قولَيْه -: إلى أنَّ محلَّه الخمسُ كلُّه، فللأميرِ أن يُنفِّلَ منه ما شاءَ ولو كاملًا. وحُكْمُ النفَلِ عندَ الجمهورِ حُكْمُ السَّلَب، يأخذُ القاتلُ سَلَبَ المفتول، ولا يدخلُ سَلَبُهُ في الغنيمةِ. وجاء عن النبي ﷺ أنه نفَّلَ بعدَما خمَّسَ الغنيمةَ، ففي "الصحيحَينِ"، عن ابنِ عمرَ ﵁: "أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً فِيهَا

стр. 1377

عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ قِبَلَ نَخدٍ، فَغَنِمُوا إبلًا كَثِيرَةً، فَكَانَتْ سِهَامُهُمُ اثْنَىْ عَشَرَ بَعِيرًا، أوْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا" (١). وفي مسلمٍ؛ قال ابنُ عمرَ: "نَفَّلَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ نَفَلًا سِوَى نَصيبِنَا مِنَ الْخُمس، فَأَصَابَنِي شَارِفٌ" (٢). وقد روَى ابنُ أبي شَيْبة، والبيهقيُّ؛ مِن حديثِ عمرِو بنِ شًعَيْبٍ، عن أبيه، عن جده: "أن رسولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُنَفلُ قَبْلَ أَن تَنْزِلَ فَرِيضَةُ الْخُمُسِ فِي المَغْنَم، فَلَمَّا نَزَلَتِ الآيَة: ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، تَرَكَ النَّفَلَ الَّذِي كَانَ يُنَفِّل، وَصَارَ ذَلِكَ إِلَى خُمُسِ الْخُمُسِ مِنْ سَهْمِ اللهِ وَسَهْمِ النَّبِي ﷺ " (٣). ومِن هذا الطريقِ قال النبيُّ ﷺ : (إِنَّهُ لَيْسَ لِي مِنَ الْفَيءِ شَيْءٌ وَلَا هَذِه، إِلَّا الْخمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ)؛ رواهُ النَّسائيُّ (٤)؛ وله شاهدٌ مِن حديتِ عُبادةَ (٥). وبهدا كان يقولُ جماعةٌ مِن الصحابة؛ كما ثبَتَ عن ابنِ سيرينَ: "أن أنَسَ ننَ مَالِكِ كَانَ مَعَ عبَيْدِ اللهِ بنِ أَبِي بَكرَةَ فِي غَزَاةِ غَزَاهَا، فَأَصَابُوا سَبْيًا، فَأَرَادَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أبِي بَكْرَةَ أن يُعْطِيَ أنَسًا مِنَ السَّبْيِ قَبْلَ أَنْ يَقْسِمَ، فَقَالَ أَنَسٌ: لَا، وَلَكِنِ اقْسِمْ، ثُمَّ أعْطِنِي مِنَ الخمُسِ"؛ رواهُ الطحاويُّ والبيهقيُّ (٦).

стр. 1378

والقول الآخَرُ لأبي حنيفةَ: أن النفَلَ يكونُ مِن خُمُسِ الخُمُس، وما زادَ عن ذلك، فليس للإمامِ حقٌّ فيه. القولُ الثالث: أنه يُخرَجُ خُمُسُ الغنيمة، ويكونُ النفَلُ مِن الأربعةِ الأخماسِ الباقية، يُنَفَّلُونَ منها بحسَبِ منَ يَستحقُّ نفَلَهُ، ثم تُقسَّمُ. ومِن العلماءِ: مَن جعَلَ النفَلَ والغنيمةَ للإمامِ؛ إنْ شاءَ خمَّسَها، وإنْ شاءَ نفَّلَها كلَّها، فجعَل الآيتَيْنِ مُحكَمتَيْن، وهي كالخِيارِ للإمام؛ نُسِبَ هذا إلى النخَعيِّ وعطاءٍ ومكحولٍ، وقال به بعضُ المالكيَّةِ؛ حكَاهُ المازَرِيُّ عنهم؛ وذلك أنَّ اللهَ تعالى ذكَرَ في آيةِ قسْمةِ الغنيمةِ الخُمُسَ، وجعَلَهُ للهِ ولرسولِهِ ولذي القُربي واليتامى والمساكين، وسكَتَ عن الباقي، والسكوت مُشعِرٌ بالتخييرِ وأنَّها للإمام، ونسبةُ هذا القولِ إلى مكحولٍ وعطاءٍ والنخَعيِّ بإطلاقِ غلطٌ؛ فالمرويُّ عن مكحولٍ وعطاءٍ: ما رواهُ عِمْران القَطَّانُ، عن عليِّ بنِ ثابتٍ؛ قال: "سَألْتُ مَكْحُولًا وَعَطَاءً عَنِ الْإِمَامِ يُنَفِّل الْقَوْمَ مَا أَصَابُوا، قَالَ: ذَلِكَ لَهُمْ" (١). وبنحوِه رواهُ منصورٌ عن النخَعيِّ؛ رواهُ ابنُ أبي شيبةَ (٢). وهذا إن صحَّ عن مكحولٍ وعطاءٍ للكلامِ في عِمرانَ، فهو فيما تُصيبُهُ الَسَّرِيَّةُ بنفسِها، فيُنفِّلُهم الإمامُ إيَّاهُ، لا ما يُصيبُهُ جميعُ الغُزاةِ فيُنفِّلُهُ الإمامُ كلَّه مَن شاءَ منهم؛ فهذا خلافُ ما عليه عامَّة السلفِ وظواهرُ الأدلَّة، والله سكَتَ في آيهِ الغنيمةِ عن الباقي منها؛ للعِلْمِ به، وذلك أنه للغانمِينَ المذكورينَ في أوَّلِ الآيةِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١]، وهو كقولِهِ تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]، وسكَتَ عن الأبِ؛ يعني: أنَّ له الباقيَ، وهو الثُّلُثانِ بالاتِّفاق، لا أن يَرجعَ لغيرِه؛ كبَيْتِ المالِ.

стр. 1379

وأما ما يُحتَجُّ له أنَّ النبيَّ ﷺ وأصحابَهُ ترَكُوا مالَ فتحِ مَكَّةَ، وأنَّهم لم يأخُذُوهُ، وقد أَوْجَفوا عليها بخَيْلِهم ورِكَابِهم، فلِوَحْيِ خاصٍّ، فكما قسَّمَ اللهُ الغنيمةَ بوَحْي، خَصَّ مكَّةَ بوَحْيِ. وأمَّا إعطاءُ النبيِّ الأقرعَ بنَ حابسٍ وأصحابَهُ يومَ حُنَين مئةً مئةً، فلا يَلزَمُ مِن ذلك عدمُ تخميسِ الغنيمة، فقد يكون مالُ حُنَيْنِ كثيرًا، وكان خمسُ النبيِّ كثيرًا فأعطاهُمْ منه، وقد يكونونَ عُوِّضُوا بشيءٍ لا يُعَوَّضُهُ أحدٌ بعدَهُ، وهو أعظَمُ مَغنمٍ، وهو قُرْبُ رسولِ اللهِ ﷺ منهم؛ كما قال: (أمَا تَرْضَوْنَ أنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بالدُّنْيَا، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى بُيُوتِكُمْ؟ )؛ رواه البخاريُّ ومسلمٌ (١). وليس لأميرِ أن يقولَ لجُنْدِهِ مِثْلَ ما قاله النبيُّ ﷺ لجُنْدِه؛ وهذا دليلٌ على خَصُوصِيَّتِهِ في مِثلِ هذه الحالِ. * * * قال تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الأنفال: ٥، ٦]. كان في نفوسِ بعضِ المؤمنينَ كُرْةٌ للِقَاءِ قريشٍ، فأَمْضاهُ اللهُ وحقَّقَ لقاءَ المؤمِنينَ بالمشرِكينَ؛ وفي هذا: أنَّ الأحكامَ لا تثُبتُ بكراهةِ النفوسِ ونُفُورِها، وأنَّ للنَّفْسِ كرهًا ونفورًا طبعيًا لا أثَرَ له على الأحكام، وهو ممَّا لا يُؤاخَذ به المؤمِنُ؛ ما لم يُعارِضِ الحقَّ الصريحَ بعدَ جلائِهِ بقولِهِ أو فعلِه. وإذا وُجِدَ كُرْهُ لقاءِ المشركِينَ مِن بعضِ الصحابة، فذلك مِن غيرِهم

стр. 1380

مِن بابِ أَوْلى؛ وذلك لِما جُبِلَت عليه النفوسُ مِن كراهةِ فَقدِ الأهلِ والولدِ والمال، وحُبِّ الحياةِ. وقولُه تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾، فيه أنه ليس لاْحدٍ أن يترُكَ الجهادَ لأجلِ شيءٍ أجْراهُ الله على نبيِّه، وهو حبُّ البيوتِ وما فيها مِن مالِ وولدٍ وزوجةٍ. وقد يكونُ مِن بعضِ المؤمنينَ جدالٌ في الحقِّ؛ وذلك لدوافعَ كامِنةٍ مِن حُبِّ الدُّنيا؛ كما في قولِه تعالى بعدَ ذلك: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾. والحقُّ هو القتالُ، فسمَّى اللهُ القتالَ حقًّا؛ لأنَّ به يُحِقُّ اللهُ الحقَّ ويُبطِلُ الباطلَ؛ فكما يُحِقُّه باللِّسان، يُحِقُّةُ بالسِّنانِ كذلك. * * * قال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةُ مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١]. في هذه الآيةِ: دليلٌ على أنَّ الأصلَ في الأعيانِ الطهارةُ، فاللهُ بيَّنَ طَهُورِيَّةَ ماءِ السماءِ وبيَّنَ أنه يُطهِّرُ الناسَ به، ومعلومٌ أنَّ ماءَ المطرِ يَنتفعُ منه الناسُ بعدَ نزولهِ في الأرضِ والآبارِ والأواني والغدرَانِ والأنهار، فهو يُصيبُ الأعيانَ غالبًا قبلَ انتفاع الناسِ به، فلمَّا بينَ اللهُ أنه يُطهِّرُهم به مع مرورهِ على أعيانٍ مختلِفةٍ، دَلَّ على أنَّ الأصلَ فيما يَمُرُّ عليه الماءُ أنه طاهرٌ، مِن شجر، وحجرٍ ووَبرٍ، وترابٍ ومَعْدِنٍ، وغيرِ ذلك. وقد حَكَى الإجماعَ على أنَّ الأصلَ في الأعيانِ الطهارةُ غيرُ واحدٍ. * * *

стр. 1381

* قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ [الأنفال: ١٢]. بثُّ الرعبِ في المُحارِبينَ وإرهابُهم: في قوله تعالى: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ دليلٌ على جوازِ تخويفِ الكافِرِينَ المُحارِبِينَ وإرهابِهم بالأقوالِ والأعمالِ التي تُضعِفُ عزائمَهم، وتَهزِمُ نفوسَهم أمامَ المؤمنِينَ، وإنَّما كان إرهابُ الكفَّارِ المُحارِبينَ وترعيبُهم مشروعًا؛ لأنَّ الطمعَ والاغتِرارَ بالقوَّةِ تجعلُ صاحِبَ الباطلِ يَعتدٌّ بباطلِه، وتسوِّلُ له نفسُه أنه على حقٍّ، فإذا خافَ، زالَ ما كان تتستَّرُ به النفسُ مِن القوَّة، فرَأتِ الحقَّ وتجلَّى لها، فقَبِلَتْ وأذعنَتْ، وكثيرٌ مِن النفوسِ تُعرِضُ عن الحقِّ اغتِرارًا بقوَّتِها وسيادتِها وعزَّها وتمكينِها وجاهِها، وتخافُ إن أسلَمَتْ واتَّبعَتِ الحقَّ أن تَفقِدَهُ، فتَصبِرُ على الباطل، وتُشرِّعُهُ وتُكابِرُ في ذلك؛ ولهذا وُجِدَ في الملوكِ والرؤساءِ مَن اْقَرَّ بالحق وصدَّقَ برسالةِ محمدٍ، ولكنَّه خاف مِن زوالِ سيادتِهِ بإيمانِه، ومنهم مَن آمَنَ وأخفى إيمانَه، فجاءَ الإسلامُ ليَكسِرَ طمعَ النفوسِ وقوَّتَها؛ لينكسِرَ تَبَعًا له صنمُ الهوى، الذي يُبنَى في قلوبِهم في صورةِ حقِّ. وفي هذه الآيةِ: دليلٌ على جوازِ الإثخانِ في الكافرينَ المُحارِبينَ كيفما اتَّفَقَ؛ إذْ لا حُرْمةَ لِدَمِهم، ولا عِصْمة لمالِهم، فيُضرَبُ المُحارِبُ بمَقَاتِلِهِ ولا يُتَوَقَّى شيءٌ منه، وإنَّما دكَرَ الله الأعناقَ؛ لأنَّها أسرَعُ في الموت، فقال، ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاق﴾؛ يعني: الأعناقَ وما فوقَها، ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١١]؛ يعني: اثنتَيْنِ وما فوقَهما.

стр. 1382

ثم ذكَرَ الله تعالى بعدَ ذلك الأطرافَ: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾، والبَنَانُ هو الطَّرَفُ، كما صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ وغيرِه (١). وهذا دليلٌ على أنَّ جميعَ أطرافِهِمَّ متساوِيةُ الحُكْمِ؛ فإنْ لم يمكَّنِ المؤمنونَ مِن القتل، فلْيَضرِبُوا ما استطاعوا مِن أطرافِهم أيدِيهِم أوأرجُلِهم. ما يجوزُ إصابتُهُ مِن الحَرْبيِّ عندَ المُواجَهةِ والأَسْرِ: وهدا عندَ المُواجَهةِ والمُنازَلةِ والتبييت، وأمَّا عندَ أَسْرِهِ وتقييدِه، فالأمرُ في ذلك يختلِفُ، فإن اللهَ قد جعَل ضربَ المُحارِبِ على حالَيْنِ: الأُولى: عندَ المُواجَهة والمُنازَلةِ والتبييتِ؛ فيُضرَبُ منه كلُّ شيءِ مِن مَقاتِلِهِ وغبرِها؛ كرأسِهِ ووجهِهِ وعينِةِ وأطرافِه، ولو برَمْيِه بشِهابٍ مِن نار يُحْرِقُه. الثانيةُ: بعدَ أسرِهِ وأخذِهِ؛ فإنَّه لا يجوزُ ضربُ وجهِهِ ولا تعذيبُهُ، وإن جازَ قتلُهُ. ويدُلُّ على التفريقِ بينَ الحالَيْنِ قولُهُ تعالى في سورةِ محمدٍ: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤]، فجعَل اللهُ الضربَ عندَ التلاقِي، وشَدَّ الوَثَاقِ عندَ الأسْرِ. وقد قال الأوزاعيُّ في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾؛ قال: "اضرِبْ مه الوجهَ والعَيْن وارْمِهِ بشهَابٍ مِن نارٍ، فإذا أخَذْتَهُ، حَرُمَ ذلك كله عليك" (٢). وذلك لأنَّه تحوَّلَ مِن مُقاتِلِ إلى أسيرٍ، والضربُ عندَ اللِّقاءِ يُرادُ منه

стр. 1383

الإثخانُ؛ كما في ظاهرِ الآية، وليس ذلك مِن التعذيبِ؛ وإنَّما منِ العقابِ الذي أَذِنَ الله به، وقد فرَّقَ النبيُّ ﷺ ببنَهما كما في مُرسَلِ القاسم؛ قال: قال النبيُّ ﷺ : (إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لِأُعَذِّبَ بِعَذَابِ اللهِ؛ إِنَّمَا بُعثْتُ بِضَرْبِ الرِّقَابِ وَشَدِّ الْوَثَاقِ) (١). وهذا هو المقصودُ في قولِه ﷺ : (إِذَا قَتلْتُم، فَأَحْسِنُوا الْقِتلَةَ)؛ كما رواهُ مسلمٌ، عن شدَّادٍ (٢)، فالأسيرُ يُحسَنُ في قتلِهِ إن أرادَ المُسلِمونَ قَتلَه، ولا يُعذَّبُ بحَرْقِ لِجَسَدِه، أو تقطيع لجِلْدِه، أو قَلْع لأظفارِه، أو تكسيرٍ لعِظامِه، حتى لو أنَّ الكفَّارَ المُحارِبينَ فعَلوا ذلك في المُسلِمينَ، فإنْ أسَرُوا واحدًا منهم، فليس للمُسلِمينَ أن يُعذبُوا أَسرَاهُم؛ كما كانوا بيُعذِّبونَ أسْرَى المؤمنينَ، وقد كان الصحابةُ يَلقَوْنَ مِن كفَّارِ قريشٍ شِدَّةَ بتعذيبِهم؛ كما فُعِلَ في عمَّارِ وأمِّهِ وبلالٍ وغيرِهم، ولم يكنِ النبيُّ ﷺ يَفعَلُ ذلك في أسْرَاهُمْ لمَّا تمكَّنَ منهم، فللمُسلِمينَ أن يَقتُلُوا أَسْرَاهُمْ لكنْ لا يُعذِّبونَهم، وقد كان تاريخُ المُسلِمينَ مع أعدائِهم مليئًا بأخبارٍ وآثارٍ عُذِّبَ فيها المُسلِمونَ مِن أعدائِهم زمنَ الصحابةِ والتابعينَ وأَتْباعِهم بأنواعِ العذاب، ولم لِكنِ السلفُ يَفعلونَ ذلك بأسْرَاهُم. مُجازاةُ المُحارِبينَ بالمِثْلِ: وإذا تقابَلَ المُسلِمونَ والمشركونَ في قتالٍ، ففعَلَ المشرِكونَ بالمُسلِمينَ ما لا يجوزُ للمُسلِمينَ أن يَفعَلُوهُ ابتداءً؛ كضَرْبِ مُدُنِهِمْ ومَزارعِهِمْ وبُيوتِهم، ولم يُفرِّقُوا بينَ شيخٍ وامرأةٍ وصبيٍّ ومجنونٍ، فيجوزُ للمسلِمينَ أنْ يَرمُوهم ويَضرِبوهم بمِثْلِ ذلك، مِن غيرِ أن تُقصَدَ عينُ صبيٍّ

стр. 1384

وامرأةٍ وشيخٍ، ولكنْ يَرمُونَهم بما يَهدِمُ بيوتَهم؛ كما هدَمُوا بيوتَ المُسلِمينَ، ولو كان فيها نساءٌ وصِبْيان وشيوخٌ؛ فذلك جاءَ تبَعًا، ولم يأتِ استِقلالًا وقصدًا. وإذا قتَلَ المشرِكونَ صبيًّا أو امرأةً أو شيخًا أو مجنونًا مِن المُسلِمينَ، فليس للمُسلِمينَ أن يقتُلُوا صبيَّهم وشيخَهُمْ وامرأتَهُمْ ومجنونَهم لو وجَدُوهُ، ما لم يكنْ مُقاتِلًا فيُقتَلُ؛ لأنَّ تلك النفوسَ حرَّمَ اللهُ قَتلَها لِذَاتِها، وذِمَّتُها مُنفكَّةٌ عن ذِمَّةِ المُعتدِي، فكلُّ نفسِ لما كسَبتْ رهينةٌ. وأمَّا مشروعيَّةُ الجزاءِ بالمِثْل، كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، فإنَّ العقابَ بالمِثْلِ في الكافرِ المُحارِبِ على نوعَيْنِ: النوع الأوَّلُ: ما دلَّ الدليلُ على تحريمِهِ بعَيْنِه، كالزِّنى واللِّواطِ وقتلِ الصبيِّ والمرأةِ والشيخِ؛ فهذا دلَّ الدليلُ على تحريمِهِ بعينِه، فإنْ وقَع المشرِكونَ بنِساءِ المؤمنينَ، فليس للمؤمنينَ استِحلالُ الزِّنى بنسائِهم، بل يفعَلُ دي ذلك المشروعُ؛ بسَبْيِ نسائِهم وصِبْيانِهم، والتَّسَرِّي بالنِّساء، فيُقَسَّمْنَ مع الغنيمة، فيُوطَأْنَ مِلْكَ يمينٍ كما تُوطَأُ المرأةُ نِكاحًا، ولو كان في ذلك مشابَهَة في الفعلِ في الظاهر؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما وَطْءٌ، إلَّا أنَّ اللهَ حرَّمَ الزِّنى واللِّواطَ ولم يُحِلَّهُ بحالٍ ولو بالمُعاقَبةِ بالمِثْل، وفي السِّبْيِ مِن الصَّغَارِ والإذلالِ لرجالِ المشرِكينَ ما لا يَخفى؛ فإنَّه وطءٌ مع مِلْكِ يمينٍ دائمٍ للبُضْعِ والنَّفْسِ. ويَلحَقُ بهذا قتلُ الصِّبْيانِ والنِّساءِ والشيوخِ؛ فإنَّه محرَّمٌ بالنصّ، ولم يَدُلَّ دليلٌ على استحلالِهِ في حالٍ، إلَّا لو كانوا يُقاتِلونَ فيأخُذُونَ حُكْمَ المُقاتِلِ الذي تُدفَعُ صَوْلتُه، وقتلُ الصبيِّ والمرأةِ والشيخِ أخَفُّ مِن مُماثَلةِ

стр. 1385

العدو بالفاحشةِ؛ لأنَّ الفاحشةَ لا تَحِلُّ بحالٍ، بخلافِ قتلِ الصبيِّ والمرأةِ والشيخِ فله استثناءٌ واحدٌ، وهو القتلُ عندَ كونِهم مُقاتِلِينَ. النوعُ الثاني: ما لم يَدُلَّ الدليلُ على تحريمِهِ بعَيْنِهِ؛ كرَمْيِ دُورِهم وطُرُقِهم وزُرُوعِهم؛ كما يَرْمُونَ دُورَ المؤمنينَ وطُرُقَهم وزُرُوعَهم، فذلك جائزٌ، ولو تمَّ عقابُهم بضَرْبِهم بسلاحِ يَفتِكُ بهم فلا يُفرِّقُ بينَ مُحارِبِ وغيرِ مُحارِب منهم كما يَفعَلونَ بالمؤمنينَ، لكان جائزًا، ولو كان ذلك مُحرِقًا أو مُهلِكًا لحَرثٍ ونَسْلٍ؛ لأنَّه عقابٌ بالمِثْلِ لم يُنْهَ عنه بعَيْنِه، فجاز ولو دخَلَ فيه تَبَعًا ما حَرُمَ بعينِهِ كقتلِ الصبيِّ والمرأةِ والشيخِ؛ لأنَّه لم لكن مقصودًا بنفسِه لو كان بارزًا. وفي هذا دليلٌ على أنَّ الإسلامَ لم يأتِ لِيُبِيدَ ويُفنِيَ، ويُهلِكَ وُيفسِدَ، وَيغنَمَ ويَفخَرَ، ويَبطَرَ ويَتجبَّرَ؛ وإنَّما جاءَ رحمةً للناس، ينشُرُ دِينَ اللهِ ويُعليه، ويَدفَعُ ما سواهُ ويُبطِلُه، والمقتولُ المؤمنُ جزاؤُهُ الجنةُ، والكافرُ المقتولُ جزاؤُه النارُ، فلا يَحزَنُ المؤمنُ على عدمِ تَشفِّيهِ مِن الكافرِ بالزِّنى بعِرْضِه، أو تعذيبِه عندَ أَسْرِهِ بحَرْقِه، أو قتلِ صَبيِّهِ ومجنونِهِ وشْيخِه؛ لأنَّ ما يجدُهُ عندَ اللهِ ممَّا توعَّدَه به أعظَمُ شفاءً لنفوسِ المؤمنينَ مِن كلِّ ما يَفعلونَهُ بعدوِّهم ممَّا يَوَدُّونَه. * * * قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَو مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٥ - ١٦]. نزَلَت هذه الآيةُ وما قبلَها في بَدْرٍ، وحذَّرَ اللهُ مِن الفِرارِ مِن

стр. 1386

المشرِكِينَ ولو كانوا كثيرًا؛ فقولُه تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾؛ يعني: تقارَبْتُم وتدانَيْتُم، وإذا كَثُرَ الجيشُ يَراهُم البعيدُ كالذين يزحَفونَ على الأرضِ؛ إذْ لا تُرى أسافلُ أبدانِهم، لتلاصقِهم، وإنَّما تُرى رؤوسُهم وصدورُهم كالزاحِفِينَ على الأرض، وتوعَّدَ اللهُ مَن فَرَّ منهم يومَ بَدْرٍ بالغضبِ وعذابِ جهنمَ. الفِرارُ يومَ الزَّخفِ: والفرارُ مِن الزحفِ مِن الكبائرِ؛ كما في ظاهرِ الآية، وقد عَدَّهُ النبيُّ ﷺ مِن السَّبْعِ المُوبِقاتِ؛ كما في "الصحيحَينِ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ ﵁؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: (الشِّرْكُ بالله، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بِالحَقّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَاَكْلُ مَالِ اليَتِيم، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْف، وَقَذْفُ المحْصَنَاتِ المُؤمِنَاتِ الغَافِلَاتِ) (١). ويدُلُّ على عِظَمِهِ ما جاءَ في السُّنَّة، مِن قولِهِ ﷺ : (مَنْ قَالَ: أَسْتَغفِرُ اللهَ الَّذِي لَا إلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيِّ الْقَيُّومَ وَأتُوبُ إِلَيْه، غُفِرَ لَه وَإِن كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ) (٢)، وما جُعِلَ الفِرارُ مِن الزحفِ مِثالًا إلَّا لعِظَمِهِ عندَ اللهِ. التحيُّزُ والتحرُّفُ عندَ لِقاءِ العدوِّ: وأَذِنَ اللهُ للمؤمنينَ باستدبارِ المشرِكِينَ بلا فِرَارٍ على حالَيْنِ: الأُولى: أنْ يكونوا مُتَحرِّفينَ، كما في قولِهِ: ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾، والمتحرِّفُ مِن الانحرافِ الدي يُريدُ أنْ يَدُورَ على عَدُوِّهِ مِن جهةٍ وناحيةٍ

стр. 1387

أخرى، وليس استدبارُهُ لعدوِّه هروبًا منه، ولكنِ التفافًا عليه مِن جهةٍ هي أشَدُّ إثحانًا للعدوّ، وأكثرُ أمانًا للمؤمنِ. ومِن ذلك الذي يُبدِي للعدوِّ الفِرارَ لِيَستدرِجَهُ إلى كَمِينٍ ليُثخِنَ فيه، ويُصيبَ مه ما لا يُصِيبُهُ منه عندَ اللِّقاء، نصَّ على هذا سعيدُ بن جُبَيرٍ وغيرُه (١). الئانيهُ: أنْ يكونوا مُتحيِّزينَ؛ كما في قولهِ: ﴿أَو مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾، والمتحيِّزُ المُنحازُ إلى جماعةٍ أخرى مِن المؤمنينَ يَستكثِرُ بها على العدوّ، ويجوزُ التحيُّزُ إلى فئةٍ أخرى ولو كانتْ بعيدةً؛ كما فسَّرَ ذلك عمرُ بن الخطَّابِ في الآيةِ لمَّا قُتِلَ أبو عُبَيْدٍ في أرضِ فارسَ وعمرُ في المدينةِ؛ فقد روى أبو عثمانَ النَّهْدِيُّ، عن عمرَ؛ قال: لمَّا قُتِلَ أبو عُبيدٍ، قال عمرُ: "أيُّها الناسُ، أنا فِئَتُكم" (٢). وقال عبدُ المَلِكِ بن عُمَيْرٍ: قال عمرُ: "أيُّها الناسُ، لا تَغُرَّنَّكُمْ هذه الآيةُ؛ فإنَّما كانتْ يومَ بدرٍ، وأنا فئةٌ لكلِّ مسلمٍ" (٣). وليس للمؤمنينَ أنْ يَبْقَوْا في مُقابِلِ عدوٍّ لا قِبَلَ لهم به حتى يَسْتَأْصِلَهُمْ جميعًا، ولا يكونُ منهم عليه أثرٌ أو بأسٌ، ويُروى عن النَّخَعيِّ؛ قال: "بَلَغَ عُمَرَ أن قَوْمًا صَبَرُوا بِأذرَبِيجَانَ حَتَّى قُتِلُوا، فَقَالَ عُمَرُ: لَو انحَازُوا إِلَيَّ، لَكُنْتُ لَهُمْ فِئَةً" (٤). وفي "الصحيحَيْن"، عن البَرَاء، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ: أَكُنْتُمْ فَرَزتُمْ يَا أَبَا عُمَارَةَ يَوْمَ حُنَينِ؟ قَالَ: لَا وَالله، مَا وَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شبَّانُ أصْحَابِهِ وَأَخِفَاؤُهُمْ حُسَّرًا لَيْس بِسِلَاحٍ، فَأَتَوا قَوْمًا رُمَاةً؛

стр. 1388

جَمْعَ هَوَازِنَ وَبَنِي نَصْرٍ، مَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ، فَرَشقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخطِئُونَ، فَأقبَلُوا هُنَالِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ -وَهُوَ عَلَى بَغلَتِهِ البَيْضَاء، وَابْنُ عَمِّهِ أَبُو سُفيَانَ بْنُ الحَارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ يَقُودُ بِه، فَنَزَلَ وَاسْتَنصَرَ، ثُمَّ قَالَ: (أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الَمُطلِبْ)، ثُمَّ صَفَّ أصْحَابَهُ (١). ولا يجوزُ تحيُّزُ جماعةٍ إلى فئةٍ يَترُكونَ جماعةً أخرى يَنفرِدُ بهم العدوُّ فيَقتُلُهم، ولو بَقُوا معهم لَثَبَّتُوهُم وقَوُوا على العدوِّ، إلَّا عندَ عجزِ الجماعتَيْن، فيجوزُ تحيُّزُ إحداهُما إلى فئةٍ مسلمةٍ أُخرى. وإنْ قدَرُوا بأنفُسِهم والْتَقَوْا بالمشرِكينَ، كان الأَولى لهم عدمَ التحيُّزِ لفئةٍ بعيدةٍ عنهم، وقد كان عمرُ يزجُرُ مَن كانتْ حالُهُ كذلك؛ كما رَوَى عبدُ الرحمنِ بن أبي لَيلى: "أَنَّ رَجُلَين فَرَّا يَوْمَ مَسْكَنٍ مِنْ مَغْزَى الْكُوفَة، فَأَتَيَا عُمَرَ، فَعَيَّرَهُمَا وَأخَذَهُمَا بِلِسَانِهِ أَخْذًا شَدِيدًا، وَقَالَ: فَرَرْتُمَا؟ ! وَأرَادَ أن يَصْرِفَهُمَا إِلى مَغْزَى الْبَصْرَة، فَقَالَا: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لَا، بَل رُدَّنَا إلَى المَغْزَى الَّذِي فَرَزنَا مِنْهُ؛ حَتَّى تَكونَ تَوْبَتُنَا مِنْ قِبَلِهِ"؛ رواهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ (٢)، وفي سماعِ ابنِ أبي لَيْلَى مِن عمرَ خلافٌ، ولكنَّه يَروي عن طبقةِ عاليةٍ عنه. وتقديرُ القُدْرةِ على الكافرِ يَرجِعُ إلى المُجاهِدِ واجتهادِهِ تجرُّدًا، لا عن هَوَى وأثَرَةٍ؛ وبهذا فال غيرُ واحدٍ مِن العلماءِ؛ كالحاكمِ وغيرِه. واختلَفَ العلماءُ في الفئتَيْنِ: المُنحازةِ والمُنحازِ إليها: أيَعُودُونَ إلى لقاءِ الكفارِ أم لا؟ على قولَيْنِ.

стр. 1389

تفاوُتُ أحوالِ الفِرارِ يومَ الزحفِ: وكلَّما كان أثرُ النصرِ والهزيمةِ عظيمًا على المُسلِمينَ، كان الفِرارُ أشدَّ وأعظَمَ إثمًا؛ فإنَّ في الفرارِ والتولِّي يومَ الزحفِ كسرًا لِهَيْبةِ المؤمنِينَ، وإضعافًا لأَتباعِهمٍ، وتسليطًا للأُممِ عليهم، وهذه الآيةُ نزَلتْ يومَ بَدْرٍ؛ لأنَّه يومٌ عظيمٌ، وفرْقانٌ كبيرٌ بينَ الحقِّ والباطل، فجاء التشديدُ فيه أشَدَّ مِن غيرِه، ولمَّا كان يومُ أُحُدٍ خفَّفَ اللهُ في وعيدِه وتهديدِه، وذكَرَ عَفوَهُ وصَفحَهُ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، ولمَّا كان يومُ حُنَيْنٍ، وذكَرَ إدبارَ بعضِ المُسلِمينَ، قال: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]، قال بعدَ ذلك: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [التوبة: ٢٧]. خَصُوصيَّةُ بَدْرٍ وَعِظَمُهَا: وآيةُ البابِ نزَلتْ في بدرٍ، وقد اختلَفَ السلفُ: هل هي عامَّةٌ لكلِّ غزوةٍ، أو هي لبَدرٍ خاصَّةً؟ على قولَيْنِ: فمِن المفسِّرينَ مَن قال: إنَّ الوعيدَ في الآيةِ خاصٌّ بالفِرارِ يومَ بدرٍ؛ لأنَّه ليس لهم تركُ رسولِ اللهِ ﷺ وحدَهُ؛ وبهذا قال الحسنُ البصريُّ والضحَّاكُ، ولم يَرَوُا الفِرارَ بعدَ ذلك كبيرةً (١). ومنهم -وهم الأكثرُ-: على عمومِ الحُكْم، وإنَّما الخاصُّ في بدرٍ أنه لا إمامَ للمؤمنينَ إلَّا رسولُ اللهِ ﷺ ، ولا جماعةَ إلَّا جماعتُه، فالفارُّ إلى غيرِهم لا فئةَ له، ومع كثرةِ المؤمنينَ وفئاتِهم بعدَ ذلك وتعدُّدِ

стр. 1390

جبهاتِهم وبُلْدانِهم وثُغُورِهم، فالتحيُّزُ أوسَعُ مِن قبلُ وأقرَبُ إلى الرُّخْصةِ فيه، كما رَوَى أبو سعيدِ الخُدْرِيُّ، قال: "إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، لَمْ يَكُن لِلْمُسْلِمِينَ فِئَةٌ إِلَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ، فَإنَّ المُسلِمِينَ بَعْضُهُمْ فئَةٌ لِبَعْضٍ"؛ رواهُ ابنُ جريرٍ (١). والدليلُ على ذلك: كثرةُ الأحاديثِ واستفاضتُها في التحذيرِ مِن الفِرَارِ يومَ الزحف، وجعلِهِ مِن السَّبْعِ المُوبِقات، ويُجزَمُ أنَّ كثيرًا مِن الأحاديثِ تلك -إن لم يكنْ أكثرَها- كانتْ بعدَ بَدْرٍ. وصحَّ القولُ بالعمومِ عن ابنِ عبَّاسِ وغيرِه (٢). وكانتِ الآيةُ عامَّةَ في تحريمِ كلِّ فِرارٍ مِن كلِّ زحفٍ، ثم خفَّفَ الله على المؤمنِينَ بجوازِ الفِرارِ مِن ضِعْفَي المؤمنِينَ، ويجبُ عليهم الثَّباتُ أمامَ مِثلَيْهِمْ وما دونَه، وبعضُ المفسِّرينَ سمَّى ذلك نسخًا؛ كعطاءٍ؛ فجعَلُوا الناسخَ لها قولَهُ تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦]؛ رواهُ عن عطاءٍ قيسُ بن سعدٍ؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ (٣). وقد جاء مِن طريقَيْنِ عن ابنِ عبَّاسٍ: "مَن فَرَّ مِن اثنَيْنِ فقد فَرَّ، ومَن فَرَّ مِن ثلاثةٍ فلم يَفِرَّ" (٤). وإنْ كان عددُ المشركينَ أكثَرَ مِن ضِعفَيْهم والمُسلِمونَ قادرونَ على الثباتِ والنصرِ والإثخانِ في العدوّ، كان الثباتُ أَولى؛ ولهذا قال تعالى:

стр. 1391

﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا﴾ [الأنفال: ٦٥]، وبهذا قال الشافعيُّ: أنَّ الفِرارَ ممَّن فوقَ الضِّعْفِ لا يحرُمُ، والثباتُ مع القدرةِ على النصرِ أَولى. والتحيُّزُ إلى فئةٍ والتحرُّفُ لقتالٍ يجورُ ولو كان العدوُّ أقَلَّ مِن المؤمنينَ، على ما تقدَّمَ مِن كلامٍ. وأكئرُ الآياتِ تحُثُّ المؤمنِينَ على الصبر، وعدم تعلُّقِ القلبِ بكثرةِ الكفَّارِ وقلَّةِ المؤمنينَ؛ حتى لا تُهزَمَ نفوسُ أهلِ الحقِّ ويَضْعُفوا عن لقاءِ العدوّ، كما قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]. وقولُهُ تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا﴾ [الأنفال: ٦٥] وقولُهُ: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦]. هذا لتثبيتِ أهلِ الإيمانِ ولتقويةِ عزائِمِهِمْ، فإنَّما يُنصَرونَ بإيمانِهم، لا بمجرَّدِ عَدَدِهم وعَتَادِهم، وكلُّ نصرِ اللهِ لنبيِّه ولأصحابِ نبيِّه كان مع قلَّةِ عَدَدٍ وضَعْفِ عُدَدٍ. ولو ثبَتَ المؤمنُ في لقاءِ الكافرينَ، وترَكَ الرُّخْصةَ له بالفِرارِ والتحيُّزِ والتحرُّف، ويَغلِبُ على ظنِّه الهلاكُ بلا إثخانٍ فقُتِلَ، فلا خلافَ في أنه شهيدٌ محمودُ العاقبةِ إنْ أخلَصَ، ولم يقُلْ أحدٌ مِن السلفِ ولا يفهَمُ مِن النصوصِ: أنه مُلْقٍ بنفسِهِ إلى التهلُكةِ؛ فإنَّ آياتِ الترخيصِ بالتحيُّزِ والتحرُّفِ والتخفيفِ بالفِرارِ مِن العدوِّ إنْ كان أكثَرَ مِن الضِّعْفِ -جاءتْ للترخيصِ بذلك، لا لتفضيلِه، فضلًا عن إيجابِه. * * *

стр. 1392

* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٢٤ - ٢٥]. الجهادُ حياةٌ: المرادُ بالحياةِ في قولِه تعالى: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ هو جهادُ الكُفَّارِ المُعانِدِينَ؛ كما قالَهُ عُرْوةُ بن الزُّبَيْرِ (١)، وابنُ إسحاقَ (٢)، وقال مجاهدٌ: هو الحقُّ (٣)، وقال قتادةُ: هو القرآنُ (٤). وهذا مِن التنوُّعِ لا التضادِّ، فمِن الحقِّ الذي دعا إليه النبيُّ ﷺ في القرآنِ: الجهادُ، وظاهرُ سياق الآياتِ قبلَها وبعدَها في قتالِ الكفَّارِ المُعانِدِين؛ ففي هذه الآيةِ سمَّى اللهُ الجهادَ حياةً: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، كما سمَّى القِصاصَ حياةً: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]؛ لأنَّ الأمَّةَ إنْ لم تُجاهِدْ عدوَّها، تسلَّطَ عليها وقتَلَها، وانشغَلَت بنفسِها فتناحَرَت وقتَلَ بعضُها بعضًا، وإنْ قاتَلَتْ عدوَّها، فلها البقاءُ والعِزَّةُ، ويُحفَظُ دمُها بقوَّةِ شَوْكَتِها، ولو كان الجهادُ في ظاهرِهِ سفكًا للدمِ وفقدًا للمال، ولكنَّ اللهَ يَحفَظُ به دماءً وأموالًا أعظَمَ ممَّا ذهَبَ منها وفَقَدَتْ، والتاريخُ شاهدٌ أنَّ الأمَّة إنِ انشغَلَتْ عن الجهاد، دَبَّ فيها القتالُ، وسفَكَ بعضُها دمَ بعضٍ، وإنِ انشغَلَت بالجهاد، حَفِظَ اللهُ دمَها ومالَها، وإن ظهَرَ لها خلافُ ذلك، فهم يَنظُرونَ للبدايات، ولا ينظُرونَ للنِّهاياتِ.

стр. 1393

وفي ذلك أنَّ الأمَّةَ التي تعطِّلُ الجهادَ كالأمَّةِ الميِّتةِ؛ لأنَّ اللهَ سمَّاهُ حياةً في قوله ﴿دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، وهو الجهادُ. ويُظهِرُ تلازُمَ اشتِدادِ الفِتَنِ في المُسلِمينَ عندَ تعطيلِ الجهادِ: أنَّ اللهَ ذكَرَ بعدَ حياتِهم به تحذيرَهُ مِن عاقبةِ الفتنِ عليهم بقوله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾؛ وذلك أنَّ الفَتنَ لا تكثُرُ إلَّا عندَ تعطيلِ الجهادِ والرُّكُونِ إلى الدُّنيا. * * * قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]. تقدَّمَ الكلامُ على مسألةِ الصَّدِّ عن المسجدِ الحرام في سورةِ البقرةِ عندَ قولهِ تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. * * * قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٥]. كانتْ قريشٌ تتعبَّدُ بالتصفيرِ والتصفيقِ عندَ البيت، والمُكَاءُ هو صفيرُ الطائرِ؛ فيقالُ: مَكَا الطيرُ يَمْكُو مُكَاءً ومَكْوَا: صَفَرَ، والطائرُ يُسمَّى المَكَّاءَ. والتَّصْدِيَةُ مِن الصَّدَى، وهو ما يَسمَعُهُ الخالي بينَ جبالٍ أو في كُهُوفٍ أو عُمْرانٍ خاليةٍ، وأرِيدَ به هنا التصفيقُ.

стр. 1394

وقد كانت قريشٌ تُريدُ صَدَّ النبيِّ ﷺ عن قراءةِ القرآنِ؛ حتى لا يَفتِنَهم ولا يَفتِنَ قَوْمَهم، فيُصفِّقونَ ويُصفِّرونَ ويَتمازَحُونَ باللَّغْوِ ورفعِ الصوتِ به؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] فهم يُريدون الغَلَبَةَ لآلهتِهم، والهزيمةَ لمحمد ﷺ ورسالته. وقد ذكَرَ غيرُ واحدٍ أنَّ قريشًا كانتْ تتعبَّدُ بالمُكَاءِ والتَّصْدِيَةِ في الحاهليَّة، فيَقِفُ الواحدُ منهم على الصَّفَا فيَمْكُو ليسمَعَ صَدَى صوتِهِ في جبالِ مَكَّةَ. وقد بيَّنَ اللهُ أنَّ غايةَ تعبُّدِهم للهِ هو هذا اللَّعِبُ واللَّهْوُ الذي بدَّلُوهُ عن الحنيفيَّة، ومنَعَهُمْ مِنَ الاستسلامِ لله، والانقيادِ والاتِّباعِ لنبيِّه ﷺ . حُكمُ التصفيرِ والتصفيقِ: وأمَّا حُكمُ التصفيرِ والتصفيق، فعلى حالَيْنِ: الأُولى: إذا أُرِيدَ به التعبُّدُ والتديُّنُ، فذلك محرَّمٌ، وليسا هما عبادةً في ذاتِهما في الإسلام، ولا يجوزُ التديُّنُ بهما بالاتِّفاق، إلَّا في حالةٍ واحدةٍ للمرأة، وهي عندَ إرادةِ فَتْحِها على الإمامِ عندَ سَهْوِهِ وغَلَطِهِ في الصلاة، ولم يُوجَدْ رجالٌ يَفتَحُونَ، فيستحَبُّ لها التصفيقُ؛ كما قال ﷺ : (التَّسْبِيح لِلرِّجَال، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ)؛ وهو في الصحيح، مِن حديثِ أبي هريرةَ (١) وسَهْلٍ (٢). الثانيةُ: إذا لم يُرَدْ به التعبُّدُ والتديُّنُ؛ وإنَّما يُفعَلُ في العاداتِ والمناسبات، فمنه ما يجوزُ: كتصفيرِ صاحِبِ البهائمِ لبهائمِه، فمنها ما

стр. 1395

تستجيبُ للتصفيرِ كبعضِ الطيورِ وشِبْهِها مِن غيرِها، وكتصفيقِ مَن يُريدُ تنبيهَ غافلٍ أو وَسْنَانٍ، وذلك بضربِ اليدِ أو القضيبِ على خشبٍ أو مَعدِنٍ، فلم يَرِدْ شيءٌ مِن منعِ هذا النوعِ في السُّنَّةِ وكلامِ الصحابةِ مع احتمالِ ورودِه. ومنه: تصفيِقُ المرأةِ في النِّكاح، فذلك جائزٌ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا أجازَ التصفيقَ للمرأةِ في الصلاة، ففي غيرِها مِن بابِ أَولى، سواءٌ كان ذلك في نكاحٍ أو أعيادٍ أو غيرِ ذلك مِن الأفراحِ. ومنه: ما يُكرَهُ؛ وهو تصفيرُ الرِّجالِ وتصفيقُهم في الأفراحِ وعندَ سماعِ ما يُعجِبُهم وَيَسُرُّهم؛ وذلك لأنَّه قد دلَّ الدليلُ على مشروعيَّةِ التكبيرِ والتسبيح، وفد ثبَتَ في "الصحيح"؛ مِن حديثِ أمِّ سلمةَ، عن النبيِّ ﷺ ؛ قال: (سُبْحَانَ اللهِ! مَاذَا أنزِلَ مِنَ الخَزَائِن، وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الفِتَنِ؟ ! )، وفيه عن عمرَ أنه قال للنبيِّ ﷺ : طَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قال: لا، فقال عمرُ: اللهُ أَكْبَرُ (١). وقد ترجَمَ البخاريُّ على ذلك بقولِه: (بابُ التكبيرِ والتسبيحِ عندَ التعجُّبِ). وإبدالُ المشروعِ بغيرِهِ مكروهٌ، وليس التصفيرُ والتصفيقُ مِن مروءةِ رجالِ العربِ، وإنَّما قلْنا بالكراهةِ، ولم نقُل بالتحريمِ؛ لأنَّه لا دليلَ على تحريمِه، والآيةُ في التعبُّدِ به عندَ البيت، وأفعالُ العباداتِ إنْ شابَهَتِ العادات، جازَ فِعْلُها عادةً لا تعبُّدًا، ولو كانتْ ممنوعةً بعَينِها، لَمَا جازَ للمرأةِ التصفيقُ؛ لأنَّ المشابَهةَ للعبادةِ يُنهَى عنها الرجلُ والمرأةُ، والآيةُ عامَّةٌ بحكايةِ حالِ المشرِكينَ، لم تُخصِّصْ رجلًا ولا امرأةً منهم، ولأنَّ المرأةَ لو سبَّحَتْ وصفَّقَ الرجُلُ في الصلاة، لم تَبطُلْ صلاتُهما؛ وإنَّما

стр. 1396

فعَلَا مكروهًا غيرَ مستحَبٍّ، وإنَّما كانتِ الكراهةُ؛ لأنَّه ثبَتَ في الشرعِ سُنِّيَّةُ التكبيرِ والتسبيحِ عندَ سماعِ ما يُفرِحُ ويُعجَبُ منه، ولأنَّه مِن خصائصِ النِّساءِ؛ كما في طاهرِ الحديثِ: (التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ)؛ يعني: خارجَ الصلاة، فكان لهنَّ داخِلَها، فلم يكنْ في عُرْفِ الرِّحالِ إلَّا في الزمنِ المتأخِّر، وإنْ فعَلَهُ ونُسِبَ لآحادٍ وعوامَّ عن السابقِينَ. وقد كان ابنُ عمرَ وأبو سلمةَ بن عبد الرحمنِ يُسألانِ عن التصفيرِ والتصفيق، فيَفْعَلانِ ذلك لبيانِه، ولو كان محرَّمًا بعَيْنِه، لَمَا جازَ فعلُهُ ولو لبيانِه؛ لأنَّ بيانَهُ بالكلامِ ممكِنٌ لكلِّ أحدٍ؛ كما رَوَى ابنُ جريرٍ، عن قُرَّةَ، عن عطيَّةَ، عن ابنِ عمرَ؛ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾؛ قَالَ: "المُكَاءُ: الصَّفِيرُ، وَالتَّصْدِيَةُ: التَّصْفِيقُ. وَقَالَ قُرَّةُ: "وَحَكَى لَنَا عَطِيَّةُ فِعْلَ ابْنِ عُمَرَ؛ فَصَفَّرَ، وَأَمَالَ خَدَّهُ، وَصَفَّقَ بِيَدَيْهِ" (١). وأمَّا ما رواهُ ابنُ عساكرَ في "تاريخِه"، عن الحسنِ البصريِّ مرسلًا؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: (عَشْرُ خِصَالٍ عَمِلَهَا قَوْمُ لُوطٍ، بهَا هَلَكُلوا، وَتَزِيدُهَا أُمَّتِي بِخَلَّةٍ)، فذكَرَ الخِصالَ، ومنها التصفيقُ (٢)، فلا يَثبُتُ، وهو مُنكَرٌ. ويجوز للمرأةِ الزَّغْرَدَةُ والتصفيرُ؛ لجوازِ التصفيقِ لها، وجعَلَهُ بعضُ فُقهاءِ المالكيَّةِ في حُكْمِ ضربِ الدُّفِّ في إظهارِ النِّكاحِ. التعبُّدُ للهِ بالألحانِ والآهاتِ: أمَّا التعبُّدُ بالآهاتِ والألحان، وذِكْرُ اللهِ بها: فلا يُعرَفُ في القُرونِ المفضَّلةِ التعبُّدُ للهِ بالأذكارِ والأدعيةِ باللُّحونِ والآهات، وهذا ممَّا حدَثَ

стр. 1397

في أوائلِ المئةِ الثالثةِ واشتهَرَ بعدَها، ولم يكنْ معروفًا في بُلْدانِ الإسلامِ التعبُّدُ به، ولا بالتصفيقِ والتصفير، ولا بالدُّفّ، ولا بصربِ القضيبِ. ولمَّا ظهَرَ، أنكَرَهُ الأئمَّةُ مِن السلفِ، ولم يكنْ نهم مَن يعملُهُ، حتى كَثُرَ في الزُّهَّادِ المتصوِّفة، ثم كان في الصالحينَ، ثم اعتادَهُ بعضُ المتعلِّمِينَ، وقد أسنَدَ البيهقي في "مناقب الشافعيِّ" قولَهُ: "خَلَّفْتُ ببغدادَ شيئًا أحدَثَتْهُ الزَّنادقةُ يُسَمُّونَهُ التغبيرَ، يَصُدُّونَ به الناسَ عن القرآنِ" (١). وتوسَّعَ الناسُ اليومَ في إنشادِ الأشعارِ حتى شابَهُوا أهلَ المعازفِ والطَّرَب، فيُسمُّونَها إنشادًا وحُدَاءً، وليستْ بحُدَاءٍ ولا إنشادٍ، وغرَّهُم في ذلك أنَّ الآلاتِ التي تُستعمَلُ فيها ليستْ معازفَ؛ وإنَّما مِن الأصواتِ الطبيعيَّةِ والتقنيةِ الحديثة، وهذا جهلٌ بأصولِ الشريعةِ التي لا تُفرِّقُ بينَ المُتماثِلات، والمعازفُ مِن الطبيعةِ؛ فهي مِن أغصانِ الشجرِ وأعوادِها، ومِن شَعَرِ بعضِ البهائمِ وجِلْدِها، وإنَّما اختلَفَتْ في طريقةِ إحراجِ الصوت، وأكثَرَ الناسُ منها حتى بلَغُوا حَدَّ التديُّنِ بها، واتُّخِذَتْ دعوةً للفُسَّاقِ والغافِلِينَ لها، وهذا مِن الصدِّ عن كلامِ اللهِ والتغنِّي به، وعن الوعظِ المشروع، ولا يُعلَمُ أنَّ فاسقًا وغافلًا صلَحَتْ حالُه بأناشيدِ الإطرابِ وآهاتِ الأحزانِ والأفراح، بل هي حرَفَتِ الصالحينَ إلى الغَفْلة، ولم تَجلِبِ الغافلينَ إلى الصلاحِ. ومَن صلَحَتْ حالُهُ في الظاهرِ بتلك الأسباب، فغالبًا أنَّ باطنَهُ أجوَفُ مِن الإيمان، وقلَّما يثبُتُ، وربَّما يُظهِرُ مِن الصلاحِ ويُبطِنُ مِن ذنوبِ السَّرائرِ أشياءَ عظيمةً؛ لأنَّه لا يُثبِّتُ الإيمانَ في القلبِ إلَّا الوحيُ قرآنًا وسُنَّةً والوعظُ بهما، وبمِقْدارِ ما لدى الإنسانِ منهما يكونُ صلاحُهُ باطنًا، وبمِقدارِ نُقْصانِهما فما زاد مِن صلاحِ الإنسانِ الظاهرِ

стр. 1398

عليهما هو تكلُّفٌ وتصنُّعٌ لا بُدَّ أن يَزولَ عدَ أدنى شِدَّةٍ ومِحْنةِ أو تغيُّرِ حالٍ. * * * قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. مِنْ رحمةِ اللهِ بالكفَّارِ: عدمُ مؤاخَذَتِهم لما سلَفَ منهم مِن حقِّ اللهِ وحقِّ المخلوقِين؛ فاللهُ يُسقِطُ ذلك عنهم بعَفوِه؛ تشَوُّفًا لاتِّباعِهم الحقَّ وعودتِهم إلى فِطْرتِهم، ولو أُخِذُوا بما سلَفَ منهم مِن حقِّ اللهِ؛ مِن سَبِّ اللهِ والتعدِّي على دِينِهِ ونبيِّه، ومِن حقِّ المخلوقينَ؛ مِن قتلِ المُسلِمينَ وسَلْبِ أموالِهم وسَفْكِ دمائِهم-: لَمَا أقبَلَ منهم أحدٌ إلَّا ما رحِم اللهُ. الكافرُ والمُرْتَدُّ والحقوقُ التي عليهما: والكافرُ إذا دخَلَ الإسلامَ، فعلى حالتَيْنِ: الحالةُ الأُولى: إنْ كان كافرًا أصليًّا؛ فيسقُطُ كلُّ حقٍّ عليه للهِ وللعباد، مِن دمٍ أو مالٍ أو عِرْضٍ بالإجماعِ؛ لظاهِرِ هذه الآية، ولاستفاضةِ عملِ النبيِّ ﷺ مع الداخِلينَ في الإسلام ممَّن قاتَلَهُ واعتَدَى عليه بنفسِهِ وعلى أصحابِه، فما أخَذَ على قريشٍ وأَهلِ الطائفِ طَرْدَهم وضَرْبَهم له، ولا على مَن قاتَلَهُ في بدرٍ وأُحُدٍ وحُنَيْنٍ وغيرِها، لمَّا دخَلَ الإسلامَ؛ إذْ لم يُؤاخِذْهم بشيءٍ، حتى لمَّا دخَلَ وَحْشِيٌّ الإسلامَ وكان قد قتَلَ حمزةَ، وهو أعظَمُ مُصابٍ للنبيِّ ﷺ ، لم يُؤاخِذْه النبيُّ بذلك. ولا يُؤخَذُ منهم المالُ الذي سَلَبُوهُ، ولا يُقادَونَ بدمٍ أراقُوه، ولا بعِرْضٍ انتهَكُوه. وفي هذا كلِّه دَلَالةٌ على أنَّ غايةَ المُسلِمينَ إخضاعُ الناسِ

стр. 1399

لعِبادةِ الله، وليس الانتصافَ لأنفُسِهم مِن عدوِّهم، وتَشَفِّيَهم منه، وعُلُوَّهم في الدُّنيا عليه. وكلُّ ما أخَدَهُ الكافرُ الداخلُ في الإسلامِ مِن المُسلِمينَ قبلَ إسلامِه، فليس لهم مطالبتُهُمْ به؛ فإنَّما أُخِذَ للهِ؛ فعلى اللهِ أجرُهم وثوابُهم، ولا يجوزُ لهم أن يَنتقِمُوا لأنفُسِهم ممَّن دخَلَ الإسلامَ بعدَ كُفْرِهِ الأصليّ، مهما بلَغَت آلامُهم وحقوقُهم عندَهُ؛ ففي "الصحيحَيْنِ"، مِن حديثِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيٍّ؛ أَنَّ المِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو الكِنْدِيِّ حَليِفَ بَنِي زُهْرَةَ، حَدَّثَهُ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي لَقِيتُ كَافِرًا فَاقْتَتَلْنَا، فَضَرَبَ يَدِي بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، وَقَالَ: أسْلَمْتُ لله، آقْتُلُهُ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (لَا تَقْتُلْهُ)، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، فَإِنَّهُ طَرَحَ إِحْدَى يَدَيَّ، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَمَا قَطَعَهَا! آقْتُلُهُ؟ قَالَ: (لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقتُلَهُ، وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ) (١). الحالةُ الثانيةُ: أنْ يكونَ مرتدًّا، فكان على الإسلامِ ثم ترَكَهُ وارتَدَّ وقاتَلَ المُسلِمينَ، وأصابَ منهم دمًا ومالًا وعِرْضًا، فقد اختلَفَ العلماءُ في مُؤاخَذَتِه في الحقوقِ التي عليه للآدميِّينَ زمنَ رِدَّتِه: ذهَبَ أبو حنيفةَ ومالكٌ والشافعيُّ: إلى أنَّ حقوقَ الآدميِّينَ لا تسقُطُ عن المُرتدّ، ولو سقَطَتْ حقوقُ الآدميِّينَ عن المرتدِّ بعدَ معرفتِهِ للحقِّ ودخولِهِ إليه ومعرفتِهِ لثُغُورِه ومَحَارِمِ أهلِه مِن دمٍ ومالٍ وعِرْضٍ، لَاتُّحِذَ ذلك ذريعةً إلى استباحةِ تلك الأموالِ والأعراصِ والدِّماءِ بالرِّدَّة، ثم العودةِ إلى الإسلامِ.

стр. 1400

وهذه الآيةُ - وهي قولُه تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ - نزَلتْ في الكفَّارِ الأصليِّينَ بالاتِّفاقِ. وذهَبَ بعضُ الفُقَهاءِ مِن المالكيَّةِ وغيرِهم إلى سقوطِ كلِّ شيءٍ عنه، وأنَّه كالكافرِ الأصليِّ. وأمَّا حقوقُ اللهِ على المرتدِّ حالَ رِدَّتِهِ: فأكثرُ العلماءِ على سقوطِها عنه؛ وهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ وأحمدَ في المشهورِ عنه، سواءٌ كانت عبادةً أو زكاةَ مالٍ، أو طلاقًا أو قَسَمًا ويمينًا ونحوَ ذلك. وقال الشافعيِّ وأحمدُ في روايةٍ أُخرى: إنَّه يَقضي ما عليه مِن حقِّ اللهِ. والأظهَرُ: سقوطُ حقِّ اللهِ عنهم؛ فقد ارتَدَّ ناسٌ زمنَ النبيِّ ﷺ وعادُوا، ولم يأمُرْهم النبيُّ ﷺ بقضاءِ شيءٍ مِن حقِّ اللهِ الذي ترَكُوهُ زمنَ رِدَّتِهم؛ كابنِ أبي السَّرْح، وكالذين اتَّبَعُوا الأَسْوَدَ العَنْسِيَّ مُدَّعِيَ النبوَّةِ في زمنِهِ ﷺ ، ولمَّا قُتِلَ، عادُوا إلى الإسلام، ولم يُؤمَرُوا بشيءٍ. وقد ارتدَّتْ قبائلُ وجماعاتٌ زمنَ الخلفاءِ والصحابة، ولم يثبُتْ أنَّهم أَمَرُوهم بقضاءِ شيءٍ مِن حقِّ اللهِ تعالى، وقد جاءَ الوحيُ بإسقاطِ الحقِّ عن كلِّ مَن تحوَّلَ مِن كفرٍ إلى إسلامٍ؛ كما في "الصحيح"؛ مِن قولِهِ ﷺ : (إِنَّ الإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ) (١). وأمَّا الذِّمِّيُّ والكافرُ الحَربيُّ الذي يدخُلُ بُلْدانَ المُسلِمينَ بأمانٍ فيَقذِفُ ويُصِيبُ حَدًّا، فإنَّه يُقامُ عليه الحَدُّ، ويُعاقَبُ ويُؤاخَذُ بما جَنَى؛ لأنَّ لازِمَ عهدِهِ وأمانِهِ وذِمَّتِهِ حِفْظُ حقوقِ المُسلِمينَ. * * *

стр. 1401

قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٣٩]. في هذه الآيةِ: الكلامُ على قتالِ الطلَبَ، وتقدَّمَ الكلامُ على ذلك في سورةِ البقرةِ وآلِ عِمرانَ. * * * قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾ [الأنفال: ٤١]. في هذه الآيةِ: تفصيلُ الغنيمة، وبيانُ مُستحِقِّيها مِن المُقاتِلينَ وغيرِهم، وتقدَّمَ بيانُ أنَّ اللهَ خَصَّ هذه الأمَّةَ بحِلِّ الغنيمة، وكانت أوَّلَ الأمرِ جُعِلَتْ لرسولِ اللهِ ﷺ يُقسِّمُها على ما أرادَ، ثم فصَلَ اللهُ في أمرِها في هذه الآيةِ. والمالُ المأخوذُ مِن الكفَّارِ أنواعٌ؛ منه: الغنيمةُ والفَيْءُ والأنفالُ والسَّلَبُ والجِزْيةُ والخَرَاجُ، وبينَ بعضِ هذه الأسماءِ تداخُلٌ في المعنى، وبينَ بعضِها تطابُقٌ عندَ بعضِ السلف، والغنيمةُ هي ما أُخِذَ بإيجافِ الخَيْلِ والرِّكَاب، فتُطلَقُ على ما أُخِذَ بقتالٍ؛ كما في غَزْوةِ بدرٍ وأُحُدٍ وحُنَيْنٍ وغيرِها، والفَيْءُ ما أُخِذَ مِن المشركينَ بلا قتالٍ؛ كما كان في فتحِ مَكَّةَ، وفيه نزَلَتْ آيةُ سورةِ الحشر، فقد نزَلَتْ في بني النَّضِير، وهي بعدَ بدرٍ. ولا يصحُّ القولُ بأنَّ آيةَ الغنيمةِ في الأنفالِ ناسخةٌ لآيةِ الفَيْءِ مِن سورةِ الحشرِ؛ كما يقولُه قتادةُ؛ لأنَّ الحشرَ في غزوةِ بَني النَّضِير،

стр. 1402

والأنفالَ في غزوةِ بدرٍ، وبدرٌ قبلَ بني النَّضِيرِ بالاتِّفاقِ. وتقدَّمَ الكلامُ على الأنفالِ والسَّلَب، ويأتي الكلامُ على الجِزْيةِ في سورةِ التوبةِ بإذنِ اللهِ. تخميسُ الغنيمةِ وحُكْمُهُ: وفي هذه الآيةِ: ﴿غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ﴾ الآيةَ: دليلٌ على وجوبِ تخميسِ القليلِ والكثير، وأنَّه لا يُؤخَذُ منها شيءٌ يُستأثَرُ سه ولو قليلًا، وفي "المسنَدِ"؛ مِن حديثِ عُبَادةَ مرفوعًا: (أدُّوا الْخَيْطَ وَالمِخْيَطَ، وَأَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ وَأَصْغَرَ، وَلَا تَغُلُّوا) (١). وقد صحَّ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: (السَّهْمُ تَسْتَخْرِجُهُ مِنْ جَنْبِكَ، لَيْسَ أَنْتَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ أَخِيكَ المُسْلِمِ)؛ رواهُ البيهقيُّ، عن عبد اللهِ بنِ شَقِيقٍ، عن رجلٍ مِنْ بَلْقَيْنِ مِن الصحابةِ (٢). وبوجوبِ تخميسِ الغنيمةِ يقولُ عامَّةُ السلفِ والفقهاءِ؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ والشَّافعيِّ وأحمدَ. ويُروى عن بعضِ السلفِ؛ كمالكٍ وبعضِ الأئمَّةِ الفقهاءِ؛ كابنِ تيميةَ: جوازُ إلَّا يَقسِمَها الإمامُ تخمسًا، وأنَّ له أنْ يجتهدَ في إعطائِها على ما يراهُ وفيما يراهُ، واستُدِلَّ بما فعَلَ النبيُّ ﷺ يومَ حُنَينٍ؛ كما في البخاريّ، عن عبد اللهِ؛ قال: "لمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ، آثَرَ النَّبِيُّ ﷺ نَاسًا؛ أَعْطَى الأَقْرَعَ مِئَةً مِنَ الإِبِل، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى نَاسًا، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا أُرِيدَ بِهَذِهِ القِسْمَةِ وَجْهُ الله، فَقُلْتُ: لَأُخْبِرَنَّ النَّبَيَّ ﷺ ، قَالَ: (رَحِمَ اللهُ مُوسَى؛ قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ) " (٣).

стр. 1403

واختُلِفَ فيما فعَلَهُ النبيُّ ﷺ يومَ حُنَيْنٍ: هل كان عطيَّةً مِن أصلِ الغنيمةِ وأنَّها لم تُخمَّسْ، أو كان ذلك بعدَ تخميسِها وكانتِ العطيَّةُ مِن خُمُسِ النبيِّ ﷺ خاصَّةً؟ على قولَيْنِ: قال بالقولِ الأوَّلِ: جماعةٌ مِن العلماءِ؛ كابنِ عدِ البَرّ، وابنِ تيميَّةَ، وابنِ حَجَرٍ، وغيرِهم، ولا يَلزَمُ في كلِّ مَن قال بأنَّ النبيَّ ﷺ لم يُخمِّسْ غنيمةَ حُنَيْنٍ: أنه لا يَرى وجوبَ تخميسِ الغنيمةِ على الأُمراءِ؛ فمنهم مَن جعَلَها خاصَّةً بالنبيِّ ﷺ . وقال بالقولِ الثاني: الشافعيُّ، وأبو عُبَيْدٍ القاسمُ بن سلَّامٍ، والقاضي عِياضٌ. قِسْمةُ غنائمِ حُنَيْنٍ: والقولُ بأنَّ النبيَّ قَسَمَ غنائمَ حُنيْنٍ، وأنَّ ما لم يقسِمْهُ هو الخُمُسُ - هو الذي يُوافِقُ ظواهرَ الأدلَّةِ ويَسيرُ عليها؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ ما زالَ يَقسِمُ الغنائمَ منذُ نزَلَتْ عليه هذه الآيةُ، ولو كان ثَمَّةَ ما يخرُجُ عن هذا الأصل، لَجَاءَ صريحًا، ولَاعْتَبَرَهُ الصحابةُ والتابعونَ ناسخًا للأمرِ بتخميسِ الغنيمة، ولَعَمِلَ الخلفاءُ به بعدَ ذلك، ويدُلُّ على بقاءِ الحُكْمِ ما جاءَ في "السُّننِ"؛ مِن حديثِ عدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ (١)، وعمرِو بنِ عَبَسَةَ (٢)؛ أنَّ الرسولَ قال يومَ حُنَيْنٍ - وقد أَمْسَكَ وَبَرَةً مِن سَنَامِ بَعِيرٍ بينَ إصبعَيْهِ -: (إِنَّهُ لَيْسَ لِي مِنَ الْفَيْءِ شَيْءٌ، وَلَا هَذِه، إِلَّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ)، ورواهُ أحمدُ عن عُبادةَ (٣)، ومالكٌ عن عمرِو بنِ شعيب (٤).

стр. 1404

وهو صريحٌ في بقاءِ الحُكمِ يومَ حُنينٍ، وأنَّ النبيَّ ﷺ لا يَملِكُ غيرَ الخُمُسِ. ويعضُدُ ذلك ويُستأنَسُ بما رواهُ الشافعيُّ؛ قال: "أخبَرَنا بعضُ أصحابِنا، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ أَعطى الأَقْرَعَ وأصحابَهُ مِن خُمُسِ الخُمُسِ" (١). وأمَّا كثرةُ المالِ الذي أعطاهُ، فقد أَعطَى الأَقرَعَ بنَ حابِسٍ، وعُيَيْنَةَ بنَ حِصْنٍ، وحَكِيمَ بنَ حِزَامٍ، وأبا سُفْيانَ بنَ حَرْبٍ، وابنَهُ مُعاويةَ، والحارتَ بنَ هشامٍ، وسُهَيلَ بنَ عمرٍو، وحُوَيْطِبَ بنَ عبد العُزَّى، وصَفْوَانَ بنَ أُمَيَّةَ مئةَ بَعِيرٍ، ومالكَ بنَ عَوْفٍ، والعلاءَ بنَ جَارِيَةَ الثَّقَفِيَّ حَلِيفَ بَني زُهْرةَ، وغيرَهم مِئَةً مِن الإبل، وأَعطَى عيرَهم أقَلَّ مِن المِئَة، وقد اختلَفَتْ كُتُبُ السِّيَرِ في عددِ مَن تألَّفَ قلْبَه مِن قريشٍ وغَطَفَانَ وتميمٍ وبَني قيسٍ وثقيفٍ وغيرِهم مِن الغنيمة، وقد ذكَرَ ابنُ هشامٍ تسعةً وعشرينَ رجلًا، ولو جُمِعَ صحيحُ الرِّواياتِ وضَعيفُها، فإنَّهم لا يَبلُغُونَ ستِّينَ رجلًا، ولم يُساوِهم جميعًا في العطاء، وغنائمُ حُنَيْنٍ عظيمةٌ، وقد قيل: إنَّها فوقَ أربعةٍ وعشرينَ ألفًا مِن الإبل، ومِن الغنمِ قريبُ الضِّعْفِ مِن الإبل، وبضعةُ آلافٍ مِن أَوَاقِي الفِضَّةِ والسَّبْي، والخُمُسُ مِن الإبلِ خاصَّةً - الذي يَملِكُ النبيُّ ﷺ وَضْعَهُ فيما يراهُ -: عظيمٌ، وَيستوفي ذلك العَدَدَ ويَزيدُ. وأمَّا ما جاءَ في "الصحيحَينِ"، عن أنسِ بنِ مالكٍ؛ أنَّ الرسولَ ﷺ أعطَى الطُّلَقَاءَ والمُهاجِرينَ، ولم يُعْطِ الأنصارَ شيئًا (٢)، فظاهرٌ أنَّهم لم يُعطَوْا شيئًا مِن النَّفَل، وهو الخُمُسُ، وليس بصريحٍ أنَّهم لم يُعطَوْا مِن

стр. 1405

أصلِ الغنيمة، فغايةُ ما فيه: أنَّهم لم يُقسَمْ لهم مِن الخُمُسِ ما يُتألَّفُونَ به. وقسمةُ الغنيمةِ يُسكَتُ عنها باعتبارِ أنَّها حقٌّ لا اختيارَ لأحدٍ فيها؛ كما تقدَّمَ، ولمَّا كان التخييرُ للنبيِّ ﷺ في الخُمُسِ هو الذي تَتشوَّفُ إليه النفوسُ وتَطمَعُ في نصيبِها منه؛ لأنَّه لا حَقَّ لهم معلومٌ فيه، وزادَ مِن استغرابِ الأنصارِ: أنَّ الذين أعطاهُم رسولُ اللهِ ﷺ أَدْبَرُوا عنه ولم يُقاتِلُوا معه. وذهَبَ بعضُهم: إلى أنَّ الغنيمةَ لم تُخمَّسْ في حُنَيْنٍ، وأنَّ ذلك خاصٌّ بالنبيِّ ﷺ ، ولا يكونُ لغيرِه؛ وذلك أنه يَملِكُ عِوضًا عن الغنيمةِ يخُصُّ به أهلَها، وهو نفسُهُ، فقُرْبُ النبيِّ ﷺ أعظَمُ مَغنَمٍ؛ ولذا قال: (أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا، وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ تَحُوزُونَهُ إِلَى بُيُوتِكُمْ؟ ! )؛ أخرَجَهُ الشيخانِ (١). وليس لأميرٍ ولا لخليفةٍ أنْ يقولَ ذلك لجيشِهِ ولا لجُنْدِهِ؛ لأنَّه لا يُماثِلُ النبيَّ ﷺ أحدٌ في فضلِ قُرْبِهِ وصُحْبتِه. تركُ تقسيمِ الغنيمةِ للضرورةِ: وإنِ اضطُرَّ الإمامُ لأخذِ الغنيمةِ أو بعضِها لِسَدِّ ثَغْرٍ فُتِحَ على المُسلِمينَ لا يُغلَقُ إلَّا بمالِ الغنيمة، وليس في ذلك طمعٌ للإمامِ وهوًى له فيه أو لقَرابتِه، فإنَّ ذلك يكونُ مِن بابِ الضَّرُورات، كما لو صُرِفَتْ أموالُ الزكاةِ في غيرِ مَصْرفِها لضرورةٍ تَحُلُّ بالناس، فلا تُدفَعُ المَفسَدةُ إلَّا بذلك، ولا تقومُ المصلحةُ العظيمةُ إلَّا به كذلك، جازَ، وقد يُحمَلُ ما في قسمةِ الغنيمةِ يومَ حُنَيْنٍ على ذلك، على فرضِ أنَّها لم تُقسَمْ جميعُها على الجيشِ.
следующие страницы →