قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٣٩].
في هذه الآيةِ: الكلامُ على قتالِ الطلَبَ، وتقدَّمَ الكلامُ على ذلك في سورةِ البقرةِ وآلِ عِمرانَ.
* * *
قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾ [الأنفال: ٤١].
في هذه الآيةِ: تفصيلُ الغنيمة، وبيانُ مُستحِقِّيها مِن المُقاتِلينَ وغيرِهم، وتقدَّمَ بيانُ أنَّ اللهَ خَصَّ هذه الأمَّةَ بحِلِّ الغنيمة، وكانت أوَّلَ الأمرِ جُعِلَتْ لرسولِ اللهِ ﷺ يُقسِّمُها على ما أرادَ، ثم فصَلَ اللهُ في أمرِها في هذه الآيةِ.
والمالُ المأخوذُ مِن الكفَّارِ أنواعٌ؛ منه: الغنيمةُ والفَيْءُ والأنفالُ والسَّلَبُ والجِزْيةُ والخَرَاجُ، وبينَ بعضِ هذه الأسماءِ تداخُلٌ في المعنى، وبينَ بعضِها تطابُقٌ عندَ بعضِ السلف، والغنيمةُ هي ما أُخِذَ بإيجافِ الخَيْلِ والرِّكَاب، فتُطلَقُ على ما أُخِذَ بقتالٍ؛ كما في غَزْوةِ بدرٍ وأُحُدٍ وحُنَيْنٍ وغيرِها، والفَيْءُ ما أُخِذَ مِن المشركينَ بلا قتالٍ؛ كما كان في فتحِ مَكَّةَ، وفيه نزَلَتْ آيةُ سورةِ الحشر، فقد نزَلَتْ في بني النَّضِير، وهي بعدَ بدرٍ.
ولا يصحُّ القولُ بأنَّ آيةَ الغنيمةِ في الأنفالِ ناسخةٌ لآيةِ الفَيْءِ مِن سورةِ الحشرِ؛ كما يقولُه قتادةُ؛ لأنَّ الحشرَ في غزوةِ بَني النَّضِير،
стр. 1402
والأنفالَ في غزوةِ بدرٍ، وبدرٌ قبلَ بني النَّضِيرِ بالاتِّفاقِ.
وتقدَّمَ الكلامُ على الأنفالِ والسَّلَب، ويأتي الكلامُ على الجِزْيةِ في سورةِ التوبةِ بإذنِ اللهِ.
تخميسُ الغنيمةِ وحُكْمُهُ:
وفي هذه الآيةِ: ﴿غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ﴾ الآيةَ: دليلٌ على وجوبِ تخميسِ القليلِ والكثير، وأنَّه لا يُؤخَذُ منها شيءٌ يُستأثَرُ سه ولو قليلًا، وفي "المسنَدِ"؛ مِن حديثِ عُبَادةَ مرفوعًا: (أدُّوا الْخَيْطَ وَالمِخْيَطَ، وَأَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ وَأَصْغَرَ، وَلَا تَغُلُّوا) (١).
وقد صحَّ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: (السَّهْمُ تَسْتَخْرِجُهُ مِنْ جَنْبِكَ، لَيْسَ أَنْتَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ أَخِيكَ المُسْلِمِ)؛ رواهُ البيهقيُّ، عن عبد اللهِ بنِ شَقِيقٍ، عن رجلٍ مِنْ بَلْقَيْنِ مِن الصحابةِ (٢).
وبوجوبِ تخميسِ الغنيمةِ يقولُ عامَّةُ السلفِ والفقهاءِ؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ والشَّافعيِّ وأحمدَ.
ويُروى عن بعضِ السلفِ؛ كمالكٍ وبعضِ الأئمَّةِ الفقهاءِ؛ كابنِ تيميةَ: جوازُ إلَّا يَقسِمَها الإمامُ تخمسًا، وأنَّ له أنْ يجتهدَ في إعطائِها على ما يراهُ وفيما يراهُ، واستُدِلَّ بما فعَلَ النبيُّ ﷺ يومَ حُنَينٍ؛ كما في البخاريّ، عن عبد اللهِ؛ قال: "لمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ، آثَرَ النَّبِيُّ ﷺ نَاسًا؛ أَعْطَى الأَقْرَعَ مِئَةً مِنَ الإِبِل، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى نَاسًا، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا أُرِيدَ بِهَذِهِ القِسْمَةِ وَجْهُ الله، فَقُلْتُ: لَأُخْبِرَنَّ النَّبَيَّ ﷺ ، قَالَ: (رَحِمَ اللهُ مُوسَى؛ قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ) " (٣).
стр. 1403
واختُلِفَ فيما فعَلَهُ النبيُّ ﷺ يومَ حُنَيْنٍ: هل كان عطيَّةً مِن أصلِ الغنيمةِ وأنَّها لم تُخمَّسْ، أو كان ذلك بعدَ تخميسِها وكانتِ العطيَّةُ مِن خُمُسِ النبيِّ ﷺ خاصَّةً؟ على قولَيْنِ:
قال بالقولِ الأوَّلِ: جماعةٌ مِن العلماءِ؛ كابنِ عدِ البَرّ، وابنِ تيميَّةَ، وابنِ حَجَرٍ، وغيرِهم، ولا يَلزَمُ في كلِّ مَن قال بأنَّ النبيَّ ﷺ لم يُخمِّسْ غنيمةَ حُنَيْنٍ: أنه لا يَرى وجوبَ تخميسِ الغنيمةِ على الأُمراءِ؛ فمنهم مَن جعَلَها خاصَّةً بالنبيِّ ﷺ .
وقال بالقولِ الثاني: الشافعيُّ، وأبو عُبَيْدٍ القاسمُ بن سلَّامٍ، والقاضي عِياضٌ.
قِسْمةُ غنائمِ حُنَيْنٍ:
والقولُ بأنَّ النبيَّ قَسَمَ غنائمَ حُنيْنٍ، وأنَّ ما لم يقسِمْهُ هو الخُمُسُ - هو الذي يُوافِقُ ظواهرَ الأدلَّةِ ويَسيرُ عليها؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ ما زالَ يَقسِمُ الغنائمَ منذُ نزَلَتْ عليه هذه الآيةُ، ولو كان ثَمَّةَ ما يخرُجُ عن هذا الأصل، لَجَاءَ صريحًا، ولَاعْتَبَرَهُ الصحابةُ والتابعونَ ناسخًا للأمرِ بتخميسِ الغنيمة، ولَعَمِلَ الخلفاءُ به بعدَ ذلك، ويدُلُّ على بقاءِ الحُكْمِ ما جاءَ في "السُّننِ"؛ مِن حديثِ عدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ (١)، وعمرِو بنِ عَبَسَةَ (٢)؛ أنَّ الرسولَ قال يومَ حُنَيْنٍ - وقد أَمْسَكَ وَبَرَةً مِن سَنَامِ بَعِيرٍ بينَ إصبعَيْهِ -: (إِنَّهُ لَيْسَ لِي مِنَ الْفَيْءِ شَيْءٌ، وَلَا هَذِه، إِلَّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ)، ورواهُ أحمدُ عن عُبادةَ (٣)، ومالكٌ عن عمرِو بنِ شعيب (٤).
стр. 1404
وهو صريحٌ في بقاءِ الحُكمِ يومَ حُنينٍ، وأنَّ النبيَّ ﷺ لا يَملِكُ غيرَ الخُمُسِ.
ويعضُدُ ذلك ويُستأنَسُ بما رواهُ الشافعيُّ؛ قال: "أخبَرَنا بعضُ أصحابِنا، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ أَعطى الأَقْرَعَ وأصحابَهُ مِن خُمُسِ الخُمُسِ" (١).
وأمَّا كثرةُ المالِ الذي أعطاهُ، فقد أَعطَى الأَقرَعَ بنَ حابِسٍ، وعُيَيْنَةَ بنَ حِصْنٍ، وحَكِيمَ بنَ حِزَامٍ، وأبا سُفْيانَ بنَ حَرْبٍ، وابنَهُ مُعاويةَ، والحارتَ بنَ هشامٍ، وسُهَيلَ بنَ عمرٍو، وحُوَيْطِبَ بنَ عبد العُزَّى، وصَفْوَانَ بنَ أُمَيَّةَ مئةَ بَعِيرٍ، ومالكَ بنَ عَوْفٍ، والعلاءَ بنَ جَارِيَةَ الثَّقَفِيَّ حَلِيفَ بَني زُهْرةَ، وغيرَهم مِئَةً مِن الإبل، وأَعطَى عيرَهم أقَلَّ مِن المِئَة، وقد اختلَفَتْ كُتُبُ السِّيَرِ في عددِ مَن تألَّفَ قلْبَه مِن قريشٍ وغَطَفَانَ وتميمٍ وبَني قيسٍ وثقيفٍ وغيرِهم مِن الغنيمة، وقد ذكَرَ ابنُ هشامٍ تسعةً وعشرينَ رجلًا، ولو جُمِعَ صحيحُ الرِّواياتِ وضَعيفُها، فإنَّهم لا يَبلُغُونَ ستِّينَ رجلًا، ولم يُساوِهم جميعًا في العطاء، وغنائمُ حُنَيْنٍ عظيمةٌ، وقد قيل: إنَّها فوقَ أربعةٍ وعشرينَ ألفًا مِن الإبل، ومِن الغنمِ قريبُ الضِّعْفِ مِن الإبل، وبضعةُ آلافٍ مِن أَوَاقِي الفِضَّةِ والسَّبْي، والخُمُسُ مِن الإبلِ خاصَّةً - الذي يَملِكُ النبيُّ ﷺ وَضْعَهُ فيما يراهُ -: عظيمٌ، وَيستوفي ذلك العَدَدَ ويَزيدُ.
وأمَّا ما جاءَ في "الصحيحَينِ"، عن أنسِ بنِ مالكٍ؛ أنَّ الرسولَ ﷺ أعطَى الطُّلَقَاءَ والمُهاجِرينَ، ولم يُعْطِ الأنصارَ شيئًا (٢)، فظاهرٌ أنَّهم لم يُعطَوْا شيئًا مِن النَّفَل، وهو الخُمُسُ، وليس بصريحٍ أنَّهم لم يُعطَوْا مِن
стр. 1405
أصلِ الغنيمة، فغايةُ ما فيه: أنَّهم لم يُقسَمْ لهم مِن الخُمُسِ ما يُتألَّفُونَ به.
وقسمةُ الغنيمةِ يُسكَتُ عنها باعتبارِ أنَّها حقٌّ لا اختيارَ لأحدٍ فيها؛ كما تقدَّمَ، ولمَّا كان التخييرُ للنبيِّ ﷺ في الخُمُسِ هو الذي تَتشوَّفُ إليه النفوسُ وتَطمَعُ في نصيبِها منه؛ لأنَّه لا حَقَّ لهم معلومٌ فيه، وزادَ مِن استغرابِ الأنصارِ: أنَّ الذين أعطاهُم رسولُ اللهِ ﷺ أَدْبَرُوا عنه ولم يُقاتِلُوا معه.
وذهَبَ بعضُهم: إلى أنَّ الغنيمةَ لم تُخمَّسْ في حُنَيْنٍ، وأنَّ ذلك خاصٌّ بالنبيِّ ﷺ ، ولا يكونُ لغيرِه؛ وذلك أنه يَملِكُ عِوضًا عن الغنيمةِ يخُصُّ به أهلَها، وهو نفسُهُ، فقُرْبُ النبيِّ ﷺ أعظَمُ مَغنَمٍ؛ ولذا قال: (أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا، وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ تَحُوزُونَهُ إِلَى بُيُوتِكُمْ؟ ! )؛ أخرَجَهُ الشيخانِ (١).
وليس لأميرٍ ولا لخليفةٍ أنْ يقولَ ذلك لجيشِهِ ولا لجُنْدِهِ؛ لأنَّه لا يُماثِلُ النبيَّ ﷺ أحدٌ في فضلِ قُرْبِهِ وصُحْبتِه.
تركُ تقسيمِ الغنيمةِ للضرورةِ:
وإنِ اضطُرَّ الإمامُ لأخذِ الغنيمةِ أو بعضِها لِسَدِّ ثَغْرٍ فُتِحَ على المُسلِمينَ لا يُغلَقُ إلَّا بمالِ الغنيمة، وليس في ذلك طمعٌ للإمامِ وهوًى له فيه أو لقَرابتِه، فإنَّ ذلك يكونُ مِن بابِ الضَّرُورات، كما لو صُرِفَتْ أموالُ الزكاةِ في غيرِ مَصْرفِها لضرورةٍ تَحُلُّ بالناس، فلا تُدفَعُ المَفسَدةُ إلَّا بذلك، ولا تقومُ المصلحةُ العظيمةُ إلَّا به كذلك، جازَ، وقد يُحمَلُ ما في قسمةِ الغنيمةِ يومَ حُنَيْنٍ على ذلك، على فرضِ أنَّها لم تُقسَمْ جميعُها على الجيشِ.
стр. 1406
وأمَّا ما يَستدِلُّ به بعصُ الأئمَّةِ على عدمِ وجوبِ تخميسِ الغنيمة، وأنَّها لاجتهادِ الإمامِ: بأنَّ النبيَّ ﷺ فرَّقَ بنَها وبينَ قِسْمةِ الزكاةِ؛ وذلك بما رواهُ أبو داودَ، عن زيادِ بن الحارثِ الصُّدَائِيِّ ﵁؛ قال: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَبَايَعْتُهُ، قَالَ: فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَة، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَات، حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ، فَجَزَّأَهَا ثمَانِيَةَ أجْزَاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاء، أَعْطَيْنُكَ حَقَّكَ) (١).
فهذا الحديثُ ضعيفٌ؛ ففي سندِه عبدُ الرحمنِ بن زِيَادِ بنِ أَنْعُمٍ، عن زيادِ بنِ نُعَيْمٍ، عن زيادٍ الصُّدَائِيّ، وابنُ أَنْعُمٍ ضعيفُ الحفظِ؛ قال أحمدُ: مُنكَرُ الحديث، وضعَّفَ حديثَهُ يحيى القَطَّانُ وأبو حاتمٍ وأبو زُزْعةَ وابنُ مَعِينٍ والنَّسَائيُّ، وضعَّفَ هذا الحديثَ الدارقطنيُّ وغيرُه.
ثم إنَّ هذا الحديثَ في سياقِ الزكاةِ لا في غيرِها، ولا يَلزَمُ مِن ذلك دخولُ كلِّ مالٍ غيرِ الزكاةِ في اجتهادِ الخليفة، ولو كان كذلك، لَدَخَلَتِ المواريثُ، والعَدْلُ في عطيَّةِ الأولادِ والزوجات، وغيرُ ذلك.
وقد تقدَّمَ في سورةِ آلِ عِمرانَ الكلامُ باختصارٍ على أنواعِ الغنيمةِ وما يجوزُ الاننفاعُ به منها بلا إذنٍ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١].
تقسيمُ الغنيمةِ:
وفي هذه الآيةِ: بيان أن الغنيمةَ تُقسَمُ على أخماسٍ، وتقدَّمَ بيانُ موضعِ الأنفالِ منها في أوَّلِ تفسيرِ هذه السورة، وهذه الأخماسُ بيَّنها اللهُ في هذه الآيةِ أنَّها على قسمَيْنِ:
стр. 1407
القِسمُ الأوَّلُ: خُمسٌ واحدٌ فصَّلَهُ اللهُ في قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.
وقد صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ هذا الخُمُسَ يُقسَمُ على أربعةِ أخماسٍ، فقال: كانتِ الغنيمةُ تُقسَمُ على خمسةِ أخماسٍ، فأربعةٌ منها لِمَنْ قاتَلَ عليها، وخُمُسٌ واحدٌ يُقسَمُ على أربعةٍ: فرُبُعٌ للهِ والرسولِ ولذي القُرْبَى؛ يعني: قَرَابةَ النبيِّ ﷺ ، فما كان للهِ والرسول، نهو لقَرابةِ النبيِّ ﷺ ، ولم يأخُذِ النبيُّ ﷺ مِن الخُمُسِ شيئًا، والرُّبُعُ الثاني لليَتَامى، والرُّبُعُ الثالث للمساكين، والرُّبُعُ الرابعُ لابنِ السبيلِ.
رواهُ عليٌّ عنه؛ أخرَجَه ابنُ جريرٍ، وابنُ أبي حاتمٍ (١).
ومنهم: مَن جعَلَ الخُمُسَ كلَّه لله، يَفعَلُ به نبيُّه ما شاءَ، وفي حُكْمِ نبيِّه إمامُ المُسلِمينَ بالعَدْل، ويكونُ تصرُّفُهُ فيه بالمصلحةِ كما يتصرَّفُ في الفَيْء، وإنَّما ذكَرَ اللهُ الأسماءَ؛ لبيانِ أَولى أهلِ الحقوقِ كرسولِ اللهِ وقَرابتِهِ واليتامى والمساكينِ وابنِ السبيلِ؛ وليس هذا على سبيلِ الحصرِ.
وهدا القولُ الذي تجتمِعُ عليه أقْوالُ أكثرِ السلف، ويُستدَلُّ بما صحَّ عندَ البيهقيّ، عن عبد اللهِ بنِ شَقِيقٍ، عن رجُلٍ مِن بَلْقَيْنِ؛ قال: أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ بِوَادِي الْقُرَى، وَهُوَ يَعْرِضُ فَرَسًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَا تَقُولُ فِي الْغَنِيمَةِ؟ قَالَ: (للهِ خُمُسُهَا، وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ لِلْجَيْشِ)، قُلْتُ: فَمَا أَحَدٌ أَوْلَى بِهِ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: (لَا، وَلَا السَّهْمُ نَسْتَخْرِجُهُ مِنْ جَنْبِكَ لَيْسَ أَنْتَ أَحَقَّ بِهِ مِنْ أَخِيكَ المُسْلِمِ) (٢).
وهذا الصحيحُ الذي يُوافِقُ مجموعَ الأدلَّةِ في أنَّ الخُمُسَ لرسولِ اللهِ ﷺ ولإمامِ المُسلِمِينَ، يُعْطِيهِ الأحَقَّ فالأَحَقَّ، والأَحْوَجَ
стр. 1408
فالأحوَجَ؛ ويدُلُّ على أنَّ الأمرَ فيه إلى اختيارِهِ ﷺ واختيارِ نائبِه: ما رواهُ أحمدُ، عن عُبَادهَ؛ قال: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى بِهِمْ فِي غَزْوِهِمْ إِلَى بَعِيرٍ مِنَ المَقْسِم، فَلَمَّا سَلَّمَ، قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَتَنَاوَلَ وَبَرَةً بَيْنَ أُنْمُلَتَيْه، فَقَالَ: (إِنَّ هَذِهِ مِنْ غَنَائِمِكُمْ، وَإِنَّهُ لَيْسَ لِي فِيهَا إِلَّا نَصِيبِي مَعَكُمْ إلَّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ، فَأَدُّوا الْخَيْطَ وَالمِخْيَطَ، وَأَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ وَأَصْغَرَ، وَلَا تَغُلُّوا؛ فَإِنَّ الغُلُولَ نَارٌ وَعَارٌ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) (١).
وهو عندَ أبي داودَ بنحوِهِ؛ مِن حديثِ عمرِو بنِ عَبَسَةَ مُختصرًا (٢).
وقولُهُ تعالى: ﴿لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ يتضمَّنُ ما ذكَرُوا لي هذه القِسْمةِ سِتًّا: للهِ ورسولِه وذوي القُرْبى واليتامى والمساكينِ وابنِ السبيل، ولا خلافَ في كلامِ السلفِ: أنه لا يجبُ أن يُقسَمَ الخمُسُ أسداسًا، فيكونَ ستهَ أقسامٍ، وقد ذكَرَ ابنُ جريرٍ أنَّ الخلافَ في تخميسِ الخُمُسِ وتربيعِهِ وتَثليثِهِ وتنصيفِه (٣).
وقد اختُلِفَ في المعنى الذي ذُكِرَ لأجْلِه حقُّ اللهِ في الخُمُسِ؛ فقيل: ذُكِرَ اسمُ اللهِ للتبرُّك، وأمَّا الحقوقُ فكلُّها للهِ؛ وهذا رواهُ الضحَّاكُ عن ابنِ عباسٍ (٤).
وقيل: انَّ إلقَسْمَ الذي يكونُ لله، هو للكعبة، وأرسَل هذا القولَ أبو العاليةِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، ثم قال: قال النبيُّ: لا تَجعَلوا للهِ نصيبًا؛ فإنَّ للهِ الدُّنيا والآخِرةَ (٥).
وأنكَرَ ابنُ جريرٍ تقسيمَ أبي العاليةِ الخُمُسَ إلى أسداسٍ (٦)، ولا أعلَمُ مَن قال بقولِ أبي الحالةِ مِن السلفِ.
стр. 1409
وقد صحَّ عن عطاءٍ: أنَّ حقَّ اللهِ لرسولِ اللهِ ﷺ يَفْعَلُ فيه ما شاءَ (١).
فجعَلَ حقَّ اللهِ وحقَّ رسولِهِ واحدًا؛ رُوِيَ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ والشَّعْبيِّ والنخَعيِّ والحسنِ (٢).
وأمَّا قولُه تعالى ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾، فقد صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّ ما للهِ ولرسولِه واحدٌ (٣).
ويعدَ وفاةِ النبيِّ ﷺ اختلَفَ الناسُ في حقِّ النبيِّ ﷺ مِن الخُمُسِ: فمنهم مَن قال: هو للخليفةِ مِن بعدِه.
ومنهم مَن قال: هو لإعدادِ الجهادِ؛ وبه عَمِلَ الخلفاءُ أبو بكرٍ وعمرُ؛ كما رواهُ الحسينُ بن محمدِ بنِ عليٍّ؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ (٤).
ومنهم مَن قال: حقُّ رسولِ اللهِ مردودٌ في الخُمُس، والخُمُسُ يُقسَمُ على أربعةٍ، على ما جاءَ عن ابنِ عبَّاسٍ في تقسيمِ الخُمُسِ.
وكما جُعِلَ حقُّ اللهِ مع حقِّ نبيِّه، جعَلَ بعضُهُمْ كابنِ جُرَيجٍ حقَّ النبيِّ ﷺ مع حقِّ ذوي القُربى بعدَ وفاتِه.
سهمُ قَرابةِ النبيِّ ﷺ مِن الغنيمةِ:
وأمَّا قولُه تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾، فالمرادُ بهم هم قَرَابةُ النبيِّ ﷺ خاصَّةً عندَ عامَّةِ السلف، وهم: بنو هاشمٍ، وبنو عبد المُطَّلِبِ؛ مِن أبناءِ عبد مَنَافٍ، ولعبدِ منافٍ أبناءٌ أربعةٌ: هاشمٌ، والمُطَّلِبُ، ونَوْفَلٌ، وعبدُ شمسٍ، والنبيُّ ﷺ مِن ولدِ هاشمٍ؛ فهو محمدُ بن عبد اللهِ بنِ عبد المُطَّلِبِ شَيْبَةِ الحمدِ بنِ هاشمِ بنِ عبد منافٍ، وخُصَّ بنو المطَّلبِ
стр. 1410
مِن بني عبد منافٍ؛ لأنَّهم ناصَرُوا النبيَّ ﷺ تواطَأتْ عليه قريشٌ في الشِّعْب، وكان بنو المُطَّلِبِ مع بي هاشمٍ، وكان أبناءُ نَوْفَلٍ وعبدِ شمسٍ مع قريشٍ على أبناءِ عمومتِهم، ومع أنَّ كثيرًا مِن بني المُطَّلِبِ ناصَرُوا النبيَّ ﷺ حَمِيَّةً للقَرَابة، إلَّا أنَّ ذلك قَرَّبَهُمْ؛ ولذا قال ﷺ : (إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو المُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ)؛ رواهُ البخاريُّ مِن حديثِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ؛ لمَّا ذهَبَ هو وعثمانُ يَشكُوانِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ عدمَ عَطِيَّتِهم، وعثمانُ مِن بني عبد شمسٍ، وجُبَيْرُ بن مُطعِمٍ مِن بني نَوْفَلٍ، وعبدُ شمسٍ ونَوْفَلٌ وهاشمٌ والمُطَّلِبُ سواءٌ؛ الجميعُ بنو عبد مَنافٍ، وفيه قال جُبيرٌ: "ولم يَقْسِمِ النبيُّ ﷺ لبني عبد شمسٍ وبني نَوْفَلٍ شيئًا" (١).
ومنهم: مَن خَصَّ القَرابةَ ببني هاشمٍ فقطْ، وهم آلُ عليٍّ وآلُ جعفرٍ وآلُ عَقِيلٍ وآلُ العبَّاس، وبنو الحارثِ بنِ عبد المُطَّلِبِ؛ وذلك لِما ثبَتَ في مسلمٍ مِن حديثِ زيدِ بنِ ثابتٍ؛ كما يأتي.
وصَحَّ عن الحسنِ البصريِّ وقتادةَ: أنَّهم قَرَابةُ الخليفةِ والوالي، وليى المقصودُ بذلك هو قَرابةَ النبيِّ ﷺ خاصَّةً (٢)، ومَن جعَل سَهْمَ ذوي القُربى لقَرابةِ الخليفة، فلا بدَّ أنْ يجعَلَ سهمَ النبيِّ ﷺ للخليفةِ؛ لأنَّه لا يصحُّ أنْ تأخُذَ قَرَابتُهُ ولا يأخُذَ هو.
والأوَّلُ أصَحُّ وأظهَرُ، وقَرَابةُ النبيِّ هم المُرادونَ عندَ الإطلاق، فلهم مِن الخُمْسِ الخُمُسُ، كما رَوى عِكرمةُ عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (رَغِبْتُ لَكُمْ عَنْ غُسَالَةِ الأَيْدِي؛ لِأَنَّ لَكُمْ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ مَا يُغْنِيكُمْ أَو يَكْفِيكُمْ) (٣).
وكلُّ مَن أدخَلَ بَني المُطَّلِبِ في ذوي القُربى، وجعَلَ لهم سهمًا مِن الخُمُس، فالأصلُ أنه يَلتزِمُ بالقولِ بتحريمِ الزكاةِ عليهم تَبَعًا؛ لأنَّ اللهَ منَعَهم وعوَّضَهم، ومِن الفقهاءِ: مَن لا يَلتزمُ بذلك؛ لاختلافِ أصلِ عِلَّةِ استحقاقِ الخُمُسِ عندَه؛ فيَرى أنَّ بني المُطَّلِبِ أُعْطُوا مِن الخُمُسِ لأجلِ مُناصرتِهم النبيَّ ﷺ فقطْ، لا لأجلِ مجرَّدِ قَرابتِهم؛ لاستوائِهم مع غيرِهم بني نَوْفَلٍ وبني عبد شمسٍ، وهو جزاءٌ وإحسانٌ إليهم، وأمَّا الزكاةُ، فبابٌ آخَرُ تَحِلُّ لهم كغيرِهم؛ وبهذا بقولُ جماعةٌ مِن أصحابِ أحمدَ.
والقولُ بهذا قد يفضِّلُ بني المُطَّلِبِ علي بني هاشمٍ مِن وجهِ سَعَةِ الكسبِ؛ أنَّهم استحَقُّوا الخُمُسَ، وحَلَّتْ لهم الزكاةُ، ولا خلافَ أنَّ بني هاشمٍ أفضَلُ مِن بني المُطَّلِبِ.
وتحرُمُ على مَوالي ذوي القُربى الزكاةُ كما تحرُمُ عليهم؛ وقد روى أبو داودَ، عن النبيِّ ﷺ ": (مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أنفُسِهِمْ، وَإِنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ) (١).
ويدخُلُ أزواجُ النبيِّ ﷺ في هذا الحُكْم، وهم أَولى دخولًا مِن المَوَالي فيه؛ لأنَّهُنَّ أقرَبُ وأفضَلُ، وقد جعَلَهُنَّ اللهُ مِن آلِ بيتِه.
وإذا مُنعَتِ القَرَابةُ الخُمُسَ، فلهم أنْ يأخُذوا مِن الصدَقةِ؛ لأنَّ اللهَ لم يَمْنَعْهم الصدقةَ إلَّا وقد عوَّضَهم مِن الخُمُس، فإذا مُنِعُوهُ، رجَعُوا فصارُوا كغيرِهم؛ حتى لا تَفسُدَ دُنياهم بمنعِ المالِ عن فاقتِهم ومَسْغَبَتِهم، ولم تُرِدِ الشريعةُ الإصرارَ بهم، بل إِكرَامَهم؛ وهذا مَقصَدٌ صحيحٌ، ولا أعظَمَ في الإضرارِ بفُقَرَائِهم مِن منعِهم الخُمُسَ والزكاةَ معًا.
وأخذُ فقيرهم مِن الزكاةِ عندَ منعِ الخُمُسِ وحاجتِه إليها جائزٌ؛ حكَاهُ الطحاويُّ عن أبي حنيفةَ، وبه قال الفاضي يعقوبُ، ومِن الحنفيَّةِ
стр. 1413
أبو يوسفَ، ومِن الشافعيَّةِ الإصْطَخْريُّ، ورجَّحَهُ ابنُ تيميَّةَ، وليستْ حُرْمةُ الصدَقةِ على ذوي القُربى كحُرْمةِ المَيْتَةِ على الناس، وقد أحَلَّها اللهُ لكلِّ مُضطرٍّ غيرَ باغٍ ولا عادٍ.
أخذُ ذوي القُرْبى للزكاةِ الواجبة:
ولا خلافَ عندَ العلماءِ أنَّ الزكاةَ الواجِبةَ لا تَحِلُّ لآلِ بيتِ النبيِّ ﷺ ؛ لِما ثَبَتَ في "الصحيحَيْنِ"، عنه ﷺ ؛ قال: (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا يَأْكُلُونَ الصَّدَقَةَ؟ ) (١)، والأحاديث بمنعِ أخذِهِمُ الزكاةَ مستفيضةٌ؛ جاء مِن حديثِ أبي هريرةَ وأنسٍ وأبي رافعٍ وعبدِ المُطَّلِبِ بنِ ربيعةَ، وقد حكى الإجماعَ غيرُ واحدٍ؛ كابنِ عبد البَرِّ وابنِ قُدَامةَ وغيرِهما.
أخذ ذوي القُربى لصدقةِ التطوُّعِ:
وأمَّا صَدَقاتُ التطوُّع، فلا حرَجَ عليهم في أخذِها في قولِ جمهورِ العلماء، ونُسِبَ إلى مذاهبِ الأئمَّةِ الأربعةِ.
وقد حكى ابنُ مُفْلِحٍ الإجماعَ على ذلك.
وفيه نظرٌ؛ فالخلافُ معروفٌ، ولأحمدَ قولانِ فيها نقَلَهُمَا ابنُ مُفلِحٍ؛ وذلك أنَّ عليًّا والعبَّاسَ وفاطمةَ وغيرَهم تصدَّقُوا، وأَوْفَفُوا أوقافًا على جماعةٍ مِن بني هاشمٍ وبني المُطَّلِب، والأصلُ أنَّ الزكاةَ والصدَقةَ مِن بني هاشمٍ كالزكاةِ والصدَقةِ مِن غيرِهم، فالنهيُ لم يفرِّقْ بينَهما، وقد فرَّقَ بينَهما بعضُ العلماءِ مِن أهلِ البيت، وبه قال ابنُ تيميَّةَ، وقد حمَل الشَّافعيُّ صدَقةَ عليٍّ والعباس وفاطمةَ على أنَّها صدَقةُ تطوُّعٍ لا فرضٍ، وهذا الظاهرُ، والشافعيُّ أعلَمُ بذلك؛ فهو مُطَّلِبِيٌّ.
стр. 1414
وعلَّلَ بعضُ العلماءِ تحريمَ أخذِ ذوي القُرْبى الزكاةَ برفعِ يدِ الأَدنى عن الأَعلى؛ يَعني: لا تعلو يدُ غيرِ ذوي القُرْبى عليهم، وتَبَعًا لذلك أجازَ أَخْذَ بني هاشمٍ الزكاةَ مِن بني هاشمٍ، وظاهرُ الحديثِ تعليلُ الزكاةِ بأوساخِ الناسِ لا لمجرَّدِ علوِّ اليد، وعلوُّ اليدِ قد يثبُتُ بغيرِ الزكاة، فلم تحرَّمْهُ الشريعةُ؛ كفعلِ المعروفِ وقضاءِ الحاجةِ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ قال كما في "الصحيحَينِ": (كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ) (١)، وسمَّى اللهُ بَذْلَ الحقِّ لأهلِه والعفوَ والصَّفْحَ صدقةً؛ قال اللهُ تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]، وسمَّى إنظارَ المُعْسِرِ والتخفيفَ عنه صدَقةً؛ قال تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرةْ ٢٨٠]، وإنَّما تحرُمُ زكاةُ الأموالِ خاصَّةً، لا سائرُ الإعاناتِ والهِبَاتِ وقضاءِ الحاجاتِ.
والصحيحُ مِن مذهبِ الشافعيَّةِ والحنابلةِ والحنفيَّةِ: جوازُ أخذِ ذوي القُرْبى صدَقةَ التطوُّعِ مطلَقًا.
صدَقةُ التطوُّعِ للنبيِّ ﷺ -:
وقد امتنعَ النبيُّ ﷺ عن قَبُولِ صدَقةِ التطوُّع؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ يُثِيبُ على العطيَّة، ولو كانت هَدِيَّةً، ، لأثابَ عليها، ولكنَّها صدَقةٌ، والصدَقةُ لا يُثابُ عليها؛ لأنَّ مُنفِقَها يبتغي بها وجهَ اللهِ خالصةً له، ويجوزُ لي الهَدِيةِ مِن طلبِ الوُدِّ الخاصِّ والمحبَّةِ الخاصَّةِ والمكافأةِ ما لا يجوزُ في الصدَقةِ.
وعامَّةُ الفُقَهاءِ على أنَّ النبيَّ ﷺ لا تَحِلُّ له صدَقةُ التطوُّعِ؛ كما أنَّها لا تَحِلُّ له الزكاةُ المفروضةُ، ومنهم: مَن حكَى الإجماعَ على ذلك
стр. 1415
كالخَطَّابيّ، وللشافعيِّ قولٌ ولأحمدَ روايةٌ في خلافِ ذلك نقَلَها المَيْمُونيُّ.
وفي فَهْمِ المنقولِ عن أحمدَ في ذلك نظرٌ؛ فالصريحُ عنه حكايةُ تحريمُ صدقةِ التطوُّع مِن الأموال، وأمَّا عمومُ المعروفِ فجائزٌ ولو جاء في النصِّ تسميتُهُ صَدَقةً؛ كما قال ﷺ : (كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ)، فيُبذَلُ للنبيِّ ﷺ معروفٌ مِن غيرِ الأموال، وهو بابٌ واسعٌ يَحِلُّ له ولآلِ بيتِه؛ مِن هديَّةٍ، وحَمْلِ مَتاعٍ، وقضاءِ حاجةٍ، وسائرِ الخِدْمةِ؛ فهي معروفٌ وصدَقةٌ.
وبعضُ الفُقَهاءِ مِن أصحابِ مالكٍ: يَجْعَلُ تَرْكَ النبيِّ ﷺ لِصَدَقةِ التطوُّعِ تنزُّهًا، وتَرْكَهُ للزَّكاةِ المفروضةِ تحريمًا.
الهديَّةُ للنبيِّ ﷺ وقَرَابَتِهِ:
والهديَّةُ حلالٌ للنبيِّ ﷺ بلا خلافٍ، والهديَّةً له ولقَرَابتِهِ أفضَلُ مِن الصَّدَقةِ عليهم، وإنْ كانتِ الصدقةُ وصَلَتْ إلى غيرِ ذوي القُرْبى ثم أهداها إلى واحدٍ منهم، جازَ؛ لأنَّها تتحوَّلُ بتحوُّلِ اليدِ بها؛ فعن أنسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِلَحْمٍ تُصُدِّقَ بهِ عَلَى بَرِيرَةَ مَوْلَاةِ عائشةَ ﵂، فقال: (هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَا هَدِيَّةٌ) (١).
ولا خلافَ في جوازِ انتفاعِ ذوي القُربى مِن المالِ والطعامِ المباحِ؛ كالولائمِ والعقيقةِ وطعامِ إكرامِ الضَّيْفِ.
وقولُه: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، منهم مَن جعَلَهم يتامَى قَرَابةِ النبيِّ ﷺ ومساكينَهم؛ كما صحَّ عن المِنْهالِ بنِ عمرٍو؛ قال: سألتُ عندَ اللهِ بنَ محمدِ بنِ عليٍّ، وعليَّ بنَ الحُسَيْن، عن الخُمُسِ؟ فقالا: هو
стр. 1416
لنا، ففلتُ لعليِّ! فإنَّ اللَّهَ يقولُ: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾؟ فقالا: يتامَانَا ومَساكينُنَا (١).
القسمُ الثاني: أربعةُ أخماسٍ، وهي للمُقاتِلينَ؛ لأنَّ اللهَ أضافَها إليهم فيَ بيانِ الخُمسِ الأوَّلِ يقوله، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾، فجعَلَ الغنيمةَ لهم مِن جهةِ الأصلِ.
ويظُنُّ بعضُ الفُقَهاءِ مِن المالكيَّةِ وغيرِهم: أنَّ الأربعةَ الأخماسِ مسكوتٌ عنها.
وهذا فيه نظرٌ؛ بل هي مُضافةٌ إلى أهلِها في أوَّلِ الآية، فأُخِذَ منها خُمُسٌ، وبَقيِتِ الأربعةُ الأخماسِ على مِلكِ أهلِها لها؛ فاللهُ أضافَها إليهم قبلَ أن يفصِّلَ فيها؛ وهذا دليلٌ على تملُّكِهم لها.
وتًقسَمُ الغيمةُ على مَن شَهِدَ الغزوَ؛ كما قَسَمَها رسولُ اللهِ ﷺ للرَّاجِلِ سهمٌ، وللفارسِ ثلاثةُ أسهُمٍ؛ له واحدٌ ولفَرَسِهِ اثنان، ولم يكنِ النبيُّ ﷺ يُعطِي كلَّ راكربٍ كراكب الحمارِ والبعيرِ ثلاثةَ أسهُمٍ؛ وإنَّما هو خاصٌّ بالفَرَسِ؛ لأنَّ للفرسَ مؤونةً وكُلْفةَ على صاحبِها ليستْ في غيرِها، وأمَّا المَرَاكِبُ العسكريَّةُ إنْ كانتْ للدَّوْلةِ تَرْعاها صيانًة ومؤونةً، فليس لرَاكِبِها سهمُ الفَرَسِ.
ومَن قاتَلَ في الغزو، وقُتِلَ في أرضِ المعركة، فاختُلِفَ في الضَّرْبِ له مِن الغنيمةِ على قولَيْنِ:
ذهَبَ الشافعيُّ: إلى أنه لا يُضَرَبُ له مِن الغنيمةِ.
وذهَبَ الأوزاعيُّ وأبو حنيفةَ: إلى أنه يُضرَبُ له.
стр. 1417
والأوَّلُ أظهَرُ؛ قد مات أقوامٌ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ في بَدْرٍ وحُنَيْنٍ وخَيْبَرَ وغيرِها، ولم يَثُبتْ أنه قَسَمَ لواحدٍ منهم.
ولا حرَجَ مِن قِسْمةِ الغنيمةِ في أرضِ الغزو، وقبلَ الوصولِ إلى دارِ الإسلامِ؛ كما فعَل النبيُّ ﷺ في مواضعَ.
ومَن غَنِمَ سلاحًا واحتاجَ إليه في أرضِ المعركة، فإنَّه يُقاتِلُ به ولا يَنتظرُ قِسْمتَهُ فيتعرَّضَ إلى الهَلَكَة، ويَنتصِرَ العدوُّ.
والأموالُ التي تُغنَمُ على نوعَيْنِ:
النوعُ الأوَّلُ: أموالٌ منقولةٌ يَنتفِعُ منها الفردُ بنفسِهِ؛ كالنَّقدَينِ والأنعامِ والألبِسةِ والأجهزةِ الخاصَّة، وليس انتفاعُها محكومًا بجماعةٍ كالسُّفنِ والمراكبِ الكبيرةِ؛ فهذا النوعُ يُقسَمُ في الغنيمةِ.
النوعُ الثاني: أموالٌ ثابتةٌ غيرُ منقولةٍ، أو منقولةٌ لكنَّ النفعَ فيها لجماعةٍ لا لأفرادٍ؛ كالسُّفُنِ والطائراتِ والمراكبِ الكبيرةِ وآلاتِ المصانع، وأدواتِ الحربِ؛ كالمدافعِ والدبَّاباتِ وقاطراتِ الجندِ ومَرَاكِبِهم، فضَلًا عن المَزارعِ والبساتين، فهذه لم يكنْ يُقَسمُ مِثْلُها في زمنِ النبيِّ ﷺ ولا خلفائِه؛ وإنَّما تكونُ لصالحِ المُسلِمينَ عامَّةً في الغزوِ وغيرِه.
* * *
قال تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [الأنفال: ٤٣ - ٤٤].
أرَى اللهُ نبيَّهُ ﷺ الكفَّارَ في مَنامِهِ قليلًا؛ فصارَ النبيُّ ﷺ مع
стр. 1418
أصحابِهِ مُحتقِرًا لقُوَّتِهم وعَدَدِهم، وكان ذلك سببًا لقوةِ عزائمِ المؤمنينَ وقلوبهم، وثَبَاتِ أقدامِهم؛ فإنَّ القلوبَ إنْ ثَبَتَتْ، ثبَتْ تَبعًا لها البَدَنُ.
وفي هذه الآيةِ: وجوبُ ثباتِ أميرِ الجندِ؛ فبِثاتِهِ يثُبتُ أتباعُه، ومِن خوفِهِ يَخافون؛ لأنَّه يَعلَمُ مِن العدوِّ ما لا يَعلَمونَ، وَيعلَمُ مِن قوَّتِهم ما لا يَعلَمُونَ، فالجنديُّ يعلَمُ قوَّةَ نفسِه، لكنَّه لا يعلَمُ قوةَ حميعِ الجيشِ؛ ولهذا: ثَبَّتَ اللهُ نبيَّهُ بتقليلِ عددِ المشركينَ في عيَنْهِ ليَظهَرَ على وجهِه البِشْرُ والثباتُ والفرحُ، فلا تَغلِبَهُ الشَّفَقَةُ على نفوسِ المؤمِنينَ أن يُستأصَلُوا ويُبادوا، أو يُغلَبُوا ويُؤسَرُوا؛ قال تعالى في ذلك: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ قال مجاهدٌ: "لَفَشِلْتَ أَنْتَ، فَرَأى أَصْحَابُكَ فِي وَجْهِكَ الفَشَلَ، فَفَشِلُوا" (١).
تحقيرُ العدوِّ في أعْيُنِ الجُنْدِ:
وفي هذا: مشروعيَّةُ تحقيرِ قوَّةِ المشرِكينَ في أعيُنِ الجُنْد، تثبيتًا لعزائمِهم وقلوبِهم وأقدامِهم؛ فإنَّ الخوفَ والهَلَعَ عندَ التقاءِ الصفوفِ شديدٌ، وإذا كان المشرِكونَ أكثَرَ عَدَدًا وعَدَدَا، هُزِمَتِ النفوسُ ثُمَّ غُلِبَتْ، ونصرُ اللهِ لنبيِّه كان بقُوَّةِ القلوبِ أكثَرَ مِن قوةِ الأبدان، وهكذا أصحابُهُ مِن بعدِه.
وتحقيرُ العدوِّ وعَدَدِه وعَتادِهِ على نوعَيْنِ:
الأوَّلُ ة تحقيرُ العدوِّ لأجلِ التغريرِ بالجندِ؛ كمَنْ يحقِّرُ العدوَّ ويضعِّفُ قوَّتَهُ المُهلِكةَ في نفوسِ المؤمنِينَ؛ ليَثُبتَ المؤمنونَ على ما لا قِبَلَ لهم أنْ يثبُتُوا عليه لقِلَّةِ عَدَدِهم وعتادِهم، فيغرِّرُ بهم فيَهلِكونَ ويُؤسَرونَ.
فهذا لا يجوزُ؛ وهو مِن الكذبِ المُحرَّمِ؛ لأنَّ المَفسدةَ فيه ظاهرةٌ،
стр. 1419
ونَصْرَ العدوِّ فيه متحقِّقٌ، فتحقيرُهُمْ كان لحَظَّ المشرِكِينَ، وهو تحقيرٌ في صورةِ استدراجِ؛ ليتمكَّنَ العدوُّ مِن المؤمنِينَ، فذلك لا يجوزُ ولو حَسُنَ قصدُ أميرِ الجندِ وقائدِهم.
ومَن رأى قوةَ الكافرينَ، وتيقَّنَ أنَّ فيهم قُوَّة وعُدَّةً وعَدَدًا مِثْلُهم لا يُنتصَرُ عليه ولو ثبَتَتِ الأقدامُ وقَوِيَتِ العزائُم فيجبُ عليه إخبارُ الجندِ بحقيقةِ ذلك، ولهم أن يَثبُتوا، ولو قُتِلوا فهم شُهَداءُ، ولهم أن يَنحازُوا أو يَتحرَّفُوا إلى فئةٍ مِن المؤمنِينَ.
الثاني: تحقيرٌ لأجلِ الثَّبات، واحتمالِ الغلَبةِ للمؤمنِينَ، فيُشرَعُ تحقيرُ عَدَدِ العدوِّ وعُدَّتِه؛ لِتَقْوَى عزائمُ المؤمنينَ، ويُربَطَ على قلوبِهم، وتثُبتَ أقدامُهم؛ فإنَّ ذلك يعوِّضُ ما يَفُوقُهم عدوُّهم به مِن العَدَدِ والعُدَّةِ؛ فالثابتُ الواحدُ قد يَغلِبُ عشَرةَ، وقد يَغلِبُ الثابثُ بعَصَاهُ عدوَّهُ ولو كان معه سَيْفٌ؛ فإنَّه إذا ضَعُفَ قلبُ الإنسان، لم يُحسِنْ تدبيرَ ما بيدَيْه، كما في القُدْسِ اليومَ: بقتُلُ المُسلم اليهوديَّ بحجرِ وسلاحُ اليهوديِّ بيدَيْه.
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ دليلٌ على أنَّ بعضَ الخلافِ الذي يقعُ بينَ المُسلِمينَ في الثغورِ هو بسببِ الدُّنيا وحُبِّ السلامةِ فيها، وهذا وهُمْ في ثُغورٍ، فاللهُ بيَّنَ أنه سلَّمَ المؤمنينَ مِن النِّزاعِ والخلافِ بسببِ دَبِّ الخوفِ فيما بينَهم مِن أن يُغلَبوا، ولأجلِ ذلك تختلِفُ آراؤُهم وَينسحِبُ قومٌ ويَضطربُ آخَرونَ، ولو ثبَتَتْ عزائمُهم وقلوبُهم واحتقَرُوا عدوَّهم مع احتمالِ نصرِهم، لانتصَرُوا بنصرِ اللهِ لهم.
وفي قولِه تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، ذكَرَ الصدورَ ولم يذكُرِ اللهُ الأمورَ الظاهرةَ الماديَّةَ مِن عَدَدٍ وعُدَّةٍ؛ لأنَّ النصرَ بسلامةِ الصدر، وإنْ لم تصلُحِ القلوبُ والنفوسُ، لم تَنتفِعْ بقوَّتِها مهما بلَغَتْ.
* * *
стр. 1420
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥].
تقدَّمَ الكلامُ قريبًا على الثَّبَاث، وتحريمِ الفِرَارِ مِن الزَّحْف، وحُكْمِ التحيُّزِ والتحرُّفِ إلى فِئةٍ.
وفي هذه الآيةِ: مشروعيَّةُ ذِكرِ اللهِ عندَ القتالِ؛ فإنَّه مِن أعظَمِ المثبِّتاتِ؛ فإنَّ اللهَ إذا حضَرَ ذِكرُهُ في القلب، وتعلَّقَتِ الأفعالُ به وصدَقَتْ وأخلَصَت لله، فإنَّ اللهَ يُعِينُها ويَكْفِيها ويسدِّدها، فإن كفايةَ اللهِ لعبِدِهِ بمِقْدارِ عبوديَّتِهِ له.
ولمَّا كان التقاءُ الصَّفَّيْنِ أحوَجَ ما يكونُ فيه المُقاتِلُ إلى عَوْنِ اللهِ وتسديدِه، شُرعَ له التجرُّدُ والخلُّصُ مِن كلِّ مذكورٍ إلَّا اللهَ، وقد استُحِبَّ الصمتُ عندَ لقاءِ العدِّو، فعن عبد اللهِ بنِ عمرٍو؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (لَا تتَمَنَّوْا لِقَاء الْعَدُوّ، وَسَلُوا اللهَ الْعَافِيَة، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاثْبُتُوا وَاذْكرُوا اللهَ، وَإنْ أجْلَبُوا وَصَاحُوا فَعَلَيْكُمْ بِالصَّمْتِ) (١).
وفي الطبرانيّ، مِن حديثِ زيدِ بنِ أَرْقَمَ، مرفوعًا؛ قال: (إنَّ اللهَ يُحِبُّ الصَّمْتَ عِنْدَ ثَلَاثٍ: عِنْدَ تِلَاوة الْقُرْآن، وَعِنْدَ الزَّحْفِ، وَعِنْدَ الْجِنَازَةِ) (٢).
وفي حديثٍ قدسيِّ: (إِنَّ عَبْدِي كُلَّ عَبْدِيَ الَّذِي يَذكُرُنِي وَهُوَ مُلَاقٍ قِرْنَهُ) (٣).
وفيها كلامٌ، وأصلُ حديثِ عبد اللهِ بنِ عمرٍو في "الصحيحَيْنِ"؛ من
стр. 1421
حديثِ عبد اللهِ بنِ أبي أَوْفَى؛ قال ﷺ : (لَا تَتَمنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوّ، وَاسْأَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا) (١).
وإنَّما استُحِبَّ الصمتُ عندَ القتالِ؛ حتى لا ينشغِلَ المُقاتِلُ في الصَّفِّ بغيرِ الله، ولا يُثِيرَ الهلَعَ في نفوسِ المُسلِمينَ بخوفِهِ وفَزَعِه، ولا يدُلَّ العدوَّ عليه بكلامِه؛ بخلافِ ما يكونُ فيه الكلامُ لمصلحةِ الِمُسلِمينَ مِن التثبيتِ والتصبيرِ والدَّلالةِ على مَكامِنِ العدوِّ ومَواضعِ ضَعفْهِ.
* * *
قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦].
مدحُ الاجتماعِ والفرْقةِ وذَمُّهُما:
في هذه الآيةِ: تعظيمٌ للاجتماع، وتحذيرٌ مِن الافتراقِ، خاصَّةً عندَ لقاءِ العدوّ، وقد قدَّمَ اللهُ طاعتَهُ وطاعةَ نبيِّه على نهيِهِ عن التنازُعِ وأمرِه بالاجتماعِ؛ للدَّلالةِ على أنَّ المرادَ بالاجتماعِ: أنه على طاعتِهما، لا على الهَوى والدُّنيا ومَطامِعِها، فالاجتماعُ على غيرِ الحقِّ مذمومٌ، والتفرُّقُ بالحقِّ محمودٌ، وهكذا فعَلَ الأنبياءُ مع أُمَمِهم، وهذا الحمدُ للاجتماعِ مُقَيَّد بالحقِّ الذي يثُبتُ به الدِّينُ، لا أنْ تختلِفَ الأُمَّةُ على فروعِ الدِّينِ اختلافًا يشُقُّ صَفَّها في مُقابِلِ عدوِّها، وتتفرَّقَ فيتسلَّطَ عليها الكفرُ ودَوْلَتُه، بحُجَّةِ أنَّ الاجتماعَ يحبُ أنْ يكونَ على حقِّ كاملِ أو يكونَ الافتراقُ، فهذا لا يقولُ به الَّا جاهلٌ مِن أهلِ الغُلُوِّ والتنُّطعِ.
стр. 1422
والاختلافُ منه ما هو مذمومٌ في كلِّ زمانِ ودي كلِّ مكان، وهو الاختلافُ على الحقِّ البيِّن، والأصلِ الواضح، ومِن الاختلافِ ما هو سائغٌ جائزٌ، كما يختلِفُ السلفُ على مسائلِ الدِّين، وهذا اختلافٌ لا يشُقُّ صَفَّ الأُمَّة، وهو مِن بابِ السَّعة، وقد لا يُناسِبُ زمانًا أو حالًا، لا لِذَاته؛ وإنَّما لِما يُحِيطُ له مِن أحوالٍ، وما يَتْبَعُهُ مِن لوازمَ، والعاقلُ يُدرِكُ مواضعَ الخلافِ ومِقْدارَ أثرِهِ على أصلِ جماعةِ المؤمنِينَ، فمِن الخلافِ: ما هو سائغٌ في ذاتِه، ولكنَّ الزمانَ والحالَ لا يَحتمِلُه؛ لِضِيقِ النفوس، وتربُّصِ العدوَّ الأقربِ المنافِقِينَ، والعدوِّ الأَبعدِ الكافرِينَ.
آثارُ الاختلافِ:
ومِن أعظَمِ آثارِ الاختلافِ والتفرُّقِ: ذَهَابُ النصرِ، وتسلُّطُ العدوِّ؛ فإنَّ الكفرَ لا يتسَلَّطُ على المُسلِمينَ إلَّا بسببِ تفرُّقِهم، فيُقاتِلُهُمْ مُنفرِدِينَ وهو مجتمِعٌ، ولم يَنتصِرْ عليهم لضَعْفٍ فيهم؛ وإنَّما لتفرُّقِهم، فالقويُّ المتفرِّقُ بَغلبُه الضعيفُ الجتمِعُ؛ قال مجاهدٌ: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾؛ قال: "نصرُكُمْ"؛ قال: "وذهَبَتْ رِيحُ أصحابِ محمَّدِ ﷺ حِينَ نازَعُوهُ يومَ أُحُدٍ" (١).
وأصلُ نِزاع الأُمَّةِ بسببِ ذُنوبِها؛ تختلِفُ قلوبُها، ثم تختلِفُ أبدانُها وإنْ أصَّلَتْ وقعَّدَتْ لنفسِها الخلافَ بالحُجَجِ والبيِّناتِ؛ فكثيرًا ما تدخُلُ الأهواءُ على النفوسِ فتسلُكُ طريقًا، ثم تحتجُّ لذلك الطريق مِن القرآنِ والسُّنَّةِ والأثر، وهكذا نزاعُ عامَّةِ الفِرَقِ والطوائفِ والجماعاتِ في الإسلامِ؛ ولذا ذكَرَ اللهُ بعدَ نَهْيهِ عن الافتراقِ أمورًا باطنًة سيَّرَتِ
стр. 1423
المشرِكِينَ وحفَزَتْهُم، فنهَى عن تسيبرِها للمؤمنينَ؛ فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: ٤٧ - ٤٨]، وفي هذا: إشارةٌ إلى أنَّ أكثَرَ خلافِ الظواهرِ بسببِ بواطنَ خفيَّةٍ؛ مِن حُبِّ الرّياء، الرَّياسة، والجاه، وطمعِ الدُّنيا.
* * *
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٦ - ٥٨].
معاهدةُ مَن نَقَضَ عهدًا سابقًا:
في هذه الآيةِ: دليلٌ على جوازِ مُعاهَدةِ ناكِثِ العهدِ السابقِ وناقِضِه إنْ كان في مُعاهَدَتِهِ مرَّةَ أخرى صلاحٌ للمُسلِمينَ، ولو بكَسْبِ أمانِ ليومِ أو لشهرٍ أو عامٍ، بصَدِّ عَادِيَتِهِ ومَكْرِه، كما عاهَدَ النبيُّ ﷺ اليهودَ مع عِلْمِهِ بنقضِهِمْ للعهود، فقد كانوا عاهَدُوهُ أوَّلَ مرَّةٍ، ثم أعانُوا قًريشًا بسلاحٍ، ثم اعتذَرُوا، ثم عاهَدَهم فخانُوهُ في الخَنْدَقِ.
والأصلُ الحَذَرُ مِن إمضاءِ العهدِ لناقِضِ العهدِ؛ حتى لا يكونَ في ذلك استغفالٌ بالمُسلِمينَ وشماتةٌ مِن أعداءِ الدِّينِ بهم، وقد عاهَدَ أبو عَزَّةَ الجُمَحِيُّ رسولَ اللهِ ﷺ يومَ بَدْرٍ وترَكَهُ لِبَنَاتِهِ بلا فِدْيةٍ، وأخَذَ عليه ألَّا يُقاتِلَه، فأَخفَرَهُ وقاتَلَهُ يومَ أحُد، فدَعَا رسول اللهِ ﷺ ألَّا يُفلِتَ، فما أُسِرَ مِن المشركينَ رجلٌ غيرُهُ، فقال: يا محمَّدُ، امْنُنْ عَلَيَّ وَدَعْنِي لِبَنَاتِي وَأعطِيكَ عَهدًا أَلَّا أعُودَ لِقِتَالِكَ، فقال النبيُّ ﷺ (لَا تَمْسَحُ عَلَى
стр. 1424
عَارِضَيْكَ بِمَكَّةَ تَقُولُ: قَدْ خَدَعْتُ مُحَمَّدًا مَرَّتَيْن)، فأمَرَ به فضُرِبَتْ عُنُقُه (١).
ويُستثنى مِن ذلك الزمَنُ الذي تتعدَّدُ فيه الأعداءُ، وتكثُرُ الثغورُ، ولا قِبَلَ للمُسلِمينَ بكلِّ أحدٍ؛ كما كانتِ اليهودُ وقريشٌ وسائرُ المشرِكِينَ يُحارِبونَ النبيَّ ﷺ .
وإذا عاهَدَ المُسلِمونَ المشرِكينَ الذين عُرِفُوا بنقضِ العهد، فهل للمُسلِمينَ أنْ ينقُضُوا عهدَهم معهم متى شاؤوا؟ وجواب ذلك: أنَّ المُعاهَدينَ المعروفينَ بالنَّكْثِ على نوعَيْنِ:
النوع الأوَّلُ: قومٌ لم يَظهَرْ منهم ما يُبدِي تربُّصَهُمْ ومَكرَهُمْ ونَقْضَهُمْ للعهد، فلم يجهِّزوا في السِّرِّ ويَمكُروا في الباطنِ على المؤمنين؛ فهؤلاءِ يُمضَى لهم عهدُهُمْ إلى مُدَّتِهم، ولا يجوزُ نقضُ عهدِهْم لمجرَّدِ سابقةِ نقضٍ لهم؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ العهودِ وعدم نقضِها ووجوبُ الوفاءِ بها؛ على ما تقدَّمَ في صدرِ سورةِ المائدةِ.
النوع الثاني: قومٌ أظهَرُوا ما يُبدِي خِيَانةَ، أو جاءَتِ الأعيُنُ للمُسلِمينَ تْخبِرُهم بأنَّهم يُعِدُّونَ العُدَّةَ وَيتربصونَ الدوائرَ بالمؤمنِين؛ فهؤلاء يجوزُ أنْ يُنبَذَ إليهم عهدُهم، ولا يجوزُ تَبيِيتُهم على غِزَّةِ والعهدُ قائمٌ، بل يُنبَذُ عهدُهم ويُبَلَّغُونَ بتعطيلِ العهدِ؛ وهذا ظاهرٌ في قوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾، وللمُسلِمينَ أنْ يُقاتِلُوهم أو يُبَيتِّوهُم بعدَ ذلك إنْ شاؤوا ليلًا أو نهارًا، ولو لم يَعلَموا، ما دام نُبِذَ إليهم عهدُهم بعلْمِهم؛ فلا حُرْمةَ لهم، ولا إثمَ في أخذِهِمْ على حِينِ غَفْلةٍ وغِرَّةٍ.
وفي قوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ
стр. 1425
يَذَّكَّرُونَ﴾ مشروعيَّةُ ترجيحِ العقوبةِ الأشَدِّ عندَ التردّدِ بينَ عقوبتَيْنِ يَستحِقُّهما جانٍ أو عدوُّ، لأجلِ تشريدِ الأبعَدِينَ وتأديبِهم.
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٦٠].
أمَرَ اللهُ بإعدادِ العُدَّةِ لإرهابِ الكافِرِينَ وكسرِ نفوسِهم وعزائمِهم، والإعدادُ مِن العَدِّ؛ كالإسقاءِ مِن السَّقيِ.
إرهابُ العدوِّ وحُكْمُه:
وفي ظاهرِ الآيةِ: أنَّ أوَّلَ الغاياتِ مِن إعدادِ المُسلِمينَ للسلاحِ وإظهارِ القوةِ هو إرهابُ الكافِرِينَ قبلَ قتالِهم؛ لأنَّه يكونُ بإظهارِ القوةِ إخزاؤُهم وتخويفُهم وكسرُ عزيمتِهم، فلا يُقْدِمُونَ على قتالِ المُسلِمينَ وسفكِ دمائِهم وأخذِ أموالِهم؛ فأوَّلُ منافعِ الأعدادِ: الشَّرُّ المدفوعُ الذي لا يَعلَمُ حَدَّهُ ولا قَدْرَهُ إلا اللهُ، ثم الخيرُ المكتسبُ، والأوَّلُ لا يراهُ الناسُ لقِصَرِ نَظَرِهم، واللهُ يَعلَمُ مِن الشرور المدفوعةِ التي لا يُحِسُّ بها أو بأكثرِها الناسُ، ما لو نزَلَتْ، لكانَ في ذلك فسادٌ عريضٌ ومِحَنٌ شديدةٌ، وكثيرًا ما يمتثلُ الناسُ أمرَ الله، ولا يَرَوْنَ الشرِّ المدفوعَ ولا الخيرَ المكتسَبَ، فيَحْمِلُهُمْ ضَعْفُ إيمانِهم على تركِ أمرِ الله، فيُفتَحُ عليهم مِن الشرِّ المدفوعِ بإقامةِ شرعِ اللهِ ما لا طاقةَ لهم به.
وقولُه تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ دليلٌ على وجوبِ استفراغِ الوُسْعِ بإعدادِ العُدَّةِ والتسلُّحِ.
стр. 1426
أنواعُ القوَّةِ التي يجبُ إعدادُها:
والقوةُ هي الرِّمايةُ بالنِّبالِ والسِّهامِ والبُنْدُقِيَّةِ وكلِّ ما دخَلَ في بابِ الرميِ باليدِ أو بالآلاتِ المستحدَثةِ مِن رصاصِ أو قذائفَ أرضيَّةِ أو جويَّةِ؛ ففي مسلم؛ مِن حديثِ عُقْبةَ بنِ عامرٍ؛ قال ﷺ في قولِهِ تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾؛ (ألَاإِنَّ الْقُوَّةَ الرَّميُ)؛ قالها ثلاثًا (١).
وقولُه ﷺ : (الْقُوَّةَ الرَّميُ) لا يعني حَصْرَها فيها، وذلك كقولِه: (الْحَجُّ عَرَفَةُ) (٢)؛ أي: أعظَمُ أعمالِ الحجِّ عرفةُ، وأعظَمُ القوةِ الرميُ.
وقد حَذَّرَ النبيُّ ﷺ مِن تركِ الرمي لِمَنْ تَعَلَّمَهُ؛ ففي مسلم؛ مِن حديثِ عُقْبةَ، عنه؛ قال: (مَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ، فَلَيْسَ مِنَّا؛ أَو: قَدْ عَصَى) (٣)، ومع أنَّ اللهوَ مذمومٌ إلَّا أنَّ اللهوَ بالرميِ محمودٌ؛ لأنَّه قوةٌ يُحتاجُ إليه في زمنِ جهادِ عدوّ، أو دفعِ صائلٍ، أو نُصْرةِ مظلومٍ؛ كما قال ﷺ : (وَكُلُّ مَا يَلْهُو بِهِ المَرْءُ المُسْلِمُ بَاطِلٌ، إِلا رَمْيَهُ بِقَوْسِه، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ، فَإِنَّهُنَّ مِنَ الْحَقِّ) (٤).
والذي يُحسِنُ الرميَ أفضَلُ مِن الذي يُحسِنُ الركوبَ؛ لأنَّ الإثخانَ يكونُ بالرمي أكثَرَ؛ كما قال ﷺ : (ارْمُوا وَارْكَبُوا، وَأَنْ تَرْمُوا أحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَن تَرْكَبُوا)؛ رواهُ أحمد وأهلُ السُّننِ (٥)؛ وذلك أنَّ الراميَ يُرهِبُ برَمْيِهِ ولو لم يُصِبْ، فيُفزعُ ويُخزِي؛ ولهذا جعَلَ اللهُ للرَّامي أجرًا على
стр. 1427
رَمْيِهِ ولو لم يُصِبْ هَدَفَهُ؛ كما في" المسندِ"، والنَّسَائيِّ؛ مِن حديثِ عمرِو بنِ عبَسَةَ، عنه ﷺ ؛ قال: (مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَلَغَ الْعَدُوَّ، أَخْطَأَ أَو أَصَابَ، كَانَ لَهُ كَعِدْلِ رَقَبَةٍ) (١).
لأنَّه ببلوغِهِ العدوَّ يؤثِّرُ فيهم خوفًا وهَلَعًا وإرهابًا، ولو لم يَسفِكْ منهم دمًا، أو يُتلِفْ فيهم مالًا؛ لأنَّ تخويفَ العدوِّ قد يبلُغُ فيهم أشَدَّ مِن مَبلَغِ قتلِ الواحدِ والجماعاتِ منهم؛ فإنَّ مِن القتلِ ما يَحمِلُ العدوَّ على الحَمِيَّةِ والنعرةِ الجاهليَّة، فيَصبِرُ ويتجلَّدُ العدوُّ حتى يُقتَلَ كما قُتِلَ صاحبُه ولو كان على باطلٍ.
ومَن تأمَّل كلامَ السلفِ، وجَدَ أنَّهم يُفسِّرونَ القوةَ بتفسيراتٍ تجتمِعُ بأنَّ القوةَ كلُّ ما كان سببًا في نصرِ المُسلِمينَ على الكافرِين، كإعدادِ الحصونِ والأنفاقِ والخنادق، وصناعةِ السلاحِ وإنِ اختلَفَ نوعُهُ وقَدْرُه، والمراكبِ الحاملةِ للجنودِ والغُزاةِ والمُقتحِمِين، وأعظَمُهُ وأفضَلُهُ أشدُّهُ تأثيرًا على العدوِّ وقوَّة في المؤمنِين؛ ولذا فسَّرَ عِكْرِمةُ القوةَ بالحُصُونِ (٢)، وفسَّرها مجاهدٌ بذكورِ الخيلِ (٣)، وقال ابنُ المسيَّبِ: "هي مِن الفَرَسِ إلى السهمِ فما دونَه" (٤).
وكلُّ ما تقوَّى به المجاهدُ ولو مِن زادِهِ ولِباسِهِ ونِعالِه، فهو مِن القوةِ؛ فعن رجاءِ بنِ أبي سَلَمةَ؛ قال: "لَقِيَ رجلٌ مجاهِدًا بمَكَّةَ، ومع مجاهدٍ جُوَالِقٌ، قال: فقال مجاهدٌ: هذا مِن القُوَّة، ومجاهِدٌ يَتجهَّزُ للغزوِ" (٥).
والشرعُ أمَرَ بإعدادِ قوَّتَيْنِ:
стр. 1428
الأُولى: القوةُ الظاهرةُ، وهي قوةُ الأبدان، وما تعلَّقَ بها مِن القوةِ الظاهرةِ؛ كإعدادِ السلاح، وتعلُّمِ استعمالِه.
الثاني: القوةُ الباطنةُ، وهي قوةُ الإيمان، وما تعلَّقَ بها مِن المَعاني الباطنةِ؛ مِن شدِّ العزائمِ وتحريضِها، ولو بالشِّعْرِ والمَعاني الحَسَنةِ التي لا تَصرِفُ قصدَ المجاهدِ لغيرِ اللهِ؛ وإنَّما تَشُدُّ مِن عزمِه؛ كتذكُّرِ الصادِقِينَ مِن السابِقِينَ وثباتِهم وقوةِ بأسهم.
فضل الخيلِ وحَبْسِها:
وفي الآيةِ: دليلٌ على فضلِ الخيل، فخصَّها اللهُ بالذكْرِ مع وجودِ غيرِها مِن المَرْكوبِ: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾، وقد ثبَتَ في "الصحيحَينِ"؛ قال ﷺ : (الْخَيلُ مَعْقُود فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) (١)، وفي هذا: دليلٌ على أنه لا يُستغنى عن الخيلِ في الجهادِ إلى قيامِ الساعة، وقد استدَلَّ بهذا البخاري على ديمومةِ الجهاد، لارتباطِ الخيلِ به.
وفي هذه الآيةِ: مشروعيَّةُ حبسِ الخيلِ وما في حُكْمِها مِن المَراكبِ في سبيلِ اللهِ للغزو، وقد جاء في ذلك أحاديثُ عن النبيِّ ﷺ ؛ منها ما رواهُ أبو هُرَيْرةَ؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: (الْخَيْلُ ثَلَاَثَةٌ: هِيَ لِرَجُل وِزْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ؛ فَأمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزرٌ، فَرَجُلُ رَبَطَهَا رِيَاءَ وَفَخْرًا ونِوَاءً عَلَى أَهْلِ الإسْلَامِ؛ فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ، فَرَجُل رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ الله، ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ فِي ظُهُورِهَا وَلَا رِقَابِهَا، فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ، وَأمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سبِيلِ اللهِ لِأَهْلِ الْإسْلَام، في مَرْج وَرَوْضَةٍ، فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ المَرْجِ أوِ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٌ، وَكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أرْوَاثِهَا وَأبْوَالِهَا
стр. 1429
حَسَنَاتٌ، وَلَا تَقْطَعُ طِوَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أوْ شَرَفَيْن، إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ أثَارِهَا وَأرْوَاثِهَا حَسَنَاتٍ، وَلَا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهرٍ، فَشرِبَتْ مِنْهُ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا، إلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ) (١).
وعن زيدِ بنِ ثابتٍ؛ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: (مَنْ حَبَسَ فَرَسًا في سَبِيلِ الله، كَانَ سِتْرَهُ مِنَ النَّارِ) (٢).
وفي البِابِ أحاديثُ كثيرةٌ عن جريرٍ، وأبي كَبْشَةَ، وسَوَادَةَ بنِ الربيع، وعُبادةَ، وسَلْمانَ، وأنسٍ، وغيرِهم.
وقوله تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ فيه دليلٌ على وجوبِ ظهورِ المُسلِمِينَ على المشرِكِينَ، وأنَّ ظهورَ المُسلِمِينَ وتمكينَهُمْ وعِزَّتَهُمْ لا يكونُ إلَّا بوجودِ خوفِ المشرِكِينَ منهم، ولا يمكنُ أنْ يتحقَّقَ ذلك بالمحبَّةِ والمودَّةِ والصداقةِ.
وقد فسَّرَ ابنُ عبَّاسِ إرهابَ العدوِّ بإخزائِه، فقال: ﴿تُرْهِبُونَ﴾ تُخْزُونَ (٣)، ومِن لوازِمِ الخزيِ: الانكسارُ والتقهقُرُ والذَّلَّةُ والصَّغَارُ.
أنواعُ الإرهابِ والتخويفِ:
والإرهابُ على نوعَينِ:
الأوَّلُ: محمودٌ، وهو الأصلُ؛ لظاهِرِ القرآن، ويكونُ للعدوِّ المُحارِبِ؛ كما في هذه الآيةِ: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾، والمرادُ له الجهادُ في سبيلِ الله، فبَثُّ الرعبِ والإرهابِ في نفوسِ العدوِّ بإعدادِ المُسلِمِينَ لقوَّتِهم العسكريَّةِ مطلبٌ شرعيُّ؛ ومِن ذلك قولُه تعالى: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال: ١٢]
стр. 1430
والثاني: مذمومٌ، وهو إرهابُ المؤمِنِ وتخويفُهُ، ويَلحَقُ بالمؤمِنِ صاحبُ الأمانِ والعهدِ والذِّمَّةِ مِن الكافرِينَ، وفي المسلم قد قال رسولُ اللهِ ﷺ : (مَنْ أَشَارَ إلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تَلعَنُهُ حَتَّى يَدَعَهُ، وَإِنْ كَانَ أخَاهُ لِأَبيِهِ وَأُمِّهِ)، رواهُ مسلمٌ (١).
ويحرُمُ ترويعُ المؤمنِ وتخويفُهُ وإرهابُهُ ولو بالشيءِ اليسيرِ؛ كما عندَ أبي داودَ، عن عبد الرحمنِ بنِ أبي ليلى؛ قال: حدَّثَنا أصحابُ محمَّدٍ ﷺ ؛ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَامَ رَجُل مِنْهُمْ، فَانْطَلَق بَعْصُهُمْ إِلَى حَبْلِ مَعَهُ فَأَخَدَهُ، فَفزعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا) (٢).
وفي السُّنَنِ؛ قال ﷺ : (لَا يَأْخُذْ أَحَدُكُمْ عَصَا أَخِيهِ لَاعِبًا أَو جَادًّا، فَمَنْ أخَذَ عَصَا أَخِيه، فَلْيَرُدَّهَا إِلَيْهِ) (٣).
وقول اللَّهِ تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾، فيه إشارةٌ إلى أنَّ اللهَ يحقِّقُ بقوةِ المؤمنينَ مَنافِعَ لا يُدرِكونَها بحِسِّهم، وَيدفَعُ عنهم شرورًا مِن عدوِّ لم يَحسِبُوا له حسابًا، وإنَّما يُخالِفُ ضعيفُ الإيمانِ ربَّه؛ لأنَّه يُدرِكُ مِن الظاهرِ شيئًا وَيَغيبُ عنه الباطنُ كلُّه أو جُلُّه؛ وهذا مِن ضَعفِ اليقينِ باللهِ؛ فاللهُ أمَرَ بإعدادِ العُدَّةِ للمشرِكِيِنَ الأبعَدِينَ بمَكَّةَ؛ لكسرِ شوكتِهم، وآخَرِينَ - وهم اليهودُ - مِن دُونِهم سينكسِرونَ تَبعًا يَتربَّصونَ بحقدٍ وعداوةٍ، لا يُدرِكُ المُسلِمونَ قَدْرَها وقوَّتَها لو تسلَّطُوا.
المَصَالِحُ والمَفَاسِدُ الباطِنةُ والظاهِرةُ اللازمةُ لأحكامِ اللهِ:
والمنافِعُ والمصالِحُ والمَضَارُّ والمَفاسِدُ التي يجعلُها اللهُ في لوازِمِ أوامرِهِ ونواهِيهِ على قسمَيْنِ:
стр. 1431
الأوَّلُ: ظاهرةٌ، أو تُسمَّى مكتسَبةً، وهي التي يراها الناسُ في المادِّيَّاتِ والمحسوسات، والغالبُ هي مِن المكتَسَباتِ؛ كالغنائمِ والأسْرَى وظهورِ الأمرِ والغَلَبَةِ وبَسْطِ الأرضِ؛ وهذا ما يَربِط الناسُ انقيادَهُمْ به مهما كان إيمانُهُمْ قويَّا أو ضعيفًا، ويمتازُ أهلُ الصِّدْقِ واليقينِ بالانقيادِ للأوامرِ واجتنابِ النواهي ولو لم تَظهَرِ المنافِعُ والمصالِحُ محسوسةً.
الثاني: الباطنُة، وتُسمَّى مدفوعةً، وهي التي لا تُرَى؛ وإنَّما هي شرٌّ مدفوعٌ كان مقدَّرًا، فدُفعَ بامتثالِ الأمرِ واجتنابِ النهي، وكثيرٌ مِن امتثالِ الأوامرِ كالجهادِ وإعدادِ العُدَّةِ والقُوَّةِ لا يَلْمُسُ الناسُ أثَرَهُ؛ لأنَّ كثيرًا منه شرُّ مدفوعٌ لا خيرٌ مكتسَبٌ، فربَّما قاتَلَ المُسلِمونَ امتثالًا لأمرِ الله ولم يَفتحُوا أرْضًا ولا مِصْرًا، ولم يَغنَموا عَرَضًا مِن الدُّنيا، وقد دفَعَ اللهُ يقتالِهم ذلك عنهم مِن الشرورِ وتسلُّطِ الكفارِ عن بُلْدانِ الإسلامِ ما لا يخطُرُ بِبَالِ أحدٍ، مع أنَّهم لم يكسبُوا شيئًا ظاهرًا؛ وإنَّما دفَعَ اللهُ به شرًّا عظيمًا؛ فإنَّ الكفارَ لا يَقِفُونَ عندَ حَدِّ ولا مَطِمَع، في فإذا رأوْا بأسَ المُسلِمينَ في أقصى الأرض، كُسِرَت مطامعُهُمْ عن أدْنى بُلْدانِ المُسلِمينَ فضلًا عن قَلْبِها.
فلو تُركَتْ تلك الأوامرُ لعَدَمِ المكتسَبِ المحسوس، لَفَتَحَ اللهُ بابًا مِن الشرورِ المدفوعةِ لا طاقةَ للمُسلِمينَ بها، ولا أعظَمَ فتنةً في الدِّينِ ممَّن يعيشُ بي قلب بلادِ الإسلامِ آمِنًا في عِرْضِهِ ومالِهِ ودمِه، ثم يقعُ في مُقاتِلينَ في ثغُورِ بأطراف بلادِ الإسلامِ بحُجَّةِ أنَّهم لم يَكسِبُوا شيئًا، ولو تَرَكُوا ما هم فيه، لَمَا توقَّفَ العدوُّ على ما هو عليه، ولَمَّا أمِنَ على نفسِه، ولكنَّ للهِ تقديرًا وتدبيرًا يَدفَعُ به عن الأمَّةِ شَرًّا بأقوامِ صالِحِين؛ ليعيشَ غيرُهُمْ صلاحَ دِينِهم ودُنياهم وهم في غَفْلةِ ولا يَعلَمون ما لو فُتِحَ
стр. 1432
عليهم مِن ذلك البابِ المُغلَق، وأحسِبُ أنَّ لأولئك المُقاتِلينَ مِن أجرِ ما أَمِنَتْ به الأمَّةُ بسببِهم، وما أقاموهُ بسبب ذلك مِن صلاةٍ وزكاةٍ ونُسُكِ وذِكرِ ودُعَاءٍ وصِلَةِ رَحِمِ وعمارةِ المساجدِ وغيرِ ذلك، واللهُ أعلَمُ.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: ٦١].
تقدَّمَ الكلامُ على المُسالَمةِ والمُوادَعةِ والمُهادَنة، ومعنى السَّلْمِ والسِّلْمِ بفتحِ السِّينِ وكسرِها في سورة البقرةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨]، وتكلَّمْنا على المَعنيَيْنِ: معنَى الدخُولِ في الإسلام، والسلمِ الذي هو بمعى المُسالَمةِ والأمان والمُهادَنةِ؛ كما في هذه الآيةِ.
وآيةُ البابِ هذه قد اختلَفَ العلماءُ مِن السلفِ في نَسْخِها على قولينِ:
قال بعضُ السلفِ: إنَّها منسوخةٌ، ومَن قال بالنَّسخ، اختلَفُوا في الناسخِ لها:
فرُوِيَ عن عِكْرِمةَ والحسَنِ: أنَّها منسوخةٌ بقولِهِ تعالى في سورةِ براءةَ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] (١).
وقيل: نُسِخَت بآيةِ القتالِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] قاله قتادةُ (٢).
стр. 1433
وقيل: نُسِخَتْ بسورةِ براءةَ؛ فقد نسَخَتْ كلَّ مُوادَعةٍ.
وقيل: نَسَخَها قولُهُ: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [محمد: ٣٥]؛ حُكِيَ هذا عن ابنِ عبَّاسِ (١).
وأنكَرَ الطبريُّ القولَ بالنسخ، ومِثُلُهُ ابنُ كَثِيرِ (٢)، وغيُرُهما، وهو كذلك، حتى قال الطبريُّ في قولِ مَن قال بالنَّسْخِ: "لا دَلَالةَ عليه مِن كتابِ ولا سُنَّةٍ ولا فِطْرة عقلٍ (٣).
وذلك أنَّ الآيةَ التي جعَلَها قتادةُ ناسخةً هي في كفارِ قريشٍ ومَن في حُكْمِهم مِن الوثَنيِّينَ، وآيةُ براءةَ فيها قتالُ العدوِّ عندَ القُدْرةِ عليه، والمُهادَنةُ عندَ كَثْرتِه.
وقال أكثَرُ العلماءِ: إنَّها ليست بمنسوخةٍ، بل مُحكَمةٌ، وليس فيها إبطالُ القتال، ولا الأمرُ بمُطلَقِ المُسالَمةِ والمُهادَنةِ والمُوادَعة، وهي محمولةٌ على كلِّ مَعاني السَّلْمِ التي تصلُحُ للمُسلِمينَ وتُصلِحُ حالَ الكافرينَ: كانْ يَقبَلَ الكُفَّارُ الإسلامَ؛ فلا حاجةَ لقتالِهم؛ لأنَّ غايةَ الغاياتِ تحقَّقتْ؛ ولهذا فسَّرَ ابنُ إسحاقَ (السَّلْمِ) في الآيةِ بالإسلامِ (٤)، وإن طلَبَ الكفارُ أن يَدفَعُوا الجِزْيةَ ولا يرغَبونَ في القتال، فيُنزِلونَهم عليها كما في التوبةِ ويأتي، وإنْ رَغِبُوا في الهُدْنةِ والمُسالَمةِ إلى أمَدٍ وكان للمُسلِمينَ مصلحةٌ، فلهم فعلُ ذلك، كما فعَلَ النبيُّ ﷺ في الحُدَيْبِيَةِ وغيرِها.
ومَن قال بإحكام الآية، لم يَجعَلْها أصلًا يُناقِضُ الجهادَ ويُعَطُلُه؛ فإنَّه لم يقُلْ بذلك أحدٌ؛ وإنَّما جعَلُوا القتالَ للمُعانِد، والسَّلْمَ لمَن تجوزُ مُصالَحَتُه.
стр. 1434
وقد صالَحَ الخلفاءُ الراشدونَ ومَن بعدَهم، وما زال حُكْمُ المُسالَمةِ والمُهادَنةِ قائمًا في الأُمَّةِ مع الكافرينَ بحسَبِ مصالحِ المُسلِمين.
وإنما الخلافُ في بعضِ فروعِ المُسالَمةِ والمُهادَنةِ؛ كمُدَّتها، وأحوالِها، ودفعِ المالِ إلى الكفارِ كفايةَ لشرِّهم، ونحوِ ذلك.
السَّلْمُ مع المُشركينَ:
لا يختلِفُ العُلَماءُ: أنَّ السَّلْمَ إذا كان دائمًا مع جميعِ الأعداءِ والجهات، وإلى الأبدِ وبلا أَمَدٍ: أنه لا يجوزُ؛ لأنَّه يتضمَّنُ تعطيلًا للجهاد، وقد تواتَرَ الدليلُ على دَيمُومتِهِ وبقائهِ إلى قِيام الساعة، وقد قال ابنُ المُنذِرِ: "ولا يجوزُ أنْ يُصالِحَهم إلى غيرِ مُدَّةٍ؛ لأنَّ في ذلك تَرْكَ قِتالِ المُشرِكينَ، وذلك غيرُ جائزٍ" (١).
ولأنَّ ذلك يتضمَّنُ قَطْعًا ذلَّةً وهوانًا للمُسلِمينَ؛ فلا يُتصوَّرُ عدمُ وجودِ عُدْوانٍ مِن جميع البشرِ وجميع الأُممِ والدُّوَلِ على المسلِمينَ، ولا يُتصوَّرُ ألا تَبقَى أمَّةَ ودَوْلة ولو كانتْ كافِرةً بلا عُدْوانٍ لأحدٍ عليها؛ وهذا مع عدمِ صِحَّتِه عقلًا، فهو منُاقضٌ لصريحِ الوحي، وتشريعِ السماء، وعملِ النبيِّ ﷺ والخلفاء، فاللهُ يقولُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣، والأنفال ٣٩]، والفِتْنةُ الكُفْرُ، ولا يَزالُ الكفرُ في الأرضِ باقيًا، فيجب أنْ تبَقَى معه شريعةُ الجهادِ قائمةً، ولا يُمكِنُ أنْ تكونَ الأمَّةُ ظاهرةً إلَّا بجهادِها، وفي "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ مُعاويةَ (٢)، والمُغيرةِ (٣)، يقولُ النبيُّ ﷺ : (لَا تَزَالُ طَائِفَة مِن أمَّتِي قَائِمَةً بِأمْرِ الله، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَو خَالَفَهُمْ، حَتَّى يأْتِيَ أمْرًا للهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى
стр. 1435
النَّاسِ)، وظهورُهُمْ بسبب جهادِهم؛ كما لي مسلم؛ مِن حديثِ جابرٍ (١)، ومعاويةَ (٢)، مرفوعًا: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أمَّتِي يُقَاتِلونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقيَامَةِ).
وفد استدَلَّ البخاريُّ على دَيْمُومةِ الجهادِ بقولِهِ ﷺ : (الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيامَةِ (٣)؛ لأنَّ المرادَ بخيريَّتها أثرُها في الجهادِ في سبيلِ اللهِ.
ولم يَرِد في السُّنَّةِ والقرآنِ أمرٌ بطلبِ السَّلْمِ؛ وإنَّما الواردُ قَبولُهُ عندَ عَرْضِهِ والحاجةِ إليه، وهذا لأنَّ النفوسَ ميَّالةٌ إلى حُبِّ السلامة، فتجدُ مِن الأمرِ ما يَدْعُوها إليه فتَرْكنُ، وأمَّا قولُهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، فالمرادُ بالسِّلْمِ الإسلامُ باتِّفاقِهم.
والسَّلْمُ مع العدوِّ على نوعَيْنِ:
الأوَّلُ: سلمٌ دائمٌ مع كلِّ عدوّ، وإلى الأبد، بلا أمَدٍ؛ فهذا لا يجوزُ ولا يصحُّ، كما تقدَّمَ.
الثاني: سلمٌ مع عدوِّ واحدٍ، أو بعضِ الأعداءِ أو أكثرِهم؛ فذلك جائزٌ بشروطِه.
المُدَّةُ في مسالَمةِ الكافرِ:
يَتَّفِقُ العلماءُ على أنه لا حَدَّ أَدْنى لزمنِ مُسالَمةِ العدوِّ ومهادَنتِه، وأنَّه لا تجوزُ المُهادَنةُ الأبديَّةُ، وإنَّما اختلَفُوا في أَعْلى مُدَّةِ المُسالَمةِ والمُهادَنةِ على قولَينِ:
ذهَبَ جمهورُ الفقَهاءِ: إلى أنه لا بُدَّ مِن حَدٍّ لمُسالَمةِ الكفارِ
стр. 1436
ومُهادَنتِهم؛ وهذا ظاهرُ مذهبِ الشافعيِّ وأحمدَ، واختلَفُوا في الحدِّ الذي يُهادَنُونَ يه، فجعَلَه الشافعيُّ وأحمدُ: إلى عَشْرِ سنينَ، والزيادةُ فوقَ ذلك باطلةٌ.
وعلَّقَه مالكٌ - فيما رواهُ عنه ابنُ حبيبٍ - باجتهادِ الإمامِ.
والإمامُ مالكٌ وغيرُهُ لا يُجِيزُونَ للإمامِ مُهادَنةَ كلِّ الأممِ وإلى الأبدِ؛ لأنَّه يَقتضي ضَعْفَ المؤمنينَ، وتسلُّطَ الكافرينَ، وتعطيلَ الجهاد، ولم يُسالِمِ النبيُّ ولا الصحابةُ ولا الخُلَفاءُ على مَرَّ العصورِ الأُمَمَ إِلى الأيدِ؛ وهذا مِن بدَعِ العَصْرِ ووَهْنِ سَلَاطِينِه، التي لا يجوزُ العملُ بمُقتضاها، ويقولُ ابنُ قُدامةَ: "لا خلافَ بينَهم على بُطْلانِ الصُّلْحِ إذا كان مؤيَّدًا".
والصلحُ المُطلَقُ غيرُ المؤقَّتِ يَقتضي التأبيدَ، في ظاهرِ مذهبِ الأصحاب، وإذا كثُرَتِ الثغورُ على المُسلِمينَ وتداعَتِ الأُمَمُ، فقد تصحُّ المُهادَنةُ مع عدوٍّ واحدٍ يُخشى منه ويَأْبى النزولَ إلَّا على صُلْحٍ مُطلَقٍ ولا قِبَلَ للمُسلِمينَ بجميعِ الأمم، فيجوزُ أنْ يُطلَقَ - والحالةُ كذلك - الصلحُ معه بلا زمنٍ، حتى يَقوَى المؤمنونَ ثم يَنبِذُونَ إليه عهدَهُ على سَوَاءٍ.
ويجبُ أنْ يَجْعَلَ الإمامُ المُدَّةَ التي يُهادِنُ بها الكافرين بحسَبِ مصلحةِ المسلِمينَ، في دِينِهم ودُنياهم وألَّا يَجْعَلَ الأَمَدَ فيها يَحْكُمُهُ غيرُ ذلك.
ولا يَعقِدُ الهُدْنةَ إلَّا الإمامُ، لا الأفرادُ، خلافًا للطبريِّ.
إعطاءُ الكفَّارِ للمسلِمِينَ المالَ على هُدْنَتِهم وأمْنِهم، والعكس:
وأمَّا المُهادَنةُ على مالٍ يَدفَعُهُ المشرِكونَ للمُسلِمينَ، فلا خلافَ في جوازِها ومشروعيَّتِها، وإنْ كان بمالٍ يَدفَعُهُ المُسلِمونَ للكافِرِينَ، فعلى حالتَيْنِ:
стр. 1437
الحالةُ الأُولى: إنْ كان في المُسلِمينَ قوةٌ وثَباتُ لصدِّ الكافرينَ، فلا يجوزُ لهم أنْ يَدفَعُوا للكافرينَ مالًا على هُدْنَتِهم؛ لأنَّ في ذلك ضَعْفًا وإهانةً لهم؛ والمنعُ هو الأصلُ.
وقد قال الشافعيُّ في "الأمِّ": "لا يجوزُ أنْ يُهادِنَهُمْ على أنْ يُعطيَهم المُسلِمونَ شيئًا بحالٍ؛ لأنَّ القتلَ للمُسلِمينَ شهادةٌ، وأنَّ الإسلامَ أَعَزُّ مِن أنْ يُعطَى مُشرِكٌ على أنْ يَكُفَّ عن أهلِه؛ لأنَّ أهلَهُ - قاتِلينَ ومَقتولِينَ - ظاهرونَ على الحقِّ" (١).
الحالةُ الثانيةُ: إنْ كان في المُسلِمينَ ضَعْفٌ وخافُوا الاصْطِلَامَ وهلاكَ أهلِ الإسلام، وقد أحاطَ بهم الكافِرونَ وتكالَبُوا عليهم مِن جهاتٍ عِدَّةٍ، ولا طاقةَ لهم بالجميع، فيُرِيدونَ أنْ يُخفِّفُوا على أنفُسِهم بعضَ الكافِرِينَ؛ ليتفرَّغوا لبعضٍ دونَ بعضٍ؛ حتى يُمْكِنَهُمُ اللهُ مِن الجميعٍ؛ فالصحيحُ أنه جائزٌ؛ وبهذا قال الأوزاعيُّ ومالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ؛ فقد روى الطبرانيُّ وغيرُهُ؛ مِن حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ؛ قال: جَاءَ الْحَارِثُ الْغَطَفَانِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، شَاطِرْنَا تَمْرَ المَدِينَة، قَالَ: (حَتَّى أَسْتَأْمِرَ السُّعُودَ)، فَبَعَثَ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَسَعْدِ بْنِ الرَّبِيع، وَسَعَدِ بْنِ خَيْثَمَةَ، وَسَعْدِ بْنِ مَسْعْودٍ، ﵏، فَقَالَ: (إِنَّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّ الْحَارِثَ يَسْأَلُكُمْ أَنْ تُشَاطِرُوهُ تَمْرَ المَدِينَة، فَإِنْ أرَدتُّمْ أَنْ تَدْفَعُوا إِلَيْهِ عَامَكُمْ هَذَا، حَتَّى تَنْظُرُوا فِي أَمْرِكُمْ بَعْدُ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أوَحْيٌ مِنَ السَّمَاءِ؛ فَالتَّسْلِيمُ لِأَمْرِ الله، أَو عَنْ رَأْيِكَ، أَو هَوَاكَ؛ فَرَأْيُنَا تَبَعٌ لِهَوَاكَ ورَأْيِكَ، فَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تُرِيدُ الْإِبْقَاءَ عَلَيْنَا، فَوَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَإِيَّاهُمْ عَلَى سَوَاءٍ، مَا يَنَالُونَ مِنَّا تَمْرَةً إِلَّا
стр. 1438
بِشِرًى، أَو قِرًى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (هُوَ ذَا تَسْمَعُونَ مَا يَقُولُونَ)، قَالُوا: غَدَرْتَ يَا مْحَمَّدُ، فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ ﵀:
يَا حَارِ مَنْ يَغْدِرُ بِذِمَّةِ جَارِهِ … أَبَدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا لَا يَغْدِرُ
وَأمَانَةُ الْمُرِّيِّ حَيْثُ لَقِيتَهَا … كَسْرُ الزُّجَاجَةِ صَدْعُهَا لَا يُجْبَرُ
إِنْ تَغْدِرُوا فالْغَدْرُ مِنْ عَادَاتِكُمْ … وَاللُّؤْمُ يَنْبُتُ فِي أُصُولِ السَّخْبَرِ (١)
وقد رَوَى أبو عُبَيْدٍ في "الأموالِ"، عن ابنِ شهابٍ؛ قال: كانتْ وقعةُ الأحزابِ بعدَ أُحُدٍ بسنتَيْن، وذلك يومَ حَفَرَ رسولُ اللهِ ﷺ الخندقَ، ورئيسُ الكفارِ يومئذٍ أبو سُفْيانَ بن حَرْبٍ، فحاصَروا رسولَ اللهِ ﷺ بضعَ عَشْرةَ ليلةً، فخلَصَ إلى المُسلِمينَ الكَرْبُ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ كما أخبَرَني سعيدُ بن المسيَّب -: (اللَّهُمَّ، إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ، إِنْ تَشَأْ لَا تُعْبَدْ)، وحتى أَرسَلَ رسولُ اللهِ ﷺ رسولًا إلى عُيَيْنَةَ بنِ حِصْنٍ وهو يومئذٍ رئيسُ الكفارِ مِن غَطَفَانَ، وهو مع أبي سُفْيانَ، فرَضَ عليه رسولُ اللهِ ﷺ ثُلُثَ ثَمَرِ نَخْلِ المدينةِ؛ على أنْ يَخذُلَ الأحزابَ ويَنصرِفَ ومَن معه مِن غَطَفَانَ، فقال عُيَيْنةُ: بل أَعْطِني شَطْرَ ثَمَرِها، ثم أَفْعَلُ ذلك، فأرسَلَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى سعدِ بنِ معاذٍ، وهو سيدُ الأَوْس، وإلى سعدِ بنِ عُبَادَةَ، وهو سيدُ الخَزْرَج، فقال: (إِنَّ عُيَيْنَةَ قَدْ سَأَلنِي نِصْفَ ثَمَرِ نَخْلِكُمْ؛ عَلَى أَنْ يَنْصَرِفَ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ غَطَفَانَ وَيَخْذُلَ الْأَحْزَابَ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُهُ الثُّلُثَ، فَأَبَى إِلَّا النَّصْفَ، فَمَا تَرَيَانِ؟ )، قالَا: يا رسولَ الله، إنْ كنتَ أُمِرْتَ بشيءٍ فافعَلْهُ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : (لَوْ أُمِرْتُ بِشَيْءٍ لَمْ أَسْتَأْمِرْ كُمَا فِيه، وَلَكِنْ هَذَا رَأْيٌ أَعْرِضُهُ عَلَيْكُمَا)، قالا: فإنَّا لا نَرَى أنْ نُعْطِيَهُمْ إلَّا السيفَ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : (فَنَعَمْ)، قال أبو عُبَيْدٍ: وقد فعَلَ مِثْلَ ذلك معاويةُ في إمارتِهِ (٢).
стр. 1439
ورَوى أبو عُبَيْدٍ أيضًا عن الوليدِ بنِ مُسلِمٍ، عن صَفْوانَ بنِ عمرٍو، وسعيدِ بنِ عبد العزيزِ؛ أنَّ الرومَ صالَحَتْ معاويةَ على أنْ يُؤدِّيَ إليهم مالًا، وارتهَنَ معاويةُ منهم رَهْنًا، فجعَلَهُم ببَعْلَبَكَّ، ثم إنَّ الرومَ غدَرَت، فأَبَى معاويةُ والمُسلِمونَ أنْ يَستحِلُّوا قَتْلَ مَن في أيدِيهِم مِن رَهْنِهم، وخَلَّوْا سبيلَهم، واستفتَحُوا بذلك عليهم، وقالوا: وفاءٌ بغَدْرٍ، خيرٌ مِن غَدْرٍ بغَدْرٍ (١).
* * *
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾ [الأنفال: ٦٥ - ٦٦].
في هذه الآيةِ: حاجةُ المؤمنينَ إلى التحريضِ على قتالِ الكافِرِينَ والبَرَاءةِ منهم، والتحريضُ هو الوعظُ والحَضُّ على العمل، وهذا مِن واجباتِ الإمامِ والعالِم، وقد كان النبيُّ ﷺ يُحرِّض أصحابَهُ على القُوَّةِ والرَّمْيِ وإعدادِ العُدَّةِ على مِنبَرِهِ وفي طريقِهِ؛ عندَ قيامِ الحاجةِ إلى ذلك.
تحريضُ النبيِّ ﷺ على القتالِ:
وقد كان النبيُّ ﷺ يأمُرُ بالإعدادِ على مِنْبَرِ الجُمُعةِ للعامَّةِ والخاصَّةِ؛ كما في مسلمٍ؛ مِن حديثِ عُقْبةَ؛ أنه سَمِعَ النبيَّ ﷺ يقولُ وهو على المِنْبَرِ: (قَالَ الله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]؛
стр. 1440
أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ) ثلاثًا (١).
وكان يُحرِّضُ على الرمي وتعلُّمِهِ الرجالَ والغِلْمانَ؛ كما في البخاريِّ؛ مِن حديثِ سَلَمةَ بنِ الأَكْوَعِ ﵁؛ قال: مَرَّ النبيُّ ﷺ عَلَى نَمَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : (ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ؛ فَإِنَّ أَبَاكَمْ كَانَ رَامِيًا) (٢).
وقد كان النبيُّ ﷺ يحرِّضُهم على الأُمَمِ المخالِفةِ ويذكِّرُهم بالموافِقةِ؛ حتى يَتبيَّنوا أَمْرَهم، وربَّما فعَلَ ذلك على مِنْبَرِهِ؛ كما في "الصحيحَيْن"؛ مِن حديثِ نافعٍ؛ أنَّ عبدَ اللهِ أخبَرَهُ؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال على المنبرِ: (غِفَارُ غَفَرَ اللهُ لهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ، وَعُصَيَّةُ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ) (٣)، وفي حديثِ ابنِ عمرَ هذا، وحديثِ عقبةَ السابقِ: رَدٌّ على مَن خَصَّ منابرَ الجُمَعِ بالتذكيرِ بالآخِرةِ والتزهيدِ في الدُّنيا، وتجنَّب ما يتَّصِلُ بدِينِ الأُمَّةِ العامِّ في نفسِها ومع عدوِّها.
العَدَدُ الذي يجبُ معه الثَّباتُ أمامَ العدوِّ:
وأمَّا قولُهُ تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا﴾، فكان ذلك أوَّلَ الأمرِ؛ أمِرُوا بالصبرِ على العدوِّ مهما بلَغَ عددُهُ وعُدَّتُه، ما لم يَرِدْ على عَشَرةِ أضعافٍ، ثم خفَّفَ اللهُ عن أهلِ الإيمانِ بذلك فيما بعدَها، وعامَّةُ السلفِ على نسخِ هذه الآيةِ بقولِهِ تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ وابنُ عمرَ وغيرُهما.
رَوَى البخاريُّ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄؛ قال: "لمَّا نزَلَتْ.