ومُهادَنتِهم؛ وهذا ظاهرُ مذهبِ الشافعيِّ وأحمدَ، واختلَفُوا في الحدِّ الذي يُهادَنُونَ يه، فجعَلَه الشافعيُّ وأحمدُ: إلى عَشْرِ سنينَ، والزيادةُ فوقَ ذلك باطلةٌ.
وعلَّقَه مالكٌ - فيما رواهُ عنه ابنُ حبيبٍ - باجتهادِ الإمامِ.
والإمامُ مالكٌ وغيرُهُ لا يُجِيزُونَ للإمامِ مُهادَنةَ كلِّ الأممِ وإلى الأبدِ؛ لأنَّه يَقتضي ضَعْفَ المؤمنينَ، وتسلُّطَ الكافرينَ، وتعطيلَ الجهاد، ولم يُسالِمِ النبيُّ ولا الصحابةُ ولا الخُلَفاءُ على مَرَّ العصورِ الأُمَمَ إِلى الأيدِ؛ وهذا مِن بدَعِ العَصْرِ ووَهْنِ سَلَاطِينِه، التي لا يجوزُ العملُ بمُقتضاها، ويقولُ ابنُ قُدامةَ: "لا خلافَ بينَهم على بُطْلانِ الصُّلْحِ إذا كان مؤيَّدًا".
والصلحُ المُطلَقُ غيرُ المؤقَّتِ يَقتضي التأبيدَ، في ظاهرِ مذهبِ الأصحاب، وإذا كثُرَتِ الثغورُ على المُسلِمينَ وتداعَتِ الأُمَمُ، فقد تصحُّ المُهادَنةُ مع عدوٍّ واحدٍ يُخشى منه ويَأْبى النزولَ إلَّا على صُلْحٍ مُطلَقٍ ولا قِبَلَ للمُسلِمينَ بجميعِ الأمم، فيجوزُ أنْ يُطلَقَ - والحالةُ كذلك - الصلحُ معه بلا زمنٍ، حتى يَقوَى المؤمنونَ ثم يَنبِذُونَ إليه عهدَهُ على سَوَاءٍ.
ويجبُ أنْ يَجْعَلَ الإمامُ المُدَّةَ التي يُهادِنُ بها الكافرين بحسَبِ مصلحةِ المسلِمينَ، في دِينِهم ودُنياهم وألَّا يَجْعَلَ الأَمَدَ فيها يَحْكُمُهُ غيرُ ذلك.
ولا يَعقِدُ الهُدْنةَ إلَّا الإمامُ، لا الأفرادُ، خلافًا للطبريِّ.
إعطاءُ الكفَّارِ للمسلِمِينَ المالَ على هُدْنَتِهم وأمْنِهم، والعكس:
وأمَّا المُهادَنةُ على مالٍ يَدفَعُهُ المشرِكونَ للمُسلِمينَ، فلا خلافَ في جوازِها ومشروعيَّتِها، وإنْ كان بمالٍ يَدفَعُهُ المُسلِمونَ للكافِرِينَ، فعلى حالتَيْنِ:
стр. 1437
الحالةُ الأُولى: إنْ كان في المُسلِمينَ قوةٌ وثَباتُ لصدِّ الكافرينَ، فلا يجوزُ لهم أنْ يَدفَعُوا للكافرينَ مالًا على هُدْنَتِهم؛ لأنَّ في ذلك ضَعْفًا وإهانةً لهم؛ والمنعُ هو الأصلُ.
وقد قال الشافعيُّ في "الأمِّ": "لا يجوزُ أنْ يُهادِنَهُمْ على أنْ يُعطيَهم المُسلِمونَ شيئًا بحالٍ؛ لأنَّ القتلَ للمُسلِمينَ شهادةٌ، وأنَّ الإسلامَ أَعَزُّ مِن أنْ يُعطَى مُشرِكٌ على أنْ يَكُفَّ عن أهلِه؛ لأنَّ أهلَهُ - قاتِلينَ ومَقتولِينَ - ظاهرونَ على الحقِّ" (١).
الحالةُ الثانيةُ: إنْ كان في المُسلِمينَ ضَعْفٌ وخافُوا الاصْطِلَامَ وهلاكَ أهلِ الإسلام، وقد أحاطَ بهم الكافِرونَ وتكالَبُوا عليهم مِن جهاتٍ عِدَّةٍ، ولا طاقةَ لهم بالجميع، فيُرِيدونَ أنْ يُخفِّفُوا على أنفُسِهم بعضَ الكافِرِينَ؛ ليتفرَّغوا لبعضٍ دونَ بعضٍ؛ حتى يُمْكِنَهُمُ اللهُ مِن الجميعٍ؛ فالصحيحُ أنه جائزٌ؛ وبهذا قال الأوزاعيُّ ومالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ؛ فقد روى الطبرانيُّ وغيرُهُ؛ مِن حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ؛ قال: جَاءَ الْحَارِثُ الْغَطَفَانِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، شَاطِرْنَا تَمْرَ المَدِينَة، قَالَ: (حَتَّى أَسْتَأْمِرَ السُّعُودَ)، فَبَعَثَ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَسَعْدِ بْنِ الرَّبِيع، وَسَعَدِ بْنِ خَيْثَمَةَ، وَسَعْدِ بْنِ مَسْعْودٍ، ﵏، فَقَالَ: (إِنَّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّ الْحَارِثَ يَسْأَلُكُمْ أَنْ تُشَاطِرُوهُ تَمْرَ المَدِينَة، فَإِنْ أرَدتُّمْ أَنْ تَدْفَعُوا إِلَيْهِ عَامَكُمْ هَذَا، حَتَّى تَنْظُرُوا فِي أَمْرِكُمْ بَعْدُ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أوَحْيٌ مِنَ السَّمَاءِ؛ فَالتَّسْلِيمُ لِأَمْرِ الله، أَو عَنْ رَأْيِكَ، أَو هَوَاكَ؛ فَرَأْيُنَا تَبَعٌ لِهَوَاكَ ورَأْيِكَ، فَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تُرِيدُ الْإِبْقَاءَ عَلَيْنَا، فَوَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَإِيَّاهُمْ عَلَى سَوَاءٍ، مَا يَنَالُونَ مِنَّا تَمْرَةً إِلَّا
стр. 1438
بِشِرًى، أَو قِرًى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (هُوَ ذَا تَسْمَعُونَ مَا يَقُولُونَ)، قَالُوا: غَدَرْتَ يَا مْحَمَّدُ، فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ ﵀:
يَا حَارِ مَنْ يَغْدِرُ بِذِمَّةِ جَارِهِ … أَبَدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا لَا يَغْدِرُ
وَأمَانَةُ الْمُرِّيِّ حَيْثُ لَقِيتَهَا … كَسْرُ الزُّجَاجَةِ صَدْعُهَا لَا يُجْبَرُ
إِنْ تَغْدِرُوا فالْغَدْرُ مِنْ عَادَاتِكُمْ … وَاللُّؤْمُ يَنْبُتُ فِي أُصُولِ السَّخْبَرِ (١)
وقد رَوَى أبو عُبَيْدٍ في "الأموالِ"، عن ابنِ شهابٍ؛ قال: كانتْ وقعةُ الأحزابِ بعدَ أُحُدٍ بسنتَيْن، وذلك يومَ حَفَرَ رسولُ اللهِ ﷺ الخندقَ، ورئيسُ الكفارِ يومئذٍ أبو سُفْيانَ بن حَرْبٍ، فحاصَروا رسولَ اللهِ ﷺ بضعَ عَشْرةَ ليلةً، فخلَصَ إلى المُسلِمينَ الكَرْبُ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ كما أخبَرَني سعيدُ بن المسيَّب -: (اللَّهُمَّ، إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ، إِنْ تَشَأْ لَا تُعْبَدْ)، وحتى أَرسَلَ رسولُ اللهِ ﷺ رسولًا إلى عُيَيْنَةَ بنِ حِصْنٍ وهو يومئذٍ رئيسُ الكفارِ مِن غَطَفَانَ، وهو مع أبي سُفْيانَ، فرَضَ عليه رسولُ اللهِ ﷺ ثُلُثَ ثَمَرِ نَخْلِ المدينةِ؛ على أنْ يَخذُلَ الأحزابَ ويَنصرِفَ ومَن معه مِن غَطَفَانَ، فقال عُيَيْنةُ: بل أَعْطِني شَطْرَ ثَمَرِها، ثم أَفْعَلُ ذلك، فأرسَلَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى سعدِ بنِ معاذٍ، وهو سيدُ الأَوْس، وإلى سعدِ بنِ عُبَادَةَ، وهو سيدُ الخَزْرَج، فقال: (إِنَّ عُيَيْنَةَ قَدْ سَأَلنِي نِصْفَ ثَمَرِ نَخْلِكُمْ؛ عَلَى أَنْ يَنْصَرِفَ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ غَطَفَانَ وَيَخْذُلَ الْأَحْزَابَ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُهُ الثُّلُثَ، فَأَبَى إِلَّا النَّصْفَ، فَمَا تَرَيَانِ؟ )، قالَا: يا رسولَ الله، إنْ كنتَ أُمِرْتَ بشيءٍ فافعَلْهُ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : (لَوْ أُمِرْتُ بِشَيْءٍ لَمْ أَسْتَأْمِرْ كُمَا فِيه، وَلَكِنْ هَذَا رَأْيٌ أَعْرِضُهُ عَلَيْكُمَا)، قالا: فإنَّا لا نَرَى أنْ نُعْطِيَهُمْ إلَّا السيفَ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : (فَنَعَمْ)، قال أبو عُبَيْدٍ: وقد فعَلَ مِثْلَ ذلك معاويةُ في إمارتِهِ (٢).
стр. 1439
ورَوى أبو عُبَيْدٍ أيضًا عن الوليدِ بنِ مُسلِمٍ، عن صَفْوانَ بنِ عمرٍو، وسعيدِ بنِ عبد العزيزِ؛ أنَّ الرومَ صالَحَتْ معاويةَ على أنْ يُؤدِّيَ إليهم مالًا، وارتهَنَ معاويةُ منهم رَهْنًا، فجعَلَهُم ببَعْلَبَكَّ، ثم إنَّ الرومَ غدَرَت، فأَبَى معاويةُ والمُسلِمونَ أنْ يَستحِلُّوا قَتْلَ مَن في أيدِيهِم مِن رَهْنِهم، وخَلَّوْا سبيلَهم، واستفتَحُوا بذلك عليهم، وقالوا: وفاءٌ بغَدْرٍ، خيرٌ مِن غَدْرٍ بغَدْرٍ (١).
* * *
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾ [الأنفال: ٦٥ - ٦٦].
في هذه الآيةِ: حاجةُ المؤمنينَ إلى التحريضِ على قتالِ الكافِرِينَ والبَرَاءةِ منهم، والتحريضُ هو الوعظُ والحَضُّ على العمل، وهذا مِن واجباتِ الإمامِ والعالِم، وقد كان النبيُّ ﷺ يُحرِّض أصحابَهُ على القُوَّةِ والرَّمْيِ وإعدادِ العُدَّةِ على مِنبَرِهِ وفي طريقِهِ؛ عندَ قيامِ الحاجةِ إلى ذلك.
تحريضُ النبيِّ ﷺ على القتالِ:
وقد كان النبيُّ ﷺ يأمُرُ بالإعدادِ على مِنْبَرِ الجُمُعةِ للعامَّةِ والخاصَّةِ؛ كما في مسلمٍ؛ مِن حديثِ عُقْبةَ؛ أنه سَمِعَ النبيَّ ﷺ يقولُ وهو على المِنْبَرِ: (قَالَ الله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]؛
стр. 1440
أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ) ثلاثًا (١).
وكان يُحرِّضُ على الرمي وتعلُّمِهِ الرجالَ والغِلْمانَ؛ كما في البخاريِّ؛ مِن حديثِ سَلَمةَ بنِ الأَكْوَعِ ﵁؛ قال: مَرَّ النبيُّ ﷺ عَلَى نَمَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : (ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ؛ فَإِنَّ أَبَاكَمْ كَانَ رَامِيًا) (٢).
وقد كان النبيُّ ﷺ يحرِّضُهم على الأُمَمِ المخالِفةِ ويذكِّرُهم بالموافِقةِ؛ حتى يَتبيَّنوا أَمْرَهم، وربَّما فعَلَ ذلك على مِنْبَرِهِ؛ كما في "الصحيحَيْن"؛ مِن حديثِ نافعٍ؛ أنَّ عبدَ اللهِ أخبَرَهُ؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال على المنبرِ: (غِفَارُ غَفَرَ اللهُ لهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللهُ، وَعُصَيَّةُ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ) (٣)، وفي حديثِ ابنِ عمرَ هذا، وحديثِ عقبةَ السابقِ: رَدٌّ على مَن خَصَّ منابرَ الجُمَعِ بالتذكيرِ بالآخِرةِ والتزهيدِ في الدُّنيا، وتجنَّب ما يتَّصِلُ بدِينِ الأُمَّةِ العامِّ في نفسِها ومع عدوِّها.
العَدَدُ الذي يجبُ معه الثَّباتُ أمامَ العدوِّ:
وأمَّا قولُهُ تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا﴾، فكان ذلك أوَّلَ الأمرِ؛ أمِرُوا بالصبرِ على العدوِّ مهما بلَغَ عددُهُ وعُدَّتُه، ما لم يَرِدْ على عَشَرةِ أضعافٍ، ثم خفَّفَ اللهُ عن أهلِ الإيمانِ بذلك فيما بعدَها، وعامَّةُ السلفِ على نسخِ هذه الآيةِ بقولِهِ تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ وابنُ عمرَ وغيرُهما.
رَوَى البخاريُّ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄؛ قال: "لمَّا نزَلَتْ.
стр. 1441
﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، شَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ حِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، فَجَاءَ التَّخْفِيفُ، فقالَ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، قالَ: فَلَمَّا خَفَّفَ الله عَنْهُمْ مِنَ العِدَّة، نَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خُفِّفَ عَنْهُمْ" (١).
وصحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: "مَن فَرَّ مِن ثلاثةٍ فلم يَفِرَّ، ومَن فَرَّ مِن اثنينِ فقد فَرَّ"؛ رواهُ ابنُ أبي نَجِيحٍ (٢)، ونحوَهُ عمرُو بن دِينارٍ، عنه (٣).
وروى الحاكمُ في "مُستدرَكِه"؛ مِن حديثِ أبي عمرِو بنِ العلاء، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمَرَ؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قرَأَ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ رَفَعَ (٤).
وبالنسخِ قال مجاهِدٌ وعطاءٌ وعِكْرِمةُ والحسَنُ وزيدٌ والضَّحَّاكُ وجماعةٌ (٥).
وفي قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ تأكيدٌ على الصبر، وأنَّه مَعقِدُ النصرِ ومَحَلُّهُ، فالعَدَد والعُدَّةُ ليستْ بأعظَمَ مِن الصبر، فالصابرُ أقرَبُ نصرًا ولو قَلَّ عَتَادُهُ، وإنَّما ذكَّر اللهُ بالصبرِ؛ حتى لا تتعلَّقَ النفوسُ بالعددِ فتتَّكِلَ عليه، وتَنسى معيَّةَ اللهِ وعَوْنَهُ للصابرينَ فيه، وبمقدارِ تعلُّقِ القلبِ بغيرِ اللهِ يَضعُفُ معه توكُّلُهُ ويَقِلُّ صبرُه، وهذا أمرٌ قد لا يَملِكُهُ الإنسانُ؛ ولذا قال ابنُ عبَّاسٍ: (فلَمَّا خفَّفَ الله عَنْهُمْ مِنَ العِدَّة، نَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خُفَّفَ عَنْهُمْ" (٦).
стр. 1442
بلوغُ جيشِ المُسلِمينَ اثنَيْ عَشَرَ ألفًا:
وظاهرُ الآيةِ بقاءُ الحُكمِ في كلِّ عَدَدٍ مِن المُسلِمينَ كثيرًا أو قليلًا؛ أنه لا يجبُ عليهم الثباتُ إلَّا على الضَّعْفِ وما دونَهُ، وأمَّا حديثُ ابنِ عبَّاسٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (خَيْرُ الصَّحَابَةِ أرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعْ مِئَةٍ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ) (١)، فهذا الحديثُ رواهُ أحمدُ وأبو داودَ والتَّرمذيُّ؛ مِن حديثِ جريرٍ، عن يونُسَ بنِ يزيدَ، عن الزُّهْريِّ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عبد اللهِ بنِ عُتْبةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، به.
وأكَثَرُ الرُّواةِ مِن أصحابِ الزُّهْريِّ يُرسِلونَهُ عنه، عن النبيِّ ﷺ بلا واسطةٍ؛ كمَعْمَرٍ وعُقَيْلٍ، وصوَّبَ الإرسالَ عامَّةُ النُّقَّادِ كالتَّرْمِذيِّ وأبي داودَ وأبي حاتمٍ، وقال أبو حاتمٍ: "مُرسَل أشبَهُ، لا يَحتمِلُ هذا الكلامُ أنْ يكونَ كلامَ النبيِّ ﷺ " (٢).
ولا فرقَ بينَ الاثنَيْ عشَرَ ألفًا وما دونَها وما أكثَرَ منها؛ لعمومِ الآية، وضَعْفِ الحديثِ.
اعتبارُ تقارُبِ السلاحِ عندَ المُواجَهةِ:
والآيةُ في اعتبارِ العَدَدِ جرَتْ مَجْرَى الغالبِ مِن أحوالِ الناسِ؛ أنَّهم في كلَّ زمنٍ يَستعمِلونَ سلاحًا واحدًا، فكلُّ زمنٍ يَستعمِلُ الناسُ سلاحًا واحدًا؛ فأهلُ كلَّ زمنٍ يَتقاتَلونَ بسلاحٍ واحدٍ؛ ففي زمنِ السِّهامِ والنِّبالِ والرِّماحِ وركوبِ الدوابِّ فهم يَتقاتَلونَ بذلك، وفي زمنِ المَنْجنِيقِ يَتقاتَلونَ به، وفي زمانِ الرصاصِ والقذائفِ والمَدافعِ فهم يَتقاتَلونَ به،
стр. 1443
وإن لم يَتساوَوْا في جَوْدَتِهِ وأثرِه؛ ولهذا جاءَتِ الآيةُ باعتبارِ العَدَد، ولم تأتِ باعتبارِ العُدَدِ؛ لأنَّ العُدَّةَ يُمكِنُ للمُسلِمينَ تحقيقُها بالصناعةِ والشراء، بخلافِ العَدَدِ؛ فإنْ لم يكنْ في المسلِمينَ العَدَدُ المشروطُ للثَّبات، فليس لهم شراؤُهُ ولا اتَّخاذُهُ مِن غيرِهم.
ولمَّا جرَتِ الآيةُ مَجْرَى الغالبِ والعادة، دَلَّ على عدمِ إخراجِ العُدَّةِ مِن أيوابِ الثَّبات، فالعُدَّةُ مُعتبَرةٌ كالعَدَد، ولكنَّ تبايُنَ المُسلِمينَ بها عن المشرِكينَ نادرٌ؛ فلم يُعلَّقْ بها حُكْمٌ، فلا يقولُ فقيهٌ: إنَّه يجبُ على المؤمنينَ إذا كانوا عُزْلًا مِن كلِّ سلاحٍ أنْ يَثبُتُوا في مُقابِلِ مِثلَيْهم أو أقلَّ مِن عدوِّهم الذي يَحمِلُ السلاحَ؛ لظاهرِ الآية، فيُقابِلُوهم بأيدِيهِم أو يَرسُوهم بالحَصَى والعَصَا وهم يَحمِلُونَ الرصاصَ وشِبْهَهُ، وعدمُ ذكرِ العُدَدِ في الآية، لا يَعني عدمَ اعتبارِه؛ وإنَّما لم تذكُرِ الآيةُ اشتراطَ العُدَّةِ؛ لأمورٍ، أعظَمُها - واللهُ أعلَمُ - أمرانِ:
الأوَّل: أنَّ هذا جرَى مجرَى الغالب، فالناسُ في كلِّ عصرٍ يَحمِلُونَ سلاحًا مِن جنسٍ واحدٍ، وإنْ لم يَتساوَوْا في نوعِهِ وإثخانِه؛ كما كان في الزمنِ الأولِ يتَّفقونَ على الرِّماحِ والسِّهامِ والسيوف، ولا يَتساوَوْنَ في حِدَّتِها وخِفَّتِها، ونفاذِها ومَدَاها، وكذلك اليومَ في الرصاصِ والقذائفِ ونوعِها ومَدَاها وأثرِها.
الثاني: أنَّ في اشتراطِ العُدَّةِ دعوةً لتواكُلِ المُسلِمينَ وركونِهم، فلو اشترَطَ نوعًا مِن العُدَّةِ يُساوِي المشرِكِينَ، لَتَواكَلَ المُسلِمونَ وترَكُوا الإعدادَ؛ حتى لا يَلحَقَهم التكليفُ؛ لأنَّ التكليفَ مرهونٌ بالعُدَّةِ؛ ولهذا جاء الأمرُ بالأعدادِ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وجاء الاشتراطُ للعَدَدِ لوجوبِ الثَّباتِ: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، وكأنَّ اللهَ لم يَعذِرْهم بالعُدَّةِ؛ لأنَّ الأصلَ إمكانُها والقدرةُ عليها
стр. 1444
كما قدَرَ الكفارُ عليها، وأمَّا العَدَدُ، فهو الذي لا يَملِكُونَه لو تعذَّرَ فيهم.
ولو قِيلَ بعدمِ اعتبارِ العُدَّة، لَجَازَ للمُسلِمينَ وهم مُسلَّحونَ أنْ يَفِرُّوا إذا كان عدوُّهم أكثَرَ مِن ضِعفَيْهِمْ وهم عُزْلٌ، ولوجَبَ أنْ يَثبُتُوا وهم عُزْلٌ أمامَ عدوَّهم المُسلَّحِ إذا كان مساويًا لهم أو ضِعْفَهُمْ في العَدَدِ.
وإذا ملَكَ المُسلِمونَ جنسَ سلاحِ المشرِكينَ، وجَبَ عليهم الثَّباتُ ولو لم يَتساوَوْا في أثرِه وقوَّتِه، ما كان عددُ المشرِكِينَ لا يَزيدُ على مِثلَيْهم.
وتقديرُ السلاحِ يُرجَعُ فيه إلى أهلِ العلمِ به مِن أهلِ الجهادِ والدَّرايةِ فيه، واللهُ أعلَمُ.
* * *
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٨].
نزَلَتْ هذه الآيةُ في بَدْرٍ، والأُسَارَى أُسَارَى بَدْرٍ، والمرادُ بذلك: أنَّ الطمعَ في الأَسْرَى، والمَيْلَ إلى مِلْكِهم: لا يكونُ إلَّا بعدَ إثخانٍ في الأرض، وهو الظُّهُورُ؛ كما قالهُ ابنُ عبَّاسٍ (١)؛ فإنَّ الأُمَّةَ لو مالتْ في زمنِ قِلَّتِها وضَعْفِها إلى الإكثارِ مِن الأَسْرِ والسَّبْي، رَكِنَت إلى دُنْياها، وغفَلَتْ عن عدوِّها؛ لأنَّ في الأُسَارَى طمعًا في مِلْكَهم ونفعِهم وبيعِهم.
الغايةُ الجهادِ والأَسْرِ:
ولم يكنِ الأَسْرُ مَقْصَدًا في ذاتِهِ في الإسلامِ؛ وإنَّما جاء تَبَعًا
стр. 1445
لشريعةِ الجهاد، وشريعةُ الجهادِ لم تكنُ مقصودةً لِذَاتِها؛ وإنَّما جاءَ تَبَعًا لكفرِ الأُممِ وإعراضِها عن عبادةِ اللهِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وإذا اختَلَّتْ أولويَّاتُ المَقاصدِ الشرعيَّة، اختَلَّ ثَبَاتُ الأمَّةِ؛ لمُخالَفَتِها لأمرِ ربَّها؛ ولهذا لمَّا أَسَرَ النبيُّ ﷺ مِن قريشٍ في غزوةِ بَدْرٍ، وكانتْ أوَّلَ غَزَواتِهم الظاهرة، ولم تَعرِفِ الأُمَمُ بَأْسَهم، ولم يكنْ لهم ظهورٌ ورُعْبٌ في نفوسِ عدوِّهم، وشاوَرَ النبيُّ ﷺ أصحابَهُ فيهم، وكان أكثرُهم يرَوْنَ الفِداءَ بالمال، فمالَ لذلك النبيُّ ﷺ : عاتَبَ اللهُ أولئك الذين أشارُوا إلى الفِدْية، وكان عمرُ ممَّن قال بالقتل، وكان أبو بكرٍ ممَّن قال بالفِدَاء، وكان النبيُّ ﷺ قد أدَّى ما عليه مِن الشُّورَى والأخذِ بما عليه عامَّةُ المُسلِمينَ أو أكثرُهم بما لم يكنْ فيه نصٌّ بيِّنٌ، فإنَّ الذين قالوا بالإثخانِ بالقتلِ قِلَّةٌ؛ كعمرَ بنِ الخطَّاب، وسعدِ بنِ مُعاذٍ، وعبدِ اللهِ بنِ رَوَاحَةَ.
وفي "الصحيحِ"؛ قال ابنُ عباسٍ: "لمَّا أَسَرُوا الْأُسَارَى، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: (مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى؟ )، فَقَالَ أبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ الله، هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةَ، فَتَكُونَ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ؛ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْإِسْلَام، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (مَا تَرَى يَا بْنَ الْخَطَّابِ؟ )، قُلْتُ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ الله، مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكَّنِّي مِن فُلَانٍ - نَسِيبًا لِعُمَرَ - فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا، فَهَوِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جِئْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَينِ يَبْكِيَان، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ؟ فَإنْ وَجَدتُّ بُكَاءً بَكَيْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ
стр. 1446
أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِه الشَّجَرَةِ) - شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ نَبِيِّ اللهِ ﷺ نزَلَ اللَّهُ ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩]، فَأحَلَّ اللهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ" (١).
والمرادُ بقوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾؛ يعني: مَتاعَها وما يخرُجُ منها مِن منافعَ فتقدِّمونَهُ على أمرِ اللهِ وما يَتْبَعُهُ مِن نصيبِ الآخِرةِ؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾، وقد فسَّرَ عرَضَ الدَّنيا بخَرَاجِها: عِكرِمةُ (٢) وغيرُهُ، وقال ابنُ إسحاقَ: هو الفِداءُ يأحُذُهُ الرجُلُ (٣).
والمرادُ بقولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾: الإثخانُ في العدوِّ بقتلِه؛ حتى يظهَرَ الإسلامُ، وتَعْلُوَ رايتُه، ويَدِينَ الناسُ له، وقال محمدُ بن إسحاقَ في قولِهِ تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾: أي: بقتلِهم لظُهُورِ الذي يُريدونَ إطفاءَهُ الذي به تُدرَكُ الآخِرةُ (٤).
وقولُهُ تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾؛ يعني بالكتابِ: ما أحَل اللهُ لهم به الغنائمَ مِن قبلُ؛ فاللهُ أَحَلَّ لهم العمومَ ولم يَستَثْنِ، وأمَرَ بنُصْرةِ الدِّينِ وإظهارِهِ والإثخانِ في العدوّ، فاجتمَعَ عمومانِ لدى الصحابة، فقدَّمُوا العمومَ في حِلِّ الغنيمة، فجعَلَ اللهُ ذلك عُذرًا لهم عن نزولِ عقابِهِ عليهم: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾، والمرادُ بقولِه: ﴿أَخَذْتُمْ﴾؛ يعني: الأسْرَى، وفي هذا أنه إنِ اجتمَعَ نصَّانِ عامَّانِ في نازلة، عُذِرَ المُجتهِدُ عندَ اختيارِهِ واحدًا منهما، ولو بانَ خَطَؤُهُ بعدَ ذلك.
والنفوسُ مهما بلَغَت مِن الكمالِ والفضلِ والعِلْمِ عندَ احتمالِ النصِّ
стр. 1447
لأمرَين، أو اجتماعِ نصَّيْنِ عامَّيْنِ - قد تَمِيلُ إلى ترجيحِ دليل يُخالِفُ الصوابَ، ولا نَشُعُرُ بمَيْلِها؛ وهذا كان في هذه النازِلةِ مع جمهورِ الصحابة، وكان خطؤُهم مغفورًا، وفضلُهم محفوظًا.
وفي هذه الآيةِ: فضلُ أهلِ بَدْرٍ؛ بأنَّ اللهَ عذَرَهم لأنَّهم أخَذُوا بدليلٍ مِن الكتابِ سابقٍ، ولم يَتَّهِمْهُمُ اللهُ بالهَوَى والعَمْدِ بالمخالَفة، ولو كان الدليلُ السابقُ متمحِّضَ الوضوح، لم يُعاتبْهم اللهُ، وإنَّما كان غالبًا في وضوحِه في نفوسِهم عندَ قولِهم وفيه ميلٌ خفيٌّ للدُّنيا لم يُدرِكُوهُ، فنزَلَ العتابُ لهذا الميل، ودُفِعَ العذابُ بما غلَبَ عليهم مِن أخذٍ بالدليلِ.
وقد فسَّرَ بعضُ السلفِ قولَهُ تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾؛ يعني: ممَّا كتَبَهُ لأهلِ بَدْرٍ مِن المغفِرةِ والسعادةِ التي لا يَعْقُبُها عذابٌ وشقاءٌ، وبهذا فسَّرَهُ سعيدُ بن جُبَيْرِ وعطاءٌ والحسنُ ومجاهِدٌ (١).
ومنهم - كابنِ عبَّاسٍ والحسنِ (٢) -: مَن حمَلَ الكتابَ على أمِّ الكتاب، وأنَّ الغنائم لم تَحِلَّ قبلَ ذلك، فأخَذُوها قبلَ نزولِ حِلِّها، وفي الكتابِ سبَقَ أنها ستَحِلُّ لهم بعدَ ذلك؛ فلم يُعذِّبْهُمُ اللهُ لأجلِ ذلك.
ومنهم: مَن حمَلَ الكتابَ على أنَّ اللهَ لا يعذَّبُ أحدًا إلَّا بعدَ قيامِ الحُجَّةِ عليه، وأنَّه لا يُعاقِبُهُ حتى يبيِّنَ له ويَقدَّمَ إليه؛ قاله مجاهِدٌ (٣).
وفي هذه الآيةِ: أنَّ القوَّةَ المعنويَّةَ والهَيْبةَ في نفوسِ الكفارِ أعظَمُ نفعًا للمُسلِمينَ مِن القوَّةِ الماديَّة، فقد فادَى الصحابةُ كلَّ واحدٍ مِن أسرى بَدْرٍ بأربعةِ آلافِ دِرهم، ومع ذلك فَضَّلَ اللهُ لهم القتلَ والإثخانَ؛ لأنَّ فيه إضعافًا للكافِرِين، وهيبةً وقوةً للمؤمين.
стр. 1448
الأَسْرُ والسَّبْيُ في زمنِ الضَّعْفِ:
والجهادُ في زمنِ الضَّعفِ وعدمِ القوَّةِ لا ينبغي معه للمؤمِنِينَ الاستكثارُ مِن الأَسْرِ والسَّبْيِ؛ وإنَّما الإثخانُ في العدوَّ بالقتلِ؛ فإنَّ الاستكثارَ مِن الأَسْرِ يُؤدِّي إلى الرُّكُونِ إلى الدُّنيا، وطُولِ أَمَدِ الضَّعْف، وتأخُّرِ النَّصْر، والتعلُّقِ بالدُّنيا، وقد جاء عن ابنِ عبَّاسٍ في قولِه: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ قال: "ذلك يومَ بدرٍ والمُسلِمونَ يومئذٍ قليلٌ، فلمَّا كَثُرُوا واشتَدَّ سُلْطانُهم، أنزَلَ اللهُ ﵎ بعدَ هذا في الأُسَارَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، فجعَلَ اللهُ النبيَّ والمؤمنينَ في أمرِ الأُسَارَى بالخِيَارِ؛ إنْ شاؤُوا قتَلُوهم، وإنْ شاؤُوا استعبَدُوهم، وإنْ شاؤُوا فَادَوْهُم" (١).
ويأتي مزيدُ كلامٍ في حُكْمِ العملِ مع الأَسْرَى في سورةِ محمدٍ بإذنِ اللهِ.
الجهادُ شريعةُ الأنبياءِ:
وفي قولِه تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ دليلٌ على أنَّ الجهادَ شريعةٌ للأنبياءِ قبلَ محمدٍ ﷺ ، على اختلافٍ في أحوالِهم؛ وهذه الآيةُ كقولِهِ ﷺ كما في البخاريُّ: (لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ يَلْبَسُ لَأْمَتَهُ فَيَضَعُهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ) (٢)؛ ففي الحديثِ مِن الدَّلَالةِ على ما سبَقَ كما في الآية، وقد تقدَّمَ الكلامُ على عموم مشروعيَّةِ الجهادِ على الأنبياءِ في قولِهِ تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [٢١٦] مِن البقرة، وفي قولِهِ تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [١٤٦] مِن آلِ عِمرانَ.
* * *
стр. 1449
قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)﴾ [الأنفال: ٦٩].
في هذه الآيةِ: دليلٌ على حِلَّ الغنائمِ لأُمَّةِ محمَّدٍ ﷺ ، وهي مِن خصائصِ هذه الأُمَّةِ على ما تقدَّمَ بيانُهُ استطرادًا عندَ قولِهِ تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقولِهِ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]، وفي صدرِ هذه السورةِ الأنفالِ.
الغنائمُ في الأُمَمِ السابقةِ:
وأمَّا ما جاءَ في بعضِ الآياتِ التي قد يُفهَمُ منها حِلُّ الغنيمةِ في الأُممِ السابقةِ؛ كقولِهِ تعالى في الشُّعَراءِ: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٩]، ومِثْلِها في الدُّخَانِ: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٨]، فالمرادُ بذلك قُرَاهُمْ وبُلْدانُهم وبَسَاتِينُهم وزُرُوعُهم، وليس المرادُ بذلك غنائمَ الحَرْبِ؛ فما وَرِثَتْهُ بنو إسرائيلَ: بُلْدانُهم بما فيها، وهذا يكونُ في كلِّ الأُمم، والغنائمُ تُطلَقُ على ما كُسِبَ في القتالِ والحرب، لا ما يُؤخَذُ عَقِبَ الأُممِ الهالكةِ بعذابِ الله، فتُورَثُ ببُيوتِها وبساتينِها، وتُخْلَفُ في بُلْدانِها.
والسُّنَّةُ صريحةٌ في أنَّ الغنائمَ التي تكونُ في القتالِ لم تَحِلَّ لأحدٍ، وفي السُّنَنِ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال ﷺ (لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِقَوْمٍ سُودِ الرُؤُوسِ قَبْلَكُمْ) (١)، وأصلُ خَصُوصيَّةِ هذه الأُمَّةِ بالغنيمةِ في
стр. 1450
"الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ جابرٍ مرفوعًا: (أُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمْ، وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي) (١).
* * *
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)﴾ [الأنفال: ٧٢].
تقدَّمَ في سورةِ النِّساءِ الكلامُ على الهِجْرةِ وشيءٍ مِن أحكامِها وأنواعِها، والبُلْدانِ التي تقعُ منها وإليها، وحُكْمِ تارِكِها، وحُكْمٍ المُقيم وَسَطَ الكافرين، عندَ قولِهِ تعالى في النِّسَاءِ: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ٩٧].
وجوبُ نُصْرةِ المؤمنينَ ووجوبُ الهجرةِ:
وفي هذه الآيةِ: دليلٌ على أنَّ الأصلَ: وجوبُ نُصْرةِ المؤمنينَ، وعدمُ خِذْلانِهم، والاستثناءُ في الآيةِ: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾، وهذه نزَلتْ في الأعرابِ الذين ترَكُوا الهِجْرةَ، ويكونُ بينَهم وبينَ المشرِكينَ قتالٌ؛ كما صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ (٢).
وهو عامٌّ لِمَنْ كانتْ حالُهُ كحالِ المُسلِمينَ الأعراب، ومِثلُهم كذلك
стр. 1451
الذين كانوا بمَكَّةَ؛ فقد وجَبَتْ عليهم الهِجْرةُ، فلم يُهاجِروا، فلمَّا آثَرُوا بقاءَهم بمَكَّةَ على اللَّحَاقِ بالمؤمنينَ، سقَطَ حقُّهم في نُصْرةِ المؤمنِينَ لهم على قومٍ بينَهم وبينَ المُسلِمينَ مِيثَاقٌ وهُدْنةٌ؛ كما قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾.
وهدا مشروطٌ بتوافُرِ الهجرةِ وتَرْكِهم لها مِن تِلْقاءِ أَنْفُسِهم، وأمَّا إنْ كانتِ الهجرةُ واجِبِةً عليهم، ولا يَجِدُونَ بلدًا يُؤْوِيهِم كما هو في كثيرٍ مِن المُسلِمينَ اليومَ في بلادِ الكُفْرِ؛ لا يجدُ كثيرٌ منهم بلدًا مسلِمًا يُهاجِرونَ إليه؛ وذلك للأنظِمةِ الحادتةِ التي تُؤْثِرُ الأرضَ لأهلِها، وتُقدَّمُ في البقاءِ الكافرَ مِن أهلِها، وتَمْنَعُ المسلِمَ المُهاجِرَ إلَّا في أبوابٍ ضيَّفةٍ كعملٍ وحِرْفةٍ مؤقَّتةٍ.
فإذا انسَدَّ بابُ الهِجْرة، وأُغلِقَ بابُها دونَ مَن رَغِبَ في الهِجْرة، فليس للمُسلِمينَ تركُ نُصْرةِ أولئك المظلومينَ في بُلْدانِهم إنْ نزَلَ عليهم بَغْيٌ وظُلْمٌ وقهرٌ، بحُجَّةِ أنَّ بينَ المُسلِمينَ وبينَ دُوَلِ الكُفْرِ التي يُقِيمونَ فيها عهدًا وميثاقًا؛ فإنَّهم لو فُتِحَ بابُ الهجرةِ لهم، وامتنَعُوا كما امتَعَ كثيرٌ مِن مُسلِمي الأعرابِ ومَن كان بمَكَّةَ، لَسَقَطَ حقُّهم في النُّصْرةِ على قومٍ بينَهم وبينَ المؤمنِينَ ميثاقٌ.
وقد رَوَى أحمدُ ومسلمٌ؛ مِن حديثِ بُرَيْدَةَ بنِ الحُصَيْبِ؛ قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَو سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى الله، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: (اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ فِي سَبِبلِ الله، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِالله، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ - أَو خِلَالٍ - فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَام، فَإِنْ أَجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ
стр. 1452
مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ المُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى المُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ المُسْلِمِينَ؛ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى المُؤمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ المُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا، فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا، فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ) (١).
وأمَّا ما وقَعَ مِن النبيِّ ﷺ مع مُشرِكي قريشٍ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ حينَما صالَحَهم على رَدَّ مَن أسلَمَ وهاجَرَ مِن مَكَّةَ إليهم، فلم يُؤْوِه، فضلًا عن أنْ يَنْصُرَهُ، فذلك بابٌ ضيَّقٌ مَرَدُّهُ إلى مصلحةٍ ضيَّقةٍ، لا يُدرَكُ مِثلُها إلَّا في وحيِ وبصرٍ ثاقبٍ وحالٍ مُشابِهةٍ، فقد سبَقَ ذلك أعوامٌ دُعِيَ المُسلِمونَ بمَكَّةَ إلى الهجرة، فتثاقَلُوا، ولهم مِن السبيلِ ما يَخرُجونَ إليه مِن واسعِ الأرضِ؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧]، فلهم مُهَاجَرٌ إلى غيرِ المدينةِ ومَلجَأٌ إلى غيرِ النبيِّ ﷺ ، بخلافِ مَنْ كان لحي بَلَدٍ لا مَلجَأَ له لا في أرضِ كُفْرٍ ولا في أرضِ إسلامٍ.
وإن كان في الأمَّةِ ضِيقٌ وشِدَّةٌ، وفي الكفرِ قُوَّةٌ وبأسٌ، وكانتْ حالُ المُسلِمينَ كحالِ النبيِّ وصَحْبِه، وحالُ المُسلِمينَ المظلومينَ كحالِ الأعرابِ ومَن كان بمَكَّةَ، وفي الأرضِ سَعَةٌ وفُسْحةٌ ومَلجَأٌ، فله أنْ يَفْعَلَ كفعلِه، واللهُ أعلَمُ، وليس لسُلْطانِ المُسلِمينَ وحاكِمِهم أنْ يَمنعَ هجرةَ المُسلِمينَ مِن بلدِ الكُفْرِ إلى بُلْدانِ المُسلِمينَ، ويَضَعَ الميثاقَ مع الكافِرِينَ على عدمِ نُصْرةِ المُسلِمينَ المظلومينَ في بَلَدِهم.
стр. 1453
وقولُه تعالى: ﴿عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ فيه دليلٌ على وجوبِ الوفاءِ بالعهدِ والميثاقِ وعِظَمِ منزلتِه، مع ما فيه مِن مشقَّةِ تركِ نُصْرةِ مُسلِمينَ مُقصَّرينَ؛ على ما تقدَّمَ مِن وصفٍ وحالٍ.
عهودُ النُّصْرةِ بينَ المُسلِمِينَ والكافِرِينَ:
ومضامينُ العهودِ والمواثيقِ التي تكونُ بينَ المُسلِمِينَ والكافِرِينَ على نوعَيْنِ:
الأوَّل: عهودٌ تتضمَّنُ المُماثَلةَ بالوَلَاءِ لكلِّ صديقٍ، والعَدَاءِ لكلِّ عدوًّ، فيتعاهَدُ المُسلِمونَ مع قومٍ كافِرِينَ على أنَّ عدوَّهم واحدٌ، وصديقَهم واحدٌ، ولا يُفرِّقونَ بينَ مؤمِنٍ وكافِرٍ؛ فهذا لا يجوزُ؛ لأنَّه يَجْعَلُ حقًّا قوقَ حقِّ اللهِ، ويُعقِدُ البَرَاءَ والوَلاءَ على غيرِ حقِّ اللهِ.
الثاني: عهودٌ تتضمَّنُ المماثَلةَ بالنُّصْرةِ المشروطةِ بالعَدَاءِ لأُمَّةٍ كافرةٍ مُعادِيَةٍ، أو مشروطةٍ بصدِّ العُدْوانِ والبغيِ والظُّلْمِ الذي يَطرَأُ على واحدٍ منهما؛ فهذا لا يجوزُ إلَّا في حالِ ضَعْفِ المُسلِمينَ عن القيامِ بأنفُسِهم، وهي ضرورةٌ يُقدِّرُها العارِفونَ الأُمناءُ فيَتعاهَدونَ إلى أَمَدٍ، لا إلى أَبَدٍ؛ حتى لا يَركَنُوا إلى الكافِرِينَ فيَستحِقُّوا الوعيدَ مِن اللهِ: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾ [هود: ١١٣].
وإذا كان الكفارُ تحتَ حُكْمِ المُسلِمِينَ، فلهم أنْ يُعاهِدُوهم على حِمَايتِهم ونُصْرةِ مظلومِهم، لا أنْ يَتساوَوْا زمنَ قُوَّتِهم وكِفايتِهم: بأنفُسِهم في المُوالاةِ على أحدٍ ولا البَرَاءِ مِن أحدٍ؛ لأنَّ هذا رُكُونٌ نهَى اللهُ عنه.
стр. 1454
قال تعالى ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: ٧٥].
كانتْ هذه الآيةُ ناسحةً لتوارُثِ المُسلِمينَ فيما بينَهم بغيرِ النَّسَبِ قبلَ نزولِ آياتِ المواريث، وقد كان المُسلِمونَ يَتوارَثونَ بالهِجْرةِ والحِلْف، فقد آخَى النبيُّ ﷺ بينَهم، فكانوا يَتوارَثونَ بالإسلامِ والهِجْرة، وكان الرجُلُ يُسلِمُ ولا يُهاجِرُ، لا يَرِثُ أخاهُ! فنُسِخَ ذلك بهذه الآيةِ وآيةِ الأحزاب، وهو قولُهُ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦]؛ فصارَ المِيراثُ لذوِي الأرحامِ.
* * *
стр. 1455
سورة التوبة
سورةُ بَراءةَ مدَنيَّةٌ، وهي كاشفةٌ لأحوالِ المُنافِقينَ الظَّاهِرةِ والباطِنة، ولم يَكُنْ في مَكَةَ قبلَ الهجرةِ نِفَاقٌ؛ فهو إمَّا كفرٌ، وإمَّا إيمانٌ؛ وذلك لِضَعْفِ المُسلِمينَ وقوَّةِ الكُفرِ؛ لأنَّ النِّفاقَ إخفاءُ الإنسانِ ما لا يًظهِرُه، ودافِعُ ذلك الخوفُ، فإذا أمِنَ المُنافِقُ مِن تَبِعَةِ قولِهِ وفِعلِه، أظهَرَه، وكلَّما كان المُسلِمونَ أَقْوى، كان النِّفاق أَخْفى؛ ولذا قال حُذَيْفةً بن اليَمَانِ: "إِن المُنَافِقِينَ اليَوْمَ شَرٌّ مِنْهُمْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ كَانُوا يَوْمَئِذٍ يُسِرُّونَ، وَاليَوْمَ يَجهَرْونَ"، رواهْ البُخاريُّ (١).
سببُ النِّفاقِ:
وسببُ النِّفاقِ: هو حبُّ الدُّنيا؛ ولهذا لم يَكُنْ في المهاجِرينَ مُنافِقٌ؛ لأنَّهم خرَجُوا مِنَ الدُّنيا وترَكُوها، وكان النِّفاقُ في أهلِ المدينةِ؛ لأن الإسلامَ أتاهُم وهم على دُنياهم ولم يَخرُجُوا إليه كالمُهاجِرِين، فأَخرَجَتْ مكَّةَ أَصْفَى أهلِها وأزْكاهم قلوبًا؛ وهم المُهاجِرون، وكان في أهلِ المديةِ مُؤمِنون، وهم الأكثرُ، وفيهم مُنافِقون، يتَفاوَتونَ في نِفاقِهم وشَرِّهم.
نُزُولُ بَرَاءةَ وأسماؤُها وإحكامُها:
وسورة بَرَاءةَ مِن أواخِرِ ما نزَلَ على النَّبيِّ ﷺ ؛ قال البَرَاءُ: "آخِرُ
стр. 1456
سُورَةٍ نَزَلَت: بَرَاءَةً، وَآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] "؛ رواهُ الشَّيْخانِ (١).
وقد كان نزولُها متأخِّرًا، وليس جميعُها آخِرَ ما نزَلَ؛ وإنَّما بعضُ آياتِها، فقد كان نُزولُ أوَّلِها في فتحِ مَكَّةَ، وبعضُ آياتِ المائدةِ في حَجَّةِ الوَداع، وهو قولُهُ تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣].
وقد قال عُثمانُ بن عفَّانَ: "كَانَت بَرَاءَةُ مِنْ آخِرِ القُرْآن"؛ رواهُ أحمدُ وأهلُ السُّنَنِ (٢).
واختَصَّتْ سورةُ براءةَ بالتمييزِ بينَ الصفوتِ وعَقدِ الوَلَاءِ لأهلِ الإيمان، والبَرَاءِ مِن أهلِ الكُفْرِ والنِّفاق، وكشَفَتْ دَخِيلَ الأفعالِ والأقوال، وعلاماتِ الدُّخَلاءِ على صفِّ المُسلِمينَ، ولهذا كان ابنُ عبَّاسِ يُسمِّيها الفاضِحةَ؛ كما رَوَى الشَّيْخان، عن سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ؛ قال: "قلتُ لابنِ عبَّاسِ: سُورَةُ التَّوْبَةِ؟ قَالَ: التَّوْبَةُ هِيَ الفَاضِحَةُ، مَا زَالَت تَنْزِلُ: وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ، حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهَا لَنْ تُبْقِيَ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا ذُكِرَ فِيهَا" (٣).
وكان عمرُ بن الخَطَّابِ وحُذَيْفةُ يُسمِّيانِها سورةَ العَذَابِ؛ لِما فيها مِن تشديدٍ على أهلِ الزَّيْغ، ووعيدِ بالعَذَابِ العاجِلِ والآجِلِ لهم؛ كما رَوَى سعيدُ بن جُبَيْر، عنِ ابنِ عبَّاسِ ﵁، قال: "قيلَ لعُمَرَ بنِ الخطَّابِ ﵁: سورةُ التَّوْبةِ؟ فقال: أيَّة سورةُ التَّوْبةِ؟ ! قالوا: بَراءَةُ، قال: هي إلى أن تَكُونَ سورةَ العَذَابِ أدنى مِن أنْ تَكُونَ سورةَ التَّوْبةِ؛ ما
стр. 1457
أقلَعَت حتَّى ما كادَتْ تَترُكُ منَّا أحدًا"؛ رواهُ المُستغفرِيُّ (١).
وروى زِرٌّ أنَّ حُذيْفةَ؛ قال: "تَقُولُونَ: سُورَةُ التَّوْبَة، وَهِيَ سُورَةُ الْعَذَاب، يَعْني: بَرَاءةَ"، رواهُ ابن أبي شَيْبةَ والطَّبرانيُّ والحاكمُ (٢).
وكان ثابتُ بن الحارثِ الأنصاريُّ يُسمِّيها المُبعثِرةَ (٣)؛ لأنَّها تُبعثِرُ أخبارَ المنافِقينَ، ورُوِيَ عنِ ابنِ عُمرَ؛ أنه كان يسمِّيها: المُقَشقِشةَ (٤)؛ أنَّها تُبرِّئُ مِن الشِّرْك، وَيُقالُ: قَشْقَشَ البَعيرُ: إذا رَمَى بِجِرَّتِه.
وهذه السُّورة مِن أقلِّ سُوَرِ القُرآنِ الطِّوَالِ منسوخًا؛ لتأخُّرِ نزولِها، فجُلُّها مُحْكَمً، والمتأخِّرُ يَقْضي على المتقدِّم، وقد حكى بعضُهم أنَّ أعرابيًّا سَمِعَ قارئًا يَقرأُ هذه السُّورةَ، فقال الأعرابيُّ: إنِّي لَأَحْسَبُ هذه مِن آخِرِ ما نرَلَ مِن القُرَآن، قيلَ له: ومِن أينَ عَلِمْتَ؟ فقال: إنِّي لَأَسْمَعُ عُهودًا تُنْبَذ، ووَصَايا تُنَفَّذ (٥).
الحِكْمةُ مِن تأخُّرِ سُوَرِ فَضْحِ المنافِقِينَ:
وقد كان القرآنُ مِن أوَّلِ البَعثةِ بَيَّنَ حالَ الكُفرِ والكافرينَ، وفَصَّلَ وبيَّنَ وفرَّق، وحذَّرَ وتوعَّدَ وخوَّف، ولم يكُن للنِّفاقِ ذِكْرَ كذِكْرِ الكُفْرِ والشِّرْك، معَ وجودِهِ مِن أوَّلِ يومٍ في المدينةِ.
والسببُ في تأخُّرِ بيانِ المنافِقينَ وفَضْحِهم، وتقدُّمِ التحذيرِ مِن المشرِكينَ ودِينهم: أمورٌ؛ مِنها:
стр. 1458
أوَّلًا: أنَّ النِّفاقَ بلاءٌ وعدوٌّ في داخلِ المُسلِمينَ، وقوَّةُ العدوِّ الداخليِّ بقوةِ العدوِّ الخارجيّ، فإذا قَوِيَ الكفرُ، قويَ النِّفاقُ، فأرادَ النبيُّ ﷺ كَسْرَ شوكةِ المنافِقِينَ بكَسْرِ شَوْكةِ مَن يَستَقْوُونَ به، وهذا إضعافٌ لهم بطريقِ اللزوم، وعادةُ المنافقينَ في كلِّ أمَّةِ: أنَّهم يُحِبُّودَ قوَّةَ كلِّ عدوِّ للمُسلِمينَ، ولا يَنظُرونَ إلى دِيِنِه؛ فحُبُّهم ليس لِذاتِه؛ وإنَّما لأنَّه عدوٌّ لعدوِّهم، فيَستنصِرونَ به وَيعتمِدونَ عيه، وسمعُهم وبصرُهم إليه.
ثانيًا: أنَّ النِّفاقَ باطنٌ مستتِرٌ، وأهلَهُ يتخفَّوْنَ به، وقد قَدِمَ النَّبيِّ ﷺ المدينةَ وهو غريبٌ على أكثرِ أهلِها، ولمَّا يتمكَّنوا من معرِفةِ دِينِه، ولَمَّا يَرسَخِ الإيمانُ في قلوبِ كثيرٍ منهم، والنِّفاقً لا يُعرَفُ حتَّى يُعرَفَ الإيمان، فلو نزَلَتْ عليه آياتُ النِّفاقِ أوَّلَ مَقدَمِه، لكان في ذلك مَدخَلٌ لِمَرْضى القلوبِ لتُهَمَتِه بتفريقِ صفِّهم وقد كانوا يَرجُونَ جمعًا ونصرًا وعِزَّةً.
ثالثًا: أنَّ النِّفاقَ له قرائنُ خفيَّةَ وقرائنُ قوَيَّةٌ، ولم يَكنِ النفاقُ في أولِ مَقْدَمِهِ قد اكتمَلَتْ قرائنُ ظهورِه، وما كلُّ أحدِ يُبصِرُ ما خَفِيَ وبطَنَ مِن صفاتِهم؛ فمِثْلُها لا يُدرَكُ إلَّا بتتبُّعٍ طويلٍ للأحوال، فلمَّا اكتمَلَتْ قرائنُه، وأطَلَّ بقرونِه، وبدَتْ علاماتُه جليَّة، نزَل القرآن ببيانِ أوصافِ أهلِهِ وأفعالِهم وأقوالِهم وتعابيرِ وجوهِهم؛ حتَّى يراهُم كل أحدٍ، ولا يشُكَّ فيهم صاحبُ بصيرةٍ ونظرٍ.
ومِن هذا يُعلَمُ أنه لا ينبَغي للمُصلِحينَ الاشتغالُ بدقائقِ النفاقِ في بلدٍ حديثِ عهدٍ بإسلامٍ واتِّباعٍ؛ لأنَّ مِثْلَهم لا يُدرِكُ ذلك، أو تَبدو منه أفعالُ النفاقِ بجهلِ وَيرتفِعُ بعِلْم، أو بهوًى عارض لا متمكِّنٍ؛ فإن الاشتغالَ بها قد يمكِّنُها في أقوامِ عنادًا، ولم تَكُنْ متمكِّنةً مِن قبلُ.
رابعًا: أنَّ الاشتغالَ بدفعِ الشرِّ الظاهرِ أَولى مِن دفعِ الشرِّ الباطن،
стр. 1459
مع عدمِ الغفلةِ عمَّا بَطَنَ مِن الشرورِ؛ حتَّى لا يُؤتى المُسلِمونَ على عِزَّةٍ، ودفعُ الشرِّ الظاهرِ كافٍ في إضعافِ النقاقِ بطريقِ اللزومِ.
وأمَّا تركُ دفعِ الشَّرَّيْنِ جميعًا، فليس ذلك مِن السياسة، بل مِن تعطيلِ الحقِّ والتمكينِ للباطلِ.
* * *
قال تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾ [التوبة: ١ - ٤].
أمَرَ النبيُّ ﷺ أصحابَهُ بالجَهْرِ بهذه الآياتِ قبلَ حَجَّتِهِ بعامٍ في مَوْسِم الحجِّ، فَيْصَلًا بينَ المؤمِنينَ والكافِرِينَ في كل مَوْسِمِ قابِل، فكان أبو بكرٍ وعلي وأبو هُرَيْرةَ وغيرهم يَطوفُونَ على الناسِ في الحج فيَتلونَ عليهم هذه الآياتِ؛ ففي "الصحيحَينِ"، عن أبي هُرَيرةَ؛ أن أبَا بَكرٍ ﵁ بَعَثَهُ في الحَجةِ الَّتِي أمرَهُ رسُولُ اللهِ ﷺ علَيهَا قَبْلَ حجَّةِ الوَدَاع، فِي رهْطِ يُؤذِّنُونَ فِي النَّاسِ: أَلا يَحُجَّن بَعْدَ العَامِ مُشرِك، وَلَا يَطوفَ بِالْبَيتِ عُرْيَان (١).
وكان أبو هريرةَ يَقولُ: "فَأذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ فِي أَهْلِ مِنًى يَوْمَ النحرِ بِبَرَاءَةَ" (٢).
стр. 1460
أحوالُ المشرِكِينَ قبلَ نُزُولِ بَرَاءةَ:
وقد كان المشرِكونَ مع النبيِّ ﷺ على ثلاثِ فئاتٍ:
الفئة الأُولى: فئة مُحارِبة مُفاصِلةٌ في أصلِها، ليس لها عَهْدٌ قائمٌ ولا عهدٌ منقوضٌ، وإنَّما مُحارِبة بنَفْسِها أو مُعِينةٌ لعدوِّ المُسلِمينَ عليهم، فهذه جعَلَ النبيُّ ﷺ عهدَها أربعةَ أشهُرِ أَجَلًا تتدبَّرُ فيه أمْرَها، فتَتَّبِعُ الحقَّ؛ وإلا اتَّبَعَها المُسلِمونَ بالقتالِ.
والفئةُ الثانيةُ: فئة ليس بينَها وبينَ النبيِّ ﷺ شيءٌ؛ لا عهدٌ ولا نقضٌ، ولا قتلُ ولا سلْمٌ، تارِكةَ ومَتروكةٌ، وإنَّما جاءَها البلاغُ فأعرَضَت؛ فهؤلاءِ جعَلَ لهم الأجَلَ خَمْسِينَ يومًا؛ كما قال ابنُ عبَّاسِ: "حَدَّ اللهُ لِمَنْ ليس له عهدٌ انسِلاخَ الأشهُرِ الحُرُمِ مِن يومِ النَّحْرِ إلى انسلاخِ المُحَرَّمِ خَمْسِينَ ليلةً"؛ رواهُ ابنُ جَريرِ والطَّحاويُّ (١).
وذلك عِشرونَ مِن ذي الحِجَّة، وهو يومُ الَبَرَاءَة، وشهرُ المُحرَّمِ كاملًا، وهو انسلاخُ الأشْهُرِ الحرُمِ؛ وهذا لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥].
والفة الثالثةُ: فئةٌ مُوادِعةٌ مُهادِنةٌ؛ وهم طائفتانِ:
طائفةٌ: نقَضَتْ عَهْدَها؛ كقُرَيشٍ، وبَنِي بَكْرٍ.
وطائفةٌ: بَقِيَتْ على عَهْدِها وحَفِظَتْةُ مستقيمًا، ولم تَنقُضْهُ؛ كخُزَاعةَ ومُدْلِجِ وبني ضَمْرَةَ.
فجعَلَ اللهُ للناقِضينَ للعهدِ والميثاقِ حُكْمًا، وهو الإمهالُ أربعةَ أشهُرٍ يتَدبرونَ أمْرَهم ويراجِعونَ أنفُسَهم ليَتوبُوا؛ وإلَّا فالقِتالُ لهم.
стр. 1461
وأمَّا الطائفةُ التي حَفِظَتْ عَهْدَها، فإن كان عَهْدُها يَنتهي بانتهاءِ الأشهُرِ الحُرُمِ أو دُونَه، فمُدَّتُها تمامُ الأشهُرِ الحُرُم، يُزادُ المدَّةُ القاصرةُ؛ كما قال ابن عبَّاسٍ، وتَبقى المدَّةُ المنسلِخةُ بانِسلاخِ الأشهُرِ الحُرُمِ.
وأمَّا مَن حَفِظَت عَهْدَها، ومُدَّتُهً محدودةٌ، لكنَّها فوقَ الأربعةِ الأشهُرِ ويُجاوِزُ الأشهُرَ الحرُمَ، ففيه قولانِ للعلماءِ:
قيل: إنَّ عهدَهُمْ يُمْضى إلى مُدَّتِهم مطلَقًا ولو كان فوقَ الأربعةِ الأشهُرِ؛ وذلك لعمومِ قوله تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾.
وقيل: يُمضى لهم ما لم يَزِدْ على الأربعة الأشهُر، فإنْ زادَ، قُصِرَ ليكونَ أربعةَ أشهُرِ؛ لظاهرِ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾، وصحَّ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ.
وفي قولِه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ دليلٌ على أنَّ عهدَ الإمامِ عهدٌ لِرَعِيَّتِه، ففد كان المُعاهِدُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فجعَلَهُ اللهً عهدًا للمُسلِمينَ كافَّةً.
العهدُ المُطلَقُ بينَ المُسلِمِينَ والمُشرِكِينَ:
ومَن كان له عهدٌ وأمانٌ مُطلَقٌ لم يُقيَّدْ بمُدَّة، فإنَّه يُحَدُّ بأربعةِ أشهُرٍ، وفي هذا دليلٌ على جوازِ مُعاهَدةِ فِئَةِ معيَّنةٍ مِن الكفَّارِ - لا جَمِيعِهم - بعهدٍ مُطلَقِ غير مقيَّد، عندَ قيامِ الحاجةِ والضرورةِ إلى ذلك، وعندَ قوَّةِ المُسلِمينَ وتمكُّنِهم؛ فإنَّهم يجبُ عليهم جعلُ العهدِ المطلَقِ مقيَّدًا إلى مدَّةٍ معلومةٍ، ولا يجوزُ لهم نقضُ العهدِ ومبادَرَةُ الكافرينَ بالقتالِ؛ فإنَّ ذلك غَدْرٌ لا يَحِلُّ، وإذا أرادُوا نَقْضَ العهدِ المطلَق، فيجبُ عليهم تقييدُهُ بزمنٍ يتمكَّنُ فيه الكافرونَ مِن معرِفتِه، وتدبُّرِ أمرِهم للدخولِ في الإسلامِ أو رفضِه.
стр. 1462
زَمَنُ النِّداءِ ببَرَاءةَ في المَوْسِمِ:
نزلَت اَيآتُ براءةَ على النبيِّ ﷺ ، ثم بعَث أصحابَة إلى الحجِّ: أبا بكرِ وعليًّا وأبا هُرَيْرةَ وغيرَهم؛ وذلك قبلَ حَجَّةِ الوداعِ بعام، وأَمَرَهم أن يُنادُوا في الناسِ بالبَرَاءةِ بتلاوةِ آياتِها مِن أوَّلِ السُّورة، على خلافٍ عندَ العلماءِ في عددِ الآياتِ المتلوَّةِ منها؛ فرَوَى عبدُ اللهِ بن أحمدَ؛ مِن حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبِ؛ أنَّها عَشرُ آياتٍ (١)، وروى محمدُ بن كَعْبٍ القُرَظيُّ مرسَلًا؛ أنَّها ثلاثونَ أوأربعونَ آيةً (٢)، وروى ابنُ جريرٍ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ؛ أنَّها أربعونَ آيةً (٣).
ولَمَّا كان نزولُ براءةَ سابقًا للنِّداءِ بها بزَمنٍ أَقَلُّهُ مَسِيرُ الصحابةِ مِن المدينةِ إلى مَكَّةَ، وقَعَ خِلافٌ عندَ السلفِ في بَدْءِ المُدَّةِ التي جعَلَها اللهُ أجَلًا للمشركينَ، وهي الأربعةُ الأشهُرِ: هل كانَتْ مِن ابتداءِ نزولها على النبيِّ ﷺ ، أو كانَتْ مِن وقتِ النِّداءِ بها؟ وفي المسألةِ خلافٌ كثيرٌ؛ للاختلافِ في يومِ النِّداءِ بها، وفي المرادِ بالأشهُرِ الحُرُم، وقد اختَلَفَ السَّلفُ في مدَّةِ الإمهالِ على أقوالٍ:
فقيل: كان بَدْءُ النداءِ بها في يومِ النَّحْر، وتَنتهي بتَمَامِ شهرِ اللهِ المحرَّم، وتمامُ ذلك خمسونَ ليلةً؛ رواهُ عليُّ بن أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ (٤).
وظاهرُ قولِ ابنِ عبَّاسِ: أنه اعَتَدَّ بما قبلَ النِّداءِ مِن زمنِ الإمهالِ الفائتِ؛ وذلك أنه لو تعلَّقَتْ كلُّ أمَّةٍ ببَدْءِ بلاغِها، لَمَا كان لذلك ضابطٌ عندَ المُسلِمينَ؛ لاختلافِ زَمَنِ بلوغِ العهدِ الجديدِ وتفاوُتِ المشرِكِينَ فيه، ويكونُ المنتهَى مجهولًا؛ لاختلافِ العِلْمِ بيومِ المبتدَى، فجُعِلَ
стр. 1463
المُبتدَى معلومًا والمنتهَى مثَلَهُ للجميع، ومَن فاتَهُ العِلْمُ بأوَّلِه يَكْفِيهِ ما تَبَقَّى مِن آخِرِه؛ لأنَّ الأشهُرَ الأربعةَ لم تكُنْ مقصودةً لِذَاتِها وتمامِها؛ وإنَّما المرادُ أنْ يكونَ هناك فترةُ إمهالٍ يَشترِكُ فيها الجميعُ.
وصحَّ عن ابنِ شهاب الزُّهْريِّ؛ أنَّ البدءَ مِن شوَّال، والمنتهَي إلى تمامِ شهرِ اللهِ المحرَّم، واستغرَبَ ابنُ كَثِيرٍ هذا القولَ (١)؛ لأنَّهم لا يُحاسَبونَ بمُدَّةِ لا يَعلَمونَ بها، ولمِ يَبلُغهُمْ حُكْمُها، ولو كانتِ الأيامُ معتبَرةً بتمامِها، فإنَّ الذي يُجزَمُ به أنَّ جميعَ العرَبِ لم يَسمَعوا البَرَاءةَ في يومِ واحدٍ، فقد قَدِمَ أبو بكرٍ وعليٌّ وأبو هريرةَ المَوْسِمَ وبَدَؤُوا النداءَ، ومِن العربِ مَن لم يَصِلْهُ البلاغُ أوَّلَ يومٍ، ومِنهم مَن لم يَصِلِ المَوْسِمَ بعدُ، ولو كان العِلْمُ التامُّ بالأشهُرِ معتبَرًا، لكاد لكلِّ واحدٍ منهم أجَلٌ يَبدَأُ مِن يوم عِلْمِه.
وكأنَّ المقصودَ بالآياتِ التأكيدُ على المنتهَى أكثَرَ مِن العِلْمِ بالمبتَدَأِ؛ وذلك في قولِهِ ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، وهذا ما بلَغَ الجميعَ.
وقد يَجعَلُ اللهُ أجَلًا لا يتَعلَّقُ الحُكْمُ بمجرَّدِ العِلْمِ به، كأَجَلِ المتوفَّى عنها زوجُها؛ يَبدَأ مِن بومِ الوفاة، لا مِن يوم العِلْم، ولكنَّ اللهَ أمَرَ بالجهرِ بالعهدِ والبَرَاءةِ في المَوْسِمِ؛ لأنَّ الأمرَ أَعظَمُ، وهو يتعلَّقُ بعهودٍ ومواثيقَ واستباحةِ دماءٍ، فكان لا بُدَّ مِن العِلْمِ ولو ذهَبَ مِن المُدَّةِ زمن لا يُخِلُّ بأصلِ الإمهالِ والإنظار، وبلوغِ المأمَن، وتدبُّرِ الأمر، واللهُ أعلَمُ.
وقبلْ إنَّها تبتدِئُ بن عَشْرِ ذي الحِجَّة، وتنتهي بعَشْرٍ مِن ربيعٍ الآخِرِ؛ وصحَّ هذا عن مجاهِدٍ وقتادةَ، وبه قال السُّدِّيُّ والضَّحَّاكُ
стр. 1464
ومحمدُ بن كعبٍ القُرَظيُّ (١).
وهذا القولُ اعتبرَ الأشهُرَ الأربعةَ مِن تاريخِ البلاغِ والنداءِ بالبراءةِ.
وقيل: تبتدِئُ مِن عشرِ ذي القَعْدَةِ وتنتهي بمحرَّمٍ؛ وبه قال الضَّحَّاكُ في روايةٍ أخرى عنه (٢).
وقيل: هي الأشهُرُ الحرُمُ الثلاثةُ السَّرْدُ، وهي ذو القَعْدةِ وذو الحِجَّةِ والمحرَّمُ، ومَعَها الفرْدُ، وهو رجَبٌ؛ رواهُ جعفرُ بن محمدٍ عن أبيه (٣).
معنى الحجِّ الأكبرِ:
قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾.
اختُلِفَ في يومِ الحجِّ الأكبرِ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾: فذهَبَ عليٌّ (٤)، وابنُ عمرَ (٥)، وابنُ أبي أَوْفى (٦)، وحُمَيْدٌ (٧): إلى أنه يومُ النَّحْر، وقال مالكٌ: لا نَشُكُّ بذلك (٨).
وأصَحُّ ما ورَد في ذلك عن الصحابةِ: ما ورَدَ عن ابنِ عُمرَ؛ رواهُ البًخَاريُّ (٩)، وعن عليٍّ مِن وجوهِ فيها لينٌ، لكنَّها تتَعَاضَدُ.
وقال قومٌ: إنَّه يومُ عرَفةَ؛ وهو قولُ عطاءٍ (١٠)، ومجاهدٍ (١١)، وطاوسٍ (١٢)، وقال به الشافعيُّ.
стр. 1465
وصحَّ عن أبي إسحاقَ: سَألْتُ أبا جُحَيْفةَ عن يومِ الحجِّ الأكبرِ؟ قال: يومُ عرَفةَ، فقلتُ: أمِن عِندِك أم مِن أصحابِ محمدٍ ﷺ ؟ قال: كلُّ ذلك (١).
ورُوِيَ عن عمرَ وابنِ عمرَ، وفيه جَهَالةٌ.
وعن ابنِ عبَّاس قولان.
وذهَبَ بعضهم: إلى أن يومَ الحجِّ الأكبرِ هي أيامُ الحَجِّ كاملةً؛ وبه قال مجاهدٌ (٢)، وابنُ عيَيْنةَ (٣)؛ وذلك أنَّ العرَبَ تسمِّي الأيامَ المُشترَكةَ بحُكمٍ وعِلَّةِ واحدةٍ بيومِ كذا؛ كقَوْلِهم: يومُ الجَمَل، ويومُ صِفِّينَ، وهي أيَّامٌ لا يومٌ.
قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾:
وفي الآيةِ بيانٌ لحالِ أصحابِ العهودِ المُطلَقةِ أنه تمَّ تقييدُها بأربعةِ أشهُرِ؛ على ما تقدَّمَ بيانُه.
ومَن نقَضَ عهدَهُ في أثناءِ الأشهُرِ الأربحةِ فيُقاتَلُ؛ وهذا في دليلِ الخطاب مِن قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾، وفي صريحِ الخِطابِ مِن قولِهِ بعدَ ذلك: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢].
وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾ دليلٌ على أنَّ العهدَ المنقوصَ كالعهدِ المنقوض، فمَن نقَصَ مِن العهدِ شرطًا، فكأنَّما نقَضَهُ كلَّه.
стр. 1466
أنواعُ نقضِ العهودِ:
وفي الآيةِ دليل على أنَّ نقَضَ العهدِ على نوعَيْنِ:
النَّوعُ الأولُ: نقضٌ مباشرٌ، وهو أنْ يَتِمَّ نقضُهُ مِن العدوِّ بنفسِه في حقِّ المُسلِمينَ أنفُسِهم بلا وسيط، كأنْ يُقاتِلَ المسلِمينَ بنفسِه، أو يُعلِنَ إبطالَهُ أو إبطالَ شرطٍ مِن شُروطِهِ؛ وهذا ظاهرٌ في قوله تعالى ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾.
النوعُ الثاني: نقضٌ بواسطةٍ، وهو غيرُ المباشِرِ؛ وهذا ظاهرٌ في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾؛ وهو على صورَتَيْنِ:
الأولى: أن يقومَ العدوُّ بإعانةِ عدوِّ آخَرَ للمُسلِمينَ، فيُريدُ الإضرارَ بالمُسلِمينَ بوجهِ غيرِهِ وقُوَّتِه.
الثانيةُ: أن يقومَ العدوُّ بإعانةِ عدوِّ آخَرَ للمُسلِمينَ، ويقومَ هذا العدؤ الآخَرُ بمُعاداةِ حليفٍ للمُسلِمينَ لا المُسلِمينَ أنفُسِهم، كما فعَلَتْ قريشٌ حينَما وقعَتْ حربٌ بينَ بني خُزَاعةَ، وهم حُلَفاءُ النبيِّ ﷺ ، وبينَ بني بكرٍ، وهم حُلَفاء قُرَيْشٍ، فقامَت قريشٌ بإعانةِ بني بكرٍ على خُزَاعةَ، وقتَلُوا رجلًا منهم، فجاءَت خُزَاعة إلى النبيِّ ﷺ ، فانتصَر لهم؛ كما رَوَى ابنُ إسحاقَ؛ قال: كان بينَ بني بكْرٍ وخُزَاعةَ حروبٌ وقَتْلى في الجاهليَّة، فتَشَاغَلُوا عن ذلك لَمَّا ظهَرَ الإسلامُ، فلمَّا كانتِ الهُدْنةُ، خرَجَ نَوْفَلُ بن مُعاويةَ الدِّيلِيُّ مِن بني بكرٍ في بني الدِّيلِ حتَّى بَيَّتَ خُزَاعةَ على ماءِ لهم يُقالُ له: الوَتِيرُ، فأصابَ منهم رجلًا يُقالُ له: مُنَبِّهٌ، واستَيقَظَت لهم خُزاعةُ، فاقتَتَلُوا إلى أن دخَلُوا الحَرَمَ ولم يَترُكوا القتالَ، وأمَدَّت قريشٌ بي بَكرٍ بالسِّلَاحِ وقاتَلَ بعضُهُمْ معَهُمْ ليلًا في حُفيَةٍ، فلمَّا انقَضَتِ الحربُ، خرَجَ عمرُو بن سالمٍ الخُزَاعيُّ حتَّى قَدِمَ على رسولِ اللهِ ﷺ وهو جالسٌ في المسجد، فقال:
стр. 1467
يَا رَبِّ إِنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدَا … حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الأَتْلَدَا
قَدْ كنْتُمُ وُلْدًا وَكُنَّا وَالِدَا … ثُمَّتَ أسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزعْ يَدَا
فَانْصُرْ هَدَاكَ اللهُ نَصْرًا أَيِّدَا … وَادْعُ عبَادَ اللهِ يَأْتُوا مَدَدَا
فِيهِمْ رَسُول اللهِ قَدْ تَجَرَّدَا … إِنْ سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ تَرَبَّدَا
فِي فَيلَقٍ كَالْبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدَا … إِنْ قُرَيْشًا أخْلَفُوكَ المَوْعِدَا
وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ المُؤَكَّدَا … وَجَعَلُوا لِي فِي كَدَاءٍ رُصَّدَا
وَزَعَمُوا أنْ لَسْتَ تَدْعُو أَحَدَا … وَهُمْ أذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدَا
هُمْ بَيَّتُونَا بِالْوَثِيرِ هُجَّدَا … فَقَتَلُونَا رُكَّعًا وَسُجَّدَا
قال ابن إسحاقَ: فقال له رسولُ اللهِ ﷺ : (نًصِرْتَ يَا عَمْرَو بْنَ سَالِم)، فكان ذلك ما هاجَ فَتحَ مَكَّةَ (١).
وقد أسنَد الرِّوايةَ البيهقيُّ (٢)، وأبو نُعَيْمٍ في "معرفةِ الصحابةِ" (٣)، والبَزَّارُ في "مُسنَدِه" (٤)، والطَّبرانيُّ (٥)، وهي جيِّدةٌ، ورواهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ (٦)، والطحاويُّ (٧)؛ مِن وجوهٍ مُرسَلةٍ.
القُوَّةُ والظُّهورُ وأثَرُها على مَوَاثِيقِ الحربِ:
وفي قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾، وقوله: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾: ظهورًا لقُوَّةِ والوعبدِ الدالٌّ على السُّلْطانِ والقوةِ التي كان
стр. 1468
عليها النبيِّ ﷺ ، ولم يَضرِب اللهُ الأَجَلَ للنبيِّ ﷺ مع الكفارِ إلَّا لَمَّا ظهَرَت قوَّتُه، وكان في هذا الأجَلِ العامِّ إظهارٌ للكافرينَ أنه قادرٌ عليهم بعَوْنِ اللهِ ونَصْرِه.
وفي هذه الآيةِ: دليلٌ على أنَّ المُعاداةَ الكاملَةَ لأُمَمِ الكُفْرِ لا تكونُ إلَّا في زمَن القُوَّةِ والظهورِ والتمكُّن، وقد كان النبيِّ ﷺ قبلَ ذلك يُهادِنُ قومًا، ويُقاتِلُ آخَرينَ، بحسَبِ قُدْرَتهِ وتمكينِة، فلمَّا قدَرَ على الجميع، قاتَلَ الجميع، ومُعاداةُ جميعِ الكُفَّارِ زمَنَ الضعفِ هلَكةٌ، ولم يَفعَلْها النَّبيِّ ﷺ إلَّا زمَنَ ظهورِه.
وفي هذه الآيةِ: ما يدلُّ على ما تقدّمَ تقريرُهُ في سورةِ الأنفالِ وغيرِها؛ أنه يجوزُ للإمامِ أن يكتُبَ عهدًا وميثاقًا سلميًّا عامًّا مقيَّدًا بزمَنٍ للأمَمِ كلِّها، ولا يكونُ مطلَقًا؛ حتَّى لا يتعطَّلَ به الجهادُ، وذلك المقدارُ بحَسَبِ ما يَرَاهُ المُسلِمونَ مُناسبًا لقوَّتِهم في مُقابِلِ قوَّةِ عدوِّهم.
وفي الآياتِ: رحمةُ اللهِ ونبيِّه بالناسِ؛ فلم يأمُرِ النبيُّ ﷺ أصحابَهُ بقتلِ الكافرينَ فَوْرَ القُدْرةِ عليهم؛ وإنَّما كان إمهالُهُمْ لِيَتحقَّقَ بذلك الإعذارُ وقيامُ الحُجَّة، وإنْ دخَلُوا الإسلامَ، فيَدخُلُونَهُ عن يقينِ وبصيرةٍ، لا عن خوفٍ مجرَّدِ فيُنافِقونَ ويتَربَّصونَ بالمُسلِمينَ الدوائرَ ويكيدونَ بهم، ويَرتَدُّونَ عندَ القُدْرةِ على الرِّدَّة، فيعُظمُ شرُّهم، وتستطيرُ فتْنَتُهم.
وقد تقدَّمَ الكلامُ على الوفاءِ بالعهودِ وأنواعِها وشروطِها ونَقْضِها في مَواضعَ مفرَّقةِ؛ منها عندَ قولهِ تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ١٠٠]، وقولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، وقولهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١]، وقولِهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ
стр. 1469
عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٥٦]، وقولِهِ تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٢].
* * *
قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة: ٥].
اختُلِفَ في المُرادِ بالأشهُرِ الحُرُمِ في هذه الآيةِ: هل هي التي حَرُمَ فيها القتالُ؛ ذو القَعْدةِ وذو الحِجَّةِ والمحرَّمُ ورجَبٌ، أو هي الأشهُرُ الأربعةُ التي جعَلَها اللهُ أجَلًا للمشرِكِينَ كافَّةَ يُراجِعونَ أنفُسَهُمْ فيها، وهي أسْهُرُ التَّسْييرِ؟ !
اختَلَفَ الناسُ في ذلك على قولَيْنِ:
القولُ الأول: أنَّها الأشهُرُ الحرُمُ التي كان القِتالُ فيها محرَّمًا، وهي المقصودةُ بقولِهِ تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] وبهذا القولِ قال ابنُ عبَّاسٍ؛ رواهُ عنه علي بن أبي طَلْحةَ، وقال به الضحَّاكُ، ورجَّحَهُ ابنُ جَريرِ (١).
القولُ الثَّاني: أنَّها الأشهُرُ الأربعةُ المقدَّرةُ للمُشرِكينَ يومَ الحجِّ الأكبرِ خاصَّةً، وهي أشهُرُ التَّسْيِيرِ والسَّيْحِ في الأرض، فسُمِّيَت حُرُمًا؛ لأنَّ اللهَ حرمَ فيها قِتالَ أحَدٍ في تلك المُهْلَةِ خاصَّةً، وبه قال مجاهدٌ ومحمدُ بن إسحاقَ وقتادةُ وعبدُ الرحمنِ بن زيدٍ وغيرُهم (٢).
стр. 1470
وقولُه تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾، فيه الأمرُ بعدَمِ الاكتفاءِ بقتالِ المشرِكينَ المُحارِبينَ عندَ لقائِهم، واعتراضِهِمُ الطَّرِيقَ: ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾؛ وإنَّما أمَرَ بالبحثِ عنهم وتَتبُّعِهِمْ في أماكنِ وجودِهم ولو كانوا مُستتِرينَ متخفِّينَ: ﴿وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾.
وقد جعَل الضَّحَّاكُ هذه الآيةَ ناسِخةً ومنسوخةً؛ جعَلَها ناسخةً لكلِّ آيةٍ فيها ميثاقٌ مِن النبيِّ ﷺ معَ أحدٍ مِن المُشرِكينَ (١)، ثم جعَلَها منسوخةً بقولِهِ تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] (٢).
ومِنهم: مَن قال بعَكْسِ ذلك؛ فجعَلَ هذه الآيةَ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ناسخة لقولِهِ: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: ٤]؛ قالَة قتادةُ (٣).
وفي إطلاقِ النَّسْخِ نظَرٌ، فالعمَلُ بالآياتِ مُحْكَمٌ، وكلُّ موضعٍ في سياقِهِ وحالِه.
وفي قولِهِ تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وفي الآيةِ التي تَلِيِها بآياتٍ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]: دليلٌ على أنَّ الإيمانَ قَوْلٌ وعَمَلٌ واعتقادٌ، فلم يَعْتَبِرِ اللهُ تَوْبَتَهُمْ مقبولةً حتَّى يَستسلِموا ظاهرًا بعمَل، وهذا الذي عليه إجماعُ الصَّحابةِ والتَّابعينَ، وقد بيَّنَّا هذه المسألةَ في "العقيدةِ الخُرَاسانيَّةِ".
* * *
стр. 1471
* قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦].
في هذه الآيةِ: بيانٌ لِمَقصَدِ الإسلامِ الأعظَمِ، وهو هِدَايةُ الكافرِ ودَلَالتُهُ وإرشادُهُ، وليس أَسْرَهُ وغُنْمَ مالِه، فيَجبُ على المُسلِمينَ إبلاغُ الحقّ، ومَن جاءَ طالبًا للحقِّ مُحِبًّا للسَّمَاعِ له؛ ليَفْهَمَهُ ويَتأمَّلَهُ، فإنَّه يُسمَعُ كلامَ اللهِ ويُبيَّنُ له، ولا يُضرَبُ ولا يُحبَسُ ولا يُؤسَر، فإنْ قَبِلَ واقتنَعَ وتَشهَّدَ واستسلَمَ لله، فهو مُسلِمٌ، وإن لم يَقْبَلْ فيُترَكُ حتَّى يَبْلُغَ مَأمَنَهُ ثم يُقاتَلُ؛ وذلك أنْ يُقالَ له: بَيْننَا وبينَكَ يومُ وليلةٌ، أو شهرٌ أو شَهْرانِ أو عامٌ، فلا يُؤخَذُ وقد جاءَ يُرِيدُ سَمَاعَ كلامِ اللهِ.
وإذا جاءَ الكافرُ المحارِبُ بنفسِهِ قبلَ أنْ يُقْدَرَ عليه وطلَبَ سَمَاعَ كلامِ الله، فيَجِبُ إسماعُهُ وتَحرُمُ أذيَّتُه، ولو كان قد أصابَ مِن قبلُ دِماءً ومالًا من المسلِمينَ؛ لأنَّه جاءَ طالبًا للحقِّ، وإذا سَمِعَ لا يُكْرَهُ على الإسلامِ مِن لَحْظَتِه، فإنْ أسلَمَ منها، وإلَّا فيُمْهَلُ حتَّى مَأْمَنِهِ ثم يُقاتَلُ.
الفَرْقُ بينَ الأَسِيرِ والمُستجِيرِ:
والشريعةُ تفرِّقُ بينَ مَن أمَسكَ به المُسلِمونَ مِن المُحارِبينَ، أو سلَّمَ نفسَهُ بعدَ حِصَارٍ، أو ضَلَّ الطريقَ فدخَلَ إلى المُسلِمينَ خطَأً؛ فذلك هو الأسيرُ، وأمَّا مَن جاءَ مِن المُحارِبينَ مِن تِلْقاءِ نفسِه، ولم يُقدَرْ عليه مِن قَبْل، طالبًا سماعَ كلامِ اللْهِ ليَتأمَّلَهُ؛ فهذا مستجيرٌ، وهو المقصودُ في الآيةِ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾.
وهذه الآيةُ في حُكْمِ المستجيرِ مُحْكَمةٌ في قولِ أكثرِ السَّلفِ؛
стр. 1472
كمجاهِدٍ (١) والحسَنِ (٢)، ومنهم: مَن جعَلَها خاصَّة بتلك الأربعةِ الأشهًرِ التي جعَلَها اللهْ أجَلًا للمُشرِكينَ، وهي أشهُرُ التَّسْيِيرِ ولا يأخُذُ حُكْمَها غيرُها (٣)، ومنهم: مَن قال: إنَّها منسوخةٌ بقولِه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]؛ وهو قولُ الضحَّاكِ والسُّدِّيِّ (٤).
والأظهَرُ: أنَّها مُحْكَمةٌ؛ فإنَّ الإجارةَ مِن أحكامِ الشريعةِ المُحْكَمة، والقولُ بنَسْخِ هذه الآيةِ معَ ثبوتِ الحُكْمِ في الدِّينِ فيه نظَرٌ.
ويجبُ تعليمُ المستجيرِ الدِّينَ، ويُفهمُ إيَّاة يرِفْقِ ولِينٍ؛ فإنَّ اللهَ ما أرسَلَ أنبياءَهُ إلَّا بذلك، فإنَّما هم رَحْمة لأمَمِهم، والنبيُّ ﷺ رحمةٌ للعالَمِينَ.
مَن يَملِكُ حقَّ إجارةِ الكافرِ:
والإمامُ وكلُّ أحدٍ مِن المُسلِمينَ له أنْ يُجِيرَ مَن شاءَ؛ رجُلًا أو امرأةً، وتَجْري إجارتُهُ على الجميع، وقد ثبَتَ في "الصَّحيحَيْنِ"؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَة اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَل الله مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا) (٥).
وهذا لا خلافَ عِندَ العلماءِ فيه، إلَّا خلافٌ غيرُ معتبَرِ مخالِفٌ للدليل، يقولُ به ابنُ الماجِشونِ وابن حَبِيبٍ حيثُ جعَلَا الإجارةَ موقوفةً على نظَرِ الإمامِ.
стр. 1473
والصوابُ: أنَّ الإجارةَ مُلزِمةٌ مِن كلِّ مسلمٍ على المُسلِمينَ، وجَعْلُها مَنُوطة بالحاكمِ تضييقٌ لِذِمَّةِ المُسلِمينَ، وتنفيرٌ مِن إقبالِ الكفَّارِ على الإسلام، والأميرُ لا يُحيطُ بِمَعْرِفةِ وسَطِ البُلْدان، فضلًا عن أطرافِها، ولا قُدْرةَ له على معرِفةِ الداخِلينَ إلى الثغور، حتَّى لو وضَعَ نُوَّابًا له على كلِّ ثَغْرٍ، فإنَّ الذِّمَّةَ لو أُنيطَتْ بالأميرِ ونائبِه، لَمَا تحقَّقَتْ ذِمَّةٌ للمُسلِمينَ، ولَسُفِكَتْ دماءٌ حقُّها أن تُعصَمَ، ولَصَدَّ ذلك عن الإقبالِ على الإسلامِ.
أمَان المرأةِ والعبد، والصبيِّ والذمِّيِّ:
وتُجيُر المرأةُ كالرَّجُلِ؛ لظاهرِ الأدلَّةِ؛ ففي "الصحيحَيْن"؛ قالَتْ أمِّ هاني للنبيِّ ﷺ يومَ فتْح مَكَّةَ: إنَّني أجَرْتُ رجُلَيْنِ مِن أَحْمَائي، فقال ﷺ : (قَدْ أجَرْنَا مَنْ أجَرْتِ يَا أمَّ هَانِئٍ) (١).
وحكى بعضُ العلماءِ الإجماعَ على ذلك؛ كابنِ المُنذِر (٢)، والخطَّابي (٣)، وغيرِهما، وقولُ ابنِ الماجِشون في خلافِ ذلك شاذٌّ غيرُ مُعتبَر، وقد صحَّ عن عائشةَ ﵂؛ أنَّها قالتْ: "إِن كَانَتِ المَرْأةُ لَتُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ"؛ رواهُ النسائي والبيهقيُّ (٤).
وفد جاء مِن طرُقِ أنَّ زينب بنتَ النبيِّ ﷺ امرأةَ أبي العاصِ أجارَت زَوْجَها أبا العاصِ بنَ الرَّبيع، فأجازَ رسولُ اللهِ ﷺ جِوَارَها (٥).
وأما العبدُ، فقد اختُلِفَ في إجارته، والجمهورُ على صحَّتِها ولو لم
стр. 1474
يُقاتِلْ؛ خلافًا لأبي حنيفةَ وأبي يوسُفَ، ما لم يُؤذَن له بالقتال، والحديثُ في جَرَيانِ الذِّمَّةِ مِن كلِّ مسلمِ: يَشمَلُ العبدَ وغيرَهُ ممَّن يَصِحُّ جَرَبان العَقْدِ منه، ورَوى فُضَيْلُ بن زيدٍ - وكان غَزَا على عهدِ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ سَبْعَ غزَواتٍ - قال: لمَّا رَجَعْنا، تَخَلَّفَ عبدٌ مِن عَبِيدِ المُسلِمينَ، فكتَبَ لهم أمانًا في صَحِيفةٍ، فرَمَاهُ إليهم، قال: فكَتَبْنا إلى عُمرَ بنِ الخطَاب ﵁، فكتَب عُمَرُ: "إنَّ عبدَ المُسلِمينَ مِن المُسلِمينَ، ذِمَّتُهُ ذِمَّتُهم"، فأجَاز عمرُ ﵁ أمانَهُ؛ رواهُ ابنُ أبي شَيْبةَ والبيهقيُّ (١).
ومَن نظَرَ في كلام فقهاءِ السَّلَفِ صحابةَ وتابِعينَ، وجَدَ أنَّ عمَلَهُمْ على إمضاءِ أَمَانِ المرأةَ والعبد، وقد قال أبو عُبَيْدِ القاسمُ: "قد أجازَ المسلِمونَ أمَانَ المَمْلوكِ" (٢).
وقد اختَلَفَ العلماءُ في أمَانِ الصبيِّ المميِّز، فأجازَهُ الأوزاعيُّ في أحَدِ قولَيْه، ومنَعَه أكثَرُ العلماء، وحكاهُ ابنُ المُنذِرِ إجماعًا (٣).
ويدخُلُ في عمومِ إمضاءِ أمانِ المُسلِمينَ كلُّ واحدِ منهم، ولو مبتدِعًا، فمَن صَحَّتْ صلاتُهُ صحَّ أمانُه، وقد أجازَ الأوزاعيُّ أمَانَ الخوارجِ (٤).
ولا يُقيَل أمانُ الذِّمِّيِّ على المُسلِمينَ؛ لأنَّه ليس منهم، والحديثُ فيهم لا في غيرِهم؛ قال ﷺ : (ذِمَّةُ المُسْلِمِيِنَ وَاحِدَةٌ) (٥)، وقال: (يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَدْنَاهمْ) (٦)، ومَنْ ليس منهم، ليس مِن أدْناهُم.
стр. 1475
والأمانُ يكونُ بالقولِ الصريحِ والكِنَاية، ويكونُ بالإشارةِ بالبَدِ؛ كالإشارةِ بالإصبَعِ إلى السَّمَاء، فالإشارةُ بالأمانِ أمانٌ؛ كما قالَهُ مالكٌ والشافعيُّ وغيرُهما.
ويَصِحُّ الأمانُ بكلِّ لِسانِ يَفهَمُهُ السامعُ على أنه أمانٌ؛ فقد صحَّ عن أبي وائلٍ؛ قال: "أَتَانَا كَتَابُ عُمَرَ وَنَحْنُ بِخَانِقِينَ: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: لَا تَدْهَلْ، فَقَدْ أَمَّنَهُ، وَإِذَا قَالَ: لَا تَخَفْ، فَقَدْ أَمَّنَهُ، وَإِذَا قَالَ: مَتَرْسْ، فَقَدْ أَمَّنَه؛ قَالَ: اللهُ يَعْلَمُ الأَلْسِنَةَ"؛ رواهُ عبد الرزَّاق وابنُ أبي شيبةَ والبيهقي (١).
* * *
قال تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلَّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٧ - ٨].
في هذه الآيةِ: بيانٌ لسبب إنهاء العهدِ الذي بين المُسلِمينَ ومَن له عهدٌ مُطلَقٌ مِن المشرِكينَ، وأنَّ اللهَ أرادَ إنهاءَ ذلك؛ لأنَّه يُبقِيهم على الشِّرْكِ الدائمِ؛ فإنَّ الصُّلْحَ معَ المشرِكِ الوثَنيِّ إذا كان دائمًا. يُبقيهِ على وثَنيَّتِهِ وكفرِهِ دومًا، وَيجعلُهُ عاليًا نِدًّا للمُسلِمينَ، وظاهرُ الآياتِ تحريمُ العهدِ المطلَقِ إلَّا لضرورةٍ في زمَنِ ضَعْفِ المُسلِمينَ وتكالُبِ الأُمَمِ عليهم؛ فإنَّ الزمنَ الذي يكونُ فيه عهدٌ وسلامٌ مطلَقٌ: تتساوَى فيه أمَّةُ