← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

* قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦]. في هذه الآيةِ: بيانٌ لِمَقصَدِ الإسلامِ الأعظَمِ، وهو هِدَايةُ الكافرِ ودَلَالتُهُ وإرشادُهُ، وليس أَسْرَهُ وغُنْمَ مالِه، فيَجبُ على المُسلِمينَ إبلاغُ الحقّ، ومَن جاءَ طالبًا للحقِّ مُحِبًّا للسَّمَاعِ له؛ ليَفْهَمَهُ ويَتأمَّلَهُ، فإنَّه يُسمَعُ كلامَ اللهِ ويُبيَّنُ له، ولا يُضرَبُ ولا يُحبَسُ ولا يُؤسَر، فإنْ قَبِلَ واقتنَعَ وتَشهَّدَ واستسلَمَ لله، فهو مُسلِمٌ، وإن لم يَقْبَلْ فيُترَكُ حتَّى يَبْلُغَ مَأمَنَهُ ثم يُقاتَلُ؛ وذلك أنْ يُقالَ له: بَيْننَا وبينَكَ يومُ وليلةٌ، أو شهرٌ أو شَهْرانِ أو عامٌ، فلا يُؤخَذُ وقد جاءَ يُرِيدُ سَمَاعَ كلامِ اللهِ. وإذا جاءَ الكافرُ المحارِبُ بنفسِهِ قبلَ أنْ يُقْدَرَ عليه وطلَبَ سَمَاعَ كلامِ الله، فيَجِبُ إسماعُهُ وتَحرُمُ أذيَّتُه، ولو كان قد أصابَ مِن قبلُ دِماءً ومالًا من المسلِمينَ؛ لأنَّه جاءَ طالبًا للحقِّ، وإذا سَمِعَ لا يُكْرَهُ على الإسلامِ مِن لَحْظَتِه، فإنْ أسلَمَ منها، وإلَّا فيُمْهَلُ حتَّى مَأْمَنِهِ ثم يُقاتَلُ. الفَرْقُ بينَ الأَسِيرِ والمُستجِيرِ: والشريعةُ تفرِّقُ بينَ مَن أمَسكَ به المُسلِمونَ مِن المُحارِبينَ، أو سلَّمَ نفسَهُ بعدَ حِصَارٍ، أو ضَلَّ الطريقَ فدخَلَ إلى المُسلِمينَ خطَأً؛ فذلك هو الأسيرُ، وأمَّا مَن جاءَ مِن المُحارِبينَ مِن تِلْقاءِ نفسِه، ولم يُقدَرْ عليه مِن قَبْل، طالبًا سماعَ كلامِ اللْهِ ليَتأمَّلَهُ؛ فهذا مستجيرٌ، وهو المقصودُ في الآيةِ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾. وهذه الآيةُ في حُكْمِ المستجيرِ مُحْكَمةٌ في قولِ أكثرِ السَّلفِ؛

стр. 1472

كمجاهِدٍ (١) والحسَنِ (٢)، ومنهم: مَن جعَلَها خاصَّة بتلك الأربعةِ الأشهًرِ التي جعَلَها اللهْ أجَلًا للمُشرِكينَ، وهي أشهُرُ التَّسْيِيرِ ولا يأخُذُ حُكْمَها غيرُها (٣)، ومنهم: مَن قال: إنَّها منسوخةٌ بقولِه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]؛ وهو قولُ الضحَّاكِ والسُّدِّيِّ (٤). والأظهَرُ: أنَّها مُحْكَمةٌ؛ فإنَّ الإجارةَ مِن أحكامِ الشريعةِ المُحْكَمة، والقولُ بنَسْخِ هذه الآيةِ معَ ثبوتِ الحُكْمِ في الدِّينِ فيه نظَرٌ. ويجبُ تعليمُ المستجيرِ الدِّينَ، ويُفهمُ إيَّاة يرِفْقِ ولِينٍ؛ فإنَّ اللهَ ما أرسَلَ أنبياءَهُ إلَّا بذلك، فإنَّما هم رَحْمة لأمَمِهم، والنبيُّ ﷺ رحمةٌ للعالَمِينَ. مَن يَملِكُ حقَّ إجارةِ الكافرِ: والإمامُ وكلُّ أحدٍ مِن المُسلِمينَ له أنْ يُجِيرَ مَن شاءَ؛ رجُلًا أو امرأةً، وتَجْري إجارتُهُ على الجميع، وقد ثبَتَ في "الصَّحيحَيْنِ"؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَة اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَل الله مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا) (٥). وهذا لا خلافَ عِندَ العلماءِ فيه، إلَّا خلافٌ غيرُ معتبَرِ مخالِفٌ للدليل، يقولُ به ابنُ الماجِشونِ وابن حَبِيبٍ حيثُ جعَلَا الإجارةَ موقوفةً على نظَرِ الإمامِ.

стр. 1473

والصوابُ: أنَّ الإجارةَ مُلزِمةٌ مِن كلِّ مسلمٍ على المُسلِمينَ، وجَعْلُها مَنُوطة بالحاكمِ تضييقٌ لِذِمَّةِ المُسلِمينَ، وتنفيرٌ مِن إقبالِ الكفَّارِ على الإسلام، والأميرُ لا يُحيطُ بِمَعْرِفةِ وسَطِ البُلْدان، فضلًا عن أطرافِها، ولا قُدْرةَ له على معرِفةِ الداخِلينَ إلى الثغور، حتَّى لو وضَعَ نُوَّابًا له على كلِّ ثَغْرٍ، فإنَّ الذِّمَّةَ لو أُنيطَتْ بالأميرِ ونائبِه، لَمَا تحقَّقَتْ ذِمَّةٌ للمُسلِمينَ، ولَسُفِكَتْ دماءٌ حقُّها أن تُعصَمَ، ولَصَدَّ ذلك عن الإقبالِ على الإسلامِ. أمَان المرأةِ والعبد، والصبيِّ والذمِّيِّ: وتُجيُر المرأةُ كالرَّجُلِ؛ لظاهرِ الأدلَّةِ؛ ففي "الصحيحَيْن"؛ قالَتْ أمِّ هاني للنبيِّ ﷺ يومَ فتْح مَكَّةَ: إنَّني أجَرْتُ رجُلَيْنِ مِن أَحْمَائي، فقال ﷺ : (قَدْ أجَرْنَا مَنْ أجَرْتِ يَا أمَّ هَانِئٍ) (١). وحكى بعضُ العلماءِ الإجماعَ على ذلك؛ كابنِ المُنذِر (٢)، والخطَّابي (٣)، وغيرِهما، وقولُ ابنِ الماجِشون في خلافِ ذلك شاذٌّ غيرُ مُعتبَر، وقد صحَّ عن عائشةَ ﵂؛ أنَّها قالتْ: "إِن كَانَتِ المَرْأةُ لَتُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ"؛ رواهُ النسائي والبيهقيُّ (٤). وفد جاء مِن طرُقِ أنَّ زينب بنتَ النبيِّ ﷺ امرأةَ أبي العاصِ أجارَت زَوْجَها أبا العاصِ بنَ الرَّبيع، فأجازَ رسولُ اللهِ ﷺ جِوَارَها (٥). وأما العبدُ، فقد اختُلِفَ في إجارته، والجمهورُ على صحَّتِها ولو لم

стр. 1474

يُقاتِلْ؛ خلافًا لأبي حنيفةَ وأبي يوسُفَ، ما لم يُؤذَن له بالقتال، والحديثُ في جَرَيانِ الذِّمَّةِ مِن كلِّ مسلمِ: يَشمَلُ العبدَ وغيرَهُ ممَّن يَصِحُّ جَرَبان العَقْدِ منه، ورَوى فُضَيْلُ بن زيدٍ - وكان غَزَا على عهدِ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ سَبْعَ غزَواتٍ - قال: لمَّا رَجَعْنا، تَخَلَّفَ عبدٌ مِن عَبِيدِ المُسلِمينَ، فكتَبَ لهم أمانًا في صَحِيفةٍ، فرَمَاهُ إليهم، قال: فكَتَبْنا إلى عُمرَ بنِ الخطَاب ﵁، فكتَب عُمَرُ: "إنَّ عبدَ المُسلِمينَ مِن المُسلِمينَ، ذِمَّتُهُ ذِمَّتُهم"، فأجَاز عمرُ ﵁ أمانَهُ؛ رواهُ ابنُ أبي شَيْبةَ والبيهقيُّ (١). ومَن نظَرَ في كلام فقهاءِ السَّلَفِ صحابةَ وتابِعينَ، وجَدَ أنَّ عمَلَهُمْ على إمضاءِ أَمَانِ المرأةَ والعبد، وقد قال أبو عُبَيْدِ القاسمُ: "قد أجازَ المسلِمونَ أمَانَ المَمْلوكِ" (٢). وقد اختَلَفَ العلماءُ في أمَانِ الصبيِّ المميِّز، فأجازَهُ الأوزاعيُّ في أحَدِ قولَيْه، ومنَعَه أكثَرُ العلماء، وحكاهُ ابنُ المُنذِرِ إجماعًا (٣). ويدخُلُ في عمومِ إمضاءِ أمانِ المُسلِمينَ كلُّ واحدِ منهم، ولو مبتدِعًا، فمَن صَحَّتْ صلاتُهُ صحَّ أمانُه، وقد أجازَ الأوزاعيُّ أمَانَ الخوارجِ (٤). ولا يُقيَل أمانُ الذِّمِّيِّ على المُسلِمينَ؛ لأنَّه ليس منهم، والحديثُ فيهم لا في غيرِهم؛ قال ﷺ : (ذِمَّةُ المُسْلِمِيِنَ وَاحِدَةٌ) (٥)، وقال: (يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَدْنَاهمْ) (٦)، ومَنْ ليس منهم، ليس مِن أدْناهُم.

стр. 1475

والأمانُ يكونُ بالقولِ الصريحِ والكِنَاية، ويكونُ بالإشارةِ بالبَدِ؛ كالإشارةِ بالإصبَعِ إلى السَّمَاء، فالإشارةُ بالأمانِ أمانٌ؛ كما قالَهُ مالكٌ والشافعيُّ وغيرُهما. ويَصِحُّ الأمانُ بكلِّ لِسانِ يَفهَمُهُ السامعُ على أنه أمانٌ؛ فقد صحَّ عن أبي وائلٍ؛ قال: "أَتَانَا كَتَابُ عُمَرَ وَنَحْنُ بِخَانِقِينَ: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: لَا تَدْهَلْ، فَقَدْ أَمَّنَهُ، وَإِذَا قَالَ: لَا تَخَفْ، فَقَدْ أَمَّنَهُ، وَإِذَا قَالَ: مَتَرْسْ، فَقَدْ أَمَّنَه؛ قَالَ: اللهُ يَعْلَمُ الأَلْسِنَةَ"؛ رواهُ عبد الرزَّاق وابنُ أبي شيبةَ والبيهقي (١). * * * قال تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلَّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٧ - ٨]. في هذه الآيةِ: بيانٌ لسبب إنهاء العهدِ الذي بين المُسلِمينَ ومَن له عهدٌ مُطلَقٌ مِن المشرِكينَ، وأنَّ اللهَ أرادَ إنهاءَ ذلك؛ لأنَّه يُبقِيهم على الشِّرْكِ الدائمِ؛ فإنَّ الصُّلْحَ معَ المشرِكِ الوثَنيِّ إذا كان دائمًا. يُبقيهِ على وثَنيَّتِهِ وكفرِهِ دومًا، وَيجعلُهُ عاليًا نِدًّا للمُسلِمينَ، وظاهرُ الآياتِ تحريمُ العهدِ المطلَقِ إلَّا لضرورةٍ في زمَنِ ضَعْفِ المُسلِمينَ وتكالُبِ الأُمَمِ عليهم؛ فإنَّ الزمنَ الذي يكونُ فيه عهدٌ وسلامٌ مطلَقٌ: تتساوَى فيه أمَّةُ

стр. 1476

الكفرِ وأمَّة الإسلام، ويَظهَرُ إعجابُ المُسلِمِينَ بالكافِرِينَ، وَيضعُفُ الولاءُ للمؤمنينَ والبَراءُ مِن الكافرينَ، وتَكثُرُ الرِّدَّةُ فضلًا عن الفِسْقِ. وإنْ جازَ ذلك مِن النبيِّ ﷺ زمَنَ تكالُبِ الناسِ عليه، وقِلَّةِ عددِ المؤمنينَ وعَتادِهم، فإنَّ اللهَ نسَخَهُ ورفَعَ العهدَ المطلَقَ لمَّا ظهَرَ للمُسلِمينَ قوَّةٌ ولهم سُلْطانٌ يُهابُ وَيَرْعَبُ. وقد رفَعَ اللهُ العهدَ المطلَقَ عمَّن صالَحَهُ وعاهَدَهُ ولم ينقُضْ عهدَهُ، فضلًا عمَّن عاهَدَ ونقَضَ وظَنَّ بقاءَ عهدِه، وقد عاهَدَ النبيُّ ﷺ أقوامًا؛ كقُرَيْشٍ وبني بكرٍ وخُزَاعةَ. وفي قولِه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ عِظَمُ العهدِ عندَ البيتِ وفي الحَرَمِ؛ فإنَّ العَهْدَ والأَيْمَانَ قد تعظُمُ في زمَنٍ فاضلٍ كبَعْدِ العصرِ ويومِ الجُمُعةِ وكلِّ زمَنٍ دلَّ دليلٌ على فضلِه، وكذلك في المكانِ الفاضلِ؛ كالحَرَمِ والمساجِدِ ومِنبَرِ النبيِّ ﷺ . ومَن عاهَدَهمُ النَّبيُّ عندَ المسجِدِ الحرام، قال ابنُ عبَّاسٍ: هم قريشٌ وأهلُ مَكَّةَ (١)، وبِنَحْوِهِ قال قتادةُ: أهلُ الحُدَيْبِيَةِ (٢)؛ فقد كان الصُّلْحُ بينَ الحِلِّ والحرَم، وقال مجاهدٌ: هم خُزَاعةُ (٣)، وقال السُّدِّيُّ: هم بنو جَذِيمَةَ (٤)، وقال ابن إسحاقَ: بنو بكرٍ (٥). وكلُّ مَنْ له عهدٌ سابقٌ فهو داخِلٌ في هذه الآية، وتخصيصُ المسجدِ الحرامِ؛ لبيانِ خصيصتِه، وتعظيمِ قدرِ العهدِ فيه. وفي هذه الآيةِ: أنَّ عمومَ الأمكِنةِ في قولِه تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ

стр. 1477

ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] يُستَثْنى منه الحرَمُ لتعظيمِه، وقد تقدَّمَ الكلامُ على حُكْمِ القتالِ في الحرَم، وإقامةِ الحدودِ والعقوباتِ فيه عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١]. وكذلك فإنَّ عمومَ الأزمةِ في قتالِ الكفارِ استُثْنِيَ منه الأشهُرِ الحرُمُ وأشهُرُ التسيير، وقد تقدَّمَ الكلامُ على نَسْخِ القتالِ في الأشهُرِ الحُرُمِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقولِهِ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] , وقولِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]. * * * قال تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢]. في هذه الآيةِ: الأمرُ بمُبادَرةِ قتالِ ناقِضِ العهدِ؛ لأنَّ تَرْكَ ناقضِ العهد، وإمضاءَ عهدِه وسَلْمِهِ له بعدَ ذلك: يُجرِّئُهُ على انتهاكِ حُرْمةِ العهودِ عامَّةً، وحُرْمةِ المُسلِمينَ خاصَّةً، ومُبادَرَتُهُ بالقتالِ عندَ القدرةِ عليه, ونبذُ عهدِهِ إليه علانيَةً كما يَفعَلُ سِرًّا: زجرٌ له وترهيبٌ لأمثالِه، وتقويةٌ لشَوْكةِ المؤمنينَ؛ حتَّى لا يُظَنَّ بهم أنَّهم إنَّما يُعاهِدونَ عن ضَعْفٍ وحبٍّ للدُّنيا وركونٍ إليها. العهودُ للمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ: وفي الآيةِ: تنبيهٌ للمؤمنينَ أن يَعلَموا أنَّ حِفْظَ دينِ اللهِ أعظَمُ مِن حِفظِ دُنياهم، وأنَّهم وإنْ عاهَدوا على الدُّنيا لِمَصْلَحةٍ رأَوْها، فإنَّه يَجِبُ أن تكونَ عهودُهم ومواثيقُهمُ الدنيويَّةُ مَرَدُّها إلى صلاحِ دِينِهم؛ يتَقوَّوْنَ

стр. 1478

بها، وألَّا يُصالِحوا عن دُنيا مَحْضةٍ؛ لا تَحفَظُ دِينًا، ولا تُقوِّي شَوْكةً للمُسلِمينَ؛ وإنَّما غايتُها زيادةُ متاعٍ وسرَفْ شَهْوةٍ، فتِلك مقاصدُ الحيوانِ لا الإنسان، وأصحابُ هذه العهودِ لا يَحفَظونَ مَنْزِلةَ الدِّينِ ولا يُعظِّمونَ حُرْمَتَه. ولا يجوزُ للمُسلِمينَ أن يُعْطُوا أمانًا وعهدًا على دُنْيَا مَحْضَةٍ تُضِرُّ بالدِّين، ما لم تَكُنْ تلك الدُّنيا التي عاهَدُوا عليها تَحفَظُ مِن الدِّينِ مِن جهةٍ أعظَمَ مِمَّا تفوِّتُهُ مِن جهةٍ أُخرى؛ فذلك مَرَدُّهُ لِحِكْمةِ أهلِ العِلْم، ومعرفةِ أهلِ السِّياسةِ الصحيحةِ الصَّادِقةِ. المُوجِباتُ لِنَقْضِ العهدِ: وقد ذكَرَ اللهُ تعالى مُوجِبَينِ لقتالِ المعاهَدِينَ ونَبْذِ عَهْدِهم إليهم: الأولُ: نقضُهم لِما عاهَدوا عليه المُسلِمينَ؛ ممَّا كتَبُوهُ بأيدِيهم، أو نطَقُوه بألسنتِهم. الثاني: طَعْنُهم في دِينِ المُسلِمينَ. واختُلِفَ في كونِ الطَّعْنِ في الدِّينِ ناقِضًا لعهدِ مَن أمضى عهدَهُ الذي شارَطَ المُسلِمينَ عليه، والصحيحُ نقضُهُ؛ وذلك مِن وجوهٍ: أوَّلُها: أنَّ في ذِكْرِ الطَّعْنِ في الدِّينِ تبيينًا لِعظَمِه، وأنَّه وإن لم يتضمَّنِ العهودَ المنصوصةَ المكتوبةَ بينَ المُسلِمينَ وعدوِّهم، فإنَّه كالمنصوصِ المبيَّنِ؛ فهو فوقَ كلِّ مكتوبٍ، وأعظَمُ مِن كلِّ ملفوظٍ مِن الشروطِ والبُنُودِ؛ نقد يتصالَحُ المُسلِمونَ معَ المشرِكينَ على دُنيا وعِصْمةِ دمٍ وحِفْظِ مالٍ، وهذه العهودُ المنصوصةُ ولو لم تُنقَضْ بعَيْنِها، فإنَّ الطَّعْنَ في دِينِ أهلِها أعظَمُ عليهم وأشَدُّ مِن نقضِها، وإنَّ إهدارَ دِينِ المُسلِمينَ أعظَمُ مِن إهدارِ دُنياهم، وقد رُوي عن ابنِ عمرَ؛ أنه مَرَّ به راهبٌ، فقيلَ له: هذا يَسُبُّ النَّبيَّ ﷺ ، فقال ابنُ عمرَ: "لو سَمِعْتُهُ لَقَتَلْتُهُ؛ إنَّا لم نُعْطِهِمُ

стр. 1479

الذِّمَّةَ على أن يَسُبُّوا نبيَّنا ﷺ "؛ رواهُ الخلَّالُ (١). ثانيها: أنَّ المؤمِنَ معصومُ الدَّم، ولو طَعَنَ في الدِّينِ لاستَحَقَّ القتلَ، فإذا كان كذلك والأصلُ في العِصْمةُ، فإنَّ الكافِرَ المعاهَدَ أَولى، وقد كان الأصل فيه استحلالَ الدمِ؛ وإنَّما استحَقَّ العِصْمةَ لعَهْدِه وأمانِه. ثالثُها: أنَّ مَن نقَضَ شيئًا مِن شروطِ العهد، انتَقَضَ عهدُه، ولو كان لشيءٍ مِن لُعَاعةِ الدُّنيا، فإذا كان ذلك مُوجِبًا لنقضِ العهد، فإنَّ نقضَ العهدِ عندَ الطَّعْنِ في الدِّينِ مِن بابِ أَولى. رابعُها: أنَّ العهودَ الدنيويَّةَ إن كانتْ تُضِرُّ بالدِّين، ولا تَحفَظُ عليه أعظَمَ ممَّا تُضَيِّعُهُ منه -: لم يَجُزْ للمُسلِمينَ إبرامُها مِن جهةِ الأصلِ؛ فإنَّ إبقاءَ العهدِ والأمانِ لِمَنْ أعلَنَ الطَّعْنَ في الدِينِ أعظَمُ مِن إبرامِ عهدٍ يتَضمَّنُ جبَ محرَّمٍ مجرَّدٍ لا يحقِّقُ أعظَمَ منه في الدِّينِ. خامسُها: أنَّ الكُفَّارَ يقَعُ منهم مِن مخالَفةِ المُسلِمينَ في دِينِهم عَمَلٌ وقولٌ كثيرٌ، أكثَرُ مِن الطعنِ في الدِّينِ؛ كشُرْبِ الخمرِ والزِّنى وأكلِ لحمِ الخِنزيرِ والمَيْتة، وهذه الأشياءُ التي تقَعُ مِن جميعِهم أو مِن سَوَادِهم، لم يَذْكُرْها اللهُ في الآيةِ؛ فدَلَّ على أنَّ إظهارَها في ذاتِها لا ينقُضُ العهدَ، ولكنَّه يُوجِبُ العقوبةَ وإقامةَ الحدّ، فلو شرِبَ الخمرَ وأكَلَ المَيْتةَ ولحمَ الخِنْزيرِ في بيتِهِ وخاصَّةِ أهلِهِ وأهلِ دينِه، لم يُعاقَبْ بذلك، ولوأظهَرَهُ، لم يَكُنْ بإظهارِهِ ناقضًا للعَهْد، ولكنَّه موجِبٌ لإقامةِ الحدِّ عليه وتعزيرِه. ولو لم يَكُنِ الطَّعْنُ في الدِّينِ وصفًا مؤثِّرًا في صِحَّةِ العهد، لم يَذكُرْهُ اللهُ؛ فإنَّ أهلَ الذِّمَّةِ قد يَبدُرُ منهم ما يُخالِفُ المُسلِمينَ أكثَرَ مِن سبِّ الدِّينِ والطَّعْنِ فيه؛ كشُربِ الخمرِ وتَبرُّجِ النِّساءِ وأكلِ لحمِ الخِنْزِير، وهم مأمورونَ بعدَمِ إطهارِ ما يُناقِضُ دينَ المُسلِمينَ، وأمَّا استِتَارُهُمْ

стр. 1480

بعِبادَتِهِمْ وما يَستحِلُّونَهُ في دِينِهم، فلا يُؤاخَذونَ بذلك. والطعنُ في الدِّينِ الذي يَنقُضُ عهدَهم العامَّ: ما بدَرَ مِن أميرِهم أو مَن يَنُوبُ عه ويمثِّلُهُ، أوأنْ يكونَ ذلك مِن عامَّتِهم لكنْ يُبرِزونَ قولَهُ ويُظهِرونَهُ ويَحْمُونَهُ ويَسْكُتونَ عنه مؤيِّدينَ له، وأمَّا انتقاضُ العهدِ الخاصّ، فيَنتقِضُ عهدُ الواحدِ منهم مِن عامَّتِهم لو خالَفَ عهدَ جماعتِه، فطَعَنَ في الدِّين، فيُؤخَذُ بنَفْسِه، ولا تَتحمَّلُ جَماعتُهُ نَقْضَه، فيَنتقِضُ عهدُ الخاصِّ لا عهدُ العامّ، ما لم يَظهَرْ تَواطُؤُهُمْ معَهُ وتأييدُهُمْ وحمايتُهُمْ له. إعلان الطَّعْنِ في الدِّينِ وإسرارُهُ: قولُه تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ ظاهرُ الآيةِ: دالٌّ على أنَّ المُؤاخَذةَ للمُعاهَدِ تكونُ في حالِ طعنِهِ في الدِّينِ عَلانيَةً؛ وذلك أنَّ الكفارَ يُعلَمُ مِن حالِهم غالبًا الطعنُ في الدِّينِ سِرًّا في مَجالِسِهم ونَوادِيهم الخاصَّةِ لا العامَّة، ولم يَكُنْ كفارُ قريشٍ يَحمَدونَ رسولَ اللهِ ﷺ في أنفُسِهِمْ ولا في مَجالسِهِمْ، والنبيُّ وأصحابُهُ يَعلَمونَ ذلك عدَ توقيعِ الصُّلْحِ معَهم في الحُدَيْبِيَةِ وغيرِها، وقد أشارَ اللهُ إلى العلانيَةِ بتَسْميتِهِمْ: ﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾؛ فهم كفارٌ في أصلِهم، فتَحوَّلُوا إلى أئمةٍ فيه؛ لأنَّ المُعلِنَ للشرِّ إمام فيه، وعقودُ المُسلِمينَ معَهُمْ تَستلزِمُ السكوتَ عن اللهِ ودِينِهِ وكتابِهِ ونبيِّه. والذِّمِّيُّ الذي يَطعُنُ في رسولِ اللهِ ﷺ يُقتَلُ على الصحيحِ في قولِ أكثرِ العلماءِ؛ خلافًا لأبي حَنِيفةَ؛ فهو يَرى أنه لا يَنتقِضُ عهدُهُ بذلك؛ وإنَّما يُستَتابُ ويُعاقَبُ بما يراهُ الإمامُ؛ لأنَّه تمَّ عهدُهُ وهو كافرٌ به، وما هو عليه عندَ العقدِ هو ما هو عليه بعدَه. ولكنَّ المُؤاخَذةَ للطاعنِ في النبيِّ ﷺ على قدرٍ زائدٍ عن مجرَّدِ الكفرِ وحَجْدِ النبوَّة، وهو الطعنُ والسبُّ وإظهارُ ذلك؛ لأنَّ اللهَ تعالى بيَّنَ

стр. 1481

ذلك بوصفِ الفاعِلينَ له بأئمَّةِ الكفر، لا مجرَّدِ أنَّهم كفَّارٌ، فقال: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾؛ لأنَّ مُظهِرَ الطعنِ في النبيِّ ﷺ يَدعُو الناسَ إلى الاقتداءِ له والتمرُّدِ على هَيْبةِ الإسلامِ والمُسلِمينَ؛ لهذا كانوا أئمَّةً في الكفرِ مِن جِهَتَيْنِ: مِن جهةِ تغليظِ كُفْرِهم؛ فالكفرُ دَرَكاتٌ، ومِن جهةِ أنَّهم قُدْوةٌ للكفارِ أن يُبْدُوا ما يُكِنُّونَهُ مِن حِقْدٍ وغِلٍّ على أهلِ الإسلامِ. والعلماءُ يُفرِّقونَ بينَ أصلِ كفرِهِ الذي تمَّ العهدُ معَهُ وهو عليه، وبينَ طعنِهِ في الدِّينِ علانيَةً؛ ولذا قال مالكٌ: "مَن شتَمَ اللهَ مِن اليهودِ والنَّصَارى بغيرِ الوجهِ الذي كفَرَ به، قُتِلَ ولم يُستَتَبْ" (١). وذلك أنَّ النَّصْرانيَّ كافرٌ بقولِهِ: "إنَّ اللهَ ثالثُ ثلاثةٍ"؛ وهذا قَدْرٌ معلومٌ مِن دِينِةِ عندَ عهدِه، يَجهَرُ به ويَعتقِدُهُ دِيَنًا له لو سألَهُ أحدٌ عنه، ولكنَّ الطعنَ الحادثَ منه في اللهِ ودِيِنِهِ وكتابِهِ ونبيِّهِ أمرٌ استَجَدَّ أُرِيدَ منه الطعنُ في دِينٍ وأمَّةٍ معلومةٍ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾. وقد قتَلَ النبيُّ ﷺ كَعْبَ بنَ الأَشْرَفِ وقد كان معاهَدًا بلا خلافٍ، ونقَصَ عهدَهُ بطَعْنِهِ في الدِّينِ؛ ولذا قال ﷺ : (مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ؟ ! ) (٢). ويدلُّ على أنَّ الطاعِنَ في الدِّينِ المجاهِرَ به لا أمانَ له، ولو بُذِلَ فهو مهدورٌ: أنَّ النبيَّ ﷺ أرسَلَ لكعبِ بنِ الأشرَفِ خمسةً مِن أصحابِه: محمَّدَ بنَ مَسْلَمَةَ، وأبا نائِلةَ، وعبَّادَ بنَ بِشْرٍ، والحارثَ بنَ أَوْسٍ، وأبا عَبْسِ بنَ جَبْرٍ، أرسَلَهم لِيَقتُلُوهُ غِيلةً، وقد خدَعُوهُ وأَظهَروا له المُوافَقةَ حتَّى تمكَّنوا منه فقتَلُوه؛ وذلك الفعلُ منهم دليلٌ على أنه لا يُمضَى عهدٌ لمِثْلِهِ أصلًا، ولو جَرى فهو باطلٌ، وأمَّا مَن يَجري لمِثْلِهِ العهدُ، فلو

стр. 1482

أُعطِيَ أمانًا ولو بإشارةٍ، حَرُمَ على المُسلِمينَ قتلُهُ، ففرقٌ بينَ كافرٍ محارِبٍ يُدافِعْ عن كفرِه، يصحُّ لمِثْلِهِ العهدُ، وبينَ كافرٍ محارِبٍ طاعنٍ في الدِّين، لا يَصِحُّ لمِثْلِهِ عهدٌ. صُوَرُ المجاهَرَةِ بالطَّعْنِ في الدِّينِ: قولُه تعالى: ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾: المراد بذلك: المجاهَرةُ بالطعنِ في الدِّينِ؛ كتمزيقِ المصاحف، أو سَبِّ اللهِ ونبيِّهِ ﷺ في الميادينِ العامَّة، أو إشهارِ ذلك والدَّعْوةِ إليه في وسائلَ إعلاميَّةٍ عامَّةٍ، وليس في كتبٍ ورسائلَ ونوادٍ خاصَّةٍ لا تَضُرُّ المُسلِمينَ بتأليبٍ على قتالٍ، ولا استعداءٍ على انتهاكِ حُرُماتِ المُسلِمينَ. ومِثْلُ ذلك: الاستهزاءُ علانيَةً بالشَّعَائرِ؛ كالأذانِ والصَّلاةِ والحجِّ وتعدُّدِ الزَّوْجاتِ والحُدُودِ والعقوبات، وأحكامِ اللهِ على النِّساءِ؛ مِن الحِجَابِ والعَفَاف، وأحكامِهِ على الرِّجَال؛ مِن إعفاءِ اللِّحَى وتشميرِ الإزارِ والجهادِ وغيرِ ذلك. * * * قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥]. أرادَ اللهُ بذِكْرِ العذابِ في الآيةِ: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ عندَ المواجَهةِ بالقتالِ؛ مِن القتلِ والتشريدِ والخوفِ والرُّعْبِ وهَجْرِ الولَدِ والأهلِ والأرض، وليس المرادُ بذلك تعذيبَهم عندَ القُدْرةِ عليهم بالأَسْرِ؛ وذلك أنَّ تعذيبَ الأسيرِ محرَّمٌ.

стр. 1483

الرَّحْمةُ بالأَسْرَى وعدَمُ تعذيبِهِمْ: والأصلُ: أنه لا يجوزُ تعذيبُ الأسيرِ ولو كان قبلَ أَسْرِهِ عدوًّا مُثخِنًا مُصِيبًا في المُسلِمينَ؛ لأنَّ جوازَ ضَرْبِهِ كيفَما اتَّفَقَ عندَ اللِّقاءِ, وفي ساحةِ القتالِ - شيءٌ وحُكْمَ التعامُلِ معه بعدَ أَسْرِه - شيءٌ آخَرُ؛ على ما تقدَّمَ ذِكرُهُ عندَ قولِه تعالى: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢]. وقرَنَ اللهُ الإحسانَ إلى الأسيرِ بإطعامِ المِسْكِينِ واليتيم مِن المُسلِمينَ؛ كما قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٨ - ٩]، وقد قال أبو عُبَيْدٍ: "أَثْنَى اللهُ على مَن أحسَنَ إلى أَسِيرِ المُشْرِكينَ" (١)؛ لأنَّ اللهَ يَجعَلُ في النفوسِ أجرًا ولو كانتْ كافرةً، وقد كان النبيُّ ﷺ يأمُرُ بإطعامِ الأَسْرَى وكِسْوَتِهم؛ ففي السِّيَرِ: أنَّ ثُمَامَةَ بنَ أُثَالٍ الحَنَفِيَّ قد أُسِرَ، فأَمَرَ النبيُّ ﷺ بالإحسانِ إليه، ثم رجَعَ ﷺ إلى أهلِه، فقال: (اجْمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَكُمْ مِنْ طَعَامٍ، فَابْعَثُوا إلَيْهِ)، وأمَرَ بلِقْحَتِهِ أنْ يُغدَى عليه بها ويُراحَ (٢). وقد كَسَا عمَّه العبَّاسَ بقميصٍ لمَّا وجَدَهُ عاريًا؛ كما في "الصَّحيحِ"؛ مِن حديثِ جابرٍ (٣)، وبوَّبَ البخاريُّ عليه بابًا سمَّاه: "باب الكِسْوَةِ للأُسَارَى"، وقد كسَا النبيُّ ﷺ ابنةَ حاتمٍ الطائيِّ وأطلَقَها (٤). ولم يثبُتْ أنَّ النبيَّ ﷺ أو أحدًا مِن خلفائِهِ وأصحابِهِ عَذَّبَ أسيرًا لفِعْلٍ فعَلَهُ قبلَ أَسْرِه، معَ كثرةِ الأَسْرى وتمرُّدِ قومِهم وشدَّةِ كُفْرِهم

стр. 1484

وعنادِهم، ويُروى عنه ﷺ قولُهُ: (اسْتَوْصُوا بِالأُسَارَى خَيْرًا) (١)؛ ولذا قال مالكٌ لمَّا سُئِلَ عن تعذيبِ الأسيرِ؟ قال: ما سَمِعْتُ بذلك (٢). وإنَّما الثابتُ عن بعضِ الصحابةِ مَسُّ قِلَّةِ منهم؛ لاستظهارِ شيءٍ عظيمٍ يُبطِنونَهُ؛ كما يأتي بيانُ ذلك بشروطِه. وقد كان النبيُّ ﷺ يحذِّرُ مِن تعذيبِهم، وقد صحَّ في مسلمٍ؛ مِن حديثِ عُرْوةَ بنِ الزُّبَيْرِ؛ قال: مَرَّ هِشَامُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَلَى أُنَاسٍ مِنَ الْأَنْبَاطِ بِالشَّام، قَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْس، فَقَالَ: مَا شأْنُهُمْ؟ قَالُوا: حُبِسُوا فِي الْجِزْيَة، فَقَالَ هِشَامٌ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا) (٣). ورأى الرسولُ أُسَارى بني قُرَيْظةَ في حَرِّ الشَّمْسِ؛ فقال: (أَحْسِنُوا إِسَارَهُمْ، وَقَيِّلُوهُمْ، وَأَسْقُوهُمْ حَتَّى يُبْرِدُوا؛ لَا تَجْمَعُوا عَلَيْهِمْ حَرَّ الشَّمْسِ وَحَرَّ السِّلَاحِ) (٤). ولمَّا فتَحَ رسولُ اللهِ ﷺ القَمُوصَ حِصْنَ ابنِ أبي الحُقَيْق، نمَّ مَرَّ بلالٌ بصَفِيَّةَ بنتِ حُيَيٍّ ومعَها ابنةُ عمٍّ لها، على قَتْلَى يهودَ، قال النبيُّ لبلالٍ: (أَنُزِعَتِ الرَّحْمَةُ مِنْ قَلْبِكَ حِينَ تَمُرُّ بالمَرْأَتَيْنِ عَلَى قَتْلَاهُمَا؟ ! )؛ رواهُ ابنُ إسحاقَ عن والدِه إسحاقَ بنِ يَسَارٍ (٥). حُكْمُ تعذيبِ الأسيرِ لإظهارِ أمرٍ: وإذا كان لدى الأسيرِ أمرٌ يُخْفيهِ يَنتَفِعُ منه المسلِمونَ، فهل لهم تعذيبُهُ؟ :

стр. 1485

قد اختُلِفَ في ذلك، والأظهَرُ جوازُ تعذيِبهِ بشروطٍ ثلاثةٍ: الشرطُ الأوَّلُ: أنْ يَغلِبَ على الظنَّ وجودُ أمرٍ لَدَيْه، ولا يكونَ ذلك مِن الشكِّ المجرَّدِ والظنِّ القليل، وهذا يُعرَفُ بحسَبِ حالِ الأسيرِ؛ فالجنودُ يَختلِفونَ عن القادةِ الكِبَار، وعَوَامُّهم يَختلِفونَ عن أُمَناءِ أَسْرارِهم، ولا يجوزُ تعذيبُ الواحدِ منهم بالظنِّ والتوهُّمِ المجرَّدِ لاستظهارِ ما يُخْفيهِ؛ فذلك محرَّمٌ. الشرطُ الثاني: أن يكونَ ما يُخْفِيهِ ينفَعُ المُسلِمينَ لو أظهَرَهُ، وليس ممَّا يُحفيهِ ونَفْعُهُ قليلٌ لا يتعلَّقُ بنُصْرةِ المؤمِنينَ، ولا يَحفَظُ دِماءَهم، ولا يَصُونُ أعراضَهم. ولا يخلو أسيرٌ مِن سِرٍّ يُخْفِيه، ولم يعذِّبِ النبيُّ ﷺ ولا أصحابُهُ مِن بَعْدِهِ أسيرًا على كلِّ ما يُخْفيهِ؛ لأنَّه ما كلُّ سرٍّ يُعذَّبُ عليه، ويُستَباحُ بمِثْلِهِ المحرَّمُ، فليس كلُّ مَن جازَ قتلُه جازَ تعذيبُه، فاللهُ أجازَ أَكْلَ لحم بهيمةِ الأنعامِ والطُّيورِ وغيرِها بقَتْلِها، وحرَّمَ تعذيبَها وشَدَّدَ في ذلك، فحِلُّ القتلِ لا يَعني حِلَّ التعذيب، وقد منَعَ مالكٌ مِن قتلِ الأسيرِ في وسطِهِ بسهمٍ أو رُمْحٍ؛ وإنَّما يكونُ بضربِ الرِّقَابِ؛ أعجَلَ له وأحسَنَ في قِتْلَتِه؛ ولهذا قبل لمالكٍ: أيُضرَبُ وَسَطُهُ؟ فقال: "قال اللهُ: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، لا خيرَ في العبَثِ" (١)؛ فسمَّاهُ عبَثًا. الشرطُ الثالثُ: ألَّا يَطُولَ التعذيبُ عن حَدِّهِ الذي يُناسِبُ حالَ الأسيرِ وما يُخْفيه، ولا يجوزُ ربطُ انقطاعِهِ بيانِ ما يَغلِبُ على الظنِّ أنه يُخْفيه، فقد يَدفَعُ التعذيبُ الأسيرَ إلى الإقرارِ بما لم يَفعَل، ويقولُ على نَفْسِهِ الكذبَ لِيَرتفِعَ عنه العذابُ، فيَأثَمُ مَن عذَّبَهُ مِن جهتَيْنِ: مِن جهةِ تعذيبِه، ومِن جهةِ حَمْلِهِ على أن يَقولَ غيرَ الحقّ، فيُؤخَذَ به.

стр. 1486

وقد روى مسلمٌ في "صحيحِه"، عن أنسٍ؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ شَاوَرَ حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ. فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: إِيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِه، لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لَأَخَضْنَاهَا، وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَدَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَفَعَلْنَا، قَالَ: فَنَدَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بَدْرًا، وَوَرَدَتْ عَلَيْهِمْ رَوَايَا قُرَيْشٍ، وَفِيهِمْ غُلَامٌ أَسْوَدُ لِبَنِي الْحَجَّاج، فَأَخَذُوهُ، فَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَسْأَلُونَهُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِه، فَيَقُولُ: مَا لِي عِلْمٌ بِأَبِي سُفْيَانَ، وَلَكِنْ هَذَا أَبُو جَهْلٍ، وَعُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فَإذَا قَالَ ذَلِكَ ضَرَبُوهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، أَنَاَ أُخْبِرُكُمْ، هَذَا أَبُو سُفْيَانَ، فَإِذَا تَرَكُوهُ فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: مَا لِي بِأَبِي سُفْيَانَ عِلْمٌ، وَلَكِنْ هَذَا أَبُو جَهْلٍ، وَعُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فِي النَّاس، فَإِذَا قَالَ هَذَا أَيْضًا ضَرَبُوهُ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ انْصَرَفَ، قَالَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، لَتَضْرِبُوهُ إِذَا صَدَقَكُمْ، وَتَتْرُكُوهُ إِذَا كَذَبَكُمْ) (١). وقد رواهُ ابنُ إسحاقَ، عن يَزِيدَ بنِ رُومانَ، عن عُرْوةَ (٢). وهذا ظاهرٌ في أنَّ النبيَّ ﷺ إنَّما أنكَرَ عليهم طُولَ الضَّرْبَ طويلًا؛ كأنَّهم يُريدونَ منه الإقرارَ ولو بالكَذِبِ؛ فإنَّ الأسيرَ إذا ظَنَّ أنْ لا سلامةَ إلَّا بكَذِبِهِ كَذَبَ، وبظاهرِهِ يُؤخَذُ جوازُ الضَّرْبِ بالشروطِ السابقةِ. وقد بوَّب أبو داودَ على حديثِ أنَسٍ لمَّا أخرَجَهُ (٣): (بابٌ في الأسيرِ يُنالُ منه ويُضرَبُ ويُقرَّرُ)، ومنه أخَذَ الجوازَ جماعةٌ؛ كالخطَّابيِّ (٤)، والنوويِّ (٥)، وغيرِهما.

стр. 1487

وقد رَوى البيهقيُّ؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ، في قصَّةِ فتحِ خَيْبَرَ: "فَصَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يُجْلَوْا مِنْهَا، وَلَهُمْ مَا حَمَلَتْ رِكَابُهُمْ، وَلرَسُولِ اللهِ ﷺ الصَّفْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ، وَيَخْرُجُونَ مِنْهَا، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَكْتُمُوا وَلَا يُغَيِّبُوا شَيْئًا، فَإِنْ فَعَلُوا، فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ وَلَا عَهْدَ، فَغَيَّبُوا مَسْكًا فِيهِ مَالٌ وَحُلِيٌّ لِحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ كَانَ احْتَمَلَهُ مَعَهُ إِلَى خَيْبَرَ حِينَ أُجْلِيَتِ النَّضِيرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَمِّ حُيَيٍّ: (مَا فَعَلَ مَسْكُ حُيَيٍّ الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنَ النَّضِيرِ؟ )، فَقَالَ: أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ وَالْحُرُوبُ، فقال: "الْعَهْدُ قَرِيبٌ، وَالمَالُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ"، فَدَفَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الزُّبَيْر، فَمَسَّهُ بِعَذَابٍ، وَقَدْ كَانَ حُيَيٌّ قَبْلَ ذَلِكَ دَخَلَ خَرِبَةً، فَقَالَ: (قَدْ رَأَيْتُ حُيَيًّا يَطُوفُ فِي خَرِبَةٍ هَاهُنَا)، فَذَهَبُوا وَطَافُوا، فَوَجَدُوا المَسْكَ فِي الْخَرِبَةِ" (١). وأصلُهُ عندَ أبي داودَ (٢)، وليس فيه: "مَسَّهُ بعذابٍ"، وعزَاهُ بعضُهم إلى البخاريّ، وليس كذلك؛ وإنَّما الذي فيه طَرَفُهُ. وفي هذا الحديثِ أنه وقعَتِ القرينةُ، وغلبَ الظنُّ على الكتمان، والمالُ كثيرٌ لا قليلٌ؛ تَقْوى به شوكةُ المُسلِمينَ، وسَلْبُهُ يَكسِرُ شَوْكةَ عدوِّهم، وقد ذكَرَ بعضُ أهلِ السِّيَرِ كالواقديِّ أنَّ كَنْزَ آلِ أبي الحُقَيْقِ عظيمٌ، فقد كان الحُلِيُّ في أوَّلِ الأمرِ في مَسْكِ حَمَلٍ، فلمَّا كَثُرَ جعَلُوهُ في مَسْكِ ثَوْرٍ، ثم في مَسْكِ جمَلٍ، وكان ذلك الحُلِيُّ يكونُ عندَ الأكابرِ مِن آلِ أبي الحُقَيْق، وكانوا يُعِيرونَهُ العرَبَ (٣). ولمَّا انتَفَتْ قرينةُ نَفادِهِ وإهلاكِه، غلَبَ على الظنِّ كِتمانُهُمْ له، فمَسَّهم الزُّبَيْرُ بشيءٍ مِن العذابِ.

стр. 1488

مِن مَقَاصِدِ الجهادِ: علو المؤمِنِينَ، وإذهابُ غَيْظِ قلوبِهم: قولُه تعالى: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾. في هذه الآيةِ: دليلٌ على اعتبارِ انتصارِ المؤمنينَ لأنفُسِهم وتَشَفِّيهم مِن عَدُوِّهم، وأنَّ ما في قلوبِهم مِن غيظٍ، وما في نفوسِهم مِن ألمٍ: لهم أن يَنتَصِروا له، لكنَّه يكونُ تابعًا لا أصلًا في ابتداءِ قتالٍ؛ لأنَّ القتالَ لمجرَّدِ التَّشفِّي للنفسِ وإذهابِ الغيظِ مِن القلبِ قتالٌ لغيرِ الله، وهو مِن الحَمِيَّةِ الجاهليَّة، ويَستَثنى مِن ذلك انتقامُ وليِّ الدَّمِ مِن القاتل، في تفصيلٍ محلُّه كتبُ القِصَاصِ. والمرادُ بالآيةِ: أنَّ اللهَ جعَلَ مرَضَ النفوسِ مِن عدوِّ اللهِ وعدوِّها، وغَيْظَ القلوبِ عليه - بابًا جائزًا لاستعمالِ قُوَّةٍ أشَدَّ، وإنزالِ بأسٍ أعظَمَ فيهم، وجوازِ دعوةِ الإمامِ الجندَ والجيشَ للانتصارِ للهِ ودينِه، ثُمَّ لذلك؛ وذلك أنَّ نفوسَ المؤمنينَ لله، فهي تابِعةٌ في حميَّتِها لدِينِه، ولكنَّها لا تَستقِلُّ عنه، وهو يستقلُّ عنها عندَ مُخالفةِ النفوس له، فما كلُّ ما تُريدُهُ النَّفْسُ: حقًّا؛ فقد تَهْوَى الباطِلَ وهي مؤمِنةٌ. وأصل القتالِ لإعلاءِ كلمةِ اللهِ,، ولكن مَن أدرَكَتْهُ الحميَّةُ مِن عدوِّ اللهِ وعدوِّهِ حينَما يَجرَحُهُ أو يَقتُلُ ولَدَهُ أو والِدَه، فيَشتَدُّ عزمُهُ لقتالِ العدوِّ والإثخانِ فبه، فذلك ليس بمذمومٍ؛ لأنَّه ليس إنشاءً للقتال، بل تقويةً له، فقد جعَلَ اللهُ أصلَ إنشاءِ القتالِ له في قولِه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وفي الحديثِ: (مَن قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ (١).

стр. 1489

ويدلُّ ذلك على أنَّ المُسلِمينَ إنِ اختَلَفوا في مسألةٍ تَحتَمِلُ قولَيْنِ مُتساويَيْنِ في الشرعِ: أنَّ لهم أن يُرجِّحوا ما تَشْفَى به نفوسُهم، ويَذهَبُ به غيظُ قلوبِهم؛ كاختلافِهم في تعيينِ المصلحةِ مِن قتلِ الأَسْرَى وفي قلوبِ المُسلِمينَ على عدوِّهم غيظٌ؛ فلهم ترجيحُ قتلِهم على فِدَائِهم؛ تحقيقًا لِمَصْلَحةٍ اعتبَرها اللهُ، وهي ذَهَابُ الغيظِ وشِفاءُ النفْسِ. ولو لم يكُنْ ذلك معتبَرًا في الشريعة، لم يذكُرْهُ اللهُ في الآيةِ ممتنًّا به على المؤمنينَ، ولكنَّه يكونُ في موضِعِهِ تابعًا لا متبوعًا، واللهُ أعلَمُ. * * * قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة: ١٧]. لمَّا منَعَ اللهُ المشرِكينَ مِن دخولِ المسجدِ الحرام، لم يَصِحَّ منهم عِمارتُهُ سواءٌ بعبادةٍ أو بتشييدٍ؛ لأنَّهم ليسوا مِن أهلِه؛ فقد منَعَهُمُ اللهُ مِن دخولِ الحرَم، فضلًا عن العبادةِ فيه بحجٍّ وعُمْرةٍ واعتكافٍ وسِقَايةِ حاجِّ. وقد فُسِّرَتِ العِمَارةُ للمسجدِ الحرامِ بمعَنَيَيْنِ: المعنى الأوَّلُ: عِمارتُهُ بالعبادةِ؛ مِن صلاةٍ وطوافٍ واعتكافٍ وصَدَقةٍ وغيرِ ذلك. المعنى الثاني: عمارتُهُ بتشيدِهِ بالبناءِ والفَرْشِ والتنظيفِ والتطييبِ وغيرِ ذلك؛ وهذه عبادةٌ. ولكنَّ المعنى الأولَ أخَصُّ مِن جهةِ كونِهِ عبادةً محضَةً؛ فإنَّ العمارةَ بالصَّلاةِ والطوافِ لا تُسمَّى عبادةً إلَّا إنْ كانتْ مِن موحِّدٍ، وأمَّا تشييدُهُ وبناؤُه، فقد يصِحُّ أن يقومَ به كافرٌ ويُسمَّى مسجِدًا، كما لو

стр. 1490

استُؤجِرَ على ذلك، ولكنَّ اللهَ لمَّا منَعَ مِن دخولِ المشرِكينَ للمسجدِ الحرام، لم يصِحَّ منهم عِمَارتُهُ بالمعنَيَيْنِ جميعًا. عِمَارةُ الكافرِ للمساجِدِ بِنَفْسِهِ أو بمالِه: الأصلُ: أنَّ المساجدَ لا يعمُرُها بالبناءِ والعبادةِ إلَّا المؤمنونَ؛ لظاهرِ الآيةِ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]، وهذا ما جَرَى عليه النبيُّ ﷺ وخلفاؤُهُ مِن بعدِه، فلمَّا قَدِمَ النبيُّ المدينةَ، لم يَشْرَكْهُ في بناءِ مسجدِهِ مُشرِكٌ ولا يهوديٌّ، مع كونِهم في المدينةِ كثيرًا أوَّلَ الهجرةِ. وإذا وجَدَ المُسلِمونَ قُدْرةً بدنيَّةً ومالًا لبناءِ مَساجدِهم، كُرِهَ لهم الاستعانةُ بيَدِ كافرٍ ومالِهِ في بنائِها؛ حتَّى لا يكونَ للكافرِ عليهم وعلى مَساجدِهم يدٌ ومِنَّةٌ, ولا تكونَ لهم يدٌ عُليا على الإسلامِ. وإذا عجَزَ المُسلِمونَ عن القيامِ بمَسْجِدِهم بأنفُسهم وبمالِهم، فلهم الاستعانةُ بكافرٍ أو بمالِه على بِنَائِه؛ وهذا يكونُ كثيرًا في البُلْدانِ التي يَحْكُمُها نَصَارى أو مُشْرِكونَ، ويكونُ المُسلِمونَ فيها قِلَّةً، فتقومُ تلك الدُّوَلُ بإعطاءِ مِنَحٍ وأراضٍ تُقامُ عليها المساجِدُ؛ أُسوةً بمَعَابِدِ أهلِ الأديان، فإن عَجَزوا عنِ القيامِ بذلك بأنفُسِهم، جاز لهم قَبُولُ ذلك، وقد فتَحَ النبيُّ ﷺ مكَّةَ وقد كانتِ الكعبةُ قد هُدِمَتْ مرَّاتٍ في الجاهليَّةِ وبَناها المشرِكونَ، فلم يَنقُضْ ما فعَلُوهُ ولم يَذكُرْهُ بكَرَاهةٍ؛ لأنَّه كان في زمَنٍ لا سُلْطانَ فيه للإسلام، ولا تقومُ بيوتُ اللهِ إلَّا بذلك. وقد نصَّ على جوازِ عِمَارةِ المساجدِ بمالِ الكافرِ جماعةٌ؛ كابنِ مُفلِحٍ مِن الحنابلةِ (١)، وقد قَبِلَ النبيُّ ﷺ هَدَايَا مِن الكفار، وقَبُولُها دليلٌ

стр. 1491

على حِلِّها وحِلِّ التصرُّفِ بها، فما جازَ للنبيِّ ﷺ أنْ يَطعَمَهُ ويُدخِلَهُ في جَوْفِهِ لحِلِّه، جازَتْ عِمَارة المساجدِ به مِن بابِ أَولى؛ وذلك أنَّ مِثْلَ هذه العطيَّةِ والهديَّةِ لا سُلْطانَ للكافرِ بها على المؤمنينَ؛ بل هي مِن تأليفِ قلبِهِ ودفعِ شرِّه، وكفايةٌ للمؤمنينَ. * * * قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ١٩]. ذكَر اللهُ ضلالَ قريشٍ وجَهْلَهم، باختلالِ أولويَّاتِهم، فأَغْراهُم الشيطانُ بأعمالٍ صالحةٍ يَفعَلونَها لِتَستُرَ على نفوسِهم شِرْكَهم وكُفْرَهم بالله، فاغتَرُّوا بسِقايةِ الحاجِّ وبناءِ الكعبةِ وتَشْييدِها؛ وهذا القَدْرُ مِن التلبيسِ يَلحَقُ كثيرًا مِن الناسِ؛ إذْ يقَعُ في حَبَائِلِ الشِّرْك، ويقومُ بعملٍ صالحٍ؛ مِن صِلَةِ رحمٍ، وإطعامٍ وسقايةٍ، وكفالةِ يتيمٍ وأَرْمَلَةٍ، فيَظُنُّ أنه على خيرٍ وحقٍّ، وكلُّ أعمالِه تلك لا يَقبَلُها اللهُ ولا يُثيبُهُ عليها في الآخِرةِ؛ كما تقدَّمَ بيانُ ذلك مِرارًا؛ منها عندَ قولِ اللهِ تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١١٧]. خطَرُ الجَهْلِ بمَرَاتِبِ الأعمالِ: واختلالُ مراتبِ العملِ الصالحِ عندَ الكافرِ والمسلمِ يَغُرُّهُ وَيستدرِجُهُ في الغيِّ والباطلِ: أمَّا الكافِرُ: فيَغترُّ بكُفْرِهِ ويُسلِّيهِ ما يَعمَلُهُ مِن عملٍ صالحٍ في الظاهر، ولا يَجِدُ منه في الآخرةِ شيئًا.

стр. 1492

وأمَّا المسلمُ: فإمَّا أن يقَعَ في مفضولاتٍ تَشغَلُهُ عن فاضلاتٍ، وهذا أخَفُّ، وإمَّا أن يقَعَ في مستحَبَّاتٍ تَعُرُّهُ فيَترُكَ الواجبات، وقد يترُكُ مكروهاتٍ؛ يَظُنُّهُ أنه ورَعٌ، وهو واقعٌ في محرَّماتٍ، ويعظُمُ استدراجُ المسلمِ في ذلك بمقدارِ نصيبه مِن الجهلِ بتفاضُلِ الأعمال، وغَفْلَتِهِ عن عواقبِ الأفعال، وأخطَرُ ذلك عالِمٌ يَشغَلُ الناسَ بمفضولاتٍ، والناسُ في سَكْرَةِ المُوبِقاتِ والمُهلِكاتِ؛ كالشِّرْكيَّاتِ والبِدَعِ والمعاصي؛ ولهذا كان أكملُ العلمِ هو العِلْمَ بمراتبِ الأعمالِ فيما بينَها وتفاضُلِها؛ سواءٌ كانت خيرًا أو شرًّا، وأمَّا تمييزُ الخيرِ مِن الشرّ، فهو سهلٌ على كلِّ عاقلٍ. ومِن هذا البابِ دخَلَ الضَّلَالُ على كفَّارِ قريشٍ؛ فظَنُّوا أنَّهم أتَوْا بأعمالٍ عظيمةٍ سبَقُوا الناسَ بها، وغرَّهُمُ الشَّيْطانُ أنَّهم اختَصُّوا بها، وغَفَلوا عن الكفرِ والشِّرْكِ الذي وقَعُوا فيه، وهو يُبِطِلُ كلَّ أعمالِهم تلك؛ كما رَوَى الطبريُّ، عن عليٍّ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال في قولِه: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: "قال العبَّاسُ بن عبد المطَّلبِ حِينَ أُسِرَ يومَ بدرٍ: لَئِنْ كنتُم سبَقتُمونا بالإسلام والهجرةِ والجهاد، لقد كُنَّا نَعْمُرُ المسجدَ الحرامَ، ونَسْقِي الحاجَّ، ونفُكُّ العانيَ! قال اللَّهُ: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾، إلى قولِه: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ يعني: أنَّ ذلك كان في الشِّرْك، ولا أَقْبَلُ ما كان في الشِّرْكِ" (١). ومِن هذا البابِ أيضًا وقَعَ اللَّبْسُ على العامَّةِ في تمييزِ الظالِمِينَ والمنافِقِينَ مِن الصَّادِقينَ؛ فيَرَوْنَ آحادَ أعمالِ البِرِّ للمنافِقِينَ والظَّالِمِينَ مِن صدقةٍ وسُقْيَا وعمارةِ المساجدِ, ويَغفُلونَ عمَّا هم عليه مِن محادَّةٍ للهِ؛ مِن كُفْرٍ وشِرْكٍ وسَرِقةٍ وظُلْمٍ وبَغْيٍ، والعالِمُ العارِفُ يُدرِكُ مقامَ الضَّلالاتِ

стр. 1493

في مُقابِلِ الهدايات، والمعاصي في مُقابِلِ الطاعات، وقَدْرَ كلِّ واحدةٍ على ضدِّها، وقد روى مسلمٌ، عن مُصعَبِ بنِ سعدٍ؛ قال: دَخَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى ابْنِ عَامِرٍ يَعُودهُ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَقَالَ: أَلَا تَدْعُو اللهَ لِي يَا بْنَ عُمَرَ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ)، وَكُنْتَ عَلَى الْبَصْرَةِ (١). * * * قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨]. نَجَاسةُ الكافرِ مَعْنَوِيَّةٌ: في هذا: بيانٌ لنجاسةِ المشرِكينَ، ولكنَّها نجاسةُ دِينٍ وعقيدةٍ، لا نجاسةُ جسمٍ وبدنٍ، عندَ عامَّةِ السَّلَف، خِلافًا للحسَنِ؛ فقد قال: "لا تُصافِحُوهم، فمَن صافَحَهُمْ فلْيتَوضَّأُ"، رواهُ عنه أشعثُ بن سَوَّارٍ، عندَ الطَّبريِّ (٢). وكان قتادةُ يَجعَلُها متعلِّقةً بالجَنابةِ (٣)، وأنَّهم لا يَغتسِلونَ، ولكنَّ هذا لا يَرتفِعُ لو أنَّ كافرًا اغتسَلَ؛ لأنَّ الأمرَ عُلِّقَ بشِرْكِهِ لا بجَنابتِه، بخلافِ المسلم؛ فهو ممنوعٌ مِن دخولِ المسجِدِ لجَنَابتِهِ؛ كما في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]، وأمَّا المشرِكُ، فعُلِّقَ بشِرْكِهِ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾، والجَنَابةُ لا تَنْقُلُ الحُكْمَ في الَبَدَنِ مِن طاهرٍ إلى نَجَسٍ.

стр. 1494

غُسْلُ الكافرِ عندَ إسلامِهِ: ولا إشكالَ في استحبابِ اغتسالِ الكافرِ عندَ إسلامِه، وقد اغتَسَلَ ثُمَامةُ بن أُثالٍ عندَ إسلامِه، ولا يثبُتُ دليلٌ صريحٌ في أمرِ الكافرِ عندَ إسلامِه بالغُسْل، وأمَّا ما جاءَ مِن حديثِ أبي هُرَيْرةَ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ مرَّ بثُمَامةَ بنِ أُثَالٍ فبعَثَ به إلى حائِط أبي طَلْحةَ، فأمَرَهُ أن يَغتسِلَ، فاغتسَلَ، وصلَّى ركعتَيْن، فقال النبيُّ ﷺ : (لَقَدْ حَسُنَ إِسْلَامُ أَخِيكُمْ) - فلا يصحُّ الأمرُ فيه؛ فقد أخرَجَهُ عبدُ الرَّزَّاقِ؛ مِن حديثِ عُبَيْدِ اللهِ وعبدِ اللهِ ابنَيْ عُمرَ، عن سعيدٍ المَقبُريّ، عن أبي هريرةَ؛ به (١). ورواه عبدُ الرحمنِ بن مَهْديٍّ (٢)، وسُرَيْجٌ (٣)، عن عبد اللهِ بنِ عمرَ العُمَرِيِّ؛ به، بنَحْوِه، وليس فيه الأمرُ بالاغتِسالِ؛ وهو الصَّوابُ. وليس في شيءٍ مِن طرُقِ الحديثِ عَن المَقْبُريِّ؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَر ثُمامةَ بالاغتسال، وإنَّما هو فَعَلَهُ مِن قِبَلِ نفسِه؛ هكذا رواهُ الثِّقاتُ مِن أصحابِ سعيدٍ المَقْبُريِّ؛ كاللَّيْثِ بنِ سعدٍ عن المَقْبُريّ، به؛ رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ، عن اللَّيْث، به (٤)، ورواهُ مسلمٌ، عن عبد الحميدِ بنِ جعفرٍ، عن المَقبُريّ، به (٥). وأمَّا ما جاء عن قيسِ بنِ عاصمٍ؛ أنه أسلَمَ فأمَرَهُ النبيُّ ﷺ أنْ يَغتِسِلَ بماءٍ وسِدْرٍ، فقد أخرَجَهُ أحمدُ وأهلُ السنن؛ مِن حديثِ سُفْيانَ،

стр. 1495

عن الأغَرِّ بنِ الصَّبَّاح، عن خليفةَ بنِ حُصينٍ، عن جَدِّه قيسِ بنِ عاصمٍ، به (١). واختُلِفَ فيه على سُفْيانَ؛ فرَواهُ عنه هكذا ابنُ مَهْدِيّ، ويحيى بن سعيدٍ القطَّانُ، ووكيعُ بن الجرَّاح، وأبو عاصمٍ، وعبدُ الرزَّاق، ومحمدُ بن كثيرٍ العَبْديُّ، وأبو عامرٍ. وله وجهٌ آخَرُ عن وكيعِ بنِ الجرَّاح، رواهُ أحمدُ في "مُسندِه"؛ فقال: حدَّثَنا وكيعٌ، حدَّثنا سُفْيانُ، عن الأغَرِّ المِنقَريّ، عن خليفةَ بنِ حُصَيْنِ بنِ قيسِ بنِ عاصمٍ، عن أبيه، عن جَدِّه (٢). ورواهُ قَبِيصةُ بنُ عُقْبةَ، عن سُفْيانَ؛ مِثْلَهُ، أخرَجَهُ البيهقيُّ (٣). وأبوه لا يُعرَفُ، وخليفةُ لم يَسمَعْ مِن جدِّه، وروايتُه عنه أصَحُّ. والحديثُ في كِلا الطَّريقَيْنِ ضعيفٌ. وجاء في البابِ أحاديثُ فيها الأمرُ بالاغتسالِ؛ مِن حديثِ منصورِ ينِ عمَّارٍ، عن معروفٍ أبي الخطَّاب، عن واثِلةَ بنِ الأَسْقَعِ؛ قال: لمَّا أسلَمْتُ، أتيتُ النَّبيَّ ﷺ ، فقال لي: (اغْتَسِلْ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاحْلِقْ عَنْكَ شَعَرَ الْكُفْرِ)؛ أخرَجَهُ الطبرانيُّ (٤)، ومنصورُ بن عمَّارٍ لا يُحتَجُّ به معَ صَلاحِه، وتفرَّدَ بالروايةِ عنه ابنُه سُلَيْمٌ، وهو ليِّنُ الحديث، وحديثُهُ هذا منكَرٌ. وعند الطبرانيِّ أيضًا؛ مِن حديثِ قتادةَ بنِ الفضل، عن أبيه، حدَّثَني

стр. 1496

هشامُ بن قتادةَ، عن أبيه؛ بمعنى حديثِ وَاثِلةَ (١)؛ وهو مُسلسَلٌ بالمَجَاهِيلِ. ولكنَّه لا يثبُتُ دليلٌ صريحٌ في أمرِ الكافرِ بذلك، وقد ذهَبَ مالكٌ وأحمدُ: إلى إيجابِ اغتسالِه، واستَحَبَّهُ الشافعيُّ ولم يُوجِبْهُ، وروى ابنُ وهبٍ عن مالكٍ: أنه لا يَعرِفُ الغُسْلَ. ومَن تأمَّلَ الصحابةَ وحالَهم، وجَدَ أنه لم يُولَدْ في الإسلامِ ويَبلُغْ قبلَ وفاةِ النبيِّ ﷺ إلَّا نفَرٌ قليلٌ، ومَن كان على جاهليَّةٍ ودخَلَ الإسلامَ، لو كان الاغتسالُ واجبًا، لكان عليهم جميعًا، أو على عامَّتِهم، وَينبَغي مِثْلُ هذا أنْ بَثبُتَ به النصُّ ويَشَتَهِرَ، والوفودُ الذين جاؤوا لِيُسْلِمُوا ويَذْهَبُوا لم يُؤمَروا بشيءٍ مِن ذلك، ولو أُمِرُوا، فهو أبْقى في أذهانِهم وأَولى بالذِّكْرِ؛ لأنَّ الذِّهْنَ يَحفَظُ اْوَّلَ ما يُؤمَرُ به الإنسانُ عندَ تَحوُّلِه. ولا أعلَمُ فيه شيئًا يَصِحُّ عن أحدٍ مِن الخلفاءِ الراشِدينَ وفقهاءِ الصحابةِ؛ أنه أمَرَ داخِلَ الإسلامِ أن يَغتسِلَ. قولُه تعالى ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾: حُكْمُ دخولِ الكافِرِ للمساجِدِ: ويتَّفِقُ العلماءُ على حُرْمةِ الإقامةِ للكافرِ في المسجدِ الحرامِ؛ فلا يَتَّخِذُهُ سُكْنَى ومُقَامًا كسائرِ الأرضِ؛ لظاهرِ الآية، وإنَّما خِلافُهم في مرورِ الكافرِ وعُبُورِه، وأكثرُ السَّلَفِ والفقهاءِ على المنع، وقد جوَّز أبو حنيفةَ دخولَ الذِّمِّيِّ. وللمسجِدِ الحرامِ تعظيمٌ وخصيصةٌ ليسَتْ لغيرِهِ مِن المساجدِ في الأرضِ؛ وذلك لأنَّ فيه مَناسِكَ وعبادةً لا تصِحُّ في غيرِه، ولأنَّه معظَّمٌ عندَ كثيرٍ مِن أهلِ الكتابِ والمشرِكينَ بخلافِ مسجدِ المدينة، ولهم فيه

стр. 1497

مطمَعٌ ورغبةٌ في إظهارِ العبادة، فمُنِعُوا مِن ذلك وشدِّدَ عليهم، فجاءتِ الَايهُ بالنصِّ عليه بالتحريم، ولأنَّه قِبْلةُ المُسلِمينَ، والحَدَثُ فيه ليس كغَيْرِه، فوجَبَ صِيانتُهُ وتعظيمُه. واختُلِفَ في تعميمِ النَّهْيِ على سائرِ مساجدِ الأرض، وبالتعميم قال عمرُ بن عبد العزيرِ ومالكٌ فقد روى ابنُ جَريرٍ، عن أبي عمروٍ؛ أنَّ عمرَ بنَ عبد العزيزِ كتَب: أنِ امنَعُوا اليهودَ والنَّصَارى مِن دخولِ مساجدِ المُسلِمينَ، وأتْبَعَ في نهيِهِ قولَ اللَّهِ: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (١). ولم يَقُلْ بالتعميمِ الشافعيُّ وجماعةٌ؛ فقد آجازَ الدخولَ بإذنِ المُسلِمينَ. والأصلُ: أنَّ عامَّةَ المساجدِ لا يَدْخُلُها إلَّا مسلِمٌ، ما لم تَكُنْ حاجةٌ، وذلك لأمورٍ عدَّةٍ: منها: أنَّ المساجدَ بيوتُ الله، وبيوتُهُ لا يَعْمُرُها مَن لا يَعْبُدُه، وحتَّى لا يَختلِطَ الإسلامُ بغيرِهِ مِن الكفرِ والشِّرْك، كان الأصلُ مَنْعَ المشرِكِ مِن دخولِ المساجدِ؛ بخلافِ الحاجةِ العارضةِ؛ وذلك أنَّ عِمارتَها مِن غيرِ أهلِها يُخالِفُ المقصودَ مِن بِنائِها. ومنها: أن الإذنَ بدخولِ المشرِكينَ للمساجد، وجَعْلَ ذلك أصلًا كدخولِ المُسلِمينَ: يُذهِبُ فضلَ المساجدِ الذي اختَصَّتْ به عن بقاعِ الأرضِ؛ كما في مسلمٍ؛ مِن حديثِ أبي هُرَيرةَ؛ قال ﷺ : (أحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ أسوَاقُهَا) (٢)؛ فلا فَرْقَ بينَ المسجدِ والسُّوق، وإنَّما اختَصَّتِ المساجدُ بالفضلِ؛ لاختصاصِ المُسلِمينَ بها، ولاختصاصِها مِن جهةِ الأصلِ بالعبادةِ؛ وذلك أنَّ دخولَ الكافِرينَ إليها يَجعَلُهُمْ يَفعَلونَ ما يَشاؤونَ مِن اللَّغوِ والحديث، ولا

стр. 1498

يُفرِّقونَ بينَ حلالٍ وحرامٍ؛ ولا بينَ إيمانٍ ولا كفرٍ، فيَفعَلونَ ما يَفعَلونَه في سوقِهم. ومنها: أنَّ اللهَ جعَل لِزُوَّارِ بيتِه فضلًا ومَنْزِلةً، ويُروى أنَّهم زوَّارُهُ وضُيُوفُهُ وأهلُه، وأنَّها بيوتُ المتَّقينَ، وإذا اعتادَ المشرِكُ، قَصْدَ المسجد، الْتَبَسَ هذا الفضلُ واختلَطَ بمَن لا يَستحِقُّه، وقد صحَّ عندَ عبد الرزَّاق، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ الأَوْدِيُّ؛ قال: أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِنَّ المَسَاجِدَ بُيُوتُ اللهِ فِي الأَرْض، وَإِنَّهُ لَحَقٌّ عَلَى اللهِ أَنْ يُكْرِمَ مَنْ زَارَهُ فِيهَا) (١). ومَن اعتادَ دخولَ المسجدِ يُشهَدُ له بالإيمانِ؛ وهذا ظاهرُ قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ١٨] ,ويُروى فيه مِن حديثِ أبي سعيدٍ الخدريُّ؛ قال ﷺ : (إِذَا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ المَسْجِدَ، فَاشْهَدُوا لَهُ بِالإِيمَانِ)، ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]؛ أخرَجَه التِّرْمِذيُّ وغيرُه (٢). ومنها: أنَّ المساجدَ مختصَّةٌ بحِصْنِها مِن الشَّيْطان، وشهودُ الملائكةِ فيها ليس كغيرِها؛ وذلك لفضل المكانِ وفضلِ عُمَّارِه، وقد قال عبدُ الرحمنِ بن مَعْقِلٍ: "كُنَّا نَتَحَدَّثُ أنَّ المَسْجِدَ حِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ"؛ رواهُ ابن أبي شَيْبةَ (٣). وقد جعَلَها النبيُّ ﷺ ملجَأَ المؤمنينَ مِن الشيطانِ؛ كما رُوِيَ عندَ أحمدَ؛ من حديثِ مُعاذِ بنِ جبل؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: (إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الإِنْسَانِ كَذِئْبِ الْغَنَمِ؛ يَأْخُدُ الشَّاةَ الْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ؛ فَإِيَّاكمْ وَالشِّعَابَ،

стр. 1499

وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَالْعَامَّةِ وَالمَسْجِدِ) (١). دخولُ الكافرِ المسجِدَ على سبيلِ الاعتراضِ: وأمَّا دخولُ الكافرِ على سبيلِ الاعتراضِ والحاجةِ؛ كأنْ يُحبَسَ في موضعٍ لا ينجِّسُ المسجدَ، أو يُدخَلَ لِدَعْوتِهِ إلى الإسلام، أو لِيَعمَلَ صَنْعةً في المسجدِ لا يُحسِنُها إلَّا هو، فلا حرَجَ في ذلك، وقد أدخَلَ النبيُّ بعضَ المشرِكينَ إلى مسجدِهِ جماعةً ومُتفرّقينَ؛ كما أدخَلَ ثُمَامةَ بنَ أُثَالٍ، ووَفْدَ ثَقيفٍ ونَجْرانَ، ورُوِيَ عن الحسَنِ؛ أنَّ وفدَ ثَقيفٍ قَدِموا على رسولِ اللهِ ﷺ ، فضرَبَ لهم قُبَّةً في المسجد، فقالوا: يا رسولَ الله، قومٌ مُشرِكونَ؟ ! فقال: (إِن الْأَرْضَ لَيْسَ عَلَيْهَا مِنْ أَنْجَاسِ النَّاسِ شَيْءٌ؛ إِنَّمَا أَنْجَاسُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ)؛ رواهُ ابنُ شَبَّةَ في "تاريخِ المدينةِ" (٢). حدودُ الحَرَمِ وتضعيفُ العبادةِ فيه: وكلُّ ما كان يَحْرُمُ فيه الصَّيدُ، وعَضدُ الشَّجَر، فهو حَرَمٌ، والكعبةُ وما حولَها أعظَمُ وأشَدُّ؛ لكَوْنِها أقرَبَ إلى الموضعِ الذي حُرِّمَ لأَجْلِهِ حَرَمُ مَكَّةَ؛ فإنَّما كان الحَرَمُ حَرَمًا لأَجْلِ الكَعْبة، ولو لم تكُنْ كعبةٌ، لم يكُنْ في مكَّةَ حَرَمٌ، ولأنَّ ما حولَ الكعبةِ موضعٌ لعباداتٍ لا تُوجَدُ في سائرِ مساجدِ مَكَّةَ؛ كالطَّوافِ وتقبيلِ الحجَرِ واستلامِ الرُّكْنَيْن، ويختَصُّ بالتطهيرِ أعظَمَ مِن غيرِه. وقد عَدَّ أكثرُ العلماءِ أنَّ المسجِدَ الحرامَ هو الحَرَمُ كلُّه؛ وذلك أنَّ اللهَ يُطلِقُ المسجِدَ الحرامَ، ويُريدُ به مَواضِعَ غيرَ الكعبةِ؛ كما أُسرِيَ يالنبيُّ ﷺ مِن بيتِ أمِّ هانئٍ عندَ أكثرِ المفسِّرينَ، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾

стр. 1500

[الإسراء: ١]؛ لأنَّ بيتَها في حَرَمِ مَكَّةَ، ولكنْ في "صحيحِ البخاريَّ"؛ أنه أُسرِيَ به ﷺ مِن الحِجْر، قال: (بَيْنَمَا أَنَا فِي الحَطِيمِ - وَرُبَّمَا قَالَ: فِي الحِجْرِ - مُضْطَجِعًا، إِذْ أَتَانِي آتٍ) (١)، وكذلك ففد قال اللهُ عن فحلِ كفارِ قريشٍ بالنبيِّ ﷺ وأصحابِهِ: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقريشٌ قصَدَتْ إخراحَهُمْ مِن مَكَّةَ، ولم يَقصِدُوا إخراجَهُ مِن مسجدِ الكعبةِ فحَسْبُ، ولو أرادُوا البقاءَ في حَرَمِ مَكَّةَ، لم يأذَنوا لهم ولَقَتَلوهم. والصلاةُ في حَرَمِ مَكَّةَ كلُه أفضَلُ مِن غيرِهِ بلا خلافٍ، ولكنَّ الخلافَ إنَّما هو في دخولِ جميعِ ما في الحرَمِ مِن المساجدِ والدُّورِ في التضعيف، وقد كان النبيُّ ﷺ وأصحابُهُ يَحرِصونَ على الصلاةِ في الحرَم، ففي صُلْحِ الحُدَيْبِيةِ ضرَبَ قُبَّتَهُ في الحِلِّ وكان يُصلِّي في الحرَمِ؛ كما رواهُ أحمدُ في "مسندِهِ"، عن محمَّدِ بنِ إسحاقَ، عنِ الزُّهْريِّ, عن عُرْوةَ، عن المِسوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ ومَرْوَانَ بنِ الحكَمِ؛ قال في حديثٍ طويلٍ: "كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصَلي فِي الْحَرَم، وَهُوَ مُضْطَرِبٌ فِي الْحِلِّ" (٢). وسنَدُه صحيحٌ؛ سَمِعه ابنُ إسحاقَ مِن الزُّهْريّ، ومعنى اضطِرابِهِ في الحِلِّ: أنَّ خِيَامَهُ مُقامةٌ فيه؛ وهذا ظاهرُ فعلِ عبد اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاص، ولا مُخالِفَ له مِن الصحابة، وقولُ عطاءٍ، ولا مُخالِفَ له منِ التابِعينَ؛ فقد روى أحمدُ في "مُسنَدِهِ"؛ مِن حديثِ عمرِو بنِ دينار، عن عطاءٍ، عن رجلٍ مِن هُذَيلٍ؛ قال: "رَأيْتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرِو بنِ العاصِ وَمَنْرِلُهُ فِي الْحِلِّ، وَمَسْجِدُهُ فِي الْحَرَمِ" (٣). وفيه جهالةٌ؛ لكنَّه صحيحٌ مِن وجوهٍ، أُخرى، وهذا المكانُ موضعٌ

стр. 1501

مشهورٌ لعبدِ اللهِ بنِ عمروٍ؛ فقد رواهُ أبو نُعَيْمِ في "الحِلْيةِ"، عن عبد اللهِ بنِ بَابَاهْ؛ قال: "جِئْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْروٍ بِعَرَفَةَ، وَرَأَيْتُهُ قَدْ ضَرَبَ فُسْطَاطًا فِي الْحَرَم، فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ: تَكُونُ صَلَاتِي فِي الْحَرَم، فَإِذَا خَرَجْتُ إِلَى أَهْلِي، كُنْتُ فِي الْحِلُّ" (١). ورواهُ عبد الكريمِ الجَزَرِيُّ (٢) ومنصورٌ (٣)، عن مجاهِدٍ، عن عبد اللهِ بنِ عمرِوٍ؛ وهو صحيحٌ. ورواهُ عه أيضًا عطاءٌ (٤)، وغيرُه. وقد روى الطبريُّ، عن ابنِ جُرَيْجٍ؛ قال: قال عطاءٌ: "الحرَمُ كلُّه قِبْلةٌ ومسجدٌ؛ قال: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾، لم يَعْنِ المسجدَ وحدَهُ، إنَّما عَنَى مَكَّةَ والحرَمَ؛ قال ذلك غيرَ مرَّةٍ" (٥). وروى الأَزْرَقيُّ، عن عبد الجبَّارِ بنِ الوَرْدِ المَكَّيِّ؛ قال: سمِعتُ عطاءَ بنَ أبي رَبَاحٍ يقولُ: "المسجدُ الحَرَامُ الحَرَمُ كلُّه" (٦). وقد حكى المُحِبُّ الطبريُّ في "القِرَى" الاتِّفاقَ على أنَّ حُكْمَ الحَرَمِ ومكَّةَ في ذلك سواءٌ: (٧)، وقد ذكَرَ في "الفروعِ" (٨): أنَّ ظاهرَ كلامِ أصحابِ أحمدَ أنه المسجدُ خاصَّةً، مع فضلِ الحرَمِ على الحِلّ، ورجَّحَهُ في "الآدابِ الشَّرعيَّةِ" (٩). والأظهَرُ: عمومُ ذلك في الحرَمِ كلِّه، وأمَّا قولُهُ ﷺ : (صَلَاةٌ فِيهِ

стр. 1502

أَفْضَلُ مِنْ ألْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ المَسَاجِد، إِلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ (١)؛ فالمرادُ بـ (مسجدَ الكَعْبَةِ) التعريفُ به، لا حَصْرُهُ بالكعبةِ وما أحاط بها؛ وذلك كقولِهِ تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وليس المرادُ بذلك أنَّ الهديَ يُذبَحُ عندَ الكَعْبةِ؛ وإنَّما في الحَرَمِ؛ وذلك أيضًا في قولِهِ تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، وأكبرُ مَحِلُّ للمَنحَرِ مِنًى، وهي مِن الحَرَمِ. ويدلُّ على أنَّ اللهَ إذا ذكَرَ المسجدَ الحرامَ أرادَ الحرَمَ كلَّه: أنه قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: ٧]؛ فقال: ﴿عَندَ﴾ وذلك لأنَّه كان لي صُلْحِ الحُدَيْبِيَة، وقد كان بينَ الحِلِّ والحَرَمِ. وفد جعَلَ ابنُ عبَّاسٍ مَكَّةَ الحرَمَ كلَّه، وصحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ ومجاهِدٍ وعطاءٍ: أنَّ مَقامَ إبراهيمَ الذي يُتَّخَذُ مُصلَّى في: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، هو الحرَمُ كلُّه (٢). قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]. في الآيةِ: قتالُ أهلِ الكتاب، وأخذُ الجِزْيةِ منهم عندَ عَدَمِ قَبُولِهم الإسلامَ، وإذا أَعطَوْها فيُمْسَكُ عنهم، وقد نرَلَتْ في غزوةِ تبوكَ؛ كما قاله غيرُ واحدٍ مِن السَّلَفِ (٣).

стр. 1503

تأخُّرُ نزولِ الجِزْيةِ: ولم يأمُرِ اللهُ نبيَّه بأخذِ الجِزْيةِ إلَّا متأخِّرًا؛ وذلك بعدَ شدَّةِ التمكُّنِ وظهورِ القُوَّةِ والغَلَبة، وذلك شبيهٌ بأمرِ الأَسْرى، فقد كان اللَّوْمُ في أوَّلِ الأمرِ على فِدَائِهم؛ حتَّى لا يَركَنَ الناسُ إلى الدُّنيا والدَّعَةِ والتلذُّذِ بالعَبِيدِ والإماء والمالِ؛ فلِلدُّنيا طَعْمٌ إنْ بدَأَ بأخذِهِ السالِكونَ ولم يَذُوقُوا أَمْرَ الشِّدَّة، فقد يُصيبُهم الرُّكونُ والوَهْنُ وحبُّ الدُّنيا؛ وهذا مِن أسبابِ تأخيرِ أحذِ الجزبةِ على المؤمِنِينَ، مع أنَّ اللهَ أحَلَّ لهم قبلَ ذلك الغنائمَ والخَرَاجَ، لكن المالَ معَ شِدَّةٍ ليس كالمالِ معَ الراحة، وكثرةُ المالِ ليسَتْ كقِلَّتِه. ومِن ذلك: أنَّ النبيَّ ﷺ كان مُنشغِلًا باستئصالِ المشرِكينَ بمَكَّةَ، وهم أشَدُّ كفرًا مِن أهلِ الكتاب، وإنزالُ أهلِ الكتابِ على الجِزْيةِ ومنعُ المشرِكِينَ مِن ذلك: يُورِثُهم عِنَادًا فوقَ عِنَادِهم، فيَظُنُّونَ أنه يُرِيدُ بهم استصغارًا واحتقارًا لِمِلَّتِهم، فهم يَزعُمونَ أنَّهم على دِينِ إبراهيمَ وليسوا عليه، فلمَّا ارتفَعَ عامَّةُ الشِّرْكِ مِن جزيرةِ العربِ أو أكثرِها نزَلَتْ آيةُ الجِزْيةِ. وهذه الأيةُ مخصِّصةٌ لعمومِ الآياتِ الآمِرةِ بالقتال، بإطلاقٍ، وقد تقدَّمَ الكلامُ على بعض أحكامِ الجِزْيةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣]، وأحكامِ أخدِ العُشورِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الأعراف: ٨٦]. وإذا بذَلَ أهلُ الكتاب الجِزْيةَ، لَزِمَ الإمساكُ عن قتالِهم، وليس أخذُ الجزيةِ والقتالُ محلَّ تخييرِ عندَ قتالِ المُسلِمينَ لهم؛ ففي "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ بُرَيْدةَ؛ قال ﷺ : (إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكِينَ،

стр. 1504

فَادْعُهُمْ إلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ)، ثم قال: (فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أجَابُوكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا، فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ) (١)، فأمَرَ بالإمساكِ بعدَ بَذْلِ الجِزْيةِ. وأمَّا وضعُ عيسى للجزية، وعَدَمُ قَبُولِهِ لها مِن أهلِ الكتابِ؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ قال ﷺ : (وَيَضَعَ الجِزْيَةَ) (٢)؛ يعني لا يَقْبَلُها -: فذلك مخصوصٌ به، وينتهي التخييرُ، مع أنَّ عيسى يقضي بدِينِ محمَّدٍ ﷺ ؛ لأنَّه بنزولِ عيسى يَنقطِعُ إيمانُهُمْ به؛ لأنَّه يَدْعوهم إلى الإسلامِ والإيمانِ بمحمَّدٍ ﷺ ، وبعدَ ظهورِ عيسى وأمرِهِ فإنَّ مَن لم يُجِبْهُ ليس مؤمِنًا لا بمحمَّدٍ ﷺ ولا بعيسى ﵇، فتَعلُّقُهُمْ أنَّهم مُؤمِنونَ بكتابٍ قديمٍ يَقطِعُ بخروجِ نبيِّ بني إسرائيلَ فيهم. خَصُوصيَّةُ أهلِ الكتابِ بالجِزْيةِ: ولا خلافَ عندَ العلماءِ في أخذِ الجزيةِ مِن أهلِ الكتابِ؛ لظاهرِ الآية، وإنَّما الخلافُ عندَهم في غيرِ الكتابيِّينَ مِن الوثنيِّينَ والمَلَاحِدة، على أقوالٍ: الأوَّلُ: ذهَبَ الشافعيُّ، وأحمدُ في روايةٍ عنه: إلى أنَّها خاصَّةٌ بأهلِ الكتاب، وهي سُنَّةٌ فيهم لا تتَجاوَزُهم إلى غيرِهم إلَّا بدليلِ؛ وذلك لقولِهِ ﷺ في المجوسِ: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةً أَهْلِ الْكتَابِ" (٣)، فدَل ذلك على تخصيصِهم, والأصلُ: عدمُ دخولِ المَجُوسِ حتَّى ألحَقَهُمْ بهم. واختَلَفَ هؤلاءِ في العِلَّةِ التي التي أُلحِقَ لِأجْلِها المجوسُ بأهلِ

стр. 1505

الكتاب، وتبعًا لذلك اختَلَفُوا في بقيَّةِ المنسوبينَ إلى كتابٍ؛ كالسَّامِرةِ وأَتْباعِ صُحُفِ إبراهيمَ والزَّبُورِ وغيرِهم. الثاني: ذهَب أبو حنيفةَ وابنُ وهبٍ: إلى أنه يدخُلُ مع أهلِ الكتابِ جميعُ كفَّارِ العجَمِ على اختلافِ عَقائدِهم، ولو كانوا وثَنيِّينَ أو زَنادِقةً ومَلاحِدةً، وأمَّا مُشرِكو العرَب، فلا يُقبَلُ منهم إلَّا الإسلامُ أو السَّيْفُ. الثالثُ؟ ذهَبَ الأوزاعيُّ ومالكٌ وأحمدُ: إلى أنَّ الجزيةَ تُقبَلُ مِن كلِّ كافرٍ؛ عربيٍّ أوأعجميًّ، كتابيُّ أو وثنيُّ، وقد أخَذُوا بعمومِ حديثِ بُرَيْدةَ السابقِ؛ فلم يُخصِّصْ أصحابَ مِلَّةٍ عن الأُخرى، وإنَّما جَعَلَ الأمرَ على كلِّ مَن يَلْقاهُ مِن عدوِّه. وهذا الأظهَرُ، وتأخُّرُ نزولِ الآيةِ كان لاستئصالِ المشرِكِينَ إاخراجِهم مِن جزيرةِ العرَب، فمِثْلُهم لا يُقَرُّ فيها بحالٍ إلَّا للضَّرورة، وإقرارُ الكتاببِّينَ أخَفُّ مِن إقرارِهم. المَجُوسُ والصابئةُ: والحديثُ الواردُ في مُشابَهةِ المجوسِ لليهودِ والنَّصَارى إنَّما هي في الجِزْيةِ خاصَّة، ولا تَحِلُّ ذَبائحُهم ولا نكاحُ نسائِهم، وما كانتِ العربُ تَعْرِفُهُمْ بأنَّهم أهلُ كتابٍ؛ وذلك أنَّ اللهَ قال عن كفَّارِ قريشِ ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٥، ١٥٦] يَعْنُونَ: اليهودَ والنَّصَارى؛ كما صَحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ وقتادةَ (١)؛ أي: يُخافُ أنْ تقولَ قريشٌ ذلك، فيَرَوْنَ أنَّ كُتُبَ اليهودِ والنصارى ليسَتْ على لُغَتِهم، ولا هم مِن قَوْمِهم، فقطَعَ اللهُ بإنزالِهِ القرآنَ بلسانٍ عربيٍّ

стр. 1506

حُجَّتَهم، فقُرَيْشٌ كانوا يَنتَقِدُونَ أهلَ الكتابِ بعدَمِ عَمَلِهِمْ بالكتاب، وأنَّ قريشًا لو نزَلَ عليهم كتابٌ بلِسَانِهم، لآمَنُوا به، ولو بَيَّنَ لهم أخطاءَهم، لَترَكُوها وكانوا خيرًا منهم بالاتِّباعِ؛ وذلك في قولِهِ: ﴿أَو تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٧]، فذكَرَ اللهُ للطائفتَيْنِ دليلًا على أنه ليس حولَ العربِ أهلُ كتاب غيرهم، مع أن المجوسَ مَعرُوفُونَ، ولم يكونوا عندَهم أهلَ كتابٍ، فلو كانوا كذلك، لكانَتِ الطوائفُ ثلاثًا. وكذلك: فإنَّ اللهَ تعالى لمَّا ذكَرَ الذين يَنْجُونَ يومَ القيامةِ مِن أهلِ المِلَلِ الذين ماتوا على استقامةِ دِينِهم، لم يذكُرِ المجوسَ مع أهلِ الكتاب، فقال في سورةِ البقرةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [البقرة: ٦٢]، ومِثلُها في سورةِ المائدة، إلَّا أنه قدَّمَ الصابِئِينَ على النصارى؟ ﴿وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ [المائدة: ٦٩]، ثم قال: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: ٦٩]، ، وذكَر أنَّ هؤلاء قد يصدُرُ منهم عملٌ صالحٌ قبلَ العِلْمِ بالإسلام، وليس المجوسُ منهم، ولكن اللهَ لمَّا ذكَرَ الفصلَ يومَ القيامةِ بينَ الأُممِ ولم يذكُرِ النَّجَاةَ وعدَمَ الخوف، ذكَرَ المجوسَ معهم؛ كما في الحَجّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾ [الحج: ١٧]. وفي أحسَنِ أحوالِ المجوسِ: فهذا يدُلُّ على أن الصابِئِينَ أحسَنُ منهم، وأقرَتُ للكتابِ المنزَّلِ مِن المجوس، والصابئةُ اليومَ موجودونَ في العِرَاقِ وَيعتقِدونَ بنُبُوَّةِ آدمَ وشِيثَ وسامِ بنِ نوح وإبراهِيمَ ويحيى، والنَّصَارَى يُسَمُّونَهم يُوحَنَّاسِيَّةً؛ (نسبةً إلى يوحنَّا، وهو يحيى)، وهم

стр. 1507

طوائفُ وفِرَقٌ، وبعضُهُمْ بدَّل فأشرَكَ، وبعضهُمْ لم يُبدِّلْ وبَقِيَ على توحيدِه، وقد قال وهبُ بن مُنبِّهٍ - وهو مِن أهلِ العِلمِ بالمِلَلِ السابقةِ وأخبارِهم - لمَّا سُئِلَ عن الصابئةِ: "الذي يَعرِفُ اللهَ وحدَهُ، وليسَتْ له شريعةٌ يَعمَلُ بها، ولم يُحْدِث كُفْرًا" (١). وذكَرَ غيرُ واحدٍ مِن السلفِ: أنَّهم أهلُ كتابٍ، كالسُّديِّ (٢)، وبه قال إسحاقُ وابنُ المُنذِرِ (٣)، وكثيرٌ مِنهم يَعتقِدونَ بإلهٍ واحدٍ، لا آلةٍ، وذكَرَ ابنُ زيدٍ أنَّهم يقولونَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ (٤). وكلُّ فِرْقةٍ منهم لها حُكْمُها؛ فمَن لم يُبدِّلْ، أُلحِقَ بأهلِ الكتاب، ومَن بدَّل، ألحِقَ بالوثَنيِّينَ المشرِكينَ. ومَن تأمَّلَ المنقولَ عن كتبِ الصابئةِ؛ ك (الكنزاربا) و (أدراشا أديهيا)، ونَظَرَ في عقائدِ المجوسِ وأقوالِهم، وجَدَ أنَّ الصابئِينَ أقرَبُ منهم، ولكنَّهم ليسوا في جزيرةِ العربِ حتى يُعرَفَ أمرُهُمْ وَيشتهِرَ ذِكرُهُمْ عندَ قريشٍ وأمثالِها، وهم اليومَ عددٌ قليل في العراقِ وبعضِ الشام، وإلحاقُ هذا النوعِ مِن الصابئين بأحكامِ الجزيةِ عندَ مَن يقولُ بحَصْرِها في أهلِ الكتابِ أولى مِن المَجُوس، فضلًا عن المَلَاحِدةِ والمُشرِكينَ. وسببُ خلافِ العلماءِ في عمومِ الجِزْيةِ وخصوصِها في الكفَّارِ هو تأخُّرُ نُزولِها، وذِكْرُ اللهِ لأهلِ الكتابِ في الآيةِ في قولِه ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، وقد نزَلَتِ الآيةُ بعدَ ذَهَابِ شَوْكةِ المشرِكينَ في جزيرةِ العرَبِ وأطرافِها، وأهلُ الكتابِ حينَها أهلُ شَوكةٍ وقُوَّةٍ، فجاءَ النصُّ عليهم، واللهُ أعلَمُ، قوله تعالى. ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ الصَّغَارُ هو

стр. 1508

الذِّلَّةُ، فلا يُعطُونَ المالَ بمِنَّةٍ كالهديَّةِ والهِبَة، فتكونَ لهم اليدُ العُليا، فهذا ليس مِن مقاصدِ الجِزْيةِ؛ وإنَّما تكونُ الجِزْيةُ معَ قوةٍ، وظهورِ أمرٍ، وقدرةٍ على قتالٍ. وقد أحَذَ عمرُ الجِزْيةَ مِن بعضِ نصارى العرَبِ؛ كَتَغْلِبَ، لمَّا كَرِهُوا مُشابهتَهُمْ بالعَجَم، فقالوا: نحن عربٌ ولا نُؤدِّي ما تُؤدِّيهِ العجَمُ, ولكن خُذْ منَّا باسْمِ الصَّدَقةِ كما تأخُذُ مِن العرَب، كما رَوَى أبو عُبَيْدٍ، عن هُشَيْم، حدَّثَنا مُغِيرةُ، عن السَّفَّاح بن المثنَّى الشيبانيُّ، عن زُرْعَةَ بنِ النعْمانِ - أو: النُّعْمانِ بنِ زرْعَةَ -: "أَنَّه سألَ عمرَ بنَ الخطَّابِ وكلَّمَهُ في نَصارى بني تَغلِب، وكان عمرُ قد هَمَّ أن يَأخُذَ مِنهم الجِزْيةَ، فتَفرَّقوا في البلاد، فقال النُّعمانُ بن زُرْعةَ لعُمرَ: يا أميرَ المؤمنِينَ، إنَّ بني تَغلِبِ قومٌ عربٌ يَأنَفُونَ مِن الجِزْية، وليسَتْ لهم أموالٌ؛ إنَّما هم أصحابُ حُرُوثٍ ومَوَاشٍ، ولهم نِكَايةٌ في العدوّ، فلا تُعِنْ عَدُوَّكَ عليك بهم، قال: فصالَحَهُمْ عمرُ ﵁ على أن تضعَّفَ عليهم الصَّدَقةُ، واشترَطَ عليهم ألَّا يُنَصِّرُوا أولادَهم" رواهُ أبو عُبيدٍ (١). ولهذا ضاعَفَ عليهم عمرُ الجِزْيةَ؛ كما روى الحَكَمُ بن عُتَيْبةَ؛ قال: "سمعتُ إبراهيمَ النَّخَعيَّ يُحدِّثُ عن زيادِ بنِ حُدَيرٍ - وكان زيادٌ يومَئذٍ حيًّا - أنَّ عمرَ ﵁ بعثَهُ مُصَدِّقًا، فأمَرَهُ أنْ يأخُذَ مِن نصارى بَني تَغلِبَ العُشْرَ، ومِن نصارى العربِ نِصْفَ العُشْرِ" رواهُ عبدُ الرزّاقِ (٢). وإنَّما ترَكَ عمرُ أَخْذَها باسْم الجِزيةِ؛ حتَّى لا تَعظُمَ الفتنةُ بهم؛ بلَحَاقِهم بعدوِّه، وانتفاعًا بمالِهم وقُوَّتِهِمْ عندَ الحاجةِ إليهم، وفي هذا أنَّ تحقُّقَ المعاني أعظَمُ مِن تحقُّقِ المصطَلَحات، وقد أخَذَ النبيّ ﷺ مِن

стр. 1509

اليهودِ خَرَاجَ أرْضِهم وصالَحَهُمْ على ذلك، ولم يَكُنْ ذلك جِزْيةً، وللمُسلِمينَ أنْ يَفعَلوا ذلك مِن بَعْدِه، فأمرُ الصَّغَارِ في الجِزيَةِ مَنُوطٌ بالقُدْرةِ على الصحيح؛ كما أنَّ أصلَ القتالِ مَنوطٌ بها كذلك؛ فالجِزْيةُ مِن بابِ أَولى، والصغارُ أولى مِن ذلك كلَّه. مِقْدارُ الجِزْية، وممَّن تُؤخَذُ، والحِكْمةُ مِن أخْذِها: وتؤخَذُ الجِزْيةُ مِن البالِغينَ مِن الرِّجالِ دونَ النساء، ولا تُؤخَذُ ممَّن لا يُقاتِلُ؛ كالصَّبِيِّ والمرأةِ والمجنونِ والشيخِ الفاني، وقد حكى الاتِّفاقَ على هذا غيرُ واحدٍ؛ كابنِ المُنذِرِ وابنِ قُدَامةَ (١)، وقد كان عمرُ يَنهى عن أخذِها منهم، وفي وصيَّةِ أبي بكرٍ ليَزِيدَ بنِ أبي سُفْيانَ: "إِنَّكَ سَتَجِدُ قَوْمًا زَعَمُوا أنَّهُمْ حَبَسُوا أنْفُسَهُمْ لِله، فَذَرْهُمْ وَمَا زَعَمُوا أنَّهُمْ حَبَسُوا أَنفُسَهُمْ لَهُ" رواه البيهقيُّ (٢). ولا تقديرَ في القِيمَةِ المأخوذةِ على الأصحِّ؛ لأنَّ النبي ﷺ وأصحابَهُ اختَلَفَ أخذُهم، فلم يَكُنْ ذلك مقدَّرًا كنِصَابِ الزَّكاةِ مَشَى عليه جميعُهم؛ فدَلَّ على أنَّ ذلك بحَسَبِ المصلحةِ والقُدْرةِ. وأمَّا بعثُ رسولِ اللهِ ﷺ مُعَاذًا إلى اليمَنِ وأمرُهُ أنْ يأخُذَ الجِزْيةَ؛ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِر (٣) -: فذلك كان منه في قضيَّةِ عَيْن، فقد أخَذ بعدَ ذلك ولم يقدِّرْ مِثلَ ذلك حينَما أخَذَ مِن أهلِ البَحْرَيْنِ ونَجْرانَ؛ فقد صالَحَ أهلَ نَجْرانَ على أَلْفَيْ حُلَّةٍ؛ النِّصْفُ في صفَر، والباقي في رجبٍ (٤).

стр. 1510

وأخَذَ أصحابُهُ كعُمَرَ خلافَ تقديرِهِ في أهلِ اليمنِ؛ فقد جعَلَ الجِزْيةَ على ثلاثِ أحوال: على الغنيِّ ثمانيةً وأربعينَ دِرْهَمًا، وعلى المتوسِّطِ أربعةً وعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وعلى الفقيرِ اثنَيْ عشَرَ دِرْهَمًا (١)، وقد أخَذ على تَغلِبَ ضِعفَيْ ما على المُسلِمينَ (٢). وهكذا فَهِمَ غيرُ واحدٍ مِن فقهاءِ السَّلَفِ؛ أنَّ الأمرَ على اليَسَارِ والمُصالَحةِ بحسَبِ اختلافِ البُلْدانِ؛ ففي البخاريّ، عن ابنِ عُيَيْنةَ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ؛ قال: قلتُ لمجاهِدِ: ما شأنُ أهلِ الشَّامِ عليهم أربعةُ دنانيرَ، وأهلُ اليمنِ عليهم دينارٌ؟ قال: جُعِلَ ذلك مِن قِبَلِ اليَسَارِ (٣). وذهَبَ إلى أنَّ قيمةَ الجِزْيةِ غيرُ مقدَّرةٍ كالزَّكَاة، وأنَّهم بحسَبِ ما يتَصالَحُونَ عليه معَ عدوِّهم - جماعةٌ مِن الأئمةِ؛ كعطاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ وأبي عُبَيْدٍ، وهو آخِرُ أقوالِ أحمدَ؛ كما حكاهُ الخَلَّالُ، ورجَّحَهُ ابنُ تيميَّةَ وغيرُهُ. الحِكْمةُ مِن الجِزْيةِ: وللجِزْيةِ حِكَمٌ متعددةٌ في تشريعِها وأَخْذِها مِن الكفَّارِ: منها: إغناءُ اللهِ للمؤمِنِينَ مِن فَضْلِه؛ ليَقْوَوْا بأنفُسِهم على عدوِّهم. ومنها: الصَّغارُ على الكافرينَ، ومنها: إبقاءُ الكفارِ ليُخالِطوا المُسلِمينَ ويرَوْهم؛ فبَدَلًا مِن قَتْلهم يُترَكونَ ليُشاهِدوا المُسلِمينَ، ويَألَفوا الإسلامَ، ولو قُتِلوا لاستحَقُّوا النارَ. ومنها: علوُّ يدِ المؤمنينَ في الأرضِ.
следующие страницы →