رجَعَ، إلا إذا غزَا مَن له وِلَايةُ الإقامةِ بنفسِه؛ كالخليفةِ وأميرِ المِصْرِ؛ يُقيمُ الحَدَّ على مرتكبِيهِ؛ لأنَّه تحتَ يدِه، بخلافِ أميرِ العسكرِ والسَّرِيَّةِ؛ لأنَّه لم تفوَّضْ إليهما الإقامةُ، ولا تُقامُ الحدودُ بعدَ الرجوعِ إلى بلادِ الإسلامِ؛ لأنَّه عندَما ارتَكَبَ الحدَّ في دارِ الحربِ، لم يكن للإمامِ عليه قدرةٌ، فلم تنعقِدْ موجبةً، فلا تنقلِبُ موجِبةً بعدَ الخروجِ مِن دارِ الحربِ (١).
وأصحابُ الرأيِ يرَوْنَ أنَّ مَن يُقيمُ الحدودَ هو أميرُ المِصْرِ، وليس للمسلِمِينَ أنْ يُنِيبُوا أحدًا منهم وهم في سَفَرٍ أو حَرْبٍ، فيُقِيمَ الحدَّ على مَنْ أصابَ الحَدَّ منهم.
وظاهرُ مذهبِ الحنابلةِ، وقولُ إسحاقَ: أنَّ الحدودَ لا تُقامُ في الحربِ، لكن تُقامُ عندَ الرجوعِ (٢).
ويُستدَلُّ على عدمِ إقامةِ الحدِّ في دارِ الحربِ بما رواهُ عبدُ الرزَّاقِ - وعنه ابن المنذرِ في "الأوسطِ" - مِن حديث ابنِ عُيَيْنةَ، وأخرَجَهُ سعيدٌ وابنُ أبي شَيْبةَ، عن عيسى بنِ يونسَ؛ كلاهما عن الأعمشِ، عن النَّخَعيِّ، عن عَلْقمةَ؛ قَالَ: "أَصَابَ أَمِيرُ الجَيْشِ - وَهُوَ الوَلِيدُ بنُ عُقْبَةَ - شَرَابًا فَسَكِرَ، فَقَالَ النَّاسُ لِأَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ - أَوِ ابنِ مَسْعُودٍ - وَحُذَيْفَةَ بنِ الْيَمَانِ: أَقِيمَا عَلَيْهِ الحَدَّ، فَقَالَا: لَا نَفْعَلُ؛ نَحنُ بِإزَاءِ العَدُوِّ، وَنَكْرَهُ أَنْ يَعْلَمُوا بذَلِكَ، فَتَكُونَ جُرْأَةٌ مِنْهُمْ عَلَيْنَا وَضَعْفٌ بِنَا" (٣)؛ وهو صحيحُ الإسنادِ عن علقمةَ.
стр. 177
واحتُجَّ أيضًا: بما رواهُ أبو يوسفَ - وعنه الشافعيُّ، وعنه البيهقيُّ في "سننِه" - قال أبو يوسفَ: "حدَّثَنا بعضُ أشياخِنا، عن مكحولٍ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ؛ أنَّه قال: لا تُقامُ الحدودُ في دارِ الحربِ؛ مخافةَ أنْ يَلحَقَ أهلُها بالعدوِّ" (١).
ومكحولٌ لم يسمعْ مِن زيدِ بنِ ثابتٍ؛ قاله أحمدُ بنُ حنبلٍ (٢)، وشيخُ أبي يوسفَ لا يُعرَفُ.
وروى سعيدُ بنُ منصورٍ، عن الأحوَصِ بنِ حَكِيمٍ، عن أبيهِ؛ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ كتَبَ إلى الناسِ: "أنْ لا يَجْلِدَنَّ أميرُ جيشٍ ولا سَريَّةٍ رجلًا مِن المسلِمينَ حدًّا وهو غازٍ حتى يقطَعَ الدربَ قافلًا؛ لئلا تَلحَقَهُ حميَّةُ الشيطانِ، فيلحَقَ بالكفارِ" (٣).
والأحوصُ ضعيفُ الحفظِ (٤)، ولكنْ قد تابَعَهُ ثورٌ؛ كما رواهُ أبو يوسفَ، عن ثورِ بنِ يزيدَ، عن حَكِيمِ بنِ عُمَيْرٍ؛ أنَّ عمرَ كتَبَ إلى عُمَيْرِ بن سعدٍ الأنصاريِّ وإلى عمَّالِهِ: "أنْ لا تُقِيمُوا حدًّا على أحدٍ مِن المسلِمينَ في أرضِ الحربِ، حتى يخرُجُوا إلى أرضِ المصالَحةِ" (٥).
ورواهُ ابنُ أبي شَيْبةَ في "مصنَّفِه"، عن ابن المباركِ، عن أبي بكرِ بنِ أبي مريمَ، عن حَكِيمِ بنِ عُمَيْرٍ، به، بنحوِه (٦).
стр. 178
ورواهُ البخاريُّ في "التاريخِ"، والحسنُ بن موسى الأشيبُ في "جُزْئِه"؛ مِن طريقِ حسانَ بنِ زاهرٍ؛ أنَّ حُصَيْنَ بنَ حُدَيْرٍ أخبَرَهُ: أنَّه سَمِعَ عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: "لا تُقطَعُ اليدُ في الغزوِ ولا عامَ سَنَةٍ" (١).
وحَسَّانُ وحصينٌ فيهما جهالةٌ؛ ذكَرَهما البخاريُّ وابنُ أبي حاتمٍ، ولم يذكُرَا فيهما جرحًا ولا تعديلًا (٢).
ورواهُ عبدُ الرزَّاقِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ؛ قال: "أخبَرَني بعضُ أهلِ العلمِ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ كتَبَ. . ."، فذكَرَه بمعنى اللفظِ الأولِ (٣).
وهي طرُقٌ يؤكِّدُ بعضُها بعضًا في ثبوتِ ذلك عن عمرَ.
ورُوِيَ عن عمرَ بنِ الخطابِ خلافُهُ، ويأتي بيانُ الجمعِ بينَهما - بإذنِ اللهِ - لو صحَّ الخلافُ.
وروى سعيدُ بنُ منصورٍ، عن إسماعيلَ بنِ عَيَّاشٍ؛ وابنُ أبي شَيْبةَ، عن ابنِ المبارَكِ؛ كلاهُما عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ بنِ أبي مريمَ، عن حُمَيْدِ بنِ رُومَانَ: "أنَّ أبا الدرداءِ نَهَى أنْ يُقامَ على أحدٍ حدٌّ في أرضِ العدوِّ" (٤)؛ واللفظُ لابنِ أبي شَيْبةَ.
ورُوِيَ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، عندَ عبدِ الرزَّاقِ؛ مِن حديثِ الحسنِ، عنه (٥)، وفي إسنادِه جهالةٌ، والحسنُ لم يسمعْ مِن عليٍّ (٦).
стр. 179
واستُدِلَّ بحديثِ بُسْرِ بنِ أبي أَرْطَاةَ؛ أنَّه أُتِيَ بسارقٍ وقد سرَقَ بُخْتِيَّةً، فقال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: (لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي السَّفَرِ) (١).
وهذا الحديثُ منكَرٌ، وتفرَّدَ به الشاميُّونَ، ولا يُعرَفُ عن النبيِّ ﷺ مِن غيرِ هذا الوجهِ.
قال البيهقيُّ: "هذا إنَّما يُروى بإسنادٍ شاميِّ عن بُسْرٍ، وكان أهلُ المدينةِ يُنكِرونَ أنْ يكونَ بُسْرٌ سمِعَ من النبيِّ ﷺ " (٢).
وقال الواقديُّ: "بُسْرُ بنُ أبي أرطاةَ أدرَكَ النبيَّ ﷺ صغيرًا ولم يسمعْ منه شيئًا" (٣).
وقال بعدمِ سماعِه أيضًا أحمدُ وابنُ مَعِيِنٍ وغيرُهما (٤).
وبُسْرٌ تكلَّمَ فيه غيرُ واحدٍ مِن الحُفَّاظِ؛ قال ابنُ معينٍ: "بُسْرُ بنُ أبي أرطاةَ رجلُ سوءٍ" (٥).
قال أحمدُ: "وذلك لما قد انتشَرَ مِن سوءِ فِعْلِهِ في قتالِ أهلِ الحَرَّةِ" (٦).
والقولُ بأنَّ الحدودَ لا تُقامُ في دارِ الحربِ هو الأرجحُ والأقربُ لمقاصدِ التشريعِ، والأشهرُ في المنقولِ عن الصدرِ الأولِ، وليس المرادُ مه إسقاطَ الحدِّ ولا تبديلَهُ؛ وإنَّما تأخيرُهُ إلا إنْ طالَ الأمدُ وصَلَحَتْ
стр. 180
حالُ مَن أصابَ حدًّا واشتهَرَ صلاحُهُ؛ فلا حرَجَ مِن درءِ الحدِّ عنه.
القولُ الثاني: وجوبُ إقامةِ الحدودِ في كلِّ حالٍ؛ وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، والليثِ، وأبي ثورٍ (١).
قال الشافعيُّ: "فإنْ لَحِقَ بالمشرِكِينَ مَن أُقِيمَ عليه الحدُّ، فهو أشقَى له، ومَن ترَكَ الحدَّ خوفَ أنْ يَلْحَقَ المحدودُ ببلادِ المشركينَ، ترَكَهُ في سواحلِ المسلِمينَ ومَسَالِحِهم التي تتَّصلُ ببلادِ الحربِ" (٢).
وقال الليثُ بنُ سعدٍ: "ما رأيتُ أحدًا ولا سَمِعْتُ أنَّه يَرُدُّ حدًّا أنْ يُقِيمَهُ في أرضِ العدوِّ قديمًا ولا حديثًا إذا وجَبَ على صاحِبِه" (٣).
وقال أيضًا في الأُسَارَى: "يَجعَلُونَ عليهم رجلًا منهم يُقِيمُ الحدودَ فيهم إذا خُلِّيَ بينَهم وبينَ ذلك" (٤).
وفي نفيِ الليثِ نظرٌ، وقد عُلِمَ صِحَّتُهُ عن حُذَيْفةَ، وأبي مسعودٍ، ورُوِيَ عن عمرَ مِن طُرُقٍ متعدِّدةٍ يشُدُّ بعضُها بعضًا (٥).
وأمَّا ما رواهُ أبو داودَ في "المراسيلِ"، عن مكحولٍ، عن عبادةَ بنِ الصامتِ؛ أنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ قال: (أَقِيمُوا الحُدُودَ في السَّفَرِ وَالحَضَرِ، عَلَى القَرِيبِ وَالبَعِيدِ، وَلَا تُبَالُوا في اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ) (٦) -: فمكحولٌ لم يسمعْ مِن عُبادةَ (٧).
وروى البيهقيُّ في "سُنَنِه"، وابنُ عساكرَ في "تاريخِ دمشقَ"؛ من
стр. 181
حديثِ سَلَمةَ بنِ الفضلِ الأنصاريِّ، حدَّثَني محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عَيَّاشِ بنِ أبي رَبِيعةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عروةَ بنِ الزُّبَيْرِ، ويحيى بنِ عُرْوةَ بنِ الزُّبَيْرِ؛ كلاهما عن عروةَ بنِ الزُّبَيْرِ، عن أبي عُبَيْدةَ بنِ الجَرَّاحِ: "أنَّه كتَبَ إلى عمرَ في إقامةِ الحدِّ على عبدِ بنِ الأَزْوَرِ، وضِرَارِ بنِ الخطابِ، وأبي جَنْدَلٍ، وكانوا قد شَرِبوا، وكان ذلك بحضرةِ العدوِّ، فسألَهُ عبدُ بنُ الأَزْوَرِ أنْ يؤخِّرَ ذلك حتى يَرجِعَ الكتابُ، ولعلَّ اللهَ أنْ يُكْرِمَهُمْ بالشهادةِ، فقُتِلَ عبدُ بنُ الأزورِ حينَ التقَى الناسُ قبلَ أنْ يَرجِعَ الكتابُ، فلمَّا رجَعَ، حدَّهما" (١).
وسلمةُ بنُ الفضلِ الأَبْرَشُ الأنصاريُّ، أبو عبدِ اللهِ الأزرقُ الرازيُّ، قاضي الريِّ، متكلَّمٌ فيه، تكلَّمَ فيه أهلُ بلدِه؛ نقَلَه أبو زُرْعةَ وضعَّفَهُ ابنُ رَاهَوَيْهِ والنَّسَائيُّ، وقال البخاريُّ: عندَه مناكيرُ، وفيه نظرٌ (٢).
قال عليُّ بنُ المَدِينِيِّ: "ما خرَجْنا مِن الريِّ حتى رُمِينَا بحديثِ سَلَمةَ" (٣).
وقال أبو حاتمٍ: "محلُّهُ الصدقُ، في حديثِه إنكارٌ، يُكتَبُ حديثُهُ، ولا يُحتجُّ به" (٤).
وقال ابنُ عديٍّ: "عندَهُ غرائبُ وإفراداتُ، ولم أجِدْ في حديثِه حديثًا قد جاوَزَ الحدَّ في الإنكارِ، وأحاديثُه مُتقارِبةٌ محتَمَلةٌ" (٥).
стр. 182
وقال البيهقيُّ: "غيرُ قويٍّ" (١).
وبعضُ العلماءِ يُوثِّقونَهُ؛ فقد وثَّقَهُ يحيى بنُ معينٍ، وابنُ سعدٍ (٢).
وحديثُهُ عن ابنِ إسحاقَ أمْثَلُ حديثِهِ؛ فهو مِن أهلِ السِّيَرِ والمغازي، وراويةٌ لسِيَرِ ابنِ إسحاقَ؛ قال ابنُ معينٍ: "سمِعتُ جريرًا يقولُ: ليس مِن لَدُنْ بغدادَ إلى أنْ تبلُغَ خُرَاسانَ أثبَتُ في ابنِ إسحاقَ مِن سَلَمةَ بنِ الفضلِ" (٣).
وعبدُ الرحمنِ بنُ الحارثِ متكلَّمٌ فيه؛ ضعَّفَه ابنُ المدينيِّ، وقال أبو حاتمٍ: "شيخٌ"، وقال النَّسَائيُّ: "ليس بالقويِّ" (٤).
وقال أحمدُ: "متروكٌ"؛ كما نقَلَهُ أبو الفرجِ ابنُ الجَوْزيِّ في كتابِه "التحقيقِ" (٥).
وقوَّى حديثَهُ ووثَّقَهُ بعضُهم؛ كابنِ سعدٍ، وابنِ حبانَ، وصحَّحَ له الترمذيُّ وابنُ خُزَيْمةَ شيئًا (٦).
وأخرَجَهُ عبدُ الرزَّاقِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ؛ قال: "أُخبِرْتُ أنَّ أبا عُبَيْدةَ. . ."، فذكَرَ معناهُ (٧)؛ وهو مرسَلٌ.
وهذا الخبرُ لو صحَّ، ففي كتابةِ أبي عُبَيْدةَ بنِ الجَرَّاحِ لعمرَ دليلٌ على أنَّ تأجيلَ الحدودِ في الغزوِ محلُّ اجتهادٍ، وأبو عُبَيْدةَ فقيهٌ لا يستشيرُ في القطعيِّ مِن الدِّينِ، وفتوى عمرَ له بالحدِّ؛ لتلك الحالِ التي ظهَرَ معها
стр. 183
التشديدُ على الشاربِ؛ لأنَّ أبا جندلٍ أظهَرَ استدلالَهُ على شُرْبِه؛ بقولِهِ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: ٩٣]، وهذه شُبْهةٌ لو سَرَتْ في الناسِ وتُرِكَ أبو جَنْدَلٍ لأَجْلِها، لاستحَلَّ الناسُ الخمرَ؛ وهذه فِتْنةٌ؛ ولذا كتَبَ عمرُ لأبي عُبَيْدةَ: "إنَّ الذي زَيَّنَ لأبي جندلٍ الخطيئةَ، زيَّنَ له الخصومةَ؛ فاحدُدْهم" (١).
وقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾؛ أيْ: فُرِضَ وأُلزِمَ.
والكَتْبُ: هو الجمعُ؛ في اللغةِ.
والقِصَاصُ: هو عقوبةُ الجاني بمِثْلِ ما جَنَى، والقِصَاصُ مِن "قَصَّ"؛ أيِ: اتَّبَعَ، والمرادُ: تتبُّعُ أثرِ الشيءِ ومطابقةُ اللاحقِ للسابقِ؛ أيِ: العقوبةُ بمِثلِ العقوبةِ السابقةِ.
وقَصَصْتُ أثرَهُ وقَصَّيْتُهُ: اتَّبَعْتُهُ قَصَصًا؛ قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١]، وقال تعالى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤].
والقِصَاصُ يكونُ في النفسِ وفي الجروحِ؛ وذلك لقولِهِ في سورةِ المائدةِ: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [٤٥].
المساواةُ في القِصَاصِ:
وفي الآيةِ: دليلٌ على مساواةِ المؤمنينَ في الدماءِ: الوضيعَ والرفيعَ، والذَّكَرَ والأُنثى، ولا خلافَ عندَ العلماءِ أنَّ القِصَاصَ يتساوَى بينَ الذَّكَرِ والأُنثى، والعبدِ والعبدِ.
الخلافُ في القصاصِ بين الحرِّ والعبد:
واختلَفُوا في القِصَاصِ بينَ الحُرِّ والعبدِ:
стр. 184
فذهَبَ جمهورُ العلماءِ: إلى أنَّ الحُرَّ لا يُقتَلُ بالعبدِ؛ قال به مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ (١)، وهو قولُ أبي بكرٍ، وعمرَ؛ فقد روى ابن أبي شيبة والدارقطنيُّ والبيهقيُّ؛ مِن حديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه: "أنَّ أبا بكرٍ وعمرَ كانا لا يَقتُلانِ الحُرَّ بقتلِ العبدِ" (٢)، وقال به أكثرُ فقهاءِ الحجازِ؛ كعطاءٍ، وعمرِو بنِ دِينارٍ، وعِكْرِمةَ، والزُّهْريِّ، وهو قولُ الحسنِ (٣).
وقيَّدَهُ الشافعيُّ بمشيئةِ الحُرِّ أنْ يُقتَصَّ منه.
وعلَّلَ غيرُ واحدٍ ممَّن قال بعدمِ التكافؤِ في الدماءِ، بأنَّ الحُرَّ كاملُ الأمرِ في أحكامِ الإسلامِ، والعبدَ ناقصٌ في أحكامِ الإسلامِ.
ورُوِيَ في البابِ حديثُ ابنِ عباسٍ عن عمرَ، مرفوعًا: (لَا يُقَادُ مَمْلُوكٌ مِنْ مَالِكِهِ، وَلَا وَلَدٌ مِنْ وَالِدِهِ) (٤)؛ ولا يصحُّ.
وذهَبَ أهلُ الكوفةِ - كأبي حنيفةَ، وأصحابِهِ - إلى تساوِي القِصاصِ بينَ الحرِّ والعبدِ؛ وقال به الثوريُّ، وابنُ أبي ليلى، والنَّخَعيُّ.
وصحَّ القولُ له عن سعدِ بنِ المسيَّبِ؛ رواهُ عبدُ الرزَّاقِ؛ مِن حديثِ سُهَيْلِ بنِ أبي صالحٍ، عن ابنِ المسيَّبِ؛ قال: "يُقْتَلُ به، لو كَانُوا
стр. 185
مِئَةً، لَقَتَلْتُهُمْ به" (١).
وفيه حديثُ الحسنِ، عن سَمُرةَ بنِ جندبٍ، مرفوعًا: (مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَهُ جَدَعْنَاهُ) (٢)؛ رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وغيرُهما؛ ولا يصحُّ؛ فقد أنكَرَ شُعْبةُ وابنُ مَعِينٍ وغيرُهما سماعَ الحسنِ مِن سَمُرةَ، والحسنُ البصريُّ - راوِي الحديثِ عن سَمُرةَ - قال بخلافِه (٣).
ولا يصحُّ في البابِ شيءٌ في السُّنَّةِ، وإنَّما هو قولٌ لبعض السلفِ مِن الصحابةِ والتابِعِينَ.
ورُوِيَ عن عليٍّ قولانِ في البابِ، ولا يصحُّ.
والأصحُّ القولُ الأوَّلُ؛ لأنَّه قولُ أبي بكرٍ وعمرَ، ولا يَنْبَغي أن يجتمِعَا على قولٍ، ويكونُ الصوابُ في قولِ غيرِهما، ولا يجتمعانِ إلا على أثرٍ وسُنَّةٍ؛ ولأجلِ هذا مالَ أئمَّةُ الأثرِ إلى قولِهما؛ مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ.
وقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾؛ التخفيفُ بالدِّيَةِ، ولم تكنِ الديةُ حُكْمًا لدى بني إسرائيلَ؛ وإنَّما القِصَاصُ في العَمْدِ، ولكنَّ اللهَ خَفَّفَ على هذه الأُمَّةِ بجوازِ عفوِ أولياءِ الدمِ وقَبُولِ الديةِ أو العفوِ عنها أيضًا؛ وهذا مِن تمامِ رحمةِ اللهِ بأمَّةِ محمدٍ وتخفيفِهِ عليها.
روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن سُفْيانَ بنِ عُيَيْنَةَ، عن عمرِو بنِ دِينارٍ، عن مجاهِدٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ؛ قال: كان فِي بني إِسْرائِيلَ القِصَاصُ، وَلم تَكُنْ
стр. 186
فيهمُ الدِّيَةُ، فقالَ اللَّهُ لهذِهِ الأُمَّةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (١).
وروى ابنُ أبي حاتمٍ في "تفسيرِه"؛ مِن حديثِ عَلِيِّ بنِ أبي طَلْحة، عَنِ ابن عَبَّاسٍ؛ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ "وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا لا يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالمَرْأَةِ، وَلَكِنْ كَانُوا يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالرَّجُلِ، وَالمَرْأَةَ بِالمَرْأَةِ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥]، فَجَعَلَ الأَحْرَارَ فِي القِصَاصِ سَوَاءً فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي العَمْدِ، سَوَاءً رِجَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ، فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَ النَّفْسِ، وَجَعَلَ العَبِيدَ مُسْتَوِينَ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي العَمْدِ، وَفِي النَّفْسِ وَفِيمَا دُونَ النَّفْسِ، رِجَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ" (٢).
والعفوُ: قَبُولُ الديةِ، ومَنْ عُفِيَ عنه، فليُؤَدِّ الديةَ بالمعروفِ؛ شكرًا لفضلِ أهلِ الفضلِ؛ روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن عمرِو بنِ دِينارٍ، عن مجاهِدٍ، عنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ قَوْلَهُ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾: فالعَفْوُ في أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ في العَمْدِ.
ورُوِيَ عن جابِرِ بنِ زَيْدٍ، وأبي العالِيةِ، ومجاهِدٍ، وعطاءٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، ومقاتِلٍ، والحسنِ - نحوُ ذلكَ (٣).
وعن عمرِو بنِ دِينارٍ، عن مجاهِدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾؛ قال: "ذلكَ في الدِّيَةِ" (٤).
والعدوانُ بعدَ الديةِ مِن أولياءِ المقتولِ ظُلْمٌ وعُدْوانٌ جديدٌ؛ فالديةُ تَجُبُّ ما قبلَها، وتَنزِعُ أصلَ الحقِّ كلِّه، فلا يجوزُ لِمَنْ قَبِلَ الديةَ أنْ تأخُذَهُ الحميَّةُ فيَعتدِيَ؛ فذلك متوعَّدٌ بالعذابِ الأليمِ، وهو الموجِعُ المؤلِمُ.
стр. 187
والقِصَاصُ حياةٌ للبشرِ؛ أيْ: حافِظٌ وضابِطٌ لأمنِ أنفسِهم، فإذا اقتُصَّ مِن أحدٍ، اعتبَرَ غيرُهُ وخافَ، وحَيِيَتْ نفوسٌ بالنفسِ المُقَادةِ بالقِصاصِ، ولا يُدرِكُ أبعادَ هذه الحِكَمِ إلا صاحبُ عَقْلٍ ولُبٍّ، وأمَّا مَن نظَرَ إلى الحُكْمِ بالنظرِ إلى حالةِ فردٍ أو أفرادٍ، فقد ظلَمَ في حُكْمِه؛ لعدمِ انتفاعِه بلُبِّهِ وعَقْلِه.
* * *
قال اللهُ تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠].
أصلُ الوصِيَّةِ معروفٌ في الجاهليَّةِ، وإنَّما دخَلَها تبديلٌ وتغييرٌ؛ بتقديمِ قريبٍ على قريبٍ، وحِرْمانِ مستحِقٍّ بالهَوَى والتعصُّبِ، والأموالُ حقوقٌ، والتغييرُ فيها والتعطيلُ والتبديلُ لها: ظلمٌ، وهذا الظلمُ يحتاجُ إلى بيانِ حُكْمِهِ، وإلى ضبطِ الوصيَّةِ؛ حتى يعلَمَ المُوصِي والموصَى له: ما له وما عليه؛ فبيَّنَ اللهُ شِرعتَهُ العادلةَ بقولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾.
وقد تقدَّم سابقًا الكلامُ على معنى: "كُتِبَ".
وإنَّما قال تعالى: "كُتِبَ"، ولم يقلْ: "كُتِبَتْ"، مع أنَّ المكتوبَ هو الوصيَّةُ، وهي موُنَّثةٌ؛ لأنَّ التأنيثَ لا على الحقيقةِ، ولأنَّه فُصِلَ بينَ المكتوبِ وفِعْلِه "كُتِبَ" بفاصلٍ.
وذكَرَ اللهُ حضورَ الموتِ، والمرادُ بحضورِهِ: ظهورُ علاماتِه؛ كالمَرَضِ المَخُوفِ، والكِبَرِ بمقاربةِ الهَرَمِ، أو قُرْبِ إقامةِ حدِّ القتلِ، أو مواجهةِ عدوٍّ يَغْلِبُ على الظنِّ معه عدمُ السلامةِ.
وهناك أحوالٌ دُونَها مَرْتَبةً يَظْهَرُ معها الخوفُ مِن المَوْتِ، لكنَّها
стр. 188
ليستْ سببًا غالبًا له؛ كركوبِ البحرِ، أو قصدِ السفرِ في متاهةٍ بَرِّيَّةٍ، ونحوِ ذلك.
والعربُ تسمِّي علاماتِ الموتِ وأسبابَهُ: مَوْتًا؛ قال رُوَيْشِدُ بنُ كَثِيرٍ الطَّائيُّ:
وَقُلْ لهُمْ بَادِرُوا بِالعُذْرِ وَالْتَمِسُوا … قَوْلًا يُبَرِّئُكُمْ إِنِّي أَنَا المَوْتُ (١)
فجعَلَ نفسَهُ هو الموتَ؛ لكونِهِ سببًا في حصولِه.
ومعنى قولِه تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ﴾؛ أيْ: قارَبَ أنْ يدَعَ مالَهُ وتَرِكَتَهُ لِمَنْ بعدَهُ، وهذا التركُ يفسِّرُهُ ما في سورةِ النساءِ؛ قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٩].
وقولُه: ﴿خَيْرًا﴾؛ الخيرُ: هو المالُ؛ مِن النقدَيْنِ، وبهائمِ الأنعامِ، والزروعِ، والدُّورِ، وغيرِها، ويقولُ الناسُ: أُعطِيَ فلانٌ خيرًا؛ يعني: مالًا، وسُمِّيَ خيرًا؛ باعتبارِ أنَّ المقصِدَ مِن رزقِ الخالقِ له هو الانتفاعُ وكسبُ الخيرِ، ولكنْ قد يجعلُهُ الإنسانُ في شرٍّ، فيكونُ فعلُ الإنسانِ وتصرُّفُهُ فيه هو الشرَّ، وليس أصلَ المالِ.
روى ابنُ أبي حاتمٍ في "تفسيرِه"، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ: قوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾؛ يعني: مالًا (٢).
وروى عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ؛ في قولِ اللَّهِ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾؛ قال: مالًا (٣).
ويُطلِقُ الناسُ كلمةَ الخيرِ على المالِ الكثيرِ لا القليلِ الذي لا يَكْفِي الإنسانَ وذريتَهُ؛ روى ابنُ أبي حاتمٍ في "تفسيرِه"، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيهِ؛ أَنَّ عَلِيًّا دَخَلَ على رَجُلٍ مِن قَوْمِهِ يَعُودُهُ، فقالَ له:
стр. 189
أَأُوصِي؟ فقالَ له عَلِيٌّ: إنَّما قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾، وإنَّكَ إنَّما تَرَكْتَ شيئًا يَسِيرًا، فاتْرُكْهُ لِوَلَدِكَ (١).
ورُوِيَ مِن حديثِ الحَكَمِ بنِ أَبَانَ، حدَّثنِي عِكْرِمةُ، عنِ ابنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾؛ قال ابنُ عَبَّاسٍ: "مَن لم يَتْرُكْ سِتِّينَ دِينارًا، لم يَتْرُكْ خَيْرَا"، وقالَ الحَكَمُ: "لم يَتْرُكْ خَيْرًا مَن لم يَتْرُكْ ثَمَانِينَ دِينارًا" (٢).
وبعضُ العلماءِ لم يفرِّقْ بين المالِ القليلِ والكثيرِ، إلا أنَّها تتأكَّدُ في المالِ الكثيرِ؛ لعِظَمِ الأمانةِ فيه، وأنَّ مَن ترَكَ مالًا كثيرًا يُخشى مِن فسادِهِ أو فسادِ الناسِ به، ربَّما أَثِمَ في عدمِ وصيَّتِهِ به، فالوصيةُ تضبِطُ الأمرَ وتسلِّطُ المالَ على هَلَكَتِه في الحقِّ.
والوصيَّةُ هي الأمرُ بفعلِ شيءٍ في حالِ غيابِ الآمِرِ أو وفاتِه، وغلَبَ استعمالُها بعدَ الموتِ، واستقَرَّ الاصطلاحُ الشرعيُّ على ما يأمُرُ بفعلِهِ الإنسانُ غيرَهُ عندَ قُرْبِ أَجَلِه؛ ومِن ذلك: ما في حديثِ العِرْباضِ بنِ سَارِيَةَ؛ قال: "وَعَظَنا رسولُ اللهِ ﷺ مَوْعِظةً وَجِلَتْ منها القلوبُ، وذَرَفَتْ منها العيونُ؛ فقُلْنا: يا رَسُولَ اللهِ، كأنَّها مَوْعِظةُ مُوَدِّعٍ فأَوْصِنا. . ."؛ الحديثَ؛ أخرَجَهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ (٣).
وهذا ما ينبَغي للعاقلِ أنْ يُوصِيَ غيرَهُ بالحقِّ، فهو عندَ حضورِ الأَجَلِ أشدُّ وقعًا، وأصدَقُ معنًى؛ لخلوصِهِ مِن كلِّ مطمعٍ يُرجَى، وهكذا كان يُوصِي الأنبياءُ؛ قال تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ [البقرة: ١٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢].
стр. 190
وخُطْبةُ الوداعِ هي في معنى الوصيَّةِ مِن الرسولِ ﷺ لأمَّتِهِ؛ لأنَّها مِن آخِرِ خُطَبِهِ المُشعِرةِ بقُرْبِ أَجَلِه.
وتأتي الوصيَّةُ في القرآنِ والسُّنَّةِ بمعنى التأديبِ والدَّلَالةِ والإرشادِ؛ منها ما يأتي بلفظِ الوصيَّةِ، ومنها ما يأتي بغيرِ هذا اللفظِ:
فمِن لفظِ الوصيَّةِ: قولُهُ تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]، وقولُهُ تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]، وقولُهُ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١].
وأمَّا قولُه تعالى: ﴿لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾، فقدَّمَ الوالدَيْنِ في الآيةِ لمنزلتِهما؛ وذلك أنَّ العربَ كانوا في الجاهليَّةِ يقدِّمونَ الأبناءَ في وصيَّتِهم، وكان بعضُ العربِ يُوصِي للأَبْعَدِينَ مفاخَرةً وطلبًا للصِّيتِ بالكرمِ، ويترُكُونَ الأبناءَ؛ ولذا مما يشتهرُ: "العربُ يُوصُونَ للأباعدِ طلبًا للفَخْرْ، ويترُكُونَ الأقرَبِينَ في الفَقْرْ" (١).
حكمُ الوصيَّةِ:
وجعَلَ اللهُ الوصيَّةَ بالمعروفِ: ﴿بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا﴾؛ وهو العدلُ، وهو ما ينفي الضَّرَرَ والظُّلْمَ، الذي يجلِبُ التحاسُدَ والتباغُضَ وقطيعةَ الأرحامِ.
وبهذه الآيةِ استدَلَّ مَن قال بوجوبِ الوصيَّةِ؛ وذلك أنَّ اللهَ تعالى أوجَبَها بقولِه: ﴿كُتِبَ﴾ , وأَكَّدَها بقولِه: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
стр. 191
وفي ذلك إشارةٌ إلى أنَّ مَن ترَكَها، فقد ترَكَ التقوى، وربَّما وقَعَ فىِ المعصيةِ، وهي ضدُّ التقوى.
واستدَلَّ بما ثبَتَ في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ، مرفوعًا: (مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ مالٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ) (١).
ويُشكِلُ على الاستدلالِ بهذا الحديثِ: أنَّ ابنَ عُمَرَ - راويَ الخبرِ - لم يُوصِ بشيءٍ مِن مالِه، وهو أعلَمُ الناسِ بمَرْوِيِّهِ، وأعرفُ الناسِ بمعنى قولِه ﷺ في الحقِّ: (مَا حَقُّ امْرِئٍ)، وراوي الحديثِ المرفوعِ وراوي عدَمِ وصيَّةِ ابنِ عمرَ: واحدٌ، وهو نافعٌ مَوْلاهُ.
فقد روى ابنُ جريرٍ الطَّبَريُّ؛ مِن حديثِ أيوبَ، عن نافعٍ؛ أنَّ ابنَ عمرَ لم يُوصِ، وقال: "أمَّا مالي، فاللهُ أعلَمُ ما كنتُ أصنَعُ فيه في الحياةِ، وأمَّا رِبَاعِي، فما أُحِبُّ أنْ يَشْرَكَ ولدي فيها أحدٌ" (٢).
ويظهرُ أنَّ المرادَ بقولِه ﵊: (مَا حَقُّ امْرِئٍ): ما حَزْمُهُ وحياطتُهُ؛ وذلك لأنَّها إبراءٌ للذِّمَّةِ، ويؤكِّدُ هذا أنَّ الحديثَ جاء مقيَّدًا بمَنْ يخافُ على ذِمَّتِهِ التَّبِعَةَ وفواتَ حقِّ غيرِه، وجاء في بعضِ ألفاظِ الحديثِ في "الصحيحِ": (وَلَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ) (٣)، وفي لفظٍ آخَرَ: (يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ) (٤).
فقيَّدَ الوصيَّةَ بمُوجِبِها؛ وهو إرادةُ إبراءِ الذِّمَّةِ، أو وجودُ ما يُوجِبُ الوصيَّةَ، وتعليقُ الأمرِ بإرادةِ الفاعلِ ومشيئتِهِ: ممَّا يَصرِفُ الأمرَ مِن
стр. 192
الوجوبِ إلى الاستحبابِ والتأكيدِ غيرِ المُلْزِمِ، وهذا ما يميلُ إليه الشافعيُّ؛ قال ﵀: "معنى الحديثِ: ما الحزمُ والاحتياطُ للمُسْلمِ إلا أنْ تكونَ وصيتُهُ مكتوبةً عندَهُ، فيُستحَبُّ تعجيلُها، وأنْ يَكْتُبَها في صِحَّتِه، ويُشهِدَ عليه فيها، ويكتُبَ فيها ما يحتاجُ إليه" (١).
وأمَّا ما جاء في "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ ابنِ شِهَابٍ، عن نافعٍ؛ قال: قال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: "ما مَرَّتْ عليَّ ليلةٌ منذُ سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ قال ذلك، إلا وعندي وصيَّتي" (٢).
فظاهرُهُ: أنَّ الوصةَ كانتْ أولَ الأمرِ منه، فيظهرُ أنَّه أنفَقَ مالَهُ الذي أَوْصَى به بعدَ ذلك، ثمَّ لم يُوصِ بعدُ؛ لأنَّه قال في روايةِ أيوبَ، عن نافعٍ: "أمَّا مالي، فاللهُ أعلَمُ ما كنتُ أصنَعُ فيه في الحياةِ" (٣).
حكمُ الوصيَّةِ للورثةِ:
وقد اتَّفَقَ العلماءُ أنَّ الوصيَّةَ لا تكونُ لوارثٍ، ولا تكونُ في حرامٍ.
وقد منَعَ مِن ذلك النبيُّ ﷺ في آخِرِ حياتِه في حَجَّةِ الوداعِ؛ لِما رواهُ أصحابُ "السننِ"، عن عمرِو بنِ خارجةَ، وما رواهُ أبو داودَ والترمذيُّ، عن أبي أمامةَ؛ كلاهُما يقولُ: سمعتُ النبيَّ قال: (إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) (٤).
الخلافُ في وجوب الوصيَّةِ:
وقد اختلَفَ العلماءُ في الأصلِ في الوصيَّةِ: هل هو على الوجوبِ، أو على الاستحبابِ؟ على قولَيْنِ:
стр. 193
القولُ الأولُ: الاستحبابُ؛ وهو قولُ أكثرِ العلماءِ؛ بل عَامَّتِهم، وهو قولُ الحسنِ، وقتادةَ، والنَّخَعيِّ، والشَّعْبيِّ، ومالكٍ، وأبي حنيفةَ، والأوزاعيِّ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وجابرِ بنِ زيدٍ (١).
وهذا هو الأرجحُ؛ لأنَّ الآيةَ منسوخةٌ، وحكى بعضُ العلماءِ عدمَ معرفةِ الخلافِ في نَسْخِها، وإنَّما اختُلِفَ في مقدارِ ما نُسِخَ منها؛ منهم مَنْ قال: كلُّها، ومنهم مَن قال: بعضُها.
وقد كان الحُكْمُ في الآيةِ في ابتداءِ الأمرِ لمَّا كان المشرِكُونَ على ظلمٍ في الوصيةِ، وعدمِ عدلٍ مع القَرَابةِ، وعدمِ الوفاءِ بالحقِّ؛ وكان هذا قَبْلَ المِيرَاثِ، وبَقِيَ هذا المعنى عندَ مَن أسلَمَ منهم.
ودليلُ هذا: ما رواهُ البخاريُّ في "صحيحِه"، عن حابرِ بنِ عبدِ اللهِ؛ قال: عادَني النبيُّ ﷺ وأبو بكرٍ في بَنِي سَلِمةَ ماشِيَيْنِ، فوجَدَني النبيُّ لا أَعْقِلُ، فدَعَا بماءٍ، فتوضَّأَ منه، ثمَّ رَشَّ عَلَيَّ، فأَفَقْتُ، فقلتُ: ما تأمُرُني أنْ أصنَعَ في مالي يا رسولَ اللهِ؟ فنزَلتْ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] (٢).
ولا خلافَ أنَّ آيةَ المواريثِ نزَلتْ بعدَ آيةِ الوصيَّةِ.
ونصَّ على نسخِ آيةِ الوصيَّةِ مِن السلفِ: ابنُ عبَّاسٍ، وابنُ عمرَ، وأبو موسى الأشعريُّ، وابنُ المسيَّبِ، ومسروقٌ، وزيدُ بنُ أسلَمَ، وشُرَيْحٌ، ومجاهدٌ، وعطاءٌ، وابنُ سِيرِينَ، ومسلمُ بنُ يسارٍ، والعلاءُ بنُ زيادٍ، والزُّهْريُّ، وقتادةُ، وغيرُهم؛ أخرَجَهُ عنهم وعن بعضِهم ابنُ أبي حاتمٍ، وابنُ جريرٍ، وابنُ المنذرِ في "التفسيرِ".
стр. 194
وروى البخاريُّ، عن ابنِ عباسٍ؛ قال: "كان المالُ للوَلَدِ، وكانتِ الوصيَّةُ للوَالِدَيْنِ؛ فنسَخَ اللهُ مِن ذلكَ ما أَحَبَّ" (١).
ونسَخَ اللهُ الوجوبَ، ولم يَنْسَخِ الفضلَ والعملَ به؛ وإنَّما نسَخَ اللهُ التأكيدَ والإلزامَ في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾.
وآيةُ المواريثِ لا تدُلُّ على ما يُخالفُ آيةَ الوصيَّةِ؛ لأنَّ الوصيَّةَ تكونُ في بعضِ المالِ، والإرثَ في باقِيهِ؛ وذلك لقولِهِ تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ [النساء: ١٢].
القولُ الثاني: وجوبُ الوصيَّةِ وإحكامُ الآيةِ، وعدمُ نسخِها بكاملِها، وأنَّ ما نُسِخَ هو فرضُ الوصيَّةِ للوارثِ فحَسْبُ؛ لأنَّ قَسَمَ له حقَّه وبيَّنَهُ له؛ وهو قولُ الحسَنِ، والضحَّاكِ، وطاوسِ بنِ كَيْسانَ، وقال به الطبريُّ وغيرُهُ (٢).
وقد روى البخاريُّ ومسلمٌ؛ مِن حديثِ طَلْحةَ بنِ مصرِّفٍ؛ قال: "سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بنَ أبي أَوْفَى ﵄: هَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْصَى؟ فَقَالَ: لَا، فَقُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الوَصيَّةُ أَوْ أُمِرُوا بِالوَصِيَّةِ؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللهِ" (٣).
يُريدُ: أنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا كان لا يُورَثُ، فكذلك لا يُوصِي بمالِه، ولكنَّه أوصَى بما يعودُ على المسلِمِينَ بالتمسُّكِ بكتابِ الإسلامِ، وقد كان مِن عادةِ المسلِمِينَ أنْ يقولُوا للمريضِ إذا خِيفَ عليه الموتُ: "أَوْصِ".
والقولُ ببقاءِ حُكْمِ الوصيَّةِ للأقرَبِينَ غيرِ الوارِثِينَ روايةٌ عن ابنِ عباسٍ، ومسروقٍ، ومسلمِ بنِ يسارٍ، والعلاءِ بنِ زيادٍ، وغيرِهم:
روى ابنُ جريرٍ الطَّبَريُّ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عِكْرِمةَ, عن
стр. 195
ابنِ عباسٍ؛ قولَه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾؛ قال: "نسَخَ مَن يَرِثُ، ولم يَنْسَخِ الأقرَبِينَ الذين لا يَرِثُونَ" (١).
وروى عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ؛ قولَه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾: "فنسَخَ مِن الوصيَّةِ الوالِدَيْنِ، وأثبَتَ الوصيَّةَ للأقرَبِينَ الذين لا يَرِثُونَ" (٢).
وروى عن ابنِ طاوُسٍ، عن أبيهِ؛ قل: "كانتِ الوصيَّةُ قبلَ المِيرَاثِ للوالِدَيْنِ والأقرَبِينَ، فلمَّا نزَلَ الميراثُ، نَسَخَ الميراثُ مَن يَرثُ، وبَقِيَ مَن لا يَرِثُ؛ فمَن أَوْصَى لذي قَرَابَتِهِ، لم تَجُزْ وصيتُهُ، فأنزَلَ اللهُ بعدَ هذا: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]؛ فبَيَّنَ اللهُ سبحانَهُ ميراثَ الوالدَيْنِ، وأقَرَّ وصيَّةَ الأقرَبِينَ في ثُلُثِ مالِ الميتِ" (٣).
وبعضُ مَن قال بالنسخِ قَيَّدَ مشروعيَّةَ أصلِ الوصيَّةِ بقراباتِ المُوصِي، وأنَّه لو أَوْصَى لغيرِهم، بطَلَتْ؛ قال به جابرُ بنُ زيدٍ، والشعبيُّ، وإسحاقُ بنُ راهوَيْهِ، والحسنُ البصريُّ (٤).
* * *
قالَ اللهُ تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨١].
وتبديلُ الوصيَّةِ مِن الكبائرِ، وتغييرُ وِجْهةِ المالِ التي صرَفَها
стр. 196
صاحِبُها إليها محرَّمٌ لو كان حيًّا، والأمرُ بعدَ وفاتِهِ أعظَمُ؛ لانعدامِ عِلْمِه، فضلًا عَن قُدرتِه، وأنَّ أجرَ المُوصِي يقَعُ؛ لأنَّ المتصدِّقَ والمُنفِقَ بالحقِّ يُكتَبُ له الأجرُ بحسَبِ نيَّتِه وتحرِّيهِ ولو لم تَصِلْ لمرادِه، ولكنَّ الضَّرَرَ الذي يَلحَقُ مَن أوْصَى له باقٍ؛ لتبديلِ الوصيَّةِ عن وجهِها الذي جعَلَها صاحبُها له.
والوصيَّةُ نافذةٌ، ويجبُ العملُ بها، ولفظُ الوصيَّةِ مِن ألفاظِ الوجوبِ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] , وهذا حُكْمٌ وحَدٌّ مِن حدودِ اللهِ تعالى يجبُ التِزامُه.
روى ابنُ جريرٍ في "تفسيرِهِ"، عنِ ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ قال: "الوصيَّةُ" (١).
وروى عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ في قولِه: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾: "وقَدْ وقَعَ أجرُ المُوصِي على اللهِ، وبَرِئَ مِن إثمِه" (٢).
وختَمَ اللهُ الآيةَ بقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾؛ أي: يَسمَعُ ويَعلَمُ ما كانت عليه الوصيَّةُ، ويعلَمُ تبديلَ المبدِّلِ ومِقْدارَهُ، وأثَرَهُ على المُوصِي والمُوصَى له، وفي هذا تذكيرٌ وترهيبٌ لِمَنْ عزَمَ على التبديلِ ولمَنْ بَدَّلَ أنْ يُقلِعَ وأنْ يُعِيدَ الحقَّ إلى أهلِه، والوصيَّةَ إلى ما كانت عليه.
بطلانُ الوصيَّةِ بالحرامِ:
ومَن أوْصَى في ضِرَارٍ، أو قطيعةِ رَحِمٍ، أو شيءٍ محرَّمٍ: لا يجوزُ إنفاذُ وصيَّتِه، ويجبُ تبديلُها إلى أفضلِ الحقِّ وأَنْفَعِه، ومَن لم يبدِّلْها - والحالةُ هذه - وهو قادرٌ على ذلك، فهو آثِمٌ، وقد روى ابنُ جريرٍ عن عليٍّ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: "إنْ كان أوْصَى في ضِرَارٍ، لم تَجُزْ وصيَّتُهُ؛
والأصحُّ - وهو قولُ عامَّةِ العلماءِ -: أنَّها إذا أجازَها الوَرَثةُ في حياةِ المُوصِي وبعدَ وفاتِهِ، مضَتْ.
وأكثرُ السَّلَفِ: على أنَّ الوَرَثةَ لو رجَعُوا عن إجازةِ الوصيَّةِ بأكثَرَ مِن الثُّلُثِ بعدَ موتِ مورِّثِهم: أنَّ رجوعَهم حقٌّ لهم؛ وذلك لأنَّهم ربَّما أجازُوا إرضاءً للمُوصِي، وحياءً منه؛ روى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن الشَّعْبيِّ، عن شُرَيْحٍ؛ قال: "إذا استأذَنَ الرَّجلُ ورَثَتَهُ في الوصيَّةِ، فأَوْصَى بأكثرَ مِن الثُّلُثِ، فطَيَّبُوا له، فإذا نفَضُوا أيديَهُمْ مِن قَبْرِه، فهُمْ على رأسِ أَمْرِهم؛ إنْ شاؤُوا أجازُوا، وإنْ شاؤُوا لم يُجِيزُوا" (١).
وقال بهذا عطاءٌ وطاوسٌ والحَكَمُ وغيرُهم (٢).
ومنَعَ رجوعَهم بعضُ السَّلَفِ.
والأصحُّ: أنَّ لهم الرُّجوعَ؛ لأنَّ الوصيَّةَ قُيِّدَتْ بالثُّلُثِ بالنَّصِّ، والزيادةُ على الثلثِ مَرَدُّهُ إلى الوَرَثةِ، ولمَّا كان إذنُهم له في حياتِهِ كان حياءً وشفَقةً، فالعلماءُ يتَّفقُونَ على أنَّ ما أُخِذَ بسَيْفِ الحياءِ غيرُ جائزٍ، والمالُ استَقَرَّ حقًّا لهم بعدَ وفاتِه، ثمَّ هم أَوْلى به مِن غيرِه، وكان الإذنُ بغير طِيبِ نفسٍ منهم.
وإذا أَوْصَى المُوصِي بوصيَّتَيْنِ، فيُعمَلُ بأُخْراهما؛ فقد روى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن يونُسَ، عن الحسَنِ قال: "إذا أَوْصَى بوصيَّةٍ، ثمَّ أَوْصَى بأُخرى بعدَها، قال: يُؤخَذُ بالأُخرى منهما" (٣).
وقال بهذا عطاءٌ وطاوسٌ وأبو الشَّعْثاءِ (٤).
стр. 199
ويُروى هذا عن عمرَ بنِ الخطَّابِ (١)
وإذا أمكَنَ الجمعُ بينَهما ما لم يتَجاوَزَا الثُّلُثَ، فيُجمَعُ بينَهما، وإلَّا فالأخيرةُ منهما.
روى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْريِّ؛ قال: "إذا أَوْصى الرَّجُلُ بوصيَّةٍ، ثمَّ نقَضَها، فهي الآخِرةُ، وإنْ لم يَنْقُضْها، فإنَّهما تَجُوزَانِ جميعًا في ثُلُثِهِ بالحِصَصِ" (٢).
وقال أبو حنيفةَ: "إن لم يكُنْ للمُوصِي وَرَثةٌ - ولو عَصَبةً - دُونَ بيتِ المالِ، جازَ للمُوصِي أن يُوصيَ بجميعِ مالِه، ومَضَى ذلك؛ أخذًا بالإيماءِ إلى العِلَّةِ في قولِهِ: (إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَتَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ). . . الحديثَ" (٣).
وقال: "إنَّ بيتَ المالِ جامعٌ لا عاصبٌ".
ورُوِيَ أيضًا عن عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ ومسروقٍ وإسحاقَ بنِ راهَوَيْهِ.
موتُ الفجأةِ وعدمُ الوصيَّةِ:
ومَن مات مِن غيرِ وصيَّةٍ، كمَن أُخِذَ فَجْأةً، وله مالٌ -: استُحِبَّ التصدُّقُ عنه مِن مالِه، بما لا يُجحِفُ بحقِّ الوَرَثةِ، ولا يزيدُ عن ثُلُثِ المالِ؛ لقد روى البخاريُّ ومسلمٌ وأبو داودَ وغيرُهم؛ مِن حديثِ عُرْوةَ، عن عَائِشةَ؛ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّيَ افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَلَوْلَا ذَلِكَ، لَتَصَدَّقَتْ وَأَعْطَتْ، أَفَيُجْزِئُ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
يتضمَّنُ حُكْمًا يتوجَّهُ إلى المؤمنينَ خاصَّةً؛ وذلك أنَّ الكفَّارَ لا يُخاطَبونَ بفروعِ الشريعةِ للعملِ بها في الدُّنيا؛ وإنَّما يُخاطَبونَ بفروعِ الشريعةِ للعقابِ عليها في الآخِرةِ.
وقولُه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ أصلُ الكَتْبِ: الجَمْعُ، والمرادُ به هنا: توثيقُ الشيءِ بجمعِهِ وشَدِّهِ وعَقْدِ أمرِه.
والصِّيامُ في اللغةِ: الإمساكُ، والصَّائِمُ: القائِمُ الساكتُ، والمُمسِكُ الذي لا يَطْعَمُ شيئًا.
يقالُ: صام الفرسُ على آرِيِّهِ: إذا لم يَعتلِفْ.
وصيامُ الرِّيحِ: رُكُودُها.
قال أبو عُبَيْدةَ: كلُّ مُمسِكٍ عن طعامٍ أو كلامٍ أو سَيْرٍ، فهو صائمٌ.
قال تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]؛ أيْ: إمساكًا عن الكلامِ.
وصومُ النَّهارِ: وقوفُ الشمسِ في الظَّهِيرةِ.
قال امرُؤُ القَيْسِ:
فَدَعْهَا وَسَلِّ الهَمَّ عَنْكَ بِجَسْرَةٍ … ذَمُولٍ إذَا صَامَ النَّهَارُ وَهَجَّرَا
وصومُ الخيلِ: إمساكُها عن الصَّهِيلِ.
وممَّا يُنسَبُ للنابغةِ الذُّبْيانيِّ:
خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ … تَحْتَ العَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا
وأمَّا في اصطلاحِ الشارعِ، فالمرادُ بالصِّيامِ: "إِمساكٌ مخصوصٌ، في زمنٍ مخصوصٍ، مِن شخصٍ مخصوصٍ، بنيَّةٍ مخصوصةٍ".
الصيامُ في الأممِ السابقةِ:
وذكَرَ اللهُ أنَّ الصِّيامَ قد شُرِعَ على مَنْ سبَقَنا؛ لأمورٍ، منها:
أوَّلًا: التَّعْزِيَةُ بأنَّ هذا التكليفَ فُرِضَ على غيرِكم وقامُوا به؛
стр. 202
فالإنسانُ الذي يكلَّفُ بما يكلَّفُ به غيرُهُ يتسلَّى ويتعزَّى، بخلافِ ما لو أُمِرَ بتكليفٍ وحدَهُ مِن دونِ الناسِ.
ثانيًا: فيه حَثٌّ وحَضٌّ على العملِ؛ فأُمَّةُ محمَّدٍ ﷺ خيرُ الأُمَمِ؛ قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] , وفي الحديثِ: (إِنَّكُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللهِ )؛ أخرَجَهُ أحمدُ؛ مِن حديثِ بَهْزِ بن حَكِيمٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه (١).
فإذا فعَلَ مَنْ دُونَهم ما أُمِرُوا به وهم خيرُ الأممِ، فهم مِن بابِ أَولى أنْ يقوموا بأمرِ اللهِ.
ثالثًا: لبيانِ مَنْزِلةِ شريعةِ الصيامِ؛ فالأمرُ الذي يُحكِمُهُ اللهُ في كلِّ شريعةٍ دليلٌ على فضلِهِ على غيرِهِ مِن الأعمالِ، وأنَّ صلاحَ دِينِ الأممِ جميعًا لا يستقيمُ إلَّا به، وإنِ اختلَفُوا في غيرِه، والعبادةُ التي تُفرَضُ في كلِّ شريعةٍ أَشَدُّ تمكُّنًا في فِطْرةِ الإنسانِ مِن غيرِها، وإنْ كانتْ جميعُ العباداتِ على فِطْرةِ الإنسانِ التي طُبعَ عليها، لكنَّها تَختلِفُ تمكُّنًا منها.
واللهُ لطيفٌ بعبادِهِ رحيمٌ بهم، وهو بأُمَّةِ محمَّدٍ أرحمُ، وإذا جَعَلَ العبادةَ التي رَحِمَ بها الأممَ سببًا لرحمةِ أمَّةِ محمَّدٍ، فهذا دليلٌ على أنَّ اللهَ اختار مِن شرائعِ الأممِ أَشَدَّ أعمالِها رَحْمةً ويُسْرًا.
رابعًا: لبيانِ خطورةِ مخالَفةِ أمرِ اللهِ في الصِّيَامِ؛ فبيانُ اللهِ أنَّ فريضةَ الصيامِ فريضةٌ للأممِ السابقةِ ولهذه الأمَّةِ: إشارةٌ إلى أنَّ تَرْكَ الإنسانِ الفاضِلِ للعملِ أعظَمُ عندَهُ مِن تَرْكِ الإنسانِ المفضولِ، فالفاضلُ أَولى بالعملِ؛ لقُرْبِه.
ثمَّ إنَّ الشريعةَ المفروضةَ على الأممِ السابقةِ أظهَرُ في الإحكامِ مِن غيرِها، فلا تُنكِرُها النفوسُ؛ لكونِها حادثةً عليها، بل تتلقَّاها النفوسُ
стр. 203
وتَقْبَلُها؛ لهذا كلَّما كان الأمرُ أظهَرَ إحكامًا وأصرَحَ بيانًا، كانتِ المخالفةُ له أعظَمَ.
وقد اختُلِفَ في الصيامِ المفروضِ على الأممِ السابقةِ عدَدًا وزمنًا، والمقطوعُ به: أنَّه إمساكٌ عن الطعامِ والشرابِ؛ لأنَّ الأكلَ والشربَ أصلٌ في تحقُّقِ اسمِ الصيامِ، وأمَّا ما عدَاهُ - كالجِمَاعِ وغيرِه - فيحتاجُ ذلك إلى دليلٍ يبيِّنُ؛ وقد روى أَسْبَاطٌ، عن السُّدِّيِّ: "أَنَّ الجِماعَ محرَّمٌ عليهم، وهكذا كان النَّصارى يصُومُونَ في المدينةِ؛ يدَعُونَ الطعامَ والشرابَ والجِمَاعَ" (١).
وحمَلَ بعضُهمُ التشبيهَ في قوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ على التشبيهِ بالوقتِ؛ فوقتُهم كوقتِنا، ومنهم مَن حمَلَ التشبيهَ على جميعِ الوجوهِ.
ورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ مسعودٍ، وعطاءٍ وقتادةَ: أنَّ اللهَ فرَضَ على الأممِ السابقةِ صيامَ ثلاثةِ أيامٍ (٢).
والأممُ السابقةُ التي فرَضَ اللهُ عليها الصيامَ لم يبيَّنْ أوَّلُها، ولعلَّ الصيامَ كان في كلِّ شريعةٍ؛ لظاهرِ إطلاقِ الآيةِ، وقد دلَّ الدليلُ مِن القرآنِ: أنَّه في شريعةِ بني إسرائيلَ، وقد روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن عبَّادِ بنِ منصورٍ، عن الحسَنِ: "كتَبَهُ اللهُ على كلِّ أُمَّةٍ قبلَنا كما كتَبَهُ علينا" (٣).
وروى ابنُ أبي حاتمٍ، عن نَصْرِ بنِ مُشَارِسٍ، عن الضحَّاكِ: "أنَّ أوَّلَ مَن صامَ نوحٌ" (٤).
وروى ابنُ أبي حاتمٍ، عن أبي الربيعِ، عن رجلٍ مِن المدينةِ، عن
стр. 204
ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ : (أَنَّ اللهَ كَتَبَ صِيَامَ رَمَضَانَ عَلَى الأُمَمِ قَبْلَكُمْ) (١).
وقال به الشَّعْبيُّ (٢) وقتادةُ في قولٍ (٣).
وظاهرُ القرآنِ والسُّنَّةِ: أنَّ مَن كان بعدَ إبراهيمَ مأمورٌ باتِّباعِ مِلَّتِه، وكلُّ شِرْعةٍ في الأصولِ في الإسلامِ، فهي مِن شِرْعةِ إبراهيمَ ومَن جاء بعدَهُ مِن الأنبياءِ.
مراحلُ تشريع الصيامِ:
وقد شرَعَ اللهُ الصيامَ في الإسلامِ على مراحلَ، والأحاديثُ الواردةُ في البابِ تدلُّ على أنَّ أولَ ما شُرِعَ الصيامُ شُرِعَ ثلاثةَ أيامٍ مِن كلِّ شهرٍ؛ كما جاء في حديثِ عائشةَ في "الصَّحيحَيْنِ"، وفي حديثِ مُعاذٍ وابنِ عبَّاسٍ.
ففي "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ عن عائشةَ، عليها رضوانُ اللهِ تعالى.
وجاء أيضًا بتفصيلِهِ مِن حديثِ معاذِ بنِ جَبَلٍ عندَ الإمامِ أحمدَ؛ مِن حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي لَيْلَى، قال معاذُ بنُ جَبَلٍ: "إنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا قَدِمَ المدينةَ، كان يصومُ ثلاثةً مِن كلِّ شَهْرٍ، ويصومُ يومَ عاشوراءَ، فشرَعَ اللهُ صِيامَ رمضانَ؛ مَن أرادَ صومَهُ فلْيَصُمْهُ، ومَن أرادَ أنْ يُطْعِمَ فلْيُطْعِمْ، ثمَّ فرَضَ اللهُ صيامَهُ ونسَخَ صيامَ يومِ عاشوراءَ مِن الوجوبِ إلى الاستحبابِ" (٤).
وقد فرَضَ اللهُ الصيامَ في السنةِ الثانيةِ قُبَيْلَ معركةِ بَدْرٍ؛ كما حكاهُ
стр. 205
ابنُ جريرٍ الطَّبريُّ، وهذا محلُّ اتِّفاقٍ عندَ العلماءِ، لكنَّ منهم مَن قال: إنَّه فُرِضَ في شعبانَ، ومنهم مَن قال: إنَّه فُرِضَ قبلَ ذلك.
وقولُه تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؛ أي: تَتَّقُونَ ما أمَرَكُمُ اللهُ بتَرْكِهِ مِن الطعامِ والشرابِ والجِمَاعِ وغيرِه.
قولُه تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾:
المرادُ بالمعدوداتِ: المَحْدوداتُ المُحْصَيَاتُ بعددٍ معيَّنٍ معروفٍ، وهو شهرُ رَمَضانَ، وشهرُ رمضانَ محدودٌ: بطلوعِ الهلالِ مِن رمضانَ، وطلوعِهِ مِن شوَّالٍ، والصَّوْمُ في النهارِ بينَ الهِلَالَيْنِ؛ قال النبيُّ ﷺ : (صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤيَتِهِ) (١).
وذِكْرُ العددِ إشارةٌ إلى التيسيرِ؛ فاللهُ تعالى لم يَفرضْ صيامَ الدَّهْرِ، بل نَهَى عنه، ولم يَأْذَنْ للأمَّةِ بتركِ الصيامِ، بل جعَلَهُ مفروضًا عليها بأيَّامٍ معدودةٍ، يَعرِفُهُ أدنى المكلَّفِينَ بالتشريعِ.
ضبطُ الشهر برؤية الهلال، لا بالحساب، والحكمةُ من ذلك:
وفيه تنبيهٌ على أنَّ التيسيرَ في ضبطِ عددِ الأيَّامِ مقصودٌ؛ لذا علَّقَ معرفةَ الأيَّامِ بدايةً ونهايةً برؤيةِ الهلالِ، وتعليقُ ذلك بالحسابِ تكلُّفٌ وتشديدٌ يُنافي المقصودَ مِن التيسيرِ، فالرُّؤْيةُ تكليفٌ يستطيعُهُ البادي والحاضرُ، راكبُ البَرِّ وراكبُ البحرِ، الفردُ والجماعةُ.
والتيسيرُ في ضبطِ دخولِ الشهرِ وخروجِهِ شبيهٌ بضبطِ القِبْلةِ؛ ولذا جاء في الحديثِ مرفوعًا وموقوفًا: (مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ قِبْلَةٌ) (٢)، وقد كان أحمدُ يَنْهَى عن التكلُّفِ في تحديدِ القِبْلةِ بالجَدْيِ ونحوِه مِن النجومِ (٣).
стр. 206
وحمَلَ بعضُ السَّلَفِ "المَعْدُوداتِ" على صيامِ ثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ، حِينَما كانتْ فرضًا قبلَ صيامِ رمضانَ؛ رواهُ ابنُ جريرٍ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن عَطَاءٍ (١).
ورواهَ أيضًا عن مَعْمَرٍ عن قَتادةَ (٢).
ورُوِيَ بسندٍ فيه ضعفٌ عن ابنِ عبَّاسٍ (٣).
والأرجحُ: أنَّ الأيَّامَ المعدوداتِ هي صيامُ رَمَضانَ؛ لظاهرِ السياقِ في الآياتِ، ثمَّ إنَّ شريعةَ الصيامِ قبلَ رمضانَ لا خلافَ أنَّها كانت ثلاثةَ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ، وصيامَ عاشوراءَ، ولكنَّ كونَ صيامِ ثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ مكتوبًا على هذه الأُمَّةِ قبلَ رمضانَ: يحتاجُ إلى دليلٍ يُثْبِتُ.
وقولُه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾:
أيْ: مَن كان مِن المكلَّفينَ مِن أهلِ الأعذارِ بسَفَرٍ أو مَرَضٍ، فلا حرَجَ عليه في الفِطْرِ، ويجبُ عليه أنْ يَقضيَ مكانَها أيَّامًا أُخَرَ.
وقولُه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، المرادُ بالمرَضِ: الذي يَعجِزُ المكلَّفُ معه عن الصيامِ، أو يَقدِرُ ولكنْ بمشقَّةٍ تَضُرُّه , أو تؤخِّرُ بُرْءَ مَرَضِه.
معنى السفر، وأنَّ الصواب في حدِّه العُرف، والحكمة من ذلك:
والسَّفَرُ: هو ما سُمِّيَ سَفَرًا عُرْفًا، وقد تبايَنَتْ أقوالُ السَّلَفِ في حدِّه؛ لِتبايُنِهم في حدِّ العُرْفِ، وهذا مِن السَّعَةِ والرَّحْمةِ.
وكثيرٌ مِن الفقهاءِ يجعلُ المنقولَ عن السَّلَفِ من الصحابةِ والتابعينَ أقوالًا متضادَّةً، يُبطِلُ أحدُها الآخَرَ، والأظهَرُ: أنَّ مِثْلَ هذا التبايُنِ منهم وهم عرَبٌ يُدرِكُونَ معنى السَّفرِ لو حُدَّ بشيءٍ مِن الوحيِ، لاستقرَّ
стр. 207
واستفاضَ، والسَّفرُ ممَّا تَعُمُّ به البلوى لكلِّ أَحَدٍ، وعدمُ تقديرِ ذلك بالنصِّ وحَدِّهِ حدًّا بيِّنًا بالنصِّ المستفيضِ مع الحاجةِ إليه: دليلٌ على أنَّه أُحِيلَ إلى عُرْفِ الناسِ وعادتِهم، وهم يختلِفونَ زمنًا ومَنْزلًا وطبيعةً.
والسَّفَرُ به تسقُطُ أركانٌ للإسلامِ؛ كالصلاةِ والصيامِ؛ فيَذهَبُ شَطْرُ الصلاةِ، ويُجمَعُ وقتُ الثِّنتَيْنِ وقتًا واحدًا، ويُترَكُ صيامُ رمضانَ وهو ركنٌ، ومِثلُ هذا حقُّه بيانُ حدِّه بيانًا يَلِيقُ بمنْزلةِ الأركانِ؛ فكما نزَلَ النصُّ بيِّنًا بحياطتِها والإتيانِ بها، يجبُ أنْ يأتيَ النصُّ برفعِها وتركِها بحدٍّ مشابِهٍ، وهذا مقتضى إحكامِ الشريعةِ.
ومع ذلك: فإنَّ الشريعةَ أرادَتِ الإحالةَ إلى العُرْفِ قصدًا؛ تيسيرًا ورحمةً ورفعًا للحرج.
وكثيرٌ من فقهاءِ السَّلفِ ربَّما أفتَوْا في نازلةٍ أنَّها سفرٌ، ولا يَعني أنَّ ما دُونَها ليس كذلك، فيُنقَلُ قولُ الواحدِ منهم في تلك النازلةِ على أنَّه حَدٌّ ضابِطٌ لأدنى السَّفَرِ، ويُنقَلُ على أنَّه قولٌ يضادُّ غيرَهُ، وربَّما أَفْتَى الواحدُ منهم بما يوافِقُ عُرْفَهُ وعُرْفَ أهلِ بلدِه؛ حيثُ أُحِيلَ الأمرُ إليه، فيُجعَلُ قولًا وحدًّا يُضادُّ غيرَهُ.
ولهذا تجدُ مِن فقهاءِ السَّلَفِ مَن يختلِفُ قولُهُ في حدِّ ما يُوصفُ به السَّفَرُ، فيُروى عه في ذلك قولانِ وثلاثةٌ، وتُنقَلُ على أنَّها أقوالٌ مختلِفةٌ، وما هي إلَّا قولٌ واحدٌ؛ إمَّا في نوازلَ مختلفةٍ لا تَعني أدنى مسافةِ السَّفَرِ، فحُمِلَتْ على أنَّها أقوالٌ متعدِّدةٌ، وإمَّا أنَّ العرفَ تبايَنَ؛ لاختلافِ الجهةِ المقصودةِ في السَّفَرِ، فبعضُ السَّلَفِ يفرِّقُ بين ما يسافِرُ إليه الناسُ ويَرجِعونَ مِن يومِهم، وبين ما يسافِرُونَ إليه ويمكُثُونَ فيه أيَّامًا، ولو كان الأخيرُ أقلَّ مسافةً، والأوَّلُ أطوَلَ، فيَجعلونَ الأوَّلَ ليس بسفرٍ، والثاني يجعلونَهُ سفرًا وإنْ كان أقصَرَ مسافةً، وكلُّها تَرجِعُ إلى العُرْفِ.
стр. 208
التتابُعُ في قضاءِ الصومِ:
وقولُه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ دليلٌ على عدمِ وجوبِ التتابُعِ في القضاءِ وبهذه الآية استدل أحمد على ذلك (١)؛ فاللهُ تعالى أمَرَ بالإتيانِ بالعَدَدِ، ولم يأمُرْ بالزيادةِ عليه، وكما أنَّه لم يأمُرْ بالتعجيلِ بالقضاءِ، دَلَّ على أنَّ في الأمرِ سَعةً، ولكنَّنا نقولُ بتفضيلِ التعجيلِ، وكذلك بتفضيلِ التتابُعِ؛ لأنَّ التتابُعَ يقتضي تعجيلَ الأيَّامِ التاليةِ لأوَّلِ يومٍ يقضيه، والتعجيلَ يقتضي تتابُعَ الأيَّامِ كلِّها مع أوَّلِ استطاعةٍ بعدَ رمضانَ.
والتَّعجيلُ مستحَبٌّ، والقولُ بوجوب التتابُعِ مرجوحٌ، ولا تعضُدُهُ الأدلَّةُ ولا القياسُ؛ فالإنسانُ ربَّما يُفطِرُ أيَّامًا مِن أوَّلِ رمضانَ وأيَّامًا مِن أوسطِهِ وآخِرِه، والإلزامُ بِجَعْلِ القضاءِ متتابِعًا؛ لأنَّ القضاءَ يحكي الأداءَ: لا يتَّفقُ هنا؛ فكيف يُؤمَرُ بالمتابَعَةِ بينَ أيَّامٍ ليستْ متتابِعةً في الأداءِ؟ ! ثم إنَّ الدليلَ دلَّ على تفاضُلِها فيما بينَها؛ فلأوَّلِ رمضانَ فضلٌ يختلِفُ عن أوسطِه وعن آخِرِه؛ كما جاء في بعضِ الأخبارِ، وليالِيهِ تتفاضَلُ وكذلك أيَّامُه، وأكثرُ المفسِّرينَ والفقهاءِ مِن السَّلَفِ على عدمِ وجوبِ التتابُعِ في القضاءِ.
روى ابنُ أبي حاتم، عن داوُدَ بنِ أبي هِنْدٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ: "إِنْ شَاءَ تَابَعَ، وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ؛ لأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ " (٢).
وقد صحَّ هذا المعنى عن غيرِ واحدٍ مِن الصحابةِ؛ أنَّ المقصودَ هو إحصاءُ أيَّامِ القضاءِ عَدًّا، وليس الإتيانَ بها سَرْدًا؛ فقد صَحَّ عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ وأبي هُرَيْرةَ؛ قالا في قضاءِ رَمَضانَ: "فَرِّقْهُ إنْ شئتَ، حَسْبُكَ إذا أحصيتَهُ" (٣).
стр. 209
وذلك أنَّ اللهَ أمَرَ بالعَدَدِ، ولم يأمُرْ بصفةٍ يكونُ عليها العددُ.
وهذا قول أكثرِ العلماءِ؛ فقد رُوِيَ عن أبي عُبَيْدةَ عامرِ بنِ الجَرَّاحِ، ومعاذٍ، وعمرِو بنِ العاصِ، وأَنَسٍ، وأبي هريرةَ.
ورُوِيَ أيضًا عن عَبِيدةَ السَّلْمانيِّ وعُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ وابنِ المسيَّبِ وسالمٍ وعطاءٍ وعِكْرِمةَ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ والنَّخَعيِّ وقتادةَ وطاوسٍ.
وقال به مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وجماعةٌ من فقهاءِ الكوفةِ؛ كأبي حنيفةَ والثَّوْريِّ، ومِن أهلِ الشامِ؛ كالأوزاعيِّ (١).
ورُوِيَ عن بعضِ السَّلَفِ القولُ بالقضاءِ متتابعًا؛ كعليِّ، وابنِ عُمَرَ، وعُرْوةَ، والشَّعْبيِّ، وابنِ سِيرِينَ (٢).
ولكنَّ القولَ المرويَّ عنهم ليس صريحًا في الوجوبِ، كالمرويِّ عنِ ابنِ عمرَ فيما رواهُ نافعٌ؛ أنَّه كان يُتابعُ في قضاءِ رمضانَ (٣).
وهذا إنَّما هو فعلٌ مجرَّدٌ يقولُ باستحبابِهِ غيرُهُ من الصحابِة، والمرويُّ عن عليِّ يَرْوِيهِ عنه الحارثُ الأعورُ (٤).
واستحبابُ التتابُعِ هو فرعٌ عن استحبابِ التعجيلِ , والسَّلَفُ لا يختلِفونَ في فضلِ التعجيلِ.
وتعجيلُ القضاءِ ولو متفرِّقًا أفضلُ من تأخيرِهِ متتابِعًا؛ لأنَّ المقصودَ إبراءُ الذِّمَّةِ، وإبراءُ الذِّمَّةِ أَولى مِن تحقُّقِ التتابعِ المتأخِّرِ.
والأمرُ بالتتابُع كان ثمَّ نُسِخَ؛ فقد روى عروةُ، عن عائشةَ؛ قالتْ: نزلَتْ: "مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ متتابعاتٍ"، ثم سقَطَتْ "مُتَتَابعاتٍ" (٥).
стр. 210
ومعنى "سقَطَتْ"؛ يعني: نُسِختْ؛ إمَّا أنَّها قد نزَلَتْ لفظًا ومعنًى، فنُسِخَتْ جميعًا، أو أنَّها نزلَتْ مفسَّرةً بالتَّتابُعِ، ثم نُسِخَ الأمرُ بها، وإلَّا فإنَّ الأمرَ المجرَّدَ في قولِه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ لا يُفهَمُ منه صراحةً الأمرُ بالتتابُعِ وحدَه؛ وإنَّما يُؤخَذُ منه الإحصاءُ.
وبعضُ آيِ القرآنِ يَنْزِلُ ويَتْبَعُهُ تفسيرُهُ وبيانُهُ؛ وذلك في المواضعِ التي تحتاجُ إلى زيادةٍ على الحكمِ الظاهرِ؛ ولذا قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨, ١٩]، وبيانُ القرآنِ بنزولِهِ أصلًا على لغةِ قريشٍ، وأفصَحُ مَن يَفْهَمُها نبيُّ اللهِ ﷺ ، وما احتمَلَ معنَيَيْنِ صحيحَيْنِ لغةً ونزَلَ القرآنُ على أحدِهما بيَّنه اللهُ لنبيِّهِ ﷺ إحكامًا وبيانًا، وما خَرَجَ عن ذلك، فهو مِن مواضعِ السَّعَةِ والرَّحمةِ بالأمَّةِ.
تأخيرُ قضاءِ الصومِ:
وأمَّا المريضُ والمسافِرُ، فإنَّه يقضي ذلك اليومَ، لان لم يَقْضِ وهو مستطيعٌ للقضاءِ، حتَّى أتى عليه رمضانُ القادمُ؛ فهل يأثمُ أم لا؟
اتَّفَقَ العلماءُ: على أنَّه ينبغي المبادَرَةُ والمسابَقَةُ؛ لأنَّ الإنسانَ لا يَعلَمُ ما يَعرِضُ له، لكنَّهم اختلَفُوا في الإثمِ، وهل يَجِبُ عليه أنْ يقضيَ قبلَ إتيانِ رمضانَ القادمِ؟ على قولَيْنِ للعلماءِ:
ذهَبَ جمهورُ العلماءِ، وهو قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ: إلى أنَّه يجبُ القضاءُ قبلَ رمضانَ القادمِ؛ وذهبَ إلى هذا عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ، وعبدُ اللهِ بنُ عُمرَ، وغيرُهما.
وذهب ابنُ مسعودٍ، والنَّخَعيُّ، والحسنُ، وطاوسٌ، وحمادُ بنُ أبي سُلَيْمانَ، والبخاريُّ، وابنُ حَزْمٍ، وهو قولٌ لأبي حنيفةَ: إلى أنَّه لا يأثمُ، ويجوزُ أن يؤخِّرَهُ إلى ما بعدَ ذلك؛ وهو الصوابُ.
ولا دليلَ على وجوبِ القضاءِ قبلَ أنْ يأتيَ رمضانُ القادمُ،
стр. 211
والاستحبابُ بالتعجيلِ لا خلافَ فيه، والأصلُ: البراءةُ مِن الإثمِ، فإذا رُخِّصَ له بالفِطْرِ في رمضانَ، ووُسِّعَ له في ذلك، فإنَّ الشارعَ أَولى بأن يرخِّصَ له ويوسِّعَ في القضاءِ؛ فإنَّ رمضانَ محدَّدٌ بأيامٍ، ومَن ألزَمَ قبلَ رمضانَ الآتي، حدَّدَ القضاءَ بأيَّامٍ معلومةٍ، وهذا يفتقِرُ إلى دليلٍ خاصٍّ.
واتَّفَقَ العلماءُ على أنَّ المريضَ والمسافِرَ لا يَقْضِيانِ ولا يُطْعِمانِ؛ إذا لم يكُنْ قضاؤُهما بعدَ رمضانَ الآتي، وإذا كان بعدَ الآتي ولكن كان المرَضُ مستمِرًّا أو السَّفَرُ متَّصِلًا، فيجبُ القضاءُ بلا إطعامٍ.
وقولُه تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾:
رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّه كان يَقرؤُها: "وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ" (١)، والقراءةُ الأُولى متواتِرةٌ، وهي الأشهرُ.
مراحلُ تشريعِ صومِ رمضان:
كان صيامُ رمضانَ في ابتداءِ الأمرِ على التخييرِ؛ فمَنْ شاءَ صامَ، ومن شاءَ أفطَرَ وأطعَمَ؛ جاء هذا في حديثِ ابنِ أبي ليلى، عن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ (٢).
ونسَخَ اللهُ تعالى التخييرَ بالآيةِ التاليةِ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ روى البخاريُّ ومسلمٌ، عن يَزِيدَ مَوْلى سَلَمةَ بنِ الأَكْوَعِ، عن سَلَمةَ بنِ الأَكْوَعِ؛ أنَّه قال: "كنَّا في عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ مَنْ شاءَ صام، ومَنْ شاءَ أفطَرَ وافتَدَى بطعامِ مِسْكِينٍ، حتَّى أُنزِلَتْ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] " (٣).
ورُوِيَ هذا عن عَلقمةَ وعطاءٍ وعِكْرِمةَ والحسَنِ والشَّعْبيِّ والزُّهْريِّ وغيرِهم.
стр. 212
ورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمرَ بسنَدٍ ليِّنٍ.
وقد نسَخَ اللهُ التخييرَ وأَبْقَى أهلَ الأعذارِ؛ كالمريضِ والمسافِرِ.
المعذورون بِتَرْكِ الصومِ مع الطاقة:
وحمَلَ بعضُهُمْ قولَهُ تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ على الشيخِ الكبيرِ والمرأةِ العجوزِ، وهم مَن يُطِيقُ الصومَ، فرخَّص اللهُ لهما بالفِطْرِ، ولِمَنْ في حُكْمِهما؛ كالحامِلِ والمرضِعِ وشبْهِهما، ثمَّ نسَخَ اللهُ التَّخييرَ لهما، ورخَّصَ لهما عندَ المشقَّةِ والخوفِ على الصِّحَّةِ والنَّفْسِ أو الخوفِ على الوَلَدِ.
فقد روى ابنُ جريرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ؛ قال: "كان الشَّيْخُ الكبيرُ والعَجُوزُ الكَبِيرةُ وهما يُطِيقَانِ الصَّوْمَ، رُخِّصَ لهما أنْ يُفطِرَا إنْ شاءَا ويُطْعِمَا لكلِّ يومٍ مِسْكِينًا، ثمَّ نُسِخَ ذلك بعد ذلك: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وثبَتَ للشيخِ الكبيرِ والعجوزِ الكبيرةِ، إذا كانا لا يُطيقانِ الصَّوْمَ، وللحُبْلَى والمُرْضِعِ إذا خَافَتا" (١).
ومِن السَّلَفِ مَنْ يرى التخييرَ للحامِلِ والمرضِعِ باقيًا ولو بلا مشقَّةٍ؛ رُوِيَ هذا عن قَتَادةَ، عن عِكْرِمةَ؛ قال: "نُسِخَتِ الرُّخْصةُ عن الشَّيْخِ والعجوزِ إذا كانا يُطِيقانِ الصَّوْمَ، وبَقِيَتِ الحامِلُ والمرضِعُ أن يُفطِرَا ويُطعِما" (٢).
والأظهَرُ: اشتراكُ الشيخِ والعجوزِ في حكمِ الحاملِ والمرضِعِ، وأمَّا التفريقُ بينَهم مع اشتراكِهم في التخييرِ وهم ممَّن يُطِيقُ، والتفريقُ بينَهم بعدَ النسخِ بعيدٌ؛ فيكونُ حكمُهم جميعًا قبل النسخِ التخييرَ، وبعدَ النسخ عند المشقَّةِ والخوفِ على النَّفْسِ أو على الولدِ، فمتى وُجدَتْ، جازَ الفِطرُ.
стр. 213
ورُوِيَ عن مجاهدٍ القولُ بعَدَمِ نسخِ الآيةِ، وهو قولٌ لابنِ عبَّاسٍ ﵁، وحمَلَ معناها على المشقَّةِ في الصيامِ مع القدرةِ عليه؛ فروى ابنُ أبي حاتمٍ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: "لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، لا يُرَخَّصُ هَذَا إِلا لِلْكبِيرِ الَّذِي لا يُطِيقُ, أَوْ مَرِيضٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يَشْفَى" (١).
وهو المعنى الذي يقولُ به مَن قال بالنسخِ، ولكنَّ مجاهِدًا يفرِّقُ بين الشيخِ الكبيرِ والحاملِ والمرضعِ في القضاءِ، فيُلزِمُهُ على الحاملِ والمرضِعِ، ويَرفعُهُ عن الشيخِ الكبيرِ، ويَجعلُ عليه الإطعامَ فقطْ، ومرادُهُ أنَّ الشيخَ الكبيرَ إنَّما أفطَرَ لكِبَرِهِ، والكِبَرُ لا يَرتفِعُ بل يزيدُ، بخلافِ الحملِ والرَّضَاعِ، فهو عارضٌ ويزولُ.
فِطْرُ الحاملِ والمُرْضِعِ:
والعلماءُ يَختلِفونَ في أمرِ الحاملِ والمرضعِ؛ هل يجبُ عليهما القضاءُ والإطعامُ جميعًا، أو يجبُ عليهما أحَدُهما؟
وإنَّما وقَعَ عندَهم الخلافُ: أنَّ منهم مَن جعَلَ الحَمْلَ والرَّضَاعَ عِلَّةً وعذرًا عارضًا كالسَّفَرِ، فلا يجبُ على الإنسانِ إلَّا القضاءُ، وأنَّ الحاملَ والمرضِعَ يختلِفانِ عن الشيخِ الكبيرِ؛ وذلك لأنَّ عُذْرَهُ دائمٌ أو غالبٌ، وهما كحالِ المسافرِ المطيقِ للصومِ، ولكنَّه يَشُقُّ عليه أو يَشُقُّ على رفقتِهِ لو صامَ فيُفطِرُ ويَقضي فقطْ، قالوا: وهكذا الحامِلُ والمرضِعُ.
ومنهم مَن جعلَ حُكْمَهما مقصودًا في الآيةِ، ولم يحتَجْ إلى القياسِ؛ فأوجَبَ الإطعامَ، فمنهم مَن جعَلَ معه القضاءَ, ومنهم مَن لم يجعَلْ معه القضاءَ، والخلافُ عندَهم على قَولَيْنِ:
القولُ الأوَّلُ: ذهَبَ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ: إلى أنَّ
стр. 214
المرضِعَ والحامِلَ عليهما أن يُطْعِمَا عن كلِّ يومٍ مسكينًا، ولا يجبُ عليهما القصاءُ؛ سواءٌ خافَتا على نفسَيْهِما، أو خافَتا على ولدَيْهِما، وهذا رُوِيَ عنهما؛ كما رواهُ البيهقيُّ في "سُنَنِه"، وكذا عبدُ الرزَّاقِ بأسانيدَ صحيحةٍ صحَّحَها الدارقطنيُّ وغيرُه.
روى الدارقطنيُّ عن أيُّوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمرَ: "أنَّ امرأتَهُ سألَتْهُ وهي حُبْلَى، فقال: أَفْطِرِي، وأَطْعِمِي عن كلِّ يومٍ مِسْكِينًا، ولا تَقْضِي" (١).
وبنحوِه عن سعيدِ بنِ حُبَيْرٍ عن ابنِ عبَّاسٍ (٢).
ولابنِ عبَّاسٍ قراءةٌ في قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾؛ قال: "يُطَوَّقُونَهُ"؛ مِن الطَّوْقِ الذي يحاطُ بالعُنُقِ؛ أي: يستطيعُ الصيامَ مع المشقَّةِ؛ كأنَّه قد أحاطَ بعنقِهِ، فيستطيعُ الصومَ مع الكُلْفةِ؛ كالشيخِ الكبيرِ، والمرأةِ العجوزِ، والحامِلِ، والمرضِعِ؛ لهذا عليه أن يُطعِمَ على هذا المعنى.
وقد قرأَ بها حَفْصةُ، وسعيدُ بنُ المسيَّبِ، وعِكْرِمةُ مَوْلى عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وعطاءٌ، ومجاهدٌ، وغيرُهم، ولم يقرَأْ بها أحدٌ من العَشَرةِ؛ لمخالفتِها الرَّسْمَ.
وعلَّلَ بعضُهم ترجيحَ هذا القولِ: أنَّ فيه دفعًا لمشقَّةٍ كبيرةٍ على المرأةِ الحامِلِ والمرضِعِ، قالوا: يحصُلُ كثيرًا أن تُنجبَ المرأةُ خمسةَ أولادٍ مثلًا على التتابُعِ؛ فتكونُ المرأةُ سَنَةً حاملًا وسنتَينِ مُرضِعًا في كلِّ ولَدٍ مِن أولادِها، فهذه خمسَ عَشْرةَ سنةً بين حملٍ وإرضاعٍ، فإيجابُ القضاءِ عليها أن تصومَ خمسةَ عشَرَ شهرًا فيه حرَجٌ بالغٌ وشديدٌ، فكيف إذا زادَتِ المرأةُ على خمسةِ أولادٍ؟ !
стр. 215
ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ خلافُه.
القولُ الثَّاني: ذهَبَ أحمدُ والشافعيُّ، ومالكٌ وأبو حنيفةَ: إلى أنَّ المرضِعَ والحامِلَ يجبُ عليهما أن يَقْضِيَا، واختُلِفَ في الإطعامِ، والحاملُ والمرضعُ في ذلك على حالَيْنِ:
أوَّلًا: إذا خافَتا على نفسَيْهِما؛ فهما يُقاسانِ على المريضِ باتفاقِ الأئمَّةِ الأربعةِ.
ثانيًا: إذا خافَتَا على ولدَيْهِما؛ كأنْ تكونَ المُرضِعُ قد جَفَّ حليبُها، وتخشى أنَّها إن لم تَطْعَمْ، قَلَّ دَرُّها وتضرَّرَ صبيُّها، أو تكونَ حاملًا وتتناولَ علاجًا لصبيِّها في بطنِها:
فذهَبَ أحمدُ وهو المشهورُ مِن مذهبِه، وهو قولُ الشافعيِّ في روايةِ المُزَنيِّ: إلى أنَّها تُفطِرُ وتُطعِمُ وتَقضي، واستَدَلَّ بقولِ اللَّهِ : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾.
وهذا القولُ لم يَصِحَّ القولُ به عن أحدٍ من السَّلَفِ - فيما أعلمُ - إلَّا مجاهدَ بنَ جَبْرٍ، وحكاهُ ابنُ أبي حاتمٍ عن بعضِ العراقيِّينَ؛ كالحسنِ والنَّخَعِيِّ في قولٍ له.
روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن عُثْمانَ بنِ الأَسْوَدِ؛ قَالَ: سَأَلْتُ مجاهِدًا عن امْرَأَتِي، وكَانَتْ حَامِلًا، فوافَقَ تاسعُها شَهْرَ رَمَضانَ فِي حَرٍّ شديدٍ، فشَكَتْ إليَّ الصَّوْمَ، قد شَقَّ عليها، قالَ: "مُرْهَا، فَلْتُفْطِرْ وَتُطْعِمْ مِسْكِينًا كُلَّ يَوْمٍ، فَإِذَا صَحَّتْ فَتَفْضِ" (١).
قال أبو عبدِ اللهِ المروزيُّ: "لا نعلمُ أحدًا صَحَّ عنه أنَّه جمَعَ عليهما الأمرَيْنِ: القضاءَ والإطعامَ، إلَّا مجاهدًا".