حُجَّتَهم، فقُرَيْشٌ كانوا يَنتَقِدُونَ أهلَ الكتابِ بعدَمِ عَمَلِهِمْ بالكتاب، وأنَّ قريشًا لو نزَلَ عليهم كتابٌ بلِسَانِهم، لآمَنُوا به، ولو بَيَّنَ لهم أخطاءَهم، لَترَكُوها وكانوا خيرًا منهم بالاتِّباعِ؛ وذلك في قولِهِ: ﴿أَو تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٧]، فذكَرَ اللهُ للطائفتَيْنِ دليلًا على أنه ليس حولَ العربِ أهلُ كتاب غيرهم، مع أن المجوسَ مَعرُوفُونَ، ولم يكونوا عندَهم أهلَ كتابٍ، فلو كانوا كذلك، لكانَتِ الطوائفُ ثلاثًا.
وكذلك: فإنَّ اللهَ تعالى لمَّا ذكَرَ الذين يَنْجُونَ يومَ القيامةِ مِن أهلِ المِلَلِ الذين ماتوا على استقامةِ دِينِهم، لم يذكُرِ المجوسَ مع أهلِ الكتاب، فقال في سورةِ البقرةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [البقرة: ٦٢]، ومِثلُها في سورةِ المائدة، إلَّا أنه قدَّمَ الصابِئِينَ على النصارى؟ ﴿وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ [المائدة: ٦٩]، ثم قال: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: ٦٩]، ، وذكَر أنَّ هؤلاء قد يصدُرُ منهم عملٌ صالحٌ قبلَ العِلْمِ بالإسلام، وليس المجوسُ منهم، ولكن اللهَ لمَّا ذكَرَ الفصلَ يومَ القيامةِ بينَ الأُممِ ولم يذكُرِ النَّجَاةَ وعدَمَ الخوف، ذكَرَ المجوسَ معهم؛ كما في الحَجّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾ [الحج: ١٧].
وفي أحسَنِ أحوالِ المجوسِ: فهذا يدُلُّ على أن الصابِئِينَ أحسَنُ منهم، وأقرَتُ للكتابِ المنزَّلِ مِن المجوس، والصابئةُ اليومَ موجودونَ في العِرَاقِ وَيعتقِدونَ بنُبُوَّةِ آدمَ وشِيثَ وسامِ بنِ نوح وإبراهِيمَ ويحيى، والنَّصَارَى يُسَمُّونَهم يُوحَنَّاسِيَّةً؛ (نسبةً إلى يوحنَّا، وهو يحيى)، وهم
стр. 1507
طوائفُ وفِرَقٌ، وبعضُهُمْ بدَّل فأشرَكَ، وبعضهُمْ لم يُبدِّلْ وبَقِيَ على توحيدِه، وقد قال وهبُ بن مُنبِّهٍ - وهو مِن أهلِ العِلمِ بالمِلَلِ السابقةِ وأخبارِهم - لمَّا سُئِلَ عن الصابئةِ: "الذي يَعرِفُ اللهَ وحدَهُ، وليسَتْ له شريعةٌ يَعمَلُ بها، ولم يُحْدِث كُفْرًا" (١).
وذكَرَ غيرُ واحدٍ مِن السلفِ: أنَّهم أهلُ كتابٍ، كالسُّديِّ (٢)، وبه قال إسحاقُ وابنُ المُنذِرِ (٣)، وكثيرٌ مِنهم يَعتقِدونَ بإلهٍ واحدٍ، لا آلةٍ، وذكَرَ ابنُ زيدٍ أنَّهم يقولونَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ (٤).
وكلُّ فِرْقةٍ منهم لها حُكْمُها؛ فمَن لم يُبدِّلْ، أُلحِقَ بأهلِ الكتاب، ومَن بدَّل، ألحِقَ بالوثَنيِّينَ المشرِكينَ.
ومَن تأمَّلَ المنقولَ عن كتبِ الصابئةِ؛ ك (الكنزاربا) و (أدراشا أديهيا)، ونَظَرَ في عقائدِ المجوسِ وأقوالِهم، وجَدَ أنَّ الصابئِينَ أقرَبُ منهم، ولكنَّهم ليسوا في جزيرةِ العربِ حتى يُعرَفَ أمرُهُمْ وَيشتهِرَ ذِكرُهُمْ عندَ قريشٍ وأمثالِها، وهم اليومَ عددٌ قليل في العراقِ وبعضِ الشام، وإلحاقُ هذا النوعِ مِن الصابئين بأحكامِ الجزيةِ عندَ مَن يقولُ بحَصْرِها في أهلِ الكتابِ أولى مِن المَجُوس، فضلًا عن المَلَاحِدةِ والمُشرِكينَ.
وسببُ خلافِ العلماءِ في عمومِ الجِزْيةِ وخصوصِها في الكفَّارِ هو تأخُّرُ نُزولِها، وذِكْرُ اللهِ لأهلِ الكتابِ في الآيةِ في قولِه ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، وقد نزَلَتِ الآيةُ بعدَ ذَهَابِ شَوْكةِ المشرِكينَ في جزيرةِ العرَبِ وأطرافِها، وأهلُ الكتابِ حينَها أهلُ شَوكةٍ وقُوَّةٍ، فجاءَ النصُّ عليهم، واللهُ أعلَمُ، قوله تعالى.
﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ الصَّغَارُ هو
стр. 1508
الذِّلَّةُ، فلا يُعطُونَ المالَ بمِنَّةٍ كالهديَّةِ والهِبَة، فتكونَ لهم اليدُ العُليا، فهذا ليس مِن مقاصدِ الجِزْيةِ؛ وإنَّما تكونُ الجِزْيةُ معَ قوةٍ، وظهورِ أمرٍ، وقدرةٍ على قتالٍ.
وقد أحَذَ عمرُ الجِزْيةَ مِن بعضِ نصارى العرَبِ؛ كَتَغْلِبَ، لمَّا كَرِهُوا مُشابهتَهُمْ بالعَجَم، فقالوا: نحن عربٌ ولا نُؤدِّي ما تُؤدِّيهِ العجَمُ, ولكن خُذْ منَّا باسْمِ الصَّدَقةِ كما تأخُذُ مِن العرَب، كما رَوَى أبو عُبَيْدٍ، عن هُشَيْم، حدَّثَنا مُغِيرةُ، عن السَّفَّاح بن المثنَّى الشيبانيُّ، عن زُرْعَةَ بنِ النعْمانِ - أو: النُّعْمانِ بنِ زرْعَةَ -: "أَنَّه سألَ عمرَ بنَ الخطَّابِ وكلَّمَهُ في نَصارى بني تَغلِب، وكان عمرُ قد هَمَّ أن يَأخُذَ مِنهم الجِزْيةَ، فتَفرَّقوا في البلاد، فقال النُّعمانُ بن زُرْعةَ لعُمرَ: يا أميرَ المؤمنِينَ، إنَّ بني تَغلِبِ قومٌ عربٌ يَأنَفُونَ مِن الجِزْية، وليسَتْ لهم أموالٌ؛ إنَّما هم أصحابُ حُرُوثٍ ومَوَاشٍ، ولهم نِكَايةٌ في العدوّ، فلا تُعِنْ عَدُوَّكَ عليك بهم، قال: فصالَحَهُمْ عمرُ ﵁ على أن تضعَّفَ عليهم الصَّدَقةُ، واشترَطَ عليهم ألَّا يُنَصِّرُوا أولادَهم" رواهُ أبو عُبيدٍ (١).
ولهذا ضاعَفَ عليهم عمرُ الجِزْيةَ؛ كما روى الحَكَمُ بن عُتَيْبةَ؛ قال: "سمعتُ إبراهيمَ النَّخَعيَّ يُحدِّثُ عن زيادِ بنِ حُدَيرٍ - وكان زيادٌ يومَئذٍ حيًّا - أنَّ عمرَ ﵁ بعثَهُ مُصَدِّقًا، فأمَرَهُ أنْ يأخُذَ مِن نصارى بَني تَغلِبَ العُشْرَ، ومِن نصارى العربِ نِصْفَ العُشْرِ" رواهُ عبدُ الرزّاقِ (٢).
وإنَّما ترَكَ عمرُ أَخْذَها باسْم الجِزيةِ؛ حتَّى لا تَعظُمَ الفتنةُ بهم؛ بلَحَاقِهم بعدوِّه، وانتفاعًا بمالِهم وقُوَّتِهِمْ عندَ الحاجةِ إليهم، وفي هذا أنَّ تحقُّقَ المعاني أعظَمُ مِن تحقُّقِ المصطَلَحات، وقد أخَذَ النبيّ ﷺ مِن
стр. 1509
اليهودِ خَرَاجَ أرْضِهم وصالَحَهُمْ على ذلك، ولم يَكُنْ ذلك جِزْيةً، وللمُسلِمينَ أنْ يَفعَلوا ذلك مِن بَعْدِه، فأمرُ الصَّغَارِ في الجِزيَةِ مَنُوطٌ بالقُدْرةِ على الصحيح؛ كما أنَّ أصلَ القتالِ مَنوطٌ بها كذلك؛ فالجِزْيةُ مِن بابِ أَولى، والصغارُ أولى مِن ذلك كلَّه.
مِقْدارُ الجِزْية، وممَّن تُؤخَذُ، والحِكْمةُ مِن أخْذِها:
وتؤخَذُ الجِزْيةُ مِن البالِغينَ مِن الرِّجالِ دونَ النساء، ولا تُؤخَذُ ممَّن لا يُقاتِلُ؛ كالصَّبِيِّ والمرأةِ والمجنونِ والشيخِ الفاني، وقد حكى الاتِّفاقَ على هذا غيرُ واحدٍ؛ كابنِ المُنذِرِ وابنِ قُدَامةَ (١)، وقد كان عمرُ يَنهى عن أخذِها منهم، وفي وصيَّةِ أبي بكرٍ ليَزِيدَ بنِ أبي سُفْيانَ: "إِنَّكَ سَتَجِدُ قَوْمًا زَعَمُوا أنَّهُمْ حَبَسُوا أنْفُسَهُمْ لِله، فَذَرْهُمْ وَمَا زَعَمُوا أنَّهُمْ حَبَسُوا أَنفُسَهُمْ لَهُ" رواه البيهقيُّ (٢).
ولا تقديرَ في القِيمَةِ المأخوذةِ على الأصحِّ؛ لأنَّ النبي ﷺ وأصحابَهُ اختَلَفَ أخذُهم، فلم يَكُنْ ذلك مقدَّرًا كنِصَابِ الزَّكاةِ مَشَى عليه جميعُهم؛ فدَلَّ على أنَّ ذلك بحَسَبِ المصلحةِ والقُدْرةِ.
وأمَّا بعثُ رسولِ اللهِ ﷺ مُعَاذًا إلى اليمَنِ وأمرُهُ أنْ يأخُذَ الجِزْيةَ؛ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِر (٣) -: فذلك كان منه في قضيَّةِ عَيْن، فقد أخَذ بعدَ ذلك ولم يقدِّرْ مِثلَ ذلك حينَما أخَذَ مِن أهلِ البَحْرَيْنِ ونَجْرانَ؛ فقد صالَحَ أهلَ نَجْرانَ على أَلْفَيْ حُلَّةٍ؛ النِّصْفُ في صفَر، والباقي في رجبٍ (٤).
стр. 1510
وأخَذَ أصحابُهُ كعُمَرَ خلافَ تقديرِهِ في أهلِ اليمنِ؛ فقد جعَلَ الجِزْيةَ على ثلاثِ أحوال: على الغنيِّ ثمانيةً وأربعينَ دِرْهَمًا، وعلى المتوسِّطِ أربعةً وعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وعلى الفقيرِ اثنَيْ عشَرَ دِرْهَمًا (١)، وقد أخَذ على تَغلِبَ ضِعفَيْ ما على المُسلِمينَ (٢).
وهكذا فَهِمَ غيرُ واحدٍ مِن فقهاءِ السَّلَفِ؛ أنَّ الأمرَ على اليَسَارِ والمُصالَحةِ بحسَبِ اختلافِ البُلْدانِ؛ ففي البخاريّ، عن ابنِ عُيَيْنةَ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ؛ قال: قلتُ لمجاهِدِ: ما شأنُ أهلِ الشَّامِ عليهم أربعةُ دنانيرَ، وأهلُ اليمنِ عليهم دينارٌ؟ قال: جُعِلَ ذلك مِن قِبَلِ اليَسَارِ (٣).
وذهَبَ إلى أنَّ قيمةَ الجِزْيةِ غيرُ مقدَّرةٍ كالزَّكَاة، وأنَّهم بحسَبِ ما يتَصالَحُونَ عليه معَ عدوِّهم - جماعةٌ مِن الأئمةِ؛ كعطاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ وأبي عُبَيْدٍ، وهو آخِرُ أقوالِ أحمدَ؛ كما حكاهُ الخَلَّالُ، ورجَّحَهُ ابنُ تيميَّةَ وغيرُهُ.
الحِكْمةُ مِن الجِزْيةِ:
وللجِزْيةِ حِكَمٌ متعددةٌ في تشريعِها وأَخْذِها مِن الكفَّارِ:
منها: إغناءُ اللهِ للمؤمِنِينَ مِن فَضْلِه؛ ليَقْوَوْا بأنفُسِهم على عدوِّهم.
ومنها: الصَّغارُ على الكافرينَ، ومنها: إبقاءُ الكفارِ ليُخالِطوا المُسلِمينَ ويرَوْهم؛ فبَدَلًا مِن قَتْلهم يُترَكونَ ليُشاهِدوا المُسلِمينَ، ويَألَفوا الإسلامَ، ولو قُتِلوا لاستحَقُّوا النارَ.
ومنها: علوُّ يدِ المؤمنينَ في الأرضِ.
стр. 1511
وقد اختُلِفَ في مُقابِلِ الجزاءِ المقصودِ مِن الجِزْيةِ؛ فالجزيةُ في أصلِها مشتقَّةٌ مِن الجزاء، كأنَّها جَزاءٌ لشيءٍ أو أشياءَ منهم، ولمَّا كان عمرُ لم يأخُذْهَا باسْمِ الجِزْية، وإنَّما باسمِ الصَّدَقةِ؛ دلَّ على أنَّ ثَمَةَ جزاءً فوقَ الصَّغَارِ للجِزْية، ولمَّا كان أصلُ أَخدِ المالِ على أيِّ حالٍ معَ تَرْكِ القتلِ يتضمَّنُ علوَّ يدٍ للمُسلِمينَ وظهورًا على الكافرينَ، كان الأصلُ في أَخْذِ الجِزْيةِ هو عِصْمةَ دمِهم وتَرْكَهُمْ بعدَ القُدْرةِ عليهم؛ كما هو قولُ مالكٍ, وكذلك فقد جعَلَ الشافعيّ سبَبَ أخدِ الجِزْيةِ هو عِصْمةَ دمِهم وسُكْناهم دارَ المُسلِمينَ، وجَرَيان حُكْمِ المُسلمينَ عليهم؛ قال الشافعيَّةُ: "وأشدُّ الصَّغَارِ على المرءِ: أنْ يُحكَمَ عليه بما لا يعتقِدُهُ، ويُضطَرَّ إلى احتمالِه" (١).
ومَن كان قادرًا عليهم، عرَضَ الجِزْيةَ عليهم مُقابِلَ تَرْكِهم في دارِه، مع القدرةِ عليهم؛ بحِمَايَتِهم لو نزَلَ بهم عدوُّ أنْ يَدفَعَ عنهم المُسلِمونَ ولا يَترُكوهم.
ولا يجوزُ للمُسلِمينَ مُصالَحَةُ عدوِّهم بلا جِزْيةِ ولا خَرَاجٍ وهم قادِرونَ عليهم بالإجماع، إلَّا في حالِ الحاجةِ والضرورةِ؛ كما فعَلَ النبيُّ ﷺ في الحُدَيْبِيَة، وإذا كَثُرَ الأعداءُ على المُسلِمينَ، وتكالَبَتْ عليهم الأممُ وهم في حالِ ضَعْفٍ وتفرُّقٍ، فلهم المصالَحةُ والمهادَنةُ بلا خَرَاجٍ ولا جِزية، ولكنه خِلافُ الأصل، يخَعمَلُ المُسلِمونَ على عدَمِ دَوَامِه، ولا إطالةِ أمَدِه.
стр. 1512
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤].
مَن جحَدَ وجوبَ الزَّكاة، فقد كفَرَ ولو أدَّاها، وتارِكُها بُخلًا ليس بكافرٍ على قولِ عامَّةِ السَّلَفِ والفقهاء، وعن بَعْضِهم كُفْرُه، وهو روايةٌ عن أحمدَ، وبها قال إسحاقُ وبعضُ المالكيَّة، وهو خلافُ قولِ مالكٍ.
والصحيحُ: عدمُ كُفْرِه؛ وهذا ظاهرُ حديثِ أبي هريرةَ في مُسلِم؛ قال رسولُ اللهِ ﷺ : (مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَة، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَاد، فَيَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّة، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ) (١).
ولو كان كافِرًا، فلا سبيلَ له الَّا الخلودُ في النَّارِ.
وفي الآيةِ: وجوبُ زكاةِ النَّقْدَيْنِ؛ ولا خلافَ في ذلك.
زَكَاةُ حُلِيِّ المرأةِ:
ولا زكاةَ في حُلِيِّ المرأةِ مِن غيرِ الذهَبِ والفِضَّةِ؛ كالجواهرِ مِن اللُّؤْلُؤِ والزبَرْجَدِ والألماس، وقد حكى ابنُ عبد البَرِّ الإجماعَ على ذلك (٢).
وأمَّا حُلِيُّ المرأةِ مِن الذهَبِ والفضَّة، فقد اختَلَفَ فيه العلماءُ:
فذهَبَ أبو حنيفةَ: إلى وجوبِ الزَّكَاةِ كما هو في الذَّهبِ المكنوزِ؛ لعمومِ الآيةِ؛ كهذه الآيةِ وغيرِها، ولأحاديثِ الأمرِ بذلك.
стр. 1513
وذهبَ جمهورُ العلماءِ - وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ وعامَّةِ الصحابةِ -: إلى عدَمِ زكاةِ الحليِّ.
والأحاديثُ الواردةُ المرفوعةُ في وجوبِ زكاةِ الحليِّ وعدمِ زكاتِها: لا يَصِحُّ منها شيءٌ؛ كحديثِ جابرٍ مرفوعًا: (لَا زَكَاةَ فِي الحُلِيِّ)؛ فقد رواهُ البيهقيُّ، وفيه عافيةُ بن أيُّوبَ؛ لا يُعرَفُ، وقال البيهقيُّ: لا أصلَ له مرفوعًا (١).
وثبَت عن جابر روايةُ القولِ بعدَمِ زكاةِ الحُلِيِّ (٢).
وحديثُ السَّوارَيْنِ الذي فيه الأمرُ بزكاةِ الحليُّ، ويَرويهِ عمرُو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جدِّه، في "المسنَدِ"، و"السُّنَنِ" (٣)، رواهُ عن عمروٍ جماعةٌ، كابنِ لَهِيعةَ، والمثنَّى بنِ الصَّبَّاح، والحجَّاجِ بنِ أَرْطَاةَ، وحُسَيْنِ بنِ ذَكْوانَ المعلِّمِ، وجميعُها ضعيفةٌ ومعلومةٌ، وكذلك حديثُ أسماءَ بنتِ يزيدَ في "المسنَدِ" (٤)، وعائشةَ وأمِّ سلمةَ عندَ أبي داودَ (٥)، وابنِ مسعودٍ وفاطمةَ بنتِ قيسٍ عندَ الدارقطنيِّ (٦) -: فلا تَصِحُّ، وقد تكلَّمتُ على عِلَلِها في "كتابِ العِلَل".
وقد أعَلَّ التِّرْمِذيُّ وابنُ رجبٍ أحاديثَ: البابِ جميعًا، وجاءَ عن خمسةٍ مِن الصحابةِ عدمُ زكاةِ الحُلِيِّ: أنسٌ, وجابرٌ، وابنُ عمرَ، وعائشةُ، وأسماءُ، ولا يصحُّ عن أحدٍ مِن الصحابةِ في زكاةِ الحليِّ شيءٌ: صريحٌ إلا عن ابنِ مسعودٍ.
стр. 1514
قال أبو عُبَيْدٍ في "الأموالِ": "ولم تَصِحَّ زكاةُ الحليُّ عندَنا عن أحدٍ مِن الصحابةِ إلَّا عن ابنِ مسعودٍ" (١).
وابنُ مسعودٍ صحابيٌّ كبيرٌ متقدِّمٌ، وفقهُهُ معروفٌ، وفُتياهُ تَشتهِرُ عندَ الصحابة، ولو كان مستنَدُهُ الوحيَ القاطعَ، لَعَلِمَهُ الصحابةُ، ولَسَألُوهُ عنه.
وقد جاء عن أنسٍ؛ قال: "إذا كان يُعارُ ويُلبَسُ، فإنَّه يُزَكَّى مرَّةً واحدةً".
أخرَجَه ابن زَنْجَوَيْهِ والبيهقيُّ؛ مِن حديثِ سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أنسٍ (٢).
وظاهرُةُ: أنَّ أنسًا لا يَرَى الزَّكَاةَ، والزَّكاةُ لو وجَبَتْ لا تتقيَّدُ بعام ولا عامَيْن، وما يَمَنعُ إخراجَها في عامٍ يَمنَعُها في بقيَّةِ الأعوام، لا العكسُ، ويَظهَرُ هذا مِن وجوهٍ:
الأولُ: أنَّ أنَسًا قال: إنْ كان يُعارُ ويُلبَسُ، فإنَّه يُزَكَّى مَرَّةً واحدةً، ولعلَّ مرادَهُ: يُزكَّى بلُبْسِهِ وعاريَّتِهِ مَرَّةً، ومَن لَبِسَتْهُ أو أعارَتْهُ مَرَّةً واحدةً، فتلك زكاتُهُ, فغيرُ واحدٍ مِن الصحابةِ والسلفِ يَجعَلونَ زكاةَ الحُلِيِّ عاريتَهُ، وكأنَّ أنسًا جعَل زكاتَهُ باللُّبْسِ والعاريَّةِ لعامٍ واحدٍ يُسقِطُ كونَهُ كَنْزًا، لا أنه يجبُ على المرأةِ أنْ تُزكِّيَهُ ما دامَتْ لم تَلبَسْهُ بقيَّةَ الأعوامِ أو تُعِرْهُ؛ فما كلُّ النِّساءِ تَجِدُ حاجةً فيها ولا عاريَّةً لغيرِها.
الثاني: انَّه جاء عن أنسٍ نفيُ زكاةِ الحليِّ مطلَقًا؛ كما رواهُ البيهقيُّ مِن حديثِ عليِّ بنِ سُلَيْمٍ؛ أنه سألَ أنسَ بنَ مالكٍ عن زكاةِ الحليِّ؟ فقال: "ليس فيه زكاةٌ" (٣).
стр. 1515
الثالثُ: أنَّ راويَ الأثرِ الأوَّلِ عن أنسٍ قتادةُ، وقتادةُ يُفتي بعدَمِ وجوبِ الزَّكَاةِ على الحُلِيِّ؛ وهو أعلَمُ بقيدِ أنسٍ.
روى ذلك عنه أبو عُبَيْدٍ في "الأموالِ" وغيرُه (١).
وعمومُ البَلْوَى بالحُلِيِّ للنِّساءِ أكثَرُ مِن عمومِ البلوى ببعضِ صورِ البيعِ وأحكامِه، وقد صحَّ الدليلُ فيها بأقوى الأسانيد، وزكاةُ الحُلِيِّ لو كانتْ ثابِتةً في الشريعة، لَجَاءَ بها النصُّ بسندٍ قويٍّ.
* * *
قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦].
ذكَرَ اللهُ عدَدَ الشهور، وذكَر منها الأربعةَ الحُرُمَ، وتقدَّم الكلامُ عليها في سورةِ البقَرةِ وغيرِها، وبيَّنَّا أنَّ تحريمَ القتالِ فيها منسوخٌ، وبقاءَ تعظيمِها محكَمٌ، وفي دليلِ الخطابِ: أنَّ العملَ الصالحَ فيها معظَّمٌ، وقد كان النبيُّ ﷺ يَحرِصُ على صومِ شهرِ اللهِ المحرَّم، وجعَلَ صيامَهُ أفضَلَ صيامِ نافلةِ الأشهُرِ؛ لأنَّ مُقتضى تعظيمِ الذنوبِ في موضعٍ وزمانٍ يدُلُّ على تعظيمِ الطاعاتِ فيه؛ فرحمةُ اللهِ سابقةٌ لِغَضَبِه.
وتعظيمُ حُرْمةِ المسجِدِ الحرامِ أعظَمُ مِن الأشهُرِ الحُرُمِ؛ لأنَّ الأشهُرَ الحُرُمَ إنَّما حُرِّمَتْ لأجلِ المسجِدِ الحرام، وخَشْيةَ الصدِّ عنه، ولم تُعظَّمْ لِذَاتِها؛ كتعظيمِ رَمَضانَ وغيرِهِ مِن الزمان، ثم تَبِعَها أحكامٌ اختَصَّتْ بها؛ كما تقدَّمَ بيانُه.
стр. 1516
وقد أخَذَ بعضُ العلماءِ مِن تغليظِ السيِّئاتِ في الأشهُرِ الحُرُمِ وفي الحَرَمِ - تغليطَ العقوبةِ على مَنْ أصابَ حَدًّا فيها، وليس في ذلك شيءٌ مرفوعٌ يثبُتُ؛ وإنَّما هو اجتهادٌ مِن بعضِ السَّلَفِ والفقهاءِ؛ أخذًا مِن مُقتَضى التعظيمِ والنَّهْيِ عن الظُّلْمِ فيها؛ ولهذا اختَلَفُوا في نوعِ التغليظِ ومِقْدارِه.
وقد ذهَبَ كثيرٌ مِن السَّلَفِ: إلى تغليظِ العقوبةِ لِمَن أصابَ حدَثًا في الحَرَمِ؛ مِنهمُ: ابنُ المسيَّب، وسعيدُ بن جُبَيْرٍ، وعطاءٌ، وطاوسٌ؛ وهو قولُ الشافعيِّ وأحمدَ.
وذهَبَ مالكٌ وأبو حنيفةَ: إلى عدمِ التغليظِ.
* * *
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨].
نَزَلَت في غَزْوةِ تبوكَ لمَّا استنفَرَ النبيُّ ﷺ المؤمنينَ؛ كما قال مجاهدٌ: "أُمِرُوا بغَزْوةِ تَبُوكَ بعدَ الفتح، وبعدَ الطَّائِفِ؛ وبعدَ حُنَيْنٍ؛ أُمِرُوا بالنَّفِيرِ في الصَّيْف، حينَ خُرِفَتِ النَّخْلُ، وطابَتِ الثِّمَارُ، واشتَهَوُا الظِّلالَ، وشَقَّ عليهم المَخرَجُ" (١).
وإذا استَنْفَرَ الإمامُ الناسَ، وجَبَ النفيرُ بلا خلافٍ، وفي "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال ﷺ : (وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ، فَانْفِرُوا) (٢).
стр. 1517
ورُوِيَ عن عِكْرِمةَ والحسَنِ؛ أنَّ هذه الآيةَ منسوخةٌ (١)، والجماهيرُ على عدَمِ نسخِها، فهي مخصوصةٌ لقومٍ استُنفِرُوا ولمِ يَنفِرُوا، وحُكْمُ النَّفيرِ يَختلِفُ عن غيرِه، ويَجِبُ على الإمامِ أنْ يَجعَلَ مِقْدارَ استنفارِهِ بحسَبِ حاجةِ الدَّفْعِ والثُّغورِ؛ حتَّى لا تَخْلُوَ البُلْدانُ مِن الناسِ ومِن علماءَ يَحْمُونَ الدِّينَ، وقُرَّاءٍ يُقرِئُونَ الناسَ؛ كما يأتي بيانُه.
وآيةُ البابِ مخصوصةٌ بآياتٍ أُخرى، والتخصيصُ قد يُسمِّيهِ بعضُ المفسِّرينَ مِن السلفِ نَسْخًا.
* * *
قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ٤٧].
كان النبيُّ ﷺ يُعامِلُ المُنافِقِينَ بما يُظهِرونَهُ ولو كان يَعلَمُ مِن باطنِهم - بالوحي، ولَحْنِ القول، وببَعْضِ ما يُظهِرونَهُ - الكُفْرَ، وقد كان يأذَنُ لهم بالخَروجِ إلى الجهادِ؛ كما خرَجُوا معه في أُحُدٍ وتَبُوكَ وغيرِهما.
شرورُ المُنافِقِينَ في صَفِّ المؤمِنينَ:
بيَّن اللهُ نِعْمَتَهُ في عدمِ خروجِ المُنافِقينَ في صفِّ المُسلِمينَ للقتال، وأنَّهم يَضُرُّونَ أكثرَ ممَّا يَنْفَعونَ، ولو كان في خروجِهم نفعٌ، فهو في تكثيرِ السواد، فيَراهُم العدوُّ كثيرًا، وأمَّا ضرَرُهم، فقد ذكَرَ الله في خروجِ المُنافِقينَ في صفِّ المؤمِنينَ شرورًا ثلاثةً:
الأوَّلُ: أنَّهم أصحابُ رأيٍ سَوْءٍ، لا رأيٍ سديدٍ؛ وذلك في
стр. 1518
قولِهِ تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾، والخَبَالُ: هو مَرَضُ العقولِ بالهَوَى، وما يخلُصُ عنه مِن رأيٍ مُفسِدٍ، فإذا تنازَعَ المؤمِنونَ في نازلةٍ وتَشاوَرُوا فيها، لم يَكُنْ رأيُ المُنَافِقينَ إلَّا في صالِحِهمْ مِن أمرِ دنياهم؛ لأنَّ غايتَهم تحقُّقُ أطماعِهم، وسلامةُ معيشتِهِمْ، وهزيمةُ المؤمنينَ.
الثاني: أنَّهم أصحابُ قالاتِ سَوْءٍ بالنَّمِيمةِ والغِيبة، وشَقِّ الصفِّ بالفتنةِ؛ كالتخويفِ مِن العدوِّ والترهيبِ منه؛ ليَفُتُّوا في عَضُدِ المؤمنينَ وعزيمتِهم؛ وهذا في قولهِ تعالى: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾، والإيضاعُ هو الإسراعُ، ومِن ذلك لمَّا دفَعَ النبيُّ ﷺ مِن مِنًى، وسَمِعَ وراءَهُ زجرًا شديدًا وضَرْبًا وصوتًا للإبل، فأشارَ بسَوْطِهِ إليهم، وقال: (أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ؛ فَإِنَّ البِرَّ لَيْسَ بِالإيضَاعِ)؛ يَعني: الإسراعَ؛ رواهُ البخاريُّ (١).
ومنه قولُ امرِئِ القَيْسِ:
أُرَانَا مُوضِعِينَ لِأَمْرِ غَيْبٍ … وَنُسْحَرُ بِالطَّعَامِ وَبِالشَّرَابِ
يعني: أنَّ المُنافِقينَ أصحابُ مُبادَرةٍ للفِتْنةِ يَسْعَوْنَ إليها ويَطلُبونَها؛ ليَفتَعِلوها بأنفُسِهم، لا يَنفُخُونَ فيها إن أَوْقَدَها غيرُهُمْ فحَسْبُ؛ لأنَّهم يُسارِعونَ إلى الإيقادِ، وأمَّا النَّفْخُ في الفتنة، فقد يقَعُ مِن مسلمٍ عن جهلٍ وحَمِيَّةٍ وفِسْقٍ، وأمَّا إيقادُ الفتنِ وإشعالُها، فلا يكون إلَّا مِن منافِقٍ أو عدوٍّ ظاهرٍ.
وشَقُّ صفِّ المؤمِنِين عندَ القتالِ خاصَّةَ أشَدُّ عليهم مِن ضَعْفِ السِّلاحِ؛ لأنَّ في اجتماعِهم قُوَّةً أعظَمَ من قُوَّةِ السِّلاح، فيُهزَمُ المؤمِنونَ بإضعافِ أَقْوى ما فيهم؛ بسببِ المنافِقينَ.
стр. 1519
الثالثُ: استخدامُهُمْ للغافِلِينَ مِن المُسلِمينَ، الذين يَنْشُرونَ قَالَةَ السُّوءِ بحُسْنِ قصدٍ، فتَختَلِطُ الصفوفُ بدخولِ غيرِهم في صفِّهم، ولا يُفرِّقُ الناسُ بينَ ناقلِ السوءِ ومُختلِقِ السوء، وبينَ مُوقِدِ الفتنةِ والنافخِ فيها عن جهلٍ وحَمِيَّةٍ؛ وذلك في قولِهِ تعالى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾.
وهؤلاءِ السَّمَّاعونَ ليسوا مُنافِقينَ؛ وإنَّما هم أحسَنُوا الظَّنَّ بقصدِ المُنافِقينَ وحَسِبُوهُمْ صادِقينَ، فتقَلُوا كلامَهُمْ، وسارُوا مَسَارَهُمْ.
وقد قال مجاهدٌ في هؤلاء: "فحدِّثونَ عُيونٌ غيرُ المُنافِقينَ" (١).
وقال قَتادةُ: "وفيكم مَن يَسمَعُ كلامَهم ويُطيعُهم" (٢).
وقد يكونُ في المؤمِنِينَ مَن تُغيِّبُ نفسُهُ عَلَاماتِ النِّفاقِ عن المُنافِق، فلا يَرى إلَّا قرابَتَهُ إنْ كان قريبًا، أو وَطَنِيَّتَهُ إنْ كان بَلَدِيًّا له، أو يتأثَّرُ بما يُظهِرُهُ مِن حَمِيَّةٍ وغَيْرةٍ على المُسلِمينَ وهو يُبطِنُ غيرَها، وقد قال ابنُ إسحاقَ: "في المُسلِمِينَ قومٌ أهلُ مَحَبَّةٍ للمُنافِقينَ وطاعةٍ فيما يَدْعُونَهم إليه؛ لِشَرَفِهم فيهم" (٣).
وهذه الفئةُ مِن المؤمنينَ يَصْلُحُ أمرُهم، ولا مَضَرَّةَ منهم لو غابَ المنافِقونَ عنهم، وقد امتَنَّ اللهُ على المُسلِمينَ بغِيابِ المُنافِقينَ عن صفِّهم؛ حتَّى لا يَجِدُوا مِثْلَ هؤلاء، فيُؤثِّروا فيهم، فيُضِرُّوا بلُحْمةِ المؤمنينَ وجماعتِهم.
وقد بيَّن اللهُ أنَّ في المؤمنِينَ من هم مُنقادونَ بلا تفكُّرٍ؛ فإنْ سَمِعوا المُنافِقينَ، انقادُوا لهم، وإنْ سَمِعوا المؤمنينَ، انقادُوا لهم، وليس الشَّرُّ متأصِّلًا فيهم، وهؤلاء يُرفَق بهم، ولا يُجعَلون كحالِ المُنافِقينَ؛ فتَحْمِلَهم الجهالةُ وحميَّةُ الشيطان، فيَتمسَّكوا بالشرِّ فيَصيروا حَمَلَةً له.
стр. 1520
وقولُهُ تعالى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾، يَعني: قابِلينَ لكَلامِهم مُنصِتينَ له، والسَّمَاعُ للشيءِ: القابلُ له؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤١]؛ يعني: قابِلينَ له، وقد جعَلَهُمُ اللهُ في المؤمِنِينَ بقَوْلِه: ﴿وَفِيكُمْ﴾، فلَم يَجعَلْهم مِن المُنافِقينَ.
وقد ذكَرَ بعضُ المفسِّرينَ مِن السَّلَفِ: أنَّ أولئك عيونٌ للمنافِقينَ؛ يَنقُلُونَ الكلامَ إليهم؛ كما قالهُ مجاهِدٌ وابنُ زيدٍ والطبريُّ (١)؛ والأوَّلُ أظهَرُ وأشبَهُ.
اختلاطُ المُنافِقِ بالفاسِقِ عندَ بعضِ المُسلِمينَ:
ولا بدَّ أن يكونَ في صفِّ المؤمِنِينَ مَن يُحسِنُ الظنَّ بالمُنافِقينَ؛ لِمَا يُظهِرونَهُ مِن خيرٍ، ويَخْفى علهم ما يُبطِنونَهُ مِن شرٍّ، وهذا يَغلِبُ في أهلِ الغَفْلةِ والغَرَارَةِ مِن أهلِ الإيمانِ الذين لا يُحسِنونَ رَبْطَ الحوادثِ المُتباعِدةِ بعضِها ببعضٍ، وسَبْرَ الأحوال، ومعرفةَ لَحْنِ القولِ والغايةِ منه، مع الجهلِ بِصِفَاتِهم في القرآنِ وطريقتِهم في العَدَاءِ للمؤمنينَ، وحَمْلِ ما يبدُرُ منهم مِن شرٍّ على أنه خطأٌ وفِسْقٌ، لا نِفاقٌ، وهؤلاء الذين لا يُفرِّقونَ بينَ الفاسقِ والمنافقِ؛ كما روى البخاريُّ، عن زيدِ بنِ وهبٍ؛ قال: "كنَّا عندَ حُذَيْفةَ، فقال: مَا بَقِيَ مِنْ أَصْحَاب هَذِهِ الآيَةِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ، وَلَا مِنَ المُنَافِقِينَ إِلَّا أَرْبَعَةٌ، فَقَالَ أعْرَابِيٌّ: إِنَّكُمْ - أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ تُخْبِرُونَا فَلَا نَدْرِي، فَمَا بَالُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَبْقُرُونَ بُيُوتَنَا وَيَسْرِقُونَ أَعْلَاقَنَا؟ قَالَ: أُولَئِكَ الفُسَّاقُ، أَجَلْ، لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا أَرْبَعَةٌ، أَحَدُهُمْ شَيْخٌ كَبِيرٌ، لَوْ شَرِبَ المَاءَ البَارِدَ، لَمَا وَجَدَ بَرْدَهُ" (٢).
стр. 1521
وهذا الأعرابيُّ لم يُفرِّقْ بينَ المنافقِ والفاسق، فاستنكَرَ على حُذَيْفةَ قِلَّةَ عدَدِهم المذكورِ مع كثرةِ الفُسَّاقِ مِن السُّرَّاقِ وقُطَّاعِ الطريق، فبَيَّنَ له حذيفةُ أنَّ أولئك فُسَّاقٌ، وفَرْقٌ بينَ المنافقِ والفاسقِ.
* * *
قال تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَو كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٥٣].
عُرِفَ المُنافِقونَ بالشُّحّ، ولكنْ قد يقَعُ منهم نَفَقةٌ؛ إمَّا كَرْهًا؛ خوفًا مِن لائمةِ المؤمنينَ، أو خشيةَ الدَّوَائِر، أو طَوْعًا؛ رغبةً في غنيمةٍ، أو حبًّا لجاهٍ وسُمْعةٍ، وإنَّ نفَقتَهم تلك لن يَقبَلَها الله منهم في الآخِرة، وإنْ نَفَعَتْهم في الدُّنيا، فهو نفعٌ عاجلٌ منقطِعٌ، لا آجِلٌ دائمٌ.
قَبُولُ نَفَقةِ المُنافِقِ:
وتدُلُّ الآيةُ بدَلَالةِ الخِطابِ على جَوَازِ قَبُولِ نفقةِ المُنافِقينَ، ولم يَكُنِ النبيُّ ﷺ يَمنَعُ عطيَّتَهُمْ وهديَّتَهم ونفقتَهم؛ وذلك لأنَّهم يُؤاخَذونَ بما ظهَرَ منهم وأعلَنُوهُ، لا بما يُخْفُونَهُ أو يَكذِبونَهُ ولو قالوه، ويَظهَرُ قَبولُها منهم بقولِهِ تعالى بعدَ ذلك: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤]؛ يعني: أنَّهم أنفَقوا وأُخِذَتْ منهم عن كُرْهٍ.
وتُقبَلُ صَدَقةُ المنافِقِ؛ بشرطِ ألَّا تكونَ يدُهُ العُلْيا فيها، فيقودَ المؤمنينَ إلى ما لا يَرْضَوْنَ مِن عداوةٍ وقتالٍ، وسَلْمٍ أو حربٍ، فإنْ كان كذلك، لم يَجُزْ، وأمَّا إنْ كانتْ حالُ المؤمنينَ كحالِ النبيِّ ﷺ وخلفائِه؛ يَدُهُمْ هي العُلْيا الآمِرةُ، ولم تَكُنْ نَفَقةُ المُنافِقينَ تجعَلُهم يَسُودُونَ ويأمُرونَ ويَنهَوْنَ، ويُقدِّمونَ ويُؤخِّرونَ، فإنَّ ذلك جائزٌ، بل قد يكونُ ذلك مستحَيًّا إن كان فيه دفعٌ لعَدَاوتِهم الباطنة، وتأليفٌ لقلوبِهم، وإشعارُهُمْ
стр. 1522
بالأمانِ على أنفُسِهم؛ حتَّى لا يَكِيدُوا بالمؤمنينَ؛ فإنَّ الاحتواءَ وعدمَ الاستعداءِ سياسةٌ نبويَّةٌ، لا تُناقِضُ عقيدةَ الوَلَاءِ والبَراءِ.
وظاهرُ قولِه تعالى: ﴿أَنْفِقُوا طَوْعًا﴾ إشارةٌ إلى النَّفَقةِ عندَ رجاءِ المصلَحةِ والنفعِ وظهورِ اليدِ وعُلُوِّها على المؤمِنِينَ، فإنْ رجَوْا ذلك، أنفَقُوا بنفسٍ طيِّبةٍ، وقولُهُ: ﴿أَو كَرْهًا﴾ إشارةٌ إلى أصلِ إنفاقِهم، وهو عندَ نفعِ المؤمنينَ بمالِهم وعلوِّ الإسلامِ به، ولا حَظَّ لهم فيه؛ فإنَّهم لا يُنفِقونَ إلَّا وهم كارِهونَ؛ لأنَّ إيمانَهُمْ بثوابِ الآخِرةِ ضعيفٌ أو معدومٌ.
ثوابُ الكافرِ على أعمالِهِ الحَسَنةِ في الدُّنْيا:
ولا خِلافَ عندَ العلماءِ: أنَّ الكافرَ لا تَنفعُهُ نفقتُهُ في الآخِرة، بل لا يَنتفِعُ بشيءٍ مِن عمَلِه الصالحِ في الدُّنيا، وقد بيَّن اللهُ بعدَ ذلك: أنَّ سببَ عدمِ قَبُولِ نفقةِ أولئك المنافِقينَ هو كُفْرُهم الباطنُ باللهِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤]، وفي مسلمٍ؛ مِن حديثِ عائشةَ؛ قالتْ: يَا رَسُولَ الله، ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيُطْعِمُ المِسْكِينَ؛ فَهَل ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: (لَا يَنْفَعُهُ؛ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) (١).
واللهُ عَدْلٌ لا يَظلِمُ الناسَ شيئًا، فإنْ كان للكافرِ حَسَنةٌ في الدُّنيا، عَجَّلَها له، فيَنتفِعُ منها في دُنْياه، حتَّى إذا كان في الآخِرة، لم يَجِدْ مِن ذلك شيئًا، فإمَّا أنْ تكونَ مُجازاتُهُ العاجِلةُ باطِنةً؛ فيَجِدُ لها لذَّةً ونعيمًا نفسيًّا، أو ظاهرةً؛ فيُنعَّمُ في الدُّنيا بالمآكِلِ والمَشارِبِ والملابسِ والذُّرِّيَّةِ والزَّوْجاتِ وغيرِ ذلك.
стр. 1523
وقد يَجتمِعُ النعيمُ الظاهرُ والباطنُ له، وقد قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]، وفي مسلمٍ؛ مِن حديثِ أنسِ بنِ مالكٍ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَة، وَأَمَّا الْكَافِرُ، فَيُطعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا للهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَة، لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَة يُجْزَى بِهَا) (١).
وقد بيَّنَّا الكلامَ على هذه المسألةِ في (العقيدةِ الخُراسانيَّةِ) مفصَّلًا؛ فلْيُنظَرْ.
* * *
قال تعالى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠].
هذه الآيةُ مِن عظائمِ الآياتِ وأُمَّهَاتِها؛ وذلك لِتفْصيلِها مَصَارِفَ الزَّكَاة، وهي مُتَّصِلةٌ بعظَمَةِ الزكاة، وهي الرُّكْنُ الثالِثُ مِن أركانِ الإسلام، وقد أوجَبَ اللهُ الزكاةَ وفَرَضَها؛ لِيكونَ المالُ دائرًا بانضباطٍ محكومٍ بينَ الغنيِّ والفقير، فلا يَستأثِرَ به الغنيُّ، ولا يُحبَسَ في بيتِ المال؛ فإنَّ مُقتَضَى ربوبيَّةِ اللهِ أنْ خَلَقَ الخَلْقَ وأَوجَدَ لهم كِفَايةً مِن رزقٍ في الدُّنيا؛ فإنَّ الفقرَ لا يَنتشِرُ في الأرضِ إلَّا لغِيابِ العدلِ وظهورِ الظُّلْمِ في الأموال، وَيَظهَرُ الظُّلْمُ في هذا البابِ في موضِعَيْن، يأتي الكلامُ عليهِما عندَ قولِهِ تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣].
стр. 1524
هل يجبُ استيعابُ الأصنافِ الثَّمَانِيَةِ في كُلِّ زكاةٍ؟ :
لا خلافَ عندَ العلماءِ في بقاءِ مصارفِ الزكاةِ للأصنافِ الثمانيةِ بعدَ وفاةِ النبيِّ ﷺ ، إلَّا المؤلَّفةَ قلوبُهُمْ؛ ففد اختَلَفُوا في بقاءِ سَهْمِهم على قولَيْنِ؛ كما يأتي بيانُه.
وقد اختَلَفَ العلماءُ في استيعابِ الأصنافِ الثمانيةِ: هل هو واجبٌ في كلِّ مالٍ زكَويٍّ، أو ذلك بحسَبِ الحاجةِ والإمكانِ؟ على قولَيْنِ للفقَهاءِ:
قالتْ طائفةٌ: إنَّ استيعابَ الأصنافِ الثمانيةِ واجبٌ؛ وهذا قولُ الشافعيِّ.
وقالتْ أُخرى: إنَّ الاستيعابَ غيرُ واجبٍ، وإنَّه يجوزُ الدَّفْعُ لواحدٍ مِن الأصنافِ الثمانيةِ ما كان أحوَجَ مِن غيرِه؛ وهذا قول أكثرِ السلفِ والفقهاء، وهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ وأحمدَ، وبه قال ابنُ عمرَ وحذيفةُ وابنُ عبَّاسٍ وأبو العاليةِ وميمونُ بن مِهْرانَ وابنُ جُبيرٍ وعطاءٌ والحسنُ، ومَن تأمَّلَ فِعْلَ الصحابة، وجَدَ أنَّهم لا يَختلِفونَ في جوازِ جَعْلِها في صِنْفٍ واحدٍ، وعدمِ وجوبِ الاستيعابِ.
وقد حكى الإجماعَ العَمَلِيَّ مالكُ؛ فقد نقَلَ عنه ابنُ وهبٍ قولَهُ: أدرَكْتُ أهلَ العِلْمِ ومَن أَرْضَى لا يَختلِفونَ في أنَّ القَسْمَ في سُهْمَانِ الصَّدقاتِ على الاجتهادِ مِن الوَالي (١).
والآيةُ إنَّما ذكَرَتِ المصارفَ الثمانيةَ لبيانِ مستحِقِّيها، لا لوجوبِ القسمةِ بينَهم مُتساوِيًا أو غيرَ متساوٍ؛ وذلك لأمورٍ:
منها: أنَّ اللهَ ذكَرَ الأصنافَ المستحِقَّةَ للزَّكَاة، ولو كان الاستيعابُ
стр. 1525
مقصودًا، لَما أَخَّرَ البيانَ فيه، مع العلمِ أنَّ استيعابَ جميعِهم مِن الأمورِ الشاقَّةِ التي تحتاجُ إلى كُلْفةٍ وتَحَرٍّ شديدٍ؛ وهذا يحتاجُ إلى بيانٍ شبيهٍ ببيانِ الأصنافِ الثمانيةِ مِن بينِ بقيَّةِ الأصنافِ المحتاجةِ للمال، فليس أصلُ بيانِ الثمانيةِ بأحوَجَ مِن بيانِ وجوبِ استيعابِهم لو كان واجبًا.
ومنها: أنَّ النبيَّ ﷺ أخَدَ زكَواتِ كثيرٍ مِن الناس، وكذلك خلفاؤُه، ولم يثبُتْ أنه تَعمَّدَ استيعابَ الأصنافِ الثمانية، ولا نقَلَ ذلك عنه أحدٌ مِن أصحابِهِ صريحًا، ومِثلُ هذا لو كان عمَلًا لَنُقِلَ، فكيف يُقالُ بوجوبِهِ وإثمِ تارِكِه؟ !
ومنها: أنَّ استيعابَ الثمانيةِ غيرُ ممكِنٍ أو شاقٌّ جِدًّا في كثيرِ مِن الزَّكَوات، كمَنْ تجبُ عليه مِن مالِهِ زكاةٌ شاةٌ أو بقرةٌ، أو يجبُ في نقدَيْهِ مالٌ قليلٌ كدِرْهَمٍ ودِينارٍ؛ فكيف له قِسْمةُ ذلك على جميعِ الأصنافِ؟ ! ومثلُ هذا تكلُّفٌ؛ إذْ لا فَرْقَ في الوجوبِ بينَ كثيرِ الزكاةِ وقليلِها.
ومنها: أنَّ وجوبَ استيعابِ الأصنافِ الثمانيةِ يَلزَمُ منه إخراجُ الزكاةِ مِن بلَدِها إلى غيرِها مِن البُلْدانِ؛ فما كلُّ البُلْدانِ يُوجَدُ فيها قتالٌ في سبيلِ الله، ولا على أطرافِها ثغورٌ يُرابَطُ فيها، وقد قال النبيُّ ﷺ لمعاذٍ: (فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ) (١)، فجعَلَها في الففقراءِ ولم يُفصِّلْ له، وجعَلَها فيهم لا في غيرِهم، وقد لا يُوجَدُ فيهم جميعُ مصارفِ الزكاةِ الثمانيةِ.
ومنها: أنَّ اللهَ صدَّرَ آيةَ الأصنافِ الثمانيةِ بكَلِمةِ الحصرِ (إنَّما)؛ لبيانِ الحصرِ فيهم، لا الاستيعابِ لجميعِهم، فهي لإخراجِ غيرِهم منهم، لا لِتَسَاويهِم.
ومنها: أنَّ اللهَ بيَّنَ وجوبَ المساواةِ والعَدْلِ في العطيَّةِ في أمورٍ
стр. 1526
أخَصَّ؛ كالنفقةِ بينَ الزَّوْجات، والعَطِيَّةِ بينَ الأولاد، وقَسْمِ الميراثِ على الوَرَثة، وأوجَبَ استيعابَ كلِّ ذي حقٍّ حَقَّهُ، وقَدَّرَ كلَّ ذلك، وليس لأحدٍ أنْ يَخُصَّ واحدًا مِن الوَرَثةِ أو الأولادِ أو الزَّوْجاتِ بعَطيَّةٍ أو هبةٍ مِن المالِ المستحَقِّ للجميع، ولو كانتْ زكاةُ المالِ مِن هذا الجنس، لَبَيَّنَها اللهُ في كتابِه، أو النبيُّ ﷺ ؛ في قولِهِ أو عمَلِه.
ومنها: أنَّ القولَ بالاستيعابِ تعطيلٌ للأحقِّ منهم، فقد يَحتاجُ الناسُ إلى المالِ في الجهادِ في سبيلِ الله، خوفَ دَهْمِ العدوِّ عليهم، والحاجةُ تَستوعِبُ المالَ كلَّه، فلو كان الاستيعابُ واجبًا، لَتَعطَّلَ الجهادُ المتعيِّنُ، ومِثلُ ذلك لو وجَبَ الاستيعابُ وكان الفقراءُ أكثَرَ مِن المساكين، أو كانت حاجةُ المُسلِمينَ لفَقرِهم أشَدَّ مِن حاجةِ الكفَّارِ لتأليفِ قلوبِهم، لَلَزِمَ مِن الاستيعابِ تعطيلُ الأصلَحِ والأنفَعِ.
حُكْمُ الاستيعابِ:
ويُستحَبُّ استيعابُ الأصنافِ الثمانيةِ عندَ تساوي الحاجاتِ وتيسُّرِ الوصولِ إليها؛ وذلك خَشْيةَ تعطُّلِ المصالحِ الخاصَّةِ والعامَّةِ؛ فإنَّ المُسلِمينَ إنْ صرَفُوا زكاةَ أموالِهم وخَصُّوها في الفُقَراء، تَعطَّلَتِ المنافعُ الأُخرى؛ كحاجةِ أهلِ الرِّقابِ والغارِمينَ والمؤلَّفةِ قلوبُهم، وزَهِدَ الناس في الجهادِ وتَرَكُوه؛ لِعَدَمِ وجودِ تجهيزِ الغُزَاةِ وحُمَاةِ الثُّغورِ.
وكما أنَّ المفاسدَ تتحقَّقُ بالقولِ بإيجابِ الاستيعابِ؛ فإنَّها تتحقَّقُ بتعطيلِهِ وبالقولِ بعدَمِ استحبابِ التحرِّي له وقَصْدِه.
والأصنافُ الثمانية التي ذكَرَها اللهُ تعالى تختلِفُ مِن جهةِ الحاجةِ إليها وقيامِها بحسَبِ اختلافِ الزمانِ والمكان، والأَولى في الغنيِّ وقاسِمِ المالِ أنْ يقومَ بقِسْمةِ المالِ بحسَبِ مقاديرِ الحاجاتِ؛ فإنْ كان الفقرُ
стр. 1527
أشَدَّ، جعَلَ أكثَرَ زكاتِهِ فيه، وإن كان ثغرُ الجهادِ أحوَجَ، جعَلَ أكثَرَ زكاتِهِ فيه، وقسَمَ الباقيَ بحسَبِ الحاجةِ.
وأمَّا صحَّةُ الزكاة، فتصحُّ بصَرْفِها في موضعٍ واحدٍ منها، ولكنْ كما أنَّ الصدقةَ تتَفاضَلُ في نَفْسِها بحسَبِ الحاجةِ في مَصارفِها، فإنَّ الزكاةَ كذلك.
إعطاءُ الزكاةِ بالهَوَى ومَيْلِ النَّفْسِ:
ولا يَحِلُّ للغنيِّ ولا للإمامِ أنْ يُعْطِيَ الزكاةَ بحسَب هوى نفسِهِ المجرَّد، بل يجبُ فيها التماسُ قِسْمةِ اللهِ لها، ولو وافَقَت هوى النفسِ ومَيْلَها، جاز ذلك، وإنِ استوَتِ الحاجةُ بينَ اثنَيْنِ وأَحَدُهما تَمِيلُ النفسُ إليه مَيْلًا مجرَّدًا، ولو كانتِ البراءةُ تتحقَّقُ بأَحَدِهما، فإنَ الأَولى إعطاءُ مَنْ لا تَمِيلُ النفسُ بهَوَاهَا إليه؛ حتَّى لا يُجحِفَ الأنسانُ بحقِّ أحدٍ، وتأخُذَ به نفسُهُ إلى الظُّلْمِ وهي لا تشعُرُ.
وصاحبُ الحقِّ يَستحِقُّهُ ولو كَرِهَتْهُ النَّفسُ؛ فقد أَعطى النبيُّ ﷺ أقوامًا يَكرَهُهُمْ حالَ عَطائِهم ويُحِبُّ غيرَهم؛ كالأَقْرَعِ بنِ حابسٍ، وعُيَيْنَةَ بنِ حِصْنٍ، وغيرِهما، وفي "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ سعدٍ؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أَعطى رهطًا وسعدٌ فيهم؛ قال سعدٌ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: (أَو مُسْلِمًا)، فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدتُّ لِمَقَالَتِي، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: (أَو مُسْلِمًا)، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدتُّ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: (يَا سَعْدُ، إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ) (١).
стр. 1528
ولا يجوزُ أنْ يَدفَعَ الغنيُّ ولا الإمامُ الزكاةَ ليَكسِبَ بها مَدْحًا لنَفْسِه، ولا أنْ يَدفَعَ بها ذَمًّا عنها، فيُعطِيَ مَن يَحمَدُهُ وَيمنَعَ مَن لا يَذْكُرُهُ، ويُعطِيَ مَن يذُمَّهُ ليُسكِتَهُ، ويُعطِيَ مَن يسكُتُ ليَنطِقَ بمَدْحِه، فهذا يحوِّلُ الزكاةَ مِن حقٍّ لِمَنْ أَعْطاه، إلى حقٍّ له يَشتري به هَوَاه.
مَصْرِفُ الفُقَراءِ والمساكِينِ:
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾؛ قدَّمَ الله في هذه الآيةِ الفقيرَ والمسكينَ؛ لأنَّهما أَولى بالعَطَاء، وأشَدُّ في الحاجة، وأنَّ الفقرَ والمَسْكَنةَ أوسَعُ وقوعًا في الناسِ مِن جميعِ المصارفِ التاليةِ؛ ولهذا قال طاوسٌ في قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾: هو الرَّأسُ الأكبرُ؛ رواة عنه ليثٌ؛ أخرَجَه ابنُ أبي حاتمٍ (١).
وعامَّة السَّلفِ: أنَّ المُسلِمينَ هم المقصودونَ بهذه الأصنافِ إلَّا سَهْمَ المؤلَّفةِ قلوبُهم، ورَوَى عمرُ بن نافعٍ، عن عِكْرِمهَ؛ أنَّ المرادَ بالفُقراءِ: مِن المُسلِمينَ، والمساكينِ: مِن أهلِ الكتابِ (٢)، ورَوَى ابنُ أبي حاتيم في "تفسيرِه"؛ أنَّ الفُقراءَ زَمْنَى أهلِ الكتابِ؛ عن عُمرَ بنِ الخطَّابِ (٣)، وهو مُنكَرٌ، يَرويهِ عن عمرَ بنِ الخطابِ: عمرُ بن نافعٍ، عن أبي بكرٍ العَبْسيّ، عن عُمَرَ؛ ولا يَصِحُّ.
الفَرْقُ بينَ الفقيرِ والمِسْكِينِ:
الفقيرُ شديدُ الحاجة، ومُنكَسِرٌ فَقَارُهُ لعَجْزِهِ وذُلِّه، والفقيرُ أحوَجُ مِن المسكين، في ظاهرِ اللُّغَةِ وظاهرِ الآيةِ وظواهرِ الأدلَّة، وقد كان النبيُّ ﷺ يَستعيذُ مِن الفقر، ولم يثبُتْ أنه استعاذَ مِن المَسْكَنة، ورُوِيَ أنه سأَلها؛
стр. 1529
كما يُروى عندَ التِّرمذيّ، مِن حديثِ أنسٍ (١)، وعندَ ابنِ ماجهْ (٢)؛ مِن حديثِ أبي سعيدٍ مرفوعًا: (اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا).
ومِن العلماءِ: مَن جعَلَ المَسْكَنةَ أشَدَّ مِن الفقرِ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿أَو مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦]؛ وفيه نظرٌ؛ لأنَّ اللهَ ذكَرَ المَسْكَنةَ، وهو وصفٌ عامٌّ، وزادَ عليه وصفًا آخرَ، وهو قولُهُ: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾؛ لبَيانِ شِدَّةِ ذلك؛ فدَلَّ على أنَّ وصفَ المَسْكَنةِ وحدَهُ، ليس كافيًا لبيانِ شدَّةِ الحاجة، وغلَبَتِهِ على وصفِ الفقرِ.
والفرقُ بين الفقيرِ والمِسْكِينِ مختلَفٌ فيه؛ لاختلافِ حدِّ كلِّ واحدٍ منهما في نفسِه، والأظهَرُ: أنَّ الفقيرَ الذي لا يَستطيعُ العيشَ بلا معونةِ الناس، وأمَّا المسكينُ فهو: مَن يستطيعُ العيشَ ولكن مع ضرَرٍ في حالِهِ وسُوءٍ في عَيْشِه، والمسكينُ مَن يَجِدُ عمَلًا وحاجةً تسُدُّ بعضَ عيْشِه، ولكنَّها لا تَكْفِيه؛ ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩].
وفي "الصحيحَينْ"؛ قال ﷺ : (لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَان، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَان، وَلَكِنِ المِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى بُغْنِيه، وَلَا يُفْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْه، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ) (٣).
ومَن نظَرَ في النصوص، تحقَّقَ لدَيْهِ أنَّ الفقيرَ أسوَأُ حالًا مِن المسكين، وأنَّ الفقرَ والمَسْكَنةَ مُصطلَحانِ يتداخَلانِ في كثيرٍ مِن المعنى، وإنْ لم يتَطابَقَا؛ ولهذا قد يدخُلُ أحدُهما في الآخَرِ وينوبُ عنه، وقد يَفترِقانِ وقد يَجتمِعان، وقد ذهَبَ جماعةٌ مِن الفقهاءِ إلى المساواةِ بينَهما؛ كأبي يوسُفَ وابنِ القاسمِ وجماعةٍ مِن أصحابِ الشافعيِّ.
стр. 1530
حَدُّ الغَنِيِّ:
وقد اختَلَفَ العلماءُ في حَدِّ الغَنِيِّ الذي يُمنَعُ معه سؤالُهُ الزَّكَاةَ وإعطاؤُه لها:
فمِنهم: مَن جعَلَ له حدًّا معلومًا.
ومِنهم: مَن لم يَجعَلْ له حدًّا يَفصِلُ فيه؛ وقد ذهَب مالكٌ والشافعيُّ: إلى أنه لا حدَّ للغني معلومٌ؛ وإنَّما حالُهُ بحسَبِ وُسْعِهِ وطاقتِه؛ فإذا اكتَفَى بما عِندَة ولو كان قليلًا، حَرُمَتْ عليه الزكاةُ، وإنْ لم يَكتَفِ بما عِندَهُ ولو كان كثيرًا، حَلَّتْ له الزكاةُ؛ وذلك أنَّ أحوالَ الناسِ تَختلِفُ؛ فمنهم: صاحبُ زَوْجاتٍ وعيالٍ كثير، ومنهم: مَن لا زَوْجةَ له ولا ولَدَ، ومِنهم: مَن هو صحيحٌ مُعافًى، ومِنهم: مَن هو مريضٌ يَحتاجُ لعلاجِ مرَضِهِ أكثَرَ مِن طعامِ غيرِهِ لِنَفْسِهِ وولَدِه، وقد قاله الشافعيُّ: "قد يكونُ الرجلُ بالدِّرْهَمِ غنيًّا معَ كَسْبٍ، ولا يُغْنِيهِ الأَلْفُ معَ ضَعْفِهِ في نفسِهِ وكثرةِ عِيالِه" (١).
ومَن قال بأنَّ للغَنِيِّ حدًّا معلومًا، اختَلَفُوا في حَدِّه:
فذهَبَتْ طائفةٌ: إلى أنَّ حَدَّهُ خمسونَ دِرْهَمًا، فمَن مَلَكهُ فهو غنيٌّ تحرُمُ عليه الزكاةُ؛ وبهذا قال الثوريُّ، وابنُ المبارَك، وأحمدُ، وإسحاقُ؛ وذلك لحديثِ ابن مسعودٍ؛ قال: قيل: يا رسولَ الله، وما الغِنَى؟ قال: (خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أَو قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ) (٢)؛ رواهُ حَكِيمُ بن جُبَيْرٍ، عن محمدِ بنِ عبد الرحمنِ بنِ يَزِيدَ، عن أبيه، عن ابنِ مسعودٍ؛ به، وحكيمٌ متروكٌ، وللحديثِ وجهٌ آخرُ معلولٌ، وقد أَعَلَّ الحديثَ
стр. 1531
ابنُ مَعِينٍ (١)، والترمذيُّ (٢)، والنَّسَائيُّ (٣)، وغيرُهم (٤).
وذهَبَتْ طائفةٌ: إلى أنَّ حدَّ الغنيِّ مِئَتَا دِرْهَمٍ، وهو نِصابُ الزكاةِ الذي تجبُ فيه؛ وهذا قولُ أهلِ الرأي، وعلَّلوا ذلك بأن اللهَ أوجَبَ الزكاةَ على الأغنياء، وتُرَدُّ في الفقراء، فمَن وجَبَتْ عليه الزكاةُ، فليس بغنيّ، فكيف تُؤخَذُ الزكاةُ منه ثُمَّ تُرَدُّ إليه؟ !
قَوِيُّ البدَنِ وأَخْذُ الزكاةِ:
إذا كان الرجل قويَّ البدَنِ صحيحَ الجوارحِ ولم يَتَكَسَّبْ، فهو على حالَتَيْنِ:
الحالةُ الأُولى: أن يكونَ راغبًا في الكَسْبِ باحثًا عنه؛ فلم يَجِدْ عمَلًا، فهذا يُسمَّى المحرومَ والمُحارَفَ، وهو الذي لدَيْهِ قُدْرةٌ ولكنَّه لم يَجِدْ محلًّا يتكسَّبُ به، فهذا تَحِلُّ له الزكاةُ بلا خلافٍ، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤ - ٢٥]، والمحرومُ هو المُحارَفُ الذي لا كَسْبَ له، كما قالتْ عائشةُ: "المُحارَفُ الذي لا يَكادُ يتَيسَّرُ له مَكْسَبُه"؛ رواهُ عنها عُرْوةْ (٥).
وقال ابنُ عبَّاسٍ: "المحرومُ الذي يطلُبُ الدُّنيا وتُدْبِرُ عنه"؛ رواهُ عنه عليُّ بن أبي طَلْحةَ (٦).
وبمعنى هذا: قال مجاهِدٌ (٧)، والضَّحَّاكُ (٨).
стр. 1532
ويُسمِّيهِ الناسُ: العاطِلَ الذي يَبحَثُ عن العمَلِ والتكسُّب، ولا يَجِدُهُ.
الحالةُ الثانيةُ: أنْ يكونَ قويًّا لكنَّة تاركٌ للعمَلِ راغبًا عنه؛ لِكَسَلِهِ ودَعَتِه، فهذا قد اختُلِفَ في إعطائِهِ مِن الزكاةِ على قولَيْنِ:
مِن العلماءِ: مَن قال بعدَمِ جَوازِ إعطائِه منها؛ وبهذا قال الشافعيُّ وأبو عُبَيْدٍ وإسحاقُ.
ومِنهم: مَن قال بجوازِ ذلك ما لم يَملِكْ مِتئَتَيْ دِرْهمٍ؛ وبهذا قال مالكٌ وأهلُ الرأيِ.
والأظهَرُ: عدمُ جوازِ ذلك؛ فقد صحَّ في "المسنَدِ" و"السُّننِ"؛ مِن حديثِ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَدِيِّ بنِ الخِيارِ؛ قال: أخبَرَني رجُلانِ أنَّهما أتَيَا النبيَّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاع، وَهُوَ يقَسِّمُ الصَّدَقَةَ، فَسَأَلَاهُ مِنْهَا، فَرَفَعَ فِينَا الْبَصَرَ وَخَفَصَهُ، فَرَآنَا جَلْدَيْن، فَقَالَ: (إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ) (١).
ولظاهرِ قولِه ﷺ : (لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذي مِرَّةٍ سَوِيٍّ) (٢)، ولأنَّ في إعطائِهِ إعانةً له على رُكُونِهِ وكسَلِهِ وتَرْكِهِ التكسُّبَ.
وقولُه تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾، هم جُبَاةُ الزَّكَاةِ والصَّارِفونَ لها على أهلِها؛ فكلُّ مَن قامَ بجبايةِ الزَّكَاة، أو قامَ بصَرْفِها على أهلِها، أو قامَ على حِفْظِها، فهو مِن العامِلينَ عليها.
واتَّفَقَ العلماءُ على أنه يجوزُ أنْ تُعطَى الزكاةُ جميعًا لصِنْفٍ واحدٍ
стр. 1533
مِن الأصنافِ الثمانية، لكنْ لا يَجوزُ أن تُعطَى جميعُها للعامِلينَ عليها حتَّى لا يَصِلُ منها شيءٌ لغيرِهم؛ لأنَّ العامِل أُعطِيَ لأنَّه وسيلةٌ لغيرِه، والباقونَ غايةٌ؛ فلا تُعطى الوسيلةُ لتَتعطَّلَ الغايةُ.
صُوَرُ العَمَلِ على الزَّكَاةِ:
والعملُ على الزكاةِ يكونُ في صورٍ ثلاثٍ:
الصورةُ الأُولى: الذين يَقومونَ بتتبُّعِ الأغنياءِ وجَلْب الزكاةِ منهم إلى بيتِ المالِ.
الصورةُ الثانيةُ: الذين يَقومونَ بحِفْظِها وتخزينِها وحِسَابِها عندَ وصولِها إلى بيتِ المالِ؛ وذلك أنَّ للزَّكاةِ مُقامًا بينَ الغنيِّ والفقيرِ تَحتاجُ إلى حفظٍ وجمعٍ وحسابٍ، فمَن قامَ بذلك، فهو مِن العامِلينَ عليها.
الصورةُ الثالثةُ: الذين يَقومونَ بقِسْمَتِها على الفُقراءِ إمَّا بتتبُّعِ أحوالِ الفقراءِ وسَبْرِها حتَّى يَصِلَ المالُ على وَجْهِهِ إليهم، أو بنَقْلِ المالِ مِن بيتِ المالِ إليهم، أو حِسابِهِ وقِسْمَتِهِ بينَ الفُقَراءِ حتَّى يَستوعِبَ الأصنافَ الثمانيةَ، أو يستوعِبَ صِنفًا منهم؛ حتَّى لا يَبقى منهم ذُو فاقةٍ ويُعطى مَن دُونَهُ، فهؤلاءِ مِن العامِلينَ عليها جميعًا.
مِقْدارُ نصيبِ العامِلِينَ عليها:
وليس للعامِلينَ عليها قَدْرٌ معلومٌ؛ وإنَّما بقَدْرِ سِعَايةِ الواحدِ منهم؛ فإنَّ العمَلَ والجُهْدَ يَختلِفُ؛ فمَن يَقومُ بالجِبَايةِ والصَّرْفِ يَختلِفُ عمَّن يقومُ بجِايةِ المالِ فقطْ، ومَن يقومُونَ بالجبايةِ يَختلِفُونَ بحسَبِ جُهْدِهم وبُعْدِ مَسافاتِهم؛ وذلك بحسَب اجتهادِ الإمام، ولا يَرجِعُ ذلك إلى اجتهادِ الحامِلِ بنَفْسِه؛ حتَّى لا يَأْخُذَهَ طمَعُ نفسِهِ فيُكثِرَ فيُجحِفَ بحقٍّ الفقراءِ.
ولا يَصِحُّ أنْ يُخرِجَ الغنيُّ زكاتَهُ بشَرْطِ ألَّا يأخُذَ العامِلونَ منها
стр. 1534
شيئًا؛ فهذا شرطٌ باطلٌ؛ لأنَّ اللهَ جعَلَ قِسْمةَ المَصارِفِ إليه، لا إلى غيرِه، ثم إنَّه بذلك تتعطَّلُ مَصالحُ المُسلِمينَ، ويُروى عندَ أبي داودَ، عن زيادِ بنِ الحارثِ الصُّدَائيِّ ﵁؛ قال: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَبَايَعْتُهُ، قَالَ: فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَة، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَات، حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاء، أَعْطَيْتُكَ حَقَّكَ) (١).
ولا يجوزُ للعاملِ قَبُولُ الهديَّةِ والهِبَةِ مِن جِهتَيْها؛ مِن جِهَةِ الغنيّ، ولا مِن جهةِ الفَقيرِ؛ فتِلك رِشْوةٌ محرَّمةٌ.
وقولُهُ تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، المرادُ بهم: الكُفَّارُ، وأهلُ الشُّرورِ مِن المُسلِمينَ الذين تُستَمالُ قلوبُهم بالمالِ؛ إمَّا لكَسْبِ خيرِهم، أو لدَفْعِ شرِّهم.
إعطاءُ المؤلَّفةِ قلوبُهُمْ بعدَ النَّبِيِّ ﷺ -:
وحُكْمُ تأليفِ القلوبِ باقٍ لم يُنسَخْ؛ ما قامَ سببُه، ودَعَت حاجتُه، وقد اختُلِفَ في إعطاءِ المؤلَّفةِ قلوبُهُمْ بعدَ النبيِّ ﷺ :
فمِن السَّلَفِ: مَن قال بأنَّهم لا يُعطَوْنَ بعدَهُ؛ لأنَّ الإسلامَ اشتَدَّ وقَوِيَ ولا يَخافُ مِن عدوٍّ؛ لعِزَّتِهِ وعِزَّةِ أهلِه، واستُدِلَّ لذلك بما جَرَى عليه عُمَرُ؛ وبه قال الشَّعْبيُّ (٢)، والحسنُ (٣)، وجماعةٌ مِن السَّلَفِ.
والأظهَرُ: بقاءُ سَهْمِ المؤلَّفةِ قلوبُهم ما وُجِدَت العِلَّةُ ودعَتِ الحاجةُ؛ وبهذا قال أحمدُ، وإنَّما منَعَها عمرُ ومَن تَبِعَهُ؛ لانتفاءِ العِلَّةِ بقُوَّةِ الإسلام، وضَعْفِ الكُفْرِ وقِلَّةِ حِيلَةِ أهلِه، فليسَ أمامَهم إلَّا الإسلامُ،
стр. 1535
وليس في قُدْرتِهم الإضرارُ بالإسلامِ وأهلِه، وما فعَلَهُ عمرُ ليس إلغاءً للحُكْمِ ونَسْخًا له؛ وإنَّما رَفْعٌ له لانتفاءِ عِلَّتِه.
وقد أَعطَى النبيُّ ﷺ أقوامًا بعدَ فتحِ مَكَّةَ وظهورِ القُوَّةِ وسُلْطانِ الإسلامِ والمُسلِمينَ؛ وذلك لقِيامِ المُوجِبِ في أعيانِ المؤلَّفةِ قلوبُهم.
ولا يثبُتُ عن النبيِّ ﷺ نصٌّ في نسخِ سَهْمِ المؤلَّفةِ قلوبُهم، وغايةُ ما في ذلك عملُ الصحابة، وإنَّما اختُلِفَ في فَهْمِه؛ مِنهم: مَن يَرى عمَلَهم عِلْمًا بالنَّسْخ، ومنهم: مَن يَراهُ رَفْعًا للحُكْمِ؛ لانتفاءِ العِلَّة، والصوابُ: أنه ليس بنَسْخٍ، وقد قال يونُسُ: سألتُ الزُّهْريَّ عنهم؟ فقال: "لا أعلَمُ نسخًا في ذلك" (١).
أنواعُ المؤلَّفةِ قلوبُهُمْ:
والمؤلَّفة قلوبُهم على نوعَيْنِ:
النوعُ الأولُ: كفارٌ يُتألَّفونَ؛ لِيُقبِلوا على الإسلام، أو يُدفَعَ شرُّهم عنه؛ وذلك أنَّ بعضَ الكفَّارِ يَحمِلُ كُرْهًا وحِقْدًا وغِلًّا على الإسلامِ وأهلِه؛ لكَسْرِ شَوْكَتِه، وذَهَابِ هَيْبَتِه، أو لِمَا أصابَهُ مِن فَقْدِ مالٍ ودمٍ وسُلْطانٍ، والمالُ يُقرِّبُهُ ويُلِينُ قَلْبَه، فيَتأمَّلُ الحقَّ بتجرُّدٍ بعدَ زوالِ ما يَجِدُ، كما أعطى النبيُّ ﷺ صَفْوَانَ بنَ أُمَيَّةَ وغيرَهُ.
النوعُ الثاني: مُسلِمونَ، لكنَّهم فُسَّاقٌ، أو مُنافِقونَ يُتألَّفونَ؛ لِيَحسُنَ إسلامُهم، أو يُدفَعَ شرُّهم عنه.
وهؤلاء يُعطَوْنَ ولو كانوا أغنياءَ؛ لأنَّ العِلَّةَ التي أُعطُوا لأَجْلِها ليستِ الفقرَ، بل تأليفَ القلب، كعِلَّةِ العمَلِ عليها، فأُعطِيَ حتَّى الغنيُّ لهذا المَقصَد، وقد قال مَعقِلُ بن عُبَيْدِ اللهِ: سألتُ الزُّهْريَّ عن (المؤلَّفةِ
стр. 1536
قلوبُهم)، قال: مَن أسلَمَ مِن يهوديٍّ أو نَصْرانيٍّ، قلتُ: وإنْ كان مُوسِرًا؟ قال: وإنْ كان مْوسرًا (١).
وقد أَعطَى النبيُّ ﷺ أقوامًا مِن المالِ؛ تأليفًا لقلوبِهم؛ ففي "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ؛ قال: "بَعَثَ عَلِيٌّ وَهُوَ بِاليَمَنِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِذُهَيْبَةٍ فِي تُرْبَتِهَا، فَقَسَمَهَا بَيْنَ الأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الحَنْظَلِيِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي مُجَاشِعٍ، وَبَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الفَزَارِيِّ وَبَيْنَ عَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ العَامِرِيِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ، وَبَيْنَ زَيْدِ الخَيْلِ الطَّائِيِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ، فَتَغَيَّظَتْ قُرَيْشٌ وَالأَنْصَارُ، فَقَالُوا: يُعْطِيهِ صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ وَيَدَعُنَا؟ ! قَالَ: (إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ) " (٢).
ولا ستمالةِ قلوبِهِمْ مَقْصَدانِ:
المَقصَدُ الأوَّلُ: أن يُستَمالُوا إلى الإسلام، فيَقرُبُوا منه، وأنْ يُزَالَ ما يَجِدُونَهُ مِن نفورٍ وكُرْهٍ؛ فإنَّ للمالِ أثرًا على أكثرِ القلوبِ تُستَمالُ به، وتُحِبُّ مَن أحَسنَ إليها، ويُزِيلُ النفورَ والكُرْهَ الذي يَجِدُونَهُ على الإسلامِ وأهلِهِ فيَمِيلُونَ إليه؛ ففي "الصحيحِ"، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ؛ أنَّ صَفْوانَ بنَ أُمَيَّةَ قال: "وَالله، لَقَدْ أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا أَعْطَانِي، وَإِنَّهُ لَأَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيَّ، فَمَا بَرِحَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ" (٣).
المَقصَدُ الثاني: أنْ يُدفَعَ شرُّهم عن أهلِ الإسلامِ وكَيْدُهم بهِم، فإنْ أَخَذُوا مالًا، زالَ ما في قلوبِهم مِن حِقْدِ وغِلٍّ وكُرْهٍ، وحُبٍّ للزوال، فإن أُعْطُوا، طَمِعُوا في مِثْلِه، ورَجَوُا العَطِيَّةَ في كلِّ عامٍ، فاندفَعَ شرُّهم؛ لِما يَرْقُبونَهُ مِن عطاءٍ ورزقٍ.
стр. 1537
وقولُه تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، المرادُ بالرِّقابِ: الأَرِقَّاءُ؛ فلهم نصيبٌ مِن الزَّكاةِ لإعتاقِهم، سواءٌ كان مُكاتَبًا بَقِيَ عليه شيءٌ كثيرٌ أو قليلٌ، أو كان رَقَبةً لم يُعتَقْ منه شيءٌ؛ فهو داخلٌ في هذه الآيةِ؛ وهذا قولُ أكثَرِ السَّلَفِ والفُقَهاءِ؛ كمالِكٍ وأبي حنيفةَ وأحمدَ والشافعيِّ.
ورُوِيَ عن مالكٍ في روايةٍ: أنَّ المُكاتَبَ يكونَ مِن الغارِمينَ، لا في نصيبِ الرِّقابِ.
والأظهَرُ: عمومُ الآيةِ في الرقيقِ وفي المكاتَب، وقد قال اللهُ في حقِّهم: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣].
وقولُه تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾، المرادُ بالغارمِ: هو مَنْ عليه دَيْنٌ؛ كمَنِ اقتَرَضَ لرِزْقِهِ ورِزْقِ عيالِه، ولم يَجِدْ وفاءً، أو احترَقَتْ دارُهُ أو تجارتُه، أو ذهَبَ السَّيْلُ بزَرْعِهِ وماشيتِه، وقد قضى عمرُ بن عبد العزيزِ دَيْنَ القاسِمِ بنِ مُخيمِرةَ وهو تِسْعونَ دينارًا، وقال: أنتَ مِن الغارِمينَ، وأمَرَ له بخادمٍ ومَسْكَنٍ (١).
الفَرْق بينَ دَيْنِ الحيِّ ودَيْنِ الميِّتِ:
ومَنْ عليه دَيْنٌ: إمَّا أن يكونَ حيًّا، وإمَّا أن يكونَ ميتًا؛ فإنْ كان ميتًا، فقد اختلَفَ العلماءُ في إعطائِهِ مِن الزكاةِ على قولَيْنِ:
القولُ الأولُ: قالوا بالمنعِ؛ وهذا قولُ أكثرِ العلماءِ؛ خلافًا للمالكيَّة، على أنه لا تُدفَعُ الزكاة لقَضاءِ دَيْنِه؛ وذلك أنَّ الغارِمَ هو الذي يَستحِقُّ الزكاةَ، وهو مَيِّتٌ، وإذا أُعطِيَتْ غريمَهُ، وهو الدَّائِنُ، صار الدفعُ إلى الغريمِ لا إلى الغارم، وقد قال أحمدُ بن حنبلٍ: "الميِّتُ لا يكونُ غارِمًا، قيل له: أيُعْطى أهلُهُ؟ قال: إنْ كانتْ على أهلِه، فنعَمْ" (٢).
стр. 1538
ولم يثبُتْ عن النبيِّ ﷺ أنه دفَعَ الزكاةَ لدَيْنِ ميِّتٍ، ولا عن خلفائِهِ كذلك، وكان النبيُّ يُؤتَى بالميتِ ويَسأَلُ عن دَيْنِه، ولا يطلُبُ له وفاةُ؛ وإنَّما كان يترُكُ الصلاةَ عليه أوَّلَ الأمر، والمَنافِعُ بقضاءِ دَيْنِ الحيِّ أَولى مِن دفعِهِ عن دَيْنِ الميتِ.
وإفراغُ ذِمَمِ الأمواتِ مِن الحقوقِ يعطِّلُ مَصالِحَ الأحياء، ويُضعِفُ حقَّهم مِن الزكاةِ؛ لِكَثْرةِ الحقوقِ التي يموتُ أصحابُها وهي عليهم.
القولُ الثاني: وهو قولُ المالكيَّةِ؛ أنه تُدفَعُ إليه، ورَجَّحَهُ ابنُ تيميَّةَ.
ولا خلافَ أنَّ دَيْنَ الحيِّ عندَ التزاحُمِ أَولى بالقضاءِ مِن الزكاةِ مِن دَيْنِ الميِّتِ.
وأمَّا إنْ كان حيًّا، فهو مِن أهلِ الزكاةِ بالاتِّفاقِ.
والغارِمُ الذي احتاجَ للمالِ بسبَبِ غُرْمِهِ على نوعَيْنِ:
النوعُ الأولُ: غارِمٌ لحظِّ غيرِه؛ وذلك لأجلِ إصلاحِ ذاتِ البَيْنِ؛ كمَنْ يُصلِحُ بينَ رجُلَيْنِ أو جماعتَين، ويَدفَعُهما عن قتالٍ بالصُّلْحِ بينَهما على مالٍ، فيتَحمَّلُهُ بنفسِهِ لِحَقْنِ الدَّمِ ودفعِ النِّزاع، فهذا يَستحِقُّ الدفعَ له مِن الزكاة، ويَحِلُّ له السؤالُ؛ كما ثبَت في مسلمٍ؛ مِن حديثِ قَبِيصَةَ بنِ مُخارِقٍ الهلاليِّ؛ قال: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: (أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا)، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: (يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ المَسأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الَمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَو قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَو قَالَ: سِدَادًا مِنْ
стр. 1539
عَيْشٍ - فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ المَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا) (١).
النوعُ الثاني: غارِمٌ لحظِّ نفسِه، وهو الذي غَرِمَ مالًا استَدَانَهُ لتجارةٍ أو لِنَفَقةِ عيالِهِ وزَوْجِه، ولم يَجِدْ سِدَادًا؛ فإنَّه يُعطَى مِن الزكاةِ بلا خلافٍ.
والأَولى: ألَّا يُعانَ مَن اعتادَ السَّرَفَ بالاستدانةِ بلا حاجةٍ، ممَّن يأخُذُ أموالَ الناسِ ولا يُبالي؛ حتَّى لا يكونَ ذلك عونًا له على التساهُلِ في ذلك، وقد قال أبو جعفرٍ الباقِرُ محمدُ بن عليِّ بنِ الحُسَيْنِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبِ في الغارِمِ: "هو المُستَدينُ في غيرِ سَرَفٍ" (٢).
وبنَحْوِه صحَّ عن مجاهِدٍ (٣)، وقتادةَ (٤)؛ قالا: "قومٌ ركِبَتْهمُ الدُّيونُ في غيرِ فسادٍ ولا تبذيرٍ".
وقولُه تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، المرادُ به: الجهادُ في سبيلِ الله، وهو غَزْوُ الكفَّارِ الأصليِّين والبُغاةِ والطَّوائفِ المُمتنِعة، وكلُّ قتالٍ في سبيلِ اللهِ فهو داخلٌ في هذه الآيةِ؛ وهذا قولُ السلفِ كافَّةً، ويُعطَى الغازي ولو كان غنيًّا في قولِ عامَّةِ السَّلَفِ وأكثرِ الفقهاءِ؛ خلافًا لأهلِ الرَّأْيِ؛ فلم يُجِيزُوا صَرْفَها للغازي إلَّا المُنقطِعَ، وفيه نظَرٌ؛ فالمنقطِعُ هو سهمٌ لابنِ السبيل، لا سهمُ سبيلِ الله، وقد فرَّقَ اللهُ بينَهما.
ورُوِيَ عن بعضِ السَّلَفِ جعلُ الحجِّ والعمرةِ مِن مصارفِ الزَّكاةِ؛ يُروى عن ابنِ عبَّاسٍ، علَّقَهُ البخاريُّ عنه تمريضًا (٥)، ونُسِبَ إلى ابنِ عُمرَ:
والمعروفُ عن ابنِ عُمرَ: أنه جعَلَ إنفاقَ الوصيَّةِ المعيَّنةِ في
стр. 1540
سبيلِ اللهِ في الحجِّ والجهاد، وليس ذلك في الزكاةِ؛ فقد روى ابنُ عَوْنٍ، عن ابنِ سيرينَ، عنه؛ أنه سُئِلَ عن امرأةٍ أَوْصَتْ بثَلاثينَ دِرْهَمًا في سبيلِ اللهِ: أتُجعَلُ في الحجِّ؟ فقال: أمَا إنَّهُ مِن سُبُلِ اللهِ؛ رواهُ أبو عُبَيْدٍ في "الأموالِ"، وقال: "وليس الناسُ على هذا، ولا أعلَمُ أحدًا أَفتى به؛ أنْ تُصرَفَ الزكاةُ إلى الحجِّ" (١).
ولعلَّ ما رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ مُرادُهُ: النفقةُ المطلَقةُ التي يُرادُ بها أعمالُ البِرِّ عامَّةً، فقولُ المُوصِي: "في سبيلِ اللهِ" يكثُرُ استعمالُهُ في قصدِ أعمالِ البِرِّ عامَّةً، لا أنه قصَدَ مصارفَ الزكاةِ؛ لأنَّ إطلاقَ كلمةِ ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في سياقِ الزكاةِ يَختلِفُ عن إطلاقِها في سياقٍ غيرِه؛ ويؤيِّدُ ذلك ويُؤكِّدُهُ: أنَّ ابنَ عُمرَ جعَل "في سبيلِ اللهِ" غيرَ الحجِّ مِن أعمالِ البِرِّ؛ كما رواهُ أبو نُعَيْمٍ في "الحِلْيةِ"؛ مِن حديثِ ابنِ مهديٍّ؛ قال: حَدَّثَنا مُسْلِمُ بن عَقِيلٍ، عن أبيه؛ قال: "كنَّا عندَ ابنِ عُمَرَ عندَ المسجِدِ الحرامِ فسأَلَتْهُ امرأةٌ، فقالَت: إنَّ أبا هذا أَوصَى ببَعِيرٍ في سبيلِ الله، فقال ابنُ عمرَ: إنَّ سُبُلَ اللهِ كثيرةٌ؛ مِن سبيلِ اللهِ حَجُّ البيت، ومِن سبيلِ اللهِ صِلةُ الرَّحِم، ومِن سبيلِ اللهِ قومٌ مِن المُسلِمينَ يُقاتِلونَ قومًا مِن المشرِكينَ ليس لهم مَركَبٌ" (٢).
وابنُ عمرَ أرادَ المعنى العامَّ في النَّفَقة، لا المعنى الخاصَّ في الزكاة، ولو كان يُرِيدُ الزكاةَ، لكان فيه على هذه الرِّوايةِ غيرُ الحجِّ؛ كصِلَةِ الرَّحِمِ وغيرِها مِن أعمالِ البِرِّ؛ كعِمَارةِ المساجد، وسُقْيا الناسِ ولو مِن غير حاجةٍ، وهذا لا يقولون به.
والزَّكاةُ لا يجوزُ وضعُها في جميعِ الأرحامِ؛ يتَّفِقُ العلماءُ على منعِ
стр. 1541
بعضٍ، ويختلِفونَ في بعضٍ، ويتَّفقونَ في إعطاءِ بعضٍ، وإنَّما أجابَ ابنُ عمرَ السائلَ؛ لأنَّ الوصيَّةَ لم تتمَحَّضْ في قصدِ الغَزْوِ مِن قولِه: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ومذهبُهُ في مِثْلِ هذه الحالِ: الأخذُ بالعمومِ؛ لأنَّ المالَ ليس بزكاةٍ، كما ثبَتَ أنَّ أنسَ بنَ سِيرِينَ قال: "قلتُ لعبدِ اللهِ بنِ عُمرَ: إنَّه أُرسِلَ إلَيَّ بدَراهِمَ أَجْعَلُها في سَبِيلِ الله، وإنَّ مِن الحاجِّ مَنْ بَيْنَ مُنقطَعٍ له وبَيْنَ مَن قد ذهَبَتْ نفَقتُهُ، أفأجعَلُها فيهم؟ قال: نَعَم، اجعَلْها فيهم؛ فإنَّه في سبيلِ الله، قال: قلتُ: إنِّي أخافُ أن يكونَ صاحبي إنَّما أرادَ المُجاهِدينَ؟ قال: اجعَلْها فيهم؛ فإنَّهم في سبيلِ الله، قال: قلتُ: إنِّي أخافُ اللهَ أنْ أُخالِفَ ما أُمِرْتُ به، قال: فغَضِبَ، وقال: ويحَكَ! أوَلَيْسَ بسَبِيلِ اللهِ؟ ! "؛ رواهُ البيهقيُّ (١).
ومالكٌ أعلَمُ الناسِ بالمَرْوِيِّ عن ابنِ عُمرَ، وقد قال: "سُبُلُ اللهِ كثيرةٌ" (٢)، ولم يكُنْ يَجعَلُ الحجَّ منه.
وقد قال أبو بكرِ بن العربيِّ: "لا أعلَمُ خِلافًا في أنَّ المرادَ بسَبيلِ اللهِ هاهُنا الغزوُ" (٣).
وأمَّا المَرْويُّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، فقد رواهُ ابنُ أبي شَيْبةَ وغيرُهُ؛ مِن حديثِ حَسَّانَ، عن مجاهِدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تعالى عنهما - أنه كِان لا يَرَى بأسًا أنْ يُعطِيَ الرَّجُلُ مِن زَكَاتِهِ في الحجّ، وأنْ يُعتِقَ النَّسَمَةَ مِنها (٤).
وذِكْرُ البخاريِّ له بصيغةِ التمريضِ يَحتمِلُ أنه لأَجْلِ مَتْنِه، أو إسنادِه، أو كِلَيْهِما؛ وهو الأظهَرُ؛ لأنَّ هذا تفرَّدَ به حسَّانُ بن
стр. 1542
أبي الأشرَس، عن مجاهِدٍ، عن ابنِ عبَّاس، وحسَّانُ كوفيٌّ ليس بمعروفٍ بالروايةِ عن مجاهِدٍ، ولا يَرويهِ أصحابُ مجاهدٍ ولا ابنِ عبَّاسٍ، والثابث روايةُ ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: "أَعْتِقْ مِن زَكاتِك" (١)؛ وليس فيه ذِكْرُ الحجِّ.
إدخال أعمالِ البِرِّ في مَصْرِفِ: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾:
وقد اختُلِفَ في إدخالِ سائرِ أعمالِ البِرِّ في مَصْرِفِ: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ كبِناءِ المَساجِد، وكِتَابةِ المَصَاحِفِ وكُتُبِ العِلْمِ وطِبَاعَتِها، وتشيِيدِ الجسورِ والطُّرُقِ والمستشفَيات، والذي عليه عمَلُ عامَّةِ السَّلَفِ عدَمُ دخولِها، وقد حكى بعضُهم الإجماعَ على ذلك؛ كالوزيرِ والرَّمْليِّ؛ وذلك لأمورٍ:
مِنها: أنَّ التوسُّعَ بإدخالِ جميعِ أعمالِ البِرّ، يُلغِي المعنى المقصودَ مِن الحصرِ في أوَّلِ الآيةِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآيةَ، ، فلو كانتْ أعمالُ البِرِّ جميعًا مِن مصارفِ الزكاة، فلا معنى للحَصْرِ في الآية، ولَذَكَرَ أنَّها في سبيلِ اللهِ؛ ليُفهَمَ الإطلاقُ والعمومُ، وكَفى ذلك.
ومنها: أنَّ إدخالَ جميعِ أعمالِ البِرِّ في مصارفِ الزكاةِ لم يَكُنْ مِن عمَلِ النبيِّ ﷺ ، ولا خلفائِه، مع كثرةِ الحاجةِ إلى ذلك؛ فإنَّ أعمالَ البِرِّ أوسَعُ مِن المصارِفِ الثَّمَانِيَةِ؛ كبِناءِ المساجدِ والمستشفَيَات، وعِمَارةِ الجُسُورِ والطُّرُقِ وتنظيفِها.
ومنها: أنَّ إدخالَ جميعِ أعمالِ البِرِّ في مصارِفِ الزكاةِ يَجعَلُ مصارِفَها كمَصارِفِ سائرِ الصَّدَقاتِ والنَّفَقاتِ والتبرُّعات، والزكاةُ أشدُّ وآكَدُ وأحوَطُ، ويُجمِعُ السَّلَفُ على الاحتياطِ في الزكاةِ ما لا يُحتاطُ في غيرِها.
стр. 1543
والتحقيقُ في صَرْفِ الزكاةِ في أعمالِ الِبرِّ غيرِ الأصنافِ الثمانيةِ: أن يُقالَ: إنَّ أعمالَ البِرِّ على نوعَيْنِ:
النوعُ الأولُ: أعمالُ بِرٍّ تَجِدُ مَن يقومُ عليها مِن أهلِ الغِنى ومِن بيتِ المال، سواءٌ أكانَتِ الحاجةُ إليها ضروريَّةً أم غيرَ ضروريَّةِ؛ فلا يَجوزُ حينئذٍ صرفُ الزكاةِ عليها.
النوعُ الثاني: أعمالُ بِرٍّ لا تَجِدُ مَنْ يقومُ عليها مِن أهلِ الغِنى واليَسَار، وليس في بيتِ المالِ قُدْرةٌ على ذلك، فإن كانتْ أعمالَ بِرٍّ عامَّةً ضروريَّةً، بتعطُّلِها تتعطَّلُ مصالِحُ شرعيَّةٌ واجبةٌ، ومصالحُ دنيويَّةٌ ضروريَّةٌ، ولا يُوجَدُ إمامٌ يَستنفِقُ أغنياءَ المُسلِمينَ على ذلك ويقومُ بها؛ كخُلُوِّ البلَدِ مِن مسجدٍ، وخلوِّ البلَدِ مِن مُستشفًى يتَطبَّبونَ فيه، والناسُ يَمرَضُونَ ولا يَجِدونَ مَن يعمِّرُ مُستَشْفاهم ولا مَن يُطبِّبُهم، أو كان البلَدُ على نَهَرٍ يَفصِلُهُ، ومَصالِحُ الناسِ متعلِّقةٌ، فلا يَتمكَّنونَ مِن صِلَةِ أرحامِهم ونَقْلِ أموالِهم إلَّا ببِناءِ الجُسُور، ولا يُوجَدُ مِن مالِ الأغنياءِ ما يُنفَقُ على ذلك، ولا في بيتِ المالِ كفايةٌ، ولا حاكمٌ يتولَّى شأنَ ذلك الأمرِ.
وإذا كان الأمر كذلك، فلا حرَجَ مِن سدِّ ذلك مِن الزكاةِ بقَدْرِه؛ لأنَّ تلك الحاجةَ قامَتْ مَقَامَ المصارِفِ الثمانيةِ؛ فإنَّ اللهَ إنَّما جعَل ابنَ السبيلِ مِن مصارِفِ الزَّكَاةِ ولو كان غنيًّا في بَلَدِه؛ لانقطاعِ قُدْرَتِه؛ فمِثْلُهُ المريضُ الذي لا يَجِدُ طبيبًا، وعابرُ النَّهْرِ ذو المصلَحةِ الذي لا يَجِدُ جِسْرًا يعبُرُ عليه، ولا مِن مالِ الأغنياءِ ما يسُدُّ حاجتَهُ تلك؛ فإنَّه يجوزُ صرفُ الزكاةِ عليها، والحالةُ تلك.
وأمَّا ما نُقِلَ عَن أَنَسٍ والحسَنِ البَصْريِّ في أنَّ ما يُؤخَذُ على الجُسُورِ والطُّرُقاتِ أنه صَدَقةٌ مِن الصَّدَقات، فمُرَادُهم: ما يأخُذُهُ الأمراءُ والسَّلاطِينُ الظَّلَمَةُ مِن أموالِ الأغنياءِ، فيضَعُونَهُ في الجُسُورِ والطُّرُقاتِ:
стр. 1544
أنه يُجزِئُ عن زكاةِ أهلِ المال، ولا يَجِبُ عليهم أن يُخرِجوا الزَّكاةَ مرَّةً أُخرى؛ لأنَّ الخطأَ يَلحَقُ صارفَ الزكاةِ لا مؤدِّيَها، وقد روى عبدُ العزيزِ بن صُهَيْبٍ، عن أَنَسٍ والحسَنِ؛ قالا: "ما أعطيتَ في الجُسُورِ والطُّرُق، فهي صدَقةٌ ماضيةٌ"؛ رواهُ أبو عُبَيْدٍ (١).
روى هذا الحديثَ عن عبد العزيزِ بنِ صُهَيْبٍ: إسماعيلُ، وقال: يَعني: أنَّها تُجزِئُ مِن الزَّكاةِ؛ ولهذا صحَّ عن الحسَنِ قولُهُ: "ضَعْهَا مَوَاضِعَهَا، وَأَخْفِهَا" (٢).
يَعني: أنَّهم لم يضَعُوها حيثُ أمَرَ اللهُ.
الحِكْمةُ مِن تأخيرِ مَصْرِفِ الجِهَادِ في الذِّكْرِ:
وقد تأخَّرَ ذِكرُ مَصْرِفِ الجِهادِ في الآيةِ معَ عِظَمِ مَنْزِلَتِهِ وفضلِهِ على العامَّةِ والخاصَّةِ؛ وذلك لِجُمْلةٍ مِن الحِكَمِ والأسبابِ - واللهُ أعلَمُ -:
منها: أنَّ المَصارِفَ السابقةَ للجِهادِ: بها يتقوَّى داخِلهُ الإسلام، وبالجهادِ يتقوَّى خارِجُهُ ويتحصَّنُ مِن داخِلِه، وفي الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ تقويةَ الأمَّةِ يبدَأُ مِن داخِلِها، ثم يكونُ مِن خارجِها؛ فإنَّ الدولةَ الضعيفةَ، التي تُقاتِلُ عن ضَعْفٍ، وتتمدَّدُ على وَهنٍ - فتلك تتَّسِعُ رُقْعَتُها مِن خارجِها، وتتَهَاوَى مِن داخِلِها، والواجبُ أن تُغلَّبَ قوَّتُها مِن داخِلِها، ثم تتدرَّجَ بتوسُّعِها مِن خارجِها؛ وبهذا سار النبيُّ ﷺ وخلفاؤُه؛ وذلك حينَما سَدُّوا حاجةَ الفقيرِ والمِسْكِين، وأقامُوا على المالِ عمَّالًا يَحفَظونَهُ ويُديرونَه، وأَمِنوا أهلَ الشرِّ مِن داخلِ الإسلامِ وأطرافِهِ بتأليفِ قلوبِهم؛ حتَّى لا يتَربَّصوا بالمُسلِمينَ.
стр. 1545
ومنها: أنَّ المَصارِفَ السابقةَ أوسَعُ حاجةً مِن مَصرِفِ الجهادِ؛ فالفُقراءُ والمساكينُ والغارِمونَ والرِّقابُ أكثَرُ في الأمَّةِ مِن الغُزَاة، فقَدَّمَ اللهُ الحاجةَ الأوسَعَ على الحاجةِ الأضيَق، وقد قال طاوُسٌ في سَهْمِ الفقراءِ والمساكينِ والعامِلينَ عليها: "هو الرَّأْسُ الأكبَرُ" (١).
ومنها: أنَّ حِمَايةَ الثُّغُور، وكَفَالةَ الغُزَاةِ: شأنٌ خاصٌّ بالإمامِ غالبًا، فَيجِبُ عيه رعايتُها والاستنفاقُ لها، وأمَّا بقيَّةُ المصارِف، فهي شأنٌ عامٌّ، فالغنيُّ يجِدُ الفقيرَ والمِسْكِينَ والغارِمَ والرَّقَبةَ في قَرابتِه ورَحِمِه وجيرانِه، ولا يَجِدُ أكثرُ الأغنياءِ غازيًا يَكفُلُونَهُ.
وقولُه تعالى: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ المرادُ بابنِ السَّبيلِ: هو العابِرُ والمُسافِرُ الذي يَنقطِعُ زادُهُ، ولو كان غنيًّا في بلَدِهِ؛ فإنَّه يُعطَى مِن الزكاةِ ما يُبلِّغُهُ إلى أهلِه؛ وهذا يَختلِفُ بحسَبِ حالِهِ ومكانِ انقطاعِه، ويدخُلُ في هذا الأسيرُ الذي حُبِسَ عن أهلِهِ في بَلَدِ كُفرٍ؛ فيُعطَى ما يَفُكُّ قَيْدَهُ ليخرُجَ إلى أهلِه.
* * *
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣].
تدُلُّ هذه الآيةُ على وجوبِ جهادِ المنافِقينَ، كما يَجِبُ جهادُ الكافرينَ، وقد تقدَّمَ الكلامُ على وجوبِ جهادِ الكفَّارِ في مواضعَ.
وقد توجَّهَ الخطابُ إلى النبيِّ ﷺ بجهادِ المنافِقينَ؛ لأنَّ جهادَهم أَوْلَى ما يقومُ به سُلْطانُ المُسلِمينَ وإمامُهم؛ لخفاءِ أَمْرِهم ولِقُوَّةِ تأثيرِهِ عليهم؛ فهم يَهابونَ صاحبَ القُوَّةِ ويَخافونَهُ أكثرَ مِن غيرِه، ولأنَّ السُّلْطانَ