← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

بعضٍ، ويختلِفونَ في بعضٍ، ويتَّفقونَ في إعطاءِ بعضٍ، وإنَّما أجابَ ابنُ عمرَ السائلَ؛ لأنَّ الوصيَّةَ لم تتمَحَّضْ في قصدِ الغَزْوِ مِن قولِه: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ومذهبُهُ في مِثْلِ هذه الحالِ: الأخذُ بالعمومِ؛ لأنَّ المالَ ليس بزكاةٍ، كما ثبَتَ أنَّ أنسَ بنَ سِيرِينَ قال: "قلتُ لعبدِ اللهِ بنِ عُمرَ: إنَّه أُرسِلَ إلَيَّ بدَراهِمَ أَجْعَلُها في سَبِيلِ الله، وإنَّ مِن الحاجِّ مَنْ بَيْنَ مُنقطَعٍ له وبَيْنَ مَن قد ذهَبَتْ نفَقتُهُ، أفأجعَلُها فيهم؟ قال: نَعَم، اجعَلْها فيهم؛ فإنَّه في سبيلِ الله، قال: قلتُ: إنِّي أخافُ أن يكونَ صاحبي إنَّما أرادَ المُجاهِدينَ؟ قال: اجعَلْها فيهم؛ فإنَّهم في سبيلِ الله، قال: قلتُ: إنِّي أخافُ اللهَ أنْ أُخالِفَ ما أُمِرْتُ به، قال: فغَضِبَ، وقال: ويحَكَ! أوَلَيْسَ بسَبِيلِ اللهِ؟ ! "؛ رواهُ البيهقيُّ (١). ومالكٌ أعلَمُ الناسِ بالمَرْوِيِّ عن ابنِ عُمرَ، وقد قال: "سُبُلُ اللهِ كثيرةٌ" (٢)، ولم يكُنْ يَجعَلُ الحجَّ منه. وقد قال أبو بكرِ بن العربيِّ: "لا أعلَمُ خِلافًا في أنَّ المرادَ بسَبيلِ اللهِ هاهُنا الغزوُ" (٣). وأمَّا المَرْويُّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، فقد رواهُ ابنُ أبي شَيْبةَ وغيرُهُ؛ مِن حديثِ حَسَّانَ، عن مجاهِدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تعالى عنهما - أنه كِان لا يَرَى بأسًا أنْ يُعطِيَ الرَّجُلُ مِن زَكَاتِهِ في الحجّ، وأنْ يُعتِقَ النَّسَمَةَ مِنها (٤). وذِكْرُ البخاريِّ له بصيغةِ التمريضِ يَحتمِلُ أنه لأَجْلِ مَتْنِه، أو إسنادِه، أو كِلَيْهِما؛ وهو الأظهَرُ؛ لأنَّ هذا تفرَّدَ به حسَّانُ بن

стр. 1542

أبي الأشرَس، عن مجاهِدٍ، عن ابنِ عبَّاس، وحسَّانُ كوفيٌّ ليس بمعروفٍ بالروايةِ عن مجاهِدٍ، ولا يَرويهِ أصحابُ مجاهدٍ ولا ابنِ عبَّاسٍ، والثابث روايةُ ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: "أَعْتِقْ مِن زَكاتِك" (١)؛ وليس فيه ذِكْرُ الحجِّ. إدخال أعمالِ البِرِّ في مَصْرِفِ: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: وقد اختُلِفَ في إدخالِ سائرِ أعمالِ البِرِّ في مَصْرِفِ: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ كبِناءِ المَساجِد، وكِتَابةِ المَصَاحِفِ وكُتُبِ العِلْمِ وطِبَاعَتِها، وتشيِيدِ الجسورِ والطُّرُقِ والمستشفَيات، والذي عليه عمَلُ عامَّةِ السَّلَفِ عدَمُ دخولِها، وقد حكى بعضُهم الإجماعَ على ذلك؛ كالوزيرِ والرَّمْليِّ؛ وذلك لأمورٍ: مِنها: أنَّ التوسُّعَ بإدخالِ جميعِ أعمالِ البِرّ، يُلغِي المعنى المقصودَ مِن الحصرِ في أوَّلِ الآيةِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآيةَ، ، فلو كانتْ أعمالُ البِرِّ جميعًا مِن مصارفِ الزكاة، فلا معنى للحَصْرِ في الآية، ولَذَكَرَ أنَّها في سبيلِ اللهِ؛ ليُفهَمَ الإطلاقُ والعمومُ، وكَفى ذلك. ومنها: أنَّ إدخالَ جميعِ أعمالِ البِرِّ في مصارفِ الزكاةِ لم يَكُنْ مِن عمَلِ النبيِّ ﷺ ، ولا خلفائِه، مع كثرةِ الحاجةِ إلى ذلك؛ فإنَّ أعمالَ البِرِّ أوسَعُ مِن المصارِفِ الثَّمَانِيَةِ؛ كبِناءِ المساجدِ والمستشفَيَات، وعِمَارةِ الجُسُورِ والطُّرُقِ وتنظيفِها. ومنها: أنَّ إدخالَ جميعِ أعمالِ البِرِّ في مصارِفِ الزكاةِ يَجعَلُ مصارِفَها كمَصارِفِ سائرِ الصَّدَقاتِ والنَّفَقاتِ والتبرُّعات، والزكاةُ أشدُّ وآكَدُ وأحوَطُ، ويُجمِعُ السَّلَفُ على الاحتياطِ في الزكاةِ ما لا يُحتاطُ في غيرِها.

стр. 1543

والتحقيقُ في صَرْفِ الزكاةِ في أعمالِ الِبرِّ غيرِ الأصنافِ الثمانيةِ: أن يُقالَ: إنَّ أعمالَ البِرِّ على نوعَيْنِ: النوعُ الأولُ: أعمالُ بِرٍّ تَجِدُ مَن يقومُ عليها مِن أهلِ الغِنى ومِن بيتِ المال، سواءٌ أكانَتِ الحاجةُ إليها ضروريَّةً أم غيرَ ضروريَّةِ؛ فلا يَجوزُ حينئذٍ صرفُ الزكاةِ عليها. النوعُ الثاني: أعمالُ بِرٍّ لا تَجِدُ مَنْ يقومُ عليها مِن أهلِ الغِنى واليَسَار، وليس في بيتِ المالِ قُدْرةٌ على ذلك، فإن كانتْ أعمالَ بِرٍّ عامَّةً ضروريَّةً، بتعطُّلِها تتعطَّلُ مصالِحُ شرعيَّةٌ واجبةٌ، ومصالحُ دنيويَّةٌ ضروريَّةٌ، ولا يُوجَدُ إمامٌ يَستنفِقُ أغنياءَ المُسلِمينَ على ذلك ويقومُ بها؛ كخُلُوِّ البلَدِ مِن مسجدٍ، وخلوِّ البلَدِ مِن مُستشفًى يتَطبَّبونَ فيه، والناسُ يَمرَضُونَ ولا يَجِدونَ مَن يعمِّرُ مُستَشْفاهم ولا مَن يُطبِّبُهم، أو كان البلَدُ على نَهَرٍ يَفصِلُهُ، ومَصالِحُ الناسِ متعلِّقةٌ، فلا يَتمكَّنونَ مِن صِلَةِ أرحامِهم ونَقْلِ أموالِهم إلَّا ببِناءِ الجُسُور، ولا يُوجَدُ مِن مالِ الأغنياءِ ما يُنفَقُ على ذلك، ولا في بيتِ المالِ كفايةٌ، ولا حاكمٌ يتولَّى شأنَ ذلك الأمرِ. وإذا كان الأمر كذلك، فلا حرَجَ مِن سدِّ ذلك مِن الزكاةِ بقَدْرِه؛ لأنَّ تلك الحاجةَ قامَتْ مَقَامَ المصارِفِ الثمانيةِ؛ فإنَّ اللهَ إنَّما جعَل ابنَ السبيلِ مِن مصارِفِ الزَّكَاةِ ولو كان غنيًّا في بَلَدِه؛ لانقطاعِ قُدْرَتِه؛ فمِثْلُهُ المريضُ الذي لا يَجِدُ طبيبًا، وعابرُ النَّهْرِ ذو المصلَحةِ الذي لا يَجِدُ جِسْرًا يعبُرُ عليه، ولا مِن مالِ الأغنياءِ ما يسُدُّ حاجتَهُ تلك؛ فإنَّه يجوزُ صرفُ الزكاةِ عليها، والحالةُ تلك. وأمَّا ما نُقِلَ عَن أَنَسٍ والحسَنِ البَصْريِّ في أنَّ ما يُؤخَذُ على الجُسُورِ والطُّرُقاتِ أنه صَدَقةٌ مِن الصَّدَقات، فمُرَادُهم: ما يأخُذُهُ الأمراءُ والسَّلاطِينُ الظَّلَمَةُ مِن أموالِ الأغنياءِ، فيضَعُونَهُ في الجُسُورِ والطُّرُقاتِ:

стр. 1544

أنه يُجزِئُ عن زكاةِ أهلِ المال، ولا يَجِبُ عليهم أن يُخرِجوا الزَّكاةَ مرَّةً أُخرى؛ لأنَّ الخطأَ يَلحَقُ صارفَ الزكاةِ لا مؤدِّيَها، وقد روى عبدُ العزيزِ بن صُهَيْبٍ، عن أَنَسٍ والحسَنِ؛ قالا: "ما أعطيتَ في الجُسُورِ والطُّرُق، فهي صدَقةٌ ماضيةٌ"؛ رواهُ أبو عُبَيْدٍ (١). روى هذا الحديثَ عن عبد العزيزِ بنِ صُهَيْبٍ: إسماعيلُ، وقال: يَعني: أنَّها تُجزِئُ مِن الزَّكاةِ؛ ولهذا صحَّ عن الحسَنِ قولُهُ: "ضَعْهَا مَوَاضِعَهَا، وَأَخْفِهَا" (٢). يَعني: أنَّهم لم يضَعُوها حيثُ أمَرَ اللهُ. الحِكْمةُ مِن تأخيرِ مَصْرِفِ الجِهَادِ في الذِّكْرِ: وقد تأخَّرَ ذِكرُ مَصْرِفِ الجِهادِ في الآيةِ معَ عِظَمِ مَنْزِلَتِهِ وفضلِهِ على العامَّةِ والخاصَّةِ؛ وذلك لِجُمْلةٍ مِن الحِكَمِ والأسبابِ - واللهُ أعلَمُ -: منها: أنَّ المَصارِفَ السابقةَ للجِهادِ: بها يتقوَّى داخِلهُ الإسلام، وبالجهادِ يتقوَّى خارِجُهُ ويتحصَّنُ مِن داخِلِه، وفي الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ تقويةَ الأمَّةِ يبدَأُ مِن داخِلِها، ثم يكونُ مِن خارجِها؛ فإنَّ الدولةَ الضعيفةَ، التي تُقاتِلُ عن ضَعْفٍ، وتتمدَّدُ على وَهنٍ - فتلك تتَّسِعُ رُقْعَتُها مِن خارجِها، وتتَهَاوَى مِن داخِلِها، والواجبُ أن تُغلَّبَ قوَّتُها مِن داخِلِها، ثم تتدرَّجَ بتوسُّعِها مِن خارجِها؛ وبهذا سار النبيُّ ﷺ وخلفاؤُه؛ وذلك حينَما سَدُّوا حاجةَ الفقيرِ والمِسْكِين، وأقامُوا على المالِ عمَّالًا يَحفَظونَهُ ويُديرونَه، وأَمِنوا أهلَ الشرِّ مِن داخلِ الإسلامِ وأطرافِهِ بتأليفِ قلوبِهم؛ حتَّى لا يتَربَّصوا بالمُسلِمينَ.

стр. 1545

ومنها: أنَّ المَصارِفَ السابقةَ أوسَعُ حاجةً مِن مَصرِفِ الجهادِ؛ فالفُقراءُ والمساكينُ والغارِمونَ والرِّقابُ أكثَرُ في الأمَّةِ مِن الغُزَاة، فقَدَّمَ اللهُ الحاجةَ الأوسَعَ على الحاجةِ الأضيَق، وقد قال طاوُسٌ في سَهْمِ الفقراءِ والمساكينِ والعامِلينَ عليها: "هو الرَّأْسُ الأكبَرُ" (١). ومنها: أنَّ حِمَايةَ الثُّغُور، وكَفَالةَ الغُزَاةِ: شأنٌ خاصٌّ بالإمامِ غالبًا، فَيجِبُ عيه رعايتُها والاستنفاقُ لها، وأمَّا بقيَّةُ المصارِف، فهي شأنٌ عامٌّ، فالغنيُّ يجِدُ الفقيرَ والمِسْكِينَ والغارِمَ والرَّقَبةَ في قَرابتِه ورَحِمِه وجيرانِه، ولا يَجِدُ أكثرُ الأغنياءِ غازيًا يَكفُلُونَهُ. وقولُه تعالى: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ المرادُ بابنِ السَّبيلِ: هو العابِرُ والمُسافِرُ الذي يَنقطِعُ زادُهُ، ولو كان غنيًّا في بلَدِهِ؛ فإنَّه يُعطَى مِن الزكاةِ ما يُبلِّغُهُ إلى أهلِه؛ وهذا يَختلِفُ بحسَبِ حالِهِ ومكانِ انقطاعِه، ويدخُلُ في هذا الأسيرُ الذي حُبِسَ عن أهلِهِ في بَلَدِ كُفرٍ؛ فيُعطَى ما يَفُكُّ قَيْدَهُ ليخرُجَ إلى أهلِه. * * * قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣]. تدُلُّ هذه الآيةُ على وجوبِ جهادِ المنافِقينَ، كما يَجِبُ جهادُ الكافرينَ، وقد تقدَّمَ الكلامُ على وجوبِ جهادِ الكفَّارِ في مواضعَ. وقد توجَّهَ الخطابُ إلى النبيِّ ﷺ بجهادِ المنافِقينَ؛ لأنَّ جهادَهم أَوْلَى ما يقومُ به سُلْطانُ المُسلِمينَ وإمامُهم؛ لخفاءِ أَمْرِهم ولِقُوَّةِ تأثيرِهِ عليهم؛ فهم يَهابونَ صاحبَ القُوَّةِ ويَخافونَهُ أكثرَ مِن غيرِه، ولأنَّ السُّلْطانَ

стр. 1546

والأميرَ والعالِمَ يَبْلُغُ خِطابُهُ ما لا يَبلُغُهُ غيرُهُ مِن العامَّة، وكلَّما عَلا الرَّجُلُ مَنْزِلةً في الناس، كان خِطابُهُ في جهادِ النِّفاق والكفرِ أَوْجَبَ. صُوَرُ جهادِ المُنافِقينَ: ولجهادِ المنافِقينَ صُوَرٌ قامَ بها النبيُّ ﷺ وأصحابُهُ، ومِن هذه الصُّوَرِ: الصورةُ الأُولى: دَفعُهم عن مَوضِعِ العُلُوِّ والجاهِ في الناس، وعَزْلُهم عن مَنابِرِ الخَطَابةِ والإعلامِ والتصدُّر، وعدمُ اتِّخاذِهم بِطَانةً، وقد كان لعَبْدِ اللهِ بنِ أُبيٍّ مَوضِعٌ يَخطُبُ فيه في مَسجِدِ النبيِّ ﷺ ، ولمَّا رجَعَ بالناسِ بعدَ أُحُدٍ، وخالَفَ أَمْرَ رسولِ اللهِ ﷺ ، مُنِعَ مِن الخَطَابةِ في الناسِ؛ حتَّى لا تَقْوَى شوكتُهُ، وَيشُقَّ صَفَّ الناسِ بها. ومِن ذلك: عدَمُ اتِّخاذِهم مَوضِعَ شورى ووِلَايةِ وإِمَارةٍ. الصورةُ الثانيةُ: التحذيرُ مِن أفعالِهم وأقوالِهم؛ بذِكْرِها وتِلَاوةِ الآياتِ الواردةِ فيهم، ورَبْطِها بما يَبْدُو مِن أفعالِهم؛ كما كان النبيُّ ﷺ يتلو آياتِهم على المَلَأِ ليَسْمَعوها فيحْذَرُوهم؛ فقد كان يَقرَأُ سورةَ (المنافِقونَ) يومَ الجُمُعة، فيَسْمَعُها الناسُ، وَيسمَعُ المنافِقونَ أوصافَهم؛ فَيهابُونَ ويَخافونَ، ويدْفَعُ شرُّهم. الصورةُ الثالثةُ: التغليظُ عليهم بالقولِ عندَ ظهورِ ما يُستنكَرُ منهم، وعدَمُ اللِّينِ والرِّفْقِ بهم، ما لم تَدْعُ الحاجةُ إلى ذلك؛ تأليفًا ودفعًا لشَرِّهم؛ وهذا ظاهرُ قولِهِ تعالى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾؛ يَعني: بالقَوْلِ؛ ولهذا فَسَّرَ جماعةٌ مِن الصَّحَابةِ جِهَادَهم في الآية باللِّسَانِ؛ كما قال ابنُ عبَّاسٍ: "جهادُ الكفارِ بالسَّيْف، وجِهادُ المنافِقينَ باللِّسانِ" (١).

стр. 1547

الصورةُ الرابعةُ: إقامةُ الحدودِ عليهم عندَ ظُهورِ معصيةٍ منهم كانتْ تَستوجِبُ حدًّا أو تعزيزًا؛ وعلى هذا حمَلَ جِهادَهُمْ في الآيةِ جماعةٌ مِن السلفِ؛ كالحَسَنِ وقتادَةَ وغيرِهما (١)، ما لم تَقُمْ مصلَحةٌ ظاهرةٌ بالتغافُلِ عن زَلَّتِهم والعَفْوِ عنها؛ كما ترَكَ النبُّ ﷺ قَتْلَ عبد اللهِ بنِ أُبيٍّ؛ خشيةَ أن يتحدَّثَ الناسُ أنَّ محمدًا يقتُلُ أصحابَهُ (٢). وقد ذكَرَ غيرُ واحدٍ مِن العُلَماءِ: أنَّ هذه الآيةَ: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ناسخةٌ لكلٍّ آيةِ فيها لِينٌ ورِفْقٌ بالمنافِقينَ، وعفوٌ وصفحٌ عنهم، وبهذا قال الفرطبيُّ (٣)، وابن تيميَّة (٤)؛ وذلك كقولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٨]، والأظهَرُ: أنَّ اللهَ نسَخَ ذلك؛ لتغيُّرِ حالِ نبيِّه إلى قوَّةٍ، وحالِ المُنافِقينَ إلى ضَعْفٍ، وإن كان في المُسلِمينَ مُشابَهةٌ لحالِ النبيِّ ﷺ الأُولى، فيُعمَلُ بآياتِ التعامُلِ معَ المنافِقينَ الأُولى، واللهُ أعلَمُ، وفي حالِ قُوَّةِ المُسلِمينَ والإسلامِ لا يجوزُ تغليبُ العفوِ والصفحِ واللِّينِ معهم. * * * قال تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣)﴾ [التوبة: ٨٣]. في هذه الآيةِ: دليلٌ على أنَّ مَن وقَعَ منه خِيَانةٌ وغَدْرٌ وضَرَرٌ: لا يُعادُ فيُوَلَّى على ما غدَرَ به؛ وذلك أنَّ اللهَ لم يأذَن للمُنافِقينَ بعدَ ما سبَقَ منهم، ولقولِهِ ﷺ : (لَا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ) (٥).

стр. 1548

قَبُولُ تَوْبةِ المُرْتَدِّ وعدَمُ تَوْلِيَتِهِ وتصديرِهِ: والذين ينتكِسُونَ عن الحقِّ ثم يَعودونَ إليه، تُقبَلُ توبتُهم، وتُحمَدُ أَوْبتُهم، ولا يُشمَتُ بسابِقَتِهم، ولكنْ لا يُوَلَّوْنَ ولا يُصَدَّرُونَ لقيادةِ الأمَّة، ولا في مواضعِ التأثيرِ فيها؛ وذلك أنَّهم لا يُؤتمَنونَ في عَوْدَتِهم إلى ما كانوا عليه، فالتَّذَبذُبُ صِفةُ المُنافِقينَ، وربَّما كان ذلك يعودُ إلى عدَمِ رَجَاحةِ العقلِ وسلامتِه، وكلُّ ذلك يُضِرُّ بالأُمَّة، ولم يَكُنِ النبيُّ ﷺ والخلفاءُ الراشدونَ يُوَلُّونَ مرتدًّا تائبًا على بلدٍ، ولا يَجعلونَهُ إمامًا في ثَغْرٍ، وإن قَبِلُوا توبتَهُ وحَمِدُوها؛ إلَّا ما كانَ مِن جَعْلِ عُثمانَ بنِ عَفَّانَ ابنَ أبي السَّرْحِ والِيًا على مِصرَ؛ وذلك بعدَما سَبَرَ حالَه واستقامةَ أمرِه، وقد تَدَرَّجَ في تولِيَتِه؛ فبَدَأ به على الخراجِ والحَرْب، ثم على صَعِيدِ مِصْرَ، ثُمَّ على مِصْر، وكان بينَ توبَتِه وولايتِهِ عليها نحوٌ مِن خَمسةَ عَشَرَ عامًا. وهذا يَختلِفُ عمَّن كان على كُفْرٍ أو شِرْكٍ، ثم دخَلَ إلى الإسلامِ والحقّ، ثبَتَ عليه؛ فهؤلاءِ لم يَدْخُلوا الحقَّ ثم خرَجُوا منه، وإنَّما أَتَوْهُ مُقبِلِين، ولَزِمُوهُ مُستيقِنين، وهؤلاءِ كعامَّةِ الصحابةِ؛ كانوا على جاهليَّةٍ وشِرْكٍ فدَخَلُوا إلى الخير، ولم تَكُنْ سابقتهم عَيْبًا فيهم بعدَ إسلامِهم، ولا مانِعًا مِن وِلَا يتِهم ولا سِيَادتِهم، وحالُهم وحالُ أمثالِهم يَختلِفُ عمَّن دخَلَ الإسلامَ واتَّبَعَ الحقَّ ثم ترَكَهُ بعدَ معرِفِته؛ فإنَّ هؤلاءِ لا يُؤمَنونَ مِن تركِهِ مرَّةً أُخرى؛ لأنَّهم أقلُّ ثَباتًا مِن غيرِهم غالبًا. * * * قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]. في هذه الآيةِ: دليلٌ على مشروعيَّةِ صلاةِ الجنازة، وهي فرضُ

стр. 1549

كفايةٍ عندَ جماهيرِ العُلَماءِ؛ خِلافًا لقولِ طائفةٍ مِن المالكيَّة، وقد صلَّى النبيُّ ﷺ وصلَّى أصحابُهُ مِن بعدِه، ولم يَتْرُكوا جنازةَ مسلمٍ يُصلَّى على مِثْلِهِ إلَّا أدَّوْا حقَّ اللهِ فيه. وقولُه تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ دليلٌ على أنَّ المنافِقَ والمُجاهِرَ الفاسِقَ والمُعلِنَ بكَبيرتِهِ: لا يُصلِّي عليه إمامُ المُسلِمينَ، ويُترَكُ لعامَّةِ الناسِ؛ زَجْرًا لأمثالِه، وتنفيرًا لهم مِن سابقِ فِعالِه. صلاةُ الجنازةِ على الكافرِ وأهلِ الكَبَائر، والصلاةُ على القَبْرِ: وقد أجمَعَ المُسلِمونَ على تحريمِ الصلاةِ على الكفار، ولا يَحِلُّ الاستغفارُ لهم. وكلُّ صاحبِ كبيرةٍ وبدْعةٍ مُعلِنٍ بها، فالأَولى لإمامِ المُسلِمينَ والقُدْوةِ الرَّأْسِ فيهم ألَّا يُصلِّيَ عليه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يُصَلِّ على ماعز ولم يَنْهَ عن الصلاةِ عليه، وفي مُسلمٍ؛ مِن حديثِ جابرِ بنِ سَمُرةَ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ لم يُصَلِّ على قاتِلِ نَفْسِهِ (١). وفي قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ دليلُ خِطَابٍ على استحبابِ القيامِ عندَ القبرِ بعدَ الدَّفْن، والدُّعاءِ لصاحبِه، لمَغْفِرةِ والعفوِ والصفحِ. وأمَّا الصلاةُ على القبرِ بعدَ دَفْنِه، فقد وقَعَ فيه خلافٌ عندَ العلماء، ومنَعَ منه مالكٌ، وخصَّهُ أبو حنيفةَ بالوالي والوليِّ؛ وذلك إذا فاتَتِ الصلاةُ؛ باعتبارِ أنَّ الصحابةَ لم يتَّخِذوهُ عادةً، وقد سُئِلَ مالكٌ عن صلاةِ النبيِّ على قبرِ المرأةِ؟ فقال: قد جاء هذا الحديثُ، ولكنْ ليس عليه العمَلُ (٢). ولو ثبتَتِ الصلاةُ عن النبيِّ ﷺ على القبر، فلم تَكُنْ منه عادةً،

стр. 1550

وأمَّا مَن يتَّخذُها عادةً ويتَوانَى عن شهودِ الجنائز، ويتَعمَّدُ تركَ الصلاةِ عليها قبلَ دَفْنِها؛ لكونِه مُدْرِكًا لذلك بعدَ الدفن، فهذا ليس مِن السُّنَّة، ولا ينبَغي أنْ يُحكَى فيه خلافٌ. ومَن فاتَتْهُ الصلاةُ قبلَ الدَّفْنِ لسببِ غيابِهِ وتعذُّرِ شهودِهِ لِمَن يَعرِفُهُ، أو مَنْ له حقٌّ عليه، أو لصاحبِ فضلٍ، فإنَّه يُصلِّي عليه بعدَ دفنِه، وقد صَلَّتْ عائشةُ على قَبْرِ أخيها عبد الرحمنِ (١)، وابرُ عُمَرَ على قبرِ أخيه عاصمٍ (٢)، وجاء ذلك عن جماعةٍ مِن السَّلَفِ؛ كابنِ سِيرِينَ (٣)، وسَلْمانَ بنِ ربيعةَ (٤)، وغيرِهما. * * * قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٩١ - ٩٣]. في هذه الآياتِ: بيانٌ لوجوبِ النفيرِ عندَ قيامِ مُوجِبِه؛ بدليلِ الخِطَابِ؛ فإنَّ اللهَ لم يَرفَعِ الحرَجَ عن المعذورينَ إلَّا لوجودِهِ على غيرِهم.

стр. 1551

ومُشارَكةُ الضعفاءِ للمنافِقينَ في الوصفِ الظاهرِ - وهو التخلُّفُ عن الجهادِ - تقتضي بيانَ عُذْرِهم، وحِفْظَ فضلِهم، وهذا مِن مَقاصِدِ الآيةِ؛ فقد يَشتبِهُ بعضُ أهلِ الخيرِ ببعضِ أهلِ الشرِّ في الظاهرِ عمَلًا أو تَرْكًا، والأَوْلى بيانُ عُذْرِ أهلِ الخيرِ؛ حتى لا يتَواسى أهلُ النِّفاقِ بهم، فيَختِلِطَ عندَ الناسِ أَمْرُهم، فلا يميِّزوا أهلَ الصِّدْقِ مِن أهلِ النَّفاقِ والكَذِبِ. وقولُه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ رفَعَ اللهُ الحرَجَ عن الضعفاء، وهم الذين يَرغَبونَ في الوصولِ إلى الشيء، وَيعجِزونَ عن ذلك، وقيل: إنَّ هذه الآيةَ ناسخةٌ لقولِهِ تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]؛ كما قاله السُّدَّيُّ وغيرُه (١). والضَّعْفُ عن القدرةِ على الجهادِ على نوعَيْنِ: النوعُ الأولُ: ضَعْفُ البدَن، وهو اللازِمُ فيه، وهو ضَعْفُ البدنِ مِن هُزَالٍ أو مَرَضٍ مِن عَرَجٍ أو عَمًى أو صَمَمٍ، وغيرِ ذلك مِن عِلَلِ الأبدانِ التي تُضعِفُ الإنسانَ عن لِقاءِ العدوِّ. النوعُ الثاني: ضَعْفُ العُدَّة، فلا يَجِدُ سِلاحًا يُقابِل به العدوَّ، ولا مَرْكَبًا يَحمِلُه إلى مكانِ الغزوِ وَيركَبُه، فيَكُرُّ ويتحيَّزُ ويتحرَّفُ، ولا طعامًا يتَفوَّتُهُ في طريقِهِ ورِباطِه. وهذانِ النوعانِ مِن الضَّعْفِ الذي يُعذَرُ بمِثْلِهِ صاحبُهُ في تَرْكِ الجهادِ الذي يتعيَّنُ عليه لو كان قادرًا. قولُه تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فيه إشارةٌ إلى عفوِ اللهِ عنِ المُجتهِدِ الذي بذَلَ وُسْعَهُ في الإحسانِ ووقَعَ منه تقصيرٌ لم يُرِدْهُ، وقد استَدَلَّ بها بعضُ الفقهاءِ على سقوطِ الدِّيَةِ عمَّن استَوْفَى حقَّه في القصاصِ مِن خَصْمِهِ فيما دُونَ النفسِ - كقَطْعِ اليَدِ

стр. 1552

والرِّجْل، وفَقْءِ العينِ - وتحرَّى العدلَ، ثم مات المُقتَصُّ منه؛ أنه لا دِيَةَ عليه؛ وبهذا قال مالكٌ والشافعيُّ وجماعةٌ، خلافًا لأبي حَنيفةَ. ومِثلُ ذلك مَنْ دافَعَ عن نفسِهِ مِن دفعِ صائلٍ مِن إنسانٍ أو حيوانٍ؛ كفَحْلٍ هاجَ عليه فدفَعَهُ، أو رمَاهُ بما لا يُدفَعُ عادةً إلَّا به، فمات؛ فإنَّه لا دِيَةَ عليه؛ لأنَّه بِفِعْلِ ذلك مُحسِنٌ، ولم يَكُنْ قاصدًا للسُّوء، والمُحسِنُ لا سبيلَ عليه. ومِثْلُ ذلك مَنْ قامَ بإنقاذِ غريقٍ أو حريقٍ أو هديمٍ، وجذَبَهُ بما لا يخرُجُ إلَّا بمِثْلِه، فقطَعَ يدَهُ أو جرَحَهُ أو أتلَفَ لِباسَهُ أو مَرْكَبَتَه، ومِثلُهم الذين يَعمَلونَ في إنقاذِ النفوسِ مِن الحوادثِ والكوارثِ فيُحسِنونَ إلى الناس، فيُصيبُ الناسَ منهم ضرَرٌ في أنفُسِهم وأموالِهم، ولم يَقصِدوا الإساءةَ، وتَحَرَّوُا الإحسانَ؛ فليس عليهم ضمانٌ على الصحيحِ. وفرقٌ بينَ الخطَأِ الذي لم تأذَنِ الشريعةُ بمُباشرتِهِ ولا الإحسانِ فيه، وبينَ ما أَذِنَتِ الشريعةُ بمباشَرَتِهِ والإحسانِ فيه: فأمَّا الأولُ: فكمَنْ يَسيرُ في شأنِه، فدَعَسَ بالخطَأِ رجُلًا أو أتلَفَ مالًا، فهذا عليه الضَّمَانُ؛ لأنَّ الشريعةَ لم تأذَنْ له بمُباشَرةِ التعرُّضِ للإنسانِ ولا للحيوانِ في تلك الحالِ. وأمَّا الثاني: فكما سبَقَ ممَّن أذِنَتْ له الشريعةُ بالتعرُّضِ للإنسانِ وللحيوانِ الصائلِ ولإنقاذِ الغريق، وإنَّما لَحِقَتِ الجِنايةُ مَن أذِنَتِ الشريعةُ بالإحسانِ في رَفْعِ شَرِّهِ والعدلِ فيه، فمَنْ لم يقصِّرْ فيما أُذِنَ له بمباشَرَتِه، فهو مُحسِنٌ، واللهُ يَقولُ: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فبَيَّنَ بقولِه: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ رَفْعَ الحَقِّ في الدُّنيا؛ إذْ لا سَبيلَ عليهم، وبَيَّنَ بقولِه: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ رفْعَ الإثمِ في الآخِرةِ.

стр. 1553

وقولُه تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ فيه عُذْرُ الفقيرِ العاجزِ عن الجهادِ الذي لا يَجِدُ ما يَحمِلُه، ولا يجِدُ طعامًا، ولا وليًّا يَخْلُفُهُ في أهلِه، فهو معذورٌ في تَرْكِهِ للجهادِ؛ لقولِه: ﴿أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾، فلم يَمنَعْهم إلَّا عجزُ المالِ. وعلامةُ صِدْقِ أولئك الذين جاؤوا: أنَّهم لم يأتوا معتذِرينَ مع عَجْزِهم، بل جاؤوا راغِبينَ في أنْ يَحمِلَهم؛ فالمُعتذِرُ عن حَمْلِهم هو رسولُ اللهِ ﷺ ؛ لأنَّه لم يَجِدْ بُدًّا مِن ذلك؛ لقِلَّةِ الظَّهْرِ. وقد قيلَ: إنَّهم لم يَسْأَلوا النبيَّ ﷺ ظَهْرًا يَركَبونَه، ولكنَّهم سأَلُوهُ نِعَالًا تَحْمِلُهم وتَحْمِيهِم مِن الحَرِّ ووَخْزِ الأرضِ؛ لأنَّهم حُفاةٌ لفقرِهم، كما رُوِيَ عن الحسنِ بنِ صالحٍ، وإبراهيمَ بنِ أَدْهَمَ (١). ولعِظَمِ النيَّةِ فقد كتَبَ اللهُ لناوي الخيرِ الحريصِ عليه ولم يتيسَّرْ له - أَجْرَ مَن قام به، ومنهم هؤلاء الضُّعَفاءُ الذين رَدَّهم رسولُ اللهِ ﷺ لقِلَّةِ ما يَحمِلُهم؛ ففي "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ أنسٍ؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: (إِنَّ بِالمَدِينَةِ أَقْوَامًا، مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا، إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَهُمْ بِالمَدِينَةِ؟ قَالَ: (وَهُمْ بِالمَدِينَةِ؛ حَبَسَهُمُ العُذْرُ) (٢). وفي قوله تعالى: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ أنَّ النَّفْسَ الصادقةَ تَحزَنُ على فَوْتِ الخيرِ لها، ولو كانَتْ مأجورةً عليه بلا عَمَلٍ؛ لقَصْدِها وعَجْزِها، وهذا يكونُ فيمَن عَظُمَ إيمانُه، وقد ذكَرَ اللهُ الباكينَ الذين لا يَجِدُونَ مَحمَلًا يَحمِلُهم إلى الجهادِ في سِيَاقِ المدح لهم، وبِمِقْدارِ قوَّةِ إيمانِ العبدِ يكونُ حزنُهُ على ما فاتَهُ مِن الطاعة، وكلَّما ضَعُفَ إيمانُهُ، قَلَّ تأثُّرُهُ، حتَّى يَبلُغَ بالمنافِقِ الفرَحُ بفَوْتِ

стр. 1554

الطاعةِ وعُذْرِهِ بتَرْكِها؛ ولهذا قال اللهُ عن المؤمنينَ: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾، وقال عن المُنافِقينَ: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧]؛ فالعبادةُ واحدةٌ، ولكنَّ المؤمِنَ حزينٌ على فَواتِها، والمُنافِقَ راضٍ فَرِحٌ بذلك. وفي الآيةِ: عِظَمُ الإيمانِ باللهِ وأثَرُهُ على بيعِ النفوسِ له، فيَبْكونَ أنَّهم لا يَجِدُونَ مَن يأخُذُ نفوسَهُمْ إلى حيثُ مَصْرَعُها في جَنْبِ اللهِ. واللهُ لم يَمْدَحْهم لمجرَّدِ الحَزَنِ؛ وإنَّما لأنَّ الجالِبَ له محمودٌ، وهو حُبُّ الطاعةِ وكَرَاهةُ فَوْتِها، ولا يَبْكي على فَوْتِ الطاعةِ إلَّا قويٌّ الإيمانِ بالله، كما بَكَى الصحابةُ ألَّا يَجِدُوا ما يَحمِلُهم معَهُ في سبيلِ الله، وفرقٌ بينَ المؤمِنِ والمُنافِقِ؛ فالمؤمِنُ يُريدُ الجهادَ وهو عاجزٌ، ويَبْكِي إنْ لم يَجِدْ، والمنافِقُ يَعتذِرُ وهو غنيٌّ ويَفرَحُ لعُذْرِه: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾. * * * قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. هذه الآيةُ نزَلَتْ فيمَن تخلَّفَ عن رسولِ اللهِ ﷺ في الغَزْوِ وليسوا بمَعْذُورِينَ، فنَدِموا على تخلُّفِهم بعدَ ذَهَابِ الغُزَاة، وحاسَبُوا أنفُسَهم، ولمَّا رجَعَ الناسُ، ربَطوا أنفُسَهم بالسَّواري مُعتذِرينَ، عارِضينَ لأموالِهم في سبيلِ اللهِ؛ رجاءَ العَفْوِ والتوبةِ عليهم، ثم أُطلِقوا وأُخِذَ مِن أموالِهم صَدَقةٌ؛ كما رَوَى عليٌّ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: "جاؤوا بأموالِهم - يَعني: أبا لُبَابَةَ وأصحابَهُ - حينَ أُطلِقُوا، فقالوا: يا رسولَ الله، هذه أموالُنا فتَصَدَّقْ بها عَنَّا، واستَغْفِرْ لنا، قال: (مَا أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ مِن أَمْوَالِكُمْ

стр. 1555

شَيْئًا)، فأنزَلَ اللَّهُ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ يَعني: بالزَّكَاةِ: طاعةَ اللهِ والإخلاصَ، ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾؛ يقولُ: استغفِرْ لهم" (١). أخدُ الإمامِ للزَّكَاةِ وجِبَايَتُها: وفي الآيةِ أمَرَ اللهُ الإمامَ بجِبَايةِ الأموالِ مِن مَوَارِدِها، وإنفاقها على مَوَاردِها المشروعة، لِيَكْتَفِيَ الناسُ، ويَسُدَّ بعضُهم حاجةَ بعضٍ؛ فإنَّ السُّلْطانَ يُهابُ فتُدفَعُ الأموالُ إليه رَغْبَةً أو رَهْبةً، طَوْعًا أو كَرْهَا، ثم إنْ كان الإمامُ عادِلًا، فهو أبصَرُ بمَواضِعِ الحاجةِ والفقرِ والعَوَزِ، وهو أعلَمُ بمَواضِعِ الثغورِ؛ لأنَّ الناسَ تُكاتِبُهُ وتشتكي إليه، فيُحِيطُ بأحوالِ الناسِ والبُلْدانِ ولو تباعَدَت ما لا يُحيطُ الغنيُّ بذلك، وأيُّ خلَلٍ أو تقصيرٍ في جِبَايةِ الأموالِ مِن مَوَاضِعِها وإنفاقِها على مُستحِقِّيها، يكونُ في ذلك ظُلْمٌ في عيشِ الناس، ويَظهَرُ الظُّلْمُ في الأموالِ في جِهتَيْنِ: الجهةُ الأُولى: الظُّلْمُ في جِبَايةِ الأموالِ؛ وذلك بعدَمِ أخذِها كما أمَرَ اللهُ؛ فيَتِمُّ تعطيلُ مَواردِها أو بعضِها، فاللهُ أمَرَ بجِبايةِ الزَّكَاةِ مِن الأغنياءِ مِن أموالِهم وزُرُوعِهم وثِمارِهم، ومَواشِيهم وعُرُوضِهم، ويأخذِ الجِزْيةِ والخَرَاجِ مِن الكُفَّار، ومِن مَواردِها غَنائِمُ الكفارِ عندَ قتالِهم لإعلاءِ كلمةِ الله، فبِمِقْدارِ الخلَلِ في تعطيلِ مواردِ المالِ في الإسلام، يكونُ خللٌ في بيتِ المالِ؛ كجِبَايةِ السُّلْطانِ لزكاةِ لعضِ الأغنياءِ دونَ بعضٍ، أو تعطيلِ الجهادِ والجِزْيةِ والخرَاجِ. الجهةُ الثانيةُ: الظُّلْمُ في صَرْفِها؛ فإنَّ اللهَ أمَر بصَرْفِ الأموالِ في مَصارِفِها؛ كلُّ مالٍ بحسَبِه، فقد قسَّم اللهُ في كتابِهِ الغنيمةَ والزكاةَ، وبيَّن النبيُّ ﷺ مَصرِفَ سَلَبَ الكافرِ وخَرَاجِ الأرضِ والجِزْيةِ وإقطاعِ الأرض،

стр. 1556

وحُدودَهُ وضوابِطَه، وبيَّنَ أحَقَّ الناسِ بالصدقة، وأفضَلَها وأعظَمَها نفعًا وأجرًا. حَبْسُ الصَّدَقةِ عن مُسْتَحِقِّبها، وأخذُ غيرِ أَهْلِها لها: وقد جاء في الشريعةِ تحريمُ حَبسِ الصَّدَقةِ عن أهلِها، ووجوبُ صَرْفِها ما وُجِدَ مُستحِقُّوها، فإنَّ الأصلَ أنَّ الفقرَ والفاقةَ قد تُوجَدُ وتَطرَأُ، ولكن لا تَبقى في الناسِ إلَّا بسبَبِ مالٍ محبوسٍ عن أهلِه؛ منَعَهُ غنيٌّ، أو حبَسَه سُلْطانٌ، وقد حَثَّ النبيُّ ﷺ على قِسْمةِ الصَّدقةِ والتعجيلِ يها إلى أهلِها؛ ففي البخاريِّ؛ مِن حديثِ عُقْبةَ بنِ الحارثِ ﵁؛ قال: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ العَصْرَ، فَأَسْرَعَ، ثُمَّ دَخَلَ البَيْتَ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ، فَقُلْتُ أَو قِيل لَهُ، فَقَالَ: (كُنْتُ خَلَّفْتُ في البَيْتِ تِبْرًا مِنَ الصَّدَقَة، فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَهُ، فَقَسَمْتُهُ) (١). والزكاةُ إنْ حُبِسَتْ عن أهلِها في مالٍ، أهلَكَتْهُ؛ لأنَّ للزكاةِ بَرَكةً على مالِ مُنفِقِها، وشُؤْمًا على مالِ حابِسِها؛ فعن عائشةَ؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: (لَا تُخَالِطُ الصَّدَقَةُ مَالًا إِلَّا أَهْلَكَتْهُ)؛ رواهُ البيهقيُّ وغيرُهُ؛ مِن حديثِ هِشامٍ، عن أبيه، عنها (٢)، قال الشافعيُّ: يَعني - واللهُ أعلَمُ - أنَّ خيانةَ الصَّدَقةِ قد تُتلِفُ المالَ المخلوطَ بالخيانةِ مِن الصدقةِ (٣). وقد حرَّم اللهُ تعرُّضَ غيرِ أهلِ الزكاةِ لها بطَلَبِها والانتفاعِ بها؛ كما حرَّم سُؤالَها مِن دونِ أهلِها؛ فإنَّ الزكاةَ قد تُؤخَذُ مِن مَواردِها ويُخرِجُها الغنيُّ أو السُّلْطانُ أو نائبُهُ طالِبًا أهلَها، فيَعتَرِضُها مَن يَطْلُبُها مِن غيرِ أهلِها، فيَنحرِفُ طريقُها ومَسارُها إلى غيرِ مقصودِها، فكما حرَّم اللهُ على

стр. 1557

قابِضِ الزكاةِ أن يَصرِفَها لغيرِ أهلِها، فقد حرَّم على غيرِ أهلِها أن يَطْلُبوها ويأخُذُوها؛ فقد رَوَى أحمدُ وأهلُ السُّنَنِ؛ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: (لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ) (١)، وفي "المسنَدِ" و"السُّننِ" أيضًا، مِن حديثِ عبد اللهِ بنِ مسعودٍ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيه، جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُمُوشٌ، أوْ خُدُوشٌ، أَو كُدُوحٌ فِي وَجْهِهِ)، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، وَمَا الْغِنَى؟ قَالَ: (خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أَو قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ)، وقد أعلَّه يَحيى بن آدَمَ وغيرُهُ (٢). إخراجُ المُكْرَهِ لِزَكَاةِ مالِهِ: وإذا أخَذَ الإمامُ الزكاةَ أو الصَّدَقةَ مِن الغنيِّ بقُوَّةٍ وقهرٍ وغَلَبةٍ، فقد اختلَفَ العلماءُ في إجزائِها عن زكاتِه، وهل يَجِبُ عليه أن يُخرِجَ عِوَضًا عنها إن تاب؟ على قولَيْن، وهما وجهانِ في مذهبِ أحمدَ: الأوَّلُ: تُجْزِيهِ باعتبارِ أنَّ الإمامَ نائبٌ عن المُسلِمينَ في أخذِ الحقوقِ وإعطائِها أهلَها، ونِيَّةُ الإمامِ تُجزِئُ عن نِيَّة الغنيِّ. الثاني: أنَّها لا تُجزِئُ عن زكاتِهِ المفروضة، ولا تُقبَلُ صَدَقةً نافلةً، ورَجَّحَة ابنُ تيميَّةَ (٣)؛ لأنَّ النبيَّ كان يأخُذُها منهم بإعطائِهم إيَّاها، ثم بيَّن عدَمَ قَبُولِهِ لها، وبيَّن العِلَّةَ في عَدَمِ القَبُولِ بأنَّهم أَعطَوْها وهم كارِهونَ، فالعبادةُ التي تخرُجُ بإكراهٍ لا طَواعِيَةً وانقيادًا: لا تُقبَل، كمَنْ يُصلِّي مُكرَهَا خوفَ الضَّرْبِ أو الحَبْس، لا تُقبَلُ منه، ولو تابَ في الوقت، وجَبَت عليه الإعادةُ.

стр. 1558

وقولُهُ تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ اختُلِفَ في المرادِ بالصَّدَقةِ المأخوذةِ: هل هي التطوُّعُ أو الزكاةُ المفروضةُ؟ على قولَيْنِ للسَّلَف، والأظهَرُ: أنه في صدَقةِ التطوُّعِ؛ لأنَّ الآيةَ نزَلَتْ فيمَن تخلَّفَ عن غَزْوةِ تَبُوكَ، فجاؤُوا مُعتذِرينَ عن تخَلُّفِهم، وطرَحُوا مالَهُمْ بينَ يَدَيِ النبيِّ ﷺ لأخذِه؛ رجاءَ أن يَغفِرَ اللهُ لهم ويَعْفُوَ عنهم. ولا خلافَ أنه يدخُلُ في الأموالِ التي يَجِبُ أخذُ زكاتِها: الحَرْثُ، والماشيةُ، والنَّقْدَانِ. زكاةُ عُرُوضِ التِّجارةِ: وأمَّا العُرُوضُ المملوكةُ، فعلى نوعَيْنِ: النوعُ الأولُ: عروضٌ مملوكةٌ غيرُ معروضةٍ للتجارةِ؛ كالبَيْتِ المسكون، والبُسْتانِ المنتَفَعِ مه، والدابَّةِ المركوبةِ مِن فرَسٍ أو جمَلٍ، أو سيَّارةٍ أو طائرةٍ، ومِثْلُ ذلك أناثُ البيوتِ ولو غَلَا ثَمَنُه، والمقتنَياتُ مِن أوَانٍ ومَلابِسَ وفُرُشٍ مُستعمَلةٍ؛ فتلك لا زَكَاةَ فيها، ولم يَكُنِ النبيُّ ﷺ ولا أصحابُهُ ولا التابعونَ يَسأَلونَ عن قِنْيَةِ الناسِ وما يَنتَفِعونَ به، ولم يثبُتْ عن أحدٍ منهم؛ أنه أخرَجَ زَكَاتَها ولا أُخِذَت منه؛ وذلك أنه قد ثبَتَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: (لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ)؛ رواهُ الشيخانِ (١). وبهذا كان يَعمَل الصحابةُ، وقد صحَّ عن ابنِ عُمَرَ؛ قال: "ليس في العَرْضِ زكاةٌ إلَّا أنْ يُرادَ به التجارةُ"؛ رواهُ عنه نافعٌ؛ أخرَجَهُ الشافعيُّ في "الأمِّ" (٢).

стр. 1559

وقد سُئِلَ عطاءٌ عن الرَّجُلِ يَشتَري المتاعَ فيمكُثُ السِّنِينَ: يُزَكِّيهِ؟ قال: لا (١). وعليه نصَّ طاوُسٌ وسُفيانُ وجماعةٌ. وأمَّا ما رُوِيَ عن ابنِ سِيرِينَ؛ قال: "في المتاعِ يُقَوَّمُ ثَمَّ تُؤدَّى زكاتُه" (٢). فقد رواهُ أبو هِلالٍ محمَّدُ بن سُلَيْمٍ، عن ابنِ سيرينَ؛ وهو ليس بالقويِّ؛ كما قال النَّسَائيُّ (٣)، وإنْ صَحَّ فمرادُهُ المتاعُ الذي يُشتَرى لِيُباعَ، لا لِيُنتفَعَ منه بنَفْسِه، والسَّلَفُ يُعبِّرونَ عَن العروضِ المُشتَراةِ التي تُوضَعُ في الدُّورِ لزَمَنٍ بالمتاعِ؛ لأنَّها ليسَتْ معروضةً للناس، فالعروضُ: إمَّا للتِّجَارة، أو للمَتَاع، فما كان غالِبًا في البيوت، فهو للمَتَاعِ ولو كان قد قصَدَ صاحبُهُ بيعَهُ بعدَ زمَنٍ، فيَحبِسُهُ يَنتظِرُ به الغَلَاءَ، وهذه المسألةُ ممَّا اختَلَفَ فيه السَّلَفُ على قولَيْنِ: ذهَبَ قومٌ: إلى أنَّ المتاعَ الذي يَشتريهِ صاحبُهُ ويَدَّخِرُهُ يَنتظِرُ به الغَلَاءَ: أنه يُزكِّيهِ؛ وهذا ظاهرُ قولِ ابنِ سِيرِينَ السابق، وبه قال النَّخَعيُّ والثَّوْريُّ. وذهَبَ قومٌ: إلى أنه لا يُزَكِّيهِ؛ وهو قولُ طَاوُسٍ، ونُسِبَ إلى الشَّعْبيِّ وعطاءٍ وعَمْرِو بنِ دينارٍ، وفي النِّسْبةِ نظرٌ، وبه قال المالكيَّةُ، فيَرَوْنَ أنه يُزكَّى عندَ بيعِهِ مَرَّةً؛ خِلافًا لجمهورِ الفقهاءِ الذبن يَرَوْنَ أنَّ مُحتَكِرَ السِّلْعةِ للتجارةِ كالمُدِيرِ لها؛ يُزكِّيها كلَّ عامٍ؛ لأنَّه يتربَّصُ رِبْحًا، ويَملِكُ القُدْرةَ على بيعِها متى شاء، ولكنَّه يُريدُ بيعَها بثَمَنٍ أعلى وأغلى،

стр. 1560

وهو في حقيقتِهِ يترقَّبُ السُّوقَ، ويَعرِفُ أسعارَهُ كلَّ عامٍ، ويتحيَّنُ الأصلَحَ له منها، كما يتحيَّنُ عارِضُ السِّلْعةِ للناسِ الثَّمَنَ الذي يُريدُهُ، والفرقُ بينَهما أنَّ المُحتكِرَ لم يَعرِضْ سِلْعَتَهُ بعَيْنِها، ولكنْ يَرقُبُ أمثالَها في السُّوق، فإنْ كان سِعْرُها جَيِّدًا أخرَجَها، وأمَّا المديرُ للسِّلْعة، فيَعْرِضُها بعَيْنِها، وكِلاهما يُريدُ البيعَ ويتحيَّنُ سِعْرًا يُناسبُه. واستُدِلَّ بأثَرٍ عامٍّ على عدَمِ وجوبِ الزكاةِ في العروضِ المُحتكَرة، غيرِ المُدارةِ؛ وهو ما رواهُ ابنُ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ؛ قال: "لا زكاةَ في عَرْضٍ لا يُدارُ، إلَّا الذَّهَبَ والفِضَّةَ" (١). فلا يَظهَرُ أنه يَقصِدُ المالَ المُحتكَرَ الذي يَنتظِرُ به صاحبُهُ الغَلَاءَ؛ فهذا مُدارٌ لكنَّ دَوَرَانَهُ بعيدٌ، والتُّجَّارُ منهم مَن يُديرُ المالَ في اليوم، ومنهم في الأسبوع، ومنهم في الشَّهْرِ والحَوْل، وأكثَرَ مِن ذلك، حسَبَ ما يَربَحونَ، وإنَّما قصدَ عطاءٌ العَرْضَ الذي يُشتَرى ولا يُرادُ به إدارتُهُ للتِّجارةِ؛ فلا زكاةَ فيه؛ وهذا القولُ ليس في شُيُوخِ عَطَاءٍ ولا في أقرانِه، ولا يُحفَظُ هذا مِن وجهٍ صريحٍ صحيحٍ إلَّا عن طاوُسٍ؛ كما رَوَاهُ عنه ابنُهُ، وقد أنكَرَهُ عبدُ الرزَّاقِ عليه، فقال: "اسمٌ لا أُحِبُّ أنْ أقولَهُ: يَنتظِرُ به الغَلاءَ" (٢). ثم إنَّ مُدَّةَ احتكارِ السِّلَعِ تَختلِفُ بحسَبِ حاجةِ الناسِ إليها؛ فمنها: ما يُحتكَرُ شهرًا، ومنها: ما يُحتكَرُ فصلًا؛ يَنتظِرُ فيه صيفًا أو شتاءً، أو سَلْمًا أو حَرْبًا، ومنها: ما يُحتكَرُ سَنَةً وسنَتَيْنِ وثلاثًا، وهذه الأَزْمِنةُ لا تَجعَلُ السِّلْعةَ غيرَ مُدارةٍ في عُرْفِهم، ومَن تأمَّلَ الأخبارَ المرويَّةَ عن عطاءٍ يَجِدُ أنه يُسألُ عن العَرْضِ الذي لا يُدَارُ؛ يَعْنُونَ به المَتَاعَ وما يُقتَنى

стр. 1561

ويُستمتَعُ به؛ كما قال ابنُ جُرَيْجٍ: قلتُ لعَطَاءٍ: طعامٌ أُمسِكُهُ أُرِيدُ أَكْلَه، فيَحُولُ عليه الحَوْلُ؟ قال: ليس علَيك فيه صدَقةٌ، لَعَمْرِي إنَّا لَنَفعَلُ ذلك؛ نَبتاعُ الطَّعَامَ وما نُزَكِّيه، فإنْ كنتَ تُريدُ بيعَهُ فزَكِّهِ إذا بِعْتَه (١). وبنحوِ هذا ومعناهُ يقولُ السَّلَفُ؛ كما رَوَى ابنُ جُرَيْجٍ؛ قال: قال لي عبدُ الكَريمِ في الحَرْثِ: "إذا أَعْطَيْتَ زكاتَهُ أوَّلَ مرَّةٍ، فحالَ عليه الحَوْلُ عِندَك، فلا تُزَكِّهِ؛ حَسْبُك الأُولى" (٢). وبنحوِه نقَلَهُ ابنُ جُرَيْجٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ (٣). وكلامُهُمْ وكلامُ طاوسٍ في الثِّمارِ والحبوب، وهم يَنتَفِعونَ منها ويَبيعونَ ما بَقِيَ، ولا يُدرَى عادةً مِقْدارُ ما يُرادُ بيعُهُ منه وما يَستنفِقونَهُ بالأكلِ منه، وهذا لا يُسحَبُ على عروضِ التِّجارةِ الخالِصةِ محتكَرةً أو مدارةً. وفد بيَّن ابنُ عبد البَرِّ الخطَأَ في فَهْم قولِ عطاءٍ، فقال: "وأمَّا ما ذكَرَهُ عن عطاءٍ وعمرِو بنِ دينارٍ، فقد أخطَأَ عليهما، وليس ذلك بمعروفٍ عنهما" (٤). النوعُ الثاني: العُرُوضُ التِّجَاريَّةُ، وهي التي تُعَدُّ للببع، وعامَّةُ العُلَماءِ على أنَّ فيها زكاةً، خِلافًا لداودَ الظاهريِّ، والآيةُ عامَّةٌ في الإنفاقِ ووُجُوبِ أَخْذِه، ولا يُؤمَرُ بأخذِ غيرِ المفروضِ أو ما بذَلَهُ صاحبُهُ، وقد قال تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقد روى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ قولَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾

стр. 1562

[البقرة: ٢٥٤]؛ قال "مِن الزَّكاةِ والتطوُّعِ" (١). ووجوبُ إخراجِ الزكاةِ مِن عروضِ التِّجارةِ هو قولُ الأئمَّةِ الأربعة، وعمَلُ الخلفاءِ الرَّاشِدينَ؛ كعُمَرَ بنِ الخطَّابِ ﵁، وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عُمَرَ، ولا خلافَ بينَ الصحابةِ في وُجُوبِه، وقد رواهُ عن عُمرَ جماعةٌ لا يَختلِفونَ عنه في وجوبِ ذلك؛ كأنَسِ بنِ مالكٍ، وزيادِ بنِ حُدَيْرٍ، وعبدِ الرَّحمنِ بنِ عبدٍ القاريّ، والحسنِ البصريِّ. وقد روى نافعٌ، عن ابنِ عُمَرَ؛ قال: "كان فيما كان مِن مالٍ في رَقِيقٍ أو في دوابَّ أو بَزٍّ يُدارُ لِتِجَارةٍ: الزَّكَاةُ كلَّ عَامٍ"؛ رواهُ أبو عُبَيْدٍ وعبدُ الرزَّاقِ (٢). وبهذا قال التَّابِعونَ قاطِبةً، كالفقهاءِ السَّبْعةِ في المدينة، والزُّهْريّ، وهو قولُ عطاءٍ ومجاهِدٍ وعمرِو بنِ دينارٍ، ولم يُخالِفْهم أحَدٌ مِن المكِّيِّينَ وغيرِهم مِن فقهاءِ التابِعِينَ مِن بقيَّةِ البُلْدانِ؛ صحَّ عن الشَّعْبيِّ والحسَنِ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ والنَّخَعيِّ وحمَّادٍ والثُّوْريِّ مِن العِراق، ومِن الشامِ مَكْحولٌ والأوزاعيُّ، ومِن اليمَنِ طاوُسٌ، ولا مُخالِفَ لهم في بُلْدانِهم. وكان عُمرُ بن عبد العزيزِ يأمُرُ بأخذِ عروضِ التِّجارة، كما كتَبَ إلى زُرَيْقِ بنِ حَيَّانَ - وكان على جَوَازِ مِصْرَ -: "أنِ انظُرْ مَن مَرَّ بك مِن المُسلِمينَ، فحُذْ ممَّا ظهَرَ مِن أموالِهم ممَّا يُدِيرُونَ مِن التِّجاراتِ"؛ رواهُ مالكٌ (٣). وقد رَوَى أبو داودَ وغيرُهُ؛ مِن حديثِ سَمُرةَ مرفوعًا: "أَمَرَنا رسولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّ لِلْبَيْع" (٤).

стр. 1563

ونقَلَ ابنُ المنذِرِ إجماعَ العُلَماءِ على زَكَاةِ عُرُوضِ التِّجَارةِ (١)؛ خِلافًا للظَّاهِرِيَّةِ الذبن يَجعَلونَ النصوصَ إنَّما هي فيما خَصَّهُ الدليلُ، ولا يأخُذونَ بإطلاقاتِ الآيات، وربَّما احتَرَزوا مِن القولِ بالإطلاقِ؛ خوفًا مِن وجوبِ الزكاةِ في المتاعِ والدُّورِ والمراكبِ وطَعَامِ البيتِ؛ لكَوْنِها مِن الأرزاقِ والأموال، ولكنَّ هذا النَّوْعَ مِن الأموالِ لم يَقُلْ أحدٌ بوجوبِ الزكاةِ فيه، ولا ذكَرَ ذلك الصحابةُ ولا مَن بَعْدَهم، إلَّا ما يتعلَّقُ بحُلِيِّ المرأة، ومَن أوْجَبَ الزكَاةَ فيه لا يَجعَلُهُ مَتَاعًا، بل نَقْدًا. ويُروى عنِ ابنِ عَبَّاسِ القولُ بعدَمِ زَكَاةِ عُرُوضِ التِّجارة، ولا يَصِحُّ عنه، بل هو مُنكَرٌ، وسائرُ أصحابِهِ على خلافِ ذلك، ولو ثبَتَ عنه ذلك، لأُسنِدَ، ولَعَمِلَ به الواحدُ مِنَ أصحابِه. والنَّظَرُ دالٌّ على وجوبِ إخراجِ زكاةِ عُرُوضِ التِّجارةِ؛ فإنَّ أثمَنَ أموالِ الناسِ وأَغْلاها: ما يُتاجِرونَ به، فأكثَرُ التُّجَّارِ والأغَنياءِ يَملِكونَ عُرُوضَ التِّجارةِ أكثَرَ مِن النَّقْدَيْن، وتركُ زكاةِ ذلك مخالَفةٌ لِمَقصَدِ الشريعةِ في زكاةِ الأموال، وهضمٌ لحقِّ الفُقَراء، وبَخْسٌ لهم، ولو تُرِكَ القولُ بزكاةِ عروضِ التِّجارة، لكان بابًا للخروجِ مِن فرضِ الزكاةِ؛ يدخُلُ منه كلُّ طامعٍ أو صاحبِ هوًى، والنَّفْسُ شحيحةٌ بمالِها. عُرُوضُ التِّجَارةِ التي يُنتفَعُ بها مَعَ عَرْضِها: وأمَّا المالُ الذي يَعرِضُه صاحبُهُ للتِّجارةِ وهو يَنتفِعُ به؛ كالبيتِ الذي يَسكُنُهُ يَعرِضُهُ للبَيْعِ وهو فيه، وكالمَرْكَبةِ التي تَقضي حاجتَهُ يَعرِضُها وهو يَنتفِعُ بها؛ فهذا محلُّ خِلافٍ عندَ الفقهاءِ في وجوبِ زَكاتِه، والأظهَرُ أنَّ ذلك على حالَتَيْنِ:

стр. 1564

الحالةُ الأُولى: أنْ يكونَ قَصْدُهُ مِن عَرْضِهِ للبيعِ التِّجَارةَ، فيَبيعُهُ لِيَشترِيَ سِلْعةً أُخرى، ويَبِيعَهُ ويُضارِبَ بقيمتِهِ؛ ففي ذلك زكاةُ عروضِ التجارةِ. والحالةُ الثانيةُ" ألَّا يكونَ قصدُهُ التِّجارةَ؛ وإنَّما أنْ يُبدِّلَ متاعًا بمتاعٍ؛ كمَن يَعرِضُ فرَسَهُ المركوبَ، وبيتَهُ المسكونَ، وقميصَهُ الملبوسَ مِنه للبَيْع، ويُرِيدُ أن يُبدِّلَهُ بغَيرِه، فحالَ الحَوْلُ عليه وهو يَعرِضُهُ وهو منتفِعٌ به، فليس في ذلك زَكَاةٌ؛ لأنَّه لم يَعْرِضْهُ تجارةً، وإنَّما كان متاعًا وسيصيِّرُهُ متاعًا، وانتفاعُهُ منه مُوجِبٌ لسقوطِ الزكاةِ فيه؛ شريطةَ ألَّا يكونَ انتفاعُهُ مه اتفاعًا عارضًا. وأمَّا عروضٌ البيعِ التي لا يُنتفَعُ بها، ولا يُرادُ ببيعِها إدارتُها تجارةً؛ بل شراءُ متاعٍ بثمَنِها، كمَنْ يَعرِضُ دارًا أو مَرْكَبًا لا يَنتفِعُ بها ليَشترِيَ أُخرى يَنتفِعُ بها، ففيها زكاةٌ؛ لأنَّه يَعرِضُها لبيعِها ولا ينتفِعُ بها، وعَرْضُهُ للبيعِ في نفسِهِ تجارةٌ يَلتمِسُ منه رِبْحًا ولو كان ثمَنُها يَؤُولُ بعدَ ذلك إلى مَتَاع، ولو أُسقِطَتِ الزكاةٌ عن عروضِ التجارةِ لهذه العِلَّةِ؛ لَسَقَطَتْ عن كثيرٍ مِن العُرُوضِ التِّجاريةِ؛ لأنَّ أكثرَ الناسِ يُتاجِرونَ ليَستمتِعوا بأثمانِ تِجارتِهم في العاجلِ والآجل، وفتحُ بابِ إسقاطِ الزكاةِ في البيعِ الأوَّلِ للمعروضِ يَفتَحُ البابَ لِمَا بعدَه؛ لأنَّه لا دليلَ على وضعِ حدٌّ معيَّنٍ، وأوَّلُهُ كمُنْتهاهُ، واللهُ أعلَمُ. وبهيمةُ الأنعامِ والزُّرُوعُ والحبوبُ إنْ كانت عروضًا للبيع، ففيها زكاةُ عروضِ التِّجارة، لا زكاةُ الحبوبِ والثمار وبهيمةِ الأنعام، وتُقوَّمُ فيمتُها كما تُقوَّمُ عروضُ التجارة، ثم تُخرَجُ زكاتُها مِن كلِّ أربعينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ، وقد كان السَّلَفُ يَعمَلونَ بهذا؛ كعطاءٍ وعمرِو بنِ دينارِ والزُّهْريِّ ويونُسَ والشَّعْبيِّ والنخَعيِّ والثوريِّ.

стр. 1565

زكاةُ عُرُوضِ التِّجَارةِ كُلَّ حَوْلٍ: وزكاةُ عروضِ التجارةِ تكونُ كلَّ عامٍ؛ وهذا الذي عليه عامَّةُ السلف، وصحَّ هذا عن ابنِ عُمَرَ وغيرِه، سواءٌ أَرَبحَ في تجارتِه أم لم يَربَحْ؛ وبهذا قال جمهورُ العلماء، وقد ذهَبَ مالكٌ في روايةٍ: إلى أنه إنْ حالَ الحَوْلُ على تجارتِه، ولم يَنِضَّ عليه منها شيءٌ، فليس عليه زكاةٌ، وبهذا قال ابنُ القاسم، وقد جعَلُوا حُكْمَ السِّلْعةِ البائرةِ والخاسرةِ كحُكْمِ السلعةِ المُحتكَرةِ؛ لَا تجبُ عليه الزكاةُ حتى يببعَ ويَنِضَّ له مِن النقدِ ما يبلُغُ النِّصَابَ. ونَضُّ المالِ يَعْنُونَ به أنه صار عَيْنًا بعدَ أنْ كان متاعًا، ويُرادُ مِن ذلك أنه علامةٌ على أنَّ السِّلْعةَ ليسَتْ بائرةً، والبائرةُ في حُكمِ المُحتكَرةِ حتى تتحرَّكَ وتتحوَّلَ مِن عَرْضٍ إلى عَيْنٍ؛ كدِرْهَمٍ ودينارٍ. ولمالكٍ قولٌ يُوافِقُ جمهورَ الفقهاءِ في عدمِ اشتراطِ البَيْعِ والرِّبْحِ في عروضِ التجارةِ إذا كان باختيارِ مالكِها؛ وهو الأصحُّ في القياس، والموافقُ للأثرِ والتعليل، وقد روى نافعٌ، عن ابنِ عمرَ، أنه كان يقولُ: "في كلِّ مالٍ يُدارُ في عَبِيدٍ أو دَوَابَّ أو طعامِ الزكاةُ كلَّ عامٍ" (١). وأمَّا عروضُ التجارةِ المجمَّدةُ التي لا يستطيعُ مالكها التصرُّفَ فيها؛ لضياعِ وثائقِها أو وَضْعِ سُلْطانٍ يدَهُ عليها، فليس فيها زكاةٌ، حتَّى يَملِكَ التصرُّفَ فيها؛ فتلك ليستْ مِن المالِ المُدار، ولا تَجْرِي على قولِ مَن أخرَجَ المُحتكَرَ مِن المُدارِ. ومَن بارَتْ سلعتُهُ أو نزَلَتْ قيمتُها، فزكاتُها بقيمتِها التي لو عرَضَها لوجَدَ مَن يَشترِيها، ولو كان ذلك في رُبُعِ قيمتِها؛ لأنَّ زكاةَ العروضِ

стр. 1566

تقييمُها عندَ الحَوْل، ولا اعتبارَ بقيمتِها عندَ شِرائِها، والعروضُ التي لا تَجِدْ مشتريًا لها - لأنَّ الناسَ زَهِدُوا فيها مَهْمَا كان ثمنُها قليلًا - فهذه لا قيمةَ لها؛ وعلى هذا لا زكاةَ فيها، واللهُ أعلَمُ. فَضْلُ الدُّعَاءِ للمتصدِّقِ: قولُهُ تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾، فيه استحبابُ الدُّعَاءِ للمتصدِّقِ في نفسِهِ وولَدِه، وبالبرَكَةِ في مالِه؛ وقد قال أهلُ الظاهرِ بالوجوب، وليس بصحيحٍ، بل هو مستَحَبٌّ، ولم يقُلْ أحدٌ بوجوبِه مِن السلفِ والأئمَّةِ. وإنَّما أمَرَ اللهُ نبيَّهُ بالدعاءِ لهم؛ لعِظَمِ أثرِ دعوةِ النبيِّ ﷺ ، وهي مخصوصةٌ بالقَبُول، ولِفَضْلِ الدعاءِ عامَّةً؛ فإنَّه يُورِثُ سَكَنًا وطُمَأْنينةً، يَجِدُهما المدعوُّ له في نَفسِه، فيتذكَّرُ اللهَ فيُخلِصُ، ويتذكَّرُ ثوابَة فيَنتظِرُهُ ويَرْجوه، ولا يتعلَّقُ قلبُهُ بما فاتَ مِن مالِه. وأصل الحُكمِ للنبيِّ ﷺ ومَن قام مقامَه، ومع أنَّ أَخْذَ النبيِّ أعظَمُ مِن أخذِ غيرِه، وإعطاءَهُ أعظَمُ مِن إعطاءِ غيرِه، وصلاتَهُ أعظَمُ مِن صلاةِ غيرِه؛ فإنَّ الأخذَ والدعاءَ مِن الجميعِ مشروعٌ، والدعاءُ عامٌّ لكلِّ قابضٍ للزكاةِ مِن دافِعِيها، وكما أنَّ الأخذَ في قولِه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ عامٌّ لكلِّ ذي أمرٍ؛ فإنَّ قولَه تعالى، ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ عامٌّ كذلك لكلِّ قابضٍ. وقد يَختَصُّ النبيُّ ﷺ بتوجيهِ الخطابِ إليه، ولا يَعني تخصيصَ الحُكْمِ به؛ وذلك لجُمْلةٍ مِن العللِ والأحكامِ: منها: أنَّ الخطابَ يتَّجِهُ إلى الوُلاةِ أعظَمَ مِن غيرِهم؛ وذلك لأنَّهم أَوْلى مَن يقومُ بهذا الأمر، فتَوجَّهَ إليهم لبيانِ أنَّهم الأحَقُّ بالامتثال، وهذا كثيرٌ؛ ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]؛ لأنَّ أمورَ الجهادِ تتَّجِهُ في أصلِها إلى الحاكم، وهي

стр. 1567

منه أعظَمُ وأَوْلى مِن غيرِه؛ سواءٌ كان ذلك في الكافِرينَ أو المُنافِقينَ، فله هَيْبةٌ، ومنه رَغْبةٌ، لا تكونُ لغيرِه، ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. ومنها: أنَّ الأمرَ الذي يتمُّ الخِطابُ لأجلِهِ عظيمٌ، فيتوجَّهُ الأمرُ للأَعْلى؛ حتَّى لا يَظُنَّ أحدٌ خروجَهُ منه، فلا أعظَمَ ولا أشرَفَ مَقامًا في البشَرِ مِن النبيِّ ﷺ ، فإذا توجَّه الخطابُ إليه، كان توجُّهُهُ إلى غيرِهِ أَوْلى؛ مِن حاكمٍ وسُلْطانٍ، وخاصٍّ وعامٍّ، وذَكَرٍ وأُنثى. ومنها: أنَّ الأمرَ مختصٌّ بالنبيِّ ﷺ ، وهذا خلافُ الأصل، وهو قليلٌ نادرٌ، ولا بدَّ مِن دليلٍ يقومُ عليه. وقد يكونُ الخطابُ متوجِّهًا إلى النبيِّ ﷺ ، ولكنَّ المرادَ به غيرُهُ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤]، فالشَّكُّ لا يُنسَبُ إلى النبيِّ ﷺ . وفد زعَمَ مانِعو الزكاةِ أنَّ هذه الآيةَ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ خاصَّةٌ بالنبيِّ ﷺ ؛ شُحًّا وطمعًا في نُفُوسِهم، حمَلَهُمْ على هذا التأويل، فقاتَلَهُمْ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ والصحابةُ معه، فقال: "وَالله، لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ"؛ رواهُ الشيخانِ (١). وقد بيَّن أبو بكرٍ والصحابةُ لهم سُوءَ زَعْمِهم، وبُطْلانَ فَهْمِهم، بالحُجَّةِ والدليل، ثم قاتَلُوهم على ذلك لمَّا أصَرُّوا على منعِها، وفي ذلك أنَّ الضلالةَ ولو كانتْ بيِّنةً ظاهرةً، فالواجبُ بيانُها لأهلِها، وإقامةُ الحُجَّةِ عليهم؛ فقد يكونُ فيهم مَنْ هو جاهلٌ أو مأمورٌ وهو كارِهٌ، فإنْ تَبَيَّنَ له، عادَ إلى الحقِّ والرشدِ.

стр. 1568

* قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٧، ١٠٨]. في هذه الآيةِ: تعظيمُ المساجدِ أنْ تُبنى لغيرِ الله، ولو كانتْ في ظاهرِها أنَّها له؛ لأنَّها مَجمَعُ المؤمِنين، ودَلَالةٌ على توحيدِ ربِّ العالَمين، وهي بيوتُه، وأهلُها زُوَّارُه، فيجِبُ أنْ تُطهَّرَ عن كلِّ مَقصَدِ سوءٍ. وقد بُنِيَ مسجدُ الضِّرَارِ بكيدٍ بينَ النصارى والمُنَافِقينَ؛ فقد كان في الخَزْرَجِ رجلٌ يُقالُ له: أبو عامرٍ، تنَصَّرَ وترهَّبَ وتنسَّكَ في الجاهليَّةِ بالنصرانيَّة، ولمَّا قَدِمَ النبيُّ ﷺ المدينةَ، وظهَر أَمْرُه، وقَوِيَتْ شوكتُه، غاظَهُ ذلك وتربَّصَ به الدوائرَ، وفَكَّرَ وقَدَّر، وقُتِلَ كيف قدَّر، ولَحِقَ بقُرَيْش يُحَرِّضُهم، ثَمَّ لَحِقَ بهِرَقْلَ وأَبْدَى نصرانيَّتَهُ، وأنَّه على مِلَّتِهم ويُريدُ الخَلَاصَ مِن مِلَّةِ محمدٍ، فكاتَبَ قومًا مِن المنافِقينَ بتلك المكيدةِ؛ لِيَبْنُوا المسجدَ ويكونَ مكانًا له يأمَنُ على مَن يُريدُهُ مِن المُنافِقينَ، ويَلتقِي بهم ويُمْلِي عليهم، ويَجمَعُ السِّلاحَ لقتالِ النبيِّ ﷺ وأصحابِه، فبَنَوُا المسجدَ، وجاؤوا إلى النبيِّ ﷺ يَلتمِسونَ برَكَتَه وتشريعَهُ للصلاةِ فيه؛ وفي هذا عِظَمُ تواطُؤِ المنافِقينَ مع اليهودِ والنَّصَارَى. طُرُقُ المُنافِقينَ في حَرْبِ الإسلامِ: وللمُنافِقينَ مسالكُ وطرقٌ في حربِ الإسلامِ والإضرارِ به، وإضعافِهِ وتشويهِ أهلِه، وجامعُ طُرُقِهِمْ في ذلك طريقانِ:

стр. 1569

الطريقْ الأولُ: محاربتُهُ بالممنوع، وهذا الطريقُ يَسلُكونَهُ في حالِ قُوَّتِهم وأَمْنِهم، فيتَّخِذونَ وسائلَ ظاهرةَ المُحادَّةِ للإسلامِ مِن خارجِه؛ بإعانةِ الكفارِ مِن أهلِ الكتابِ وغيرِهم بالمالِ واللِّسَانِ وغَيرِ ذلك؛ كما يَفعَلُ مُنافِقو المدينةِ معَ يَهودِها، حينَما يَنصُرونَهُمْ ويُعَزِّرُونَهُمْ ويُثبِّتُونَهُمْ ويَعِدُونَهُمْ بالمُؤاخاةِ واتِّحادِ المصيرِ معَهم. الطريقُ الثاني: محاربتُهُ بالمشروع، وهذا الطريقُ يَسلُكونَهُ في حالِ ضَعْفِهم وخَوْفِهم، فيتَّخِذونَ وسائلَ مشروعةً يُحسِنُ الناسُ الظنَّ بها، ويُقبِلونَ عليها؛ لِيُدخِلوا مِن خلالِها ما يُريدونَ مِن خُبْثٍ وشَرٍّ، وهذا يكونُ باستعمالِ وسائلِ الإسلامِ؛ كبناءِ المساجدِ وطباعةِ الكتبِ واستعمالِ أدلَّةِ التشريعِ المُشتبِهةِ لتسهيلِ مُرُورِ ما يُريدونَ مِن الشرِّ باسْمِ الإسلامِ؛ فإذا وجَدوا دليلًا مُشتبِهًا يَعْضُدُ شَرَّهم، تمسَّكوا به وأذاعُوه وأشاعُوه؛ ليتَترَّسوا به، وإذا وجَدُوا دليلًا صريحًا مُحْكَمًا يُعارِضُ هواهُمْ، كَشَحُوا بوُجُوهِهِمْ عنه. وتعظيمُ المتشابِهاتِ اختبارٌ لموقفِ المُنافِقينَ مِنها؛ قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]. ومِن هذا الطريقِ بَنَوْا مسجدَ الضِّرَارِ؛ لمَّا عجَزوا عن حربِ الإسلامِ مِن خارجِه، بَدَؤُوا به مِن داخِلِه، مع ما في بناءِ المساجدِ مِن إنفاقِ مالٍ وجهدٍ، إلَّا أنَّهم بذَلُوا ذلك لجُمْلةٍ مِن المَقَاصِدِ الظاهرةِ والخفيَّةِ: منهاة شَقُّ صفِّ جماعةِ المُسلِمينَ حولَ النبيِّ ﷺ في مَسجِدِهِ ومَجْلِسِه، وتدليسُهُمْ أنَّهم لم يَجْمَعوا الناسَ حولَهُمْ إلَّا لأجلِ عبادةِ الله، لا لأجلِ الدُّنيا، وإنَّما غايتُهم تعطيلُ ما يَدْعو إليه رسولُ اللهِ ﷺ ؛ وهذا ما لا يُدرِكُهُ أهلُ الغَفْلةِ والغَرَارةِ مِن المؤمنِينَ.

стр. 1570

ومنها: أنَّهم يُريدونَ الانفِرادَ بالمؤمِنِينَ، فيَجلِسونَ إليهم، ويُحدِّثونَ بما يُريدونَ مِن الهوى والفتنة، ولا يَسْمَعُهُمْ أحدٌ كالنبيِّ ﷺ وخيارِ الصحابةِ وكبارِهم؛ لأنَّهم لن يتَخلَّفُوا عن الصلاةِ في مسجدِ النبيِّ ﷺ ، وقد كان للمُنافِقينَ وَجَاهَةٌ وظهورٌ أولَ الأمر، يَقُومُونَ ويتَحدَّثونَ ويُسمَعُ لهم قبلَ انكشافِ أمرِهم؛ كما كانا لِعَبدِ اللهِ بنِ أُبَيِّ مقامٌ في مسجدِ النبيِّ ﷺ يَخطُبُ فيه يومَ الجُمُعةِ قبلَ غزوةٍ أُحُدٍ، ويُذكِّرُ الناسَ ويَحُثُّهم على الاقتداءِ برسولِ اللهِ ﷺ واتِّباعِه. ومنها: أنَّهم يُريدونَ أن تكونَ لهم يدٌ عُلْيا على الإسلامِ وأهلِه، فيَثِقُ الناسُ بهم، ويقومونَ بقيادتِهم في مصالحِهم الأُخرى، وإذا قالوا، سُمِعَ لهم، يطمَعونُ في العلوِّ على الإسلامِ والهَيْمَنَةِ عليه بواسطةِ تشييدِ صُروحِه. وهذا إذا كان في مَساجِدَ ظاهرةٍ وهي بيوتُ الله، فكيف مَكرُهم بما هو دُونَ ذلك مِن خِدْمةِ العِلم ونشرِ الخيرِ وتشييدِ وَسَائِلِ الإعلامِ وغيرِ ذلك، ممَّا هوأكثَرُ خَفاءً وأشدُّ لبسًا على المُسلِمينَ؟ ! قولُه تعالى: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾، فيه: أنَّ اللهَ دلَّلَ للنبيِّ والمؤمنينَ على سُوءِ قَصْدِ المُنافِقينَ بما سلَفَ مِن أفعالِهم وقُرْبِهم ممَّن يُحارِبُ اللهَ ورسولَه، وكانوا على قُرْبٍ ومودَّةٍ مِن أبي عامرٍ الراهب النَّصْرانيِّ عدوِّ النبيِّ ﷺ وأصحابِهِ؛ قال ابنُ عبَّاسِ ومجاهِدٌ وعُرْوةُ بن الزُّبَيْرِ وغيرُهم بأنَّه المقصودُ بقولِه: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ (١). وفي هذا: أنه مِن العقلِ والحِكْمةِ سَبْرُ الأحوالِ السابقةِ للناسِ قبلَ الحُكْمِ على فعلٍ ظاهرٍ فعَلُوه، وعدَمُ فصلِ ما سبَقَ منهم عمَّا لَحِقَ؛ فإنَّ

стр. 1571

أفعالَ المُنافِقينَ تُفهَمُ بسِيَاقَاتِها لا بذاتِها، فمَنْ نظَرَ إلى بعضِها بذاتِه، استحسَنَها واغتَرَّ بها، وزعَمَ الجاهلُ توبتَهُمْ وصلاحَ أمرِهم؛ وهذا ظاهرٌ في الآيةِ. وفيما سبَقَ لمَّا بيَّنَ اللهُ لنبيِّه أنَّهم لو خرَجُوا للجهادِ - وهو عملٌ عظيمٌ صالحٌ - لَأَفْسَدُوا فيه؛ كما قال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة: ٤٧]، ثم قال مبيِّنًا دليلًا ظاهرًا للحُكْمِ عليهم: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ [التوبة: ٤٨]، فسِيرتُهُمُ السابقةُ بتقليبِ الأمورِ وقصدِ الفتنةِ حَرِيَّةٌ أنْ تَجْعَلَهم بَعِيدينَ عن فِعْلِ الخيرِ بِنِيَّةِ صادقةٍ، بل لغاياتِ شرٍّ وفتنةٍ. تأكيدُ المُنافِقينَ أفعالَهُمُ الصالِحةَ بالأَيمَانِ: وفي قولِه تعالى: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أنَّ كثرةَ الأَيْمَانِ لتأكيدِ الأفعالِ الصالحةِ مِن علامةِ المُنافِقينَ؛ لأنَّ المؤمِنَ تَكْفِيهِ سِيرَتُهُ السابِقةُ وظاهرُ فعلِه لإحسانِ المؤمنينَ الظَّنَّ به، وإنِ احتاجَ إلى اليمينِ فعِنْدَ الحاجةِ إليها في الأمورِ المشتبِهة، لا الأمورِ البيِّنةِ؛ فبناءُ المساجدِ لا يَحْتاجُ إلى يمينٍ مِن مؤمِنٍ لِبَيَانِ حُسْنِ قصدِه، ولكنَّ المنافِقَ يَعلَمُ مُناقَضةَ باطِنهِ لظاهِرِه، فيُكثِرُ الأَيْمانَ لتسكينِ ما يَعلَمُهُ مِن نَفْسِهِ ويَعتقِدُ اطِّلاعَ الناسِ عليه، والمنافِقُ تَعجِزُ أفعالُهُ عن الإقناعِ فيُؤكِّدُها بأَيْمانِه. قولُهُ تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ بَنَى المُنافِقونَ مسجِدَ الضِّرَارِ قريبًا مِن مسجدِ قُبَاءٍ؛ ليكونَ مِثلَهُ في القصدِ والبُعْدِ عن مسجدِ النبيِّ ﷺ ، فلا يُتَّهَمُوا بقُرْبِهِ مِن مسجدِهِ فيُهدَمَ؛ فإنَّ حالَهُ كحالِ قُبَاءٍ، ويَظُنُّونَ أنَّ حُكمَهُ كحُكمِه.

стр. 1572

المَسْجِدُ الذي أُسِّسَ على التَّقْوَى: اختُلِفَ في المرادِ بالمسجدِ الذي أُسِّسَ على التَّقْوَى المذكورِ في الآية، وتَردَّدَ قولُ السلفِ والخَلَفِ فيه بينَ مسجدِ النبيِّ ﷺ وبينَ مسجدِ قُباءٍ، وسببُ الخلافِ: أنَّ اللهَ ذكَر وَصْفَ المسجد، وكلُّ واحدٍ مِن المسجدَيْنِ أحَقُّ بالوصفِ مِن وجهٍ؛ وذلك أنَّ مسجدَ النبيِّ ﷺ أحَقُّ بوصفِ التَّقْوَى في قولِه: ﴿أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾، ومسجدُ قُباءٍ أحَقُّ بالسَّبْقِ بالبناءِ في قولِه: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾؛ فقد بُنِيَ قبلَ مسجدِ النبيِّ ﷺ ، وقد اختَلَفَ السلفُ في ذلك علي أقوالٍ ثلاثةٍ: القولُ الأولُ: قولُ جماعةِ السلفِ؛ أنَّ المرادَ به مسجدُ النبيِّ ﷺ ؛ فقد ثبَتَ في مسلمٍ؛ مِن حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ؛ قال: "دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِه، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَيُّ المَسْجِدَيْنِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ قَالَ: فَأَخَذَ كَفَّا مِنْ حَصْبَاءَ، فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ قَالَ: (هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا)؛ لِمَسْجِدِ المَدِينَةِ" (١). وفي "المسنَدِ"، مِن حديثِ سهلِ بنِ سعدٍ نحوُهُ (٢)، وهذا القولُ رُوِيَ عن عمرَ وابنِ عمرَ وزيدِ بنِ ثابتٍ وابنِ المسيَّبِ (٣). القولُ الثاني: قولُ ابنِ سيِرينَ؛ أنَّ المرادَ به كلُّ مسجدٍ بُنِيَ على التَّقْوَى بالمدينةِ (٤). القولُ الثالثُ" قولُ ابنِ عبَّاسٍ، رواهُ عنه عليُّ بن أبي طَلْحةَ؛ بأنَّه مسجدُ قُبَاءٍ (٥)؛ لأنَّه أولُ مسجدٍ بُنِيَ في الإسلامِ لمَّا نزَل النبيُّ علي بني

стр. 1573

عمرِو بنِ عَوْفٍ في قُبَاءٍ يومَ الاثنَيْن، فأقامَ فيهم فأسَّسَ مسجدَ قُبَاءٍ، ثم ارتحَلَ عنهم يوم الجُمُعةِ إلى بني سالمِ بنِ عوفٍ، فصلَّى عِندَهم الجمعةَ، وهي أولُ جمعةٍ في الإسلام، ثم ذهَبَ ودخَلَ المدينةَ، ونزَلَ علي بني مالكِ بنِ النَّجَّارِ على أبي أيُّوبَ، فأَسَّسَ مسجِدَهُ بالمِرْبَدِ الذي كان للغُلامَيْنِ اليتيمَيْنِ. وبقولِ ابنِ عبَّاسِ قال الشَّعْبيُّ والحسنُ وأبو سَلَمةَ وعُرْوةُ وسعيدُ بن جبيرٍ وقتادةُ (١)، وسياقُ الآيةِ يعضُدُ ذلك؛ وذلك مِن وجوهٍ: الوجهُ الأولُ: أنَّ مسجدَ قباءٍ أسبَقُ مِن جهةِ البناء، والآيةُ جاءتْ في تقييدِ وصفِ المسجدِ الذي أُسِّسَ على التَّقْوَى بأنَّه الأسبقُ في الزمَن، وهو قولُه: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾، ولو جاءَ الوصفُ بأنَّه الذي أُسِّسَ على التَّقْوَى مجرَّدَا عن التقييد، لكان الأَحَقَّ به مَسْجِدُ النبيِّ ﷺ ؛ لأنَّه أَولى مساجدِ المدينةِ بالوصفِ بلا خلافٍ. وأمَّا حديثُ أبي سعيدٍ السابقُ، فقد جاء جوابُ النبيِّ ﷺ على قَدْرِ سؤالِ أبي سعيدٍ، وهو قولُهُ: (أَيُّ المَسْجِدَيْنِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التقْوَى؟ )، ولم يُقيِّدْه بـ (أَوَّلِ يَوْمٍ)؛ كما في روايةِ مسلمِ في "صحيحِه"، فكان جوابُ النبيِّ ﷺ : (لِمَسْجِدِ المَدِينَةِ). الوجهُ الثاني: أنَّ مسجِدَ الضِّرارِ بُنيَ قريبًا مِن قُبَاءٍ؛ كما قالَهُ بعضُ المفسِّرينَ؛ كابنِ عبَّاسٍ والضحَّاكِ وقتادةَ والسُّدِّيِّ (٢)، وأرادَ المُنافِقونَ تشبيهَهُ به، ولم يُريدوا تشبيهَهُ بمسجدِ النبيِّ ﷺ ، فقُربُهُ مِن مسجدِهِ ضِرَارٌ بيِّنٌ، وقربُهُ مِن قُباءٍ ضِرَارٌ خفيٌّ، وهذا ما أرادُوهُ، وقد كان النبيُّ يأتي إلى مسجدِ قُبَاءٍ كلَّ سَبْتٍ للصلاةِ فيه، وكان المُنافِقونَ يَرْجُونَ أنْ يأتيَ

стр. 1574

إلى مَسْجِدِهم يُشرِّعُ الصلاةَ فيه ولو مَرَّةً؛ لِيَتَّخِذُوا ذلك سبيلًا لجَذْبِ الناسِ إليه، وقد بيَّن اللهُ لنبيِّه وللمؤمِنِينَ الفَرْقَ بينَ المسجدَيْن، وأمَّا مسجدُ النبيّ ﷺ ، فأمرُهُ بيِّنٌ في فضلِهِ والصلاةِ فيه، وليس محلَّ مُشابَهةٍ لمسجدِ الضِّرارِ عندَ المُنافِقينَ، ولا عندَ غيرِهم. الوجهُ الثالثُ: أنَّ مسجدَ النبيِّ ﷺ يقومُ فيه النبيُّ وصحابتُهُ بصَلَواتِهم في يَوْمِهم ولَيْلَتِهم، وفيه مَجلِسُهم، والأحَقُّ بقوله: ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨] المسجدُ الذي لا يقومُ فيه النبيُّ ﷺ دَوْمًا كقُبَاءٍ، وظاهرُ الحالِ: أنَّ قيامَهُ بمَسجدِهِ متحقِّقٌ دائمٌ، وقيامَهُ في قُبَاءٍ عارِضٌ، فجاء التنبيهُ عليه، وحَمْلُ الدليلِ على التأسيسِ أوْلى مِن التأكيدِ؛ لأنَّه أقرَبُ إلى مسجدِ الضِّرارِ مكانًا ومَنْزِلةً عندَ المُنافِقينَ. الوجهُ الرابعُ: أنَّ سياقَ الآيةِ دالٌّ على أنَّ المرادَ مسجدُ قباءٍ؛ فقد ذكَرَ اللَّهُ وصفًا بعدَ ذلك: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾، والمقصودُ به: مسجدُ قباءٍ ومَن يُصلِّي فيه. وفي قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ النظافةَ مِن الإيمان، وأنَّ القَذَارةَ مِن النِّفاقِ؛ وذلك أنَّ ظاهرَهُ أنَّ المُنافِقينَ في مَسْجِدِ الضِّرَارِ ليسوا كذلك. هَدْمُ مَسْجدِ الضِّرَارِ وصُرُوحِ الفِتْنةِ: ولمَّا كان النبيُّ ﷺ ذا قُدْرةٍ وسلطانٍ، هدَمَ مسجِدَ الضِّرار، وفي هذا دليلٌ على أنه يجبُ على الإمامِ أنْ يَهدِمَ صروحَ الشرِّ والفتنةِ ولو كان ظاهرُها خيرًا، ولا يُعذَرُ بتَرْكِها إلَّا لسببَيْنِ: الأولُ: أن يكونَ عاجِزًا، وليس ذا قُدْرةٍ وقُوَّةٍ على ذلك. الثاني: أن يَغلِبَ على الظنِّ حصولُ فِتْنةٍ بهَدْمِها أعظَمَ مِن فتنةِ بَقَائِها، وهذا يُحكمُ بالعِلْمِ والعدلِ لا بتوهُّمِ فتنةٍ لا حقيقةَ لها ولا

стр. 1575

لقَدِّرِها، وكثيرًا ما يتراخى السُّلْطانُ فيترُكُ الشرورَ لفِتَنِ متوهَّمةٍ، ويُقدِمُ أهلُ الغَيرةِ والحميَّةِ على دفعِ شرٍّ بقُدْرةٍ متوهَّمةٍ وفتنةٍ لاحقةٍ متحقِّقةٍ أعظَمَ، وهذا بابٌ يمضى فيه بتجرُّدِ وعِلمٍ، فلا يكفي فيه التجرُّدُ بلا عِلْمٍ، ولا يكفي فيه العِلْمُ بلا تجرُّدٍ. دُخُولُ صُرُوحِ الشَّرِّ والفِتْنةِ: أمَرَ اللهُ نبيَّه ﷺ بهَجْرِ مسجدِ الضِّرَارِ وعدمِ القيامِ فيه بقولِه، ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾؛ وذلك لأنَّ مقامَ القدوةِ يَختلِفُ عن مقامِ غبرِه، فتوجَّهَ الخطابُ إلى النبيِّ ﷺ مِن دونِ المؤمنينَ؛ لأنَّهم له تَبَعٌ، ثُمَّ قامَ النبيُّ ﷺ بهَدْمِه؛ وبذلك يُستأصَلُ شرُّه، ويتحقَّقُ كمالُ الكفايةِ للإسلامِ والمُسلِمينَ منه. وقد كان النبيُّ ﷺ قبلَ ذلك يَغْشى نَوادِيَ المشرِكينَ وأعبادَهم مُنكِرًا عليهم كُفْرَهم وشِرْكَهم ومُخالفتَهم لأمرِ الله، ولمَّا كان في المدينةِ وقَوِيَ سُلْطانُهُ واشتَدَّ أمرُهُ، نهاهُ اللهُ عن المُقامِ في أماكنِ الشرِّ والفتنةِ؛ كمَسْجدِ الضِّرارِ؛ لاختلافِ الحالَيْنِ؛ حالِ القُدْرة، وحالِ العَجْز، وكلُّ صرحٍ للشِّرْكِ والفسقِ يدخُلُ في هذا الحُكْم، ومنها غِشْيانُ المَنابرِ الإعلاميَّةِ والمَحَافِلِ العامَّةِ والنوادي والمَجامِعِ؛ فإنه في حالِ العجزِ عن إزالتِها، فإنَّ دخولَها وغِشْيانَها على حالَتَيْنِ: الحالةُ الأُولى: دخولُها للقيامِ بنقيضِ مقاصدِ الشرِّ الذي أُقيمَت له، فإذا كان المكانُ وُصِعَ للشِّرْك، فيَجِبُ عندَ دخولِهِ قصدُ النهي عن الشِّرْكِ؛ لأنَّ دخولَ القدوةِ لها بما يُخالِفُ هذا القصدَ الذي أُقِيمَت لَه يُعَدُّ تشريعًا، ويُعَدُّ سكوتُهُ تأبيدًا لها. وقد كان النبيُّ ﷺ يَغشى نواديَ قريشٍ وقبائلِ العرب، فيَأْمُرُهم بالتوحيدِ وينهاهُم عن الشِّرْك، ويأمُرُ بأصولِ الفِطْرةِ العظيمة، ويَنهاهُم

стр. 1576

عمَّا بدَّلوا منها، ولم يكُنِ النبيُّ ﷺ يعتادُ الإنكارَ عليهم بما يَعلَمُ حُرْمَتَهُ مِن أفعالِهم وأقوالِهم التي هي دونَ الشِّرْك، فكان يبدَأْ بالشرِّ مِن أعلاهُ، وَيَرِدُ إلى أشهَرِ أسواقِ العربِ يَعرِضُ دِينَهُ في عُكَاظ ومَجَنَّةَ وذي المَجَازِ؛ كما روى أحمدُ؛ مِن حديثِ أبي الزُّبَيْر، عن جابرٍ؛ قال: مَكَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، يَتبَعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلهِمْ بعُكَاظٍ وَمَجَنَّةَ، وَفِي المَوَاسِمِ بِمِنًى، يَقُولُ: (مَنْ يُؤْوِينِي؟ مَنْ يَنْصُرُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي، وَلَهُ الجَنَّةُ؟ )، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَخرُجُ مِنَ اليَمَن، أَو مِنْ مُضَرَ - كَذَا قَالَ - فَيَأْتِيهِ قَوْمُهُ، فَيَقُولُونَ: احْذَرْ غُلَامَ قُرَيشٍ لَا يَفْتِنْكَ، وَيَمْشِي بَيْنَ رِجَالِهِمْ، وَهُمْ يُشِيرُونَ إِلَيهِ بِالأصَابع (١). وقَصَدَ هذه الأسواقَ؛ لأنَّها أشهَرُ أسمواقِ العربِ ومَجْمَعُهم، وإذا ذُكِرَت مَحامعُ العرب، كانتْ هذه الثلاثةُ أوَّلَها، وقد روى البخاريُّ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: "كَانَتْ عُكَاظٌ، وَمَجَنَّةُ، وَذُو المَجَازِ: أسْوَاقًا فِي الجَاهِلِيَّةِ" (٢). وكانتِ العربُ تَرقُبُ هذه الأسواقَ كلَّ عامٍ، وتتوافَدُ إليها، وتُظهِرُ الشِّرْكَ والفِسْقَ مقرونًا ببيعٍ وشراءٍ وإنشادِ شعرٍ، وقد كانت عُكاظٌ أعظَمَ تلك الأسواقِ ببنَ نَخْلَةَ والطائف، وأمَّا ذو المَجَاز، فكان خلْفَ عرَفةَ، وأما مَجَنَّةُ - بفتحِ الميمِ وكسرِها، وبفنحِ الجيمِ والنونِ المشدَّدةِ - فهو مكانٌ على أميالٍ يسيرةٍ مِن مكةَ بناحيةِ مَرِّ الظَّهْران، وقد كانتِ العربُ تُقِيمُ بسوقِ عكاظٍ شهرَ شوَّالٍ، ثم تتحوَّلُ إلى مَجَنَّةَ فتُقيمُ فيه عِشرينَ يومًا مِن ذي القَعْدة، ثم تتحوَّلُ إلى سوقِ ذي المَجّاز، وهو على يَمينِ القادمِ مِن عَرَفةَ مِن جهةِ المُغَمَّسِ. وغِشْيانُ هذه المواضعِ قد يكونُ واجبًا على القدوةِ إذا كان لا يَصِلُ إلى الناسِ إلَّا بها، كما كان يَفعَلُهُ النبيُّ ﷺ .

стр. 1577

الحالةُ الثانيةُ: دخولُها لغيرِ ما يُناقِضُ مقاصدَ الشرِّ الذي أُقِيمَتْ له؛ كمَنْ يأتي صروحَ الشِّرْكِ والكفرِ لأمرٍ مباحٍ أو مشروعٍ، لكنَّه مفضولٌ لا فاضلٌ، فهذا الدخولُ لا يجوزُ؛ لأنَّه يَتضمَّنُ تأبيدَ القدوةِ وتشريعَهُ لشرِّ عظيمٍ بإنكارِ ما هو أقلُّ منه؛ كمَن يأتي صروحَ الشِّرْكِ أو الكبائرِ كالزِّنى لِيَتَحَدَّثَ عن فضائلِ الأعمالِ والأقوالِ والآدابِ والسلوكِ والتربية، وبمقدارِ قدوتِهِ في الناسِ وأَثَرِهِ عليهم يكونُ إثمُهُ وتعظُمُ فتنتُه للناس، وكثيرًا ما يَغترُّ بعضُ المُصلِحينَ بما يَقولونَ مِن خيرٍ؛ ويَغْفُلونَ عمَّا يَتْرُكُونَهُ مِن شرٍّ؛ فيَشْغَلُهُمُ المفضولُ عن الفاضلِ مِن الدِّين، فيَفتِنونَ ويُفتَنونَ، فمِن أعظَمِ فتنةِ المُصلِحينَ اختِلالُ مَرَاتبِ الشريعةِ في دَعْوَتِهم. ومَن دخَلَها مِن سَوَادِ المُسلِمينَ ممَّن لا يُعتَدُّ بقولهِ ولا يُؤْبَهُ له، فإثمُهُ بمقدارِ ما يَلحَقُهُ هو في نفسِه مِن شرِّ منها، وبمقدارِ ما يكثِّرُ به مِن سَوَادِهم، وبحَسَبِ ما يتحقَّقُ له مِن منفعةٍ، وما يَلحَقُه وغيرَهُ مِن مَفسَدةٍ. تعدُّدُ المساجدِ في الحَيِّ الواحدِ: ولا يجوزُ بناءُ مسجدٍ مُجاورٍ لمسجدِ الحيِّ؛ ما دامَ الناسُ يَسمَعونَ الأذانَ مِن فوقِ سطحِ المسجدِ بلا مُكبِّراتٍ في زمنِ سكونِ الرِّياح، وبلا ضجيجِ الأسواقِ والطرُقاتِ؛ فإنَّ هذا يفرِّقُ جماعةَ الناس، ويعطِّلُ بعضَ المقاصدِ مِن جَمْعِهم؛ فمِن المقاصدِ تَعَارُفُهم، وأداءُ الحقوقِ بينهم؛ مِن صلاحِ حال، وأمرٍ بمعروفٍ ونهيِ عن منكرٍ، ودفعٍ للبغضاءِ فيما بينَهم؛ فإنَّ الجِيرَانَ لو أهلَ الرَّحِم إنْ تعدَّدَتْ مَساجِدُهم تَهاجَرُوا؛ كلٌّ بمَسجِدِه، ولو جمَعَهُمْ مسجدٌ واحدٌ، تَعارَفوا وتقاربَتْ نُفوسُهم برُؤْيةِ بعضِهم بعضًا، وتَغَافَلَ بعضُهم عن زَلَّةِ بعضٍ، وقد كان بعضُ السلفِ يُسمَّي تعدُّدَ المساجدِ في المكانِ المتقارِبِ والحيِّ الواحدِ بِدْعةً، ويُروى أنَّ أنسَ بنَ مالكٍ لمَّا دخَل البَصْرةَ جعَلَ كلَّما خَطَا خُطْوَتَيْنِ رأى مسجِدًا، فقال: ما

стр. 1578

هذه البِدْعةُ؟ ! كلَّما كَثُرَتِ المساجدُ قلَّ المُصَلُّونَ، أشهَدُ لقد كانتِ القبيلةُ بأَسْرِها ليس فيها إلَّا مسجدٌ واحدٌ، وكان أهلُ القبيلةِ يتَناوَبونَ المسجدَ الواحدَ في الحيِّ مِن الأحياءِ (١). وأمَّا إنْ تباعَدَتْ أطرافُ الحيِّ والبلدِ حتى لا يَسمَعُ الناسُ الأذانَ لو نُودِي مِن فوقِ سَطْحِهِ بلا مكبِّرٍ زمَنَ هدوءٍ وبلا صَخَبٍ؛ فلا حرَجَ مِن بناءِ مساجدَ؛ كما بَنى النبيُّ ﷺ مَساجِدَ في المدينةِ لأهلِها؛ كمسجِدِ قُباءٍ ومسجدِ بني زُرَيْقٍ وغيرِهما، وقد قيَّد النبيُّ ﷺ حضورَ الجماعةِ بسَمَاعِ النِّداءِ؛ كما قال ﷺ لِمَنِ الْتمَسَ رُخْصةً بتَرْكِها: (هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاء بِالصَّلَاةِ؟ )، قال: نعَمْ، قال: (فَأَجِبْ) (٢)، ومَن سمِع النِّداءَ مِن جهتَيْنِ وتَقارَبَ منه مسجدان، لم يَفقِدْهُ الجميعُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ يظُنُّهُ في الآخَر، فلا يُعرَفُ المؤمِنونَ مِن المُنافِقينَ، ولا يتَمايَزُ الصَّالِحونَ، وتَضْعُفُ الشهادةُ للناسِ بالإيمانِ وتَزْكِيَتُهم بالخيرِ. وإذا كَثُرَ الناسُ وتَزاحَموا في المسجدِ حتَّى لا يُطيقَهم، فالأولى أنْ يُوَسِّعُوهُ أو يُبدِّلوهُ بمكانٍ أوسَعَ منه، ولا يَبْنُوا مسجدًا قريبًا منه فتتعدَّدَ المساجدُ في المكانِ المُتقارِبِ؛ كما نصَّ على هذا أحمدُ بن حنبلٍ وغيرُه. وإذا تعذَّر ذلك؛ كما يكونُ في العواصم المزدَحِمة، والمدنِ الكبيرةِ بالناس، والأبنيةِ المرتفِعةِ الشاهِقةِ التي يتعذَّرُ معَها جَمْعُهم في مسجدِ الحيِّ؛ فبعضُ الأبنيةِ الشاهقةِ اليومَ مَن يَسْكُنُها معَ صِغَرِ أرضِها آلافُ الناس، ولو كانوا على الأرض، لكانوا حيًّا كاملًا أو قريةً كاملةً، وإذا كانتِ الحالةُ تلك، فلا حرَجَ مِي تعدُّدِ المساجدِ في المكانِ المُتقارِبِ؛ لاجتماعِ مَفسدتَيْنِ؛ فيجوزُ ارتكابُ أَدْناهُما:

стр. 1579

المَفْسَدةُ الأُولى: تَرْكُهُمْ للصلاةِ جماعةً وهَجْرُهم للمساجدِ؛ لعدمِ وجودِ أماكنَ لهم فيها، ولا يَجِدونَ بُدًّا مِن سُكْنى بُيوتِهم تلك. والمَفْسَدة الثانيةُ: تعدُّدُ المساجدِ في الحيِّ والمكانِ المُتقارِبِ. والمفسدةُ الأُولى أعظَمُ؛ لأنَّ العُذْرَ بتعدُّدِ المساجدِ ظاهرٌ، والفتنةَ في مِثْلِه في الدِّينِ أقَلُّ مِن الفتنةِ مِن وقوعِها في حيٍّ قليلِ العددِ كثيرِ المساجد، وقال صالحُ بن أحمدَ بنِ حنبلٍ لأبيه: كم يُستحَبُّ أن يكونَ بينَ المسجدَيْنِ إذا أرادُوا أن يَبْنُوا إلى جانبِهِ مسجدًا؟ قال: لا يُبنى مسجدٌ يُرادُ له الضَّرَرُ لمسجدٍ إلى جانبِهِ؛ فإنْ كَثُرَ الناسُ حتَّى يَضِيقُ عليهم، فلا بأسَ؛ يُبْنَى وإنْ قَرُبَ ذلك منه (١). قولُه تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ أخَذَ منه بعضُ الفقهاءِ استحبابَ الصلاةِ في المسجدِ القديم عندَ تعدُّدِ المساجدِ في البلدِ أو الحيِّ؛ فقد ذكَرَ اللهُ عِلَّةَ التفضيلِ للمسجَدِ أنه أُرِيدَ به وجهُ الله، ثم أنه بُنِيَ قديمًا، وهذا يدُلُّ على فَضلِ الأقْدَمِ على الأحدَثِ؛ لأنَّ الغالبَ أنَّ أوَّلَ المساجدِ يُبنى في البلدِ لا يُرادُ منه إلَّا الصلاةُ وعبادةُ الله، بخلافِ المساحدِ اللاحِقةِ له، فقد يقعُ في نفوسِ عامِرِيها المُنافَسة والجاهُ، وربَّما قصدُ الضِّرَارِ والتفريق، فإنَّ أوَّلَ الأعمالِ أَصْدَقُها. أوْلَى المساجِدِ بالصلاةِ عندَ كَثْرَتِها: وإذا تعدَّدَتِ المساجدُ في البلدِ أو الحيِّ الواحد، فقد اختُلِفَ في أيِّها أَوْلى بالصلاةِ فيها: فمِنهم: مَن قال بتفضيلِ الأقدَمِ؛ لظاهِرِ الآية، وقد قال ثابتٌ

стр. 1580

البُنَانيُّ: "كنتُ أُقبِلُ مع أنسِ بنِ مالكٍ مِن الزَّاوَيَة، فإذا مَرَّ بمسجدٍ، قال: أمُحْدَثٌ هذا؟ فإن قلتُ: نَعَمْ، مَضَى، وإنْ قلتُ: عَتِيقٌ، صلَّى"؛ رواهُ أبو نُعيمٍ الفضلٍ بنٍ دُكَيْنٍ في كتابِه الصلاةِ (١). وبهذا كان يَعملُ غيرُ واحدٍ مِن السلفِ؛ كما رَوَى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن عوفٍ، قال: "قَدِمَ عَامِلٌ لِمُعَاوِيَةَ، وَكَانَ بَعَثَهُ عَلَى الصَّدَقَات، فَنَزَلَ مَنْزِلًا، فَإذَا هُوَ بِمَسْجِدَيْن، قَالَ: أَيُّهُمَا أَقْدَمُ؟ فَأُخْبِرَ بِه، فَأَتَى الَّذِي هُوَ أَقْدَمُهُمَا" (٢). وبه كان يعملُ أبو وائلٍ (٣)، ومجاهِدٌ (٤)؛ رواهُ عنهما ليثٌ؛ أخرَجَه ابنُ أبي شَيْبةَ. ومنهم: مَنْ قال بتفضيلِ المسجدِ الأكثرِ جماعةً على المسجدِ الأقدَمِ؛ وذلك لقولِهِ ﷺ : (إِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أزْكَى مِنْ صَلَاِتهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أزْكَى مِنْ صلَاِتِهِ مَعَ الرَّجُل، وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى)؛ رواهُ أحمد وأصحابُ "السنن" (٥). والأظهَرُ: أنه إنْ كان في البلدِ أو الحيِّ الكبيرِ مساجدُ متعدِّدةٌ: مسجدُ الحيِّ القريبُ الذي يصلِّي فبه جِيرانُ الرجُل، ومسجدٌ قديمٌ، ومسجدٌ أكثَرُ جماعةً، فإنَّ مسجدَ الحيِّ والجِيرانِ أَولى بالتقديمِ؛ لأنَّه يتحقَّقُ مَقاصِدُ عظيمةٌ غيرُ مَقاصِدِ الجماعةِ؛ كالإحسانِ إلى أهلِ الحيِّ وتعاهُدِهم، وقضاءِ حاجتِهم، وصِلَتِهم، وإجابةِ دَعْوتِهم؛ فهذا عملٌ عظيمٌ
следующие страницы →