عمَّا بدَّلوا منها، ولم يكُنِ النبيُّ ﷺ يعتادُ الإنكارَ عليهم بما يَعلَمُ حُرْمَتَهُ مِن أفعالِهم وأقوالِهم التي هي دونَ الشِّرْك، فكان يبدَأْ بالشرِّ مِن أعلاهُ، وَيَرِدُ إلى أشهَرِ أسواقِ العربِ يَعرِضُ دِينَهُ في عُكَاظ ومَجَنَّةَ وذي المَجَازِ؛ كما روى أحمدُ؛ مِن حديثِ أبي الزُّبَيْر، عن جابرٍ؛ قال: مَكَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، يَتبَعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلهِمْ بعُكَاظٍ وَمَجَنَّةَ، وَفِي المَوَاسِمِ بِمِنًى، يَقُولُ: (مَنْ يُؤْوِينِي؟ مَنْ يَنْصُرُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي، وَلَهُ الجَنَّةُ؟ )، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَخرُجُ مِنَ اليَمَن، أَو مِنْ مُضَرَ - كَذَا قَالَ - فَيَأْتِيهِ قَوْمُهُ، فَيَقُولُونَ: احْذَرْ غُلَامَ قُرَيشٍ لَا يَفْتِنْكَ، وَيَمْشِي بَيْنَ رِجَالِهِمْ، وَهُمْ يُشِيرُونَ إِلَيهِ بِالأصَابع (١).
وقَصَدَ هذه الأسواقَ؛ لأنَّها أشهَرُ أسمواقِ العربِ ومَجْمَعُهم، وإذا ذُكِرَت مَحامعُ العرب، كانتْ هذه الثلاثةُ أوَّلَها، وقد روى البخاريُّ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: "كَانَتْ عُكَاظٌ، وَمَجَنَّةُ، وَذُو المَجَازِ: أسْوَاقًا فِي الجَاهِلِيَّةِ" (٢).
وكانتِ العربُ تَرقُبُ هذه الأسواقَ كلَّ عامٍ، وتتوافَدُ إليها، وتُظهِرُ الشِّرْكَ والفِسْقَ مقرونًا ببيعٍ وشراءٍ وإنشادِ شعرٍ، وقد كانت عُكاظٌ أعظَمَ تلك الأسواقِ ببنَ نَخْلَةَ والطائف، وأمَّا ذو المَجَاز، فكان خلْفَ عرَفةَ، وأما مَجَنَّةُ - بفتحِ الميمِ وكسرِها، وبفنحِ الجيمِ والنونِ المشدَّدةِ - فهو مكانٌ على أميالٍ يسيرةٍ مِن مكةَ بناحيةِ مَرِّ الظَّهْران، وقد كانتِ العربُ تُقِيمُ بسوقِ عكاظٍ شهرَ شوَّالٍ، ثم تتحوَّلُ إلى مَجَنَّةَ فتُقيمُ فيه عِشرينَ يومًا مِن ذي القَعْدة، ثم تتحوَّلُ إلى سوقِ ذي المَجّاز، وهو على يَمينِ القادمِ مِن عَرَفةَ مِن جهةِ المُغَمَّسِ.
وغِشْيانُ هذه المواضعِ قد يكونُ واجبًا على القدوةِ إذا كان لا يَصِلُ إلى الناسِ إلَّا بها، كما كان يَفعَلُهُ النبيُّ ﷺ .
стр. 1577
الحالةُ الثانيةُ: دخولُها لغيرِ ما يُناقِضُ مقاصدَ الشرِّ الذي أُقِيمَتْ له؛ كمَنْ يأتي صروحَ الشِّرْكِ والكفرِ لأمرٍ مباحٍ أو مشروعٍ، لكنَّه مفضولٌ لا فاضلٌ، فهذا الدخولُ لا يجوزُ؛ لأنَّه يَتضمَّنُ تأبيدَ القدوةِ وتشريعَهُ لشرِّ عظيمٍ بإنكارِ ما هو أقلُّ منه؛ كمَن يأتي صروحَ الشِّرْكِ أو الكبائرِ كالزِّنى لِيَتَحَدَّثَ عن فضائلِ الأعمالِ والأقوالِ والآدابِ والسلوكِ والتربية، وبمقدارِ قدوتِهِ في الناسِ وأَثَرِهِ عليهم يكونُ إثمُهُ وتعظُمُ فتنتُه للناس، وكثيرًا ما يَغترُّ بعضُ المُصلِحينَ بما يَقولونَ مِن خيرٍ؛ ويَغْفُلونَ عمَّا يَتْرُكُونَهُ مِن شرٍّ؛ فيَشْغَلُهُمُ المفضولُ عن الفاضلِ مِن الدِّين، فيَفتِنونَ ويُفتَنونَ، فمِن أعظَمِ فتنةِ المُصلِحينَ اختِلالُ مَرَاتبِ الشريعةِ في دَعْوَتِهم.
ومَن دخَلَها مِن سَوَادِ المُسلِمينَ ممَّن لا يُعتَدُّ بقولهِ ولا يُؤْبَهُ له، فإثمُهُ بمقدارِ ما يَلحَقُهُ هو في نفسِه مِن شرِّ منها، وبمقدارِ ما يكثِّرُ به مِن سَوَادِهم، وبحَسَبِ ما يتحقَّقُ له مِن منفعةٍ، وما يَلحَقُه وغيرَهُ مِن مَفسَدةٍ.
تعدُّدُ المساجدِ في الحَيِّ الواحدِ:
ولا يجوزُ بناءُ مسجدٍ مُجاورٍ لمسجدِ الحيِّ؛ ما دامَ الناسُ يَسمَعونَ الأذانَ مِن فوقِ سطحِ المسجدِ بلا مُكبِّراتٍ في زمنِ سكونِ الرِّياح، وبلا ضجيجِ الأسواقِ والطرُقاتِ؛ فإنَّ هذا يفرِّقُ جماعةَ الناس، ويعطِّلُ بعضَ المقاصدِ مِن جَمْعِهم؛ فمِن المقاصدِ تَعَارُفُهم، وأداءُ الحقوقِ بينهم؛ مِن صلاحِ حال، وأمرٍ بمعروفٍ ونهيِ عن منكرٍ، ودفعٍ للبغضاءِ فيما بينَهم؛ فإنَّ الجِيرَانَ لو أهلَ الرَّحِم إنْ تعدَّدَتْ مَساجِدُهم تَهاجَرُوا؛ كلٌّ بمَسجِدِه، ولو جمَعَهُمْ مسجدٌ واحدٌ، تَعارَفوا وتقاربَتْ نُفوسُهم برُؤْيةِ بعضِهم بعضًا، وتَغَافَلَ بعضُهم عن زَلَّةِ بعضٍ، وقد كان بعضُ السلفِ يُسمَّي تعدُّدَ المساجدِ في المكانِ المتقارِبِ والحيِّ الواحدِ بِدْعةً، ويُروى أنَّ أنسَ بنَ مالكٍ لمَّا دخَل البَصْرةَ جعَلَ كلَّما خَطَا خُطْوَتَيْنِ رأى مسجِدًا، فقال: ما
стр. 1578
هذه البِدْعةُ؟ ! كلَّما كَثُرَتِ المساجدُ قلَّ المُصَلُّونَ، أشهَدُ لقد كانتِ القبيلةُ بأَسْرِها ليس فيها إلَّا مسجدٌ واحدٌ، وكان أهلُ القبيلةِ يتَناوَبونَ المسجدَ الواحدَ في الحيِّ مِن الأحياءِ (١).
وأمَّا إنْ تباعَدَتْ أطرافُ الحيِّ والبلدِ حتى لا يَسمَعُ الناسُ الأذانَ لو نُودِي مِن فوقِ سَطْحِهِ بلا مكبِّرٍ زمَنَ هدوءٍ وبلا صَخَبٍ؛ فلا حرَجَ مِن بناءِ مساجدَ؛ كما بَنى النبيُّ ﷺ مَساجِدَ في المدينةِ لأهلِها؛ كمسجِدِ قُباءٍ ومسجدِ بني زُرَيْقٍ وغيرِهما، وقد قيَّد النبيُّ ﷺ حضورَ الجماعةِ بسَمَاعِ النِّداءِ؛ كما قال ﷺ لِمَنِ الْتمَسَ رُخْصةً بتَرْكِها: (هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاء بِالصَّلَاةِ؟ )، قال: نعَمْ، قال: (فَأَجِبْ) (٢)، ومَن سمِع النِّداءَ مِن جهتَيْنِ وتَقارَبَ منه مسجدان، لم يَفقِدْهُ الجميعُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ يظُنُّهُ في الآخَر، فلا يُعرَفُ المؤمِنونَ مِن المُنافِقينَ، ولا يتَمايَزُ الصَّالِحونَ، وتَضْعُفُ الشهادةُ للناسِ بالإيمانِ وتَزْكِيَتُهم بالخيرِ.
وإذا كَثُرَ الناسُ وتَزاحَموا في المسجدِ حتَّى لا يُطيقَهم، فالأولى أنْ يُوَسِّعُوهُ أو يُبدِّلوهُ بمكانٍ أوسَعَ منه، ولا يَبْنُوا مسجدًا قريبًا منه فتتعدَّدَ المساجدُ في المكانِ المُتقارِبِ؛ كما نصَّ على هذا أحمدُ بن حنبلٍ وغيرُه.
وإذا تعذَّر ذلك؛ كما يكونُ في العواصم المزدَحِمة، والمدنِ الكبيرةِ بالناس، والأبنيةِ المرتفِعةِ الشاهِقةِ التي يتعذَّرُ معَها جَمْعُهم في مسجدِ الحيِّ؛ فبعضُ الأبنيةِ الشاهقةِ اليومَ مَن يَسْكُنُها معَ صِغَرِ أرضِها آلافُ الناس، ولو كانوا على الأرض، لكانوا حيًّا كاملًا أو قريةً كاملةً، وإذا كانتِ الحالةُ تلك، فلا حرَجَ مِي تعدُّدِ المساجدِ في المكانِ المُتقارِبِ؛ لاجتماعِ مَفسدتَيْنِ؛ فيجوزُ ارتكابُ أَدْناهُما:
стр. 1579
المَفْسَدةُ الأُولى: تَرْكُهُمْ للصلاةِ جماعةً وهَجْرُهم للمساجدِ؛ لعدمِ وجودِ أماكنَ لهم فيها، ولا يَجِدونَ بُدًّا مِن سُكْنى بُيوتِهم تلك.
والمَفْسَدة الثانيةُ: تعدُّدُ المساجدِ في الحيِّ والمكانِ المُتقارِبِ.
والمفسدةُ الأُولى أعظَمُ؛ لأنَّ العُذْرَ بتعدُّدِ المساجدِ ظاهرٌ، والفتنةَ في مِثْلِه في الدِّينِ أقَلُّ مِن الفتنةِ مِن وقوعِها في حيٍّ قليلِ العددِ كثيرِ المساجد، وقال صالحُ بن أحمدَ بنِ حنبلٍ لأبيه: كم يُستحَبُّ أن يكونَ بينَ المسجدَيْنِ إذا أرادُوا أن يَبْنُوا إلى جانبِهِ مسجدًا؟ قال: لا يُبنى مسجدٌ يُرادُ له الضَّرَرُ لمسجدٍ إلى جانبِهِ؛ فإنْ كَثُرَ الناسُ حتَّى يَضِيقُ عليهم، فلا بأسَ؛ يُبْنَى وإنْ قَرُبَ ذلك منه (١).
قولُه تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ أخَذَ منه بعضُ الفقهاءِ استحبابَ الصلاةِ في المسجدِ القديم عندَ تعدُّدِ المساجدِ في البلدِ أو الحيِّ؛ فقد ذكَرَ اللهُ عِلَّةَ التفضيلِ للمسجَدِ أنه أُرِيدَ به وجهُ الله، ثم أنه بُنِيَ قديمًا، وهذا يدُلُّ على فَضلِ الأقْدَمِ على الأحدَثِ؛ لأنَّ الغالبَ أنَّ أوَّلَ المساجدِ يُبنى في البلدِ لا يُرادُ منه إلَّا الصلاةُ وعبادةُ الله، بخلافِ المساحدِ اللاحِقةِ له، فقد يقعُ في نفوسِ عامِرِيها المُنافَسة والجاهُ، وربَّما قصدُ الضِّرَارِ والتفريق، فإنَّ أوَّلَ الأعمالِ أَصْدَقُها.
أوْلَى المساجِدِ بالصلاةِ عندَ كَثْرَتِها:
وإذا تعدَّدَتِ المساجدُ في البلدِ أو الحيِّ الواحد، فقد اختُلِفَ في أيِّها أَوْلى بالصلاةِ فيها:
فمِنهم: مَن قال بتفضيلِ الأقدَمِ؛ لظاهِرِ الآية، وقد قال ثابتٌ
стр. 1580
البُنَانيُّ: "كنتُ أُقبِلُ مع أنسِ بنِ مالكٍ مِن الزَّاوَيَة، فإذا مَرَّ بمسجدٍ، قال: أمُحْدَثٌ هذا؟ فإن قلتُ: نَعَمْ، مَضَى، وإنْ قلتُ: عَتِيقٌ، صلَّى"؛ رواهُ أبو نُعيمٍ الفضلٍ بنٍ دُكَيْنٍ في كتابِه الصلاةِ (١).
وبهذا كان يَعملُ غيرُ واحدٍ مِن السلفِ؛ كما رَوَى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن عوفٍ، قال: "قَدِمَ عَامِلٌ لِمُعَاوِيَةَ، وَكَانَ بَعَثَهُ عَلَى الصَّدَقَات، فَنَزَلَ مَنْزِلًا، فَإذَا هُوَ بِمَسْجِدَيْن، قَالَ: أَيُّهُمَا أَقْدَمُ؟ فَأُخْبِرَ بِه، فَأَتَى الَّذِي هُوَ أَقْدَمُهُمَا" (٢).
وبه كان يعملُ أبو وائلٍ (٣)، ومجاهِدٌ (٤)؛ رواهُ عنهما ليثٌ؛ أخرَجَه ابنُ أبي شَيْبةَ.
ومنهم: مَنْ قال بتفضيلِ المسجدِ الأكثرِ جماعةً على المسجدِ الأقدَمِ؛ وذلك لقولِهِ ﷺ : (إِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أزْكَى مِنْ صَلَاِتهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أزْكَى مِنْ صلَاِتِهِ مَعَ الرَّجُل، وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى)؛ رواهُ أحمد وأصحابُ "السنن" (٥).
والأظهَرُ: أنه إنْ كان في البلدِ أو الحيِّ الكبيرِ مساجدُ متعدِّدةٌ: مسجدُ الحيِّ القريبُ الذي يصلِّي فبه جِيرانُ الرجُل، ومسجدٌ قديمٌ، ومسجدٌ أكثَرُ جماعةً، فإنَّ مسجدَ الحيِّ والجِيرانِ أَولى بالتقديمِ؛ لأنَّه يتحقَّقُ مَقاصِدُ عظيمةٌ غيرُ مَقاصِدِ الجماعةِ؛ كالإحسانِ إلى أهلِ الحيِّ وتعاهُدِهم، وقضاءِ حاجتِهم، وصِلَتِهم، وإجابةِ دَعْوتِهم؛ فهذا عملٌ عظيمٌ
стр. 1581
قصَدَتْهُ الشريعةُ بالتفضيلِ بِذَاتِه، وإذا قصَدَ الرجُلُ مسجدًا قديمًا لا يُصلِّي فيه أهلُ حيِّه وجيرانُه، فاتَهُ ذلك الفضلُ.
وأمَّا عملُ أنس بنِ مالكٍ، فكان مارًّا ببلدٍ ليس بلدَهُ، وفي حيٍّ ليس حيَّه، وهذا حُكْمٌ خاصٌّ لمَن كان كحالِه، وانتفَتْ عنه تلك المَقاصِدُ، فمَنْ كان حالُه كحالِ أنسٍ، فحُكمُهُ كحُكمِه، وقد رَوَى منصورٌ، عن الحسَنِ: "أنه سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَدَعُ مَسْجِدَ قَوْمِهِ وَيَأْتِي غَيْرَهُ، قالَ: فَقَالَ الحَسَنُ: كَانُوا يُحِبُّونَ أَنْ يُكَثرَ الرَّجُلُ قَوْمَهُ بِنَفْسِهِ" (١).
وإذا تقارَبَ في الحيِّ مسجدانِ عن يمينٍ وشمالٍ، فالأفضلُ الصلاةُ في الأقدَمِ منهما؛ لاستواءِ المَقاصِدِ فيهما وتميُّزِ أحدِهما بفضلٍ.
وإذا تقارَبَ في الحيِّ مسجدانِ: قديمٌ قليلٌ الجماعة، وحديثٌ كثيرُ الجماعة، وكلاهُما يتساويانِ في بقيَّةِ المَقاصِد، فمذهبُ الحنابلةِ: أنَّ القديمَ أَوْلى، والأَظْهَرُ: أنَّ المُصلِّيَ يَقصِدُ الأخشَعَ لقَلْبِهِ؛ لأنَّ الصلاةَ في مسجدٍ حديثٍ مع خشوعٍ أَوْلى مِن الصلاةِ في مسجدٍ قديمٍ يُساوِيهِ في القُرْبِ بلا خشوعٍ؛ لأنَّ الخشوعَ قلبُ الصلاةِ ولُبُّها.
ولا يجوزُ لأحدٍ أنْ يترُكَ جماعةَ المُسلِمينَ ويُفارِقَ المساجدَ بحُجَّةِ الخشوعِ في صلاتِه منفرِدًا، ولو كان ذلك صحيحًا، فيجبُ عليه شهودُ الجماعةِ مع اجتهادِ في الخشوع، ولو فاتَهُ الخشوعُ وتعذُّرَ عليه، فهو مأجورٌ بشهودِ الجماعة، غيرُ آثمٍ بفَوَاتِ خشوعٍ لا يَستطيعُه، ولا يكلِّفُ اللهُ نفسًا إلَّا وُسْعَها.
стр. 1582
* قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣].
في هذه الآيةِ: تحريمُ الاستغفارِ لمَنْ مات على الشِّرْك، ممَّن ظهَرَ أمرُهُ وتَجَلَّتْ حالُه، لقولهِ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
ومَن فارَقَ أحدًا وتباعَدَ عهدُهُ به، ولا يَدرِي آخِرَ حالِهِ: هل هي على كفرٍ أو على إيمانٍ؟ فالحُكمُ لأصلِهِ الذي ترَكَهُ عليه؛ فإنْ كان ترَكَهُ على كفرٍ، فالأصلُ بقاؤُهُ عليه؛ فيَحْرُمُ عليه الاستغفارُ له، وإن كان ترَكَه على إسلامٍ وشك في طُرُوءِ الكفرِ عليه، فالأصلُ بقاؤهُ على الإيمانِ؛ فيجوزُ له الاستغفارُ له.
وتحريمُ الاستغفارِ له بعدَ موتِه لا يَمنَعُ مِن الدُّعَاءِ له حالَ حياتِهِ بالهدايةِ والرَّشادِ والاستقامةِ؛ فإنَّ ذلك مستحَبٌّ لِمَنْ كان كافرًا يَغلِبُ عليه الجهلُ؛ ففي "الصحيحَيْنِ"، عن عبد اللهِ بنِ مسعودٍ؛ قال: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَحْكِي نبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاء، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِه، وَيَقُولُ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (١).
ومَن غلَبَ عليه العِنادُ والتكبُّرُ والطُّغْيانُ، فيُغلَّبُ الدُّعَاءُ عليه على الدُّعَاءِ له في حياتِه؛ كما كان يَفْعَلُ الأنبياءُ مع أمثالِ هؤلاءِ؛ كنُوحٍ مع قومِه، والنبيِّ ﷺ مع قريشٍ وغيرِهم مِن مُشْرِكِي العربِ لمَّا دعا عليهم في قُنُوتِه، ودعا على كِسْرَى لمَّا مَزَّقَ كتابَهُ بأنْ يُمزِّقَ اللهُ مُلْكَه (٢).
стр. 1583
* قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
في الآيةِ: فضلُ العِلْم، ووجوبُ حِفظِهِ وتفريغ طائفةٍ له تقومُ بتحصيلِهِ ومِن ثم تبليغِه، لقولِه: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾.
ويجبُ على إمامِ المسلِمينَ عدمُ إخلاءِ بُلْدانِ الإسلامِ مِن علماءَ يقومونَ بحِفْظِ دِينِ أهلِها وفُتْيَاهُم عندَ حاجتِهم، والإصلاحِ بينَهم عندَ خلافِهم ونِزاعِهم، وأمرِهم بالمعروفِ ونهيهِم عن المُنكَر، ويجبُ عليه بعثُ النُّذُرِ والدُّعَاةِ والعلماءِ إلى البُلْدانِ؛ لإقامةِ حُجَّةِ اللهِ عليهم، وقال بعضُ السلفِ: إن هذه الآيةَ ناسخةٌ لقولِهِ تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]؛ كما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ ومحمدِ بنِ كعبٍ وعطاءٍ الخُراسانيُّ (١).
ويجبُ على الإنسانِ ألَّا يَسكُنَ بلدًا لا يَجِدُ فبها عالمًا يَرفَعُ جَهْلَهُ في الدِّين، والناسُ يَحْرِصُونَ على البُلْدانِ التي تَصِحُّ فيها أبدانُهم ويَجِدُونَ فيها دواءَهم عندَ مَرَضِهم، ولا يَسْكُنونَ الأراضيَ المُقْفِرةَ والفَيَافِيَ البعيدةَ التي لا يَجِدُونَ فبها قِوامًا لبَدَنٍ ولا علاجًا لسَقَمٍ، فكذلك أمرُ الدِّينِ والعِلْم، وقد رَوَى ابنُ أبي حاتمٍ في "مناقبِ الشَّافعيِّ"؛ أنه قال: "لا تَسكُنْ بلدًا ليس فيه عالِمٌ يُفْتيكَ عن دِينِك، ولا طبيبٌ يُنْبِئُكَ عن أمرِ بَدَنِك" (٢).
وفي الآيةِ: دليلٌ على أنَّ داخِلَ الأُمَّةِ يُحمَى بالعِلْم، وخارجَها يُحمَى بالجهاد، وأن العلماءَ حُمَاةُ الأمَّةِ مِن داخِلِها، وأنَّ المُجاهِدينَ حُمَاةٌ
стр. 1584
للأمَّةِ مِن خارِجِها، وإذا صلَحَت حالُهما وتآلفَتْ كَلِمَتُهما، صلَحَ حالُ الأمَّةِ وقَوِيَت شَوْكَتُها، وإذا تنافَرَ حُمَاةُ الأمَّةِ: علماؤُها ومُجاهِدُوها، تمزَّقَت وتسلَّلَ عدوُّها مِن خلالِها.
وحِفْظُ العِلْمِ فرضُ كفايةٍ، وفي تسميةِ طَلَبِهِ نَفِيرًا في قوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ دليلٌ على تشبيهِهِ بنفيرِ الجهاد، فالمتفرِّغُ للعِلْمِ وتحصيلِهِ وتبليغِهِ نافرٌ كنفيرِ المجاهِدِ في سبيلِ الله، والعالِمُ يُجاهِدُ بِقَلَمِهِ ولسانِه، والمجاهِدُ يجاهِدُ بسيفِهِ وسِنَانِه، وإذا قامَا بما أمَرَهما اللهُ حَقَّ قيامٍ، قامَتِ الأمَّةُ وانتصَرَتْ وسادَتْ، وبمقدارِ خَلَلِ النافرَيْنِ فيها: العالِمِ والمجاهِد، يكون ضعْفُ نصرِ اللهِ وكفايتِهِ لها، فإدا زَلَّ العالِمُ وحادَ لِسَانُه، وزَلَّ المجاهِدُ وحادَ سِنانُه، اضطَرَبَ أمرُ الأمةِ وتسلَّطَ عليها عدوُّها، وحَيْدَة قلمِ العالِمِ ولِسانِه: بكتمانِ الحِّق وتلبيسِهِ على الناسِ بالباطل، وحَيْدَةُ سِنَانِ المجاهِدِ: بحَرْفِهِ إلى المؤمنينَ، وسَفْكِهِ دَمَهم، وعدمِ التورُّعِ عن حُرُماتِهم.
ولا تتمكنُ الأمَّةُ وتُحمَى ثُغُورُها إلَّا بلِسَانٍ وسِنَانٍ؛ لِسانِ عِلْمٍ، وسِنَانِ سِدَادٍ.
التفاضُلُ بينَ مِدَادِ العالِمِ ودَمِ الشَّهِيدِ:
وقد اختَلَفَ العلماء مِن السلفِ والخلفِ في التفاضُلِ بينَ نفيرِ العالِمِ ونفيرِ المجاهِد، وبينَ مِدَادِ العالِمِ ودمِ الشهيد، وجاء في ذلك أحاديثُ مرفوعةٌ؛ مِن حديثِ أبي الدَّرْداء، وعبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، وابنِ عمرَ، وعُقْبةَ بنِ عامرٍ، وابنِ عبَّاسٍ، في تفضيل مِدادِ العالِمِ على دمِ الشهيد، لا يثبُتُ منها شيءٌ، والأظهَرُ: أنَّ لكلِّ مَقَامًا في الإسلامِ عظيمًا، ومَقامُ كلِّ واحدٍ بما يُؤدِّيهِ مِن أمرِ اللهِ عليه، فالعالِمُ لا يُفضَّلُ على الشَّهيدِ لمجرَّدِ عِلْمِه، حتى يقومَ به، والمجاهِدُ لا يُفضَّلُ على العالِمِ
стр. 1585
لمجرَّدِ قيامِهِ وحميَّتِه، حتى ليَسُدَّ ثَغْرًا وَيحْمِيَ حُرْمةً، والأحاديثُ في فضلِ دمِ الشهيدِ أكثَرُ وأظهَرُ، ولكنْ مَن نظَرَ إلى حالِ الأنبياءِ وجَدَ أنَّهم جميعًا علماءُ، وليس كلُّهم شهداءَ، والعالِمُ إذا قامَ بأمرِ الله، كان أثرُهُ عظيمًا في يومِهِ ومَن يخلُفُهُ مِن بعدِه، والشَّهيدُ عظيم أثرُهُ على نفسِهِ وأهلِ زمنِه، ومِدَادُ العالِمِ أبْقَى في الناسِ؛ كمِدَادِ السلفِ الذين نصَرُوا الدِّينَ وأَحْيَوُا السُّنَّةَ؛ كمالكٍ وأحمدَ والشافعيِّ والبخاريِّ ومسلمٍ، ومِدادُهم اليومَ شاهدٌ على عَظَمتِهِ وفضلِهِ وبقائِهِ في الأمَّة، والمجاهِدُ أحوَجُ إلى العِلْمِ مِن العالِمِ إلى الجهاد، والعالِمُ بلا جهادٍ: يَنفَعُ، والمجاهِدُ بلا عِلمٍ: يضُرُّ.
ومِدَادُ العالِمِ منشورٌ يُقرَأُ في الدُّنيا، ودمُ الشهيدِ مَطْوِيٌّ يُنشَرُ في الآخِرة، وأصْدَقُهُمْ في الدُّنيا أكثرُهُمْ توفيقًا في الآخِرةِ.
والعِلْمُ في ذاتِهِ أفضَلُ مِن الجهادِ في ذاتِه، وقد يفضُلُ المجاهِدُ العالِمَ لمَقامِهِ وصِدْقِه، وبمقدارِ ما حَفِظَ وسَدَّ ووُكِلَ إليه مِن ثَغْرٍ ورِباطٍ، والعالِمُ والمجاهِدُ إنْ قصَّرَ كلُّ واحدٍ منهما في أداءِ أمانتِهِ وجعَلَ قَصْدَهُ غبرَ الله، جمَعَهما اللهُ جميعًا في النار، وكان دخولُهما واحدًا، لعِظَمِ مَقَامِهما في الدُّنيا، ويعِظَمِ المَقَامِ يكونُ عِظَمُ الخيانةِ؛ ففي مسلمٍ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ أنَّ النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدتُّ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِه، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّار، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثم أُمِرَ بِه، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ في النَّار، وَرَجُلٌ
стр. 1586
وَسَّعَ اللهُ عَلَيهِ وَأعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ كلِّه، فَأُتى بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحبُّ أنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أنْفَقتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِه، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ في النَّارِ) (١).
* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣].
في هذه الآيةِ: دليلٌ على ترتيب الأعداءِ في القتال، وأنَّ الأحَقَّ بالقتالِ الأَدْنى منهم؛ لأنَّ الأصلَ أنَّ الأَدْنى أقرَب إلى إلحاقِ الضرَرِ بالمُسلِمينَ أكثَرَ مِن الأبعَد، ولأنَّ الكفرَ الأدْنى أولى بالرفْعِ والإصلاح مِن الكفرِ الأَبعَد، وقد يكون الكفرُ الأقرَبُ في ضَعْفْ فيُوادَعُ، ويُقاتَلُ الكفرُ الأَبعَدُ فإنَّ النبيَّ ﷺ لم يُجْلِ ويتختَلَّصْ مِن جميعِ اليهودِ قبلَ قتالِهِ قريشًا بمَكَّةَ وغيرَهُمْ مِن مُشركي جزبرةِ العرب، فقد صالَحَ يهودَ خَيْبَرَ على خَرَاجِ أرضِهم، وقاتَلَ الأَبْعَدِينَ بعدَ ذلك، فبَقِيَت يهودُ خَيبَرَ في الحجازِ وقد دانَتْ كثيرٌ مِن العربِ للنبيِّ ﷺ حتى أَجْلَاهُم عمرُ؛ لأنَّ شَوْكَةَ الأبعَدِ أَقْوى، وخَطَرَهُمْ على الإسلامِ أعظَمُ.
وقد تقدَّمَ الكلامُ على مَراتبِ الأعداءِ في القتال، والتدرُّجِ في ذلك، والنظرِ إلى الأسبابِ الشرعيَّةِ والكونيَّة، والفرقِ بينَ عقيدةِ الوَلَاءِ والبَراءِ وسياسةِ الاستعداء، عندَ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوأَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧].
стр. 1587
سُوْرَةُ يُونُس
سُمِّيَتْ بيُونُسَ لذِكْرِ يُونُسَ وقومِهِ وقريتِهِمْ فيها؛ وإلَّا فقد ذكَرَ اللهُ نبيَّه يونُسَ في سُوَرٍ عِدَّةٍ: باسمِهِ في النِّسَاءِ والأنعام، وفي سورةِ الأنبياءِ وصَفَهُ بذي النُّون، وبوصفِه بصاحِبِ الحُوتِ في الصَّافَّاتِ والقَلَم، وذكَرَ فيهما قِصَّتَهُ.
وكانتْ هذه السورة لبيانِ عَظَمَةِ آياتِ اللهِ بنوعَيْها: آياتِهِ المُنزَّلة، وهي قرآنُهُ، وآياتِهِ التي هي مخلوقاتُهُ، وهي الأفلاكُ مِن النجومِ والكواكبِ كالشمسِ والقمر، ومخلوقاتُهُ الأُخرى، كالبَرِّ والبحر، والسَّحابِ والنَّباتِ.
وفي هذا: بيانُ عِظَمِ التلازُمِ دينَ الآياتِ القرآنيَّةِ والآيات الكونيَّةِ في الحُجَج وبيانِ الحقِّ والردِّ على المُبطِلينَ، ومَن ملَكَ البصيرةَ بهما، قامتْ حُجَّتُهُ.
وقد كان الصحابةُ يُسمُّونَ سورةَ يُونُسَ السابِعةَ؛ كما صحَّ عندَ ابنِ أبي شَيْبَةَ في "مصنَّفِه"، وابنِ حِبَّانَ في "صحيحِهِ"، عن أبي سعيدٍ مَوْلَى أبي أسِيدٍ الأنصاريِّ؛ قال: "سَمِعَ عُثْمَانُ أنَّ وَفدَ أهْلِ مِصْرَ قَدْ أقْبَلُوا، فَاسْتَقْبَلَهُمْ، فَكَانَ فِي قَرْيَةِ خَارِجًا مِنَ المَدِينَة، أَو كَمَا قَالَ، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعُوا بِه، أَقْبَلُوا نَحْوَهُ إِلَى المَكَانِ الَّذِي هُوَ فِيه، قَالَ: أَرَاة قَالَ: وَكَرِهَ أَنْ يَقدَمُوا عَلَيْهِ المَدِينَةَ، أَو نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ، فَأَتَوْهُ، فَقَالُوا: ادْعُ بِالمُصْحَف، فَدَعَا بِالمُصْحَف، فَقَالُوا: افْتَحِ السَّابِعَةَ، وَكَانُوا يُسَمُّونَ
وإمَّا جِبِلَّةٌ لا اختيارَ لهم فيها، ومِن الجِبِلَّةِ تسبيحُهُمْ وحمدُهُمُ اللهَ؛ كما يُلهَمُونَ النَّفَسَ؛ كما في مسلمٍ؛ مِن حديثِ جابرٍ؛ قال ﷺ : (يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالْحَمْدَ؛ كمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ) (١)، ولا يُقالُ بمشروعيَّةِ التسبيحِ والحمدِ مع كلِّ نفَسٍ يدخُلُ ويخرُجُ.
وأمَّا ما كان على سببلِ الاختِيارِ فاختارُوهُ، وحَمِدَهُم اللهُ عليه، فيُستحَبُّ فِعْلُهُ في الدُّنيا؛ لأنَّ نعيمَ المؤمنِ في الآخِرةِ مِن جنسِ نَعِيمِهِ في الدنيا، وإنْ لم يكن نعيمُ الدنيا مِثلَهُ ولا يُقارِبُهُ.
كفَّارةُ المَجْلِسِ:
وقد جاء عن النبيِّ ﷺ دعاءٌ وذِكْرٌ عندَ خِتامِ المَجْلِس، وأصَحُّ شيءٍ في هذا البابِ: ما رواهُ أحمدُ وأهلُ "السنن"، عن أبي هريرةَ ﵁؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ، فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَن يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ) (٢).
وقد أعَلَّ أحمدُ (٣)، والبخاريُّ (٤)، وأبو حاتمٍ وأبو زُرْعةَ (٥): بعضَ طُرُقِه، وهي روايةُ ابنِ جُرَيجٍ، عن موسى بنِ عُقْبةَ، عن سُهَيْلٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، وله وجوهٌ عن أبي هريرةَ، وربَّما أعَلَّ الحُفَّاظُ طريقًا ويُريدونَ أصلَ الحديث، وربَّما قصَدوا الطريقَ عَنهُ، ويُعرَفُ ذلك بسياقِ الكلام، وشرطِ كلِّ واحدٍ في الكتابِ الذي قالهُ فيه.
стр. 1591
ورُوِيَ الحديثُ مرفوعًا مِن حديثِ أبي بَرْزَةَ (١)، وعائشةَ (٢)، وعبدِ اللهِ بنِ عمرٍو (٣)، والسائبِ بنِ يزيدَ (٤)، وبلاغًا عن إسماعِيلَ بنِ عبد اللهِ بنِ جعفرٍ (٥)، وجاءَ مرسلًا مِن وجوهٍ، وهو عندَ ابنِ أبي شيبةَ موقوفًا على ابنِ عمرَ؛ رواهُ عنه مجاهدٌ (٦)، وعملُ بعضِ الصحابةِ به يُقَوِّيهِ.
وظاهرُ حديثِ كفَّارةِ المَجْلِسِ: أنه له يكونُ في المَجالِسِ التي يكثُرُ فيها اللَّغَطُ، لا مَجالِسِ الذِّكْرِ والخيرِ والطاعةِ؛ كقراءةِ القرآنِ والتعليمِ؛ ولهذا لم يثبُتْ أنَّ النبيَّ ﷺ يقولُهُ؛ لأنَّ مَجالِسَهُ ليستْ كذلك، وقد كان كثيرَ المَجالِسِ مع أزواجِهِ وولدِهِ وأصحابِهِ في الدِّينِ والدُّنيا، ولو كان يقولُهُ في كلِّ مَجلسٍ، لَنُقِلَ ذلك واستفاضَ واشتَهَر.
ولا تُشرَعُ كفَّارةُ المَجْلِسِ لِمَنْ كان جالسًا وحدَهُ، أو كان مع جماعةٍ يَنتظرونَ أو يَتحدَّثونَ ولا لَغَطَ في مَجلسِهم، فضلًا عن مَجالِسِ الذِّكرِ والصلاةِ وغيرِها.
وأمَّا حديثُ عائشةَ عندَ النَّسَائيِّ؛ أنَّها قالتْ: مَا جَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَجْلِسًا قَطُّ، وَلَا تَلَا قُرْآنًا، وَلَا صَلَّى صَلَاةً، إلَّا خَتَمَ دَلِكَ بِكَلِمَاتٍ، قَالَت: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أرَاكَ مَا تَجْلِسُ مَجلِسًا، وَلَا تَتْلُو قُرْآنًا، وَلَا تصَلِّي صَلَاةً، إِلَّا خَتَمْتَ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ؟ قَالَ: (نَعَمْ، مَنْ قَالَ خَيْرًا، خُتِمَ لَهُ طَابَعٌ عَلَى ذَلِكَ الْخَيْر، وَمَنْ قَالَ شَرًّا، كُنَّ لَهُ كَفَّارَةً: سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ) (٧).
стр. 1592
فقد رواهُ النَّسَائيُّ مِن حديثِ خالدِ بنِ أبي عِمْرانَ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ، ورواهُ مِن حديثِ مسلمِ وداودَ بنِ قيسٍ، عن نافعِ بنِ جُبَيْرٍ، عن أبيهِ؛ له (١)، وفي النَّفْسِ منه شيءٌ، ومِثْلُ هذا لو كان مه في كلِّ مَجلِس، لَنُقِلَ بأصحِّ الأسانيدِ؛ فقولُهُ: (مَا جَلَسَ مَجْلِسًا قَطُّ، وَلَا تَلَا قُرْآنًا، وَلَا صَلَّى صَلَاةً، إِلَّا خَتَمَ ذَلِكَ بِكَلِمَاتٍ) هذا تعميمٌ مُنكَّرٌ، ولا يستقيمُ هذا التعميمُ في التشريعِ إلَّا لِما صحَّ سندُهُ بأَقْوَى مِن هذا واستفاضَ واشتهَرَ مِن طُرُقٍ كثيرةٍ، وقد نُقِلَ عن النبيِّ مِن أذكارِ الصلاةِ وفي مجلسِهِ أدكارٌ لا يُداوِمُ عليها جاءت بأسانيدَ أقوى وطُرُقِ أشهَرَ مِن ذلك؛ فكيف بذِكْرٍ يقولُهُ ويَلزَمُهُ بكلِّ حالٍ؟ !
وفي التِّرْمِذيِّ؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ؛ قال: "قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُومُ مِن مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ: اللَّهُمَّ، اقْسِمْ لنَا مِنْ خشْيَتِكَ. . ." الحديثَ (٢)، ولا يصحُّ.
واستحَبَّ بعضُ الفقهاءِ قراءةَ الفاتحةِ عدَ خَتْمِ المَجلِس، وليس له أصلٌ؛ لا في مرفوعٍ صحيحٍ ولا موقوفٍ؛ وإنَّما الواردُ في ذلك ختمُها بقراءةِ سور العَصْرِ؛ كما رواهُ أبو داودَ في "الزُّهدِ"، والطبرانيُّ، والبيهقيُّ؛ مِن حديثِ حمَّادِ بنِ سلَمةَ، عن ثابتٍ، عن أبي مدينةَ الدارميّ، قال: "كَانَ الرَّجُلَانِ مِنْ أَصْحَاب مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا الْتَقَيَا، ثُمَّ أَرَادَا أنْ يَفتَرِقَا، قَرَأَ أَحَدُهُمَا: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١ - ٢] حَتَّى بَخْتِمَهَا، ثُمَّ يُسَلِّمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ" (٣).
ولا يُعرَفُ إلَّا مِن حديثِ حمَّادٍ عن ثابتٍ، ولا يَظهَرُ أنه عمَلُ
стр. 1593
عامَّتِهم، ولا داوَمَ كبارُهُمْ عليه، فمِثْلُهُ يَشتهِرُ، ولعلَّهُ يقَعُ منهم تَوَاصِيًا بالحقِّ وتذكيرًا بحقِّ اللهِ بينَهما، لا دعاءً يَختَصُّ بالافتراقِ وختْمِ المَجالِس، ومِثْلُ هذا لو كان سُنَّةً، لَاستفاضَ بها العملُ، وتعدَّدتْ بها الطُّرُقُ؛ لكثرةِ الصحابة، وكثرةِ لقاءِ بعضِهم ببعضٍ، ولقاءِ الناسِ بهم مِن التابعِين.
ومِثْلُ هذا لا يَظهَرُ أنَّ النبيِّ ﷺ يَفْعَلُهُ، ولو فعَلَهُ، فالمقطوعُ به أنه لا يُدِيمُهُ؛ لأنَّ مِثلَهُ يُنقَلُ.
* قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢].
حُكْمُ رُكُوبِ البحرِ والغَزْوِ فيه:
ذكَرَ اللهُ تسييرَهُ لعبادِه في البَرِّ والبحرِ ممتنًّا بذلك عليهم، مذكِّرًا بنعمتِهِ ووجوبِ شُكْرِهِ وحقِّه بالعبادة، وذِكْرُ اللهِ للبحرِ وقَرْنُهُ السيرَ فيه بالبَرِّ: دليلٌ على أنَّ ركوبَ البحرِ كركوبِ البَرِّ مِن جهةِ إباحتِهِ وحِلِّه؛ وهذا له نظائرُ في القرآنِ؛ كقولِهِ: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٠]، وكقَرْنِهِ الاهتداءَ بالنجومِ لسائرِ البحرِ كسائرِ البَر في قولِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧]، وقال: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [النمل: ٦٣]، وجعَلَ رُكوبَهُ وتسخيرَهُ كرامةً للإنسانِ؛ كما في قولِهِ: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء: ٧٠]، وجعَلَههُ
стр. 1594
مَحَلًّا لطلبِ المَنافِعِ كالبَرِّ في قولِهِ: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: ١٤]، وقال: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الإسراء: ٦٦]، وجعَلَ الابتغاءَ مِن فضلِهِ في البحرِ في هذه الآيةِ: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ كالابتغاءِ مِن فضلِهِ في البَرِّ لمَّا دكَرَ اللهُ الانصرافَ مِن صلاةِ الجُمُعةِ: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، وحَثَّ على ركوبِ البحرِ لرؤيةِ آياتِه؛ كما قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾ [لقمان: ٣١].
وذكَرَ اللهُ مَخاطِرَ البحرِ في مَواضِعَ، ولم يَنْهَ عن ركوبِه في سياقِ واحدةٍ منها؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأنعام: ٦٣]، وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧].
والنهيُ الواردُ عن ركوبِ البحرِ لا يَثبُتُ عن النبيِّ ﷺ منه شيءٌ، فمِن ذلك ما رواهُ أبو داودَ؛ مِن حديثِ عبد اللهِ بنِ عمرٍو، مرفوعًا: (لَا يَرْكَبُ الْبَحْرَ إلَّا حَاجٌّ، أوْ مُعْتَمِرٌ، أَو غَازٍ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا، وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا) (١).
وبنحوِه أخرَجَهُ الحارثُ عن أبي بَكْرَةَ (٢)، والبزَّار عن ابنِ عمرَ (٣)؛ ولا يصحُّ في هذا البابِ شيءٌ.
وركوبُ البحرِ كركوبِ البَرِّ في حالِ استقامةِ الحالِ وعدمِ المَخاطِر، وعندَ المَخاطِرِ والمَخاوِفِ فيُكرَهُ ركوبُهُ، وقد يحرُمُ إنْ غلَبَ
стр. 1595
على الظنَّ الهلاكُ، وقد حكى ابنُ عبد البَرَّ الاتَّفاقَ على أنه يحرُمُ ركوبُهُ عندَ ارتجاجِه (١)، ويُروَى في "المُسنَدِ"؛ مِن حديثِ أبي عِمْرانَ الجَوْنِيَّ؛ قال: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، وَغَزَوْنَا نَحْوَ فَارِسَ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (مَنْ بَاتَ فَوْقَ بَيْتٍ لَيْسَت لَهُ إِجَّارٌ فَوَتَعَ فَمَاتَ، فَبَرِئَتْ مِنْهُ الذَّمَّةُ، وَمَنْ رَكِبَ الْبَحْرَ عِنْدَ ارْتِجَاجِهِ فَمَاتَ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذَّمَّةُ) (٢).
أخرَجَهُ أحمدُ؛ مِن حديثِ محمدِ بنِ ثابتٍ، عن أبي عِمْرانَ، به؛ وابنُ ثابتٍ ضعيفٌ.
ولأنَّ البحرَ أخطَرُ مِن البَرَّ، وحِيلةَ الإنسانِ فيه ضيِّقةٌ، بخلافِ حيلتِهِ في البَرَّ؛ كان الغزوُ فيه أعظَمَ؛ لأنَّ الشَّدَّةَ والمشقَّةَ فيه أكبَرُ، فغزوُ البحرِ أفضَلُ مِن غزوِ البَرّ، وقد جاءتْ أحاديثُ كثيرةٌ في فضلِ غزوِ البحرِ وشهيدِهِ مِن حديثِ أبي أُمَامَةَ وأُمِّ حَرَامٍ وعائشةَ وابنِ عبَّاسٍ وعِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ وأبي الدَّرْداء، وهي متكلَّمٌ فيها.
وقد جاء تفضيلُ غزوةٍ في البحرِ على عَشْرِ غزَواتٍ في البَرِّ؛ رواهُ الطبرانيُّ، وغيرُهُ؛ مِن حديثِ عبد اللهِ بنِ عمرٍو (٣)، وابنُ ماجَهُ؛ مِن حديثِ أبي الدَّرداءِ (٤)؛ ولا يصحُّ.
وقد جاء فضلُ الميِّتِ بالغرَق، وأنَّه شهيدٌ، ولو لم يكنْ في غزوِ البحرِ وشهيدِهِ إلَّا ما يجدُهُ مِن شِدَّةٍ وخوفٍ قبلَ نَزْعِ رُوحِه، لكانِ كافيًا، قميَّتُ الغرَقِ والحَرَقِ والهَدَمِ يُدرِكُهُ مِن بُطْءِ الموتِ ومُعالجتِهِ والهَلَعِ منه: ما لا يجدُهُ غيرُهُ، فهو يَزيدُ على ألمِ الاخضارِ ألمًا فوقَهُ.
في قوله تعالى: ﴿تَبَوَّآ﴾ المرادُ بالتبوُّءِ: هو اتَّخاذُ موضعٍ يُسكَنُ فيه، والتبوُّءُ: تفعُّلٌ مِن البَوْءِ؛ يعني: الرجوعَ، ومعنى ذلك أنَّ صاحبَ الدارِ يَرجِعُ إلى موضِعِهِ كلَّما خرَجَ منه، وهو سَكَنُهُ، فقولُه، ﴿تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا﴾؛ يعني: اجعَلَا قومَكما مُتَبَوِّئِينَ ببوتًا لهم.
وعلى السُّلْطانِ اختيارُ المُدُن، ووضعُ خِطَطِها ومنافعِهِمُ العامَّةِ منها، ووضعُ نظامٍ يَضبِطُهُمْ، كما وضَعَ النبيُّ ﷺ أحكامًا لحقَّ الجار، وغَرْزِ الخشبةِ في الجدار، وحَرِيمِ البئر، وأحكامًا للطُّرُقاتِ وحقوقِها.
وقولُه تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ القِبْلةُ هي الجِهةُ التي تُستقبَلُ، وقد اختُلِفَ في المرادِ بذلك لي هذه الآيةِ على أقوالٍ للسلفِ:
منها: استقبالُ الكعبةِ بالبيوتِ؛ وهذا مرويٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ ومجاهِدٍ وقتادةَ (١)؛ وفي هذا أن الكعبةَ قِبْلةٌ لمُوسى ومَن معه.
ومنها: أنَّ المرادَ هو أداءُ الصلاةِ في البيوت، فلا تُترَكُ بلا صلاةٍ فتكونَ كالمَقابِرِ؛ وهذا مرويٌّ عن الضحَّاكِ والنخَعيَّ وابنِ زيدٍ (٢).
ومنها: أنَّ المرادَ هو جعلُ البيوثِ مُتقابِلةً؛ فيَستقبِلُ الناسُ بعضُهم بعضًا في أبوابِهم؛ وهذا القولُ روايةٌ عن ابنِ عبَّاسٍ (٣)، وقولُ سعيدِ بنِ جُبيرٍ (٤).
* * *
стр. 1598
قال تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٨٩].
فضلُ التأمينِ وإدراكِ تكبيرةِ الإحرامِ:
في هذه الآيةِ: أنَّ التأمينَ على الدُّعَاءِ في حُكمِ التلفُّظِ بالدعاءِ؛ وذلك أنَّ موسى كان يَدْعُو اللهَ وهارونُ يؤمَّنُ عليه؛ فقال اللهُ: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ وعِكْرِمةُ وأبو العاليةِ (١)، وهذا مُقتضى التأمينِ ولازِمُه، ولم يَرِدْ في الآيةِ؛ لأنَّ اللهَ لم يَجعَلِ الإمامَ يَدْعُو والناسَ يُؤمِّنونَ والمرادُ بذلك حظُّ الداعِي بنفسِه، بل إنَّ الدعاءَ والأجرَ لهم جميعًا، ولكنَّه بحسَبِ حضورِ قلبِ كلَّ واحدٍ وتحقُّقِ مُوجِباتِ الإجابةِ فيه.
والمؤمَّنُ يُدرِكُ مِن الفضلِ ما أدرَكَهُ الإمامُ في قراءتِهِ الفاتحةَ، وهذا مُقتضى مشروعيَّةِ قولِهِ: "آمِينَ"، ويُروَى أنَّ بلالًا كان يقولُ للنبيّ ﷺ : "لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ" (٢)؛ وذلك لأنَّه يُؤذَّنُ ويُقِيمُ على سطحِ المسجد، ومِن هنا قال بعضُ السلفِ والفقهاءِ: إنَّ تكبيرةَ الأحرامِ تُدرَكُ بآمِينَ؛ وبهذا قال وكيعٌ (٣)، ويُروَى عن أبي الدَّرْداءِ أنه سمِع إقامةَ الصلاة، فقال: "أَسرِعوا بنا نُدرِكْ آمِينَ" (٤).
وجمهورُ العلماءِ: على أنَّ تكبيرةَ الإحرامِ تُدرَكُ بنفِسها، وهو قولُ أحمدَ، وأنكَرَ الإدراكَ ب (آمِين)، وحديثُ بلالٍ فيه عِلَّة؛ فقد رواهُ أحمدُ وأبو داودَ، عن أبي عثمانَ، عن بلالٍ.
стр. 1599
وأبو عثمانَ النَّهُديُّ لم يَسمَعْ مِن بلالٍ شيئًا، وإنْ كان أدرَكَهُ؛ فأبو عثمانَ تابعيٌّ مُخضرَمٌ.
أعلَّهُ بالإرسالِ غيرُ واحدٍ؛ كأبي حاتمٍ (١)، وابنِ رجبٍ (٢).
وقد رواهُ هشامُ بن لاحقٍ، عن عاصمٍ، عن أبي عثمانَ، عن سَلْمانَ، عن بلالٍ؛ وجعَلَهُ موصولًا (٣).
ولا يصحُّ.
وهشامٌ، ترَكَهُ الإمامُ أحمدُ (٤).
وقال البخاريُّ: مُضطرِبُ الحديثِ عندَهُ مناكيرُ (٥).
وقال ابنْ حِبَّانَ: مُنكَرُ الحديثِ (٦).
وإقامةُ المؤذِّنِ فوقَ سطحِ المسجدِ ظاهرةٌ؛ لحديثِ: (إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ، فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَار، وَلَا تُسْرِعُوا؛ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا) (٧)، ولا يُؤمَرُ بالسَّكِينةِ ويُنهَى عن السُّرْعةِ إلَّا البعيدُ، ولا يَسمَعُ البعيدُ مَن داخِلَ المسجدِ.
وإدراكُ تكبيرةِ الإحرامِ بإدراكِها بنفسِها أقرَب؛ لأنَّ الإدراكَ ب (آمِينَ) لا يَنضبِطُ في الصلواتِ السَّرَّيَّة، ثم يُشكِلُ عليه مَن يؤمَّنُ مع الإمامِ ولم يدخُلْ في الصلاةِ؛ كمَنْ كان قادمًا إليها، فلا يُعتبرُ دحولُهُ إدراكًا حتى يُكبِّرَ، فهو يُدرِكُ بتكبيرتِه، لا بمجرَّدِ تأمينِه.
стр. 1600
دعاءُ الإمامِ لِنَفْسِهِ وللناسِ في صلاِتِهِ:
وإذا دعا الإمامُ في صلاتِهِ جهرًا كالقُنُوت، فلْيَجعَلِ المأمومينَ شُرَكاءَ معه فيه؛ حتى يُؤمِّنوا على دُعَائِه، ويُروى عندَ أبي داودَ والتَّرْمِذيَّ؛ مِن حديثِ ثَوْبانَ ﵁؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (لَا يَؤُمُّ رَجُلٌ قَوْمًا فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمُ) (١)؛ وفيه كلامٌ.
ولم يثبُتْ أنَّ النبيَّ ﷺ قنَتَ في أصحابِه، فخَصَّ نفسَهُ بدُعَاءٍ، ولا فعَلَ ذلك خلفاؤُهُ.
وإذا أَسَرَّ بينَهُ وبينَ نفسِه في سجودِهِ واستفتاحِه، فخَصَّ نفسَهُ، فلا حرَجَ؛ ققد كان النبيُّ ﷺ يدعو دعاءَ الاستفتاحِ في صلاتِهِ ويخُصُّ نفسَهُ؛ كما في حديثِ أبي هريرةَ في "الصحيحَيْنِ"، وفيه قال له: أَرَأيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَة، ما تَقُولُ؟ قَالَ: (أَقُولُ: اللَّهُمِّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدتَّ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ … )؛ الحديثَ (٢).
وكان يسَعيذُ لنفسِهِ بقولِهِ: (اللَّهُمَّ، إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمنْ عَذَابِ الْقَبْرِ؛ وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَات، وَمِنْ شَرَّ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ) (٣)، وكذلك دعاؤُهُ بينَ السَّجدتَيْنِ مِن حديثِ حُذَيْفةَ (٤) وابنِ عبَّاسٍ (٥).
* * *
стр. 1601
سورةُ هُودٍ
سورةُ هُودٍ سورةٌ مكيَّةٌ؛ كما قالهُ ابنُ عبَّاسٍ والحسَنُ وعِكْرِمةُ وقتادةُ وغيرُهم (١)، وفيها بيانُ فضلِ القرآنِ وإعجازِ اللهِ به، وقَصَصُ الأنبياءِ مع أمَمِهِمْ للاعتبارِ والتثبيتِ للنبيِّ ﷺ ولأُمَّتِه.
* * *
قال تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩)﴾ [هود: ٢٩].
في هذه الآيةِ: أنه ينبغي ألَّا يُؤخَدَ على دعوةِ الناسِ وإرشادِهم مالٌ؛ لأنَّ أَخْذَ المالِ يَجعَلُ يدَ المُعطِي العُلْيا، وتَنكسِرُ له النَّفْسُ الآخِذةُ، وتميلُ إليه وتُحِبُّهُ، والنَّفْسُ مجبولةٌ على حُبَّ مَن أحسَنَ إليها، وكلُّ مالٍ يَجعلُ صاحِبَهُ يقولُ الباطلَ أو يسكُتُ عن الحقِّ، فهو سُحْتٌ، وكلُّ آخِذٍ للمالِ أعلَمُ بنفسِه.
عدمُ أَخْذِ الأنبياءِ المالَ على دَعْوَتِهم:
ومع عظَمةِ منزلةِ الأنبياءِ وعِصْمتِهم إلَّا أنَّهم كانوا لا يأخُذونَ المالَ مِن أُمَمِهم؛ فقد قال نُوحٌ لقومِهِ: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ
стр. 1602
إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾، وقال مِثْلَ ذلك في الشُّعَراءِ ويُونُسَ، وقال هودٌ لقومِهِ: ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [هود: ٥١]، وقال مِثلَ ذلك في سورةِ الشُّعَراء، وقالهُ مِثلَه صالحٌ ولُوطُ لقومِهما فيها.
وقد ذكَرَ اللهُ في كتابِهِ إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ ونُوحًا وداودَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويوسُفَ ومُوسى وهارونَ وزكريَّا ويحيى وعيسى وإلياسَ وإسماعيلَ والْيَسَعَ ويونُسَ ولوطًا، ثُمَّ قال للنبيِّ ﷺ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقال للنبيِّ ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧)﴾ [الفرقان: ٥٧].
وأمَرَ اللهُ نبيَّه بعدمِ سؤالِ الناسِ شيئًا؛ حتى لا يظُنُّوا له طمعًا فتَنصرِفَ قلوبُهُنم عنه ولو كان متجرِّدًا في نفسِه، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]، وقال: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [سبأ: ٤٧].
والحِكْمةُ مِن عدمِ سؤالِ الأنبياءِ مالًا وأجرًا مِن قومِهم أمورٌ، أظهَرُها أمرانِ:
الأولُ: أنَّ الناسَ تَزهَدُ فيمَن يأخُذُ مالًا على دَعْوتِه؛ لأنَّهم يشُكُّونَ في قَصْدِه، ويظُنُّونَهُ يطلُبُ دُنيا عاجلةً ورِفْعةً وعلوًّا وجاهًا، ويَعرِفونَ المتجرَّدَ مِن قِلَّةِ طَمَعِهِ فيهم، وسؤالِهِ الحاجاتِ منهم، وتشوُّفِهِ إلى ما في أيدِيهِم، وقد قال الرجلُ الذي جاء مِن أَقْصى المدينةِ: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾ [يس: ٢٠ - ٢١]؛ فاستدَلَّ على صِدْقِهم بعَدَمِ طَمَعِهم، ومَنِ اعتادَ أحدَّ الأجرِ على دَعْوتِهِ ونُصْحِه، واحتاجَ إلى هذا العطاءِ وتعلَّقَ به، تكلَّفَ في حديثِهِ وفِعْلِهِ حتى يُعطِيَهُ الناسُ، وأخَدَ يقولُ ما لا يُحِبُّهُ ويُؤمِنُ به ما دامَ الناسُ الذين
стр. 1603
يُعطُونَهُ يُحبُّونَه، وقد بيَّنَ اللهُ ذلك في قولِهِ تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦].
ومع عِصْمةِ الأنبياءِ مِن التكلُّفِ والزَّلَل، إلَّا أنَّ اللهَ منَعَهمْ مِن أخذِ المالِ والأجرِ على الرَّسالةِ؛ حتى لا يظُنَّ الناسُ بهم سُوءًا، ويَتوهَّموا قولَهُمْ تكلُّفًا وهو حقٌّ.
الثاني: أنَّ مَن سأَلَ الناسَ شيئًا على رِسالَتِه، استَثْقَلُوهُ، وضَعُفَ قَبُولُهم له، ونفَرُوا منه؛ لأنَّه يُحمَّلُهم ما لا يُحبُّونَ مِن العطاءِ ولو ظَنُّوهُ صادقًا؛ كما قال تعالى في سُورَتَيِ الطُّورِ والقَلَمِ: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠)﴾ [الطور: ٤٠، والقلم: ٤٦] يعني: أنَّ سبَبَ نُفورِهم مِنَ الحقِّ الذي معَكَ ليس لأجلِ أنَّك تطلُبُ منهم شيئًا فيَغرَمُوا؛ وإنَّما هو عِنَادٌ واستِكْبارٌ.
أخذُ المالِ على تبليغِ الدِّينِ:
وأخذُ المالِ على تعليمِ الناسِ الخيرَ، لم يكنْ محرَّمًا لذاتِ المالِ ولا لذاتِ العملِ؛ ولهذا قد يجوزُ في موضعٍ، ويُكرَهُ في موضعٍ ثانٍ، ويحرُمُ في موضعِ ثالثٍ، وذلك بحسَبِ أثرِ المالِ على الداعِي والمدعُوَّ، وذلك يَرجِعُ إلى الحالِ والزمانِ ومَقَامِ كلَّ واحدٍ مِن الآخَرِ وقصدِهِ بإعطاءِ المالِ.
وإنَّما منَعَ اللهُ الأنبياءَ أنْ يأخُذُوا؛ لأنَّ أُمَمَهُمْ على خلافِ عقيدتِهم، ولن يُعْطُوهم المالَ حُبًّا لهم، ولكنْ لاعتقادِهم أنْ يكونَ ذلك صَرْفًا لهم أو صرفًا لأتباعِهم عن اتَّباعِ الحقِّ الذي معهم، فإنْ عجَزوا عن المتبرع، استمالُوا التابعَ، فكاد النبيُّ قدوةً لأتباعِه، وقد أَرسَلتْ مَلِكةُ سَبَأِ إلى سُلَيْمانَ هديّةً، وكان مَقصَدُها استمالتَهُ عن الحقِّ، فامتَنَعَ مِن أخذِها، والأصلُ أنَّ الملوكَ ورؤوسَ الأُمَمِ تأخُذُ بعضُها الهدايا مِن
стр. 1604
بعضٍ؛ قال تعالى حاكيًا قولَها: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾ [النمل: ٣٥]، وكان قصدُها استمالتَهُ وصَرْفَهُ عن كُفْرِهم، وطلَبَ السلامةِ لها ولقومِها، وقد قال ابنُ زيدٍ: "إنَّها قالتْ: إنَّ هذا الرجُلَ إنْ كان إنَّما هِمَّتُهُ الدُّنيا فسنُرْضِيه، وإن كان إنَّما يُرِيدُ الدَّينَ فلن يَقبَلَ غيرَهُ" (١).
وقد قال وهبُ بن مُنَبَّهٍ - وكان ممَّن يأخُذُ خبرَ أهلِ الكتابِ والأُمَمِ السابقةِ -: "إنَّها قالتْ: إنَّه قد جاءَني كتابٌ لم يأتِني مِثلُهُ مِن مَلِكٍ مِن المُلُوكِ قبلَه، فإنْ يكُنِ الرجُلُ نبيًّا مُرسَلًا، فلا طاقةَ لا به ولا قُوَّةَ، وإنْ يكنِ الرجُلُ مَلِكًا يُكَاثِرُ، فليس بأعَزَّ منَّا ولا أَعَدَّ. فهيَّأَتْ هَدَايَا ممَّا يُهدَى للمُلوك، ممَّا يُفتَنُونَ به، فقالتْ: إنْ يكنْ ملِكًا فسيَقبَلُ الهديَّةَ ويَرغَبُ في المال، وإن يكنْ نبيًّا، فليس له في الدُّنيا حاجةٌ، وليس إيَّاها يُريدُ؛ وإنَّما يُريدُ أنْ ندخُلَ معه في دِينِهِ ونَتَّبِعَهُ على أمرِه" (٢).
وقد عرَفَ سُلَيْمانُ قَصْدَها مِن إرسالِها الهديَّةَ إليه؛ فامتنَعَ منها؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٦ - ٣٧].
والأزمنةُ تَختلِفُ، والأحوالُ تتبايَنُ، والعطاءُ الذي يأخُذُهُ الداعِي إلى الله، والحاملُ لرسالةِ الأنبياءِ: يُعرَفُ موضعُهُ مِن الشرعِ بمعرفةِ مُعطِيهِ وغايتِهِ منه؛ فإنَّ للمُعطِي رسالةً باطنةً غيرَ ظاهرةٍ تَكسِرُ القلوبَ وتُمِيلُها إلى أهواءِ المُعطِينَ ورغباتِهم، وأمَّا عطاءُ أهلِ الدَّيانةِ والأمانة، فلا يُحذَرُ منه إلَّا تشوُّفُ النَّفْسِ ولو كان المُعطِي نبيًّا، فقد أَعطى النبيُّ ﷺ عمرَ، فقال له عمرُ: أَعْطِهِ مَن هو أفقرُ إليه مني، فقال له: (خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ أَو
стр. 1605
تَصَدَّق بِه، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَالِ وَأنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ، فَخُدْهُ، وَمَا لَا، فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ)؛ رواهُ الشيخانِ؛ عن أبي عمرَ، عن أبيه (١).
وقد كان النبيُّ ﷺ لا يأخُدُ أجرًا مِن قريشٍ، ولا يَسْأَلُهم إيَّاه، وقد كان يبذُلُ له أبو بكرِ الصِّدِّيق فيأحُدُهُ؛ لأنَّ يدَهُ ليستْ كيَدِ كفارِ قريشٍ، وغايتَهُ ليستْ كغايتِهم؛ فإنَّ يدَهُ مع يدِ النبيِّ ﷺ وغايةُ مع غايتِه، وقد كان يقولُ: (إنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أحَدٌ أمَنَّ عَلَيَّ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَبِيِ بكْرِ بْنِ أبِي قُحَافَةَ) (٢).
وقد كان النبيُّ ﷺ بعدَما ظهَرَ أمرُهُ ونصرُهُ ودِينُهُ، وقَوِيَت شوْكَتُه، أخَذَ بقَبُولِ الهدايَا مِن الملوكِ؛ لأنَّه لا مِنَّةَ لهم عليه؛ فيدُهُ فوقَهم عُلْيَا، ففي مكةَ لم يكن يأخُذُ مالًا منهم، ومالُه حِبنَها قليلٌ، ولمَّا كَثُرَ ما في يدِه في المدينة، قَبِلَ الهديَّةَ، وهذا مِقْياسُ أهلِ الذِّين، وأمَّا مقياسُ أهلِ الدُّنيا، فيَرَوْدَ الأخذَ إذا كانتِ اليدُ خاليةً، وتَدَعُ إذا كانتْ غنيَّةً؛ لأنَّ اعتِبارَهم سلامةُ الدُّنيا، واعتبارُ الأنبياءِ سلامةُ الدِّينِ.
* * *
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾ [هود: ٤٠].
أمَرَ اللهُ نبيَّه نُوحًا أنْ يَحفَظَ حياةَ المؤمِنينَ معه وحياةَ الأزواجِ مِن البهائم، وفي هذا حِفْظُ البهائمِ من انقِراضِها، وحمايتُها مِن أن تَهلِكَ
стр. 1606
جميعُها بالكوارثِ والأوْبِئةِ أو الأمطارِ؛ وذلك لِما فيها مِن منافعَ للناسِ في أنفُسِهِمْ مباشَرة، أو لنفعِها لِما يتعدَّى نفعُهُ للناسِ.
وفي هذه الآيةِ كما أمَرَ اللهُ نُوحَا مُوجِبًا عليه حَمْلَ الحيوان، فإنَّه يحرُمُ قصدُ نوعِ مِن الحيوانِ الذي يَنتفِعُ منه الناسُ بالإهلاكِ حتى لا يَبقَى منه شيءٌ.
* * *
قال تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)﴾ [هود: ٤١].
في هذه الآيةِ: استحبابُ ذِكرِ اللهِ عندَ ركوبِ الدابَّةِ والسفينةِ والطائرةِ وغيرِ ذلك، ولم يكنْ ذلك مقيَّدًا بسَفَر؛ فنُوحٌ لم يكنْ مسافِرًا قاصدًا جهةً معيَّنةً، ولكنَّه كان راكبًا طلبًا للسلامةِ مِن الغرَق، ثم إنَّ ذِكرَ اللهِ عُلِّقَ بالركوبِ هنا: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ﴾، وكذلك في سورةِ الزُّخرُفِ قال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ [١٣ - ١٤]، فجعَلَ الاستواءَ على ظَهْرِ المركوبِ مُوجِبًا للذِّكْر، والراكبُ يَركَبُ دابَّتَهُ في الحَضَرِ وفي أطرافِ المدينة، ولو كان ذلك مخصوصًا بركوبِ السفَر، لجاءَ تقييدُهُ بما تُقصَرُ فيه الصلاةُ، ولجَرَى في كلامِ الصحابةِ والتابِعيِن.
الفَرْقُ بينَ ذِكرِ الرُّكوبِ ودُعَاءِ السَّفَرِ ورُكُوبِه:
والواردُ عندَ السفَرِ ذِكْرٌ ودُعاءٌ، والواردُ عندَ الركوبِ مِن غيرِ سفَرٍ ذِكرٌ فقطْ:
فأمَّا ذِكْرُ لسفَرِ ودعاؤُهُ: فكما جاء في "صحيحِ مسلمٍ"؛ مِن حديثِ