آياتُ المَوَاقِيتِ:
وقد جاءَ في وقتِ صلاةِ الصُّبْحِ والعَصْرِ قولُهُ تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]، وفي "الصحيحَيْنِ"؛ أنَّ النبيِّ ﷺ قال: (فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَلَّا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، فَافْعَلُوا)، ثم قرَأ هذه الآيةَ (١).
وقد جاءتْ جميعُ الصلَواتِ ابتداءً مِن الظُّهْرِ بالذِّكْرِ في قولِهِ تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، والدُّلُوكُ: زوالُ الشمسِ كما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمرَ (٢)؛ يعني: دخولَ وقتِ الظُّهْر، ثم في قولِهِ تعالى: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾؛ يعني: بقيَّةَ الصلواتِ: العصرُ والمغربُ والعشاءُ، ثم خَصَّ الفجرَ بالذِّكْرِ كما خَصَّ الظُّهْرَ، فقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾؛ يعني: صلاةَ الفجرِ.
ويذكُرُ اللهُ التسبيحَ لي مَواضِعَ مِن كتابِهِ ويُريدُ به الصلاةَ، ومِن ذلك قولُه تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧ - ١٨].
وقد جاء عن ابنِ عبَّاسٍ ﵁ أنه قال: الصلواتُ الخمسُ في القرآن، فقيل له: أينَ؟ فقال: قال الله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ صلاةُ المغربِ والعِشاء، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: صلاةُ الفجر، ﴿وَعَشِيًّا﴾: العصرُ، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: الظُّهرُ (٣).
وبنحوِه رُوِيَ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ والضَّحَّاكِ (٤).
стр. 1616
وسأَلَ نافعُ بن الأَزْرَقِ ابنَ عبَّاسٍ، فقال له: هل نجدُ ميقاتَ الصلواتِ الخَمْسِ في كتابِ اللهِ؟ قال: نَعَمْ؛ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧]: المغربُ، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]: الفجرُ، ﴿وَعَشِيًّا﴾ [الروم: ١٨] العصرُ، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]: الظُّهْرُ، قال: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور: ٥٨] (١).
وصحَّ عن قتادةَ وابنِ زيدٍ؛ أنَّهما جعَلَاها دليلًا على أربعةِ مواقيتَ، هي: المغربُ والفجرُ والعصرُ والظُّهْرُ (٢).
وحمَلَ غيرُ واحدٍ مِن السلفِ التسبيحَ على الصلاةِ في قولِه تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠].
وفي آيةِ البابِ: بيانُ وجوبِ أداءِ الصلواتِ في وقتِها، وأنَّ أداءَ الصلاةِ في غيرِ وقتِها لا يحقِّقُ فَضْلَها مِن كَسْبِ الحسناتِ وتكفيرِ السيِّئات، وكلَّما كانتِ الصلاةُ في وقتِها، كان ذلك أعظَمَ للأجرِ وأكبَرَ للأثر، وقد سُئِل النبيُّ ﷺ عن أفضَلِ العملِ؟ فقال: (الصَّلَاةُ عَلَى وَقتِهَا) (٣).
وعامَّةُ المفسِّرينَ: أنَّ المرادَ بصلاةِ طرَفِ النهارِ الأوَّلِ هي صلاةُ الفجر، ولا يَختلِفونَ في هذا، وإنَّما يَختلِفونَ في طرَفِ النهارِ الآخَرِ وصلاةِ الزُّلَفِ مِن الليل، وهذا يدُلُّ على فضلِ الفجرِ على غيرِها، وكونِها مشهودةً؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].
وقد قال ابنُ عبَّاسٍ في قولِهِ تعالى: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾: "إنَّ المرادَ بالصلاةِ هنا هي المغرِبُ والفجرُ"؛ كما رواهُ عنه عليُّ بن أبي طلحةَ (٤)، وبنحوِه رُوِيَ عن الحسنِ البصريِّ (٥).
стр. 1617
وفسَّرَ مجاهدٌ ومحمدُ بن كعبٍ والضحَّاكُ صلاةَ طرَفَي النهارِ بجميعِ صلاةِ النهار، وهي الفجرُ والظُّهْرُ والعَصْرُ (١).
ومنهم: مَن جعَلَ مع الفجرِ العصرَ خاصَّةً! ويهذا قال قتادةُ والحسنُ في قولٍ (٢).
وهذا كلُّه مِن التنوُّعِ لا الحصرِ الخاصِّ فيما يَظهَرُ؛ لصحةِ الأقوالِ عن بعضِهم في استيعابِ صلاةِ النهارِ وصلاةِ الليلِ.
والزُّلَفُ هو المَنزِلةُ، والمرادُ بها الساعاتُ مِن الليل، وفسَّرَهُ ابنُ عبَّاسٍ ومجاهدٌ: بصلاةِ العشاءِ (٣)، والأصلُ: أنَّ مَن أدخَلَ المغربَ في طرَفَي النهار، فإنَّه يُخرِجُها مِن قولِه تعالى: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾، ومَن أخرَجَ المَغربَ مِن ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ وخَصَّها بالفجرِ والظُّهرِ والعصر، فإنَّه يُدخِلُ المغربَ في قولِه: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾؛ حتى تكونَ الآيةُ شاملةً لمواقيتِ الصلواتِ تامةً التي أوجَبَ اللهُ أداءَها على وقتِها؛ كما في قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
وجعَلَ الحسنُ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ صلاةَ العشاءِ وصلاةَ المغرِبِ (٤).
واستحَبَّ ابنُ عبَّاسٍ بهذه الآيةِ تأخير العشاءِ؛ أخذًا مِن قولهِ تعالى: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾؛ كما رواهُ عنه عبدُ اللهِ بن أبي يزيدَ (٥).
стр. 1618
سُورَةُ يُوسُفَ
سورةُ يوسُفَ مكيَّةٌ، ونزَلَتْ تثبيتًا للنبيِّ ﷺ ومَن آمَنَ معه مِن أصحابِه؛ لِشِدَّةِ ما وقَعَ ليُوسُفَ مِن ابتلاءٍ، فلم يقَعْ لنبيٍّ مِن أنبياءِ اللهِ ابتلاءٌ قبلَ مبعثِهِ كما وقَعَ ليُوسُفَ ﵇، فيوسُفُ نبيٌّ مُرسَلٌ، ونبوَّتُهُ جاءتْهُ وهو صغيرٌ قبلَ بلوغِهِ كما هي في عيسى، وقد ذكَرَ اللهُ رسالةَ يوسُفَ في سورةِ غافرٍ؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [٣٤]، وقد دعا إلى توحيدِ اللهِ في سِجْنِهِ من كان معه، وكذلك لمَّا مَكنَّهُ اللهُ بعدَ ذلك.
وقد قال اللهُ في أوَّلِ هذه السورةِ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]؛ يعني: قَصَصَ القرآن، وأخَصُّها قصةُ يوسُفَ؛ لأنَّه لا يُوجَدُ في القرآنِ قصةٌ تُوازِيها طُولًا، ولا أكثَرُ عِبْرةً وعِظةً منها.
* قال تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٧ - ١٨].
حذَّرَ بعقوبُ بَنِيهِ مِن أنْ يأكُلَ الذئبُ يوسُفَ؛ كما قال: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ [يوسف: ١٣]، ومع ذلك جاؤوا وقالوا: ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾.
стр. 1619
العَمَلُ بالقرائنِ عند غيابِ الأدلَّة:
وقد جاء إخوةُ يوسُفَ على قميصِهِ بدمٍ ليس دمَهُ؛ وذلك لإيجادِ قرينةٍ تُثبِتُ صِدقَهُمْ عندَه، ولم يَقبَلْ يعقوبُ ذلك، وفي هذا أنَّ القرينةَ إنْ كانتْ ظنيَّةً أو متوهَّمةً لا يَقبلُها القاضي في الخصوماتِ وغيرِها منفرِدةً، ويعقوبُ لم يَقبَلْ تلك القرينةَ التي جاؤوا بها، وهي الدمُ؛ لِقرائنَ قابَلَتْها أو غلَبَتْها:
أوَّلُها: أنَّ يعقوبَ حذَّرَ مِن أكلِ الذئبِ ليوسُفَ؛ لعِلْمِهِ أنه أقرَبُ خطرٍ يُمكِنُ أنْ يَصِلَ إلى يوسُفَ، والعادةُ: أنَّ الرجُلَ إنْ حذَّرَ مِن شيءٍ ونبَّهَ عليه أنْ يُحذَرَ منه ويُنتبَهَ إليه، فجعَلَ يعقوبُ ذلك قرِينةً على عدمِ صِدْقِهم؛ لأنَّه حذَّرَ مِن ذلك، وفي الظاهرِ فإنَّهم إمَّا أنْ يكونوا مفرِّطِين، وإما أن يكونوا كاذبِين؛ وكِلاهما لا يَخرُجونَ فبه عن اللَّوْمِ.
ثانيها: أنَّهم جاؤوا بدمٍ كَذِبِ ليس دمَ إنسانٍ، وصاحبُ الخِبْرةِ يُفرِّقُ بينَهما، وجاؤوا بقميصِهِ وليس فيه تمزيقٌ مِن نابِ الذئبِ وأظفارِه؛ كما قال ابنُ عبَّاسٍ: "لَوْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ، لَخَرَقَ القَمِيصَ" (١). وبنحوِهِ قال الشَّعْبيُّ (٢)، وقد قال قتادة والسُّدِّيُّ: "إنَّ يعقوبَ قال: إنَّ هذا لَسَبُعٌ رحيمُ! " (٣).
ثالثُها: أنَّهم جاؤوا بقميصِهِ ولم يأتوا بشيءٍ مِن بدَنِه، ومعلومٌ أنَّ الذئبَ لا يبتلعُ الإنسانَ كابتلاعِ الحوتِ؛ فكيف استلُّوا قميصَهُ ولم يَجِدُوا جسدَهُ أو شيئًا منه؟ !
رابعُها: أنَّ يعقوبَ عَلِمَ مِن سالفِ أمرِهم ما يدُلُّ على كَذِبِهم،
стр. 1620
وهذا في قولِهِ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾؛ فكأنَّه استدَلَّ بحالِ نفسِهِمُ السابقةِ معه على أمرٍ لاحقٍ، وهو التخلُّصُ منه.
وجمعُ القرائنِ عندَ الفَصْلِ -خاصَّةً في الدماءِ- مِن واجباتِ القاضي، فإنْ أخَذَ بقرينةٍ ولم يَسبُرْ ما يُقابِلُها وَيَجمَعْهُ، وقَعَ في الخطإِ في حُكْمِهِ عندَ غيابِ الأدلَّةِ؛ فإنَّ القرائنَ تقومُ مقامَ الأدلَّةِ إنْ غابَتْ.
* * *
قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ١٩ - ٢٠].
وُجِدَ يوسُفُ ﵇ في البئر، قيل: بعدَ يومٍ، وقيل: بعدَ ثلاثةِ أيامٍ، وقيل أقلُّ مِن ذلك، ولمَّا وُضِعَ دَلْوُ المُسْتَسْقِينَ في البئر، تمسَّكَ به يوسُفُ ليخرُجَ منها، فلمَّا رأَوْهُ، تباشَرُوا وتواصَوْا أن يُخفُوهُ عمَّن كان معهم؛ حتى لا يُشارِكَهُمْ فيه أحدٌ؛ فعُرِضَ بمصرَ، فاشْتَرَاهُ المَلِكُ.
حُكْمُ بَيْعِ الحُرِّ:
في قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾؛ قال ابنُ عبَّاسٍ (١) والنخَعيُّ (٢): "باعُوهُ ولم يَحِلَّ لهم أكلُ ثمنِهِ"، وقد فسَّرَ الضحَّاكُ (٣) وسفيان بن عُيَيْنةَ قولَهُ: ﴿بَخْسٍ﴾ بثمنٍ حرامٍ، وفسَّرَهُ قتادةُ بأنَّه ثمنٌ ظُلْمٌ (٤)؛ لأنَّه حُرٌّ، والحرُّ لا يُباعُ، والأكثرُ على أنَّ البَخْسَ المنقوصُ الزهيدُ، وهو الأظهَرُ والمُناسِبُ للَّفْظِ والسياق، ولكن المعنى صحيحٌ في
стр. 1621
كونِ المالِ حرامًا، ولا يجوزُ بيعُ الحرِّ؛ ففي البخاريِّ؛ مِن حديثِ أبي هُرَيرةَ؛ قال ﷺ : (قَالَ اللهُ: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ) (١).
والحرُّ لا يجوزُ بيعُهُ ولو كان عن فقرٍ وحاجةٍ، ومَن باعَ ولَدَهُ، فيجبُ تعزيرُهُ، وبهذا يَقضي عامَّةُ السلفِ؛ كابنِ المسيَّبِ (٢)، والزُّهْريِّ (٣)؛ ولا مخالفَ لهما.
ولا يُقبَلُ إقرارُ الشخصِ على نفسِه بأنَّه عبدٌ على الصحيح، كمَنْ يُريدُ إمضاءَ بيعِ نفسِه، فالأصلُ حريَّتُهُ، وإقرارُهُ على نفسِهِ باطلٌ؛ فإنَّ الحرَّ لا يكونُ عبدًا بإقرارِهِ؛ وبهذا قال عليُّ بن أبي طالبٍ (٤)، وعطاءٌ (٥)، ورُوِيَ عن عمرَ أنه يكونُ عبدًا؛ وفي انقِطاعٌ (٦).
ويوسُفُ ﵇ كان مُدرِكًا، على خلافِ في عمرِه، ويَعلَمُ مَن أخَذَهُ حريَّتَهُ، ولكنْ جَرَى حُكْمُهم عليه؛ لصِغَرِه وقلةِ حِيلَتِه، وسُلْطانِهم وسلطانِ عَزِيزِ مصرَ عليه.
حُكْمُ اللَّقِيطِ في الحُرِّيَّةِ والرِّقِّ والكَفَالةِ:
وأمَّا اللَّقِيطُ، فهو الطفلُ المنبوذُ الذي لا يُعرَفُ أصلُهُ حرٌّ أم عبدٌ، على خلافٍ عندَ الفقهاءِ في حدِّ عمرِ مَن يُوصَفُ باللقيط، ولكنَّهم لا
стр. 1622
يَختلِفونَ في كونِ الطفلِ المنبوذِ قبلَ تمييزِهِ لَقِيطًا، وأنَّ المنبوذَ بعدَ بلوغِهِ ليس بلقيطٍ؛ وإنَّما خلافُهم فيمَنْ هو بينَ ذلك.
وعامَّةُ السلفِ على أنَّ اللقيطَ حُرٌّ، وقد نقَلَ الإجماعَ على ذلك غيرُ واحدٍ؛ كابنِ المُنذِرِ (١)، ورُوِيَ هذا عن عمرَ وعليٍّ وجماعةٍ مِن السلف، فالأصلُ في اللقيطِ: الحريَّةُ، ولا يُستَرَقُّ إلا ببيِّنةٍ، ورُوِيَ هذا عن عليٍّ والحسنِ:
فقد روى الحسنُ عن عليٍّ ﵁؛ أنه قَضَى في اللَّقيطِ أنه حرٌّ، وقرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾.
وقال جُهَيْرُ بن يزيدَ العبديُّ: سمعتُ الحسنَ وسُئِلَ عن اللقيطِ: أيُباعُ؟ فقال: أبي اللهُ ذلك؛ أمَا تَقْرأُ سورةَ يوسُفَ؟
رواهُما البيهقيُّ (٢).
ورُوِيَ عن النخَعيِّ: أنَّ اللَّقِيطَ عبدٌ إنْ أخَذَهُ ليَسترِقَّهُ، وإن أخَذَهُ لكفالتِهِ احتسابًا، فهو حرٌّ (٣)، وكأنَّه أرجَعَ حريَّةَ اللقيطِ إلى قصدِ المُلتقِطِ ونيَّتِه؛ وهذا القولُ غريبٌ لم يقُلْ به أحدٌ قبلَه فيما أعلَمُ.
وكفالةُ اللقيطِ على بيتِ المال، وكما يجبُ التقاطُهُ فيجبُ كفالتُه؛ لأنَّه لا حِيلةَ له، ولا وليَّ يقومُ بشأنِه، ولو تُرِكَ للناسِ لَتَواكَلُوا في أمرِهِ وجاعَ وتعرَّى وهلَكَ؛ وبهذا قضى عمرُ بن الخطَّاب، فقد روى مالكٌ، عَنْ سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ؛ أَنَّهُ وَجَدَ مَنبُوذًا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب، قَالَ: فَجِئْتُ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب، فَقَالَ: "مَا حَمَلَكَ عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ؟ "، فَقَالَ: وَجَدتُّهَا ضَائِعَةً فَأَخَذْتُهَا، فَقَالَ لَهُ عَرِيفُهُ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: "أَكَذَلِكَ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ
стр. 1623
عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: "اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ، وَلَكَ وَلَاؤُهُ، وعَلَينَا نَفَقَتُهُ" (١).
وأمَّا الإشهادُ على اللقيط، فمُخلَفٌ فيه عندَ الفقهاءِ على قولَيْن، هما وجهانِ في مذهبِ الحنابلة، وجمهورُ الفقهاءِ: على وجوبِ الإشهادِ؛ لأنَّه به يُحفَظُ النَّسَبُ والمالُ وسائرُ الحقوقِ.
الغَبْنُ في البَيْعِ وأنواعُهُ:
ومِن قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ أخَذَ بعضُهُمْ جوازَ شراءِ الشيءِ عظيمِ القيمةِ بثمنٍ بَخْسٍ، وأنَّه بيعٌ لازمٌ؛ وهذا داخلٌ في مسألةِ الغَبْنِ في البيع، وهو بيعُ الشيءِ بأقلَّ مِن قيمتِه؛ وسببُ ذلك: الجهلُ، أو النِّسْيانُ والغَفْلةُ، أو ضَعْفُ الخبرةِ.
وقد جاء في الشريعةِ نهيٌ عن أسبابِ الغَبْنِ:
منها: النهيُ عن تلقِّي الرُّكْبَانِ والجَلَبَ، وعن بيعِ الحاضِرِ للبَادِي، وعن بيعِ النَّجْشِ؛ لأنَّه يَعُرُّ بطلبِ السلعة، فيُخدَعُ الناسُ فيَزيدونَ فيها؛ يَظُنُّونَ أنَّ السلعةَ مرغوبةٌ بما يَسمعونَ مِن زيادةِ قيمتِها.
ومن ذلك: نَهْيُ الشريعةِ عن الغِشِّ والتغريرِ بالوصفِ؛ لأنَّ ذلك يزيدُ في قيمةِ السلعةِ عن حقيقتِها، ليَقَعُ الغَبْنُ.
ومِن ذلك: نهيُ الشريعةِ عن الاحتكارِ ممَّا يَدفعُ الناسَ لاضطرارِ شرائِها بأغلى مِن قيمتِها.
والقاعدةُ: أنه إذا كَثُرَ تحريمُ الوسائل، فإنَّه يدُلُّ على شدَّةِ تحريمِ الغايةِ والمَقصَد، وتعظُمُ المقاصدُ مع شِدَّةِ تحريمِ وسائلِها؛ فقد نهَى النبيُّ ﷺ عن وسائلَ كثيرةٍ تُفضي إلى الغَبْنِ؛ فدَلَّ على أنَّ الغَبْنَ أشدُّ؛ لأنَّ الغايةَ أخطَرُ مِن الوسيلةِ.
стр. 1624
والغبنُ يَختلِفُ بحسَبِ مِقْدارِ الضَّرَرِ فيه، ويشتدُّ النهيُ عنه مع شدةِ الضررِ الواردِ فيه.
ولا خلافَ عندَ الفقهاءِ في كراهةِ الغبنِ الفاحشِ الذي يُضِرُّ بمُشترِي السلعةِ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ، وهو مِن جنسِ أكلِ أموالِ الناسِ بالباطلِ.
وقد أجاز مالكٌ بيعَ دُرَّةٍ ذاتِ خطرٍ عظيمٍ بدِرْهَمٍ، ولم يَعلَمِ البائعُ أنَّها دُرَّةٌ؛ أنه يَلزَمُهُ البيعُ، ولم يَلتفِتْ إلى قولِه (١).
والغبنُ في التجارةِ الذي يكونُ عن تَرَاضٍ وعِلْمٍ: ممَّا لا بأسَ به؛ كمَنْ يبيعُ شيئًا قليلَ القيمةِ بثمنٍ عظيمٍ مع عِلْمِ المتبايعَيْنِ بما فيه؛ وذلك أنه يَصِحُّ منه الهديَّةُ بلا قيمةٍ، فشراؤُهُ بثمنٍ زهيدٍ أولى، ولا يتراجعانِ إلَّا برضاهُما، وقد نقَل بعضُهم الاتِّفاقَ على ذلك.
وفي إفالةِ النادمِ على البيعِ أو الشراءِ فضلٌ، ولكنَّه ليس بلازمٍ؛ ففي "المسنَدِ"، و"السنن"؛ قال ﷺ : (مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا، أَقَالَهُ اللهُ عَثْرَتَهُ) (٢).
والغَبْنُ في نفسِه على نوعَيْنِ:
الأوَّلُ: الغَبْنُ اليسيرُ؛ وهو ما اعتادَ الناسُ التبايُنَ في السِّعْرِ فيه؛ لأنَّه يَربحُ بعضهم مِن بعضٍ.
الثاني: الغَبْنُ الفاحِشُ.
وجمهورُ الفقهاءِ يُفرِّقونَ بينَ الغَبْنَيْنِ؛ فيُجيزونَ الأولَ، ولا يُجيزونَ الثاني؛ على خلافٍ عندَهم في حَدِّ الغَبْنِ فيهما جميعًا، فبينَهم خلافٌ:
فمِنهم: مَن جعَل الفارقَ بينَ الغبنِ اليسيرِ والفاحِشِ هو الثُّلُثَ.
ومنهم: مَن قال: العُشْرُ.
стр. 1625
ومنهم: مَن قال: نِصْفُ العُشْرِ.
والأظهَرُ: أنَّ مَرَدَّ ذلك إلى عُرْفِ الناسِ في أسواقِهم وما يَعتادونَ عليه مِن مُرابَحةٍ، فالسِّلَعُ تَختلِفُ قِيَمُها وقصدُ الناسِ لها ومَؤونتُها وتسامُحُ الناسُ فيها، ويختلِفُ الناسُ زمنَ اليَسَارِ وزمنَ الفقرِ.
وبعصُ الأسواقِ جرَتِ العادةُ فيها بالترابُحِ في النِّصْفِ والضِّعْف، ومِن السلعِ ما يَظهَرُ الغبنُ فيها ولو بنصفِ العُشْرِ؛ لأنَّها مُسعَّرةٌ، ومِن السلعِ ما يشُقُّ إدراكُ الغَبْنِ فيها؛ وذلك لكونِها نادرةً يَقِلُّ مثيلُها في أيدِي الناسِ؛ كقِطَعِ الآثار، والكُتُبِ المخطوطة، ونُقُوشِ الأُممِ السابقة، والقاضي يَرجِعُ عندَ التنازُعِ في الغَبْنِ في البيعِ إلى عُرْفِ أهلِ السوقِ في ذلك.
* * *
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَو نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١].
سمَّى اللهُ هذا البلاءَ ليوسُفَ تمكينًا بعدَما بِيعَ واشتراهُ العزيزُ، مع أنه تَبِعَهُ مُغالَبَةٌ على حرامٍ وتُهَمَةٌ وسَجْنٌ وطُولُ بلاءٍ، وفي هذا أنَّ أوَّلَ التمكينِ ابتلاءٌ.
وقولُه: ﴿الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ﴾ لم يذكُرْ أنَّ المُشترِيَ عزيزُ مصرَ، ولا أنَّ المرأةَ زَوْجَتُهُ؛ وذلك لأنَّه في سياقِ البيعِ والشراء، وهذه المواضعُ تَستوِي فيها الأطرافُ؛ فعندَ العقودِ لا فرقَ بينَ حاكمٍ ومحكومٍ، فيجبُ أداءُ الحقوقِ كما لو استوَتِ المقاماتُ؛ وهذا كالخصوماتِ
стр. 1626
والتَّقاضي فيَستوي فيه الأطرافُ؛ وهذا شبيهٌ بقولِه تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]، قال: سيِّدَها، ولم يقلْ: سيِّدَ مصرَ؛ لأنَّ السِّياقَ سياقُ خصومةٍ ونِزاعٍ، وهو وزوجتُهُ طرَفٌ فيه، فلا ينبعي حضورُهُ فيه باسمِ عزيزِ مصرَ وسيِّدِها؛ حتى يتمَّ العدلُ فلا يُبخَسَ حقُّ الأضعَفِ.
طاعةُ المرأةِ لزوجِها وخِدْمَتُهَا له وعنايتُها بوَلَدِهِ:
في هذا جريانُ عُرْفِ البشرِ على خِدْمةِ المرأةِ لزوجِها وقيامِها بشأنِ بيتِها ورعايةِ عيالِه، لقد وكَلَ مَن اشترَى يوسُفَ رعايتَهُ وإكرامَهُ لامرأتِه، ولم يَكِلْهُ إلى عبدِهِ ومَوْلَاتِه، أو خادمِهِ أو وزيرِه.
وأمَّا طاعةُ المرأةِ لزوجِها في بيتِه، فمنه: ما هو محلُّ اتِّفاقٍ على وجوبِه، ومنه: ما هو محلُّ اتِّفاقٍ على عدمِ وجوبِه، ومه: ما هو محلُّ خلافٍ:
أمَّا الطاعةُ الواجبةُ بلا خلافٍ: فما يَملِكُهُ منها، وهو بُضْعُها، فلو دعَاها إلى فِرَاشِه، حَرُمَ عليها الامتناعُ عن ذلك، وفي "الصحيحَينِ"، عن أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا، لَعَنَتْهَا المَلَاِئكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ) (١).
وكلُّ أمرٍ يتَّصلُ بذلك، فيجبُ عليها طاعتُهُ فيه؛ كالامتناع عمَّا يَحُولُ بينَهُ وبينَ قضاءِ وطَرِهِ ووطَرِها؛ مِن أكلٍ يَكْرَهُ رائحتَه، أوَ لِبَاسٍ يُزهِّدُهُ فيها ويُنفِّرُهُ منها، وتركِ سفرٍ أو خروجٍ مباحٍ تَغِيبُ به عنه فيحتاجُ إليها ولا يَجِدُها.
وأمَّا خروجُها مِن منزلِها، فلا يُختلَفُ في أنَّ السُّنَّةَ استئذانُ المرأةِ مِن زَوْجِها لخروجِها ولو إلى بيتِ أبوَيْها؛ ومِن ذلك قولُ عائشةَ؛ كما في
стр. 1627
"الصحيحَيْنِ" للنبيِّ ﷺ : "أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أبَوَيَّ؟ " (١).
وأمَّا مِن جِهةِ وجوبِ ذلك مِن عدمِه، فإنَّ خروجَها على حالَينِ:
خروجٌ ليس بعارِضٍ؛ كالخروجِ إلى الأسواق، أو شهودِ الولائم، وأشَدُّ منه السفرُ؛ فذلك لا يجوزُ إلَّا بإذنِه، وقد حَكَى بعضُ العلماءِ الاتَّفاقَ على ذلك؛ قال ابنُ تيميَّةَ: "فليس لها أنْ تخرُجَ مِن منزِلِهِ إلَّا بإذنِه، سواءٌ أمَرَها أبوها أو أمُّها أو غيرُ أبوَيْها، باتِّفاقِ الأئمَّةِ" (٢).
وأمَّا خروجُها لِما جرَى العُرْفُ بالخروجِ إلى مِثْلِه، كما كانتِ النِّساءُ تخرُجُ إلى المسجدِ والخَلَاء، وخروجِ المرأةِ إلى جارتِها وما أشرَفَ على دارِها، فخروجُها لمِثْلِهِ جائزٌ ما لم يَمنَعْها منه، وقد كانتْ أُمَّهاتُ المؤمِنينَ يَفْعَلْنَ ذلك، وكان النبيُّ ﷺ يَسألُ الواحدةَ منهنَّ: (أَيْنَ كُنْتِ؟ )، كما جاء عن عائشةَ؛ قالتْ أَبْطَأْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَيلَةً بَعْدَ الْعِشَاء، ثُمَّ جِئْتُ، فَقَالَ: (أَيْنَ كُنْتِ؟ )، قُلْتُ؟ كُنْتُ أَسْتِمِعُ قِرَاءَةَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِكَ، لَمْ أَسْمَعْ مِثْلَ قِرَاءَتِهِ وَصَوْتِهِ مِنْ أحَدٍ، قَالَتْ: فَقَامَ وَقُمْتُ مَعَهُ حَتَّى اسْتَمَعَ لَهُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ، فَقَالَ: (هَذَا سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مِثْلَ هَذَا) (٣).
ومِثلُ خروجِها: إذنُها لأحدٍ بالدخولِ في بيتِه، ولو كان ذلك مِن نسائِها، فإنْ كان ممَّن لا يُعتادُ إتيانُهُ في بيتِها وزوجُها شاهدٌ، فالأصلُ عدمُ إدخالِهِ إلَّا بإذنِه؛ لِما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال ﷺ : (وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (٤).
ومَن جرَتِ العادةُ بدخولِهِ بيتَها؛ كأُمِّها وأُختِها وجارتِها، فذلك
стр. 1628
جائزٌ ولو لم يأذَنْ في كلِّ مرَّةٍ، وقد كانتِ النِّساءُ تَرِدُ إلى بيوتِ النبيِّ ﷺ ويُدخِلُهُنَّ أزواجُهُ ويَسألُ عنهنَّ، وفي "الصحيحَيْنِ"، عن عائشةَ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قَالَ: (مَنْ هَذِهِ؟ )، قَالَتْ: فُلَانَةُ، تَذْكُرُ مِن صَلَاتِهَا، قَالَ: (مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَالله، لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا)، وَكَانَ أحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ (١).
وأمَّا الطاعةُ غيرُ الواجبةِ بالاتِّفاقِ: فقد تحرُمُ إنْ أمَرَها بمحرَّم كالوَطْءِ في الدُّبُر، وقد تُكرَهُ إنْ أمَرَها بفعلِ مكروهٍ، وإنْ أمَرَها بما يُضِرُّ بها، فليس عليها طاعتُهُ، وأمَّا إنْ أمَرَها بما لا يُضِرُّ بها ولا منفعةَ له به؛ كانْ يأمُرَها أنْ تَلبَسَ الأبيضَ أو الأصفرَ أو الأخضرَ عندَ النِّساء، فلا يجبُ عليها ذلك؛ لأنَّ الأمرَ يتعلَّقُ بها لا به، لكنَّه لوأمَرَها ألَّا تَلبَسَ لونَ كذا وكذا عندَهُ، فهذا له.
وأمَّا خِدْمةُ المرأةِ لزوجِها في بيتِهِ مِن طبخِ طعامٍ ونظافةِ ثيابٍ، فقد وقَعَ فيها خلافٌ:
وقد ذهَبَ جماعةٌ مِن الفقهاءِ: إلى وجوب ذلك؛ كما هو قولُ أهلِ الرأي، وجماعةٍ مِن المالكيَّة، وأبي بكرِ بنِ أَبي شيْبةَ، ولكنَّ الحنفيَّةَ أَوجَبُوهُ دِيانةً لا قَضاءً.
وذَهَبَ الشافعيَّةُ والحنابلةُ وجماعةٌ مِن فقهاءِ المالكيَّةِ: إلى عدمِ الوجوبِ.
والأظهَرُ في ذلك: أنه يُجرى على العُرْفِ؛ وذلك لأنَّ الخِدْمةَ تَختلِفُ صِفتُها يحسَبِ البُلْدانِ؛ فأحوالُ البَوادِي تختلِفُ عن القُرى، وأحوالُ المُدُنِ الكبيرةِ تختلفُ عن القُرى، وقد كان ذلك جاريًا عندَ العربِ وما زال، وقد قَضى النبيُّ ﷺ على فاطمةَ بخِدْمةِ رَوْجِها في بيتِه،
стр. 1629
وعلى علي بالخِدْمةِ الظاهرة، وكان الصحابةُ يَتزوَّجونَ وتقومُ أزواجُهم يخِدْمتِهم؛ كما قال جابرٌ للنبيِّ ﷺ : "إِنَّ عَبدَ اللهِ هَلَكَ وتَرَكَ بَنَاتٍ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ امْرَأَةً تَقُومُ عَلَيهِنَّ وَتُصْلِحُهُنَّ" (١).
وإنَّما لم تأتِ نصوصٌ صريحةٌ آمِرةٌ في ذلك؛ لأنَّ كلَّ البيوتِ كانتْ تَجري على العُرْف، فتُرِكَتْ على ما هي عليه، والنِّساءُ يَعمَلْنَ في بيوتِ أزواجِهِنَّ ولا يُؤمَرْنَ بذلك، ويقومُ الزوجُ بعلاجِ زَوْجَتِهِ إنْ مَرِضَتْ، وأكثرُ الفقهاءِ كالمذاهبِ الأربعةِ لا يُوجِبُونَ ذلك عليه، ويَفْعَلُ ذلك عادةً وإحسانًا بلا تعاقُدِ ولا مُشارَطةٍ عليه، ولو دخَلَتِ المُشارَطةُ والعقودُ في مِثلِ هذا العُرْف، لَفَسَدَتِ البيوتُ وقلَّ الإحسانُ بينَ الزوجَيْنِ.
* * *
قال تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف: ٢٣].
نادَتِ امرأةُ العزيزِ يوسُفَ بعدَ مُراوَدةٍ على الفاحشة، وإغلاقٍ للأبوابِ عن الخَلْق، وقد ذكَرَ اللهُ وقوعَ المُراوَدةِ مِن امرأةِ العزيزِ لوسُفَ بقوله ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾؛ يعني: أنه أُرِيدَ مِن ذاتِ سُلْطانٍ وجاهٍ، وهذا مِن عظيمِ الفتنةِ للرِّجالِ؛ كما قال ﷺ في السَّبْعَةِ الذين يُظِلُّهم اللهُ في ظِلِّه: (وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ) (٢)، فقدَّمَ المَنصِبَ على الجمال، لِأَثَرِهِ في النفوس، والأصلُ: أنَّ الملوكَ لا يَختارونَ إلَّا ذاتَ
стр. 1630
الجمالِ ولو كانت بلا دِينٍ، ولم يذكُرِ اللهُ جمالَ امرأةِ العزيزِ في السورةِ؛ لأنَّها حتى لو كانتْ كذلك، فلا يَلِيقُ أنْ يُظَنَّ بنبيٍّ أنه ينطُرُ إليها، فذكَرَ الله المَنصِبَ والجاهَ: ﴿هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾، ولم يذكُرْ جمالَها، فالجاهُ يحضُرُ في قلبِ الإنسان، خاصَّةً إن كان متَّصِلًا به بسببٍ؛ كحالِ يوسُفَ؛ فهو مُشترًى منهم، مُستعبَدٌ لدَيهم، وجاهُهُمْ لم يتكلَّفْ يوسُفُ حضورَهُ في قلبِه، كما يكلَّفُ الإنسانُ عادةً النظرَ إلى المرأةِ؛ فحضورُ الجاهِ واردٌ، وإطلاقُ البصرِ صادرٌ.
أسبابُ امتِناعِ يُوسُفَ مِنِ امرأةِ العَزِيزِ:
وامتنعَ يوسُفُ مِن امرأةِ العريزِ لِسَبَبَيْنِ:
الأوَّلُ: الخوفُ مِن اللهِ؛ لقولِه: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾، وهذا التجاءٌ إلى اللهِ مِن أن يقَعَ فيما يُغْضِبُه.
الثاني: تعظيمُ خيانةِ مَن ائتمَنَكَ على بيتِهِ وأهلِهِ؛ وذلك في قولِه تعالى: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾؛ قال مجاهدٌ وابنُ إسحاقَ: ﴿رَبِّي﴾؛ يعني: سيِّدي (١)؛ يُريدُ: العزيزَ؛ فإنَّه ائتمَنَهُ على بيتِهِ وأهلِه، فإنَّ الفِطَرَ والشرائعَ دالَّةٌ على أنَّ الحرامَ الواحدَ يغلَّظُ إنِ اجتمَعَ فيه أسبابٌ مكروهةٌ أُخرى؛ فإنَّ اللهَ جعَلَ الزِّنى بحَلِيلَةِ الجارِ أعظَمَ مِن الزِّنى بالبعيدة، وقد سُئِلَ النبيُّ ﷺ : أيُّ الذنبِ أعظَمُ؟ فقال بعدَما ذكَرَ الشِّرْكَ: (أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ) (٢)، والزِّنى بذَاتِ المَحرَمِ أعظَمُ مِن غيرِها، وزِنى الشيخِ الأُشَيْمِطِ أعظَمُ مِن رِنى الشابِّ؛ كما في مسلمٍ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (ثَلَاثَةٌ لَا
стр. 1631
يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ -قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَلَا يَنْظُرُ إِليْهِمْ - وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ) (١).
ويوسُفُ عظَّمَ الذنبَ مِن جهتَيْه: مِن جهةِ حقِّ الله، ومِن جهةِ حقِّ المخلوقِ عليه.
حُكْمُ الوَعْظِ بوازِعِ الطَّبْعِ:
وفي هذا: دليلٌ على جوازِ الاستِدلالِ بوَازِعِ الطبعِ على الإقلاعِ عن المحرَّم، ولكنَّ الكمالَ ألَّا يُذكَرَ إلَّا بعدَ وازِعِ الشرع، وهو الخوفُ مِن الله، وأنَّه يجوزُ وعظُ الناسِ للإقلاعِ عن المحرَّمِ بوازعِ الطبعِ؛ كقولِ: لا يصحُّ مِن العربِ ولا أخلاقِهم الخيانةُ والغدرُ والفجورُ؛ وذلكَ أنَّ طلبَ الإقلاعِ عن المحرَّمِ أهوَنُ مِن طلبِ الامتثالِ بالعبادة، وأعظَمُ الغاياتِ في الحرامِ هو أن يُترَكَ، وأعظَمُ الغاياتِ مِن فعلِ العبادةِ إخلاصُها للهِ؛ فإنَّ الحرامَ لو ترَكَهُ الإنسانُ لغيرِ الله، لم يَأْثَمْ، لكنَّه لا يُؤجَرُ، ولكنَّ العبادةَ لو فعَلَها أحدٌ لغيرِ الله، أشرَكَ بفعلِه ذلك، بل تركُهُ لها خيرٌ مِن إنشائِها لغيرِ اللهِ.
ولا بجوز أن يُوعَظَ الناسُ بالطبعِ المجرَّدِ عن قصدِ التعبُّدِ بفعلِ العبادات، ولكنْ يصحُّ تَبَعًا؛ كأنْ يأمُرَهُ بالصلاةِ والصيامِ والحجِّ ويُذكِّرَهُ بحقِّ اللهِ ووجوبِ الوفاءِ له بامتثالِ أمرِه، ثم يذكُرَ فضلَ قومِهِ وأخلاقَهُمْ وصِدقَهُمْ وعادتَهُمْ للهِ.
ويَدُلُّ على جوازِ الوعظِ للإقلاعِ عن المحرَّمِ بوازعِ الطبعِ قولُهُ ﷺ : (مَنِ اتَّقَى الشُّبُهَات، اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ) (٢)؛ يعني: حتى لا يقَعَ الناسُ فيه؛ فعليه أنْ يَحمِيَ عِرْضَهُ بتَرْكِ الشُّبُهاتِ.
стр. 1632
وقال تعالى: ﴿الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾، ولم يقُلْ: "في بيتِ العزيزِ"؛ إشارةً إلى أنَّ المرأةَ سيِّدةٌ في بيتِها، ولمَّا ذكَرَ اللهُ العزيزَ، قال: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]؛ يعني: أنَّ المرأةَ سيَّدةٌ في بيتِها، والزوجَ سيِّدٌ على زوجتِه؛ كما جاء في حديثِ أبي هريرةَ عندَ ابنِ السُّنِّيِّ (١): "وإذا حضَرَتْ سيادةُ الزوج، غابتْ سيادةُ المرأةِ"، كما يأتي في الآيةِ التاليةِ.
* * *
قال تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَو عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥].
في قولهِ تعالى: ﴿سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾؛ يعني: زَوْجَها، قال: "سيِّدَها"، ولم يقُل: "سيِّدَ مصرَ"؛ لأنَّ السِّياقَ سياقُ خصومةٍ ونِزاعٍ، وهو وزوجتُهُ طرَفٌ فيه، فلا ينبغي حضورُهُ في باسمِ عزيزِ مصرَ وسيِّدِها؛ حتى يتمَّ العدلُ فلا يُبخَسَ حقُّ الأضعَف، ولكنْ لم يقَعْ ذلك؛ فحضَرَ في الأمرِ باسمِ سيِّدِ مصرَ ومكانتِهِ فيها، فظُلِمَ يوسُفُ ﵇، والواجبُ عندَ التقاضي والخصوماتِ: أنْ تُنزَعَ الألقابُ.
وفي قوله تعالى: ﴿سَيِّدَهَا﴾ إشارةٌ إلى سيادةِ الزوجِ على امرأتِه، وسيادتِها على بيتِه، فبعدَما قال في الآيةِ السابقةِ: ﴿هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ [يوسف: ٢٣]، فنسَبَ البيتَ إليها، فلمَّا جاءَ زوجُها، قال: ﴿سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾، وفي هذا إنكارُ ما أُخِذَ مِن عادةِ الغَرْبِ اليومَ مِن تسميةِ نساءِ المُلُوكِ بسيِّدةِ الدَّوْلةِ والبلدِ؛ فإنَّ اللهَ جعَلَ امرأةَ العزيزِ سيِّدةَ بيتِها
стр. 1633
فحَسْبُ، ولا يتعدَّى شأنُها ذلك، كسائرِ النِّساءِ في بيوتِهنَّ.
ويُروى عن زيدِ بنِ ثابتٍ؛ أنه قال: "الزوجُ سيِّدٌ في كتابِ الله، ثم قرَأ: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾؛ السيِّدُ: الزوجُ" (١)، ويُروى عندَ ابنِ السُّنِّيِّ؛ مِن حديثِ أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (كُلُّ نَفْسٍ مِنْ بَنِي آدَمَ سَيِّدٌ، فَالرَّجُلُ سَيِّدُ أَهْلِه، وَالمَرْأَةُ سَيِّدَةُ بَيْتِهَا) (٢).
وقد كانتِ المرأةُ مِن السلفِ تسمِّي زوجَها سيِّدًا؛ كما روى مسلمٌ؛ مِن حديثِ طَلْحةَ بنِ عُبيدِ اللهِ بنِ كَرِيزٌ؛ قال: حَدَّثَتْنِي أُمُّ الدَّرْدَاء، قَالَتْ: حَدَّثَنِي سَيِّدِي -تعني: زوجَها أبا الدرداءِ-: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (مَنْ دَعَا لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْب، قَالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ) (٣).
وسيادةُ الزوجِ على زوجتِهِ هي قِوامتُهُ التي جعَلَها الله، وتقدَّمَ الكلامُ على ذلك عندَ قولِهِ تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].
وسيادةُ الزوجِ على زوجتِهِ تكليفٌ يتضمَّنُ تشريفًا، وليس تشريفًا يتضمَّنُ نكليفًا؛ لأنَّ الأولَ غُرْمُهُ أعظَمُ مِن غُنْمِه، والثانيَ غُنمُهُ أعظَمُ مِن غُرْمِه، وكذلك بالنسبةِ لسيادةِ المرأةِ في بيتِها، فإنَّه تكليفٌ يتضمَّنُ تشريفًا؛ كما في "الصحيحِ"؛ قال ﷺ : (الرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِه، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا) (٤).
والمرأةُ لدى الرجُلِ كالأَسِيرَةِ العانِيَة، كما في الحديثِ؛ قال ﷺ : (اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا؛ فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ، لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا
стр. 1634
غَيْرَ ذَلِكَ) (١)، وقالتْ أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ: "النِّكَاحُ رِقٌّ؛ فلْينظُرْ أحدُكم عندَ مَن يُرِقُّ كريمتَه" (٢).
وإنَّما قال النبيُّ ﷺ ذلك؛ للتنبيهِ على عِظَمِ حقِّها، ووجوبِ الرحمةِ بها؛ فإِنَّ أخلاقَ العظماءِ تتَّضحُ مع نسائِهم؛ كما قال ﷺ : (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِه، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي) (٣) فإِنَّ كلَّ أحدٍ يستطيعُ تصنُّعَ الخُلُقِ الحسَنِ مع الغُرَباء، ولكنْ تَظهَرُ الأخلاقُ مع الأهلِ؛ لأن الخُلُقَ الدائمَ لا يُمكِنُ أن يُتصنَّعَ.
* * *
قال تعالى: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [يوسف: ٢٦ - ٢٨].
اختُلِفَ في الشاهدِ الذي شَهِدَ على امرأةِ العزيزِ:
فمنهم مَن قال: إنَّه صبيٌّ نَطَقَ في مَهْدِه؛ وهذا رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسِ (٤)، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ (٥)، والحسنِ (٦).
ومنهم مَن قال: إنَّه مِن غيرِ الإنس، وبهذا قال مجاهدٌ (٧).
стр. 1635
وقيل: رجلٌ مِن أهلِها، ورُوِيَ هذا عن ابنِ عبَّاسِ وقتادةَ وعِكْرمةَ (١).
شهادةُ القَرِيبِ على قَرِيبِه، والأخذُ بالقرائنِ:
وفي قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ دليلٌ على قَبُولِ شهادةِ القرب على قريبِه؛ وذلك أنَّ الشاهدَ مِن أهلِها لو شهِدَ لامرأةِ العزيز، لكان مُتَّهَمًا، ولكنَّه لمَّا شهِدَ عليها، دَلَّ على صِدْقِه.
وشهادةُ القَراباتِ وأهلِ الميتِ تُقبَلُ مِن بعضِهم على بعضٍ، ما لم يكنْ هناك تُهَمَةُ خصومةٍ؛ لأنَّ القرب مع قريبِهِ والشريكَ مع شريكِهِ بينَهما محبَّةٌ ومودَّةٌ، ويُحِبُّ جَلْبَ الخيرِ له ودفْعَ الشرِّ عنه، فإِنْ شَهِدَ عليه، فكان لتمحُّضِ صِدْقِهِ وإخلاصِهِ في طلبِ الحقّ، ما لم يكنْ هاك تُهَمةٌ بينَهما ككراهيةٍ؛ كشهادةِ الزوجةِ على زوجِها وبينَهما خصومةٌ وكُرْهٌ، وكذلك سائرُ القَرَابات، وهذا يُرجَعُ فيه إلى معرفةِ الحال، وأمَّا شهادةُ القراباتِ والشُّرَكاءِ بعضِهم لبعضٍ، فلا تُقبَلُ؛ للتُّهَمةِ في ذلك.
وقد تقدَّمَ الكلامُ على ذلك عندَ قولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]، وقولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].
وفي هذا: اعتبارُ القريةِ في الفَصْلِ في الخصوماتِ؛ فإنَّ قميصَ يوسُفَ شُقَّ مِن دُبُرِه؛ لأنَّها كانت تطلبُهُ وهو يهرُبُ منها إلى الباب، فجُعِلَ شَقَّ القميصِ مِن الخَلْفِ قرينةَ على هروبِهِ منها، وجُعِلَ شقٌّ
стр. 1636
القصيصِ مِن الإمامِ قرينةً على إقبالِهِ عليها، وجُعِلَ وجودُ شقِّ في القميصِ قرينةً على وجودِ ممتنِعٍ مِن الفاحشةِ مِن الطرَفَيْنِ.
والقرائنُ مُعتبَرةٌ في الشريعة، ومتى قَوِيَت ولم يُوجَدْ قرينةٌ أَقوى منها تُخالِفُها وكانت قويَّة، قامت مقامَ الدليل، وإذا وُجِدَ ما هو مِثلُها أوأَقْوى منها أو ما يُقارِبُها ممَّا يُذهِبُ قُوَّتَها، تُرِكَتْ، كما تقدَّمَ في قرينةِ وضعِ الدمِ على قميصِ يوسُفَ، ورَدِّ يعقوبَ لها بقرائنَ أَقْوى منها.
والقرائنُ ليستْ على مَرْتَبةٍ واحدةٍ في الشريعةِ ولا في العقلِ؛ فإمَّا أن تكونَ قاطعةً، أو ظنيَّةً، أو متوهَّمةً، وكلُّ واحدةٍ مِن هذه القرائنِ تختلِفُ منزلتُها مِن حاكمِ إلى آخَرَ، ومِن حالٍ إلى أُخرى؛ بحسَبِ ما يقعُ في النفوسِ:
فأمَّا القرائنُ القاطعةُ: فهي ما كان الحُجَجُ فيه غيرَ بيَّناتِ: ممَّا يَقطعُ معها الحاكمُ لزومَ الحقِّ لجهةٍ، كانْ يُوجَدَ سجينٌ مقتولٌ بآلةٍ أو بخَنْقٍ بيِّنٍ، ولا يُوجَدُ معه إلَّا واحدٌ، ولا يدخُلُ عليهما أحدٌ، وانتفَتْ قرائنُ الانتحار، وقد تجتمِعُ عِدَّةُ قرائنَ ظنيَّةٍ وتكاثَرُ ولا يُقابِلُها شيءٌ، فتكونُ مجتمِعةً قرينةً قطعيَّةً، وإن كانت كلُّ واحدةٍ منها ظنيَّةً.
والقرائنُ القاطعةُ مُعتبَرةٌ عندَ أكثرِ الفقهاء، وقد قَضَى النبيُّ ﷺ لأحدِ ابنَيْ عَفرَاءَ لمَّا تداعَيَا قتلَ أبي جهلٍ، فقال لهما رسولُ اللهِ ﷺ : (هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ )، قَالَا: لَا، فَنَظرَ في السَّيْفَيْن، فَقَالَ: (كِلَاكُمَا قَتَلَهُ)، وَقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بنِ عَمرِو بْنِ الْجَمُوحِ (١). فأخَذَ بأثرِ السيفِ وما عليه مِن دمٍ.
ومِن ذلك: أنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ المُلْتَقِطَ أن يدفَعَ اللُّقَطَةَ إلى واصِفِها، وأمَرَهُ أن يَعرِفَ عِفاصَها ووِعاءَها ووِكَاءَها؛ فجعَل وَصْفَهُ لها قرينةً تُملِّكُهُ الحقَّ.
стр. 1637
وأمَّا القرائنُ الظنيَّةُ: فهي ما كان مِن القرائنِ التي لا تكفي وحدَها للحُكمِ على أحدٍ بحقٍّ، ولا يجسُرُ الحاكمُ معها على تكذيب صاحِبِها ولا تصديقِه، ما لم يأتِ بقرينةِ مِثلِها أو أَقْوى منها، كعدمِ تمزيقِ قميصِ يوسُفَ: قرينةٌ على براءةِ الذئب منه، وكشَقِّ قميصِ يوسُفَ مِن ورائِه: قرينةٌ على أنَّها تُراوِدُهُ لا يُراوِدُها، وقد تجتمِعُ مع ظنيَّاتٍ أُخَرَ، كما تقدَّمَ؛ فتكونُ قرينةً قاطعةً.
وأمَّا القرائنُ المتوهَّمةُ: فهي القرائنُ التي لا اعتبارَ بها، ولو انضَمَّ إليها مِثْلُها، ما لم تَستفِضْ؛ وذلك كوجودِ طعامٍ في بيتِ أحدٍ اتُّهِمَ بسرقتِه، وهذا الطعامُ يُوجَدُ في بيوتِ أكثَرِ الناسِ مِثلُهُ كالتمرِ والعنب، ما لم يكن في بَبْدَرٍ أو وَسْقٍ أو حاويةٍ على وَصفٍ ولونٍ يَختَصُّ بالمسروقِ؛ فتلك قرينةٌ أُخرى تَرفَعُ التوهُّمَ إلى الظنِّ.
ومِن القرائنِ: ما لا يُمكِنُ وصفُهُ ولا تمييزُه؛ وذلك ممَّا يبدو على وجوهِ المُتخاصِمِينَ؛ مِن جسارةٍ بالمُطالَبة، أو ارتباكٍ، أو حِرْصٍ، أو تناقُضِ وتردُّدٍ، فهذا مما لا يَقدِرُ القاضي على التعبيرِ عنه بالكتابة، ولكنَّها قرائنُ تقوِّي غيرَها.
وقد تجتمِعُ قرائنُ مِن ذلك، ظنيَّات مع متوهَّماتٍ، تقوِّي القضاءَ بالقرينة، كما في قولِ سُلَيْمانَ نبيِّ اللهِ ﷺ للمرأتَينِ اللتَيْنِ ادَّعَتَا الولدَ، فحكَمَ به داودُ ﷺ للكُبْرى، فقال سُلَيْمان: "ائتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا"، فسمَحَتِ الكُبْرى بذلك، فقالتِ الصُّغرى: "لَا تَفْعَل يَرْحَمُكَ اللهُ، هُوَ ابْنُهَا! "، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغرَى (١).
* * *
стр. 1638
* قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠].
فيه جوازُ الظلُّم، وقد يُستَحَبُّ؛ بل ويجبُ إنْ تعلَّقَ بأمرٍ عظيمٍ يتَّصلُ بدِينِ الشخصِ ويحُولُ بينَهُ وبينَ الحقِّ الذي يُوصلُهُ إلى الناس، ولم يَسقُطْ حقُّ يوسُفَ مع تقادُمِهِ ومُضِيٍّ سنواتِ عليه.
وفي ذلك مِن حِكْمةِ يوسُفَ أنه لم يَنسُب العُدوانَ عليه وظُلْمَهُ إلى زوجةِ العزيزِ؛ إنَّما إلى النِّسْوة، فقال: ﴿مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾؛ لأنَّ ذِكْرَه لامرأةِ المَلِكِ يجعلُهُ تأخُذُهُ حميَّةٌ جاهليَّةٌ فيَنتصِرُ لأهل بيتِهِ بالباطلِ ولو ظلَمَ وبَغَى، فمرادُ يوسُفَ الوصولُ إلى الحقِّ ورفعُ الظُّلْم، وليس مرادُهُ التشفِّيَ، وهذا لا يقعُ إلَّا ممَّن أُوتِي حُكْمًا وعِلْمًا؛ كما قال تعالى عن يوسُفَ: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [يوسف: ٢٢].
والظالِمونَ يَنتصِرونَ لأنفُسِهم ولو كانتِ الحُجَجُ ضِدَّهم؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥]، فهم رأَوْا حُجَجَ براءةِ يوسُفَ ومع ذلك سجَنُوهُ.
* * *
قال تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥].
طلَبَ يوسُفُ الوِلَايةَ والوِزَارةَ بعدَما رأى فسادَ البلادِ وإقبالَها على شرٍّ أعظَمَ ممَّا هي عليه، وفي هذا جوازُ طلبِ الوِلَايةِ والإِمَارةِ إنْ كانتِ الحالُ كتلكَ الحالِ.
стр. 1639
طلبُ الإمَارةِ والوِلَايةِ:
والأصلُ: أنَّ طلبَ الوِلَايةِ مكروهٌ، وقد نهَى النبيُّ ﷺ عن ذلك؛ وذلك لأنَّ طالِبَها يتشوَّفُ إليها، ومَن قصَدَ الوِلَايةَ طمعًا في الجاهِ والمال، لم يتحقَّق فيه قصدُ العدلِ؛ فمِثلُهُ لا بدَّ أن يَظلِمَ في قليلِ أو كثيرٍ، ويُسلَبُ عونَ اللهِ وتوفيقَهُ له في وِلايتِهِ بمِقْدارِ حِرْصِهِ عليها، وفي "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ عبد الرحمنِ بنِ سمُرَةَ ﵁؛ قال: قال لي النبيُّ ﷺ (يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا؛ وَإِن أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا" (١).
وكذلك: فإنَّ النفوسَ تُقبِلُ وتَتشوَّفُ إليها، وتَحرِصُ عليها، وعاقبتُها على طالِبِها ندامةٌ في آخِرِها، وإنْ وجَدَ لذَّةً في أوَّلِها، وفي البخاريّ، عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ ؛ قال: (إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَة، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَة، فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ، وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ) (٢).
وطلبُ الإمارة على حالتَينِ:
الحالةُ الأُولى: مَن طلَبَها وسأَلَها لحظِّ نفسِهِ فقطْ، فيُريدُ منها جاهًا وسُؤْدَدًا، فهذا الطلبُ منه مكروهٌ، وقد يحرُمُ، بحسَب ما يفوِّتُهُ حظُّ نفسِهِ مِن حظوظِ الناس، وتوليتُهُ على ذلك ممَّن يَملِكُ حقَّ التوليةِ مكروهٌ، وقد يحرُمُ، بحسَبِ ما سبَقَ، ولم يكنِ النبيُّ ﷺ يُوَلِّي مَن حرَصَ على الولايةِ وسألَها؛ ففي "الصحيحَينِ"، مِن حديثِ أبي موسى ﵁؛ قال: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَا وَرَجُلَانِ مِن قَوْمِي، فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَينِ: أمِّرْنَا يَا رَسُولَ الله، وَقَالَ الآخَرُ مِثلَهُ، فَقَالَ: (إِنَّا لَا نُولِّي هَذَا مَنْ سأَلَهُ، وَلَا
стр. 1640
مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ) (١).
الحالةُ الثانيةُ: مَن طلَبَها وسألَها لحظِّ الناس، فغايتُهُ نفعُ الناسِ وجَلْبُ الخيرِ إليهم، ودفعُ الضُّرِّ عنهم، كما فعَلَ يوسُفُ، وهذا الطلبُ بحسَبِ أحوالِ الناسِ وزمانِهم: فإنْ كان الزمنُ زمنَ استقرارِ حالِ ويقوم بالوِلَايةِ والعدلِ فيها مَنْ تولَّاها مِن سائرِ الناس، فالأَوْلى عدمُ طلبِها؛ لأنَّه قد يُدرِكُهُ مِن الغُرْمِ أكثرُ ممَّا يُدرِكُهُ مِن الغُنْمِ.
وإنْ كان الناسُ في زمنِ شرٍّ وفسادٍ وظُلمٍ وإقبالِ على هلاكٍ كما في مصرَ زمنَ يوسُفَ، فقد يجبُ على مَن عَلِمَ مِن نفسِهِ إنقاذَ الناس، وغلَبَ على ظنِّه ألَّا يُحسِنَ أحدٌ إحسانَهُ، ولا يَملِكَ مِن أمورِ النجاةِ مِثلَهُ، وبمِقْدارِ كثرةِ الشرِّ المدفوعِ يتأكَّدُ طلبُ الوِلاية، وبمِقدارِ قِلَّتِهِ يَخِفُّ، ودفعُ الشرِّ أعظَمُ مِن جلْبِ الخيرِ للناسِ! لأنَّ جلبَ الخيرِ يُحسِنُهُ الكثيرُ، ودَفْعَ الشرِّ وإصلاحَ الفسادِ والظُّلْمِ لا يُحسِنُهُ إلَّا القليلُ.
وبينَ هاتَيْنِ الحالتَينِ مَراتِبُ ودرجاتٌ دقيقةٌ، تَتفاوَتُ في مقاصدِ النفوسِ من طلبِ الوِلَايةِ بينَ حظِّ النَّفْسِ وحظِّ الناسِ.
طَلَبُ الوِلَايةِ في بلدِ الكُفْرِ:
لم تكن مصرُ في زمنِ يوسُفَ بلدَ إسلام، وقد بعَثَهُ اللهُ إلى قومٍ مُشرِكينَ فشَكُّوا في رِسَالتِه، ولم يُصدِّقوهُ في دَعْوتِهِ حتى مات؛ كما قال تعالى في سورةِ غافرٍ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (٣٤)﴾ [غافر: ٣٤].
стр. 1641
وإنَّما كلامُ السلفِ هو في إسلامِ عزيرِ مصرَ ومَلِكِها، وقد اختُلِفَ في إسلامِهِ:
لقد صحَّ عن مجاهدٍ: أنه أسلَمَ (١).
وذهَب جماعةٌ مِن العلماءِ ومِن النَّقَلَةِ عن بني إسرائيلَ: أنه لم يكنْ مسلمًا.
وعلى أحسَنِ أحوالِ مُلْكِهِ أنه كحالِ النَّجَاشِيِّ؛ مسلمٌ على قومٍ مشرِكينَ، كما في ظاهرِ الآيةِ أنَّ قومَه مُشرِكونَ، وإذا كان كذلك، فإنَّه لم يُظهِر إسلامَهُ كحالِ النَّجَاشِيِّ.
وقد أخَذ بعضُ العلماءِ جوازَ تَوَلِّي المسلمِ الولايةَ تحتَ حُكمٍ كافرٍ لإقامةِ العدلِ ودفعِ الظُّلْم، وإذا جازَ مِن النَّجَاشِيِّ ومِن مَلِكِ مصرَ - إنْ صحَّ إسلامُهُ - أنْ يحكُمَ قومًا كافرينَ، ولا يُظهِرونَ حُكمَهُمْ فيهم بحُكمِ اللهِ الظاهرِ لهم الذي به يَعرِفُ الناسُ إسلامَهم، فإنَّ جوازَهُ لِمَنْ تولَّى وِلايةَ صُغْرَى تحتَهُ مِن بابِ أَولى، فلو كان تحتَ النَّجَاشِيِّ والٍ يكتُمُ إسلامَهُ مِثلَهُ ولم يَعلَمْ أحدُهما بالآخَر، وتولَّى ليقومَ بالقِسْطِ ويَدفَعَ الظُّلْمَ، ويظُنُّ أن الملِكَ النَّجَاشِيِّ باقٍ على كفرِه، فإنَّه لا يصحُّ أن يُحْكَمَ بكفرِ مَن تحتّ النجَاشِيِّ ويُحكَمَ بإسلامِ النجَاشِيِّ نفسِه، فإنْ صحَّ للنجاشِيِّ الإسلامُ وحالُه تلك، فإنَّ صحَّتَهُ لِمَنْ دونَهُ مِن بابِ أَولى، بل إنَّ الأمرَ بيدِ النحاشِيِّ أَقْوى مِن يدِ مَن دونَهُ مِن أصحابِ الوِلاياتِ الصُّغرى.
وقد تولَّى بعضُ الأئمَّةِ كصلاحِ الدِّينِ الأيوبيِّ الوِزَارةَ في الدولةِ العُبَيْدِيَّة، وتولَّى جماعة القضاءَ فحكَمُوا بالعدلِ في زمنِ الدولة البُوَيْهِيَّةِ والعُبَيدِيَّة، ولم يحكُمِ الأئمَّة بكفْرِهم لمجرَّدِ كونِهم تحتَ وِلَايةٍ مشركةٍ،
стр. 1642
مع سَعَةِ الأقطارِ التي حكَمَتْها تلك الدولُ، وطُولِ المدَّةِ التي تولَّوْا فيها، وإنَّما هم مَوْكُولونَ إلى عملِهم وما قام بأنفُسِهم، واللهُ يفصِلُ بينهم بما يعملودَ هُم أنفسُهم.
وقد كان النبيُّ ﷺ يُسمِّي النَّجَاشِيِّ الملِكَ العادلَ الذي لا يَظلِمُ ولا يُظلَم عندَه أحدٌ، وذكَرَ بعضُ الرُّواةِ أنه سماهُ الملِكَ الصالِحَ؛ وفي هذا: دليلٌ على أن مَن قامَ بالعدلِ على مرادِ اللهِ حسَبَ طاقتِه، فهو عادلٌ وإنْ عجَز عن نِسْبةِ عملِهِ إلى شريعةِ الله، فموافقتُهُ لها في حُكمِهِ كافيةٌ في وصفِهِ بالعدلِ وحالُهُ تلك.
شروطُ مَنْ يُوَلَّى على الوِلَاياتِ:
وفي قولِه تعالى: ﴿حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ذكَرَ اللهُ شَرْطَي الولايةِ:
الأَوَّلُ: الأمانةُ؛ وهو قولُهُ تعالى: ﴿حَفِيظٌ﴾؛ أي: أمينٌ.
الثاني: القوةُ، وهو قولُه: ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أي: عليمٌ بالأمرِ خبيرٌ به، وليس المرادُ ذلك قوَّةَ البدَنِ فحَسْبُ، بل القوَّةَ التي يَتحصَّلُ بها معرفةُ الحقّ، سواءٌ كانتْ عقليَّةً، وهي العِلْمُ، أو بدنيَّةً، وهي قُدْرةُ البدَنِ على التصرُّفِ.
وذِكرُ اللهِ لهذَيْنِ الشرطَينِ نظيرُ قولِ ابنةِ صاحِبِ مَدْيَنَ عن موسى: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ [القصص: ٢٦]، وقال عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ لسليمانَ: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩]، وقد مدَحَ اللهُ جِبريلَ لِمَا جَعَلَهُ عليه مِن ذلك فقال تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠، ٢١].
فمَنْ جمَعَ الشرطَين، كان أهلًا للوِلَاية، فقولُه ﴿حَفِيظٌ﴾؛ أي: أمينٌ، وقولُه: ﴿عَلِيمٌ﴾ عالِمٌ عارِفٌ بما وُلِّيتُ عليه؛ فقد يكونُ الرجلُ أمينًا في نفسِه، صادقًا في نِيَّتِهِ وقصدِه، ولكنَّه جاهلٌ فيما يتولَّاهُ، فيُفسِدُ
стр. 1643
بجهلِه، ولا ينتفِعُ الناسُ بأمانتِه، وقد يكونُ الرجُلُ عالمًا عارفًا بما تولَّاه صاحِبَ خِبْرةٍ به، ولكنَّه ضعيفُ الأمانةِ والدِّيانة، فيَسرِقُ ويَخُونُ ويأخُذُ الرِّشْوةَ في عملِه، فلم ينتفعِ الناسُ بعِلْمِهِ وخِبْرتِه.
وتجبُ المُوازَنةُ بينَ تحصيلِ القوةِ والأمانةِ في صاحِبِ الولاية، وهذا لا بدَّ معه مِن النظرِ إلى نوعِ الولايةِ:
فمِن الولاياتِ ما تحتاجُ إلى تغليب الأمانةِ على القوةِ عندَ فَقدِ الجمعِ بينَ كمالِ الاثنتَيْن، كولايةِ المالِ؛ فلن ينتفعَ بيتُ المالِ ووِزَاراتُ المالِ مِن خبيرِ بالاقتصادِ والحسابِ دقيقِ به إنْ كان ضعيفَ الأمانةِ؛ فيَسرِقُ ويختلِسُ ويَرتشِي؛ فقد يقعُ منه مِن ضياعِ الأموالِ ما لو تولَّى مَن هو أقلُّ منه خِبْرة لَصَلَحَ الحالُ.
ومِن الولاياتِ: ما ينبغي تغليبُ القوةِ البدنيَّةِ والعقليَّةِ على الأمانةِ إن لم يُمكِن الجمعُ بينَ الاثنتَيْنِ؛ وذلك في القتالِ وجهادِ العدوِّ؛ فإنَّه يحتاحُ إلى الخِبْرةِ العسكريَّةِ أكثَرَ مِن الأمانةِ التي يُحتاجُ إليها في الأموالِ والأعراضِ أكثَرَ.
وكثيرًا ما يُلتفَتُ اليومَ إلى العِلْمِ والخِبْرة، ويُنظَرُ في الشهادات، وتُوَلَّى الولاياتُ لأجلِ ذلك، ويُغفَلُ جانبُ الأمانةِ؛ حتى أصبَحَ في أكثرِ الدولِ لا اعتبارَ له، ولا يُفرَّقُ لينَ ما يجبُ أن تُغلَّبَ فيه الأمانةُ، وما يجبُ أن يُغلَّبَ فيه العِلْمُ، وتغليب أحدِ الوصفَينِ لا يَعني جوازَ انعدامِ الوصفِ الآخَر، ولكنْ يُقبَلُ ضَعْفهُ وقِلَّتُه.
وإذا خرَجَ الحاكمُ في الولايةِ عن هذَيْنِ الوصفَين، واختارَ مَن يهواهُ لمحبَّةٍ وقَرَابةٍ وصداقةٍ، ضاعَ مِن أمرِ الأمَّةِ بمِقدارِ ما فاتَ مِن هذَيْنِ الوصفَين؛ فقد روى البيهقيُّ؛ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ مرفوعًا: (مَنِ اسْتَعْمَلَ عَامِلًا مِنَ المُسْلِمِينَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ فِيهِمْ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُ وَأَعْلَمَ
стр. 1644
بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّه، فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمِيعَ المُسْلِمِينَ) (١).
وقد روى إسماعيلُ بن إبراهيمَ بنِ مهاجرٍ، عن عمرَ بن الخطَّابِ ﵁؛ أنَّه قال: "مَن استعمَلَ رجلًا لِمَوَدَّةٍ أو لقَرَابةٍ، لا يستعملُهُ إلَّا لذلك، ففد خانَ اللَّهَ ورسولَهُ والمؤمِنينَ" (٢).
ويكثُرُ اختِلالُ هذَيْنِ الوصفَيْنِ في الولاياتِ في آخِرِ الزمانِ عندَ ضَعْفِ الدِّيانةِ والأمانةِ، وبأولئك تكثُرُ الفِتَنُ ويعظُمُ الظُّلْمُ، وقد قال ﷺ : (إِذَا أُسْنِدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِه، فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ)؛ رواهُ البخاريُّ (٣).
وغيرُ أهلِه هم الذين فقَدُوا الوصفَيْنِ، فوَلَّوْا وتَوَلَّوْا بالهَوَى.
* * *
* قال تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف: ٦٦].
في هذه الآيةِ: ضمانُ إخوةِ يوسُفَ احضارَ أَخِيهِم، وفي هذا: دليلٌ على أنَّه يصحُّ ضمانُ الحضور، وهي كفالةُ بدَنِ مَن عليه دَيْنٌ، وهي صحيحةٌ عندَ عامَّةِ العلماء، فمَن ضَمِنَ حضورَ أحدٍ وكَفَلَهُ، وجَبَ عليه ولَزِمَهُ ذلك، وقد ذهَبَ الشافعيُّ: إلى ضَعْفِها مِن جهةِ القياس، وظاهرُ الكتابِ ثبوتُها؛ كما في هذه الآيةِ.
وأمَّا الضمانُ للمالِ، فيأتي الكلامُ عليه في قولِهِ: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢].
* * *
стр. 1645
* قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠)﴾ [يوسف: ٧٠].
في هذه الآيةِ: جوازُ اسنعمالِ الحِيلَةِ لدفعِ الضُّرِّ وأخذِ الحقِّ البيِّنِ وإعادتِهِ إلى صاحِبِه، فيوسُفُ أحَقُّ بأخيهِ منهم، ولم يَقدِرْ أنْ يأخُذَ أخاهُ منهم ببيِّنةٍ، وإنَّما قدَرَ أن يأخذَهُ بتلك الحِيلةِ فأخَذَهُ.
وفي قوله تعالى: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ وصفٌ للجميعِ وهو يَقصِدُ إخوانَهُ، وَيَحتمِل أنَّه خاطَبَهُمْ بالسرقة الحادثةِ وهو يُريدُ سرقتَهُم القديمةَ له مِن أبيهِ بتحايُلٍ عليه؛ فأرادَ أن يُعامِلَهم بمِثْلِ ذلك؛ فالجزاءُ مِن جنسِ العملِ.
واستعمالُ الحِيَلِ إنَّما هو سلوكٌ لطُرُقٍ خفيَّةٍ غيرِ معتادةٍ ولا يُتفطَّنُ لها إلَّا بذكاءٍ؛ لأخذِ الحقِّ ودفعِ الظُّلْمِ عندَ العجزِ عن ذلك بالطرُقِ المعروفة، وسلوكُ تلك الطرُقِ الخفيَّة لا يَلزمُ منه كونُها محظورةً بعَينِها؛ وإنَّما المَأْخَذُ فيها أنَّها خفيَّةٌ لا يظُنُّ الخَصْمُ أنَّها مقصودةٌ، فيتعاملُ معها على اعتقادٍ ظاهرٍ يُخالِفُ الباطنَ.
وقد تكونُ الحِيَلُ مباحةً، وقد تكونُ محرَّمةً؛ وذلك بحسَبِ النظرِ إلى الغايةِ ونوعِ الوسيلةِ، فبالنظرِ إلى هاتَيْنِ الجهتَيْنِ تُعرَفُ مَرتبةُ الحِيَلِ بين الحِلِّ والحُرْمةِ، والوجوبِ والكراهةِ والاستحبابِ.
ولمَّا كانتِ الحِيَل أخذًا بغبرِ الظاهر، كَرِهَها كثيرٌ مِن السلف، ولم يكونوا يكتبُونَ فيها ولا يُعلِّمونَها الناسَ؛ فليست عِلمًا يُتَّخَذُ أصلًا في التعامُلِ وأخذِ الحقوق، فمَن جعَلَهُ أصلًا في تعامُلِه وخصوماتِهِ وقَعَ في المنهيِّ عنه بلا ريبٍ.
وأسوأُ الحِيَلِ: التي تُتَّخَذُ للوصولِ إلى ما حرَّمَ اللَّهُ؛ كالتحايُلِ على
стр. 1646
أكلِ الحرامِ كما فعَلَتِ اليهودُ، وكنكاحِ التحليلِ والشِّغَارِ وغيرِ ذلك.
واستعمالُ يوسُفَ: مِن الحِيلَةِ المشروعة، التي لا يُرتكَبُ فيها وسيلةٌ محظورةٌ ولا الوصولُ إلى غايةٍ محرَّمةٍ، بل هي مِن الوسائلِ المباحةِ والغاياتِ المشروعة، وقد جعَلَ اللَّهُ ذلك مِن الكيدِ الذي وَفَّقَ له يوسُفَ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦].
ومِن هذا قولُهُ تعالى لأيُّوبَ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤].
ومِن ذلك: ما جاء في "الصحيحَيْنِ"؛ و"السُّننِ"، مِن حديثِ أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ ﵄؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنيِب، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ )، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّه، إنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَينِ بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فَلَا تَفْعَلْ، بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا) (١).
فأراد النبِيُّ ﷺ مَخْرجًا للوصولِ إلى الحلالِ بوسيلةٍ مباحةٍ، والحِيَلُ قد تكون خفيَّةً جِدًّا، وقد يكونُ خفاؤُها ليس شديدًا؛ كما في حديثِ التمرِ الجَنِيبِ هذا.
* * *
* قال تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢].
لمَّا أُعلِنَ في الناسِ فَقْدُ صُوَاعِ الملِكِ ولم يُعرَفْ مكانُهُ منهم، جعَلَ لمَن يجدُهُ جائزةً، وهي حِمْلُ البعير، وضَمِنَها لواجِدِها.
стр. 1647
حُكْمُ الجِعَالَةِ:
وفي هذه الآيةِ: دليلٌ على مشروعيَّة الجِعَالةِ، والجِعَالةُ: هي ما يُكافَأُ له الإنسانُ على أمرٍ يفعلُهُ، وهي جائزةٌ عندَ عامَّةِ السلفِ وجماهيرِ الفقهاءِ خلافًا للحنفيَّةِ، وقد أقَرَّ النبيُّ ﷺ الصحابةَ على أخْذِهم الجِعَالةَ على ما فعَلُوهُ؛ كما في "الصحيحَينِ"؛ مِن حديثِ أبي سعيدٍ؛ أنَّ رَهْطًا مِن أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْطَلَقُوا فِي سَفْرَةِ سَافَرُوهَا، حَتَّى نَزَلُوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَب، فَاسْتَضَافُوهُم فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيِّ، فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ قَدْ نَزَلُوا بِكُمْ، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ، فَأَتَوْهُمْ، فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ، إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، فَسَعَينَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ شَيْءٌ؟ لَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ، وَاللَّهِ إِنِّي لَرَاقٍ، وَلَكِن وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقِ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الغَنَم، فَانْطَلَقَ فَجَعَلَ يَتْفُلُ وَيَقْرَأُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، حَتَّى لَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِن عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي مَا بِهِ قَلَبَةٌ، قَال: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صالَحُوهُمْ عَلَيَهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اقْسِمُوا، فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لَا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ، فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرُوا لَهُ، فَقَالَ: (وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ ! أَصَبْتُمُ، اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهُمٍ) (١).
ولم يُجوِّزْها الحنفيَّة بحُجَّةِ الجَهَالةِ والغَرَرِ فيها، وذلك أنَّ النتيجةَ مظنونةٌ، ولا يُشْترَطُ تعيينُ العاملِ فيها، وهذا لا يُقالُ به مع ثبوتِ الدليل، والشريعةُ تُراعي الحاجاتِ في صُوَرٍ فتُجِيزُها مع اشتراكِها ببعضِ
стр. 1648
وجوهِ العلةِ في المحرَّماتِ كما هو في العَرَايَا، والحنفيَّة لا يُجيزونَ العرايَا، كما لا يُجيزونَ الجِعَالةَ.
ونقَلَ الطحاويُّ وغيرُه حُجَّةَ الحنفيَّةِ: أنَّ حديثَ جوازِ العرايَا هو في الهبةِ والهديَّةِ؛ وهذا لا يُوافِقُ ظاهرَ الحديثِ، ولا اصطلاحَ السلفِ.
والجِعَالةُ هي نوعٌ مِن أنواعِ الإجارةِ، ولكن ثَمَّةَ فروقٌ بينَهما:
وذلك أنَّ الإجارةَ عقدٌ لازمٌ لا يجوزُ فسخُهُ، بخلافِ الجِعَالةِ فليست عقدًا لازمًا.
وكذلك فإنَّه في الجِعَالةِ لا يجوزُ اشتراطُ تعجيلِ الأجرِ قبلَ العملِ الذي به يستحقُّهُ، بخلافِ الإجارةِ فيجوزُ تقديمُ الأجرِ.
والجِعَالةُ فيها احتمالُ الغَرَرِ والجهالةِ في العمل، بخلافِ الإجارةِ فلا بدَّ أن يكونَ العملُ فيها معلومًا.
والمنفعةُ في الجِعَالةِ لا يستحقُّها المالكُ إلَّا بعدَ تمامِ العملِ وإنجازِهِ، بخلافِ الإجارةِ فينتفِعُ المستأجِرُ بجزءٍ مِن العملِ.
ولا يَلزَمُ في الجِعَالةِ حضورُ المُتعاقِدَيْنِ، بخلافِ الإجارةِ فلا بدَّ مِن معرفةِ أحدِهما للآخَر، أو معرِفةِ مَن يقومُ مقامَهما، فمَن أحضَرَ صُوَاعَ المِلْكِ ليوسُفَ، استحَقَّ حِمْلَ البعيرِ ولو لم يكنْ معروفًا ليوسُفَ ولا خَوَّلَهُ يوسُفُ بعَيْنِهِ.
وقولُه تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ دليلٌ على وجوبِ أن يكونَ الجُعْل معلومًا، فلا يصحُّ أن يكونَ الجُعْلُ مجهولًا؛ كمَن يقولُ: مَن جاء بكذا وكذا، فله شيءٌ، لا يُسمِّيهِ.
حُكْمُ الضَّمَانِ:
قولُهُ تعالى: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ الزعِيمُ هو الضامنُ والكفيلُ؛ كقولِهِ
стр. 1649
تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠)﴾ [القلم: ٤٠]، ومنه قولُه ﷺ : (أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ) (١) زعيمٌ؛ يعني: كفيلًا، ومَن ضَمِنَ الشيءَ يجبُ عليه الوفاءُ به، وتجوزُ مُؤاخَذتُهُ عندَ تفريطِه، وقد جاء عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (الزَّعِيمُ غَارِمٌ)؛ رواهُ أحمدُ وأصحابُ السنن؛ مِن حديثِ أبي أُمامةَ (٢).
وإذا ضَمِنَ رجلٌ مالًا على أحدٍ، فلم يَفِ صاحبُ المالِ الأصليُّ بما عليه، فالعلماءُ يتَّفِقونَ على أنَّ الغرِيمَ الأصليَّ مُطالَبٌ بكلِّ حالٍ، ولا يسقُطُ الحقُّ عنه بمجرَّدِ وجودِ الضامن، ولكنِ اختلَفَ العلماءُ في صاحِبِ الحقِّ: هل يكونُ مخيَّرًا بالأخذِ ممَّن شاء منهما مِن الأصليِّ والضامنِ؟ على قولينِ:
ذهَبَ جمهورُ العلماءِ: إلى أنَّه يأخُذُ ممَّن شاء منهما حتى يَستوفِيَ حقَّه؟ وهذا قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ، خلافًا لمالكٍ في قولٍ له متأخِّرِ أنَّه لا يأخُذُ مِن الضامنِ حتى يَعجِز عن الأصليِّ؛ إما لِغِيَابِه، أو إفلاسِهِ.
ويصحُّ ضمانُ الحضور، وهي كفالةُ بدَنِ مَنْ عليه دَيْنٌ، وهي صحيحةٌ عندَ عامَّةِ العلماءِ؛ فمَنْ ضَمِنَ حضورَ أحدٍ وكفَلَه، وجَبَ عليه ولَزِمَه ذلك، وقد ذهب الشافعيُّ: إلى ضَعْفِها مِن جهةِ القياس، وظاهرُ الكتابِ ثبوتُها، وذلك في قولِهِ تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)﴾ [يوسف: ٦٦].
* * *
стр. 1650
* قال تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣)﴾ [يوسف: ٧٣].
في هذه الآيةِ: دليلٌ على أنَّ السَّرِقةَ مِن الفسادِ في الأرضِ؛ فقد وَصَفُوا ما اتَّهِموا به بأنَّه فسادٌ في الأرض، ويجوزُ أن يُلحِقَ الحاكمُ السَّرِقةَ المتكرِّرةَ بالفسادِ في الأرص، فيَقتُلَ السارقَ كثيرَ السَّرقةِ عظيمَ الشرِّ تعزيرًا؛ وذلك في زمنِ انتشارِ السرقةِ وذيوعِها، وعندَ القدرةِ على أهلِها، والأمنِ مِن الفتنِ والفسادِ التابعِ لذلك.
ولا يجوزُ أن تُجعَلَ السرقة المجرَّدةُ الواحدة حِرَابَةً؛ فإنَّ في ذلك إسقاطًا لحدِّ القَطْعِ، والحِرَابةُ حَدٌّ تعزيريٌّ واسعٌ، والقطعُ حدٌّ ضيِّقٌ، ولا يختلِفُ العلماءُ أنَّه إنْ تحقَّقَتِ السرقةُ الأُولى بشروطِها أنَّه يجبُ فيها القطعُ، ولكنْ إنِ اقترَنَ بالسرقةِ دعوةٌ إلى فِعْلِها والارتِزاقِ منها، أو تكرَّرت تكرُّرًا فاحشًا واقترَنتْ بخَوْفٍ ولو داخِلَ البلدِ وليس في المَفازاتِ، فلا حرَجَ مِن إلحاقِها بالفسادِ في الأرضِ.
وأمَّا ما جاء عندَ أبي داودَ والنَّسائيِ؛ مِن حديثِ جابرٍ، في قتل السارقِ في الخامسةِ؛ قال جابرُ بن عبد اللَّهِ: جِيءَ بِسَارِقٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: (اقْتُلُوهُ)، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ: (اقْطَعُوهُ)، قَالَ: فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّانِيَةَ، قَقَالَ: (اقْتُلُوهُ)، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ: (اقْطَعُوهُ)، قَالَ: فقُطِعَ، ثَمَّ جِيءَ بِهِ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: (اقْتُلُوهُ)، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ: (اقْطَعُوهُ)، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: (اقْتُلُوهُ)، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنَّمَا سَرَقَ، قَالَ: (اقْطَعُوهُ)، فَأُتِيَ لهِ الخَامِسَةَ، فَقَالَ: (اقْتُلُوهُ)، قَالَ جَابِرٌ: فَانْطَلَقنَا بِهِ فَقَتَلْنَاهُ، ثُمَّ اجْتَرَرْنَاهُ فَأَلْقَينَاهُ فِي بِئْرٍ، وَرَمَينَا عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ (١).