أكلِ الحرامِ كما فعَلَتِ اليهودُ، وكنكاحِ التحليلِ والشِّغَارِ وغيرِ ذلك.
واستعمالُ يوسُفَ: مِن الحِيلَةِ المشروعة، التي لا يُرتكَبُ فيها وسيلةٌ محظورةٌ ولا الوصولُ إلى غايةٍ محرَّمةٍ، بل هي مِن الوسائلِ المباحةِ والغاياتِ المشروعة، وقد جعَلَ اللَّهُ ذلك مِن الكيدِ الذي وَفَّقَ له يوسُفَ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦].
ومِن هذا قولُهُ تعالى لأيُّوبَ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤].
ومِن ذلك: ما جاء في "الصحيحَيْنِ"؛ و"السُّننِ"، مِن حديثِ أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ ﵄؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنيِب، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ )، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّه، إنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَينِ بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فَلَا تَفْعَلْ، بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا) (١).
فأراد النبِيُّ ﷺ مَخْرجًا للوصولِ إلى الحلالِ بوسيلةٍ مباحةٍ، والحِيَلُ قد تكون خفيَّةً جِدًّا، وقد يكونُ خفاؤُها ليس شديدًا؛ كما في حديثِ التمرِ الجَنِيبِ هذا.
* * *
* قال تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢].
لمَّا أُعلِنَ في الناسِ فَقْدُ صُوَاعِ الملِكِ ولم يُعرَفْ مكانُهُ منهم، جعَلَ لمَن يجدُهُ جائزةً، وهي حِمْلُ البعير، وضَمِنَها لواجِدِها.
стр. 1647
حُكْمُ الجِعَالَةِ:
وفي هذه الآيةِ: دليلٌ على مشروعيَّة الجِعَالةِ، والجِعَالةُ: هي ما يُكافَأُ له الإنسانُ على أمرٍ يفعلُهُ، وهي جائزةٌ عندَ عامَّةِ السلفِ وجماهيرِ الفقهاءِ خلافًا للحنفيَّةِ، وقد أقَرَّ النبيُّ ﷺ الصحابةَ على أخْذِهم الجِعَالةَ على ما فعَلُوهُ؛ كما في "الصحيحَينِ"؛ مِن حديثِ أبي سعيدٍ؛ أنَّ رَهْطًا مِن أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْطَلَقُوا فِي سَفْرَةِ سَافَرُوهَا، حَتَّى نَزَلُوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَب، فَاسْتَضَافُوهُم فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيِّ، فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ قَدْ نَزَلُوا بِكُمْ، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ، فَأَتَوْهُمْ، فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ، إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، فَسَعَينَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ شَيْءٌ؟ لَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ، وَاللَّهِ إِنِّي لَرَاقٍ، وَلَكِن وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقِ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الغَنَم، فَانْطَلَقَ فَجَعَلَ يَتْفُلُ وَيَقْرَأُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، حَتَّى لَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِن عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي مَا بِهِ قَلَبَةٌ، قَال: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صالَحُوهُمْ عَلَيَهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اقْسِمُوا، فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لَا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ، فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرُوا لَهُ، فَقَالَ: (وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ ! أَصَبْتُمُ، اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهُمٍ) (١).
ولم يُجوِّزْها الحنفيَّة بحُجَّةِ الجَهَالةِ والغَرَرِ فيها، وذلك أنَّ النتيجةَ مظنونةٌ، ولا يُشْترَطُ تعيينُ العاملِ فيها، وهذا لا يُقالُ به مع ثبوتِ الدليل، والشريعةُ تُراعي الحاجاتِ في صُوَرٍ فتُجِيزُها مع اشتراكِها ببعضِ
стр. 1648
وجوهِ العلةِ في المحرَّماتِ كما هو في العَرَايَا، والحنفيَّة لا يُجيزونَ العرايَا، كما لا يُجيزونَ الجِعَالةَ.
ونقَلَ الطحاويُّ وغيرُه حُجَّةَ الحنفيَّةِ: أنَّ حديثَ جوازِ العرايَا هو في الهبةِ والهديَّةِ؛ وهذا لا يُوافِقُ ظاهرَ الحديثِ، ولا اصطلاحَ السلفِ.
والجِعَالةُ هي نوعٌ مِن أنواعِ الإجارةِ، ولكن ثَمَّةَ فروقٌ بينَهما:
وذلك أنَّ الإجارةَ عقدٌ لازمٌ لا يجوزُ فسخُهُ، بخلافِ الجِعَالةِ فليست عقدًا لازمًا.
وكذلك فإنَّه في الجِعَالةِ لا يجوزُ اشتراطُ تعجيلِ الأجرِ قبلَ العملِ الذي به يستحقُّهُ، بخلافِ الإجارةِ فيجوزُ تقديمُ الأجرِ.
والجِعَالةُ فيها احتمالُ الغَرَرِ والجهالةِ في العمل، بخلافِ الإجارةِ فلا بدَّ أن يكونَ العملُ فيها معلومًا.
والمنفعةُ في الجِعَالةِ لا يستحقُّها المالكُ إلَّا بعدَ تمامِ العملِ وإنجازِهِ، بخلافِ الإجارةِ فينتفِعُ المستأجِرُ بجزءٍ مِن العملِ.
ولا يَلزَمُ في الجِعَالةِ حضورُ المُتعاقِدَيْنِ، بخلافِ الإجارةِ فلا بدَّ مِن معرفةِ أحدِهما للآخَر، أو معرِفةِ مَن يقومُ مقامَهما، فمَن أحضَرَ صُوَاعَ المِلْكِ ليوسُفَ، استحَقَّ حِمْلَ البعيرِ ولو لم يكنْ معروفًا ليوسُفَ ولا خَوَّلَهُ يوسُفُ بعَيْنِهِ.
وقولُه تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ دليلٌ على وجوبِ أن يكونَ الجُعْل معلومًا، فلا يصحُّ أن يكونَ الجُعْلُ مجهولًا؛ كمَن يقولُ: مَن جاء بكذا وكذا، فله شيءٌ، لا يُسمِّيهِ.
حُكْمُ الضَّمَانِ:
قولُهُ تعالى: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ الزعِيمُ هو الضامنُ والكفيلُ؛ كقولِهِ
стр. 1649
تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠)﴾ [القلم: ٤٠]، ومنه قولُه ﷺ : (أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ) (١) زعيمٌ؛ يعني: كفيلًا، ومَن ضَمِنَ الشيءَ يجبُ عليه الوفاءُ به، وتجوزُ مُؤاخَذتُهُ عندَ تفريطِه، وقد جاء عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (الزَّعِيمُ غَارِمٌ)؛ رواهُ أحمدُ وأصحابُ السنن؛ مِن حديثِ أبي أُمامةَ (٢).
وإذا ضَمِنَ رجلٌ مالًا على أحدٍ، فلم يَفِ صاحبُ المالِ الأصليُّ بما عليه، فالعلماءُ يتَّفِقونَ على أنَّ الغرِيمَ الأصليَّ مُطالَبٌ بكلِّ حالٍ، ولا يسقُطُ الحقُّ عنه بمجرَّدِ وجودِ الضامن، ولكنِ اختلَفَ العلماءُ في صاحِبِ الحقِّ: هل يكونُ مخيَّرًا بالأخذِ ممَّن شاء منهما مِن الأصليِّ والضامنِ؟ على قولينِ:
ذهَبَ جمهورُ العلماءِ: إلى أنَّه يأخُذُ ممَّن شاء منهما حتى يَستوفِيَ حقَّه؟ وهذا قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ، خلافًا لمالكٍ في قولٍ له متأخِّرِ أنَّه لا يأخُذُ مِن الضامنِ حتى يَعجِز عن الأصليِّ؛ إما لِغِيَابِه، أو إفلاسِهِ.
ويصحُّ ضمانُ الحضور، وهي كفالةُ بدَنِ مَنْ عليه دَيْنٌ، وهي صحيحةٌ عندَ عامَّةِ العلماءِ؛ فمَنْ ضَمِنَ حضورَ أحدٍ وكفَلَه، وجَبَ عليه ولَزِمَه ذلك، وقد ذهب الشافعيُّ: إلى ضَعْفِها مِن جهةِ القياس، وظاهرُ الكتابِ ثبوتُها، وذلك في قولِهِ تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)﴾ [يوسف: ٦٦].
* * *
стр. 1650
* قال تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣)﴾ [يوسف: ٧٣].
في هذه الآيةِ: دليلٌ على أنَّ السَّرِقةَ مِن الفسادِ في الأرضِ؛ فقد وَصَفُوا ما اتَّهِموا به بأنَّه فسادٌ في الأرض، ويجوزُ أن يُلحِقَ الحاكمُ السَّرِقةَ المتكرِّرةَ بالفسادِ في الأرص، فيَقتُلَ السارقَ كثيرَ السَّرقةِ عظيمَ الشرِّ تعزيرًا؛ وذلك في زمنِ انتشارِ السرقةِ وذيوعِها، وعندَ القدرةِ على أهلِها، والأمنِ مِن الفتنِ والفسادِ التابعِ لذلك.
ولا يجوزُ أن تُجعَلَ السرقة المجرَّدةُ الواحدة حِرَابَةً؛ فإنَّ في ذلك إسقاطًا لحدِّ القَطْعِ، والحِرَابةُ حَدٌّ تعزيريٌّ واسعٌ، والقطعُ حدٌّ ضيِّقٌ، ولا يختلِفُ العلماءُ أنَّه إنْ تحقَّقَتِ السرقةُ الأُولى بشروطِها أنَّه يجبُ فيها القطعُ، ولكنْ إنِ اقترَنَ بالسرقةِ دعوةٌ إلى فِعْلِها والارتِزاقِ منها، أو تكرَّرت تكرُّرًا فاحشًا واقترَنتْ بخَوْفٍ ولو داخِلَ البلدِ وليس في المَفازاتِ، فلا حرَجَ مِن إلحاقِها بالفسادِ في الأرضِ.
وأمَّا ما جاء عندَ أبي داودَ والنَّسائيِ؛ مِن حديثِ جابرٍ، في قتل السارقِ في الخامسةِ؛ قال جابرُ بن عبد اللَّهِ: جِيءَ بِسَارِقٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: (اقْتُلُوهُ)، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ: (اقْطَعُوهُ)، قَالَ: فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّانِيَةَ، قَقَالَ: (اقْتُلُوهُ)، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ: (اقْطَعُوهُ)، قَالَ: فقُطِعَ، ثَمَّ جِيءَ بِهِ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: (اقْتُلُوهُ)، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنَّمَا سَرَقَ، فَقَالَ: (اقْطَعُوهُ)، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: (اقْتُلُوهُ)، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنَّمَا سَرَقَ، قَالَ: (اقْطَعُوهُ)، فَأُتِيَ لهِ الخَامِسَةَ، فَقَالَ: (اقْتُلُوهُ)، قَالَ جَابِرٌ: فَانْطَلَقنَا بِهِ فَقَتَلْنَاهُ، ثُمَّ اجْتَرَرْنَاهُ فَأَلْقَينَاهُ فِي بِئْرٍ، وَرَمَينَا عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ (١).
стр. 1651
فهو حديثٌ لم يَعْمَل به أحدٌ مِن الصحابةِ ولا التابعينَ، وقد أنكَرَهُ النَّسَائيُّ (١)، وابنُ عبد البَرِّ (٢)، وقد عدَّه الشافعيُّ منسوخًا (٣)، وحكَى عدمَ معرِفةِ الخلافِ في ذلك ابنُ عبد البَرِّ (٤).
وقال النَّسائيُّ: "لا يصحُّ في البابِ شيءٌ" (٥).
وقد جاء أنَّ السارقَ يُقطَعُ أربعَ مرَّاتٍ مِن أطرافِهِ مِن حديثِ أبي هريرةَ (٦)، وعِصْمَةَ بنِ مالكٍ (٧)، ولا يصحُّ، والثابتُ عن أبي بكرٍ: قطعُ الرِّجْلِ في الثانيةِ (٨)، وأرادَ عمرُ قطعَ اليدِ في الثالثة، وخالَفَهُ فيه عليُّ بن أبي طالبٍ، فرجَعَ إلى قولِ عليٍّ (٩)، فعليٌّ لا يَرى القطعَ في الثالثةِ.
وصحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ قطعُ يدِ السارقِ مِن خِلَافٍ إذا سرَقَ مرَّتَيْنِ (١٠)؛ تُقطَعُ يدُهُ اليُمنى ورِجْلُهُ اليُسرى.
* * *
* قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦].
كان يوسُفُ يَعلَم أنَّ هذا أخوه، ولكنَّه لا يستطيعُ غَصْبَهُ منهم بلا بيِّنةٍ منه، وفي هذا: أنَّه لا يجوزُ حُكْمُ الحاكمِ بعِلْمِه، فضلًا عن حُكْمِهِ
стр. 1652
بعِلْمِهِ لحظِّ نفسِه، ولم يأخُذْ يوسُفُ بعِلْمِهِ المجرَّدِ حتى يُقيمَ عليه بيِّنةً وحِيلَةً.
وقد تقدَّمَ الكلامُ مفصَّلًا على مسألةِ حُكمِ الحاكمِ بعِلْمِهِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥].
* * *
* قال تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾ [يوسف: ٧٧].
تكلَّمَ إخوةُ يوسُفَ بالسُّوءِ في يوسُفَ مع تقادُمِ العهدِ وبُعْدِه، مع ما فعَلُوهُ به مِن تغييبٍ، وما لَحِقَهُ بعدَ ذلك مِن استعبادٍ ومُراودةٍ على فتنةٍ، ثُمَّ سَجْنِهِ وطُولِ مُكْثِهِ فيه، ومع ذلك كلِّه لم يَنتصِرْ يوسُفُ لنفسِهِ منهم.
انتصارُ الحاكِمِ للَّهِ ولِنَفْسِهِ:
وفي هذا: أنَّه ينبغي لمَن كان عملُهُ للَّه ويقومُ بأمرِ اللَّهِ في الناسِ: أنْ يَغِيب انتصارُهُ لنفسِه؛ لأنَّه إنْ كان الانتصارُ لنفسِهِ في كلِّ ما فاتَ مِن حقِّه، غابَ معه العدلُ، والقائمُ للَّهِ قد باعَ نفسَهُ له، فلا يَليقُ بمَن باعَ نفسَهُ للَّه أن يَنتصِرَ لها؛ فَإِنَّها ليستْ له.
وهكذا ينبغي لأصحابِ الولاياتِ -وخاصَّةً الكُبْرى- أَلَّا يَنتصِرُوا لأنفُسِهم! لأنَّ مَنِ اتَّسَعَ أمرُهُ في الناسِ وسُلْطانُه، نالَ الناسُ منه ووقَعُوا فيه؛ لكثرةِ الجُهَّالِ والظَّلَمَة، وربَّما تكلَّمَ فبه بعضُ الناسِ بحقِّ، فإنِ انتصَرَ لنفِسهِ في كلِّ مَظلِمةٍ مِن فعلٍ وقول، انشغَلَ بالانتِصارِ لنفسِهِ عن الانتصارِ لأمَّتِه، وعاشَ لنفسِهِ ولم يَعِشْ لأُمَّتِه، وقد وقَعَ أقوامٌ مِن الجَهَلةِ
стр. 1653
والمُنافِقينَ والظَّلَمةِ في النبيِّ ﷺ وهم تحتَ سُلْطانِهِ، فلم يَنتصِرْ لنفسِه، كما وقَعَ فيه جماعةٌ مِن جَهَلةِ الأعرابِ، وذو الخُوَيْصِرَة، وبعضُ المُنَافِقينَ كعبدِ اللَّهِ بنِ أُبَيٍّ وغيرِه.
والوقوعُ في الحاكِمِ وعِرْضِهِ ممَّن تحتَ سُلْطانِه ليس على حالةٍ واحدةٍ، وإنَّما هو على حالَتَيْنِ:
الحالةُ الأُولى: إنْ وقَعَ أحدٌ في شخصِهِ مجرَّدًا، فأساء إليه أمامَهُ أو خلفَهُ، فلا ينبغي أن ينتصِرَ الحاكمُ والسُّلْطانُ لنفسِه؛ وإنَّما يعفو أو يَتغافَلُ! كما كان الأنبياءُ والنبيُّ ﷺ يفعل؛ لأنَّ الانتصارَ في مِثْلِ هذه الأشياءِ تتَّسِعُ دائرتُهُ؛ لكثرةِ أشخاصِ الناسِ وانفرادِ الحاكِمِ بشخصِه.
الحالةُ الثانيةُ: أن يكونَ الوقوعُ فيه لا لِذَاتِه؛ وإنَّما لِما يَدْعُو إليه مِن دِينِ اللَّهِ وحُكْمِهِ وبيانِ شرعِه؛ فإنَّ هذا يتحوَّلُ مِن الكلام في نفسِ الحاكمِ إلى الكلامِ في شريعتِهِ ودِينِهِ وعدلِه، وقد كان النبيُّ ﷺ يُفرِّقُ بينَ مَن يقَعُ في ذاتِهِ وبينَ مَن يقعُ في دِينِه، وبينَ مَن يقعُ في ذاتِهِ وبينَ مَن يقعُ في ذاتِه وهو يُريدُ دِينَه، وفي "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ عائشةَ؛ قالت: "وَاللَّهِ، مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ، حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمْ لِلَّهِ" (١).
فإِنْ كان الذي وقَعَ في دِينِهِ وشريعتِهِ وعدلِ اللَّهِ الذي يقومُ به في الناسِ -لم يَجهَرْ بذلك في الناس، ولم يَدْعُ الناسَ إلى قولِه-: فيُترَكُ كما ترَكَ النبيُّ ﷺ ذا الخُويَصِرَةِ وجَهَلةَ الأعرابِ حينَما قالوا ذلك أمامَهُ.
وإن كان وقوعُهُ في دِينِهِ وشريعتِهِ وعدلِ اللَّهِ الذي يقومُ به في الناسِ -علانيَةً وَيَدْعُو الناسَ إلى قولِهِ-: فذاك يَبْغي فتنةً في دِينِ الناسِ وإبعادًا لهم عن دِينِهم؛ ومِن هذا قَتْلُ النبيِّ ﷺ لبعضِ مَن وقَعَ فيه ويُؤذِيهِ
стр. 1654
يبغي دِينَهُ وشريعتُهُ وَصَدَّ النَّاسِ عن اتِّباعِه؛ كما فَعَل بكعبِ بنِ الأَشْرَفِ وأَمْثَالِه.
* * *
* قال تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤].
بكَى يَعْقُوبُ وهو نبِيٌّ على ولدِهِ يوسُفَ، وبكى النبيُّ محمَّدٌ ﷺ على ولدِهِ إِبراهيمَ (١)، وبكى عنْدَ مَوْتِ إحدى بناتِهِ أثناءَ دَفْنِها (٢)، والحديثانِ في الصحيحِ مِن حَديثِ أَنَسٍ.
وبكى أيضًا ﷺ عندَ وفاةِ حفيدِهِ ابنِ إِحْدى بنَاتِه؛ كما في "الصحيحَيْنِ" مِن حديثِ أسامةَ بنِ زيدٍ (٣).
وقد زارَ النبيُّ ﷺ قبرَ أُمِّهِ، فبَكَى وأبكَى مَنْ حولَهُ؛ كما في مسلمٍ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ (٤).
وفي هذا: دليلٌ على جوازِ البُكَاءِ على الميِّت، وعدمِ الحرَجِ فيما يَغلِبُ النَّفْسَ مِن الحُزْنِ.
وإنَّما طال حزنُ يعقوبَ ولم يطُلْ حزنُ النبيِّ ﷺ ؛ لأنَّ يُوسُفَ غائبٌ يُرجَى في الدُّنيا، وإبراهيمَ ميِّتٌ لا يُرجَى فيها.
وأمَّا الأحاديث الواردةُ في أنَّ الميِّتَ يُعذَّبُ ببكاءِ أهلِهِ عليه، منها حديثُ ابنِ عمرَ في "الصحيحَيْنِ" (٥)، فذلك محمولٌ على ما كانتْ تفعلُهُ
стр. 1655
العربُ في الجاهليَّةِ مِن الوصيَّةِ بالبُكَاءِ والحُزِنِ عليه، واللَّطْمِ وَشَقِّ الجيوبِ، واستئجارِ النائحاتِ.
والمقصودُ من بَكَاءِ النبيِّ ﷺ وغيرِهِ من الأنبياءِ: هو ما تُغلَبُ النَّفْسُ عليه مِن رحمةٍ وشفقةٍ وألمِ الفَقْدِ؛ ولذا قال ﷺ لمَّا بكَى ابنَ بنْتِهِ وسأَلَهُ سعدُ بنُ عُبادةَ: ما هذا؟ ! قال: (هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّما يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) (١).
* * *
* قال تعالى: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)﴾ [يوسف: ٩٣].
أمَرَ يوسُفُ إخوتَهُ بالرجوعِ إلى أبيه، ووَضْعِ القميص على وجهِهِ والإتيانِ به، وظاهرُ الأمرِ: أنَّ الأصلَ أنْ يذهَبَ يوسُفُ بنفسِهِ إلى أبيهِ؛ لحقِّه عليه ولطُولِ غيابِهِ عنه، ولكنْ لمَّا كان يوسُفُ على وِلَايةٍ عامَّةٍ تَتَّصلُ بأسبابِ بلدٍ كاملٍ بمالِهِ ودماءِ أهلِهِ وأعراضِهِم وأموالِهِم، كان بقاؤُهُ أَولى مِن ذَهَابِه؛ فإنَّ ذَهابَهُ مصلحةٌ خاصَّةٌ تتحقَّقُ بغيرِه، وبقاؤُهُ مصلحةٌ عامَّةٌ لا تقوم غالبًا إلَّا به، ثمَّ إنَّ في ذَهَابِه غيابًا عن الناسِ واحتجابًا عنهم، وقد قال ﷺ : (مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ، احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ)؛ رواهُ أبو داودَ (٢).
وفي هذا: أنَّ حقَّ الرعيَّةِ على الحاكِمِ أَولى من حقِّ والدَيْهِ عليه، وأنَّ احتجابَهُ عن مَصَالحِهم أعظَمُ من احتجابِهِ عن والدَيْه؛ لظاهرِ تقديمِ
стр. 1656
بقاءِ يوسُفَ في مِصْرَ على الذَّهَابِ إلى والدَيْهِ؛ فقد جاء في إضاعةِ أمرِ الرعيَّةِ من التَّبِعَةِ الكبيرةِ والإثمِ العظيم قولُه ﷺ فيما رواه مسلمٌ: (اللَّهُمَّ، مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ) (١).
وفي "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ مَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ؛ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : (مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) (٢).
وفي روايةٍ لمسلمٍ؛ قال ﷺ : (مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ، إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمْ الْجَنَّةَ) (٣).
* * *
* قال تعالى: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
لمَّا اكتمَلَ ليوسُفَ أمرُهُ، وانتهَى ما رآهُ مِن مقدورِهِ في إقامةِ أمرِ اللَّهِ وامتثالِهِ في إبلاغِ دِينِهِ، سأَلَ اللَّهَ الخِتَامَ على الإسلامِ واللَّحَاقَ بالصالحِين.
سؤال اللَّهِ حُسْنَ الخِتَامِ، وحُكْمُ تمنِّي الموتِ:
وفي هذا: أنَّ العبد إنْ بلَغَ مَرْتَبةً يَرى فيها أقصى ما يُدْرِكُهُ مِن الكمال، أن يَسأَلَ اللَّه الخِتَامِ على الإسلام واللَّحَاقَ بالصالِحِين؛ لأنَّ سُنَّةَ اللَّهِ الغالِبةَ في الناس جَرَتْ أنَّ أقصَرَ مَراحلِ الإنسانِ مرحلةُ كَمَالِه، وهي كرأس الهَرَمِ ليس يعقُبُها إلَّا الموتُ عليه أو الانحدارُ وراءَهُ، ومَن
стр. 1657
نظَرَ في سِيَرِ الأنبياءِ والمُرسَلِينَ والأئمَّةِ الصالِحِين، وجَدَ أنَّ مرحلةَ البلاءِ والشِّدَّةِ أطولُ مِن مرحلةِ التمكينِ، ومِن ذلك حالُ يوسُفَ؛ فقد ذكَرَ كمالَ نِعَمِ اللَّه عليه الدُّنيويَّةِ والدِّينيَّةِ قبلَ سؤالِ اللَّهِ اللَّحَاقَ بالصالحينَ، فقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾.
وقد صحَّ عن قتادةَ قولُه: "لمَّا جمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ وأَقَرَّ عينَهُ وهو يومئذٍ مَغْمُوسٌ في بيتِ نعيمٍ من الدُّنيا وَمُلْكِهَا وَغَضَارَتِهَا، اشتَاقَ إلى الصالِحِينَ قبلَه" (١).
وقد حمَلَ بعضُ السلفِ هذه الآيةَ في قولِ يوسُفَ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ على تمنِّي الموتِ، وقد رَوى السُّدِّيُّ، عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّه قال: "هذا أوَّلُ نبيٍّ سأَلَ اللَّهَ الموتَ" (٢).
وبنحوِه قال قتادةُ (٣).
ومن هذا دعاءُ عمرَ؛ كما رواهُ مالكٌ في "الموطَّأِ"، عن سعيدِ بنِ المسيَّب؛ أنَّ عمرَ لمَّا أفاضَ من مِنًى أَنَاخَ بِالْأَبْطَحِ، ثُمَّ كَوَّمَ كَوْمَةً بَطَحَاءَ، ثُمَّ طَرَحَ عَلَيْهَا رِدَاءَهُ واسْتَلْقَى، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ، كَبِرَتْ سِنِّي، وَضَعُفَتْ قُوَّتِي، وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مُضَيِّعٍ وَلَا مُفَرِّطٍ" (٤).
وقد جاء النهيُ في السُّنَّة عن تمنِّي الموت مقيَّدًا بنزولِ الضُّرِّ وطلبًا للفِرَارِ من البأسِ، والواجبُ في ذلك: الثباتُ والصبرُ واحتسابُ الأجرِ،
стр. 1658
وسؤالُ اللَّهِ الموتَ عندَ نزولِ كلِّ ضُرٍّ: إساءةُ ظنٍّ باللَّهِ، ففي "الصحيحَيْنِ"؛ قال ﷺ : (لَا يَتَمَنَّيْنَّ أَحَدَكُمْ المَوْتُ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلِيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتُوفِّنِي إِذَا كَانَتْ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي) (١).
وأمَّا ما جاءَ عن مريمَ مِن قولِها: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣]، فذلك أنَّها تَمَنَّتِ الموتَ قبلَ نزولِ ما بها؛ لأنَّ البلاءَ سيَتْبَعُهُ قذفٌ لا تستطيعُ دفْعَهُ بحُجَّةٍ عقليَّةٍ، أمَا وقد نزَلَ فلم تَسْأَلِ اللَّهَ الموتَ فرارًا؛ وإنَّما ثبتَتْ وأخَذَتْ بالأسبابِ.
وإذا نزَلَ بعبدٍ فتنةٌ في دِيِنِهِ، ولم يَقدِرْ على الثباتِ فيها، ولا القيامِ بواجبِ اللَّهِ عليه عِنْدَها، وَيَخشَى أن تُدرِكَهُ، فلا حرَجَ عيه مِن سؤالِ اللَّهِ الوفاةَ على الإسلامِ، ومِن ذلك سؤالُ السَّحَرَةِ مِن اللَّهِ الموتَ على الإسلامِ لمَّا خافوا مِن فِرْعَوْن وتهديدِهِ، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦].
ومِن ذلك: ما جاء في حديثِ ابنِ عبَّاسِ ومعاذٍ: "وَإِذَا أرَدتَّ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ"؛ رواهُ التِّرْمِذيُّ (٢).
وطولُ العمرِ ليس محمودًا إِلَّا إنِ اقترَنَ بحُسْنِ العملِ، وطولُ العمرِ مع حُسْنِ العملِ خيرٌ مِن قصيرِهِ مع عملٍ حسَنٍ مُسَاوٍ له، ويومٌ في الدُّنيا يُخْتَمُ للإنسانِ به على طاعةٍ خيرٌ له مِن التعميرِ في الدُّنيا على كفرٍ وضلالةٍ، وقد رَوَى أحمدُ في "المسنَدِ"؛ مِن حديثِ أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ؛ قال: كَانَ رَجُلَانِ مِنْ بَلِيٍّ -حَيٌّ مِنْ قُضَاعَةَ- أَسْلَمَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَاسْتَشْهَدَ أَحَدُهُمَا، وَأُخِّرَ الْآخَرُ سَنَةً. قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ:
سلسلة منشورات مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع بالرياض (١٦٦)
التفسير والبيان لأحكام القرآن
تأليف
عبد العزيز بن مرزوق الطريفي
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
المجلد الرابع
[من الحجر إلى الناس]
стр. 1661
التَّفسِيْرُ وَالبَيَان لِأَحكَامِ القُرآن (٤)
стр. 1662
جميع حقوق الطبع محفوظة لدار المنهَاج بالريّاض
الطبعَة الأولى
١٤٣٨ هـ
مكتبة دار المِنهَاج للنشر والتَّوزيع
المملكَة العَربيَّة السّعُوديَّة - الرّيَاض
المركز الرئيسي - الدّائري الشرقي - مَخرَج ١٥ - جنوب أسوَاق المجد
ت: ٤٤٥٦٢٢٩ - فاكس: ٤٩٦٢٠١٤ - ص ب: ٥١٩٢٩ - الرّياض: ١١٥٥٣
الفرُوع - طريق خالد بن الوليد (إنكاس سَابقًا) ت: ٢٣٢٣٠٩٥
مكة المكرمة - الجميزة - الطريق النازل للحَرَم - ت: ٥٧٦١٢٧٧/ ٠٢
المَدينَة النَّبويَّة - أمَام الجَامِعَة الإسلامية من جهة الجنوب - ت: ٨٤٦٧٩٩٩/ ٠٤
حِسَاب الدَّار في مَوقع تويتر: Alminhajj@
стр. 1663
سورة الحجر
سورةُ الحِجْرِ مكيَّةٌ، وقد حُكِيَ الإجماعُ على ذلك (١)؛ ولهذا كانت الأحكامُ فيها قليلةً؛ فهي للتَّذكيرِ والاعتبارِ للمشرِكينَ بمَن سَبَقَهُمْ، وبيانِ مُشابَهةِ حُجَجِ المُعانِدينَ المتأخِّرينَ لأمثالِهم من السابِقِين، وفيها بيانٌ لِما في القرآنِ مِن الحُجَجِ والبراهينِ الدالَّةِ على حقِّ اللَّهِ على خَلْقِه.
* * *
* قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٧، ٩٨].
أخبَرَ اللَّهُ نبيَّه بعِلْمِهِ بما يَجِدُهُ النبيُّ ﷺ في صدرِهِ من ضِيقٍ وحَرَجٍ مِن قولِ كفارِ قريشٍ، ثم أمَرَهُ بالصلاة والذِّكْرِ عندَ وجودِ شيءٍ من الضِّيقِ والحزنِ واشتداد الأمورِ وصعوبتِها.
صلاةُ الكَرْبِ، وإذا حَزَبَ الأمرُ:
وفي هذه الآيةِ: دليلٌ على مشروعيَّةِ الصلاة عندَ الشِّدَّةِ وحَزْبِ الأمرِ والهَمِّ، وأنَّ من وجَدَ شيئًا من ذلك، شُرِعَتْ له الصلاةُ كما تُشرَعُ عندَ قيام أسبابِها؛ كصلاةِ الضُّحا والاستخارةِ، وهي من ذوات الأسبابِ وتأخُذُ حُكْمَها، إلَّا أنَّ هذه الصلاةَ غيرُ مقدَّرِة الركَعاتِ؛ فجاءَ الحثُّ
стр. 1664
عليها بلا عَدَدٍ، فتُصلَّى ركعتَيْنِ ومُضاعفاتِها، بخلافِ صلاةِ الاستخارةِ وصلاةِ الضُّحا، وتحيَّةِ المسجد، وركعتَي الطوافِ، فالأصلُ فيها أنَّها معدودةٌ، وإنَّما لم يُجعَلْ عددٌ لهذه الصلاةِ؛ لأنَّها تعلَّقتْ بأمرٍ، وهو شِدَّةُ الأمرِ والهمُّ منه، فتُشرَعُ الصلاةُ حتى يزولَ ذلك السببُ، كما تُشرَعُ صلاةُ الكُسُوفِ والخُسُوفِ حتى يزولَ السببُ.
وقد كان النبيُّ ﷺ يَفزَعُ إلى الصلاةِ إذا حزَبَهُ أمرٌ، فكان يُصلِّي قُبَيْلَ لقاءِ العدوِّ، وعندَ اجتماع الأحزابِ، قال حُذَيْفةُ: "رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الأَحْزَابِ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ فِي شَمْلَةٍ يُصَلِّي، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا حزَبَهُ أمرٌ صَلَّى" (١).
وقد قال عليُّ بن أبي طالبٍ: "لَقَدْ رَأَيْتُنَا لَيْلَةَ بَدْرٍ وَمَا فِينَا إِلَّا نَائِمٌ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَيَدْعُو حتَّى أَصْبَحَ" (٢).
والصلاةُ مِن أعظَمِ ما يُعِينُ العبدُ عند اشتدادِ الأمورِ، وإغلاقِ الأبوابِ، وانقطاع الأسباب، وقد قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، ولمَّا اشتَدَّ الأمرُ بموسى وقومِهِ، أُمِرُوا بالصلاةِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس: ٨٧].
وهي كفايةٌ للعبدِ وعونٌ له ولو لم يَنْزِلْ به أمرٌ، فكيف إذا اشتدَّت عليه الأمورُ، وتكاثَرت عليه الهمومُ؟ ! وقد جاء في الحديثِ القدسيِّ: قال اللَّهُ: (يَا بْنَ آدَمَ، لَا تَعْجِزْ عَنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهارِ، أَكْفِكَ آخِرَهُ) (٣).
سورة النحل
وهي مكيَّةٌ؛ والأحكامُ فيها قليلةٌ، فهي تذكُرُ آياتِ اللَّهِ ومخلوقاتِهِ وتسخيرَهُ إيَّاها للإنسانِ، وتذكرُ نِعَمَهُ ورِزْقَهُ له، وما في ذلك مِن الدلالاتِ على ألوهيَّتِهِ وحَقِّهِ في العبادةِ، ومنها بضْعُ آياتٍ نزَلتْ بينَ مكَّةَ والمدينةِ.
* * *
* قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥].
إظهارُ النِّعْمةِ في هذه الآيةِ بالانتفاعِ مِن صُوفِ الأنعامِ ووَبَرِها وجلودِها: دليلٌ على طهارةِ جلودِها.
والآيةُ ذكَرَتِ الانتفاعَ بالجلودِ والشَّعَرِ والصوفِ بقوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾، ولم يُذكَرِ الذَّبْحُ، وذلك لا دَلالةَ فيه صريحةً على مسألةِ جِلدِ المَيتَةِ؛ وذلك لأنَّ اللَّهَ تعالى ذكَرَ الأكلَ بعدَ ذلك فقال: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، ولا يعني ذلك جوازَ أكلِ المَيْتَةِ، ثمَّ إنَّ الآيةَ جرَتْ على الأصلِ؛ أنَّ الناسَ تَذبَحُ بهائمَ الأنعامِ ولا تُمِيتُها بخَنقٍ وغيرِ ذلك.
وفي الآيةِ قُدِّمَ الدِّفءُ على الأكل، لأنَّه أظهَرُ فِي النفع وأكثَرُ؛ فإنَّ الناسَ تَلبَسُ وتَستدفئُ مِن الشُّعُورِ والصُّوفِ والجِلدِ أكثَرَ مِن أَكلِها لِلَّحْمِ، فالاستِدفاءُ واللُّبسُ دائمٌ، والأكلُ عارضٌ، ثمَّ إنَّ اللُّبسَ أدوَمُ وأَبْقى
стр. 1667
فيَلبَسُ الإنسانُ مِن جلودِ الأنعامِ وشَعَرِها ما يَبقى معه أعوامًا، والأكلُ منها يَستهلكُه في يومِه.
وظاهرُ القرآنِ والسُّنَّة دالٌّ على أنَّ جلودَ بهائمِ الأنعامِ المُذَكَّاةِ طاهرةٌ جائزةُ الاستعمالِ، وهذا لا خلافَ فيه.
الانتفاعُ مِن جُلُودِ المَيْتَةِ:
وقد اختلَفَ العلماءُ في جلودِ المَيتَةِ: هل يجورُ الانتفاعُ بها بعدَ دَبْغِها أم تأخُذُ عمومَ تحريم المَيتَةِ؟ على أقوالٍ:
ذهَب أكثَرُ الفقهاءِ إلى أنَّ الدِّباغَ يُطهِّرُها، والسُّنَّة دالَّةٌ على أنَّ جِلدَ المَيتةِ إذا دُبِغَ فهو طاهرٌ؛ وذلك لقولِه ﷺ في حديثِ ميمونةَ لمَّا مَرَّ بمَيتةٍ: (هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ) (١)، وقولِهِ ﷺ : (أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ) (٢).
ولمالكٍ قولٌ أنَّ جلودَ المَيتةِ لا تَطهُرُ بالدِّباغ، ولكنَّه يُنْتفَعُ مِن الجِلدِ بالشيءِ اليابس ولا يُصلَّى عليه ولا يُؤكَلُ فيه، كما رواهُ عنه ابنُ عبد الحَكَمِ (٣).
وذهَب أحمدُ إلى أنَّ المَيتةَ لا يُنتفَعُ منها بشيءٍ؛ لحديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عُكَيْمٍ (٤)، وقد ضعَّفَ الحديثَ ابنُ مَعِينٍ (٥) وغيرُه.
стр. 1668
وأمَّا جلودُ ما دَلَّ الدليل على نجاستِه كالكلب والخِنزيرِ، فجمهورُ العلماءِ على تحريمِ الانتِفاعِ بجِلدِه، ولا يَطهُرُ بالدِّباغ، خلافًا لداودَ وسُحْنُونٍ.
وقد خصَّ مالكٌ المنعَ مِن الخِنزيرِ وحدَه، ولم يَرَ تحريمَ الانتفاعِ بجِلدِ الكلبِ، لأنَّه لا يَرى نجاسةَ بدَنِه، ويخُصُّها بلُعابِه.
وأمَّا صوفُ المَيتةِ وشعورُها، فهو حلالٌ، وبهذا قال مالكٌ وأبو حنيفةَ والشافعيُّ في أحدِ أقوالِه.
واستحَبَّ المالكيَّةُ غسْلَها؛ لِما رُوي عن أمِّ سلمةَ ﵂ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (لَا بَأْسَ بِمَسْكِ المَيْتَةِ إِذَا دُبِغَ، وَلَا بَأْسَ بِصُوفِهَا وَشَعَرِهَا وَقُرُونِهَا إِذَا غُسِلَ بِالمَاءِ).
وقد رواهُ الطبرانيُّ والدارقطنيُّ (١)، ولا يصحُّ؛ ففيه يوسُفُ بن السَّفْرِ، وهو متروكُ الحديثِ.
وقال الشافعيُّ في أحدِ قولَيْهِ بنجاسةِ شَعَرِ المَيتةِ وصُوفِها، وهو الصحيحُ عندَ جماعةٍ مِن أصحابِه.
* * *
* قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦].
فيه: أنَّ التجمُّلَ ببهائم الأنعام، وإظهارَ النِّعمةِ بذلك، والاكتِفاءَ عن الخَلقِ: من الأمورِ الجائزة، وفيه أنَّ مِن مَقاصدِ اتِّخاذِ بهائمِ الأنعامِ جَمَالَها في غُدُوِّها ورَوَاحِها، وفيه جوازُ شرائِها وبيعِها لأجْلِ جَمَالِها؛ لظاهرِ الآيةِ، وذلك أنَّ الرجُلَ يُغالي بثمنِ شاةٍ أو جملٍ أو بقرةٍ لِلَونِها
стр. 1669
وطولِها، ولو لم يكنْ ذلك لأجلِ لحمِها وصوفِها ولبنِها، فقد ذكَر المنافعَ وعَدَّها، وهي. (الأكلُ)، و (الدِّفْءُ)؛ يعني: مِن جلودِها وشَعَرِها وصوفِها ووبَرِها، و (جَمَالُها)، ثمَّ ذكَر بعدَ ذلك حَمْلَ الأثقالِ وشُربَ الألبانِ في قولِه تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ [النحل: ٧]، وقولِه: ﴿لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦].
وما ذكَره اللَّهُ مِنَ النِّعَمِ، فيجوزُ جعلُ قيمةٍ له، ولكنَّ اللَّهَ قد جعَل الجَمَالَ بعدَ منفعةِ الأكلِ والدِّفءِ؛ لأنَّ تقديمَه عليها يكونُ مِن بابِ الفُضولِ والسَّرَفِ، ويفعلُه غالبًا أهلُ الغِنى والبَطَر، ومع جوازِ شراءِ الأنعامِ وبيعِها لجَمَالِها، إلَّا أنَّه يحرُمُ المغالاةُ في ذلك، كما يفعلُه أهلُ المُباهاةِ اليومَ ببيعِ الإبلِ والغنمِ بألوفٍ مؤلَّفةٍ وملايينَ كثيرةٍ مِمَّا يُغني قبائلَ بأَسْرِها، ويُطعِمُ فقراءَ بلدِ كاملٍ مِن أطايبِ اللحم، ويَكسُوهم مِن أجودِ الجلودِ والشعَرِ، فهو إنْ حُرِّمَ فيُحرَّمُ لأجلِ السَّرَفِ والمباهاةِ، لا لأجلِ كونِ البيعِ يكونُ للجَمَالِ؛ فإنَّ اللَّهَ ذكَرَه وعَدَّه نعمةً.
ويجوزُ اتِّخاذُ الأنعامِ والبهائمِ لأظهارِ العفَّةِ والغَناءِ عن الناسِ؛ لِما ثبَت في قولِ النبيِّ ﷺ في الخيلِ في الصحيحينِ: (وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا، وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا، فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً، فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ) (١).
وقد ذكَر النبيُّ ﷺ أنَّ بعضَ الأنعامِ تُتَّخَذُ لعِزِّ أهلِها وكِفايتِهم وإظهارِ غِناهُم عن الناسِ، لا فخرًا ولا بطَرًا، كما قال ﷺ : (الْإِبِلُ عِزٌّ لِأَهْلِهَا، وَالْغَنَمُ بَرَكَةٌ، وَالْخَيْرُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)؛
رواهُ ابنُ ماجَهْ (٢)، وأصلُه في "الصحيحينِ" بذِكرِ الخيلِ فقط (٣).
стр. 1670
وإنَّما جعَلَ اللَّه العِزَّ في الإبلِ؛ لأنَّها أكثَرُ الأنعامِ منافعَ، فيُنتفَعُ منها باللِّباسِ والأكلِ واللبنِ والحَمْلِ والغزوِ، ولكنْ لا يُكَرُّ عليها ولا يُفَرُّ.
والبرَكَةَ في الغنمِ؛ لكثرةِ نمائِها، وما فيها مِن السَّكِينةِ في نفسِها وعلى أهلِها.
* * *
* قال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧، ٨].
لمَّا ذكَرَ اللَّهُ تعالى بهيمةَ الأنعام، وذكَرَ منافعَها، وعَدَّها بأنَّها الانتفاعُ بجلودِها وشعَرِها وصوفِها وأكلِها وجَمَالِها-: ذكَرَ في هذه الآيةِ حَمْلَ الأثقالِ.
أنواعُ الانتفاعِ مِن الأنعامِ والدوابِّ:
وفرَّقَ سبحانَه بينَ حَمْلِ الأثقالِ: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾، وبينَ الركوبِ بقولِه، ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾؛ وذلك أنَّ حملَ الأثقالِ؛ يعني: المتاعَ والزادَ في الطريق، والركوبُ ركوبُ الناسِ عليها في الأسفارِ، وهذا يختلِفُ بحسَبِ بهائمِ الأنعامِ:
أمَّا الغنمُ: فلا تُركَبُ بالاتِّفاقِ؛ لأنَّ ذلك تعذيبٌ لها؛ فهي لا تَحتمِلُ راكبَها، فإذا كانتِ البقرُ لا تُركَبُ، فالغنمُ مِن بابِ أَولى، ولكنْ قد يُوضَعُ على الكبيرِ منها خفيفُ الماءِ ونحوُهُ ممَّا تَحمِلُهُ عادةً.
وأمَّا البقرُ: فتَحمِلُ بسيرَ الأثقالِ، ولكنَّها لا تُركَبُ، لأنَّها لا تَقْوَى على حَمْلِ صاحبِها، ولم تُخلَق لذلك، ولكنْ يجوزُ حملُ بعضِ الأثقالِ
стр. 1671
عليها ممَّا تَحمِلُهُ عادةً؛ كآلةِ الحَرْثِ التي تَجُرُّها وشِبْهِها، وقد ثبَتَ في "الصحيحَيْن"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال ﷺ : (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً لَهُ، قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا، الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ الْبَقَرَةُ، فَقَالَتْ: إنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا؛ وَلَكِنِّي إِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ)، فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ -تَعَجُّبًا وَفَزَعًا- أَبَقَرَةٌ تَكَلَّمُ؟ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فَإِنِّي أُومِنُ بِهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) (١).
وأمَّا الإبلُ: فيجوزُ اتِّخاذُها لحملِ الأثقالِ والركوبِ بلا خلافٍ.
ويُكرَهُ البقاءُ على ظهورِ الدوابِّ بلا سَيْرِ وحاجةٍ، فإنَّ ذلك يُؤذِيها، والركوبُ مع الحركةِ يسيرٌ عليها، وقد روى أبو داودَ في "سُننِه"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ؛ قال: (إِيَّاكُمْ أنْ تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ، وَجَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فَعَلَيْهَا فَاقْضُوا حَاجَتَكُمْ) (٢).
ويُروى مِن حديثِ معاذٍ الجُهَنِيِّ: "لَا تَتَّخِذُوهَا كَرَاسِيَّ"؛ رواهُ أحمدُ (٣).
ولا يُشكِلُ على ذلك وقوفُهُ على ظَهْرِ دَابَّتِهِ في عَرَفةَ ويومَ النَّحْرِ؛ وذلك لأنَّه وقَفَ موقفًا يُرِيدُ أن يراهُ الناسُ فيَقتدُوا به، لا أن يَستتِرَ عنهم؛ وهذا مِن المَصالحِ التي تفوقُ ركوبَ الإبلِ بالسَّيْرِ بها والحَمْلِ عليها.
والمرادُ: كراهةُ إيذاءِ البهائِم وتكليفِها ما لا تُطِيقُ، وعدمُ استعمالِها بغيرِ حاجةٍ وضرورةٍ، وقد رَوَى أَحمدُ؛ مِن حديثِ أبي الدَّرداءِ مرفوعًا: (لَوْ غُفِرَ لَكُمْ مَا تَأْتُونَ إِلَى الْبَهَائِمِ، لَغُفِرَ لَكُمْ كَثِيرًا)، ورُوِيَ موقوفًا (٤)؛ والموقوفُ أصحُّ.
стр. 1672
وذِكرُ اللَّهِ تعالى للخيلِ والبِغَالِ والحَمِيرِ وتخصيصُها بالركوبِ: دليلٌ على أنَّ السابقَ منِ الأنعامِ لا يُركَبُ، وهي الغنمُ والبقرُ، وأمَّا الإبلُ، فتُركَبُ وتَحمِلُ الأثقالَ بلا خلافٍ، وإنَّما لم يَذكُرْها اللَّهُ تعالى فيما يُركَبُ؛ لأنَّ النِّعْمةَ فيها بما تشرِكُ فيه مع غيرِ المركوبِ أظهَرُ، وهي استعمالُ الجلودِ والصُّوفِ وحملُ الأثقالِ؛ فهو أكثرُ مِن الانتفاعِ مِن رُكوبِها، وأمَّا الخيلُ والبغالُ والحميرُ، فيُنتفَعُ منها بالركوبِ أكثَرَ.
لُحُومُ الخَيْلِ والحَمِرِ والبِغَالِ:
وقد استدَلَّ بعضُ الفقهاءِ بقولِهِ وتعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ على عدمِ جوازِ أكلِ لحومِ الخبلِ والبغالِ والحميرِ، ولا الانتفاعِ بجلودِها، وهذه الآيةُ ليستْ صريحةً في ذلك؛ لأنَّ ذِكْرَها في سياقِ الركوبِ هو كذِكْرِ الجَمَالِ في سياقِ حَمْلِ الأثقالِ: لا يعني أنَّه لا يجوزُ ركوبُها.
وقد اختلَفَ العلماءُ في لحومِ الخَيْلِ على قولَيْنِ:
وأكثرُ العلماءِ: على حِلِّ لحومِها.
خلافًا لأبي حنيفةَ وقولٍ لمالكٍ؛ فقد كرِهها، والمعتمَدُ في مذهبِه تحريمُها.
والصوابُ: حِلُّها؛ فقد أكَلَها النبيُّ ﷺ وأصحابُهُ؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ ﵄ قالتْ: "نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَرَسًا، فَأَكَلْنَاهُ" (١).
وقد رَوى الدارقطنيُّ؛ مِن حديثِ جابرٍ ﵁؛ قال: "سافَرْنا مَعَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فكنَّا نأكُلُ لحومَ الخَيلِ ونَشْرَبُ أَلْبَانَها" (٢).
стр. 1673
وقد استدَلَّ مَن قال بكراهةِ أكلِ لحومِها بدليلِ الخِطابِ في الآيةِ؛ حيثُ ذكَرَها اللَّهُ للركوبِ ولم يَذكُرْها للأكلِ، واللامُ في قولِهِ: ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ للتعليلِ، فذكَر اللَّهُ عِلَّةَ خَلْقِهِ لها، والعِلةُ المنصوصةُ تُفيدُ الحصرَ.
وهذا الإطلاقُ فيه نظرٌ؛ وذلك لو صحَّ، لكان مانعًا مِن ركوبِ الإبلِ؛ فاللَّهُ ذكَرَها في الأكلِ والدِّفْءِ وحَمْلِ الأثقالِ، ولم يَذكُرْها في الركوبِ، وإنَّما المرادُ: أنَّ اللَّهَ يذكُرُ أظهَرَ النِّعَمِ في البهائم، وليس في ذلك حصرُها، ولو كانتِ الآيةً حاصرةً، لامتنَعَ لذلك جوازُ حَرْثِ الأرضِ بالبقرِ وغيرِه.
وأمَّا الاستدلالُ بحديثِ خالدِ بنِ الوليدِ؛ أنَّه قال: "نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ، وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ"، فقد رواهُ أبو داودَ (١) وغيرُهُ، ولا يصحُّ؛ أعَلَّه البخاريُّ وغيرُهُ (٢).
ثمَّ إنَّ سورةَ النحلِ مكيَّةٌ بلا خلافٍ، وأحاديثُ إباحةِ لحومِ الخيلِ مدنيَّةٌ بلا خلافٍ، ثمَّ إنَّ الآياتِ المكيَّةَ يُرادُ منها ذِكْرُ وجوهِ الاعتبارِ وحِكَمِ اللَّهِ في خَلْقِه، وليس المرادُ بذلك تفاصيلَ التشريعِ وحدودَه؛ فذلك إنَّما يَكونُ في السُّوَرِ المدنيَّةِ، والمكيُّ بَغلِبُ فيه الاعتبارُ لا التشريعُ.
وعامَّةُ السلفِ على حِلِّ لحومِ الخيلِ، إلَّا ما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ، وقد جاء حِلُّ أكلِها عن جماعةٍ؛ كعبدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ، وفَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ، وأنسِ بنِ مالكٍ، وأسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، وبه قال كبارُ التابعينَ: سُوَيْدُ بنُ غَفَلَةَ، وعَلْقمةُ، والأسْوَدُ، وعطاءٌ، وشُرَيْحٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والحسنُ البصريُّ.
стр. 1674
وأمَّا الحميرُ، فالحميرُ على نوعَيْنِ: أهليَّةٌ ووحشيَّةٌ، والمقصودُ في الآيةِ الحُمُرُ الإنسيَّةُ؛ لأنَّ الوحشَّةَ لا تُركَبُ؛ لأنَّها تَنفِرُ مِن الناسِ، واللَّهُ ذكَرَ في الآيةِ نعمةَ الركوبِ، والحُمُرُ الأهليَّةُ يحرُمُ أكلُها، وقد حَكَى الإجماعَ على ذلك بعضُهم؛ كابنِ عبدِ البَرِّ (١)، وغيرِه، وقد ثبَتَ في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ ﵄؛ قال: "نهَى النبيُّ ﷺ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ" (٢).
ومِثلُه عندَهما مِن حديثِ أبي ثَعْلَبةَ (٣).
وعلى ذلك عملُ الصحابةِ في تحريمِ أكلِ لحومِ الحُمُرِ الأهليَّةِ؛ كما قال أحمدُ: "خمسةَ عشَرَ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ كرِهوها" (٤).
وأمَّا حمارُ الوحشىِ، فحلالٌ أكلُهُ، وقد أكَلَهُ النبيُّ ﷺ وأصحابُه، كما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي قَتَادَةَ ﵁؛ أنَّه صادَ حمارًا وحشيًّا وأتى بقطعةٍ منه للنبيِّ ﷺ ، فأكَلَ منه، وقال لأصحابِهِ ﷺ : (هُوَ حلَالٌ؛ فكُلُوهُ) (٥).
وأمَّا حمارُ الوحشِ الذي يَسَتأهِلُ، فيَبقى على أصلِهِ في حِلِّه، وحمارُ الأهلِ إذا توحَّشَ يَبقى على أصلِه في تحريمِه؛ كما قال الشافعيُّ؛ لأنَّ خُلُقَ الحُمُرِ الأهليَّةِ يُبابِنُ خُلُقَ الحُمُرِ الوحشيَّةِ مُبايَنَةَ يَعرِفُها أهلُ الخِبْرةِ بها.
وأمَّا البِغالُ: فهي ما تولَّدَ من أصلَيْنِ محرَّمٍ ومباحٍ، أو مِن مباحَيْنِ، فإنْ تولَّدَ مِن مباحَيْنِ؛ كأنْ تكونَ أمُّهُ فرسًا وأبوه حمارَ وَحْشٍ، فهو
стр. 1675
مباحٌ، لأنَّ أصلَيْهِ مباحانِ، وأمَّا إنْ تولَّدَ مِن أصلَيْنِ أحدُهما مباحٌ والآخَرُ محرَّمٌ؛ كالحمارِ الأهليِّ والفرسِ، فقد حكَى الاتِّفاقَ غيرُ واحدٍ على تحريمِ أكلِه، وقد رَوَى أبو داودَ؛ مِن حديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ ﵄؛ قال: "ذَبَحْنَا يَوْمَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ، وَالْبِغَالَ، وَالْحَمِيرَ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ البِغَالِ وَالْحَمِيِرِ، وَلَمْ يَنْهَنَا عَنِ الْخَيْلِ" (١).
وقد سُئِلَ قتادةُ عن البغالِ؟ فقال: وهل هي إلَّا حمارٌ؟ (٢).
وعلى هذا عامَّة السلفِ، وعن مالكٍ قولانِ: الكراهةُ المغلَّظةُ، والتحريمُ، ومحقِّقو أصحابِهِ يقولونَ بالتحريمِ.
وقد اختلَفَ الفقهاءُ في الحيوانِ المتولِّدِ مِن أصلَيْنِ محرَّمٍ ومباحٍ كالغلِ:
فمنهم: مَن يغلِّبُ التحريمَ مطلقًا؛ وهم الجمهورُ.
ومنهم: مَن يجعلُهُ يَتْبَعُ أُمَّه مطلقًا؛ وهو قولُ أهلِ الرأي مِن الحنفيَّةِ، ويختلفُ قولُهم بحسَب خِلافِهم في الأمِّ؛ فالبغلُ الذي أمُّه أَتَانٌ يحرُمُ أكلُ لحمِه؛ لأنَّه تَبَعٌ لأمِّه، والذي أمُّه فرسٌ فيَختلِفونَ فيه على خلافِهم في أكلِ الخيلِ؛ فهو مكروهٌ عندَ أبي حنيفةَ، ومباحٌ عندَ صاحبَيْهِ أبي يوسُفَ ومحمدِ بنِ الحسَنِ.
والأظهَر: أنَّه يغلِبُ عليه التحريمُ؛ وهذا عامٌّ في كلِّ مَن كان منه التولُّدُ مِن أصلَيْنِ مختلفَيْن مِثلُ السِّمْعِ الذي يكونُ متولِّدَا بَيْنَ الذِّئْبِ وَالضَّبُعِ، والعِسْبَارِ المتولِّدِ بينَ الضِّبْعَانِ والذِّئْبةِ.
* * *
стр. 1676
* قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)﴾ [النحل: ١٤].
تقدَّم الكلامُ على صيدِ البحرِ ومَيْتَتِهِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقولِهِ تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)﴾ [المائدة: ٩٦].
وفي الآيةِ: دليلٌ على حِلِّ حِلْيَةِ البحرِ وطهارةِ عَيْنِها، والإطلاقُ في قولِه: ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ دليلٌ على جوازِ حِلْيَةِ البحرِ للرِّجَالِ والنِّسَاءِ، إلَّا أنَّه لمَّا كان التحلِّي مِن عادةِ النِّسَاءِ، غلَبَ عليهنَّ؛ كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ [الزخرف: ١٨]، والمرادُ المرأةُ، ولكنْ لو تحلَّى الرجُلُ بحِلْيةِ البحرِ بالتختُّمِ بخاتَم اللؤلؤِ وغيرِه مِن الجواهرِ، جازَ ذلك بلا مُشابَهةٍ لصِفَةِ لُبْسِ النِّساءِ، وإنَّما ذكَرَ اللَّهُ اللُّبسَ ولم يخصِّصْ رجالًا ولا نساءً؛ لأنَّ حِلْيةَ البحرِ ليستْ ذهبًا ولا فِضَّةً ولا حريرًا؛ وهي محرَّمةٌ على الرِّجالِ بلا خلافٍ؛ كما قال ﷺ : (إنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي) (١).
ويُستثنى مِن ذلك تحليةُ السيفِ؛ باعتبارِ أنَّها ليستْ ملبوسةً؛ بل مستعمَلةً وكلُّ ما يَستعملُهُ الرجُلُ مِن الذهبِ والفضةِ ولا يكونُ مبوسًا كالقلمِ والدَّوَاةِ والمِفْتاحِ، فالأصلُ فيه الحِلُّ، والأرجحُ حِلُّ استعمالِ الذهبِ والفضةِ مِن ذلك للرِّجالِ.
стр. 1677
ويحرُمُ على الرِّجالِ والنِّساءِ الأكلُ في صحائفِ الذَّهَب والفِضَّةِ، والأكلُ في آنيتِهما؛ سواءٌ كانتِ الأواني والصحائفُ مِن ذهبٍ خالصٍ أو مَطليَّةً بالذهبِ؛ فالحُكْمُ لِما ظهَرَ منها.
ولس في الحليِّ المستعملِ والمُعَارِ زكاةٌ؛ كما تقدَّمَ بيانُهُ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ [التوبة: ٣٤].
وتقدَّمَ الكلامُ على ركوبِ البحرِ وأحوالِه، وحُكْمِ الغزو فيه وفضلِه، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: ٢٢].
* * *
* قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾ [النحل: ٦٦].
في هذه الآيةِ: حِلُّ الألبانِ مِن بهيمةِ الأنعام، وما أحَلَّ اللَّهُ لحمَهُ فإنَّ لبنَةُ حلالٌ؛ وذلك لأنَّ اللحمَ أصلٌ واللبنَ فرعٌ، وضرر اللحومِ أشَدُّ مِن ضررِ الألبانِ؛ وذلك لأنَّ اللبنَ يتحوَّلُ مِن طعامٍ تحوُّلًا خفيفًا، بخلافِ اللحمِ؛ فإنَّ طعامَ البهيمة يتحوَّل إلى لحم في بَدَنِها في وقتٍ أطوَلَ مِن اللبنِ، فما حَلَّ لحمُهاِ مِن البهائمِ، فإنَّ لبنَها حلالٌ مِن بابِ أَولى كالخيلِ، وما حَرُمَ لحمُها، فلبنُها حرامٌ؛ كلبنِ الحمارِ.
وأمَّا الاستدلالُ بالقرينةِ على أنَّ اللَّهَ ذكرَ الأنعامَ، وهي البهائمُ مِن الغنمِ والبقرِ والإبلِ، فذلك دليلُ خِطَابٍ على تحريمِ لَبَنِ غيرِها:
ففي هذا نظرٌ؛ لأنَّ الآيةَ مكيَّةٌ، ولم تأتِ لبيانِ محرَّماتِ الأطعمةِ؛
стр. 1678
وإنَّما جاءتْ في سياقِ الاعتبارِ وذِكْرِ مِنَنِ اللَّهِ ونِعَمِهِ على عباده الموجِبةِ لِشُكْرِهِ وتوحيدِه.
وكلامُ أئمَّةِ المذاهبِ الأربعةِ مُشعِرٌ بتحريمِ لبنِ الحميرِ، وفي كلام الحنفيَّةِ والشافعيَّةِ وجهانِ، والصحيحُ المنعُ، وهذا الذي صوَّبَهُ النوويُّ وابنُ الهُمَامِ.
ورُوِيَ عن بعضِ السلفِ؛ كعطاء والزُّهْريِّ وطاوسٍ: جوازُ التداوِي بلَبنِ الأَتَانِ، والأظهَرُ منعُهُ؛ فما حَرُمَ أكلُهُ وشربُهُ لا يَحِلُّ التداوِي به.
وما يحرمُ أكلُ لحمِهِ يحرُمُ أكلُ وشربُ شيءٍ منه، وذلك كبَيْضِ ما حَرُمَ مِن الطيورِ، فهو حرامٌ كذلك؛ لحُرْمةِ أصلِهِ.
* * *
* قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥].
في هذه الآيةِ: سَلْبُ قدرةِ المملوكِ، وأنَّه لا يَملِكُ شيئًا، ولكنَّ العلماءَ يتَّفقونَ على أنَّ العبدَ يملِكُ بُضْعَ زوجتِهِ، ويتَّفِقُونَ على أنَّه لا يَملِكُ بالميراثِ، وأنَّه لا يَملِكُ إلَّا ما ملَّكَهُ سيِّدُه؛ كما حكَى الاتِّفاقَ الماورديُّ (١) مِن الشافعيَّةِ وغيرُه.
وقد اختلَفَ العلماءُ في العبدِ فيما إذا وقَعَ في يدِهِ شيءٌ مِن المالِ ملَّكَه له سيِّدُه: هل له تمامُ التصرُّفِ فيه ببيعٍ وشراءٍ أو لا؟ على قولَيْنِ، هما قولانِ عن الشافعيِّ:
قال مالكٌ: إنَّ العبدَ يَملِكُ المالَ بتمليكِ سيِّدِه؛ حتى يجوزُ له أن يَشترِيَ ويتصرَّفَ في المالِ كيف يشاءُ؛ وهذا قولُ الشافعيِّ القديمُ.
стр. 1679
وأمَّا الجديدُ: فإنَّه يقولُ بأنَّه لا يَملِكُ التصرُّفَ فيما ملَّكَهُ سيِّدُهُ؛ لا ببيعٍ ولا شراءٍ، إلَّا بإذنِ سيِّدِهِ؛ وهذا قولُ أبي حنيفةَ.
* * *
* قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾ [النحل: ٨٠]
قدَّمَ اللَّهُ الانتفاعَ باللِّباسِ كما سبَقَ على الانتفاعِ بصناعةِ البيوتِ مِن جلودِ الأنعامِ وشعَرِها؛ لأنَّ سَتْرَ البدَنِ أولى مِن الاستظلالِ بالبيوتِ، ولو خُيِّرَ الإنسانُ بينَ لِبَاسٍ يستُرُ بدَنَهُ بلا دارٍ، أو دارٍ تُؤْوِيهِ عاريًا، لاختارَ ما يستُرُ بدَنَه، لأنَّه لا يستطيعُ الانتفاعَ والضَّرْبَ في الأرضِ مع التعرِّي، وهذا يدُلُّ على عَظَمةِ سَترِ الأبدانِ ونِعْمةِ اللَّهِ فيها، وكلا السَّتْريْنِ نعمةٌ: سَتْرُ البدنِ باللِّباسِ، وسَترُ الأشخاصِ بالبيوتِ والسَّكَنِ فيها؛ ولكنَّ النِّعَمَ مَراتبُ.
* * *
* قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
قرَنَ اللَّهُ العدلَ والإحسانَ وإيتاءَ ذي القُرْبى بالنَّهْي عن الفاحشةِ والبغي؛ لأنَّه إذا حضَرَ العدلُ، غابَ البغيُ والفواحشُ، وهناك تلازُمٌ بينَ صِلَةِ الرَّحِمِ والإفسادِ في الأرصِ؛ أنَّ النفوسَ بينَها صِلَةٌ ومجبولةٌ على الحياءِ بعضِها مِن بعضٍ، فيَحتشِمونَ ويتهيَّبونَ مِن قومِهم، وإنْ أحَبَّ
стр. 1680
السُّوءَ، ترَكَهُ لأجلِ أهلِهِ وقومِه، فإذا تقطَّعَتِ الأرحامُ، ظهَرَ الفسادُ؛ كما قال تعالى: ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢].
وقد تقدَّم الكلامُ على القَرَابةِ وفضلِ صِلَةِ الرحِمِ ومَرَاتبِهم في أوَّلِ سورةِ النِّساءِ، وتقدَّم الكلامُ على قَرَابهِ العمِّ والخالِ وتفاضُلِهما عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤)﴾ [الأنعام: ٨٤]، وتقدَّم كلامٌ على فضلِ الإحسانِ إلى القَرَابةِ بالصَّدَقةِ والهَدِيَّةِ وقضاءِ الحاجة في مَوَاضِعَ.
* * *
* قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)﴾ [النحل: ٩١].
أمَرَ اللَّهُ بالوفاءِ بالعهدِ وأداءِ الأماناتِ، ونَهَى عن نَقْضِ الأيمانِ، وأوجَبَ مراقَبةَ اللَّهِ واستحضارَ عَظَمَتِهِ؛ لأنَّه هو الذي عَظَّمَها، وقد تقدَّم الكلامُ في صدرِ سورةِ المائدةِ على العهودِ والمواثيقِ.
* * *
* قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢)﴾ [النحل: ٩٢].
تقدَّم الكلامُ مفصَّلًا عن كفَّارةِ الأيْمانِ، وحُكْمِ اليمينِ الغَمُوسِ،
стр. 1681
وكفَّارتِها، عندَ فولِهِ تعالى في آلِ عِمْرانَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ﴾ [٧٧]، والمائدةِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].
* * *
* قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨].
أمَرَ اللَّهُ بالاستعاذةِ مِن الشيطانِ عندَ قراءةِ القرآنِ؛ لأنَّ الشيطانَ مع كُرْهِهِ للذِّكْرِ ونفورِهِ منه، إلَّا أنَّه يَتسلَّطُ على العبدِ باستحضارِ معاني السُّوءِ ومتُشابهاتِ القرآنِ ابتغاءً للفتنةِ منه، فيَصرِفُهُ عن التدبُّرِ والتفكُّرِ.
والاستعاذةُ ليستْ آيةً في أوائلِ السُّوَرِ، وليس كلامُ السلفِ فيها كالبسملةِ؛ وإنَّما الاستاذةُ دعاءٌ والْتِجاءٌ مِن العبدِ لربِّه عندَ قراءتِهِ القرآنَ.
حُكْمُ الاستعاذةِ عندَ القِرَاءةِ:
ويُشرَعُ عندَ استفتاحِ الصلاةِ بالفاتحةِ أن يستعيذَ القارئُ مِن الشيطانِ الرجيم، ولا خلافَ في ذلك، وإنَّما خلافُ السلفِ في وجوبِ الاستعاذةِ عندَ ذلك على قولَيْنِ؛ هما روايتان عن أحمدَ:
فذهَبت طائفةٌ: إلى الوجوبِ؛ وهو قولُ عطاءٍ والثوريِّ والأوْزاعيِّ وداودَ، وهو روايةٌ عن أحمدَ اختارَها ابنُ بَطَّةَ مِن أصحابِنا، وقد حمَلُوا الأمرَ في الآيةِ على الوجوبِ، ومِن السلفِ: مَن يَرى وجوبَ الاستعاذةِ ولو مَرَّةً في العمرِ؛ فيرَوْنَ المَرَّةَ مُسقِطةً للوجوبِ.
وذهَبتْ طائفةٌ: إلى استحبابِ التعوُّذِ عندَ ذلك؛ وهو قولُ أكثرِ العلماءِ, وهو المذهبُ عندَ أحمدَ.
стр. 1682
والأظهَرُ: أنَّ الأمرَ في الآيةِ للاستحبابِ لا للوجوبِ، ولم يثبُتْ أنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ بالاستعاذةِ عندَ القراءةِ أمرًا حمَلَهُ أصحابُهُ على الوجوبِ، ومَن تأمَّلَ كلامَ السلفِ، وجَدَ أنَّهم لا يُوجِبونَ الاستعاذةَ، ويكادُ يكونُ ذلك عندَهم إجماعًا، وقد حكى الإجماعَ ابنُ جريرٍ (١) وغيرُه.
وقد كان النبيُّ ﷺ يُعلِّمُ أصحابَهُ الصلاةَ، ولم يكنْ يأمُرُهُمْ بالاستعاذةِ، ولو كاد واجبًا، لَمَا ترَكَ ذلك؛ ومِن ذلك تعليمُهُ المُسِيءَ في صلاتِه، وهو في "الصحيحَيْنِ"، فقد عَلَّمَهُ النبيُّ ﷺ الصلاةَ، فقال له: (إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ. . .) (٢)، فعلَّمَهُ الصلاةَ، ولم يُعلِّمْهُ الاستعاذةَ.
على خلافٍ عندَ الفقهاءِ في مُوجِبِ الاستعاذةِ في الصلاةِ: هل هو للصلاةِ أو للقراءةِ؟ :
ومَن يَرى أنَّها للصلاةِ، يرى الاستعاذةَ ولو لم يَتَمكَّنِ المصلِّي مِن القراءةِ؛ فيكونُ حُكْمُها مستقِلًّا كحُكْمِ الاستفتاحِ؛ وإلى هذا ذهَبَ أبو يوسُفَ.
وجمهورُ العلماءِ: على أنَّ الاستعاذةَ للقراءةِ، ويرَوْنَها في الفَرْضِ والنَّفْلِ، وكان مالكٌ يُقيِّدُها بالنفلِ ويَكْرَهُها في الفرضِ.
وإذا لم تَجِبِ الاستعاذةُ عندَ القراءةِ في الصلاةِ، فإنَّها في خارجِها مِن بابِ أولى.
стр. 1683
صِيَغُ الاستعاذةِ:
وقد كان النبيُّ ﷺ يستعيذُ بألفاظٍ وصِيَغٍ متعدِّدةِ، وذلك بحَسَبِ المُوجِبِ والمُقتضِي مِن الأحوالِ؛ منها قولُهُ: (أَعُوذُ بِوَجْهِكَ) (١)، ومنها: (أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ) (٢)، ومنها قولُهُ: (أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ) (٣)، وله استعاذةٌ عندَ دخولِ الخلاءِ، وهي قولُهُ: (اللَّهُمَّ، إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ) (٤)، وله استعاذةٌ عندَ الفَزَعِ، وهي قولُهُ: (بِاسْمِ اللَّهِ، أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ، وَشَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَأَنْ يَحْضرُونِ) (٥)، وله استعاذةٌ عندَ تعويذِه بَنِيهِ؛ كما صنَع مع الحسَنِ والحُسَيْنِ، وهي قولُهُ: (أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّه، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّه، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّه)، وذكَر أنَّ إبراهيمَ كان يُعوِّذُ بها إسماعيلَ وإسحاقَ (٦)، وكان للنبيِّ ﷺ استعاذةٌ عندَ دخولِهِ المسجدَ، وهي قولُه: (أعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (٧)، ورُوِيَ له استعاذةٌ عندَ نزولِ المَنزِلِ (٨)، وعندَ دخولِ البلدِ (٩)، وعندَ خطَراتِ النَّفْسِ ولَمَّةِ الشيطانِ (١٠).
وأمَّا الاستعاذةُ عندَ القراءةِ، فأصحُّ شيءٍ في ذلك هو ظاهرُ القرآنِ، وقولُه ﷺ : (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)؛ كما جاء في حديثِ
стр. 1684
أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ (١)، وابنِ عمرَ، ولم يَختلِفِ العلماءُ على هذه الصيغةِ، وقد حكى الإجماعَ عيها غيرُ واحدٍ؛ كالشاطبيِّ وغيرِه.
وجاء في "المسنَدِ" و"السُّننِ": الاستعاذةُ عندَ القراءةِ بقولِه: (أعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ؛ مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَنَفْثِهِ، ثُمَّ يَقْرَأُ) (٢)، كما جاء في بعضِ ألفاظِ حديثِ أبي سعيدٍ وورَدَ ذِكْرُهُ في قيامِ الليلِ؛ كما في "السُّننِ"، ومنهم مَنْ حكى الإجماعَ على ذِكْرِ "السميعِ العليمِ" فيه؛ كأبي عمرٍو الدانيِّ، وهذا في بعضِ ألفاظِ حديثِ أبي سعيدٍ، ومِن حديثِ جُبَيْرِ بنِ مُطعِمٍ (٣)، وابنِ مسعودٍ (٤)، وأبي أُمامةَ (٥)، وقد تكلَّمْنا على هده الأحاديثِ في كتاب "العِلَلِ".
وأمَّا الاستعاذةُ، فلا يُجهَرُ بها، كما هو الأصحُّ في البسملةِ، وهي أَوْلَى بالإسرارِ مِن البسملةِ.
* * *
* قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦].
نزَلتْ هذه الآيةُ في عَمَّارِ بنِ ياسرٍ لمَّا عذَّبَتْهُ قريشٌ، وأكرَهُوهُ على قولِ الكفرِ؛ كما رواهُ الحاكمُ والبيهقيُّ، عن أبي عبيدةَ بنِ محمدِ بنِ عمارِ بنِ ياسرٍ، عن أبيه؛ قال: أَخَذَ المُشْيكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، فَلَمْ
стр. 1685
يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ ، وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرِ، ثُمَّ تَرَكُوهْ، فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: (مَا وَرَاءكَ؟ )، قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ مَا تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ! قَالَ: (كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ )، قَالَ: مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ، قَالَ: (إِنْ عَادُوا فَعُدْ) (١).
والإكراهُ المقصودُ: هو الذي لا اختيارَ ولا قُدْرةَ للإنسانِ معه؛ كالتهديدِ بقتلِه، أو إتلافِ عضوٍ منه، أو تعذيبِهِ بما لا يُطيقُه، مِن قادرٍ على ذلك، ويَفِي عادةً لو توعَّدَ.
ولم يَختلِفِ العلماءُ على أنَّ الإسلامَ يصحُّ مع الإكراهِ على الكفر، ومَن أُكرِهَ على الكفرِ ولا حَيْدةَ له عنه، فلا شيءَ عليه في ذلك ما دام قلبُهُ مطمئنًّا بالإيمانِ.
والتفاضُلُ في بابِ الإكراهِ يَختلِفُ؛ فبعضُ المَقاماتِ يجبُ فيها الصبرُ ولو قُتِل الإنسانُ؛ كمَن يتيدَّلُ الدِّينُ بإظهارِه الكفرَ، وهذا كمَقَامِ الأنبياءِ؛ ولهذا لم يرخِّصِ اللَّه لنبيٍّ في التلبُّسِ بالكفرِ ولو قُتِلَ على إيمانِه، ومِثْلُهم أعيانُ ورَثَتِهم الذين تعيَّنَ على الواحدِ منهم الوقوفُ بالحقِّ والثباتُ عليه، فيكونُ مَقامُهُ في قومِهِ كمَقامِ النبيِّ في أُمَّتِهِ؛ تفرُّدًا وانقيادًا للناسِ معه، والناسُ في هذا مقاماتٌ؛ فمَقَامُهُمْ في الناسِ كمَقَامِهِمْ في العُذْرِ، وكلَّما ارتفَعَ مَقامُهم، نقَصَ عذرُهم.
ومع وجودِ الرخصةِ ففد حكَى بعضُ العلماءِ الإجماعَ على أنَّ مَن اختار القتلَ وهو قادرٌ على الثباتِ عندَ الشِّدَّةِ، فإنَّه أفضلُ ممَّن اختار الرخصةَ.
ولا فرقَ في الإكراهِ بينَ الأقوالِ والأفعالِ على الصحيحِ؛ وهو قولُ الجمهورِ، والأشْهَرُ عن أحمدَ، ويتعيَّنُ مع فعلِ أو قولِ الكفرِ والمعصيةِ