← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

وكفَّارتِها، عندَ فولِهِ تعالى في آلِ عِمْرانَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ﴾ [٧٧]، والمائدةِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. * * * * قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨]. أمَرَ اللَّهُ بالاستعاذةِ مِن الشيطانِ عندَ قراءةِ القرآنِ؛ لأنَّ الشيطانَ مع كُرْهِهِ للذِّكْرِ ونفورِهِ منه، إلَّا أنَّه يَتسلَّطُ على العبدِ باستحضارِ معاني السُّوءِ ومتُشابهاتِ القرآنِ ابتغاءً للفتنةِ منه، فيَصرِفُهُ عن التدبُّرِ والتفكُّرِ. والاستعاذةُ ليستْ آيةً في أوائلِ السُّوَرِ، وليس كلامُ السلفِ فيها كالبسملةِ؛ وإنَّما الاستاذةُ دعاءٌ والْتِجاءٌ مِن العبدِ لربِّه عندَ قراءتِهِ القرآنَ. حُكْمُ الاستعاذةِ عندَ القِرَاءةِ: ويُشرَعُ عندَ استفتاحِ الصلاةِ بالفاتحةِ أن يستعيذَ القارئُ مِن الشيطانِ الرجيم، ولا خلافَ في ذلك، وإنَّما خلافُ السلفِ في وجوبِ الاستعاذةِ عندَ ذلك على قولَيْنِ؛ هما روايتان عن أحمدَ: فذهَبت طائفةٌ: إلى الوجوبِ؛ وهو قولُ عطاءٍ والثوريِّ والأوْزاعيِّ وداودَ، وهو روايةٌ عن أحمدَ اختارَها ابنُ بَطَّةَ مِن أصحابِنا، وقد حمَلُوا الأمرَ في الآيةِ على الوجوبِ، ومِن السلفِ: مَن يَرى وجوبَ الاستعاذةِ ولو مَرَّةً في العمرِ؛ فيرَوْنَ المَرَّةَ مُسقِطةً للوجوبِ. وذهَبتْ طائفةٌ: إلى استحبابِ التعوُّذِ عندَ ذلك؛ وهو قولُ أكثرِ العلماءِ, وهو المذهبُ عندَ أحمدَ.

стр. 1682

والأظهَرُ: أنَّ الأمرَ في الآيةِ للاستحبابِ لا للوجوبِ، ولم يثبُتْ أنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ بالاستعاذةِ عندَ القراءةِ أمرًا حمَلَهُ أصحابُهُ على الوجوبِ، ومَن تأمَّلَ كلامَ السلفِ، وجَدَ أنَّهم لا يُوجِبونَ الاستعاذةَ، ويكادُ يكونُ ذلك عندَهم إجماعًا، وقد حكى الإجماعَ ابنُ جريرٍ (١) وغيرُه. وقد كان النبيُّ ﷺ يُعلِّمُ أصحابَهُ الصلاةَ، ولم يكنْ يأمُرُهُمْ بالاستعاذةِ، ولو كاد واجبًا، لَمَا ترَكَ ذلك؛ ومِن ذلك تعليمُهُ المُسِيءَ في صلاتِه، وهو في "الصحيحَيْنِ"، فقد عَلَّمَهُ النبيُّ ﷺ الصلاةَ، فقال له: (إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ. . .) (٢)، فعلَّمَهُ الصلاةَ، ولم يُعلِّمْهُ الاستعاذةَ. على خلافٍ عندَ الفقهاءِ في مُوجِبِ الاستعاذةِ في الصلاةِ: هل هو للصلاةِ أو للقراءةِ؟ : ومَن يَرى أنَّها للصلاةِ، يرى الاستعاذةَ ولو لم يَتَمكَّنِ المصلِّي مِن القراءةِ؛ فيكونُ حُكْمُها مستقِلًّا كحُكْمِ الاستفتاحِ؛ وإلى هذا ذهَبَ أبو يوسُفَ. وجمهورُ العلماءِ: على أنَّ الاستعاذةَ للقراءةِ، ويرَوْنَها في الفَرْضِ والنَّفْلِ، وكان مالكٌ يُقيِّدُها بالنفلِ ويَكْرَهُها في الفرضِ. وإذا لم تَجِبِ الاستعاذةُ عندَ القراءةِ في الصلاةِ، فإنَّها في خارجِها مِن بابِ أولى.

стр. 1683

صِيَغُ الاستعاذةِ: وقد كان النبيُّ ﷺ يستعيذُ بألفاظٍ وصِيَغٍ متعدِّدةِ، وذلك بحَسَبِ المُوجِبِ والمُقتضِي مِن الأحوالِ؛ منها قولُهُ: (أَعُوذُ بِوَجْهِكَ) (١)، ومنها: (أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ) (٢)، ومنها قولُهُ: (أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ) (٣)، وله استعاذةٌ عندَ دخولِ الخلاءِ، وهي قولُهُ: (اللَّهُمَّ، إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ) (٤)، وله استعاذةٌ عندَ الفَزَعِ، وهي قولُهُ: (بِاسْمِ اللَّهِ، أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ، وَشَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَأَنْ يَحْضرُونِ) (٥)، وله استعاذةٌ عندَ تعويذِه بَنِيهِ؛ كما صنَع مع الحسَنِ والحُسَيْنِ، وهي قولُهُ: (أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّه، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّه، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّه)، وذكَر أنَّ إبراهيمَ كان يُعوِّذُ بها إسماعيلَ وإسحاقَ (٦)، وكان للنبيِّ ﷺ استعاذةٌ عندَ دخولِهِ المسجدَ، وهي قولُه: (أعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (٧)، ورُوِيَ له استعاذةٌ عندَ نزولِ المَنزِلِ (٨)، وعندَ دخولِ البلدِ (٩)، وعندَ خطَراتِ النَّفْسِ ولَمَّةِ الشيطانِ (١٠). وأمَّا الاستعاذةُ عندَ القراءةِ، فأصحُّ شيءٍ في ذلك هو ظاهرُ القرآنِ، وقولُه ﷺ : (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)؛ كما جاء في حديثِ

стр. 1684

أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ (١)، وابنِ عمرَ، ولم يَختلِفِ العلماءُ على هذه الصيغةِ، وقد حكى الإجماعَ عيها غيرُ واحدٍ؛ كالشاطبيِّ وغيرِه. وجاء في "المسنَدِ" و"السُّننِ": الاستعاذةُ عندَ القراءةِ بقولِه: (أعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ؛ مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَنَفْثِهِ، ثُمَّ يَقْرَأُ) (٢)، كما جاء في بعضِ ألفاظِ حديثِ أبي سعيدٍ وورَدَ ذِكْرُهُ في قيامِ الليلِ؛ كما في "السُّننِ"، ومنهم مَنْ حكى الإجماعَ على ذِكْرِ "السميعِ العليمِ" فيه؛ كأبي عمرٍو الدانيِّ، وهذا في بعضِ ألفاظِ حديثِ أبي سعيدٍ، ومِن حديثِ جُبَيْرِ بنِ مُطعِمٍ (٣)، وابنِ مسعودٍ (٤)، وأبي أُمامةَ (٥)، وقد تكلَّمْنا على هده الأحاديثِ في كتاب "العِلَلِ". وأمَّا الاستعاذةُ، فلا يُجهَرُ بها، كما هو الأصحُّ في البسملةِ، وهي أَوْلَى بالإسرارِ مِن البسملةِ. * * * * قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦]. نزَلتْ هذه الآيةُ في عَمَّارِ بنِ ياسرٍ لمَّا عذَّبَتْهُ قريشٌ، وأكرَهُوهُ على قولِ الكفرِ؛ كما رواهُ الحاكمُ والبيهقيُّ، عن أبي عبيدةَ بنِ محمدِ بنِ عمارِ بنِ ياسرٍ، عن أبيه؛ قال: أَخَذَ المُشْيكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، فَلَمْ

стр. 1685

يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ ، وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرِ، ثُمَّ تَرَكُوهْ، فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: (مَا وَرَاءكَ؟ )، قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ مَا تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ! قَالَ: (كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ )، قَالَ: مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ، قَالَ: (إِنْ عَادُوا فَعُدْ) (١). والإكراهُ المقصودُ: هو الذي لا اختيارَ ولا قُدْرةَ للإنسانِ معه؛ كالتهديدِ بقتلِه، أو إتلافِ عضوٍ منه، أو تعذيبِهِ بما لا يُطيقُه، مِن قادرٍ على ذلك، ويَفِي عادةً لو توعَّدَ. ولم يَختلِفِ العلماءُ على أنَّ الإسلامَ يصحُّ مع الإكراهِ على الكفر، ومَن أُكرِهَ على الكفرِ ولا حَيْدةَ له عنه، فلا شيءَ عليه في ذلك ما دام قلبُهُ مطمئنًّا بالإيمانِ. والتفاضُلُ في بابِ الإكراهِ يَختلِفُ؛ فبعضُ المَقاماتِ يجبُ فيها الصبرُ ولو قُتِل الإنسانُ؛ كمَن يتيدَّلُ الدِّينُ بإظهارِه الكفرَ، وهذا كمَقَامِ الأنبياءِ؛ ولهذا لم يرخِّصِ اللَّه لنبيٍّ في التلبُّسِ بالكفرِ ولو قُتِلَ على إيمانِه، ومِثْلُهم أعيانُ ورَثَتِهم الذين تعيَّنَ على الواحدِ منهم الوقوفُ بالحقِّ والثباتُ عليه، فيكونُ مَقامُهُ في قومِهِ كمَقامِ النبيِّ في أُمَّتِهِ؛ تفرُّدًا وانقيادًا للناسِ معه، والناسُ في هذا مقاماتٌ؛ فمَقَامُهُمْ في الناسِ كمَقَامِهِمْ في العُذْرِ، وكلَّما ارتفَعَ مَقامُهم، نقَصَ عذرُهم. ومع وجودِ الرخصةِ ففد حكَى بعضُ العلماءِ الإجماعَ على أنَّ مَن اختار القتلَ وهو قادرٌ على الثباتِ عندَ الشِّدَّةِ، فإنَّه أفضلُ ممَّن اختار الرخصةَ. ولا فرقَ في الإكراهِ بينَ الأقوالِ والأفعالِ على الصحيحِ؛ وهو قولُ الجمهورِ، والأشْهَرُ عن أحمدَ، ويتعيَّنُ مع فعلِ أو قولِ الكفرِ والمعصيةِ

стр. 1686

كراهيتُها بالقَلْبِ؛ وإلا كان استحلالًا؛ وهو معنى قوله: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾. وأمَّا ما جاءَ مِن حديثِ عُبادةَ (١)، وأبي الدرداءِ (٢): "لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ قُطِّعْتُمْ، أَوْ حُرِّقْتُمْ، أَوْ صُلِّبْتُمْ"، فهذا عامٌّ مخصوصٌ بالقلبِ؛ وذلك لظاهرِ الآيةِ: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾. * * * * قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)﴾ [النحل: ١١٥]. تقدَّم الكلامُ على المحرَّماتِ مِن بهيمةِ الأنعامِ في مَواضِعَ، منها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقولِهِ تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]. * * * * قال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ [النحل: ١٢٦]. في هذا: أمرٌ بالعدلِ حتى عندَ العقابِ والانتصارِ للنَّفْسِ، فيجبُ العدلُ مع الظالمِ كما يجبُ العدلُ للمظلومِ، ولمَّا كانتْ كثيرٌ مِن النفوسِ

стр. 1687

يَغيبُ عنها العدلُ عندَ انتصارِها لنفسِها؛ لِمَا جُبِلَتْ عليه مِن التشفِّي والأثَرةِ، أمَرَها اللَّهُ بالعدلِ وتحرِّي الإنصافِ عندَ الانتصارِ وعقابِ الظالمِ، وأن يكونَ ذلك بالمِثْلِ، وقد جاء بمعنى هذه الآيةِ آياتٌ كثيرةٌ؛ منها قولُهُ تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقولُهُ تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)﴾ [الحج: ٦٠]. وقد تقدَّم الكلامُ على الانتصارِ للنفسِ بمِثْلِ ما بُغِيَ عليها عندَ قولِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وسيأتي بيانُ أحوالِ الانتصارِ للنفسِ عندَ قولِهِ تعالى في سورةِ الشعراءِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾ [الشعراء: ٢٢٧]. * * *

стр. 1688

سورة الإسراء سورةُ الإسراءِ سورةٌ مكيَّةٌ، كما قالهُ ابنُ عبَّاسٍ وجمهورُ المفسِّرين، واختُلِفَ في بعضِ آياتِها (١)، وجاءتْ في بيانِ معجِزاتِ النبيِّ ﷺ ، والتذكيرِ بأحوالِ السابِقينَ مِن المُعانِدينَ لأنبيائِهم، وأمَرَ اللَّهُ فيها بتوحيدِهِ وببعضِ أصولِ الفِطْرةِ، وذكَرَ بعضَ الشرائعِ العِظَامِ والنواهِي المُوبِقةِ تعظيمًا لها؛ ليَعلَمَ الناسُ أنَّ دِينَ الإسلامِ دِينُ فِطْرةٍ؛ لا يخرُجُ عن دعوةِ الأنبياءِ جميعًا، ولا عن دواعِي الفِطْرةِ. * * * * قال تعالى: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ (١٢)﴾ [الإسراء: ١٢]. جعَلَ اللَّهُ دَوَرانَ الأفلاكِ؛ لمعرِفةِ الحسابِ ولتحديدِ المواقيتِ نفعًا للناسِ في دِينِهم ودُنياهم؛ بها يَعرِفونَ أوقاتَ العباداتِ ومواسمَها، وبها يَعرِفونَ مصالحَهم في دِينِهم ودُنياهم، وقد تقدَّم عندَ قولِهِ تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] وقولِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] الكلامُ على الحِكْمةِ مِن الحسابِ بالأهِلَّةِ، وتقدَّم الكلامُ على منافعِ الحسابِ وحدودِ الانتفاعِ منه عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: ٩٦].

стр. 1689

وتقدَّم في قولِهِ تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] الكلامُ على التوسِعةِ في استقبالِ القِبلةِ بدَلَالةِ الشمسِ لا بضبطِ النجومِ. * * * * قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦)﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٦]. أمَرَ اللَّهُ ببِرِّ الوالدَيْنِ والإحسانِ إليهما بمكَّةَ، وقرَنَ بِرِّ الوالدَيْنِ بتوحيدِه، وهذا في مواضعَ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦] وقولِهِ تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام: ١٥١]. وبِرُّ الوالدَيْنِ تدعو إليه الفِطْرةُ، وهو مِن أعظَمِ شِيَمِ النفوسِ؛ فإنَّها مجبولةٌ على ردِّ المعروفِ إلى مَنْ أحسَنَ إليها، وأعظَمُ مُحْسِنٍ عليها مِن الخَلْقِ الوالدانِ. وفي قولِه تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ استحبابُ الدعاءِ للوالدَيْنِ المُسلِمَينِ بعدَ موتِهما، وهو مِن البِرِّ الذي لا ينقطِعُ. وقد تقدَّم الكلامُ على بِرِّ الوالدَيْنِ، وصِلَةِ الأرحامِ والأقاربِ، وحدودِهم، ومَن يجبُ وصلُهُ منهم، في صدرِ سورةِ النِّساءِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]. وقولُه تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦)﴾،

стр. 1690

فيه فضلُ الإحسانِ بالمالِ والنفقةِ على المحتاجِ، وقدَّمَ القَرَابةَ على غيرِهم؛ لأنَّ النفقةَ عليِهم صَدَقةٌ وصِلَةٌ، والهديَّةُ للأقرَبِينَ التي تؤلِّفُ القلبَ ويُوصَلُ بها رحمٌ: أفضلُ مِن الصَّدَقةِ على بعيدٍ متوسِّطِ الحاجةِ. وقد نَهَى اللَّهُ عن التبذيرِ حتى في الصَّدَقةِ، والمرادُ بذلك: الإنفاقُ بما يُضِرُّ بمالِ الرجُلِ وأهلِهِ وولدِهِ ومَنْ له حقٌّ عليه؛ وهذا كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)﴾ [الأنعام: ١٤١]، وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان: ٦٧]. وتقدَّم الكلامُ على السَّرَفِ والتبذيرِ وأنواعِهِ وحدودِهِ وكيفيَّةِ معرفتِهِ، عندَ آيةِ الأنعامِ السابقةِ، وعندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]. وقد أمَرَ اللَّهُ بالإنفاقِ على مَنْ لا يُحسِنُ تدبيرَ المالِ، ونهَى عن إعطائِهِ إيَّاهُ؛ حتى لا يَضَعَهُ في غيرِ موضعِه؛ إمَّا بحرامٍ أو بسَرَفٍ في حلالٍ؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ [النساء: ٥]؛ ولهذا جاء النهيُ عن الوصيَّةِ فوقَ الثُّلُثِ؛ لأنَّ الوصيَّةَ فوقَ الثلُثِ تُضِرُّ بالورثةِ، وقد بيَّنَ اللَّهُ فضلَ الإحسانِ إلى الورثةِ مِن بعدِ الموتِ بِتَرْكِ مالٍ لهم؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)﴾ [النساء: ٩]، وعندَ هذه الآيةِ تكلَّمْنا على الوصيَّةِ بالثُّلُثِ، وحُكْمِ الوصيَّةِ بما زاد عليها، ووصيَّةِ الرجُلِ بمالِهِ كلَّه إنْ لم يكنُ له ورثةٌ. * * *

стр. 1691

* قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾ [الإسراء: ٣١]. تقدَّم في سورة الأنعامِ قولُهُ تعالى: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [١٥١] وأراد أنَّ الذي رزَقَ الآباءَ مِن قبلُ هو الذي يتكفَّلُ برِزَقِ الأبناءِ مِن بعدُ، فالربُّ واحدٌ، فقد كاد يَخشى الجَدُّ على ولدِه، فرزَقَ الجَدَّ وولدَه، ثمَّ خاف الأبُ على ولدِه، فرزَقَ الأبَ وولدَه؛ وهكذا فرَبُّ الأجيالِ واحدٌ. وفي قوله تعالى في هذه السورة ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ مع قولِهِ في سورةِ الأنعامِ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [١٥١]، إشارةٌ إلى أنَّ اللَّهَ يرزُقُ الوالدَ بالولدِ، ويرزُقُ الولدَ بالوالدِ؛ برَكةً متبادَلةً، ومِن ذلك ما في سورةِ الكهفِ في مالِ اليتيمَيْنِ، قال: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [٨٢]، وقد يَحفَظُ اللَّهُ الولدَ بعملِ والدِه، ولكنْ لا يُضيِّعُهُ لضياعِ والدِه؛ فلا تَزِرُ وَازِرةٌ وِزْرَ أُخرى؛ ولذا قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩)﴾ [المدثر: ٣٨ - ٣٩]؛ وهذا في الدُّنيا والآخِرةِ، فيَلحَقُ الولدُ والدَهُ في الخيرِ في الآخِرةِ إنْ كانَا مؤمنَيْنِ، ولا يَلحَقُهُ في الشرِّ، وجزاؤُهُ بعملِه؛ كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١]. وقد تقدَّم الكلامُ على قتلِ الأولادِ في الجاهليَّةِ وأسبابِه، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ [الأنعام: ١٤٠]. * * *

стр. 1692

* قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٣ - ٣٥]. في هذا حقُّ الأولياءِ بالقِصاصِ والعفوِ في قتلِ العَمْدِ، ولهم العفوُ عن الدِّيَةِ في قتلِ الخطأِ؛ فقد بيَّنَ اللَّهُ أنَّ للوليِّ السلطانَ في ذلك، فلا يجوزُ لأحدٍ أن يتقدَّمَ على الوليِّ في ذلك مهما بلغ سلطانُهُ وجاهُهُ ومالُه. وقد قال ابنُ عبَّاسٍ: "بيِّنةٌ مِن اللَّهِ أنزَلَها يطلُبُها وليُّ المقتولِ: العَقلُ، أو القَوَدُ؛ وذلك السُّلْطانُ" (١). ثمَّ حذَّر اللَّهُ ولِيَّ المقتولِ مِن البغيِ والعُدْوان، وذلك بالإسرافِ في القتلِ، فيقتُلُ غيرَ قاتِلِه؛ كمَن يقتُلُ سيِّدًا مِن أولياءِ القاتلِ يُريدُ أن يتشفَّى منهم؛ فإنَّ اللَّهَ جعَلَ نفوسَ المؤمِنينَ واحدةً، فلو قتَلَ رجلٌ ضعيفٌ رجلًا قويًّا غنيًّا سيِّدًا، فإنَّه يُقتَلُ الضعيف بالقويِّ، ولا يُقتَلُ مِن قومِ الضعيفِ قويٌّ مِثلُ المقتولِ؛ فهذا سرَفٌ ومِن عملِ الجاهليَّةِ. ومِن السَّرَفِ قتلُ اثنَينِ بواحدٍ، أو التمثيل وإفسادُ المالِ مع القتلِ، وقد بيَّن اللَّهُ نصرَ اللَّهِ له بحُكْمِهِ وفَصْلِه، ولكنَّه لا يجوزُ له مجاوزةُ حُكمِ اللَّهِ وشرعِه، ومنهم مَن قال: إنَّ المُعتدَى عليه منصورٌ في الحالَيْنِ. وقد تقدَّم الكلامُ على القِصاصِ في مواضعَ؛ منها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقولِهِ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥].

стр. 1693

وتقدَّم الكلامُ على مالِ اليتيمِ وحِفْظِهِ والمتاجَرَةِ فيه وخلْطتِه، ووقتِ بلوغِهِ ودفعِ المالِ إليه، في سورةِ البقرةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وفي أوائل سورةِ النِّساءِ. وتقدَّم الكلامُ على الوفاءِ بالعهودِ في صدر المائدة، وتقدَّم الكلامُ على التطفيفِ بالمِكْيالِ والمِيزانِ وأخذِ العُشُور والضرائب عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥]. * * * * قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١)﴾ [الإسراء: ٧١]. في هذه الآية: فضلُ الأخذِ باليمينِ، وأنَّ استعمالَ اليمينِ: في الأمورِ الشريفةِ والكريمةِ؛ وهذا ظاهرٌ في قولِهِ تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧)﴾ [طه: ١٧]، فقد كان يُمسكُ عصًا بيمينِهِ، وفي قولِهِ تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ [العنكبوت: ٤٨]، فجعلَ الخطَّ والكتابةَ باليمين؛ وهذا هو الأقرَبُ إلى الفِطْرةِ، وهو السُّنَّةُ؛ لأنَّ الكتابةَ شريفةٌ. * * * * قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء: ٧٨]. الدُّلُوكُ: زوالُ الشمس؛ كما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمَر (١)؛ يعني: دخولَ وقتِ الظُّهر، ثمَّ في قولِهِ تعالى، ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾؛ يعني:

стр. 1694

بقيَّةَ الصلوات: العصرَ والمغرِبَ والعشاءَ، ثم خَصَّ الفَجْرَ بالذِّكْر؛ كما خَصَّ الظُّهْرَ، فقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]؛ يعني: صلاةَ الفجرِ. وفي هذه الآية: بيانٌ لبعضِ مواقيتِ الصلاة، وقد تقدَّم مزيدُ تفصيلٍ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]. * * * * قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩] شرَعَ اللَّهُ لنبيِّهِ التهجُّدَ بمكَّةَ، وهذا دليلٌ على فضلهِ؛ فإنَّ اللَّه شرَعَ له أفضلَ الأعمالِ وأعظَمَها بمَكَّةَ، وتقدُّمُ التشريعِ دليلٌ على الفضلِ؛ لهذا تقدَّمَ بيانُ التوحيدِ وتشريعُ بعضِ أركانِ الإسلام، ويأتي الكلام على قيامِ الليلِ -بإذنِ اللَّهِ- في سورة المُزَّمِّلِ. * * * * قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]. وفي هذا: بيانٌ لخَفَاء أمرِ الرُّوحِ، وأنَّها ممَّا لا يتمكَّنُ أحدٌ مِن الوقوفِ على حقيقتِهِ، فضلًا عن التحكُّمِ والتصرُّف فيه، وغايةُ ما يفعلُهُ العلماءُ: تعريفُ الرُّوحِ ومحاوَلَةُ تمييزِها عن النَّفْسِ، وقد كتَبُوا في ذلك كثيرًا. وفي هذه الآيةِ: دليلٌ على بُطْلانِ ما يُسمَّى بطِبِّ الأرواحِ

стр. 1695

وعلاجِها، فهم إن قَصَدُوا طِبَّ النفوسِ، فهذا ممكِنٌ؛ لمعرفةِ كثيرٍ مِن أحوالِ النَّفْسِ ممَّا ظهَرَ منها ودَقَّ، وقد أخبَرَ اللَّهُ في القرآن، والنبيُّ ﷺ في السُّنَّةِ، عن كثير من أَمْرِها ومَداخِلِها، وتصرُّفِها في صاحِبِها، وسياستِها، وطِبِّها وأدوائِها. وإنَّما يبطل ما يُسمَّى بطِبِّ الأرواحِ؛ لخَفاءِ الرُّوح بذَاتِها، فضلًا عن العِلْمِ بها، فضلًا عن الحديثِ عن علاجِها؛ فإنَّ أهلَ الطبِّ يَعجِزونَ ويتعسَّرُ عليهم معرِفةُ كثير من بعض الأمراض البدنيَّةِ المحسوسة وتحديدُ علاجها؛ فكيف بشيءٍ أخفاه اللَّهُ عن الإنسانِ؟ ! والكتُبُ المصنَّفة في هذا الباب ككتُبِ الرُّوح والنَّفْس هي في بيانِ حَدِّ الرُّوح ومحاولة الوقوفِ على شيءٍ ممَّا ذُكِرَ عنها، وكلُّ ما ورَدَ في ذلك من غيرِ الوحي تكهُّنات، لا حُجَجٌ ولا بيِّنات. * * * * قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٧، ١٠٨]. ذكَرَ اللَّه أهلَ الإيمانِ والعِلْمِ، وذكَرَ من أفعالِهم الخضوع للَّهِ وَخَشْيَتَهُ، وذلك بالسجودِ للَّهِ عندَ قيامِ مُوجِبِ ذلك، وقد تقدَّم الكلامُ على أسباب السجود في غير الصلاة، وحُكُم السجودِ من غيرِ سببٍ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: ٥٨]، وقولِهِ تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠)﴾ [الأعراف: ١٢٠]. وحمَلَ بعضُهم السجودَ في هذه الآيةِ على سجودِ التلاوةِ؛ لاقترانِهِ

стр. 1696

بقراءةِ القرآن، وسجودُ التلاوةِ سُنَّةٌ، وعلى هذا عملُ الخلفاءِ الراشِدِينَ والصحابة، وهو قولُ جمهورِ الفقهاءِ؛ لِما في "الصحيحَيْنِ"، مِن حديثِ زيِد بنِ ثابتٍ: "أنَّه قرَأَ على النبيِّ ﷺ سورةَ النَّجْمِ، فلم يَسْجُدْ فيها" (١). وفي البخاريِّ، عن عمرَ؛ قال: "إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُود، فَمَنْ سَجَدَ، فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدُ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ"، وقال ابنُ عمرَ: "إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفرِضِ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ" (٢). وفي قولهِ تعالى: ﴿سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ [الإسراء: ١٠٧، ١٠٨] مشروعيَّةُ التسبيحِ في السجود، ويأتي الكلامُ على التسبيح في السجودِ والركوعِ وحُكْمِهِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)﴾ [السجدة: ١٥]. * * * * قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]. سمَّى اللَّهُ قراءةَ القرآنِ صلاةً في هذه الآيةِ، كما سمَّى الصلاةَ قرآنًا في قولِهِ تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. وهذه الآيةُ نزَلَتْ بمكَّةَ حينَما كاد النبيُّ ﷺ يَجهَرُ بالقرآنِ فيَنفِرُ منه كفارُ قريشٍ ويُؤْذونَهُ، وربَّما خافَتَ حتى لا يَكادَ يَسمعُهُ مَن يَسْتخفِي مِن المؤمِنينَ؛ كما في "المسنَدِ" و"الصحيحَيْنِ"، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: نزَلَتْ هذه الآيةُ ورسولُ اللَّهِ ﷺ مُخْتَفٍ بمكَّةَ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾؛ قال: كان إذا صلَّى بأصحابِه، رفَعَ صوتَهُ بالقرآن، فلمَّا سَمِعَ ذلك

стр. 1697

المشركون، سَبُّوا القرآنَ وسَبُّوا من أنزَلَهُ ومَنْ جاءَ به، قال: فقال اللَّهُ تعالى لنبيِّه ﷺ : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾؛ أي: بقراءتِكَ فيَسمَعَ المشرِكونَ فيَسُبُّوا القرآنَ، ولا تخافت بها ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عن أصحابِك، فلا تُسْمِعُهم، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (١). وهذه الآيةُ تتَّصِلُ بالدعوةِ وتبليغِ الناسِ والأخذِ بالحِكْمةِ في ذلك، ومِن العلماءِ: مَن حمَلَها على مسألةِ الجهرِ بالقراءةِ في الصلاةِ وقراءةِ المأمومِ خلفَ الإمامِ، وقد تقدَّم ذلك عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. * * *

стр. 1698

سورة الكهف هذه السورةُ مكيَّةٌ، وهي من العِتَاقِ الأُوَلِ التي نزَلَتْ على النبيِّ ﷺ ؛ كما قال ابنُ مسعودٍ في بني إسرائيلَ والكهفِ ومريمَ وطه والأنبياءِ: إنَّهُنَّ مِن العِتَاقِ الأُوَلِ، وهنَّ من تِلَادِي (١). وهي مِن قَصَصِ القرآنِ للاعتبارِ والاتِّعاظِ والإعجازِ مِن ذِكْرِ خبرِ الماضِينَ، وأحكامُها مستنبَطةٌ لا منصوصةٌ، وهي متعلِّقةٌ بشرعِ مَنْ قبلَنا، ومقدارِ ما تُوافِقُهُ شريعتُنا، وفي هذه المسألةِ كلامٌ، تقدَّم شيءٌ منه عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]. * * * * قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف: ١٢]. مكَثَ أهلُ الكَهْفِ في كَهْفِهم سِنينَ لا يَعلَمُونَ هم قَدْرَها ولا أهلُ المدينةِ الذين خرَجُوا إليهم كذلك، فلم يَعلَمِ الكفارُ ولا المؤمِنونَ ذلك القَدْرَ، وقد اختُلِفَ في المقصودِ بالحِزبَيْنِ؛ فقيل: إنَّهم قومُ الفِتْيةِ، ومنهم مَن قال: قومُهم وغيرُهم. وفي هذه الآيةِ: دليلٌ على أثرِ عِلْمِ الحسابِ والتاريخِ في الاعتبارِ

стр. 1699

والاتِّعاظِ؛ فقد جعَلَ اللَّهُ إحصاءَ معرِفةِ ذلك مِن آياتِه، وكلَّما كان الإنسانُ أكثَرَ نظرًا وسَبْرًا للأحوالِ وأزمِنَتِها وما تَغَيَّرتْ خِلَالَه، كان أكثَرَ اعتبارًا مِن غيرِهِ ممَّن لا يَرَى إلَّا المشاهَداتِ ولا يَصِلُها بما مضى مِن حالِها. وفي هذه الآيةِ: فضلُ عِلْمِ الحسابِ والتاريخِ، وفضلُ تعلُّمِهِ وتعليمِهِ ونشرِهِ للناسِ، مع بيانِ أثرِهِ على الإيمانِ باللَّهِ، وما فيه من إظهار آياتِه وقُدْرتِه. واللَّهُ تعالى قدَّر على أهلِ الكهفِ ما نزَلَ بهم، وقدَّر زمَنَ بقائِهم والناسِ من حولِهم، ويَعلَمُ ذلك قبلَ كونهِ، بعلمٍ سابق، وبعدَ بعلمٍ لاحِق، فقول: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾؛ يعني: لِنَعْلَمَ ذلك واقعًا، ويَظهَرَ أمرُهم علانيَةً، وعلمُ اللَّهِ اللاحقُ موافقٌ لِعلْمِهِ السابِقِ، لا مخالفٌ له، وعلمُه السابقُ علمٌ بأنَّ هذه الأحداثَ ستكون، وعلمُهُ اللاحقُ علمٌ بأنَّها كانت أو تكونُ بعد علمِهِ بأنها ستكون، واللَّهُ يُجْرِي الأحداثَ ليُظهِرَ منها أشياءَ للناسِ، ويبتليهم ويقيمَ عليهم الحجةَ بذلك؛ ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)﴾ [آل عمران: ١٥٤]، فلمَّا ذكَرَ أنَّه يَبتلِيهِم ليُخرِجَ ما في قلوبِهم، قال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾؛ يعني: أنَّه يَعلَمُهُ ولو لم يَظهَرَ؛ وإنَّما يُظهِرُهُ لكم لِيَعْلَمَهُ واقعًا، فَتَرَوْهُ وتَسْمَعوه. * * * * قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾ [الكهف: ١٨]. ذكر اللَّهُ مع أصحابِ الكهفِ كلبًا، وأضافَهُ إليهم في قولِهِ:

стр. 1700

﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾؛ أي: كَلْبُهم الذي كان معهم مِن قَبْلُ، لا كلبُ غيرهم، وقد عَدَّهُ معهم لكونِهِ منهم، فلو لم يكنْ مُصاحبًا لهم قبلَ دخولِهم الكهفَ، لم يَذكُرْهُ في العَدَدِ معهم، وذلك في قولِهِ تعالى بعدُ: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، وقال: ﴿خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، وقال: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]. ومن القرائن كذلك قولُه تعالى: ﴿بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾؛ يعني: في فِنَاءِ الكهفِ في صورةِ الحارسِ لهم لِيُهَيِّبَهم، وفي ذلك قال تعالى، ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾؛ يعني: منهم ومِن كلبِهم؛ لأنَّه معدودٌ فيهم. حُكْمُ اقتِناءِ الكَلْبِ للحِرَاسةِ وغيرِها: وقد ثبَتَ في الشريعةِ: أنَّ الأصلَ في اقتناءِ الكلبِ المنعُ؛ وذلك لِمَا ثبَتَ في "الصحيحَيْنِ"، عن أبي هريرةَ ﵁؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا، إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ قَالَ أَوْ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ، انْتَقَصَ مِن أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ) (١). وفي "الصحيحَيْنِ"؛ من حديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ) (٢). وامتناعُ الملائكةِ عن الدخولِ دليلٌ على دخولِ الشياطِينِ وحضورِها؛ وهذا دليلٌ على عدمِ جوازِ دخولِها بلا حاجةٍ، وأكثرُ العلماءِ على التحريمِ. ومِن العلماءِ -كابنِ عبدِ البَرِّ (٣) - مَن حمَلَ الحديثَ على الكراهةِ؛

стр. 1701

لأنَّ الحديثَ يُفيدُ نُقْصانَ الأجرِ، ونُقصانُ الأجرِ لا يَلزمُ منه ارتكابُ المحرَّمِ، ولو كان يَحمِلُ الإثمَ، لكان ذِكْرُ الإثمِ أَولى مِن ذِكْرِ نُقْصانِ الأجرِ. والأظهَرُ التحريمُ؛ لأنَّه لا تُحبَطُ أعمالٌ بمِثْل هذا القَدْرِ الدائمِ وهو قِيرَاطٌ إلَّا عن إثمٍ، والأصلُ أنَّه لا يُحبِطُ الحَسَناتِ إلَّا السيِّئاتُ، والأُجورُ تَنقُصُ لسببَيْنِ: الأولُ: تنقُصُ بسببٍ في العملِ الصالحِ أو لازمٍ لها؛ كعَدَمِ الخشوعِ في الصلاةِ؛ فإنَّه يَنقُصُ الأجرَ؛ فلا يُقبَلُ منها إلَّا رُبُعُها أو ثُلُثُها؛ كما لي حديثِ عمَّارٍ (١)، وكذلك المَنُّ الذي يَتَبَعُ الصَّدَقةَ؛ فقد قال تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، فهذا يُحبِطُ أجرَها، ولا يَلزَمُ إلحاقُ وِزْرٍ بصاحِبِها. الثاني: تَنقُصُ الأجورُ بسببٍ خارجٍ عن العملِ وغيرِ لازِمٍ له، كإحباطِ الجهادِ بالرِّبا، وإحباطِ أجورِ بعضِ الأعمالِ باقتناءِ الكلبِ كما هنا، فإذا انفَكَّ السببُّ الناقصُ لأجرِ العملِ عن العمل، ولم يكنْ لازمًا له، فهذه أمَارةٌ على كونِهِ محرَّمًا. وأمَّا القولُ بأنَّ ذِكْرَ الإثمِ أَولى مِن ذِكْرِ نُقصانِ الأجر، فهذا ليس بلازِمٍ؛ فلا أعظَمَ مِن الشِّرْكِ وقد ذكَرَ اللَّه إحباطَهُ للعملِ. وإذا كان اللَّهُ يُحبِطُ السيِّئاتِ بالحسناتِ، فرحمتُهُ سبَقَتْ غضَبَهُ، فلا يُحبِطُ الحسناتِ بالسيِّئاتِ إلَّا بما هو أعظَمُ مِن إحباطِ الحسنةِ للسيِّئةِ. والقِيراطُ غبرُ محدودِ القَدْرِ، ولا ينبغي حملُهُ على قِيراطِ شهودِ الجنازةِ واتِّباعِها وأنَّه كجَبَلِ أُحُدٍ؛ فرحمةُ اللَّهِ أعظَمُ مِن ذلك، وإنَّما المرادُ قَدْرٌ مقدَّرٌ ونصيبٌ محدَّدٌ يُؤخَذُ منه كلَّ يومٍ.

стр. 1702

وإنَّما ذكَرَ النبيُّ ﷺ إحباطَ الأجرِ؛ للترهيبِ منه وبيانِ خطورتِه، وإذا اقترَنَ بعدمِ دخولِ الملائكة ولزومِ ذلك لدخولِ الشياطينِ، كان القولُ قويًّا في التحريمِ. وظاهرُ الآيةِ: أنَّ الكلبَ في قولِهِ: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ كلبُ حراسةٍ لهم، وقد اختلَفَ العلماءُ في اقتناءِ كلبِ الحراسةِ الذي يَحمي به الرجُلُ نفسَهُ من لِصٍّ أو مُعْتدٍ أو مِن حيوانٍ مفترِسٍ. وأمَّا الكلابُ التي تُقتني للمرافَقةِ والمصاحَبةِ والأُنْسِ والمداعَبةِ ويَحْمِيها صاحبُها أكثَرَ من أنْ تَحْمِيَهُ هي، فهي محرَّمةٌ، ولا ينبغي أن يكونَ في ذلك خلافٌ؛ لظاهِرِ الدليلِ. وأمَّا كلابُ الحراسةِ التي تَحمي هي صاحِبَها أكثَرَ ممَّا يَحمِيها هو، فقد اختلَفَ العلماءُ في ذلك على قولَيْنِ: القولُ الأولُ: قال بعضُ العلماءِ: بتحريمِ اقتناءِ كلِّ كلبٍ غيرِ ما استثناهُ الدليلُ، على خلافٍ عندَهم في عددِ ما استثناهُ، بسببِ اختلافِ الرِّوايات في ذلك؛ فعن ابنِ عمرَ أنَّه لم يُرخِّصْ إلَّا بكلبِ الصيدِ والماشيةِ، ولم يُرخِّصْ بكلبِ الزرعِ. وأكثَرُ ما استثنَاهُ الفقهاءُ من الكلاب المحرَّمة ثلاثةُ أنواعٍ، وهي: الصيدُ والماشيةُ والزرعُ؛ لحديثِ أبي هريرةَ (١)، وعبدِ اللَّه بنِ مُغَفَّلٍ (٢)، ولبعضِ الرِّوايات في حديثِ ابنِ عمرَ (٣). القولُ الثاني: قالوا بالجوازِ، وأنَّ كلَّ ما قامت فيه حاجةٌ مساوِيةٌ أو أشَدُّ من الحاجةِ لكلبِ الصيدِ والزرعِ والماشيةِ، فإنَّه يأخُذُ حُكْمَه؛ وذلك أنَّ حاجةَ الإنسانِ في حراسةِ أهلِهِ ونفسِهِ أَوْلى مِن حراسةِ ماشيتِهِ

стр. 1703

وزَرْعِه، وإنَّما ذكَرَ النبيُّ ﷺ الماشيةَ والزرعَ والصيدَ؛ لأنَّها الغالِبةُ في الاستعمالِ، وقد يُوجَدُ في الناس مِثْلُها بحسَبِ تغيُّرِ الأحوالِ واختلافِ البُلْدانِ. ومِن القرائنِ على ذلك: أنَّه ليس كلُّ الأحاديثِ تذكُرُ الأنواعَ الثلاثةَ المأذونَ بها، وهي الصيدُ والزرعُ والماشيةُ؛ ففي بعضِها ذكَرَ اثنَيْن؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ ضَارِيًا، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ) (١)، فذكَرَ كلبَ الصيدِ والماشيةِ، ولم يذكُرِ الزرعَ؛ كما في حديثِ أبي هريرةَ السابقِ، وفي روايةٍ لمسلمٍ؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ ذكَرَ الثلاثةَ (٢)، وفي روايةٍ في حديثِ أبي هريرةَ في "الصحيحَيْنِ"؛ قال: (إلَّا كَلْبَ حَرْثٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ) (٣)، ولم يذكُرْ كلبَ الصيدِ؛ وهذا يدُلُّ على أنَّ المقصودَ التمثيلُ بالحاجاتِ لا الحصرُ. ويدخُلُ في الحاجاتِ من اقتناءِ الكلبِ: الكلابُ المدرَّبةُ على معرِفةِ المُسْكِراتِ والمخدِّرات واكتشافِ المتفجِّراتِ؛ فإنَّ نوعًا مِن الكلابِ يُدرَّبُ على إطعامِهِ أو تشميمِهِ نوعًا من الموادِّ المسكِرةِ والمخدِّرةِ أو فيها متفجِّراتٌ؛ حتى يعتادَهُ، ثمَّ يُدمِنُ عليه، فإذا وجَدَ رائحتَهُ، نبَحَ واتَّجَهَ إليه، وهذا أعظَمُ حاجةً مِن كلبِ الزرعِ والماشيةِ والصيدِ، وفيه تحقيقُ مصالحَ عامَّةٍ عظيمةٍ، بخلافِ الصيدِ والزرعِ والماشيةِ، فهي مَصالِحُ خاصَّةٌ لا عامَّةٌ، ولا خلافَ أنَّ المصالحَ العامَّةَ مقدَّمةٌ على المصالحِ الخاصَّةِ.

стр. 1704

وكلُّ ما أُمِرَ بقتلِهِ في الشرعِ، فلا يجوزُ اقتناؤُهُ ولا يدخُلُ في الاستثناءِ؛ وذلك كالكلبِ الأَسْودِ البهيمِ؛ فقد جاء الأمرُ بقتلِه، وما أُمِرَ بقتلِهِ لا يدخُلُ في الرُّخْصةِ، قال أحمدُ بنُ حنبلٍ: "ما أعلَمُ أحدًا يُرخِّصُ في أكلِ ما قَتَل الكلبُ الأسودُ من الصيدِ" (١). وبهذا قال غيرُ واحدٍ مِن السلفِ؛ كقتادةَ والحسنِ البصريِّ وإبراهيمَ النخَعيِّ وإسحاقَ. وقد أمَرَ النبيُّ ﷺ بقتلِ ثلاثةٍ من الكلابِ: - الأسودُ البهيمُ؛ وذلك كما جاء في "المسند" و"السُّننِ"؛ مِن حديثِ عبد اللَّه بن مغفَّلٍ، عن النبيِّ ﷺ ؛ قال: (لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ، لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا؛ فَاقْتُلُوا مِنْهَا الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ) (٢). - وأمَرَ بقتلِ ذي النُّقطتَيْنِ البيضاوَيْنِ؛ كما في مسلمٍ، عن جابرِ بنِ عبد اللَّهِ ﵁؛ قال: أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، حَتَّى إِنَّ المَرْأَةَ تَقْدَمُ من الْبَادِيَةِ بِكَلْبِهَا فَنَقْتُلُهُ، ثُمَّ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِهَا، وَقَالَ: (عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ؛ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ) (٣). - وأمَرَ بقتلِ الكلبِ العَقُورِ، وهو ما فيه سُعَارٌ وعُدْوانٌ على الناسِ بالهجومِ عليهم وعَضِّهم وتمزيقِ ثيابِهم وقَتْلِ مَوَاشِيهِم؛ وذلك لِما ثبَتَ في "الصحيحَيْنِ"، عن عائشةَ ﵂؛ قالتْ: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : (خَمْسٌ فَوَاسِقَ يُقْتَلْنَ فِي الحِلِّ والْحَرَمِ: الْحيَّةُ، وَالْغُرَابُ الأَبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا) (٤).

стр. 1705

ومَن جازَ له اقتناءُ الكلبِ لحاجةٍ، فلا يجوزُ له أن يتعدَّى حاجتَهُ؛ فمَن اتَّخَذَهُ للزرعِ أو الماشيةِ أو الصيدِ، فلا يجوزُ له أن يتَّخِذَهُ في غيرِ موضعِه؛ كمَنْ يصطحِبُ كلبَ الماشيةِ في سَفَرٍ لا ماشيةَ فيه، أو يصطحِبُ كلبَ صيدٍ في السُّوقِ والطُّرُقاتِ التي لا صَيْدَ فيها؛ وذلك لِمَا روى أبو هريرةَ ﵁؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: (لَا تَصَحَبُ المَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ وَلَا جَرَسٌ) (١). * * * * قال تعالى: ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩)﴾ [الكهف: ١٩]. قام أهلُ الكهفِ بإرسالِ واحدٍ منهم بما معهم من دراهمَ ليشترِيَ مِن المدينةِ زادًا طيِّبًا، وأن يكون ذلك مع حذرٍ وتلطُّفٍ؛ لأنَّهم يَذْكُرونَ قومَهم على كفرٍ فيَخشَوْنَ منهم؛ ولذا قالوا: ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ [الكهف: ١٩ - ٢٠]. وقد استجاب هؤلاء الفتيةُ للحقِّ؛ وإن كان شيوخُ المدينةِ وكبارُهم لم يُؤمِنوا، مع أنَّ الكبارَ أكملُ عقولًا ولكنَّهم أشَدُّ عنادًا وأنَفَةً؛ ولهذا يُقبِلُ الفِتْيانُ على الحقِّ أسرَعَ وأشَدَّ من الشيوخِ، وهذا مع أكثرِ الأنبياءِ، وقد قال اللَّه عمَّن آمَنَ مع موسى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ [يونس: ٨٣]؛ يعني: فِتْيَانَهم.

стр. 1706

مشروعيَّةُ الوَكَالةِ والنِّيَابةِ: وفي هذه الآية: دليلٌ على جواز الوَكالةِ، وهو أن ينوبَ أحدٌ عن أحدٍ فيما يُريدُهُ منه، ومِن معنى الوكالةِ: قولُهُ تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠]؛ فإنَّها تتضمَّن نيابةً ووكالةً، وقريبٌ منها قولُهُ: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥]، وقولُهُ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ [يوسف: ٩٣]، وقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٣٥]. والأصلُ في الوكالة: الجوازُ بلا خلافٍ؛ كما حكاهُ ابنُ عبد البَرِّ (١)، وابنُ قُدَامةَ (٢)؛ وذلك لظاهِرِ القرآنِ والسُّنَّةِ، وقد أنابَ النبيُّ ﷺ عن نفسِهِ ووكَّل غيرَهُ عنها، في بيعٍ وشراءٍ ونكاحٍ وقضاءِ دَيْنٍ؛ ومِن ذلك ما رواهُ الشيخانِ؛ من حديثٍ أبي هريرة ﵁؛ قال: كَانِ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سِنٌّ من الإِبِلِ، فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: (أَعْطُوهُ)، فَطَلَبُوا سِنَّهُ، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إلَّا سِنًّا فَوْقَهَا، فَقَالَ: (أَعْطُوهُ)، فَقَالَ: أَوْفَيْتَنِي أَوْفَي اللَّهُ بِكَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً) (٣). وقد وكَّل النبيُّ ﷺ عُرْوةَ البارِقيَّ ليشترِيَ شاةً بدِينارٍ، فاشتَرَى شاتَيْنِ بدينارٍ، وباع واحدةً بدينارٍ، وجاء إلى النبيِّ ﷺ بدينارٍ وشاةٍ (٤). وكان أبو رافع وكيلًا بين النبيِّ ﷺ وميمونةَ حينَ تزوَّجَها (٥)، ووكَّل عمرَو بن أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ في نِكاح أمِّ حَبِيبةَ رَمْلةَ بنتِ أبي سُفْيانَ (٦). وقد وكَّل النبيُّ ﷺ في إثباتِ الحدودِ واستيفائِها؛ كما أرسَلَ

стр. 1707

أُنَيْسًا، فقال له: (وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِن اعْتَرَفَتُ فَارْجُمْهَا) (١). والجمهورُ: على جوازِ ذلك في الحدودِ إثباتًا واستيفاءً؛ خلافًا لأبي حنيفةَ؛ فقد فرَّق بينَ الإثباتِ والاستيفاءِ، وقصةُ أُنيسٍ فيهما جميعًا. وأرسَلَ أقوامًا من أصحابِهِ بكُتُبِهِ إلى الملوكِ والرؤساءِ، وجَلْبِ الزكاةِ، وإبلاغ القبائل أمرَهُ ونهيَهُ. ولا تصحُّ الوكالةُ إلَّا بصيغةٍ صحيحةٍ صريحةٍ تتضمَّنُ الإيجابَ والقَبولَ بينَ الطرَفَيْنِ، وأن يكونَ الموكَّلُ فيه مملوكًا للموكِّلِ؛ فلا تُقبَلُ الوكالةُ ممَّن لا يَملِكُ التصرُّف فيه؛ فإنَّه إنْ لم يصحَّ منه، فلا يصحُّ مِن غيرِهِ وكالةً عنه. وتصحُّ الوكالةُ العامَّةُ من غيرِ تعيينِ شيءٍ معيَّنٍ ولا وصفِهِ؛ كالوكالةِ في البيعِ والشراءِ كافَّةً في قولِ الحنفيَّةِ والمالكيَّةِ؛ خلافًا للحنابلةِ والشافعيَّةِ الذين منَعُوا من التوكيلِ العامِّ؛ لأنَّه يتضمَّنُ جهالةً فاحِشةً تُضِرُّ بالناسِ. ويجوزُ توكيلُ جماعةٍ على أمرٍ واحدٍ، ولا ينفرِدُ الواحدُ منهم بالأمرِ عن غيرِهِ حتى يَتَّفِقوا فيه؛ لعمومِ الأدلَّةِ؛ وهذا قولُ جمهورِ الفقهاءِ. وقد ذهَبَ الحنفيَّةُ إلى أنَّه ينفرِدُ كلُّ واحدٍ عن الباقِينَ ولو كانتِ الوكالةُ للجميعِ. ولا يملكُ الوكيلُ توكيلَ غيرِهِ إلَّا أنْ يشاءَ الموكِّلُ. * * *

стр. 1708

* قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ [الكهف: ٢١]. كان في أهل الكهفِ عِبْرةٌ وعِظَةُ للناس، فعظَّمُوهُمْ وأَكْبَرُوا مَنْزِلَتَهم؛ حتى قال بعضُ كِبَارِهم من الأمراء والسلاطين: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مسجدًا؛ التماسًا لصلاحِهم؛ لأنَّ اللَّه لا يجعلُ المعجزةَ والكرامةَ إلَّا لِمَنْ أحَبَّ؛ وهذا الأمرُ قاله كُبَراؤُهم: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾؛ يعني: أهلَ الغلَبةِ من ذوي الأمرِ والقهرِ. وهذا الفعلُ استدَلَّ به بعضُ الجُهَّالِ على جواز اتِّخاذِ القبورِ مساجدَ، وعلى جوازِ دَفْنِ الصالِحِينَ فيها؛ وهذا لا حُجَّةَ فيه؛ فإنَّ الذين طلبوا ذلك ليسوا المُسلِمِين الصالِحِينَ؛ وإنَّما أهلُ القهر والتسلُّطِ والاستبدادِ، كما في ظاهرِ الآية: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾، وقد قال ابنُ عبَّاسٍ كما في روايةِ العُوْفِيِّ عنه: "إنَّ قائلَ ذلك عدوُّهم" (١). وما يُذكَرُ في القرآنِ من أحوالِ الأُمَمِ السابقةِ لا يجوزُ أخذُهُ إنْ خالَفَ ما جاءت به شِرْعةُ محمَّدٍ ﷺ ، ولو جَاز ذلك، لَجَازَ اتِّخاذُ الأصنام؛ وذلك لقولِهِ تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣]، وقد كان النبيُّ ﷺ يَنْهَى عن التصاوير واتِّخاذِ الأصنام؛ بل يأمُرُ بكَسْرِها وطَمْسِها؛ كما ثبَتَ في "الصحيح"، عن أبي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ، قَالَ: "قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى

стр. 1709

مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ ! أَلَّا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ" (١). ولا يختلف العلماءُ على النهي في اتِّخاذ القبورِ مساجدَ ولا وضعِها فيها، وفي "الصحيحَيْنِ"؛ من حديثِ عائشةَ مرفوعًا: (لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)، قالتْ عائشةُ: لَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ؛ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا) (٢). وكان النبيُّ ﷺ يُسمِّي مَنْ يفعلُ ذلك شِرَارَ الخَلْقِ؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ من حديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ أمَّ سَلَمةَ ﵂ ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، يُقَالُ لَهَا: مَارِيَةُ، فَذَكَرَتْ لَهُ مَا رَأَتْ فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الْعَبْدُ الصَّالِحُ -أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ- بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ) (٣). وقد كان السلفُ من الصحابةِ يُطبِقونَ على منعِ بناءِ المساجدِ في المقابرِ، وعلى منعِ وضع القبورِ في المساجدِ، ومنعِ الصلاةِ إليها ولو كان خارجَ المسجدِ؛ لأنَّه إنَّما نُهِيَ عن اتِّخاذِ القبورِ مساجِدَ؛ لعِلَّةِ العبادةِ فيها، ولو لم تكن مَحَلَّ عبادةٍ، لم يُنْهَ عن ذلك، ونُهِيَ عن البناءِ على القبورِ؛ خشيةَ التعظيمِ الذي يَتْبَعُهُ عبادةٌ ولو بعدَ قرونٍ، وقد كان الصحابةُ يَنْهَوْنَ عن الصلاةِ إلى القبرِ ولو لم يكنِ الرجُلُ قاصدًا؛ لأنَّ في ذلك مشابَهَةَ بالمشرِكينَ، وقد روى مسلمٌ؛ من حديثٍ أبي مَرْثَدٍ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (لَا تَجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا) (٤).

стр. 1710

وروى ابنُ ماجَه وغيرُهُ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: "أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُبْنَى على القبورِ، أو يُقعَدَ عليها، أو يُصلَّي عليها" (١). وقد رُوِيَ ثابتٌ البُنَانِيُّ، عن أنسٍ ﵁؛ قال: "كنتُ أُصلِّي قريبًا مِن قبرٍ، فرآني عمرُ بنُ الخطَّاب، فقال: القَبْرَ القَبْرَ! فرفَعْتُ بَصَرِي إلى السماءِ وأنا أحسَبُهُ يقولُ: القَمَرَ! ؟ " (٢). وقد رَوَى قتادةُ، عن أنسٍ؛ أنَّه مَرَّ على مَقْبَرةٍ وهم يَبْنُونَ مسجدًا، فقال أنسٌ: "كَانَ يُكْرَهُ أَنْ يُبْنَى مَسْجِدٌ فِي وَسَطِ الْقُبُورِ" (٣). وقال أشعثُ: عن ابنِ سِيرِينَ: "كانوا يَكْرَهونَ الصلاةَ بينَ ظَهْرَانَيِ القبورِ" (٤). وعلى هذا ينُصُّ الأئمَّةُ على اختلافِهم، وقد نقَلَ النوويُّ (٥) وغيرُهُ فُتْيَا العلماءِ على إزالةِ ما يُبْنَى على القبورِ ومِن قِبَابٍ ممَّا صنَعَهُ جُهَّالُ الملوكِ، والملبِّسون مِن العلماءِ، حتى نقَل الهيتميُّ فُتيا الأئمَّةِ بإزالةِ ما بُنِيَ على قبرِ الشافعيِّ وغيرِهِ بمصرَ (٦). وقد اختلف العلماءُ في الصلاةِ المؤدَّاةِ في المقبرة: هل تصحُّ أو تجبُ إعادتُها؟ على قولَيْنِ -هما روايتانِ عن أحمدَ-: الأوَّل: أنَّها لا تُعادُ؛ وهذا قولُ الأكثرِ؛ وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ.

стр. 1711

الثاني: أنَّها تُعادُ؛ وهذا الأشهَرُ عن أحمدَ، وعليه عامَّةُ أصحابِهِ. ورُوِيَ عن أحمدَ: إعادةُ الصلاةِ على مَن صلَّى إلى القبورِ أو صلَّى بينَها. الصلاةُ على الجنازةِ في المَقْبَرةِ: صلاةُ الجنازةِ أَخَفٌّ مِن غيرِها؛ لأنَّه لا ركوعَ فيها ولا سجودَ، وقد اختلَفَ العلماءُ في حُكْمِها على قولَيْنِ، -وهما روايتانِ عن أحمدَ-: الأوَّل: الكراهةُ؛ وهذا قولُ الشافعيِّ، وبه قال مِن السلفِ: عليٌّ، وعبدُ اللَّه بن عمرٍو، وعطاءٌ؛ وذلك لأنَّ صلاةَ الجنازةِ تُسمَّى صلاةً، وفيها مِن جِنْسِ الصلاةِ المعتادةِ، وقد جاء النهيُ عامًّا؛ كما رواهُ أحمدُ وأهل "السُّننِ"؛ مِن حديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ، عن النبيِّ ﷺ ؛ قال: (الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ، إلَّا المَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ) (١). وقد روى الطبرانيُّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ﵁: "أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى أن يُصلَّى على الجنائزِ بينَ القبورِ" (٢). الثاني: الجوازُ؛ وهو مذهبُ أهل الرأي؛ وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُصلِّي الجنازةَ على القبورِ؛ كما صلَّى على المرأةِ التي كانتْ تَقُمُّ المسجدَ (٣)، وكان أصحابُهُ يُصَلُّونَ كذلك، وقد ذكَر النبيُّ ﷺ رجلًا مات، فقال: (فَدُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ)، فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ؛ رواهُ الشيخانِ (٤). وعن ابنِ عبَّاسٍ: "أنَّه مَرَّ مع النبيِّ ﷺ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ، فَأَمَّهُمْ،

стр. 1712

وَصَلَّوْا خَلْفَهُ" (١). وقد صلَّى على القبرِ جماعةٌ مِن السلفِ صحابةً وتابِعِينَ؛ كعليٍّ وأنسٍ وسَلْمانَ بنِ رَبِيعةَ وأبي حَمْزةَ ومَعْمَرٍ. ولم تكنْ تلك الصلاةُ واجِبةً على النبيِّ ﷺ حتَّى يؤدِّيَها، وهناك مَن يفرِّقُ بينَ الصلاةِ في المَقْبرةِ على الميِّتِ المدفونِ فيُجِيزونَها، وعلى الميِّتِ البارِزِ قبلَ الدَّفْنِ، ولا شَكَّ أنَّ المدفونَ أخَفُّ، والتفريقُ لا يُخرِجُ الأُخرى مِن الجوازِ؛ للاشتراكِ في الصورةِ الظاهرةِ التي نُهِيَ لأجلِها عن اتِّخاذِ القبورِ مساجدَ. وقد روى عبدُ الرزَّاقِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ؛ قال: "قُلْتُ لِنَافِعٍ: أَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَسَطَ الْقُبُورِ؟ قَالَ: لَقَدْ صَلَّيْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَسَطَ الْبَقِيعِ، قَالَ: وَالْإِمَامُ يَوْمَ صَلَّيْنَا عَلَى عَائِشَةَ ﵄ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَحَضَرَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ" (٢). ولا خلافَ عندَ أحمدَ أنَّ صلاةَ الجنازةِ أخَفُّ، وأنَّها لو صُلِّيَتْ لا تبطُلُ، وإنَّما الخلافُ عندَه في الكراهةِ، ولو بطَلَتْ، لَبطَلَتْ صلاةُ النبيِّ ﷺ على القبرِ. وأمَّا حديثُ أنسٍ عندَ الطبرانيِّ، ففي صحَّتِه نظرٌ، والصوابُ فيه: أنَّه مِن مُرسَلِ الحسَنِ؛ رجَّحَهُ الدارقطنيُّ (٣)، وهو محمولٌ إنْ صحَّ على كراهةِ اتِّخاذِ مواضعَ للصلاةِ على الجنائزِ وَسَطَ القبورِ، وقد رَوَى ابنُ أبي شيبةَ، عن أنسٍ: "أنَّه كان يَكرَهُ أن يُبنى مسجدٌ بينَ القبورِ" (٤).

стр. 1713

وصلاةُ الجنازةِ تختلِفُ عن غيرِها؛ فقصدُ صلاةِ الجنازةِ نفعُ الحيِّ للميِّت، وقصدُ الصلواتِ الأُخرى عندَ القبورِ نفعُ الميِّتِ للحيِّ، واختلافُ العِلَّةِ يُغايِرُ الحُكْمَ، وكان السلفُ يُفرِّقونَ بينَ صلاةِ الجنازةِ وغيرِها، وقد روى منصورٌ، عن إبراهيمَ؛ قال: "كانوا إذا خرَجُوا مِن الجنائز، لم يُصَلُّوا بينَ المقابرِ تطوُّعًا، فإذا حضَرَتْ صلاةٌ مكتوبةٌ، تَنَحَّوْا عن القبورِ فصَلَّوْا" (١). وقد قال أحمدُ: "لا يُصلَّى في مسجدٍ ببنَ المقابرِ إلَّا الجنائرُ؛ لأنَّ الجنائزَ هذه سُنَّتُها" (٢). ولا خلافَ عندَ العلماءِ على أنَّه لا يجوزُ دفنُ الميِّتِ قبلَ الصلاةِ عليه مع القدرةِ على ذلك، وأنَّه لا يجوزُ لهم إرجاءُ الصلاةِ عليه بعدَ الدفنِ وهم مُختارُونَ لها قبلَ ذلك. * * * * قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]. في هذه الآيةِ: مشروعيَّةُ الاستثناءِ عمَّا يَعزِمُ الإنسانُ على فعلِهِ أو قولِهِ في المستقبَل، وهو أن يقولَ: "إنْ شاءَ اللَّهُ"؛ فإنَّها تُقالُ بَرَكةً وتوكُّلًا على اللَّهِ واستعانةً به، وتُقالُ رفعًا للحَرَجِ عندَ اليمينِ والوعدِ بشيءٍ. والاستثناءُ ينفعُ صاحِبَهُ في إيمانِهِ بربِّهِ ويقينِهِ به وتوكُّلِهِ عليه واستعانتِهِ به ولو كان مُنفصِلًا، فمَنْ نَسِيَهُ ينبغي له استدراكُه؛ فإنَّه يُعلِّقُ القلبَ باللَّه، ويُعِينُ على تحقيقِ الغاياتِ المطلوبةِ، وفي "الصحيحَيْنِ"؛

стр. 1714

مِن حديثِ أبي هريرةَ، قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : (قَالَ سُلَيْمَانُ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً، كُلُّهُنَّ تَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّه، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَطَافَ عَلَيهِنَّ جَمِيعًا فَلَمْ يَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وَايْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ) (١). الاستثناءُ في اليمينِ: وذِكْرُ الاستثناءِ في اليمينِ يَحُلُّ عَقْدَها؛ فإنَّ لليمينِ عَقْدًا لا بدَّ أن يَبقى، ويُحَلُّ بالاستثناءِ أو الكفَّارة، ومَن استثنَى عندَ حَلِفِه، لم يَلزَمْهُ الوفاءُ باليمينِ؛ لأنَّ الاستثناءَ يَحُلُّها ويجعلُ الحالفَ كأنَّه لم يَحلِفْ، ويُروى في الحديثِ مرفوعًا: (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإنَّ لَهُ ثُنْيَاهُ) (٢). ورُوِيَ عن ابنِ عمرَ نحوُهُ مرفوعًا (٣) وموقوفًا (٤)، والأرجحُ وقفُه. وبعضُ الفقهاءِ مِن أصحابِ مالكٍ يَرَى أنَّ الاستثناءَ يَرْفَعُ الكفارةَ، ولكنَّه لا يَحُلُّ اليمينَ. والأشهَرُ: أنه حَلٌّ لليمين، وعلى هذا عامَّةُ السلفِ. وعامَّةُ العلماءِ: أنَّ الاستثناءَ إنْ كان متَّصِلًا باليمين، فإنَّه يَرفعُ وجوبَ وفائِهِ بها، ولكنَّهم اختلَفوا في حدِّ الاتِّصالِ المعتبَرِ تأثيرُهُ في الاستثناءِ، وفي الاستثناءِ المنفصلِ خلافٌ يسيرٌ. أمَّا الاستثناءُ المتَّصِلُ: فيتَّفِقونَ على أنَّ ما كان اتصالُ الاستثناءِ

стр. 1715

بالكلامِ مع كلمةِ الحَلِفِ والقَسَمِ: أنَّه معتبَرُ التأثيرِ في اليمينِ، وما لم يتَّصِلْ بالكلامِ اختُلِفَ فيه: فمنهم مَن قال: يُعتبَرُ بالاستثناءِ ما دام في المَجْلِسِ؛ وبهذا قال طاوسٌ والحسنُ. وقال عطاءٌ والشَّعْبيُّ والنخَعيُّ: إنَّه لا يصحُّ إلَّا موصولًا بالكلام، ولا يَضُرُّ فصلُ النَّفَس، وإذا انفصَلَ الحديثُ في أمرٍ آخَرَ ولو اتَّحَدَ المجلِسُ، فلا اعتبارَ بالاستثناءِ؛ وهذا قولُ جمهورِ العلماءِ؛ كمالكٍ والشافعيِّ والأوزاعيِّ. وعن أحمدَ: أنَّه ما دام في ذلك الأمر، ولم يتحوَّلْ إلى حديثٍ غيرِه، فإنَّ الاستثناءَ صحيحٌ، وظاهرُهُ: أنَّه إنِ انتقَلَ إلى حديثِ آخَرَ ولو اتَّحَدَ المجلسُ، فإنَّ الاستثناءَ لا يصحُّ. وأمّا الاستثناء المنفصِلُ: فعامَّتُهم على عدمِ اعتبارِه. وروى مجاهدٌ، عن ابنِ عبَّاسٍ، في الرجُلِ يَحلِفُ؛ قال: "له أن يَستثنيَ ولو إلى سَنَةٍ، وكان يقولُ: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ " (١). وبنحوِه قال أبو العاليةِ رُفَيعُ بن مِهْرانَ والحسنُ؛ فقد روى الربيِعُ عن أبي العاليةِ؛ في قولِه: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ الاستثناءَ، ثمَّ ذكَرْتَ فاستَثنِ (٢). ونحوُهُ عن الحسنِ؛ رواهُ الطبريُّ (٣). حمَلَ بعضُ الفقهاءِ ذلك: على أنَّ الاستثناءَ المنفصِلَ معَتبرٌ في إسقاطِ الكفَّارةِ ولو طال الزمنُ، ولعلَّ ما رُوِيَ في ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ الاستثناءَ -ولو انفصَلَ- يصحُّ إلحاقُهُ بالكلامِ الأولِ ولو طال الفصلُ

стр. 1716

تبرُّكًا، وليس هذا مَساقَ إبطالِ الأَيْمانِ وإسقاطِ الكفَّارات، والآيةُ آمِرةٌ بالاستثناءِ عندَ العَزْم على مستقبلٍ: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيت﴾. وحمَل قِلَّةٌ الأمرَ على الوجوب، والمرادُ: أنَّ المؤاخَذةَ والمُخالَفةَ تسقُطُ باستدراكِ الاستثناءِ ولو بعدَ عامٍ، لا أنَّه يُسقِطُ الكفارةَ؛ فهذا لا يُناسِبُ فِقْهَ ابنِ عبَّاسٍ، ومَن استوعَبَ قولَهُ في أبوابِ كفَّاراتِ الأَيمان، عرَفَ أنَّه لا يستقيمُ معه حملُ تفسيرِه لهذه الآيةِ على إسقاطِ الكفارة؛ فإنَّ ابنَ عبَّاسٍ له أقوالٌ في أبوابِ الكفَّاراتِ، ولم يكن يُسقِطُها بالاستثناءِ، والآيةُ جاءتْ لبيانِ ذِكْرِ اللَّهِ عندَ النِّسْيان، والمشيئةِ عندَ العزمِ على ما يُستقبَلُ، وليست في مساقِ الأَيْمانِ والاستثناءِ بعدَها منفصِلًا. ومَن نظَرَ في فقهِ أصحابِ ابنِ عبَّاسٍ، وجَدَ أنَّهم لا يقولونَ بهذا القول، ولو كان قولُ ابنِ عبَّاسٍ كذلك، لَمَا تَرَكُوهُ جميعهم؛ لجلالةِ قَدْرِه، والمرويُّ عنهم خلافُه؛ كعطاءٍ وطاوُسٍ وغيرِهما. والقولُ بصحَّةِ الاستثناءِ المنفصِلِ كلِّه ضعيفٌ يُبطِلُ أبوابَ الأَيْمانِ وتعظيمَها، وكَفَّاراتِها، ومَن نظَرَ في كلامِ أهلِ العربيَّة، وجَدَ أنَّهم لا يَعتبِرونَ الاستثناءَ المنفصِلَ كلامًا صحيحَ الاتِّساقِ، ولا معدودًا في كلامِ العرب، ولو صحَّ الاستثناءُ ولو بعدَ شهرٍ أو عامٍ، لم يكنْ للكفَّاراتِ قِيمةٌ، ولا لوجوبِ الوفاءِ بالأَيْمانِ قَدْرٌ في الشرع، ويكونُ مَن حلَفَ يَستثني ولو بعدَ عامٍ ولا يُكفِّرُ ولا يَفِي، فلم يكنْ للأمرِ بالكفَّارةِ معنًى، والنبيُّ ﷺ يُرشِدُ إلى الوفاءِ والكفَّارةِ بعدَ لزومِ اليمينِ ولا يأمُرُ بالاستثناءِ؛ كما في "الصحيحِ"؛ قال ﷺ : (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ) (١).

стр. 1717

واختُلِفَ في الاستثناءِ في غيرِ اليمِينِ؛ كالطلاقِ والعَتَاق، وعن أحمدَ ثلاثُ رواياتٍ: إحداها: أنَّ الاستثناءَ يصحُّ فيها كاليمينِ؛ وبهذا قال أبو حنيفةَ والشافعيُّ. وثانيتها: أنَّ الاستثناءَ لا يصحُّ إلَّا في اليمينِ؛ وبهذا قال مالكٌ والأوزاعيُّ. وفي ثالثةٍ: أنَّه توقَّفَ، وعلى هذا أكثرُ الرواياتِ عنه. ولا يصحُّ الاسثناءُ بالقَلْب، بل لا بدَّ مِن النُّطْقِ به في قولِ العلماءِ كافَّةً، خلافًا لبعضِ الفقهاءِ مِن أصحابِ مالكٍ، حيثُ جعَلُوا قياسَ قولِ مالكٍ صحةَ الاستثناءِ بالنِّيَّةِ. ومَن عادتُهُ في يمينِهِ أنَّه يَستثنِي، وحلَفَ ونَسِيَ ماذا قال، وشَكَّ في استثنائِه، فيُحمَلُ على عادتِهِ ويُعتبَرُ مستثنيًا، وعكسُهُ بعكسِه. * * * * قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩)﴾ [الكهف: ٣٩]. في هذا: مشروعيَّةُ قولِ: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ عندَ رؤيةِ ما يَسُرُّ الإنسانَ ويُعجِبُهُ مِن النعيمِ والأشياءِ الحسَنةِ التي رُزِقَها العبدُ، وممَّا يُستحَبُّ كذلك الدُّعَاءُ بالبرَكةِ ممَّن يراها فيه مِن الناسِ. الدُّعاءُ والذِّكْرُ المستحَبُّ عندَ رؤيةِ النعيمِ والفضلِ: والواردُ عندَ رؤيةِ النعيمِ وما يَسُرُّ مِن الفضلِ قولانِ: الأولُ لصاحبِ النعيمِ ومالكِهِ أنْ يقولَ: ما شاء اللَّه لا قُوَّةَ إلَّا باللَّهِ؛ ففي ذلك قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا

стр. 1718

بِاللَّهِ﴾، وفي ذلك نسبةُ الفضلِ إلى اللَّه، والبراءةُ مِن الحَوْلِ والقوةِ إلَّا به، ودفعٌ لكِبْرِ النَّفْسِ وبَطَرِها واغترارِها؛ وذلك ظاهرٌ في قولِ اللَّه بعدُ: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾؛ وفي هذا مِن كَسْرِ النَّفْسِ والكِبْر والعَيْن ما فيه. ويُروى عندَ البيهقيِّ في "الأسماءِ والصفاتِ"، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيْرِ؛ أنه كان إذا رأى مِن مالِه شيئًا يُعجِبُهُ، أو دخَلَ حائطًا مِن حيطانِه، قال: "ما شاءَ اللَّهُ لا قوةَ إلَّا باللَّهِ" (١)؛ يتأوَّلُ قولَ اللَّهِ: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. وكان يفعلُ ذلك جماعةٌ مِن السلفِ؛ كما رَوَى ابن أبي حاتمٍ، عن زيادِ بنِ سعدٍ؛ قال: "كان ابنُ شِهَابٍ الزُّهْريُّ إذا دخَلَ أموالَهُ، قال: (ما شاء اللَّهُ، لا قُوَّةَ إلَّا باللَّهِ)؛ يتأوَّلُ قولَ اللَّهِ: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ " (٢). ورَوَى عن مُطرِّفٍ؛ قال: "كان مالكٌ إذا دخَلَ بيتَهُ، قال: (ما شاءَ اللَّهُ)، قلتُ لمالكٍ: لِمَ تقولُ هذا؟ قال: ألَا تَسْمَعُ اللَّهُ يقولُ: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ الآية؟ ! " (٣). ورَوَى عن حفصِ بنِ مَيْسَرةَ؛ قال: "رأيتُ على بابِ وهبِ بنِ مُنبِّهٍ مكتوبًا: (ما شاء اللَّهُ لا قوةَ إلَّا باللَّهِ)، وذلك قولُ اللَّه، ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ الآية" (٤). الثاني لِمَنْ رأى نعيمَ غيرِه: أن يَدْعُوَ بالبَرَكة، وذلك لِما جاء عن أبي أمامةَ بنِ سهلِ بنِ حُنَيْفٍ؛ قال: "مَرَّ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ بِسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ

стр. 1719

وَهُوَ يَغْتَسِلُ، فَقَالَ: لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ! فَمَا لَبِثَ أَنْ لُبِطَ بِه، فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقِيلَ لَهُ: أَدْرِكْ سَهْلًا صَرِيعًا، قَالَ: (مَنْ تَتَّهِمُونَ بِهِ؟ )، قَالُوا: عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ، قَالَ: (عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ ! إذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ أَخِيهِ مَا يُعْجِبُهُ، فَلْيَدْعُ لَهُ بِالْبَرَكَةِ)، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَأَمَرَ عَامِرًا أَنْ يَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْن، وَرُكْبَتَيهِ وَدَاخِلَةَ إِزَارِه، وَأَمَرَهُ أَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ" (١). والجمعُ بينَهما لا بأسَ له للرَّائي والمالكِ؛ لأنَّه مِن المَعَانِي الحَسَة، وقد روَى البخاريُّ؛ مِن حديثِ سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ؛ قال: كان النبيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً، أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِه، فَقَالَ: (مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟ )، فَإِنْ رَأَى أحَدٌ قَصَّهَا، فَيَقُولُ: (ما شَاء اللَّهُ) (٢)، ولكنَّه في روايةٍ في البخاريِّ؛ قال: "فَيُقَصُّ عَلَيْهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أنْ يُقَصَّ" (٣)، وفي روايةٍ له أُخرى؛ قال: "فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أنْ يَقُصَّ" (٤). وإنَّما شُرعَ الدعاءُ بالبَرَكةِ عندَ ذلك؛ لأنَّ النَّفْسَ تجدُ عندَ استحسانِها لشيءٍ مِن نعيمٍ وفضلٍ لغيرِها شيئَيْنِ: الأولُ: أنَّها تَفقِدُهُ، وليس لدَيْها مِثلُهُ ولا أحسَنُ منه. الثاني: تجدُ أنَّ غيرَها اختَصَّ بذلك عنها. والحَسَدُ يأتي مِن الثاني أكثَرَ مِن الأول، ومِن هذَيْنِ يتولَّدُ الحسدُ، وتقعُ العينُ، فشُرعَ الدعاءُ بالبَرَكةِ لسدِّ ما تجدُهُ النفسُ؛ فإنَّ الدعاءَ بالبرَكةِ يتضمَّنُ الزيادةَ في خيرِ مَن أُعْطِيَ، وفي ذلك دفعٌ لِما تجدُهُ مِن

стр. 1720

اختصاصِ غيرِها به؛ ويتضمَّنُ أنَّ اللَّهَ هو مَن وهَبَ ورزَقَ وليس مِن تدبيرِ الناسِ واختيارِهم، وهذا يَكْسِرُ ما تجدُهُ النفسُ مِن حسدِ الناسِ على حُسْنِ تدبيرِهم؛ فإنَّ اللَّهَ هو مَنْ وهَبَهم، وما تدبيرُهم إلَّا سببٌ. وأمَّا ما يُذكَرُ عن النبيِّ ﷺ : (مَنْ رَأَى شَيْئًا فَأَعْجَبَهُ، فَلْيَقُلْ: مَا شَاءَ اللَّهُ، لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) (١)، وما جاء مِن حديثِ عُقْبةَ بنِ عامرٍ: "مَنْ أنعَمَ اللَّهُ عليه بِنِعْمةٍ، فأرادَ بقاءَها، فلْيُكثِرْ مِن قولِ: لا حولَ ولا قوةَ إلَّا باللَّهِ"، ثمَّ قرَأ رسولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (٢)، فلا يَصِحَّانِ. * * * * قال تعالى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] في هذه الآيةِ قام موسى وغلامُهُ بتتبُّعِ آثارِهما، ومَن يَعرِفُ الآثارَ ومواطئَ الأقدامِ والأصابعِ وشَبَهَ الرجُلِ بأخيهِ - يُسمَّى قَائِفًا، وسُمِّيَتْ قِيَافَةً؛ لأنَّ قافيةَ كلِّ شيءٍ تكونُ آخِرَه، ومنه قافيةُ الشِّعرِ؛ لأنَّها تَقْفُو البيتَ. وفي هذا: دليلٌ على اعتبارِ القافةِ قرينةٌ توصِّلُ إلى المقصودِ؛ لاعتبارِ نبيِّ اللَّهِ موسى لها، وقد ثبَتَ أنَّ النبيَّ ﷺ اعتبَرَها واستأنَسَ بها، وقد جاء أنَّه بعَثَ في أثرِ العُرَنِيِّينَ الذين سرَقُوا إبلَ الصدقةِ مَن يتتبَّعُ آثارَهم (٣)، وكذلك حينَما اتُّهم زيدُ بن حارثةَ في ابنِه أسامةَ؛ لأنَّ أسامةَ أَسْوَدُ، ووالدُهُ زيدٌ أبيضُ، وكان النبيُّ ﷺ يُحِبُّهما ويسُوءُهُ ما يسُوءُهما،
следующие страницы →