تبرُّكًا، وليس هذا مَساقَ إبطالِ الأَيْمانِ وإسقاطِ الكفَّارات، والآيةُ آمِرةٌ بالاستثناءِ عندَ العَزْم على مستقبلٍ: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيت﴾.
وحمَل قِلَّةٌ الأمرَ على الوجوب، والمرادُ: أنَّ المؤاخَذةَ والمُخالَفةَ تسقُطُ باستدراكِ الاستثناءِ ولو بعدَ عامٍ، لا أنَّه يُسقِطُ الكفارةَ؛ فهذا لا يُناسِبُ فِقْهَ ابنِ عبَّاسٍ، ومَن استوعَبَ قولَهُ في أبوابِ كفَّاراتِ الأَيمان، عرَفَ أنَّه لا يستقيمُ معه حملُ تفسيرِه لهذه الآيةِ على إسقاطِ الكفارة؛ فإنَّ ابنَ عبَّاسٍ له أقوالٌ في أبوابِ الكفَّاراتِ، ولم يكن يُسقِطُها بالاستثناءِ، والآيةُ جاءتْ لبيانِ ذِكْرِ اللَّهِ عندَ النِّسْيان، والمشيئةِ عندَ العزمِ على ما يُستقبَلُ، وليست في مساقِ الأَيْمانِ والاستثناءِ بعدَها منفصِلًا.
ومَن نظَرَ في فقهِ أصحابِ ابنِ عبَّاسٍ، وجَدَ أنَّهم لا يقولونَ بهذا القول، ولو كان قولُ ابنِ عبَّاسٍ كذلك، لَمَا تَرَكُوهُ جميعهم؛ لجلالةِ قَدْرِه، والمرويُّ عنهم خلافُه؛ كعطاءٍ وطاوُسٍ وغيرِهما.
والقولُ بصحَّةِ الاستثناءِ المنفصِلِ كلِّه ضعيفٌ يُبطِلُ أبوابَ الأَيْمانِ وتعظيمَها، وكَفَّاراتِها، ومَن نظَرَ في كلامِ أهلِ العربيَّة، وجَدَ أنَّهم لا يَعتبِرونَ الاستثناءَ المنفصِلَ كلامًا صحيحَ الاتِّساقِ، ولا معدودًا في كلامِ العرب، ولو صحَّ الاستثناءُ ولو بعدَ شهرٍ أو عامٍ، لم يكنْ للكفَّاراتِ قِيمةٌ، ولا لوجوبِ الوفاءِ بالأَيْمانِ قَدْرٌ في الشرع، ويكونُ مَن حلَفَ يَستثني ولو بعدَ عامٍ ولا يُكفِّرُ ولا يَفِي، فلم يكنْ للأمرِ بالكفَّارةِ معنًى، والنبيُّ ﷺ يُرشِدُ إلى الوفاءِ والكفَّارةِ بعدَ لزومِ اليمينِ ولا يأمُرُ بالاستثناءِ؛ كما في "الصحيحِ"؛ قال ﷺ : (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ) (١).
стр. 1717
واختُلِفَ في الاستثناءِ في غيرِ اليمِينِ؛ كالطلاقِ والعَتَاق، وعن أحمدَ ثلاثُ رواياتٍ:
إحداها: أنَّ الاستثناءَ يصحُّ فيها كاليمينِ؛ وبهذا قال أبو حنيفةَ والشافعيُّ.
وثانيتها: أنَّ الاستثناءَ لا يصحُّ إلَّا في اليمينِ؛ وبهذا قال مالكٌ والأوزاعيُّ.
وفي ثالثةٍ: أنَّه توقَّفَ، وعلى هذا أكثرُ الرواياتِ عنه.
ولا يصحُّ الاسثناءُ بالقَلْب، بل لا بدَّ مِن النُّطْقِ به في قولِ العلماءِ كافَّةً، خلافًا لبعضِ الفقهاءِ مِن أصحابِ مالكٍ، حيثُ جعَلُوا قياسَ قولِ مالكٍ صحةَ الاستثناءِ بالنِّيَّةِ.
ومَن عادتُهُ في يمينِهِ أنَّه يَستثنِي، وحلَفَ ونَسِيَ ماذا قال، وشَكَّ في استثنائِه، فيُحمَلُ على عادتِهِ ويُعتبَرُ مستثنيًا، وعكسُهُ بعكسِه.
* * *
* قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩)﴾ [الكهف: ٣٩].
في هذا: مشروعيَّةُ قولِ: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ عندَ رؤيةِ ما يَسُرُّ الإنسانَ ويُعجِبُهُ مِن النعيمِ والأشياءِ الحسَنةِ التي رُزِقَها العبدُ، وممَّا يُستحَبُّ كذلك الدُّعَاءُ بالبرَكةِ ممَّن يراها فيه مِن الناسِ.
الدُّعاءُ والذِّكْرُ المستحَبُّ عندَ رؤيةِ النعيمِ والفضلِ:
والواردُ عندَ رؤيةِ النعيمِ وما يَسُرُّ مِن الفضلِ قولانِ:
الأولُ لصاحبِ النعيمِ ومالكِهِ أنْ يقولَ: ما شاء اللَّه لا قُوَّةَ إلَّا باللَّهِ؛ ففي ذلك قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا
стр. 1718
بِاللَّهِ﴾، وفي ذلك نسبةُ الفضلِ إلى اللَّه، والبراءةُ مِن الحَوْلِ والقوةِ إلَّا به، ودفعٌ لكِبْرِ النَّفْسِ وبَطَرِها واغترارِها؛ وذلك ظاهرٌ في قولِ اللَّه بعدُ: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾؛ وفي هذا مِن كَسْرِ النَّفْسِ والكِبْر والعَيْن ما فيه.
ويُروى عندَ البيهقيِّ في "الأسماءِ والصفاتِ"، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيْرِ؛ أنه كان إذا رأى مِن مالِه شيئًا يُعجِبُهُ، أو دخَلَ حائطًا مِن حيطانِه، قال: "ما شاءَ اللَّهُ لا قوةَ إلَّا باللَّهِ" (١)؛ يتأوَّلُ قولَ اللَّهِ: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.
وكان يفعلُ ذلك جماعةٌ مِن السلفِ؛ كما رَوَى ابن أبي حاتمٍ، عن زيادِ بنِ سعدٍ؛ قال: "كان ابنُ شِهَابٍ الزُّهْريُّ إذا دخَلَ أموالَهُ، قال: (ما شاء اللَّهُ، لا قُوَّةَ إلَّا باللَّهِ)؛ يتأوَّلُ قولَ اللَّهِ: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ " (٢).
ورَوَى عن مُطرِّفٍ؛ قال: "كان مالكٌ إذا دخَلَ بيتَهُ، قال: (ما شاءَ اللَّهُ)، قلتُ لمالكٍ: لِمَ تقولُ هذا؟ قال: ألَا تَسْمَعُ اللَّهُ يقولُ: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ الآية؟ ! " (٣).
ورَوَى عن حفصِ بنِ مَيْسَرةَ؛ قال: "رأيتُ على بابِ وهبِ بنِ مُنبِّهٍ مكتوبًا: (ما شاء اللَّهُ لا قوةَ إلَّا باللَّهِ)، وذلك قولُ اللَّه، ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ الآية" (٤).
الثاني لِمَنْ رأى نعيمَ غيرِه: أن يَدْعُوَ بالبَرَكة، وذلك لِما جاء عن أبي أمامةَ بنِ سهلِ بنِ حُنَيْفٍ؛ قال: "مَرَّ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ بِسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ
стр. 1719
وَهُوَ يَغْتَسِلُ، فَقَالَ: لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ! فَمَا لَبِثَ أَنْ لُبِطَ بِه، فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقِيلَ لَهُ: أَدْرِكْ سَهْلًا صَرِيعًا، قَالَ: (مَنْ تَتَّهِمُونَ بِهِ؟ )، قَالُوا: عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ، قَالَ: (عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ ! إذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ أَخِيهِ مَا يُعْجِبُهُ، فَلْيَدْعُ لَهُ بِالْبَرَكَةِ)، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَأَمَرَ عَامِرًا أَنْ يَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْن، وَرُكْبَتَيهِ وَدَاخِلَةَ إِزَارِه، وَأَمَرَهُ أَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ" (١).
والجمعُ بينَهما لا بأسَ له للرَّائي والمالكِ؛ لأنَّه مِن المَعَانِي الحَسَة، وقد روَى البخاريُّ؛ مِن حديثِ سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ؛ قال: كان النبيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً، أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِه، فَقَالَ: (مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟ )، فَإِنْ رَأَى أحَدٌ قَصَّهَا، فَيَقُولُ: (ما شَاء اللَّهُ) (٢)، ولكنَّه في روايةٍ في البخاريِّ؛ قال: "فَيُقَصُّ عَلَيْهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أنْ يُقَصَّ" (٣)، وفي روايةٍ له أُخرى؛ قال: "فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أنْ يَقُصَّ" (٤).
وإنَّما شُرعَ الدعاءُ بالبَرَكةِ عندَ ذلك؛ لأنَّ النَّفْسَ تجدُ عندَ استحسانِها لشيءٍ مِن نعيمٍ وفضلٍ لغيرِها شيئَيْنِ:
الأولُ: أنَّها تَفقِدُهُ، وليس لدَيْها مِثلُهُ ولا أحسَنُ منه.
الثاني: تجدُ أنَّ غيرَها اختَصَّ بذلك عنها.
والحَسَدُ يأتي مِن الثاني أكثَرَ مِن الأول، ومِن هذَيْنِ يتولَّدُ الحسدُ، وتقعُ العينُ، فشُرعَ الدعاءُ بالبَرَكةِ لسدِّ ما تجدُهُ النفسُ؛ فإنَّ الدعاءَ بالبرَكةِ يتضمَّنُ الزيادةَ في خيرِ مَن أُعْطِيَ، وفي ذلك دفعٌ لِما تجدُهُ مِن
стр. 1720
اختصاصِ غيرِها به؛ ويتضمَّنُ أنَّ اللَّهَ هو مَن وهَبَ ورزَقَ وليس مِن تدبيرِ الناسِ واختيارِهم، وهذا يَكْسِرُ ما تجدُهُ النفسُ مِن حسدِ الناسِ على حُسْنِ تدبيرِهم؛ فإنَّ اللَّهَ هو مَنْ وهَبَهم، وما تدبيرُهم إلَّا سببٌ.
وأمَّا ما يُذكَرُ عن النبيِّ ﷺ : (مَنْ رَأَى شَيْئًا فَأَعْجَبَهُ، فَلْيَقُلْ: مَا شَاءَ اللَّهُ، لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) (١)، وما جاء مِن حديثِ عُقْبةَ بنِ عامرٍ: "مَنْ أنعَمَ اللَّهُ عليه بِنِعْمةٍ، فأرادَ بقاءَها، فلْيُكثِرْ مِن قولِ: لا حولَ ولا قوةَ إلَّا باللَّهِ"، ثمَّ قرَأ رسولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (٢)، فلا يَصِحَّانِ.
* * *
* قال تعالى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]
في هذه الآيةِ قام موسى وغلامُهُ بتتبُّعِ آثارِهما، ومَن يَعرِفُ الآثارَ ومواطئَ الأقدامِ والأصابعِ وشَبَهَ الرجُلِ بأخيهِ - يُسمَّى قَائِفًا، وسُمِّيَتْ قِيَافَةً؛ لأنَّ قافيةَ كلِّ شيءٍ تكونُ آخِرَه، ومنه قافيةُ الشِّعرِ؛ لأنَّها تَقْفُو البيتَ.
وفي هذا: دليلٌ على اعتبارِ القافةِ قرينةٌ توصِّلُ إلى المقصودِ؛ لاعتبارِ نبيِّ اللَّهِ موسى لها، وقد ثبَتَ أنَّ النبيَّ ﷺ اعتبَرَها واستأنَسَ بها، وقد جاء أنَّه بعَثَ في أثرِ العُرَنِيِّينَ الذين سرَقُوا إبلَ الصدقةِ مَن يتتبَّعُ آثارَهم (٣)، وكذلك حينَما اتُّهم زيدُ بن حارثةَ في ابنِه أسامةَ؛ لأنَّ أسامةَ أَسْوَدُ، ووالدُهُ زيدٌ أبيضُ، وكان النبيُّ ﷺ يُحِبُّهما ويسُوءُهُ ما يسُوءُهما،
стр. 1721
كما في "الصحيحَيْنِ"؛ أنَّ النبيَّ ﷺ دخَلَ على عائشةَ ذاتَ يومٍ تبرُقُ أساريرُ وجهِه، فقال: "يَا عَائِشَةُ، أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا المُدْلِجِيَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَرَأَى أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ، قَدْ غَطَّيَا رُؤُوسَهُمَا، وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ؟ ! " (١).
وقد عَمِلَ بالقَافَةِ عمرُ وعمَّارٌ وأنسُ بنُ مالكٍ.
وإنَّما تُعتبَرُ القيافةُ عندَ غيابِ الأدلَّةِ والبيِّنات، ولا تُعتبَرُ عندَ وجودِ البيِّناتِ ولا النقلِ عن الأصلِ الثابتِ؛ كَوَلَدِ الفِرَاشِ وغيرِ ذلك.
* * *
* قال تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩].
في هذه الآيةِ: أنَّ الخَضِرَ خرَقَ السفينةَ؛ ليجعَلَ فيها عَيْبًا؛ لأنَّها تمُرُّ على مَلِكٍ ظالمٍ يأخُذُ الصالحَ مِن السُّفُنِ له، وكان في خَرْقِ الخَضِرِ لها دفعٌ لمفسدةٍ أعظَمَ، وهي سلْبُ سفينتِهم كاملةً، وعِلمُ الخَضِرِ بالغايةِ -وهي المَفسدة الكُبرى- جعَلَهُ يَرتكبُ المَفسَدةَ الصُّغرى.
وفي هذه الآيةِ: جوازُ ارتكابِ أَدنى المَفسدتَيْنِ لدفعِ أعلاهُما، وكلَّما كان الإنسانُ بالمَفاسِدِ أبصَرَ، كان في بابِ السلامةِ أدَقَّ نظرًا وأكثَرَ توفيقًا، ومَن عرَفَ مَفسَدةً واحدةً، فإنَّه يعملُ على ما يَعلمُ، ولو كان معذورًا عندَ نفسِه، إلَّا أنَّه فد يُفسِدُها، وإنْ كان حاكمًا، أفسَدَ الناسَ معه، وقد كان النبيُّ ﷺ أعلَمَ الناسِ بالمَفاسِدِ المجتمِعة، وأحكَمَهم بتخطِّي أعلاها بأدناها، وتركُهُ لهدمِ الكعبةِ مِن هذا البابِ، وتركُهُ للأعرابيِّ الذي بال في المسجدِ منه كذلك.
стр. 1722
وكلَّما كان العالِمُ أو الحاكمُ بالمَفاسِدِ أعلَمَ، وبتعدُّدِها أبصَرَ، كان الاعتراضُ عليه ممَّن دونَه أشَدَّ؛ لأنَّه يَرى ما لا يرَوْنَ، ويختارُ ما لا يختارُون، ويَنقُدونَ على ما يَعلَمونَ، ويجبُ عليه أن يَصبِرَ على ما يَعلَمُ، مع بيانِ حقيقةِ ما يَعلَمُ إنْ كان له قدرةٌ على البيانِ، وإنَّما تُؤتى الأممُ وتسقُطُ الدولُ؛ لأنَّها عرَفَتْ جهةً مِن المَفاسِدِ ولم تَعرِفْ جهاتٍ، وضررُها فيما تجهلُ أشَدُّ ممَّا تعلَمُ، فتتجنَّبُ ما تَعلَمُ، وتقعُ فيما تَجهَلُ، تظُنُّها السلامةَ، وهو الهلاكُ.
والعِلْمُ بالمَفاسِدِ عظيمٌ، وهو دقيقٌ لا يُدرِكُهُ كلُّ أحدٍ، وهو خلافُ العلمِ بالمَصالِح، فالنفوسُ تتشوَّفُ إليه وتُقبِلُ عليه.
قولُه تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ إنَّما ذكَرَ اللَّهُ المساكينَ ولم يَذْكُرْ غيرَهم؛ لأنَّ الظالمينَ يتسلَّطونَ على الضُّعَفاءِ ويترُكونَ الأقوياءَ، ولأنَّ الأقوياءَ ينصُرونَ أنفُسَهُمْ ولا يحتاجونَ غالبًا إلى ناصرٍ، ونُصْرةُ الضعيفِ أعظَمُ ثوابًا مِن نُصْرةِ القويِّ.
وفي هذا: أنَّ المسكينَ قد يَملِكُ مَركَبًا وسفينةً؛ لكنَّها لا تسُدُّ حاجتَهُ ولا تَكفِيه، والفقيرُ أشَدُّ منه حاجةً وأضعَفُ منه قدرةً ويدًا.
ومَن فعَلَ ما فعَلَ الخَضِرُ فهو مُحسِنٌ، وليس بضامنٍ ما أفسَدَ على الصحيح؛ وذلك لِما تقدَّمَ في قولِهِ تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١].
* * *
* قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨٠ - ٨١].
ذكَرَ اللَّهُ إيمانَ الوالدَيْنِ وكُفْرَ الوَلَدِ، وذكَرَ أنَّ الولدَ لم يكنْ كفرُهُ على نفسِه؛ بل يُريدُ إرهاقَ والدَيْهِ به وبتَبِعَاتِه، وقد جاء مِن حديثِ أُبيِّ بنِ
стр. 1723
كعبٍ؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: (وَأَمَّا الْغُلَامُ، فَطُبعَ يَوْمَ طُبعَ كَافِرًا) (١).
وقولُه تعالى: ﴿يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ جاء في معناهُ ما في "المسنَدِ"؛ مِن حديثِ أُبيِّ بنِ كعبٍ: "فَيَحْمِلُهُمَا حُبُّهُ عَلَى أَنْ يُتَابِعَاهُ عَلَى دِينِهِ" (٢).
وقد جاء عن غيرِ واحدٍ مِن المفسِّرينَ مِن السلفِ: أنَّ اللَّهَ أبدَلَهما به وَلَدًا مسلِمًا، كان حَمْلًا في بطنِ أمِّه عندَ قتلِ أخيه.
وفي هذه الآيةِ: أنَّ الغلامَ لم يُقتَلْ إلَّا لِعِلَّةِ إرهاقِهِ والدَيْهِ بطُغْيانٍ وكفرٍ، ومفهومُ الآيةِ: أنه لو كان كفرُ الغلامِ على نفسِه، وكان بارًّا بوالدَيْهِ: أنه لم يَقتُلْهُ الخَضِرُ.
وحياةُ الوالدَيْنِ أَولى مِن حياةِ ولدِهما ولو كان مسلِمًا، فضلًا عن كونِهِ كافرًا، ومَن ألحَقَ بوالدَيْهِ ضررًا وشرًّا باختيارِهِ لعقوقِهِ حتى خِيفَ على حياتِهما، فإنَّه يجوزُ للحاكمِ قتلُهُ تعزيرًا.
وأمَّا مجرَّدُ العقوقِ، فلا يثبُتُ ما ورَدَ في قتلِ العاقِّ لوالدَيْهِ؛ فقد رواهُ أبو حازمٍ، عن أبي هريرةَ مرفوعًا: (مَنْ ضَرَبَ أَبَاهُ، فاقْتُلُوهُ) (٣)، ولا يصحُّ، والصوابُ إرسالُهُ عن أبي حازمٍ عن المسيَّبِ؛ هكذا رواهُ هشامُ بن عُرْوةَ، عن أبي حازمٍ، به (٤).
ويقعُ العقوقُ الذي ليس فيه رهَقٌ بطُغْيانٍ وكفرٍ في القرونِ الأُولى، ولم يثبُتْ عن أحدٍ مِن الصحابةِ قتلُ مِثْلِ هذا العاقِّ تعزيرًا.
وإذا تعارَضَتْ حياةُ الولدِ في بطنِ أُمِّه وحياةُ أمِّه، فحياةُ أمِّه مقدَّمةٌ عليه، كمَنْ تَحمِلُ ولدًا يتَّفقُ الأطباءُ على أنه إنْ تُرِكَ حتى تَلِدَهُ ماتتْ بسببه، فيجوزُ إسقاطُهُ لتبقَى حيَّةً ولو مات جنينُها.
* * *
стр. 1724
* قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢].
كان للغلامَيْنِ حائطٌ، وتحتَهُ كَنزٌ لهما، وقد اختُلِفَ في الكَنْزِ: هل هو كَنْزُ عِلْمٍ وكتُبٍ، أو كَنْزُ مالٍ؟ فقد جاء عن ابنِ عبَّاسٍ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ ومجاهدٍ: أَنَّه كَنْزُ عِلْمٍ (١)، وجاء عن الحسَنِ أنَّه لَوْحٌ مِن ذهبٍ مكتوبٌ فيه (٢)، وجاء عن عِكْرِمةَ وقتادةَ: أنَّه كَنْزُ مالٍ (٣).
وقد حَفِظَ اللَّهُ الغلامَينِ بصلاحِ والدِهما، وإنَّما ذكَرَ صلاحَ الوالدِ؛ لأنَّ الولدَيْنِ على خلافِ ذلك؛ فحفظُ الولدِ بصلاحِ نفسِهِ أَولى مِن حفظِه بصلاحِ غيرِه.
وفي هذه الآيةِ: حفظُ مالِ اليتيم وفضلُ رعايتِه، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢] وما بعدَها، وعندَ قولِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]، وتقدَّم الكلامُ على الاتِّجارِ به واستصلاحِهِ عندَ قولِهِ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وتقدَّم الكلامُ في حفظِهِ حتى يبلُغَ ومقدارِ الأخذِ منه بالمعروفِ في قولِهِ تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].
وتقدَّم الكلامُ في حفظِ مالِ الصغيرِ وعدمِ وَضْعِ المالِ في يدِه حتى
стр. 1725
يَكْبَرَ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥].
* * *
* قال تعالى: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف: ٩٤].
في هذه الآيةِ: وجوبُ تحصينِ البُلْدانِ والمُدُنِ والناسِ ممَّن يُفسِدُ عليهم أمرَهم، وفيها: وضعُ الحصونِ عندَ المَخاطرِ.
وقولُه تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾، ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [الكهف: ٩٥]، قولُهُ: ﴿خَرْجًا﴾؛ يعني: أَجْرًا، وذلك كقولِه تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾.
عرَضُوا على ذي القَرْنَيْنِ جمعَ المالِ لبناءِ السدِّ، فامتنَعَ لكِفَايتِه، وفي هذا: جوازُ جمعِ الحاكمِ والسُّلْطانِ المالَ مِن الناسِ عندَ الشدائدِ والحروبِ لدفعِ العدوِّ، وإنْ كان في بيتِ المالِ كفايةٌ، فالأَوْلى أن يستغنيَ به عن مالِ الناسِ؛ كما استغنى ذو القرنَيْنِ عن ذلك؛ فقال: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾؛ أي: إنَّ الذي أَعطاني اللَّهُ مِن القُدْرةِ والقُوَّةِ خيرٌ لي مِن الذي تَجمَعونَه، واستعانَ بما يَقدِرونَ عليه ولا يَقدِرُ عليه، وهو عملُ أبدانِهم؛ فقال: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٥ - ٩٦].
стр. 1726
سورة مريم
وهي مكيَّةٌ مِن العِتَاقِ، وهي ممَّا نزَلَ قبلَ هجرةِ جعفرٍ إلى الحبشةِ؛ فقد كانتْ معه فقرَأَها على النَّجَاشِيِّ، ففي "المسنَدِ"؛ مِن حديثِ أمِّ سلمةَ؛ قالتْ: قال النَّجاشِيُّ لجعفر بنِ أبي طالبٍ: هل معَكَ ممَّا جاء به نبيُّكم شيءٌ؟ قال: نَعَمْ، فقال له النَّجَاشِيُّ: فاقرَأْهُ عليَّ، فقرَأَ عليه صدرًا مِن (كهيعص)، قالتْ: فبكَى واللَّهِ النجاشِيُّ حتى أَخْضَلَ لحيتَهُ وبكَتْ أساقفتُهُ حتى أَخْضَلُوا مَصَاحِفَهم حينَ سَمِعُوا ما تلا عليهم، ثم قال النَّجَاشِيُّ: إنَّ هذا -واللَّهِ- والذي جاء به موسى: لَيخرُجُ مِن مِشكاةٍ واحدةٍ! انطلِقَا؛ فواللَّهِ لا أُسلِمُهم إليكم أبدًا (١).
وكانتْ هذه السورةُ لبيانِ حقيقةِ عيسى وأمِّه، وإبطالِ مَزاعِمِ اليهودِ والنَّصارى حولَهما، مِن القولِ الشنيعِ في مريمَ والتأليهِ لعيسى، وبيَّن اللَّهُ أصلَها، وقَصَّ نسَبَها، وفضلَ آلِ عِمْرانَ ونزاهتَهُمْ وشرَفَ بيتِهم.
* * *
* قال تعالى: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾ [مريم: ٧].
في هذه الآيةِ: تسميةُ المولودِ قبلَ ولادتِه؛ وهذا جائزٌ بلا خلافٍ، وفيه: جوازُ التسميةِ باسمِ لم يُسبَقْ إليه ما كان المعنى حسَنًا،
стр. 1727
وقد جعَلَ اللَّهُ مِن خصائصِ اسمِ يحيى أنَّه لم يُسبَقْ مِن قبلُ.
تسميةُ المولودِ ووقتُها:
وقد جاءتْ مشروعيَّةُ التسميةِ اليومِ السابع؛ كما جاء مِن حديثِ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ -أَمَرَ بِتَسْمَيَةِ المَوْلُودِ يَومَ سَابِعِهِ، وَوَضْعِ الأذَى عَنْهُ، وَالعَقِّ"؛ أخرَجَهُ الترمذيُّ (١)، وعندَ أحمد وأهلِ "السنن" نحوُهُ مِن حديثِ سَمُرَةَ (٢)، وجاء مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ (٣) وغيرِه.
وقد سمَّى النبيُّ ﷺ ولدَهُ إبراهيمَ في اليومِ الذي وُلدَ فيه؛ كما جاء في مسلمٍ؛ من حديثِ أنسٍ مرفوعًا؛ قال: (وُلدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلَامٌ، فَسَمَّيْتُهُ باسْمِ أَبِي إبرَاهِيمَ) (٤)، وفي "الصحيحَيْنِ": "إنَّه وُلِدَ لأبي موسى ولدٌ، فأَتى به النبيَّ ﷺ فحنَّكَهُ وسمَّاه إبراهيمَ" (٥)، وفيهما مِن حديثِ سهلِ بنِ سعيدٍ: "أنَّ النبيَّ ﷺ سمَّى المُنذِرَ بنَ أبي أُسَيْدٍ حينَ ولادتِه" (٦).
وفي الآيةِ: التسميةُ قبلَ الولادة، وفي حديثِ أنسٍ وأبي موسى وسهلِ بنِ سعدٍ التسميةُ يومَ الولادة، وفي حديثِ ابنِ العاصِ وسمُرةَ التسميةُ يومَ السابعِ؛ وكلٌّ ذلك جائزٌ، ولكنِ اختلَفَ العلماءُ في الأفضلِ على أقوالٍ:
فمنهم مَن قال: إنَّ التسميةَ في اليومِ السابعِ أفضَلُ؛ وبهذا قال جمهورُ العلماءِ؛ كمالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ.
стр. 1728
ومنهم مَن قال: إنَّ التسميةَ في اليومِ الأولِ أفضلُ؛ وبهذا قال جماعةٌ مِن الفقهاءِ مِن المالكيَّةِ؛ وهو وجهٌ في مذهبِ أحمدَ.
ومَن نظَرَ في الأحاديثِ في التسميةِ عندَ الولادة، وجَدها أصَحَّ مِن التسميةِ في اليومِ السابعِ؛ كما قاله البيهقيُّ (١).
ومنهم مَن قال: إنَّه إنْ أرادَ أن يَعُقَّ عنه فيُسمِّيهِ مع عقيقتِهِ في السابعِ، ومَن لم يُرِدْ أن يَعُقَّ فيُسمِّيهِ أولَ يومٍ؛ وإلي هذا مالَ البخاريُّ، حيثُ بوَّبَ في كتابِه "الصحيحِ": (بابُ تسميةِ المولودِ غداةَ يُولَدُ لِمَن لم يَعُق) (٢)، وقد سمَّى النبيُّ ﷺ ولدَه إبراهيم يومَ وُلدَ، وأمَّا الحسنُ والحُسَيْنُ، فسمَّاهُما يومَ السابعِ؛ كما في حديثِ عائشةَ؛ حيثُ قالتْ: "عَقَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ يَوْمَ السَّابِعِ وَسَمَّاهُمَا"؛ رواهُ ابنُ حِبَّانَ وغيرُهُ (٣).
والآيةُ دالَّةٌ على جوازِ التسميةِ قبلَ الولادةِ؛ وذلك متوقِّفٌ على معجزةٍ؛ فلا يَعلَمُ الجنينَ ونوعَهُ قبلَ تكوُّنِهِ إلَّا اللَّهُ: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤]، وهي في سياقِ البُشْرى وتأكيدِها، ومُقتضى التأكيدِ وتمامُ البشرى والنعيمِ التعجيلُ بالتسميةِ؛ لضمانِ تحقُّقِ المقصودِ وتمامِه.
وأمَّا التكنِّي، فبابُهُ واسعٌ؛ لأنَّ الكُنْيةَ لا يُقصَدُ بها مولودٌ بعَيْنِه؛ فقد يتكنَّى الرجُلُ ولا ولَدَ له، وقد يتكنَّى بذَكَرٍ وولدُه أُنثى، وقد يتكنَّى بأُنثى وولدُهُ ذكَرٌ، بخلافِ التسميةِ؛ فهي متعيَّنةٌ لولدٍ بعَيْنِه.
* * *
стр. 1729
* قال تعالى: ﴿قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣].
في هذه الآيةِ: أنَّ مريمَ تمنَّتْ أن تكونَ قد ماتتْ قبلَ نزولِ ما نزَلَ بها، ولم تَتَمَنَّ الموتَ بعدَ نزولِ ما حَلَّ بها، بل سلَّمَتْ لأمرِ اللَّهِ وخَضَعَتْ له، وقد تقدَّم الكلامُ على تمنِّي الموتِ وأحوالِهِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
* * *
* قال تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨].
ذكَّرَ قومُ مريمَ مريمَ بسيرةِ أهلِها وفضلِهم وعَفَافِهم وطُهْرِهم، وأنَّ سِيرَتَها لا بنبغي أن تخرُجَ عنها، وقد استَنْكَروا أن يكونَ بيتُ العفافِ يخرُجُ منه أمرٌ استنكَروه؛ فبيَّنَ اللَّهُ لهم بإنطاقِ عيسى معجِزةً له ولها.
وفي هذه الآيةِ: جوازُ استعمالِ وازعِ الطَّبْعِ لاستنكارِ المُنكَرِ ولو كان وازعُ الطبعِ وحدَهُ، عندَ رؤيةِ مَن يَرَى عليه عملَ سَوْءٍ أو قولَ مُنكَرٍ، فيُنكِرُ عليه ذلك تذكيرًا له بأهلِهِ وخُلُقِهِ وقومِه وقبيلتِه.
والنهيُ عن المُنكَرِ يُخفَّفُ فيه، بخلافِ الأمرِ بالعبادةِ؛ فلا يجوزُ الأمرُ بالتعبُّدِ للَّهِ بوازعِ الطبعِ مجرَّدًا، ما لم يكنْ تابِعًا لوازعِ الشَّرْعِ؛ حتى لا يمتثِلَ الناسُ العباداتِ تقليدًا ورِياءً وسُمْعةً، فيقَعُوا في الشِّرْكِ؛ حيثُ لم يُخلِصوا في عَمَلِهم للَّهِ.
وقد تقدَّم الكلامُ على وازعِ الطَّبْعِ والشَّرْعِ والفرقِ بينَهما عندَ قولِهِ تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف: ٢٣].
* * *
стр. 1730
* قال تعالى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١].
في هذه الآيةِ: أنَّ الصلاةَ واجِبةٌ على العاقلِ ما دام حيًّا، ولو لم يكنْ قادرًا ببدَنِهِ لمرضِ؛ ككَسْرٍ أو شَلَلٍ، أو ضعفٍ؛ كهُزَالٍ وكِبَرِ سِنٍّ، أو عجزٍ بتقييدِ يدَيْهِ ورِجلَيْهِ، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣].
* * *
* قال تعالى: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧].
السلامُ في الآيةِ مِن المُسالَمةِ والأَمَانِ، وتتضمَّنُ الاعتِزالَ والمُفارَقةَ، وقد فَهِمَ بعضُهم منها جوازَ بَذْلِ السلامِ للكفارِ، وليس كذلك، بل هو الأمانُ لأَبِيهِ؛ كما قالهُ ابنُ جريرٍ (١) وغيرُه.
وأمَّا الاستغفارُ، فقد بدَأَهُ إبراهيمُ ثَمَّ ترَكَهُ، لمَّا تبيَّن له إصرارُه؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤]، وقد قال تعالى للنبيِّ محمَّدٍ ﷺ والمؤمِنِينَ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣].
وقد تقدَّم الكلامُ على حُكْمِ تحيَّةِ الكافرِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَو رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦].
* * *
стр. 1731
* قال تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥].
في الآيةِ ذكَرَ اللَّهُ فضلَ إسماعلَ، وأنَّه كان يأمُرُ أهلَه بالصلاةِ والزكاة، وكان عندَ ربِّه مَرْضِيًّا لذلك الفعلِ مه وغيرِه، وأمرُ الأهلِ بالصلاةِ والزكاةِ مهمةُ الأنبياءِ والأولياءِ والصالِحِين، وقد أمَرَ اللَّه نبيَّه بذلك في قولِهِ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢].
أَمْرُ الأهلِ بالصلاةِ:
وهو تكليفٌ لجميعِ المُسلِمِينَ أن يتعاهَدوا أهلَهُمْ بأعظَمِ الأركانِ بعدَ الشهادتَيْنِ؛ وذلك أنَّ أَولى الناسِ بالنُّصْحِ الأَقْرَبُونَ، وأَولى الأَقْربِينَ أهلُ البيت، وقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]، فأولُ ما يجبُ على الإنسانِ خلاصُ نفسِهِ ونجاتُها، ثمَّ خلاصُ أهلِه ونجاتُهم، ثمَّ نجاةُ الأَقرَبِين؛ كما قال تعالى لنبيِّه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، فأمَرَه بالأقربينَ قبلَ الأَبْعَدِينَ.
وقولُه تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ﴾: أهلُ الرجُلِ: زوجتُهُ وأولادُهُ؛ فقد قال اللَّه عن إبراهيمَ: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [الذاريات: ٢٦]، وقال عن موسى: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [طه: ١٠]؛ يعني: زوجتَهُ، وقد ذكَرَ اللَّهُ أهلَ لُوطٍ ثمَّ استثنَى زوجتَهُ منهم، فقال: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [الأعراف: ٨٣]؛ يعني: لمَّا كانتْ زوجتُهُ مِن أهلِه، استثناها لكفرِها، ومِثلُهُ قولُ نوحٍ: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥]، فقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]، فأَقَرَّه على كونِهِ مِن أهلِه نَسَبًا، وأخرَجَهُ منهم لِكُفْرِه.
ويُطلَقُ الأهلُ على مَن تأهَّلَ في البيتِ واشترَكَ في سُكْناه، ومِن
стр. 1732
ذلك قولُهُ تعالى عن رُكَّابِ السفينةِ: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ [الكهف: ٧١]، ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦]؛ يعني: مِن أهلِ بيتِها، ومِثلُهُ قولُهُ تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ﴾ [يوسف: ٦٢].
وكان السلفُ يَتعاهَدونَ كلَّ أهلِ بيوتِهم بالصلاةِ والزكاةِ واستصلاحِ أمرِهم ولو كانوا خَدَمًا وجَوَارِيَ وعبيدًا، وقد روى الببهقىُّ؛ مِن حديثِ عاصمٍ؛ قال: جاء رجلٌ إلى الحسَنِ، فقال له: يا أبا سعيدٍ، إنَّ لي جاريةً حسَنةً الصوتِ، لو عَلَّمْتُها الغناءَ لعلِّي آخُذُ بها مِن مالِ هؤلاءِ، قال الحسَنُ: إنَّ إسماعيلَ كان يأمُرُ أهلَهُ بالصلاةِ والزكاةِ، وكان عندَ ربِّه مَرضِيًّا، فأعاد عليه الرجُلُ القولَ ثلاثَ مرَّاتٍ، كلَّ ذلك يقولُ له الحسَنُ: إنَّ إسماعلَ كان يأمُرُ أهلَهُ بالصلاةِ والزكاةِ (١).
وقد أمَرَ اللَّهُ بأمرِ الأولادِ بالصلاةِ وتعاهُدِهم عليها، ويجبُ ذلك على الوليِّ عندَ تمييزِ الولدِ بالكلامِ أمرًا، وضَرْبًا غيرَ مبرِّحٍ عندَ العِصْيانِ عندَ العاشرةِ؛ كما في قولِهِ ﷺ : (مُرُوا أوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي المَضَاجِعِ) (٢).
وظاهرُ الحديثِ: أنَّ الولدَ لا يؤمَرُ بها قبلَ السابعةِ، ولا يُضرَبُ قبلَ العاشرةِ، ولكن قبلَ السابعةِ يُعرضُ له: (لو صَلَّيتَ معنا، وماذا ترى بالصلاةِ مع الناسِ؟ )، وهذا لي حالِ قُرْبِهِ مِن التمييزِ، ولا يؤتى به إلى مواضعِ الصلاةِ وصفوف المُصلِّينَ إنْ كان يقطعُها ويُذهِبُ خشوعَهُمْ ببكائِهِ ولَعِبِه.
стр. 1733
ويُستحَبُّ تعاهُدُ الأهلِ بصلاةِ النافِلةِ، وخاصَّةَ الزَّوْجةَ؛ فقد كان النبيُّ ﷺ يتعاهَدُ أهلَهُ وَيُوقِظُ أهلَهُ لصلاةِ الوِتْرِ، وكان يحُثُّ الناسَ على ذلك، ففي "السُّننِ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ وأبي سعيدِ؛ قال ﷺ : (إِذَا أَيْقَظَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّبَا أَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا، كُتِبَا فِي الذَّاكِرِينَ وَالذَّاكِرَاتِ) (١).
وفيها أيضًا عن أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : (رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قامَ مِنَ الَّليْلِ فَصَلَّى، وَأْيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِنْ أَبَتْ، نَضَحَ فِي وَجْهِهَا المَاءَ، رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ، وَأَيْقَظَتْ زَوجَهَا، فَإِنْ أَبَى، نَضَحَتْ فِي وَجهِهِ المَاءَ) (٢).
* * *
* قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
ذكَرَ اللَّهُ الأنبياءَ ومَن اتَّبَعَهُمْ ممَّن اقتفَى أثرَهُم، وذكَر مَنْ خَلْفَهم ممَّن مالوا وحادُوا عن الصراطِ المستقيم، وأولُ وصفِ سوءٍ لهم ذكَرَهم به: أنَّهم: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾، فقرَنَ اللَّهُ إضاعةَ الصلواتِ باتِّباعِ الشهواتِ؛ لأن الصلاةَ لا يُضِيعهُا إِلَّا غارِقٌ في الشهوةِ، يستمتِعُ بالعاجلِ فيَصرِفُهُ عن الآجِلِ.
وقد كان السلف يَعُدُّونَ كلَّ شَهْوةٍ صارفةٍ عن الطاعةِ هي مِن هذا البابِ؛ وذلك أنَّ ثَمَّةَ تلازُمًا بينَ الشهواتِ وتركِ الصلاةِ؛ فكلَّما زادَتِ
стр. 1734
الشهواتُ، نقَصَتِ الصلاةُ، وقد رَوَى البيهقيُّ في "الشُّعَبِ"؛ مِن حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو، عن محمدِ بنِ المُنكدِرِ؛ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عامرِ بنِ ربيعةَ، قال: "اغْتَسَلْتُ أَنَا وَآخَرُ، فَرَآنَا عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ وَأَحَدُنَا يَنْظُرُ إِلَى صَاحِبِهِ، قَالَ: إِنِّي لأَخْشَى أَنْ يَكُونَا مِنَ الخَلْفِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ " (١).
ولا يكونُ تركُ الصلاةِ بالكليَّةِ والانغماسُ في الشهواتِ في الأُمَمِ إلَّا مع بُعْدِ عهدٍ بالنبوَّةِ، فتُطمَسُ معالمُها، ويَقِلُّ المُصلِحونَ فيها، وقد صحَّ عن مجاهدٍ أنَّ ذلك يكونُ في آخِرِ الزمانِ؛ كما رواهُ ابنُ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ؛ قال في قولِه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾: "عندَ قيامِ السَّاعةِ وذَهَابِ صَالِحي أمَّةِ مُحَّمدٍ ﷺ يَنْزُو بعضُهم على بعضٍ في الأَزِقَّةِ" (٢).
وقد حمَلَ بعضُ السلفِ الأضاعةَ في هذه الآيةِ على كفرِ تاركِ الصلاةِ؛ حيثُ حمَلَ الإضاعةَ على التركِ؛ لقربةِ الغَيِّ الذي لا يكونُ مِثلُهُ إلَّا لكافرٍ؛ كما جاء عن ابنِ مسعودٍ في قولِه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾؛ قال: "الغَيُّ نهرٌّ حَمِيمٍ في النارِ يُقذَفُ فيه الذين يَتَّبِعُونَ الشهواتِ" (٣).
وقد حمَل بعضُ السلفِ الإضاعةَ في الآيةِ على تأخيرِها عن وقتِها؛ كما قال بذلك القاسمُ بنُ مُخيمرةَ؛ قال في قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾: "إنَّما أضاعوا المواقيتَ، ولو كان تركًا، كان كفرًا" (٤).
стр. 1735
وقد اتَّفَقَ السلفُ على كفرِ تاركِ الصلاةِ؛ وإنَّما خلافُهُمْ في كونِهِ كفرًا مُخرِجًا مِن الملَّةِ، أو كفرًا أصغَرَ.
وقد ذهب أحمدُ في المشهورِ عنه -وهو قولٌ للشافعيِّ- إلى كفرِ تاركِها؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : (بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّركِ وَالكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ) (١)، ويأتي تفصيلُ القولِ في تاركِ الصلاةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٥].
* * *
стр. 1736
سورة طه
وهي مِن السُّوَرِ المكيَّةِ العِتَاقِ الأُوَلِ؛ كما ثبَتَ مِن حديثِ ابنِ مسعودِ في "الصحيحِ" (١)، وهي لتثبيتِ البنيِّ ﷺ على رسالته ببيانِ الغايةِ منها، وجاء فيها ذِكْرُ بعضِ الأنبياءِ وثَبَاتِهِمْ وصبرِهم على أداءِ رسالةِ اللَّهِ، وتحمُّلِهِمْ وأدائِهِمْ للأمانةِ؛ ليكونَ في ذلك تثبيثٌ وتسليةٌ للنبيِّ ﷺ فيما هو فيه، وما يَستقبِلُهُ مِن أمرِ الناسِ.
* * *
* قال تعالى: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠].
رأى موسى النارَ ونَأى بأهلِهِ عن الحضورِ معه؛ وذلك لأنَّ الغالبَ في الأسفارِ الرِّجَالُ، ولا يصحُّ منه الإتيانُ بأهلِهِ بينَهم؛ وذلك أنَّه لو كان معه صاحبٌ رجلٌ لَأخَدَهُ معه، ولم يقُلْ له: (امْكُثْ)؛ يتقوَّى ويأنَسُ به، وقد تقدَّمَ الكلامُ على مسألةِ اختلاطِ الجنَسَيْنِ وتفصيلُهُ عندَ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقولِهِ تعالى: ﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١]، وقولِهِ: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]، وقولِهِ تعالى في هودٍ: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [٧١]، وتأتي
стр. 1737
الإشارةُ إلى ذلك في قولِهِ في القصصِ: ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [٢٩]، وقولِه في الحُجُراتِ: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [١١].
* * *
* قال تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢)﴾ [طه: ١٢].
أمَرَ اللَّهُ نبيَّه موسى بخَلعِ نَعْلَيْهِ حينَما أنَبَأَهُ بأنَّه بمكانٍ مقدِّسٍ معظَّمٍ، وفي هذا تشريفُ الأماكنِ المعظَّمةِ وتطهيرُها، واستحبابُ الإتيانِ أليها بما حَسُنَ مِن اللِّباسِ وطابَ مِن الرائحةِ، وقد تقدَّمَ الكلامُ على قصدِ المساجدِ بالزِّينةِ عندَ قولهِ تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١].
العِلَّةُ مِن أمرِ موسى بخلعِ نعلَيْهِ:
وقد اختُلِفَ في سببِ أمرِ اللَّهِ موسي بَنَزْعِ نعلَيْهِ خاصَّةً؛ مع وضوحِ أنَّ هذا الموضعَ مكانٌ مقدَّسٌ معظَّمٌ:
فقيل: إنَّ النِّعَالَ كانتْ مِن جِلْدِ مَيْتهٍ، ولا يثبُتُ ذلك؛ وذلك أنَّهم أخَذُوهُ ممَّا روى التِّرْمِذيُّ (١)؛ مِن حديثِ ابنِ مسعودٍ مرفوعًا: "كانَ عَلَى مُوسَى يَوْمَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ كِسَاءُ صُوفٍ، وَجُبَّةُ صُوفٍ، وَكُمَّةُ صُوفٍ، وَسَرَاوِيلُ صُوفٍ، وَكَانَتْ نَعْلَاهُ مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ"، وقد أعَلَّ الحديثَ غيرُ واحدٍ مِن العلماءِ؛ كالترمذيِّ وغيرِه.
وبعضُهم جعَل ذلك للاستحبابِ؛ أيْ: عندَ حضورِ الأماكنِ
стр. 1738
المعظَّمةِ ولقاءِ العُظَماءِ يُستحَبُّ نَزْعُ النِّعَالِ، وإنْ صحَّ ذلك فيُمْكِنُ تخصيصُهُ بمَن قَبْلَنا؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ ثبَتَ عنه الصلاةُ في النِّعَالِ، ودخولُ المسجدِ بها، بل دخَلَ النبيُّ ﷺ البيتَ الحرامَ ببَعِيرِه، وفعَلَ مِثْلَهُ جماعةٌ مِن أصحابِهِ وأزواجِه، وطافُوا حولَ البِيتِ عليه، وليستْ أقدامُ البهائمِ بأطهَرَ من أقدامِ بَني آدمَ، فضلًا عن الأنبياءِ.
وقد وقَفَ النبيُّ ﷺ عندَ المَقامِ بنعلَيْهِ؛ كما رواه أحمدُ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ (١)، وطاف ابن الزُّبَيْرِ بنعلَيْهِ؛ كما رواهُ الفاكهيُّ (٢).
وظاهرُ قولِه تعالى بعدَ الأمرِ بخَلْعِ النِّعالِ: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾: أنَّ العلةَ مِن خَلْعِ النِّعالِ هو قُدْسِيَّةُ المكانِ وخَصُوصِيَّتُه، ويتَّفقُ العلماءُ على أنَّ قدسيَّةَ المسجدِ الحرامِ ومسجدِ النبيِّ ﷺ أعظَمُ مِن قدسيَّةِ الوادِي المقدَّسِ طُوًى.
ولكنْ يَحتمِلُ أن العلةَ في ذلك هي أنَّ لذلك المكانِ مِن القُدْسِيَّةِ التي جعَلَها اللَّهُ فيه عندَ قدومِ موسى وسماعِ كلامِ اللَّهِ بلا واسطةٍ في الأرضِ: ما ليس في غيرِه، ثمَّ رُفِعَ ذلك القَدْرُ مِن القُدْسِيِّةِ بانتهاءِ ذلك؛ وذلك أن اللَّهَ كلَمَ موسى في الأرصِ بلا واسطةٍ، ولم يُسبَق موسى بأحدٍ مِن الأنبياءِ أنْ كَلَّمَهُ اللَّهُ كذلك، وأمَّا نبيُّنا ﷺ فقد كَلَّمَهُ اللَّهُ بلا واسطةٍ، ولكنْ في السماءِ، لا فى الأرضِ.
ويَحتمِلُ أن يكونَ الأمرُ بذلك مِن جنسِ أمرِ جبريلَ النبيَّ ﷺ بنَزْعِ نعلَيْهِ؛ لأنَّه كان فيهما قذَرٌ، وذلك كما جاء في حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ؛ قال: بينَما النبيُّ ﷺ يُصَلِّي بِأصْحَابِهِ إذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ القَوْمُ، أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
стр. 1739
صَلَاتَهُ، قَالَ: (مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟ ! )، قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ، فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّ جِبْرِيلَ ﷺ أَتَانِي، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيْهِمَا قَذَرًا -أَوْ قَالَ: أَذًى-)، وَقَالَ: (إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى المَسْجِدِ، فَلْيَنْظُرْ: فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أذًى، فَلْيَمسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا)؛ رواهُ أحمد وأبو داودَ (١).
الصلاةُ في النِّعَالِ، ودُخُولُ المساجدِ بها:
ولا يُؤخَذُ مِن هذه الآيةِ: عدمُ استحبابِ الصلاةِ بالنِّعَالِ؛ فإنَّ الصلاةَ بها محلُّ اتِّفاقٍ عندَ العلماء على جوازِها، وإنَّما الخلافُ عندَهم في الاستحبابِ مِن عَدَمِه؛ وذلك لثبوتِ الصلاةِ بها عن النبيِّ ﷺ ؛ فقد كان يُصلِّي في نعلَيْه؛ كما ثبَت في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديث أنسٍ (٢)، بل كان يأمُرُ بذلك؛ كما أخرج أبو داودَ؛ مِن حديثِ شَدَّادِ بن أَوْسٍ؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : (خَالِفُوا الْيَهُودَ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَلَا خِفَافِهِمْ) (٣)، وقد كان ﷺ يَفعلُ ذلك تارَةً وَيَنْزِعُهما تارَةً؛ كما روى عمرُو بن شُعَيْبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه؛ قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي حَافِيًا وَمُنْتَعِلًا"؛ أخرجَهُ أبو داودَ وغيرُهُ (٤).
وقد اختلَفَ العلماءُ في النجاسةِ التي تُصِيبُ أسفَلَ النعلِ: هل تطهُرُ بدَلْكِها بالأرضِ وطولِ المشي عليها، أو لا بُدَّ مِن قَصْدِها بالغَسْلِ والتطهيرِ؟ على أقوالٍ ثلاثةٍ، وهي ثلاثُ روايات عن أحمدَ:
فقيل: إنَّها تطهُرُ بالدَّلْكِ وطولِ المشي في الأرضِ؛ وهذا قولٌ
стр. 1740
للشافعيِّ قديمٌ، وبه يقولُ بعضُ أهلِ الحديثِ؛ كأبن أبي شَيْبةَ، ويحيى بنِ يحيى النَّيْسابوريِّ.
وقيل: بعدمِ طهارتها.
وفرَّق قومٌ بينَ نجاسةِ البولِ ونجاسةِ العَذِرَةِ بأنَّ البولَ يطهُرُ بالدَّلكِ بخلافِ العَذِرَةِ.
وظاهرُ الأحاديثِ: أنَّ الدَّلْكَ وطولَ المشي يَكفِيها في تطهيرِها، ولم يثبُتْ عن النبيِّ ﷺ الأمرُ بغَسْلِ النِّعالِ.
والمساجدُ اليومَ ليست كالمساجدِ بالأمسِ؛ ففيها الفُرُشُ الغاليةُ التي يَظْهَرُ فيها أَدْنى وَطْءٍ للنِّعالِ، فضلًا عن النجاساتِ والقاذوراتِ، فتَلزَقُ بها ويَبقى أثرُ عينِها ورائحتُها فيها، وينبغي صيانتها عن النِّعالِ طاهرةً وغيرَ طاهرةٍ، ما لم تكنِ النِّعالُ تُلبَسُ للمسجدِ خاصَّةً، وقد كان يفعلُ ذلك بعضُ السلفِ؛ يَجعلونَ للمسجدِ نعالًا خاصَّةً به؛ كما روى مروانُ بنُ الأصفرِ؛ قال: رأيتُ طاوُسًا يأتي المسجدَ، فإذا بلَغَ البابَ، نزَعَ نعلَيْهِ، وأخرَجَ نعلًا له أُخرى، فلَبِسَها ودخَلَ (١).
وإذا كان المصلِّي مِن أهلِ الحاجةِ والضرورةِ، فيتعاهدُ نَعْلَهُ، ويتحرَّى في مَوْطِئِه، ويدخُلُ ولا حرَجَ عليه، ولا ينبغي المساواةُ بين هيئةِ المساحِدِ التي كان السلفُ يُصَلُّونَ فيها بنِعَالِهم وببنَ أكثرِ المساجدِ اليومَ التي تُفرَشُ وتُبلَّطُ بالرخامِ.
والبَلَاطُ أشدُّ مِن التُّرابِ، فينيغي صيانةُ المساجدِ التي فيها بلاطٌ أكثَرَ مِن المساجدِ التي فيها ترابٌ؛ وذلك لأنَّ الترابَ يُوطَأُ وينقلِبُ ويكونُ أعلاهُ أسفلَهُ وتُدفَنُ فيه القذاراتُ، بخلافِ البلاطِ فتَبْقَى على
стр. 1741
سطحِه، وتَلزَقُ القذاراتُ في البلاطِ أشدَّ مِن الترابِ، وتَظهرُ عليه أشَدَّ مِن ظهورِها على الترابِ.
* * *
* قال تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤].
في هذا: وجوبُ إقامةِ الصلاةِ المكتوبةِ وأدائِها إذا نُسِيَتْ بعدَ تذكُّرِها، واللامُ في قولِه تعالى: ﴿لِذِكْرِي﴾ حُمِلَتْ على معنيَيْنِ:
فقيل: إنَّها لامُ سببٍ؛ يعني: أَقِمِ الصلاةَ لِتذكرَني بها.
وقيل: هي بمعنى (عندَ)، والمرادُ: أقِمِ الصلاةَ متى ذكَرْتَها؛ وهذا الأشهَرُ.
قضاءُ الفرائضِ الفائتةِ وترتيبُها:
وتُقضَى الفرائضُ في كلِّ وقتٍ متى ذكَرَها ناسِيها؛ وذلك لظاهرِ الآيةِ، سواءٌ كان ذلك في وقتِ نهيٍ أو غيرِه؛ لأنَّ الفرائضَ المنسيَّةَ آكَدُ ذواتِ الأسبابِ.
وعلى هذا عامَّةُ السلفِ وأكثرُ الفقهاءِ.
خلافًا لأبي حنيفةَ، فقد جعَل تقدُّمَ النبيِّ ﷺ لمَّا نام عن صلاةِ الفجرِ وقام عندَ طلوعِ الشمسِ: أنَّ ذلك كان بسببِ أنَّها كانت بينَ قَرْنَيْ شيطانٍ، وهو وقتُ نهيٍ، فتقدَّمَ حتى ترتفِعَ.
وهذا غيرُ ظاهرٍ في الحديثِ، ولا فَهِمَهُ كذلك أحدٌ مِن الصحابةِ، وفي الحديثِ قال: (فَمَا أَيْقَظَنَا إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ) (١)، وحرُّ الشمسِ لا يَكونُ إلَّا بعْدَ ارتفاعِها، واللَّهُ أعلَمُ.
стр. 1742
وقد أمَرَ النبيُّ ﷺ بذلك؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أنسٍ: (مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا؛ لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾) (١).
وأمَّا ما يقولُهُ بعضُ الفقهاءِ: أنَّ الصلاة المنسيَّةَ لا تُقضى إلَّا مع مَثِيلَتِها مِن الغدِ، فهذا لا دليلَ عليه، ويُخالِفُ ظاهرَ القرآنِ، وصريحَ السُّنَّةِ، وعملَ الصحابةِ ﵃.
وإذا اجتمَعَتْ صلاتانِ: حاضرةٌ ومنسيَّةٌ، والوقتُ متَّسِعٌ، فالواجبُ عندَ عامَّةِ الفقهاءِ المذاهبِ الأربعةِ تقديمُ المنسيَّةِ؛ لأنَّها أسبَقُ، ولحقِّ الترتيبِ بينَهما؛ فهما في حُكْمِ الصلاتَيْنِ الحاضرتَيْنِ المجموعتَيْنِ؛ كالظُّهْرِ والعصْرِ، والمغرِبِ والعِشَاءِ، ولمَّا فاتتْ صلاةُ العصر النبيَّ ﷺ حتى غابتِ الشمسُ، صلَّاها ثمَّ صلَّى المغرِبَ؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ حابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ؛ أن عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفارَ قُرَيْشٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كِدتُّ أُصَلِّي العَصْرَ، حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغرُبُ! فقال النبيُّ ﷺ : (وَاللَّهِ مَا صَلَّيتُهَا! )، فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى العَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ (٢).
ولم يثبُتْ أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى على غيرِ ترتيبٍ؛ لا صلواتٍ فائتةً، ولا صلواتٍ حاضرةً مجموعةً.
وإذا كان الوقتُ ضيِّقًا لا يتَّسعُ لتقديمِ الفائتةِ على الحاضرةِ، وإنَّما يَكفي للحاضرةِ فقطْ، فيُقدِّمُ الحاضرةَ على الفائتةِ، ويسقُطُ عنه الترتيبُ؛ حتى لا يكونَ في حقِّه فائتتانِ بدلًا مِن صلاةٍ فائتةٍ واحدةٍ.
стр. 1743
وعلى هذا أكثرُ الفقهاءِ مِن المذاهب؛ وبهذا قال ابن المسيَّبِ والحسنُ وربيعةُ.
وخالَفَ في ذلك المالكيَّةُ، فقالوا بوجوبِ الترتيبِ ليسيرِ الفوائتِ ولو فاتتِ الصلاةُ الحاضرةُ، وهو روايةٌ عن أحمدَ اختارَها بعضُ أصحابِه؛ كالخلَّالِ وأبي بكرٍ.
والفقهاءُ يختلِفونَ في وجوبِ الترتيب وإنْ قالوا بمشروعيَّتِهِ جميعًا، على أقوالٍ ثلاثةٍ:
قالتْ طائفةٌ: بوجوب الترتيب بينَ فوائتِ الصلواتِ كثيرِها ويسيرِها؛ وهذا ظاهرُ مذهبِ أحمدَ، لأَنَّ القضاءَ يَحكِي الأداءَ.
وذهبت طائفةٌ: إلى وجوبِ الترتيب في يسيرِ الفوائتِ لا كثيرِها؛ وهذا ظاهرُ مذهب المالكيَّةِ والحنفيَّةِ، واختلَفُوا في الفَرْقِ بينَ الكثيرِ واليسيرِ، وعامَّتُهم على أنَّ اليومَ والليلةَ يسيرٌ يجبُ الترتيبُ فيه.
وذهبتْ طائفةٌ: إلى استحباب الترتيبِ عندَ قضاءِ الفوائتِ، وأنَّه لا يجبُ؛ وهذا مذهبُ الشافعيَّةِ؛ وذلَك أنَّ الفوائتَ كالدُّيونِ لا يضُره بأيِّها بدَأَ.
وظاهرُ الأقوالِ: أنَّ الصلواتِ الكثيرةَ لا يجبُ فيها الترتيبُ، وهو قولُ جمهورِ الفقهاءِ مِن الحنفيَّةِ والمالكيَّةِ والشافعيَّةِ، خلافًا لأحمدَ فلا يُفرِّقُ بينَ قليلٍ وكثيرٍ.
ومَن نَسِيَ صلاةً فائتةً، ثمَّ صلَّى حاضرةَ، فتذكَّرَ الفائتةَ في الوقتِ، فلا يجبُ عليه أن يُعِيدَ الحاضِرةَ عندَ أحمدَ؛ فإنَّه يُسقِطُ الترتيبَ بالنِّسْيانِ، وأمَّا ما رُوي عن ابنِ عمرَ ﵄، عن النبيِّ ﷺ ، قال: (مَن نَسِيَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا إلَّا وَهُوَ مَعَ الإِمَامِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، فَلْيُعِدِ
стр. 1744
الصَّلاةَ الَّتي نَسِيَ، ثُمَّ لْيْعِدِ الصَّلَاةَ الَّتي صَلَّاهَا مَعَ الإِمَامِ) (١)، فلا يصحُّ، بل قال أبو زُرْعةَ: هو خطأٌ. وأنكَرَه ابنُ مَعِينٍ (٢) وعامَّةُ النُّقَّادِ.
والصوابُ وقفُهُ؛ كما رجَّحَهُ أبو زرعةَ (٣)، والدارقطنيُّ (٤)، وابنُ عديٍّ (٥)، والبيهقيُّ (٦)، وغيرُهم.
ويسقطُ الترتيبُ خشيةَ فَوْتِ صلاةِ الجماعةِ، للأمرِ الصريحِ بها، ولأنَّه لا يصحُّ انفرادُ الرجلِ بصلاةٍ فائتةٍ والناسُ يُصَلُّونَ في المسجدِ جماعةً؛ وهذا قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ، وإنَّما خلافُهُمْ في إعادةِ ما صلَّاهُ مع الإمامِ بعدَ أداءِ الفائتة ليتحقَّقَ له الترتيبُ؛ لأنَّه امتثَلَ الأمرَ فصلَّى جماعةً ولم يَنفرِدْ وحدَهُ، والأرجحُ: أنَّه لا يُعبدُ؛ وهذا قولُ الشافعيِّ وأحمدَ في روايةٍ عنه، واختارَها ابنُ تيميَّةَ.
والجمهورُ: على أنَّه بُعِيدُ الصلاةَ؛ وهذا قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ والمشهورُ عن أحمدَ، وهو قولُ ابنِ عمرَ، وقد صحَّ عنه في "الموطَّأ"، عن نافعٍ؛ أنَّ ابنَ عمرَ قال: "مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، فَلَمْ يذْكُرْهَا إِلَّا وَهُوَ مَعَ الإِمَام، فَإذَا سَلَّمَ الإِمَامُ، فَلْيُصَلِّ الصَلَاةَ الَّتِي نسِيَ، ثُمَّ ليُصَلِّ بَعْدَهَا الَأُخْرَى" (٧).
هل للصَّلَاةِ الفائِتةِ أذانٌ وإقامةٌ؟
ظاهرُ الآيةِ: أنَّ اللَّهَ أمَرَ بأداءِ الصلاةِ المنسيَّةِ ولم يأمُرْ بشيءٍ قبلَها،
стр. 1745
وقد اتَّفَقَ الأئمَّهُ الأربعةُ على أنَّه يُقامُ للصلاةِ الفائتة، ولكنَّهم اختلَفُوا في الأذانِ لها على قولَيْنِ:
ذَهب مالكٌ والشافعيُّ وغيرُهما: إلى أنَّه لا يُؤذَّنُ لها؛ لأنَّ الإقامةَ إشعارٌ لقُرْب الدخولِ في الصلاةِ، بخلافِ الأذانِ؛ لأنَّ إعلامٌ بدخولِ الوقت.
وذهب أحمدُ وأبو حنيفةَ: إلى أنَّه يُؤذَّنُ لها كما يُقامُ.
وذهَبَ سُفْيانُ: الى أنَّه لا يُؤذَّنُ لها ولا يُقامُ.
وإنَّما اختَلَفَ الفقهاءُ في ذلك؛ لاختلافِ الرِّواياتِ في قضاءِ النبيِّ ﷺ لِمَا فاتَ منه في الخَنْدَقِ وفي قصةِ التَّعْرِيسِ لصلاةِ الفجرِ؛ ففي بعضِها يذكُرُ الأذانَ وفي بعضِها لا يذكُرُهُ، والثابتُ في "الصحيحِ": أنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ بلالًا أن يُؤذِّن في الناسِ، وذلك عندَما نام النبيُّ ﷺ والصحابةُ عن صلاةِ الفجرِ حتى طلَعَ حاجبُ الشمسِ، وفيه قال النبيُّ ﷺ لبلالٍ: (يا بلَالُ، قُمْ فَأَذِّنْ بِالنَّاسِ بِالصَّلَاةِ)، فَتَوَضَّأَ، فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ وَابْيَاضَّتْ، قَامَ فَصَلَّى (١).
وحمَلَ بعضُهم ذلك على دعوةِ الناسِ إلى الصلاةِ وجَمْعِهم لا النداءِ المعروفِ.
وهذا الحملُ فيه نظر، وعدمُ ذِكْرِهِ في بعضِ الرِّواياتِ لا يعني عدمَ فِعْلِه؛ فإنَّ عدمَ الذِّكْرِ لا يدُلُّ على العدمِ، وقد جاء صريحًا في حديثِ أبي قتادةَ؛ قال: (إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ، وَرَدهَا عَلَيْكُمْ حِينَ شَاءَ، يَا بِلَالُ، قُم فَأَذِّنْ بالنَّاسِ بالصَّلَاةِ)، فَتَوَضَّأَ، فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ وَابْيَاضَّتْ، قَامَ فَصَلَّى (٢).
стр. 1746
وجاء ذلك صريحًا عندَ النَّسَائيِّ؛ مِن حديثِ بُرَيْدِ بنِ أبي مريمَ، عن أبيه (١).
وعندَ أحمدَ مِن حديثِ ابنِ مسعودٍ (٢).
والأظهرُ: أنَّ الحالَ تختلِفُ؛ فمَنْ كان في حَضَرٍ ونام عن الصلاةِ، فإنَّ أذانَهُ للصلاةِ يدعو الناس إليها، وحالُهُمْ ليستْ كحالِه، والأفضلُ في حقِّه: تركُ الأذانِ في الحَضَرِ، وإنْ رأى أن يُؤذِّنَ فلْيُؤَذِّنْ لنفسِه؛ حتى لا يُلبِّسَ على الناسِ؛ كما صرَّح بهذا جماعةٌ مِن أصحابِ أحمدَ والشافعيِّ؛ وإنَّما أمَرَ النبيُّ ﷺ بالأذانِ وهو في سفرٍ.
حُكْمُ قضاءِ النوافلِ:
وأمَّا قضاءُ النوافلِ، ففيه خلافٌ عندَ الفقهاءِ على أقوالٍ، وأشهرُها قولانِ، وهما روايتانِ عن أحمدَ:
الأولُ: قالوا بالقضاءِ؛ وهو الصحيح عندَ الشافعيَّةِ.
الثاني: أنَّها لا تُقضى؛ وبه قال أبو حنيفةَ ومالكٌ وجماعةٌ.
ومنهم: مَن فرَّق بينَ تركِ النافلةِ نِسْيانًا وشُغْلًا وبينَ تَرْكِها عمدًا؛ فعندَ النِّسْيانِ والشُّغْلِ: يَرى قضاءَها، وعندَ العَمْدِ: لا يرى ذلك؛ لأنَّه ترَكها عمدًا وأداؤها في وقتِ غيرِ وقتِها يَقتضي تبديلًا بالهوى لمواقيتِ النوافلِ، وهي توقيفيَّةٌ، ولو أُطلِقَ الجوازُ ولم يُعلَّقْ بعُذْرٍ، كان بابًا لتفويتِ عبادةٍ عن وقتِها.
والتفريقُ وجيهٌ؛ وذلك لِما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أمِّ سلمةَ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ ترَكَ الركعتَيْنِ بعدَ الظُّهْرِ فصلَّاهما بعدَ العصرِ، ثمَّ قال: (إِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ بِالْإِسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِمْ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ
* قال تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: ٢٩ - ٣٢].
في هذا: استحبابُ اتِّخادِ الوُزَراءِ والمستشارِينَ الثِّقاتِ يَعْضُدُونَ في الحقِّ ويُعِينُونَ عليه، وكلَّما كانتِ الأمانةُ أعظَمَ، كانتِ الحاجةُ إلى المُعِيِنِ عليها أظهَرَ.
استحبابُ اتِّخاذِ البِطَانةِ الصالحةِ والوزيرِ المُعِينِ:
وإنَّ اللَّهَ جعَلَ القُرْبَ مِن الوجيهِ بعِلْمٍ أو سُلْطانِ أمرًا مقدورًا عليه؛ فعليه أن يُقرِّبَ إليه الصادقنَ قبلَ أن يَسبِقَ إليه غيرُهُمْ؛ وذلك لأنَّ الناسَ تَطمَعُ في ذي اليدِ والجاهِ والمالِ والقُوَّةِ، وفي "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ أبي سعيدٍ؛ قال: قال النبيُّ ﷺ : (مَا اسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُهُ عَلَيْهِ؛ وَبطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ) (١).
وهذا إن كان في الأنبياءِ والخُلَفاءِ، فهو في غيرِهم مِن السلاطينِ والعلماءِ مِن بابِ أولى؛ وذلك لأن الناسَ يَقرُبون فيَختلِطُ أمرُهم، وكلُّهم يُبدِي مصلحةَ من قَرُبُوا منه، ولا يعلَمُ بواطنَهُم إلَّا اللَّهُ، والواجبُ على الحاكمِ والعالِمِ: اتِّخاذُهم قبلَ أنْ يَتَّخِذوه، وقد كان النبيُّ ﷺ يدنو منه الأولياءُ والصالحونَ ويدنو منه المُنافِقونَ والمُرتزِقُون، وكان يتَّخِذُ بِطانةً منهم ولا يتَّخذُونَه؛ فبِطانتُهُ أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعليٌّ وغيرُهم مِن خِيارِ الصحابةِ، ولا يَمنَعُ جليسًا مُرِيدًا للخيرِ؛ لكنَّه لا يتَّخِذُ كلَّ أحدٍ أمينًا ووزيرًا وبِطَانةً، وقد يدخُلُ عليه البَرُّ والفاجرُ، وفي "الصحيحِ"، قال عمرُ
стр. 1749
له: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَدْخُلُ عَلَيكَ الَبَرُّ وَالفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ بِالحِجَابِ" (١).
ومِن توفيقِ اللَّهِ لعبدِهِ: أن يُقدِّرَ له بطانةَ خيرِ ووزراءَ حقِّ؛ فعن عائشةَ مرفوعًا: (مَنْ وَليَ مِنْكُم عَمَلًا فَأَرَادَ اللَّه بِهِ خَيرًا، جَعَلَ لَهُ وَزِيرًا صَالِحًا؛ إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ)؛ رواهُ أحمدُ وأبو داودَ والنَّسائيُّ (٢).
وأكثَرُ ما يُؤتى السلطانُ والعالِمُ مِن بطانتِه، فيتَّخِذونَهُ بِطَانةً قبلَ أن يتَّخِذَهُم، فيُقرِّبُ مَن يُصلِحُ دُنياه، ولا يَلتفِتُ لِما يُصلِحُ دِينَهُ، وبينَهما مراتبُ كثيرةٌ، واستخبارُ الناسِ وتجرِبتُهم وتتبُّعُهم واصطفاءُ الصادِقِينَ أهلِ القوةِ والأمانةِ: مَطْلَبٌ واجبٌ كلَّما علا قَدْرُ الرجُلِ في الناسِ وعَظُمَ أمرُهُ واتِّباعُ الناسِ له.
* * *
* قال تعالى: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣)﴾ [طه: ٣٣].
في هذه الآيةِ: فضلُ الذِّكرِ والتسبيحِ خاصَّةً، والاجتماعِ عليه بالتذكيرِ وعمارةِ المَجالِسِ به، وأنَّ مِن مقاصدِ صُحْبةِ الصالحينَ الإعانةَ على ذِكرِ اللَّهِ، فإذا كان هذا احتاج إليه موسى وهو نبيٌّ، فغيرُهُ مِن بابِ أَولى مِن عامَّةِ الناسِ.
وهذا نظيرُ قولِه تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]؛ فإنَّ صُحْبةَ الصالحينَ تحتاحُ
стр. 1750
إلى صبرٍ، وهي مِن أعظَمِ ما يُعِينُ على طاعةِ اللَّهِ بالصلاةِ والذِّكْرِ والدُّعاءِ.
* * *
* قال تعالى: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ [طه: ٤٠].
في هذه الآيةِ: مشروعيَّةُ كفالةِ الصغيرِ، وخاصَّةَ اليتيمَ ومَن فُقِدَتْ أُمُّه، وقد تقدَّم الكلامُ على مسألةِ الرَّضَاع عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وتقدَّم الكلامُ على الحضانةِ للصغيرِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧].
* * *
* قال تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧].
لمَّا قام السَّامِرِيُّ بصناعةِ العِجْلِ مِن ذهبِ بني إسرائيلَ، وعبَدَهُ هو ومَن معه، غَضِبَ موسى على ما فعَلَ، وقام بحَرْقِهِ ونَسْفِهِ في البحرِ.
وفي هذا أنَّ موسى قام بإتلافِ المالِ، وهو الذهبُ، ولم يقُمْ بحفظِهِ ولا تغييرِهِ بصياغتِه؛ خشيةَ تعلُّقِ قلبِ بني إسرائيلَ به؛ فقد أُشرِبَتْ قلوبُهم حُبَّهُ وتعظيمَهُ؛ كما قال تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣]؛ يعني: امتزَجَ بقلوبِهم كما لو شَرِبُوه فجَرَى في عُرُوقِهم.
ودَلَّتِ الآيةُ على أنَّ حِفْظَ ضرورةِ الدِّينِ مقدَّمةٌ على حفظِ ضرورةِ المالِ، وأنَّه لا حُرْمةَ للأموالِ إن كانت تُعارِصُ إقامةَ توحيدِه، وأنَّه يجبُ
стр. 1751
إتلافُها إن كانتِ الحالةُ كذلك؛ فإنَّ موسى لو غيَّرَها بصياغتِها، لكان في بني إسرائيلَ من يجمعُها، أو يَعبُدُ ما صاغَهُ منها وقطَعَهُ ولو في قلائِدَ في أعناقِ النِّساءِ.
وإذا كان هذا ما فعَلَهُ موسى، وهو وَحْيٌ، فمِثْلُ ذلك ما يتعلَّقُ بالأصنامِ التي يتعلَّقُ الناسُ بها وبأصولِها ولو كانتْ ثمينةَ القيمةِ لتاريخِها ونَفَاسةِ جَوْهَرِها؛ فإنَّه لا أعظَمَ ولا أشدَّ نَفَاسةً مِن توحيدِ اللَّهِ الذي لأجلِهِ وُجِدَ الخَلْقُ وَأُرْسِلَتِ الرُّسُل، وأُنْزِلَتِ الكُتُب.
وإن كانتِ الأصنامُ تُصنَعُ مِن جوهرٍ نفيسٍ ولم تتعلَّق بِعْيِنِها النفوسُ، ويُمكِنُ تغييرُها وصَهْرُها وانتفاعُ الناسِ بها مِن غيرِ مَفْسَدةٍ لاحقةٍ، فالأمرُ في مِثلِ هذه الحالةِ يَختلفُ؛ لاختلافِ الحالِ والعِلَّةِ، فإنَّ الحُكْمَ يختلِفُ تَبَعًا؛ فإنَّ الحكمَ يدورُ مع عِلَّتِهِ وجودًا وعدمًا.
* * *
* قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾ [طه: ١١٧].
في هذه الآيةِ: بيانُ أنَّ الكسبَ والنفقةَ على الرجُلِ واجِبٌ، وأنَّه فرضٌ عليه فِطْرةً جُبِلَ عليها آدمُ وحَوَّاءُ مِن أولِ الخَلْقِ؛ وذلك أنَّ اللَّهَ تعالى قال لآدمَ وحَوَّاءَ وهما في الجنةِ قبلَ خروجِهما، محذِّرًا مِن الأكلِ مِن الشجرةِ استجابةً لتلبيس إبليسَ: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾؛ أي: تخرُجانِ جميعًا والشقاءُ لآدمَ؛ لأنَّه كان مَكْفِيًّا في الجنةِ مِن الضَّرْبِ في الأرضِ والعملِ والتكسُّبِ، وأمَّا في الدُّنيا، فسيَشْقَى وحدَهُ، ومحلُّ حواءَ في قَرَارِها، واللَّهُ أمَرَ الرِّجَالَ؛ لكنَّه لم يَنْهَ النِّساءَ عن التكسُّبِ إنِ احتَجْنَ إليه مِن غيرِ تبرُّجٍ ولا اختلاطٍ بالرِّجالِ الأجانبِ.
стр. 1752
وقد بيَّنَّا وجوبَ كَسْبَ الرجُلِ وكفايةِ المرأةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]، وقولِهِ تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥]، ويأتي شيءٌ مِن ذلك عندَ قولِهِ تعالى في سورةِ القَصَصِ: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [٢٣].
* * *
* قال تعالى: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١].
جازَى اللَّهُ آدَمَ وحوَّاءَ بظهورِ سَوْءَتَيْهِما في الجنةِ بعدَ عِصْيانِه، وقامَا بسَتْرِ عورتَيْهما مِن الوَرَقِ؛ لأنَّ سَتْرَ العَوْراتِ فِطْرةٌ جُبِلَ عليها الإنسانُ، ولو لم يَرَهُ أحدٌ بلا حاجةٍ، ولو كانتْ عندَه زوجُهُ ومَن يَحِلُّ له كأَمَتِه، وقد تقدَّمَ الكلامُ في هذا، وبيانُ حُكْمِ العَوْراتِ، وما جَرى لآدمَ وحَوَّاءَ في الجنةِ، وحقيقةِ السَّتْرِ في الصلواتِ وغيرِها، وحدودِ ذلك، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢].
* * *
* قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠].
في هذه الآيةِ: أمرٌ بالصبرِ، وبيانٌ بما يُعِينُ عليه، وهو ذِكْرُ اللَّهِ
стр. 1753
وإقامةُ الصلاةِ له في مواقيتها؛ فإنَّ ذلك مِن أعظَمِ ما يُعِينُ على الحقِّ وقولِهِ، وأكبرِ ما يُعِينُ على الثَّبَاتِ على الطاعةِ واليقينِ بها؛ كما قال عالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، وقد تقدَّم الكلامُ على مواقيتِ الصلاةِ في القرآنِ، ومعنى التسبيحِ عندَها في سورةِ هودٍ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [١١٤].
* * *
* قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢].
أمَرَ اللَّهُ نبيَّه بأنْ يأمُرَ أهلَهُ بالصلاةِ والصبرِ عليها أمرًا وأداءً؛ لأنَّ حِفْظَ الأقرَبِينَ أَولى مِن غيرِهم، واستصلاحَهُمْ أَوَجَبُ؛ وبهذا أمَرَ اللَّهُ نبيَّه بقولِهِ تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، وقد تقدَّم بيانُ حقِّ الأهلِ والذريَّةِ بالأمرِ بالصلاةِ عندَ ذِكْرِ اللَّهِ لإسماعيلَ ومَدْحِهِ على ذلك عندَ قولهِ تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥].
* * *
стр. 1754
سورة الأنبياء
وهي سورةٌ مكيَّةٌ مِن العِتَاقِ الأُوَلِ السابقةِ التي نزَلَتْ على النبيِّ ﷺ بمَكَّةَ، وفيها مِن قصصِ الأنبياءِ وما أُنزِلَ عليهم مِن كُتُبٍ وعِبَرٍ وحُجَجٍ، وذِكْرُ ثباتِهم وحُسْنِ عاقبتِهم، وسُنَّةِ اللَّهِ في الظالمينَ مِن أُمَمِهم، وذِكْرُ آياتِ اللَّهِ ومخلوقاتِهِ العظيمةِ الدالَّةِ على قُدْرَتِهِ وحقِّه في العبادةِ، وذِكْرُ خَلْقِ الإنسانِ وضَعْفِهِ وطُغْيانِهِ وعَجَلَتِهِ في أمرِهِ واتِّباعِهِ لنفسِهِ وهوَاه.
* * *
* قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠].
في هذه الآيةِ: دليلٌ على مشروعيَّةِ الذِّكْرِ المُطلَقِ في كلِّ زمانٍ، وقد ثَبتَ في الوحي مشروعيَّةُ الذِّكْرِ بإطلاقٍ؛ وذلك في عموماتٍ ثلاثةٍ:
الأولُ: يُشرَعُ الذِّكْرُ في كلِّ زمانٍ بلا استثناءٍ؛ لهذه الآيةِ: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾، وقولِ عائشةَ ﵂: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ"؛ رواهُ مسلمٌ، وعلَّقَهُ البخاريُّ (١).
وليس للذِّكْرِ زمانٌ مخصوصٌ به كالصلاةِ والصيامِ والحجِّ؛ فهو أعَمُّ منها.
الثاني: يُشرَعُ الذِّكْرُ على كلِّ حالٍ بلا استثناءٍ؛ كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]، وقال تعالى:
стр. 1755
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١].
الثالثُ: يُشرَعُ الذِّكْرُ في كلِّ مكانٍ، وهذا العمومُ دخَلَهُ استثناءٌ يسيرٌ، كعندِ قضاءِ الحاجةِ وما يَلحَقُ بها؛ وذلك لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يَرُدَّ السلامَ على مَن سَلَّمَ عليه وهو على حاجتِهِ (١).
والشريعةُ خَصَّتْ بعضَ الأحوالِ والأزمانِ والأمكنةِ بذِكْرٍ مخصوصٍ فيكونُ فيها الذِّكْرُ سُنَّةً، ويكونُ فاضلًا وغيرُهُ مفضولًا، بل إنْ تعمَّدَ تَرْكَ الفاضلِ في هذا الموضعِ والمداوَمةَ على غيرِهِ فيما جاءتِ السُّنَّةُ بخلافِه، فذلك بِدْعةٌ.
* * *
* قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣].
في هذه الآيةِ نسَبَ إبراهيمُ تحطيمَ الأصنامِ إلى كبيرِ الأصنامِ مع أنَّه هو الذي فعَلَهُ، وليس هذا من الكذبِ الصريحِ؛ لأنَّ قومَهُ يَعْلَمونَ أنَّ الأصنامَ لا تتحرَّكُ، وليس فيها قوةٌ ذاتَيَّةٌ تَقدِرُ على التصرُّفِ؛ وإنَّما أرادَ إرجاعَهُمْ إلى الحقِّ فيتفكَّرونَ فيما يَعبُدونَ مما لا يَملِكُ لنفسِهِ نفعًا ولا ضرًّا.
ويُسمَّى ذلك تجوُّزًا بالكذبِ؛ لأنَّه يُخالِفُ الحقيقةَ الملفوظةَ ولو كان معلومًا به معنًى عندَ القائلِ به وسامِعِه، وهذه هي المَعَارِيضُ، والمعاريضُ تُستَعملُ عندَ الحاجةِ وتجوزُ، ولستْ مِن الكذبِ المَحْضِ؛ كما في قولِ عِمرانَ: "إِنَّ فِي المَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ" (٢)، وبينَ