إتلافُها إن كانتِ الحالةُ كذلك؛ فإنَّ موسى لو غيَّرَها بصياغتِها، لكان في بني إسرائيلَ من يجمعُها، أو يَعبُدُ ما صاغَهُ منها وقطَعَهُ ولو في قلائِدَ في أعناقِ النِّساءِ.
وإذا كان هذا ما فعَلَهُ موسى، وهو وَحْيٌ، فمِثْلُ ذلك ما يتعلَّقُ بالأصنامِ التي يتعلَّقُ الناسُ بها وبأصولِها ولو كانتْ ثمينةَ القيمةِ لتاريخِها ونَفَاسةِ جَوْهَرِها؛ فإنَّه لا أعظَمَ ولا أشدَّ نَفَاسةً مِن توحيدِ اللَّهِ الذي لأجلِهِ وُجِدَ الخَلْقُ وَأُرْسِلَتِ الرُّسُل، وأُنْزِلَتِ الكُتُب.
وإن كانتِ الأصنامُ تُصنَعُ مِن جوهرٍ نفيسٍ ولم تتعلَّق بِعْيِنِها النفوسُ، ويُمكِنُ تغييرُها وصَهْرُها وانتفاعُ الناسِ بها مِن غيرِ مَفْسَدةٍ لاحقةٍ، فالأمرُ في مِثلِ هذه الحالةِ يَختلفُ؛ لاختلافِ الحالِ والعِلَّةِ، فإنَّ الحُكْمَ يختلِفُ تَبَعًا؛ فإنَّ الحكمَ يدورُ مع عِلَّتِهِ وجودًا وعدمًا.
* * *
* قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾ [طه: ١١٧].
في هذه الآيةِ: بيانُ أنَّ الكسبَ والنفقةَ على الرجُلِ واجِبٌ، وأنَّه فرضٌ عليه فِطْرةً جُبِلَ عليها آدمُ وحَوَّاءُ مِن أولِ الخَلْقِ؛ وذلك أنَّ اللَّهَ تعالى قال لآدمَ وحَوَّاءَ وهما في الجنةِ قبلَ خروجِهما، محذِّرًا مِن الأكلِ مِن الشجرةِ استجابةً لتلبيس إبليسَ: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾؛ أي: تخرُجانِ جميعًا والشقاءُ لآدمَ؛ لأنَّه كان مَكْفِيًّا في الجنةِ مِن الضَّرْبِ في الأرضِ والعملِ والتكسُّبِ، وأمَّا في الدُّنيا، فسيَشْقَى وحدَهُ، ومحلُّ حواءَ في قَرَارِها، واللَّهُ أمَرَ الرِّجَالَ؛ لكنَّه لم يَنْهَ النِّساءَ عن التكسُّبِ إنِ احتَجْنَ إليه مِن غيرِ تبرُّجٍ ولا اختلاطٍ بالرِّجالِ الأجانبِ.
стр. 1752
وقد بيَّنَّا وجوبَ كَسْبَ الرجُلِ وكفايةِ المرأةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]، وقولِهِ تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥]، ويأتي شيءٌ مِن ذلك عندَ قولِهِ تعالى في سورةِ القَصَصِ: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [٢٣].
* * *
* قال تعالى: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١].
جازَى اللَّهُ آدَمَ وحوَّاءَ بظهورِ سَوْءَتَيْهِما في الجنةِ بعدَ عِصْيانِه، وقامَا بسَتْرِ عورتَيْهما مِن الوَرَقِ؛ لأنَّ سَتْرَ العَوْراتِ فِطْرةٌ جُبِلَ عليها الإنسانُ، ولو لم يَرَهُ أحدٌ بلا حاجةٍ، ولو كانتْ عندَه زوجُهُ ومَن يَحِلُّ له كأَمَتِه، وقد تقدَّمَ الكلامُ في هذا، وبيانُ حُكْمِ العَوْراتِ، وما جَرى لآدمَ وحَوَّاءَ في الجنةِ، وحقيقةِ السَّتْرِ في الصلواتِ وغيرِها، وحدودِ ذلك، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢].
* * *
* قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠].
في هذه الآيةِ: أمرٌ بالصبرِ، وبيانٌ بما يُعِينُ عليه، وهو ذِكْرُ اللَّهِ
стр. 1753
وإقامةُ الصلاةِ له في مواقيتها؛ فإنَّ ذلك مِن أعظَمِ ما يُعِينُ على الحقِّ وقولِهِ، وأكبرِ ما يُعِينُ على الثَّبَاتِ على الطاعةِ واليقينِ بها؛ كما قال عالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، وقد تقدَّم الكلامُ على مواقيتِ الصلاةِ في القرآنِ، ومعنى التسبيحِ عندَها في سورةِ هودٍ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [١١٤].
* * *
* قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢].
أمَرَ اللَّهُ نبيَّه بأنْ يأمُرَ أهلَهُ بالصلاةِ والصبرِ عليها أمرًا وأداءً؛ لأنَّ حِفْظَ الأقرَبِينَ أَولى مِن غيرِهم، واستصلاحَهُمْ أَوَجَبُ؛ وبهذا أمَرَ اللَّهُ نبيَّه بقولِهِ تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، وقد تقدَّم بيانُ حقِّ الأهلِ والذريَّةِ بالأمرِ بالصلاةِ عندَ ذِكْرِ اللَّهِ لإسماعيلَ ومَدْحِهِ على ذلك عندَ قولهِ تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥].
* * *
стр. 1754
سورة الأنبياء
وهي سورةٌ مكيَّةٌ مِن العِتَاقِ الأُوَلِ السابقةِ التي نزَلَتْ على النبيِّ ﷺ بمَكَّةَ، وفيها مِن قصصِ الأنبياءِ وما أُنزِلَ عليهم مِن كُتُبٍ وعِبَرٍ وحُجَجٍ، وذِكْرُ ثباتِهم وحُسْنِ عاقبتِهم، وسُنَّةِ اللَّهِ في الظالمينَ مِن أُمَمِهم، وذِكْرُ آياتِ اللَّهِ ومخلوقاتِهِ العظيمةِ الدالَّةِ على قُدْرَتِهِ وحقِّه في العبادةِ، وذِكْرُ خَلْقِ الإنسانِ وضَعْفِهِ وطُغْيانِهِ وعَجَلَتِهِ في أمرِهِ واتِّباعِهِ لنفسِهِ وهوَاه.
* * *
* قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠].
في هذه الآيةِ: دليلٌ على مشروعيَّةِ الذِّكْرِ المُطلَقِ في كلِّ زمانٍ، وقد ثَبتَ في الوحي مشروعيَّةُ الذِّكْرِ بإطلاقٍ؛ وذلك في عموماتٍ ثلاثةٍ:
الأولُ: يُشرَعُ الذِّكْرُ في كلِّ زمانٍ بلا استثناءٍ؛ لهذه الآيةِ: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾، وقولِ عائشةَ ﵂: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ"؛ رواهُ مسلمٌ، وعلَّقَهُ البخاريُّ (١).
وليس للذِّكْرِ زمانٌ مخصوصٌ به كالصلاةِ والصيامِ والحجِّ؛ فهو أعَمُّ منها.
الثاني: يُشرَعُ الذِّكْرُ على كلِّ حالٍ بلا استثناءٍ؛ كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]، وقال تعالى:
стр. 1755
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١].
الثالثُ: يُشرَعُ الذِّكْرُ في كلِّ مكانٍ، وهذا العمومُ دخَلَهُ استثناءٌ يسيرٌ، كعندِ قضاءِ الحاجةِ وما يَلحَقُ بها؛ وذلك لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يَرُدَّ السلامَ على مَن سَلَّمَ عليه وهو على حاجتِهِ (١).
والشريعةُ خَصَّتْ بعضَ الأحوالِ والأزمانِ والأمكنةِ بذِكْرٍ مخصوصٍ فيكونُ فيها الذِّكْرُ سُنَّةً، ويكونُ فاضلًا وغيرُهُ مفضولًا، بل إنْ تعمَّدَ تَرْكَ الفاضلِ في هذا الموضعِ والمداوَمةَ على غيرِهِ فيما جاءتِ السُّنَّةُ بخلافِه، فذلك بِدْعةٌ.
* * *
* قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣].
في هذه الآيةِ نسَبَ إبراهيمُ تحطيمَ الأصنامِ إلى كبيرِ الأصنامِ مع أنَّه هو الذي فعَلَهُ، وليس هذا من الكذبِ الصريحِ؛ لأنَّ قومَهُ يَعْلَمونَ أنَّ الأصنامَ لا تتحرَّكُ، وليس فيها قوةٌ ذاتَيَّةٌ تَقدِرُ على التصرُّفِ؛ وإنَّما أرادَ إرجاعَهُمْ إلى الحقِّ فيتفكَّرونَ فيما يَعبُدونَ مما لا يَملِكُ لنفسِهِ نفعًا ولا ضرًّا.
ويُسمَّى ذلك تجوُّزًا بالكذبِ؛ لأنَّه يُخالِفُ الحقيقةَ الملفوظةَ ولو كان معلومًا به معنًى عندَ القائلِ به وسامِعِه، وهذه هي المَعَارِيضُ، والمعاريضُ تُستَعملُ عندَ الحاجةِ وتجوزُ، ولستْ مِن الكذبِ المَحْضِ؛ كما في قولِ عِمرانَ: "إِنَّ فِي المَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ" (٢)، وبينَ
стр. 1756
المعاريضِ والكذبِ عمومٌ وخصوصٌ؛ فالكذبُ أعَمُّ مِن المعاريضِ، والمعاريضُ أخَصُّ؛ وذلك أنَّ المعاريضَ هي ما يُخالِفُ الحقيقةَ ظاهرًا، ويُوافِقُها باطنًا، وأمَّا الكذبُ فهو ما يُخالفُ الحقيقةَ ظاهرًا وباطنًا؛ فاتَّفَقَتِ المعاريضُ مع الكذبِ في مخالفةِ الظاهرِ.
وقد جاء مدحُ إبراهيمَ في السُّنَّةِ: أنَّه لم يَستعمِل إلَّا المعاريضَ وفي مواضعَ ثلاثةٍ؛ كما أخرَجَ البخاريُّ؛ عن أبي هريرةَ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ قال: (لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ ﵇ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ، ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ : قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾)، قال: (بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ، إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الجَبَابِرَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَا هُنَا رَجُلًا مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: أُخْتِي، فَأَتَى سَارَةَ قَالَ: يَا سَارَةُ، لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ، وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي فأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي، فَلَا تُكَذِّبِينِي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ، فَدَعَتِ اللَّهَ فَأُطْلِقَ، ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ، فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ، فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ، فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بِإِنْسَانٍ؛ إِنَّمَا أَتَيْنُمُونِي بِشَيْطَانٍ! فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ، فَأَتَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: مَهْيَا؟ ! قَالَتْ: رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الكَافِرِ -أَوِ الفَاجِرِ- فِي نَحْرِهِ، وَأَخْدَمَ هَاجَرَ)؛ رواهُ البخاريُّ (١).
وجاء في "صحيحِ مسلمٍ"، في حديثِ الشفاعةِ؛ أنَّ إحدى كَذَبَاتِه ﵇ هي قولُه للشمسِ والقمرِ والكوكبِ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦, ٧٧, ٧٨]، ولم يذكْرُ قصةَ الجبَّارِ (٢).
وأخرَجَ التِّرمذيُّ، عن أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : (لَمْ
стр. 1757
يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وَلَمْ يَكُنْ سَقِيمًا، وَقَوْلِهِ لِسَارَةَ: أُخْتِي، وَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ " (١).
ومَن نظَرَ في أقوالِ إبراهيمَ ﵇، وجَدَ أنَّها مَعاريضُ, وإنَّما سُمِّيَتْ كذبًا؛ لكونِها تُفهَمُ مِن السامعِ على خلاف مُرادِ المتكلِّمِ، وأنَّ منها ما هو في جَنْبِ اللَّهِ:
أولُها: قولُه: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾؛ فإنَّ إبراهيمَ يَعلَمُ -وقومُهُ مِثلُهُ- أنَّ الأصنامَ لا تَنطِقُ ولا تَنتصِرُ لنفسِها؛ وإنَّما قال هذا القولَ؛ لِيَرْجِعَهُمْ إلى أنفُسِهم، فيتفكَّروا فيما غفَلُوا عنه.
وإحقاقُ الحقِّ بالمعاريضِ جائزٌ، بل مشروعٌ؛ ومِن ذلك قولُ يوسُفَ ﵇: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠].
ومِن جنسِهِ قولُهُ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]؛ يُريدُ منهم التفكُّرَ والتأمُّلَ؛ فقاله ليُراجِعُوا أنفُسَهُمْ، وليس مُقِرًّا به ليأخُذُوا ذلك عنه، وهو شبيهٌ بالتنزُّلِ مع الخَصْمِ الذي يَعلَمُ أنَّك لا تُقِرُّ بما معه إلَّا تنزُّلًا؛ لتَصِلَ إلى غايةٍ يتَّضِحُ منها الحقُّ والباطلُ، ولا يُوقَف عندَ مبتدًى يَفْصِلُ المناظرةَ بلا حقٍّ ولا باطلٍ.
ورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّه عبَدَهُ حتى أفَلَ (٢)؛ وهذا مُنكَرٌ؛ فالنبيُّ ﷺ حينَما عَدَّ هذه مِن معاريضِ إبراهيمَ، دَلَّ على أنَّها لم تكنْ على الحقيقةِ؛ وإنَّما باطنُها يُخالِفُ ظاهِرَها، ولو كانتْ على ظاهرِها وعبَدَ الكَوْكَبَ حتى أفَلَ، لم يكنْ لتسميةِ قولِه: (هَذَا رَبِّي) كذبًا - معنًى؛ لأنَّه شِرْكٌ؛ وهذا لا يصحُّ من إبراهيمَ.
стр. 1758
وثانيها: قولُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ في سورةِ الصافَّاتِ، وذلك في قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٨٣ - ٩٨].
وإنَّما قال: "إنِّي سَقِيمٌ"؛ لكي يتخلَّفَ عنهم في ذَهَابِهم، ويبقى عندَ أصنامِهم ليُحطِّمَها؛ وهذا يدخُلُ في المُخادَعةِ للعدوِّ، وهذا مِن جنسِ قولِهِ ﷺ : (الحَرْبُ خَدْعَةٌ) (١)، وكان النبيُّ ﷺ إذا أراد غزوةً، وَرَّى بغيرِها (٢).
وثالثُها: قولُهُ لِسَارَةَ: (أُخْتِي)؛ فإنَّه أراد الدفعَ عن زوجتِهِ، ودفعُ الرَّجُلِ عن عِرْضِهِ يجبُ ولو بدفعِ الصائلِ علمِه، فإنْ جازَ الدمُ، فغيرُهُ كالكذبِ مِن بابِ أَولى؛ لأنَّه دُونَهُ؛ ففد قال النبيُّ ﷺ : (مَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)؛ رواهُ أحمدُ وأهلُ السُّنَنِ؛ مِن حديثِ سعيدِ بنِ زيدٍ (٣).
ولو خُيِّرَ إنسانٌ بينَ وقوعِ صائلٍ على عِرْضِهِ وانتهاكِ فرجِ امرأتِهِ وبينَ دفعِهِ بالكذبِ، لكان ذلك جائزًا؛ بل واجِبًا، وهذا يَقضِي به العقلُ والنقلُ، وإنَّما تورَّعَ إبراهيمُ؛ لِعُلوِّ منزلتِهِ ومَقَامِه، ومقاماتُ الأنبياءِ والأولياءِ ليستْ كمقامِ غيرِهم؛ فإنَّهم يُنزِلونَ في أنفُسِهم لا لغيرِهم بعضَ
стр. 1759
المباحاتِ مَقَامٍ المكروهاتِ والمحرَّماتِ، لا لِذَاتِها؛ وإنَّما لتعظيمِهِمْ للَّهِ، ويُنزِلونَ في أنفُسِهم بعضَ المكروهاتِ مَقامَ المْوبِقاتِ؛ لِمَقَامِ الخالقِ، لا لِذَاتِ الفعلِ؛ فهم ينظُرونَ إلى عَظَمةِ مَن يُخالِفونَ أَمْرَه، لا إلى عَظَمةِ فِعْلِهم، وقد وصَفَ اللَّهُ إبراهيمَ بالصِّدِّيقيَّةِ، وهي مرتبةٌ فوقَ الصادقيَّةِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤١].
الأحوالُ التي جاء الترخيصُ فيها بالكَذِبِ للمَصْلَحةِ:
الأصلُ في الكذبِ: التحريمُ، ولا يجوزُ أن يتحوَّلَ الإنسانُ إلى الكذبِ إلَّا للضرورةِ بقبيودٍ، وكلُّ حقٍّ يستطيعُ أن يُحِقَّهُ الرجُلُ بالصِّدْقِ، فلا يَحِلُّ له الكذبُ فيه لإحقاقِه، وكلُّ باطلٍ يستطيعُ الرجُلُ دَفعَهُ بالحقِّ، فلا يجوزُ له الكذبُ فيه لدفعِه.
وقد جاء في السُّنَّةِ الترحيصُ بمواضعَ محدودةٍ مِن الكذبِ، وكلُّها لا تُلحِقُ ضررًا بأحدٍ، ولا تُذهِبُ حقًّا، ولا تَجلِبُ باطلًا؛ وإنَّا تُحِقُّ الحقَّ وتُبطِلُ الباطلَ، ولقِلَّتِها وضِيقِها وحضورِ القصدِ للَّهِ فيها؛ فإنها لا تَطبَعُ صاحِبَها على كذبٍ.
وقد صحَّ في مسلمٍ، عن رسولِ اللَّهِ ﵇؛ أنَّه قال: (لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصلِحُ بَينَ النَّاسِ، وَيَقُولُ خَيْرًا وَيَنْمِي خَيْرًا)، وفيه أيضًا عن ابنِ شهابٍ؛ أنَّه لم يُرَخَّصْ في شيءٍ مِن الكذبِ إلَّا في ثلاثٍ: الْحَرْبُ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْن النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَحَدِيثُ المَرْأَةِ زَوْجَهَا (١).
وكلُّ ما لا يتحقَّقُ مِن المصالحِ إلَّا بالكذبِ، فاختُلِفَ في دخولِهِ في الأنواعِ الثلاثةِ؛ وذلك أنَّ كثيرًا مِن الفقهاءِ لم يَجعلوا الثلاثةَ في الحديثِ للحصرِ؛ وإنَّما للبيانِ الذي تجتمِعُ فيه عللُ المصالحِ الي يجوزُ فيها الكذبُ.
стр. 1760
ولا يَحِلُّ الكذبُ لجلبِ كلِّ مصلحةٍ؛ فمنها المصالحُ الضعيفةُ الحقيرةُ التي لا تُساوِي عظَمَةَ الكذبِ، ولا يجوزُ الكذبُ في دفعِ كلِّ سوءٍ؛ لأنَّ مِن السوءِ ما هو ضعيفٌ لا يُساوي عظَمَةَ الكذبِ وقُبْحَهُ على صاحِبِه، والموازنةُ في ذلك لا تكونُ في كلِّ الأحوالِ سواءً؛ وإنَّما ينظُرُ فيها العالِمُ العارِفُ بتجرُّدٍ وصِدْقٍ، مُبعِدًا هواهُ، صادقًا مع اللَّهِ في قَصْدِه.
* * *
* قال تعالى: ﴿ودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨].
تخاصَمَ رجلانِ إلى داودَ وابنِهِ سُلَيْمانَ؛ أحدُهما صاحبُ غَنَمٍ، والآخَرُ صاحبُ حَرْثٍ، فدخَلَتِ الغنمُ على الحرثِ، فأكَلَتْهُ وأفسَدَتْه، فقضى داودُ أنَّ الغنمَ لصاحبِ الحرثِ بدلًا عمَّا أتلَفَت، وقضى سليمانُ أنَّ صاحبَ الغنمِ يأخُذُ الحرثَ ويُصلِحُهُ ويَسقِيهِ حتى يصيرَ كما كان عندَ أكلِه، والغنمُ تكونُ عندَ صاحبِ الحرثِ ينتفِعُ منها حتى ينتهِيَ صاحبُها مِن إصلاحِ الزرعِ ويُثمِرَ، ثمَّ يأخُذُ غَنَمَه.
وكان ذلك ليلًا؛ حيثُ قال تعالى: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾، والنَّفْشُ يكونُ في الليلِ، وبهذا قضى النبيُّ ﷺ في ناقةٍ لبَراءِ دخَلَتْ حائطَ قومٍ فأفَسدَتْهُ، فجعَلَ النبيُّ ﷺ على أهلِ المَواشي حِفْظَها بالليلِ، وعلى أهلِ الأموالِ حِفْظَها بالنهارِ؛ رواهُ أحمدُ وأبو داودَ (١).
وقد اختلَفَ العلماءُ في الضمانِ فيما أفسَدَتِ البهائمُ مِن المالِ، سواءٌ كان حَرْثًا أو متاعًا:
ذهَبَ مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ: إلى التفريقِ بينَ ما تُفسِدُهُ بالليلِ
стр. 1761
وبينَ ما تُفسِدُهُ بالنهارِ؛ فأمَّا ما تُفسِدُهُ بالليلِ، فالضمانُ على صاحِبِها؛ وذلك لِما جاء في قصةِ البَرَاءِ، ولِما جاء في قصاءِ سُلَيْمانَ ﵇، وإنْ أفسَدَتْ بالنهارِ، فلا ضمانَ على صاحِبِها؛ لعمومِ قولِهِ ﷺ : (الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ)؛ رواهُ الشيخانِ (١).
وفرَّقوا بينَ الليلِ والنهارِ؛ للتفريقِ بينَهما في الوحي.
وذهَب أبو حنيفةَ: إلى أنَّه لا ضمانَ في الليلِ والنهارِ على صاحِبِها، وعمَّمَ حديثَ: (الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ)، ولم يُقيِّدْه، والصوابُ: تقييدُهُ بالنهارِ؛ لأنَّ إطلاقَ ذلك يُفسِدُ على الناسِ مالَهم، وليس في الناسِ قُدْرةٌ على اليقظةِ في الليلِ؛ لحمايةِ منافِعِهم وبساتينِهم، ولكنْ للرَّاعِي قُدْرةٌ على حفظِ البهائمِ في مُرَاحِها، وأمَّا النهارُ، فهو مَحَلُّ عملٍ ورؤيةٍ لصاحبِ المالِ أنْ يحفَظَ مالَه، والبهائمُ مطلقةٌ تَرعى يصعُبُ قيدُها في النهارِ عكسَ الليلِ.
ويَلحَقُ بهذه المسألةِ ما تُسبِّبُهُ البهائمُ مِن حوادثَ في الطُّرُقاتِ؛ فما تسبَّبَتْ به ليلًا، فالضمانُ على صاحِبِها، وما تسبَّبَتْ به نهارًا، فلا ضمانَ عليه؛ للحديثِ؛ وذلك أنَّ السيرَ في الطريقِ نهارًا يَرى معه الراكبُ طريقَهُ مَدَّ بَصَرِهِ بخلافِ الليلِ، وإن أصاب بهيمةً أو أصابتْهُ بهيمةٌ في طريقِه، فبسببِ إهمالِهِ أكثَرَ مِن إهمالِ صاحِبِها.
* * *
* قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩].
اجتهَدَ داودُ وسُلَيْمانُ في القضاءِ في شكوى الرجُلَيْنِ، وفي هذا دليلٌ على جوازِ الاجتهادِ في مواضعِهِ وعندَ مَن يَملِكُ آلتَهُ، ومَن اجتهَدَ
стр. 1762
فهو مأجورٌ؛ وذلك لِما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ عمرِو بنِ العاصِ؛ أنَّه سمِع رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ, فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ) (١).
ولا يجوزُ لأحدٍ أن يقضيَ في مسألةٍ برأيِه إلَّا بشروطٍ:
الأولُ: أن يكونَ عالمًا يَملِكُ آلةَ الاجتهادِ بما يَقضي فيه؛ ولهذا وصَفَ النبيُّ ﷺ المجتهِدَ المأجورَ بـ (الحاكمِ)؛ يعني: الذي يَعرِفُ مفاصلَ الحُكْمِ ومقاطِعَ الحقوقِ وأدلَّتَها، ولا يسمَّى حاكمًا إلَّا وقد تأهَّلَ للحُكْمِ، ومَن تكلَّمَ بأمرٍ مِن غيرِ تأهُّلٍ فيه، فهو خارِصٌ لا حاكِمٌ، وكذلك فإنَّ اللَّهَ قال عن داودَ وسليمانَ مبيِّنًا سببَ تأهُّلِهما للحُكْمِ: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾.
الثاني: أن يَستفرغَ وُسْعَهُ باجتهادِه؛ فإنَّ العالِمَ لا يَلزَمُ مِن كونِه عالمًا أن يُطلِقَ الحُكْمَ مِن غيرِ تأمُّلٍ وتفكُّرٍ واستفراغٍ للوُسْعِ؛ بجمعِ الأدلَّةِ وعَرْضِها وتميزِها، ومعرفةٍ لِما ورَدَ مِن الأدلَّةِ وما لم يَرِدْ، وبالنظر في دَلَالاتِ النصوص وهل حسَمَ الشارعُ المسألةَ بنصٍّ قطعيٍّ أو ظنيٍّ أو ترَكَها؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ قال: (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ)؛ يعني: أنَّه أفرَغَ وُسْعَهُ ولم يتكلَّمْ بخَرْصٍ، ففد يتساوى العالِمُ بالجاهلِ عندَ خَرْصِه، فلا فَرْقَ بينَ جاهلٍ يجتهِدُ وعالِمِ خارِصٍ؛ فكلاهُما قال بغيرِ عِلْمٍ، وفي "السُّننِ"؛ قال النبيُّ ﷺ : (الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ؛ فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ، فهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ، فَهُوَ فِي النَّارِ) (٢).
стр. 1763
الثالثُ: أنْ يكونَ عارِفًا بالنازِلةِ التي يَقضي فيها؛ فإنَّ الإحاطةَ بالأدلَّةِ لا تَكْفي للحُكْمِ على نوازِلَ لا يُحيطُ بها العالمُ، فقد يَستعمِلُ الدليلَ في غيرِ موضعِهِ وما لا يُناسِبُه، فيُخطئُ بتقصيرٍ لا باجتهادٍ.
والعالِمُ المجتهِدُ المخطِئُ مأجورٌ أجرًا واحدًا، والمصيبُ المجتهِدُ له أجرانِ؛ كما في الحديثِ؛ فكلاهُما استحَقَّ أجرًا لاجتهادِه، والمصيبُ استحَقَّ الثانيَ لصوابِهِ وتسديدِه، وإنَّما كان الفرقُ بينَهما في الأجرِ مع أنَّ جميعَهما استفرَغَ وُسْعَه؛ وذلك حتى لا يتواكَلَ العالِمُ في الفُتيا ويتعجَّلَ، فكان للأجرِ الثاني نصيبٌ بالطلبِ والقصدِ، فلو تساوَيَا، لم يكنْ للمصيبِ ولا للصوابِ خصيصةٌ، وفي النفوسِ تساهُلٌ خَفِيٌّ وجَلِيٌّ يُدرِكُها ولو كانتْ صالحةً إنْ عَلِمَتْ تَساوِيَ الأجرِ في الحالَيْنِ، ولأنَّه للصوابِ شرفٌ وعلوُّ منزلةٍ، فلا بدَّ أن يَختَصَّ صاحبُهُ بمنزِلةٍ مِثْلِ منزِلتِه.
* * *
* قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠].
في هذه الآيةِ: مشروعيَّةُ اتِّخادِ السلاحِ وحَملِهِ يتَّقي به الإنسانُ العدوَّ الصائلَ، وفجأةَ البأسِ عليه مِن حيوانٍ مفترِسٍ وإنسانٍ باغٍ.
ويتضمَّنُ هذا أنَّ دفعَ الإنسانِ عن نفسِهِ صَوْلةَ الصائلِ عليه سُنَّةٌ فِطْريَّةٌ، قبل كونِهِ شِرْعةً سماويَّةً، وأنَّ اتِّخاذَ السلاحِ ولو في غيرِ الحربِ محمودٌ لدَفْعِ ما يَطرأُ مِن بأسٍ، خاصَّةً زمنَ الفتنِ والتساهُلِ بالأعراضِ وسفكِ الدماءِ، وقد كان النبيُّ ﷺ وأصحابُهُ يتَّخِذونَ السلاحَ في المدينةِ مِن غيرِ خوفِ تبيِيتِ عدوٍّ؛ حتى إنَّهم لاتِّخاذِهم السلاحَ نَهَى النبيُّ ﷺ الناسَ عن رفعِهِ عندَ دخولِهمُ المسجدَ به؛ فقال: (إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي
سورة الحج
سورةُ الحجِّ مكيَّةٌ، وسُمِّيَتْ بالحجِّ؛ لأنَّها أولُ آياتٍ نزَلتْ فيها تفاصيلُ الحجِّ والنُّسُكِ، وكانتْ فبلَ فرضِ الحجِّ على النبيِّ ﷺ ، وكان فرضُ الحجِّ بالآيات التي نزَلَتْ على النبيِّ ﷺ في المدينةِ، وهي في البقرةِ وآلِ عِمْرانَ.
* * *
* قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].
في هذه الآيةِ: تعظيمُ المسجِدِ الحرامِ وتعظيمُ الصَّدِّ عنه؛ فقد جعَلَهُ اللَّهُ لكلِّ متعبِّدٍ موحِّدٍ، لا يجوزُ صَدُّ مَن يَقصِدُه، ولا أحدَ أحَقُّ به مِن أحدٍ؛ فهو لهم جميعًا؛ وذلك ظاهرُ قولِه تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾، فيَستوي فيه المقيمُ فيه، وهو ﴿الْعَاكِفُ﴾، أو الغريبُ القادمُ إليه، وهو ﴿الْبَادِ﴾؛ وبهذا فسَّرَهُ غيرُ واحدٍ مِن السلفِ؛ كابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ وقتادةَ (١)، وقد عَدَّ بعضُ العلماءِ هذه الآيةَ مدنيَّةً؛ لذِكْرِ الصَّدِّ فيها (٢).
стр. 1766
حُكْمُ بيعِ رِبَاعِ مَكَّةَ ودُورِها:
لا يختلِفُ السلفُ على أنَّ أماكنَ المَناسِكِ الخاصَّةَ لا يجوزُ بيعُها؛ كالمَطَافِ والمَسْعَى ومَرْمَى الجِمَارِ، وقد حكى الإجماعَ غيرُ واحدٍ؛ كابنِ عقيلٍ (١) وابنِ تيميَّةَ مِن أصحابِنا، وكذلك: فإنَّ مزارعَ مكَّةَ يجوزُ بيعُها، وبه قال الجماهيرُ، وقد حكى ابنُ تيميَّةَ الإجماعَ على ذلك (٢)، ولكنَّ الفقهاءَ اختلَفوا في دُورِ مكَّةَ ومَساكنِها ورِبَاعِها؛ هل يجوزُ بيعُها؟ على أقوالٍ ثلاثةٍ، هي ثلاثةُ أقوالٍ عن مالكٍ:
الأولُ: ذهَبَ الشافعيُّ: إلى جوازِ تملُّكِها وبيعِها؛ وذلك لِما ثبَتَ في "الصحيحَيْنِ"، عن أسامةَ بنِ زيدٍ؛ أنَّه قال: قلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: (وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ، أَوْ دُورٍ؟ )، "وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ، وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ وَلَا عَلِيٌّ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ" (٣).
وقد جاء عن بعضِ الصحابةِ أنَّهم اشتَرَوْا مِن أرضِ مَكَّةَ، كما اشترى عمرُ بن الخطَّابِ مِن صَفْوانَ بنِ أميَّةَ دارَهُ بمَكَّةَ، فجعَلَها سِجْنًا بأربعةِ آلافِ درهمٍ (٤).
ورُوِيَ عن عمرَ خلافُ ذلك؛ وفيه نظرٌ.
وقد قال بهذا القولِ طاوسٌ وعمرُو بنُ دينارٍ.
الثاني: مذهبُ جماعةٍ مِن السلفِ؛ كعطاءٍ ومجاهدٍ، وبه قال أبو حنيفةَ وإسحاقُ: أنَّها لا تُباعُ؛ وعلى هذا مشهورُ مذهبِ الحنابلةِ، واستُدِلَّ لذلك بما رواهُ ابنُ ماجَهُ؛ مِن حديثِ علقمةَ بنِ نَضْلَةَ؛ قال:
стр. 1767
"تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَمَا تُدْعَى رِبَاعُ مَكَّةَ إِلَّا السَّوَائِبَ؛ مَنِ احْتَاجَ سَكَنَ، وَمَنِ اسْتَغْنَى أَسْكَنَ" (١).
وهو مرسَلٌ ضعيفٌ.
وبما روى عبدُ اللَّهِ بنُ عمرٍو ﵄؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : (مَكَّةُ مُنَاخٌ؛ لَا تُبَاعُ رِبَاعُهَا، وَلَا تُؤَاجَرُ بُيُوتُهَا)؛ أخرَجَهُ الدارقطنيُّ (٢)، وفيه جهالةٌ، وروَى نحوَهُ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، ولا يصحُّ رفعُهُ (٣).
وأمَّا ما رواهُ أحمدُ وأهلُ "السُّننِ"؛ مِن حديثِ عائشةَ؛ قالتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَبْنِي لَكَ بِمِنًى بَيْتًا أَوْ بِنَاءً يُظِلُّكَ مِنَ الشَّمْسِ؟ فَقَالَ: (لَا، إِنَّمَا هُوَ مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ إِلَيْهِ) (٤)، فهو في أماكنِ المَناسِكِ؛ فمِنًى مِن مواضعِ النُّسُكِ كعَرَفةَ ومُزْدَلِفَةَ والمَسْعَى ومَرْمَى الجِمَارِ: لا تُملَكُ، وإنَّما كلامُ الفقهاءِ عامَّتُهُ في رِبَاعِ مكَّةَ، لا في مَناسِكِها.
الثالثُ: مذهبُ أحمدَ: أنَّها تُملَكُ وتُوَرَّثُ وتُباعُ، لكنَّها لا تُؤجَّرُ؛ فمَن استغنى عنها أسكَنَها؛ وبهذا قال ابنُ تيميَّةَ.
وقال قومٌ بالكراهةِ، فأجازوا البيعَ على كراهةٍ فيه؛ وهذا مرويٌّ عن مالكٍ وغيرِه.
والأظهَرُ: جوازُ بيعِ دُورِ مكَّةَ ورِبَاعِها وإجارَتِها، وقد كان الصحابةُ ومَن بعدَهم يَبْنُونَ دُورًا ويَبيعونَها ويُؤْجِرونَها، ولو كان النهيُ صريحًا لجميعِ رِباعِ مَكَّةَ، لكان واردًا بنصٍّ قطعيٍّ يجري عليه عملُ الصحابةِ ولا يَختِلِفونَ فيه، فقد كان بمكَّةَ جماعةٌ مِن الصحابةِ، ولم يثبُتْ عنهم القطعُ
стр. 1768
بذلك، ثمَّ إنَّ البيعَ كالمِيراثِ، وثبَتَ أنَّ أهلَ مكَّةَ يَتوارَثونَ، والإرثُ انتقالُ المِلْكِ مِن شخصٍ لشخصٍ، والبيعُ مِثلُهُ ولكنْ باختلافِ السببِ، وفي المنعِ مِن بيعِ دُورِ مكَّةَ ورِباعِها مِن الضِّيقِ والحرَجِ ما اللَّهُ به عليمٌ.
والناسُ يَتوارَثونَ ويَتبايَعونَ مَساكنَ مكَّةَ ودُورَها إلى اليومِ، وعملُهم الشائعُ في كلِّ القرونِ عليه.
وقد بيَّن اللَّهُ عَظَمَةَ الصَّدِّ عن المسجدِ الحرامِ في مواضعَ؛ منها قولُه تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤].
وتقدَّم الكلامُ على تعظيمِ المسجدِ الحرامِ، وحُرْمةِ الصدِّ عنه وقطعِ الطريقِ إليه، في مواضعَ؛ منها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧].
وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ لِعَظَمةِ البيتِ جعَلَ اللَّهُ مَن هَمَّ بظُلْمٍ فيه مستحِقًّا للعقوبةِ ولو لم يَفعَلْ، وقد فسَّر بعضُ السلفِ -كابنِ عبَّاسٍ ومجاهدٍ- الظُّلمَ في الآيةِ: بالشِّرْكِ (١).
وقد تقدَّمَ الكلامُ على أمانِ مكَّةَ وحُرْمتِها، وما وقَعَ فيها مِن شدائدَ وقتلٍ، وما يقَعُ فيها بعدَ ذلك، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥].
* * *
стр. 1769
* قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦].
في هذا: فضلُ التوحيدِ؛ إذْ هو أعظَمُ المقاصدِ مِن تشييدِ البيتِ وعِمَارتِه، وكلُّ ما كان من عباداتٍ، فهي تابعةٌ له؛ مِن طوافٍ وسعيٍ وسُقْيَا وإطعامِ طعامٍ، فالتوحيدُ أعظَمُ مِن كلِّ عملٍ وقولٍ، وقد قال تعالى مبيِّنًا منزلتَهُ على غيرِهِ ممَّا كان يغترُّ به كفارُ قريشٍ مِن عملٍ صالحٍ فيُعْمِيهِم عن منزِلةِ التوحيدِ: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٩].
وتقدَّم الكلامُ على تطهيرِ البيتِ وأنواعِهِ وفضلِهِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥].
* * *
* قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧].
في هذا: مشروعيَّةُ الداءِ بالحَجِّ لِمَنْ يجهلُهُ والتذكيرِ لِمَنْ ينساهُ أن يتعاهَدُوا البيتَ الحرامَ بالحجِّ في مَوْسِمِهِ مِن كلِّ عامٍ مؤدِّينَ لفريضةِ اللَّهِ عليهم؛ حتى لا يُهجَرَ البيتُ ويَقِلَّ قاصِدُوهُ، وهذه السورةُ مكيَّةٌ، ووجوبُ الحجِّ لم يُؤخَذْ مِن هذه الآيةِ، بل ممَّا في سورةِ البقرةِ وآلِ عِمْرانَ مِن آيات الحَجِّ.
تفاضُلُ المَشْيِ والرُّكُوبِ في الحَجِّ:
وفي قولِه تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ الرِّجَالُ؛ يعني:
стр. 1770
السائِرِينَ على أرجُلِهم ماشِينَ، والمرادُ بقوله: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾؛ يعني: راكِبِينَ، والضامِرُ: المهزولُ الخفيفُ، وهي الخيلُ, وقد أخَذ بعضُهم مِن تقديمِ اللَّهِ للراجِلِينَ على الراكِبِينَ فضلَ المشي على الركوبِ في المَناسِكِ، وقد اختلَفَ العلماءُ في هذه المسألةِ:
فمِنهم: مَن فضَّل المشيَ؛ لتقديمِ الآيةِ، ولكونِه أكثَرَ نَصَبًا؛ فقد قال النبيُّ ﷺ لعائشةَ لمَّا أَهَلَّتْ مِن التَّنْعِيمِ: (وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ) (١)، وهذا قولٌ للشافعيِّ وإسحاقَ.
ومنهم: مَن فضَّل الركوبَ؛ وهذا قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ.
والأظهَرُ: أنَّ الفضلَ يعودُ إلى العملِ؛ فمَن كان أداؤُهُ للعبادةِ والنُّسُكِ أفضلَ حالَ ركوبِه، فيَركَبُ، ومَن كان أداؤُه لها أفضَلَ حالَ مشيِه، فالمشيُ أفضَلُ؛ وذلك أنَّ مِن الناسِ في دَفْعِهِ مِن عَرَفةَ مَن يزدحِمُ الناسُ عليه ويَخشى التأخُّرَ في وصولِهِ إلى عَرَفةَ إنْ لم يَركبْ، فرُكوبُهُ أفضَلُ مِن مشي يتأخَّرُ به، ومِثلُهُ لو كانتِ المراكبُ مزدحِمةً ويتأخَّرُ لو رَكِبَ، فالأفضَلُ له أن يمشيَ ليَصِلَ على الوقتِ المشروعِ.
ومِثلُ ذلك التعَبُ والنَّصَبُ؛ فمَن رأى أنَّه إنْ مَشَى، ضَعُفَ في العبادةِ ولم يُؤدِّها كما جاءتْ بها السُّنَّةُ، فركوبُهُ أفضَلُ، والناسُ يَختلِفونَ في ذلك.
وقد سار النبيُّ ﷺ مِن ذي الحُلَيْفَةِ مُحرِمًا على راحلتِهِ، وعليها أهَلَّ وكبَّر وحَمِدَ وسبَّح (٢).
وقد تقدَّمَ في سورةِ البقرةِ الكلامُ على المَنَاسِكِ، في آياتِ الحجِّ، وفي سورةِ آلِ عِمرانَ الكلامُ على الاستطاعةِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [٩٧].
* * *
стр. 1771
* قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ [الحج: ٢٨].
في أداءِ المناسكِ: منافعُ دينيَّةٌ ودنيويَّةٌ؛ فالدينيَّةُ: تحقيقُ التوحيدِ، وتعظيمُ اللَّهِ وعبادتُهُ، وكسبُ الأجرِ، وتكفيرُ الذنوبِ، والدنيويَّةُ: كالتجارةِ، وجَلْبِ الأرزاقِ الى ساكنِي المسجدِ الحرامِ، وإطعامِ الفقراءِ وغيرِ ذلك، ومِن المفسِّرينَ: مَن قيَّدَها بالمنافعِ الدنيويَّةِ، وبكلا القولَيْنِ قال ابنُ عبَّاسٍ (١)، ومجاهدٌ (٢)؛ وهذا مِن التنوُّعِ لا التعارُضِ؛ فالمقصودُ عمومُ المنافعِ.
وقصدُ الدُّنيا مع قصدِ الحجِّ مُبَاحٌ لا حرَجَ فيه؛ وفي ذلك قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، بل لو قصَدَ المسلِمُ مَكَّةَ للتجارةِ وكان قد أدَّى فريضةَ الحجِّ مِن قبلُ، فلا حرَجَ عليه، ولكنْ لا ينبغي لمَن كان حاجًّا أن بُعطِّلَ واجباتِ الحجِّ ومناسكَة طلبًا للدُّنيا، فينسى آخِرتَهُ ويذكُرَ دُنياه؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٢].
وقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾: اختُلِفَ في المرادِ بالأيَّامِ المعلوماتِ، وأشهَرُ الأقوالِ قولانِ، وكلاهُما جاء عن ابنِ عبَّاسٍ، وهما روايتانِ عن أحمدَ:
стр. 1772
قيل: إنَّها أيَّامُ النَّحْرِ، وأولُها يومُ العيدِ وثلاثةُ أيامٍ بعدَه، وهي أيامُ التشريقِ (١)؛ وعلى هذا فالأيامُ المعلوماتُ هنَّ المعدوداتُ المذكوراتُ في سورةِ البقرةِ: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [٢٠٣]؛ وصحَّ عن ابنِ عمرَ أنَّ المعلوماتِ تشترِكُ مع المعدوداتِ؛ فقد جاء عنه: أنَّ الأيامَ المعلوماتِ والمعدوداتِ هنَّ جميعًا أربعةُ أيامٍ؛ فالمعلوماتُ: يومُ النحرِ ويومانِ بعدَه، والمعدوداتُ: ثلاثةُ أيامٍ بعدَ النحرِ (٢)؛ ولهذا القولِ قال مالكٌ.
وقيل: إنَّها أيامُ عَشْرِ ذي الحجَّةِ؛ وبهذا قال أبو موسى الأشعريُّ وأكثرُ أصحابِ ابنِ عبَّاسٍ؛ كمجاهدٍ وعطاءٍ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وهو قولُ قتادةَ، وإليه ذهَبَ الشافعيُّ وأحمدُ في المشهورِ عنه (٣).
وفى الأيامِ المعلوماتِ قولٌ ثالثٌ، لم أَرَهُ يصحُّ عن أحدٍ مِن الصحابةِ؛ وإنَّما قال به ابنُ زيدٍ، وبه أخَذ أبو حنيفةَ: أنَّ الأيامَ المعلوماتِ يومُ عَرَفةَ ويومُ النحرِ وما بعدَه (٤).
الهَدْيُ والأُضْحِيَّةُ والأَكْلُ منها:
قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾: فيه مشروعيَّةُ الأكلِ مِن الهَدْي وإطعامِ الفقيرِ؛ كما فعَلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ حيثُ نحَرَ هَدْيَهُ بيدهِ ثمَّ أكَلَ منه لمَّا طُبخَ له وشَرِبَ مِن مَرَقِه، وقد ثبَت أنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ أنْ يُوضَعَ مِن كلِّ هَدْيٍ ذبَحَةُ قِطْعةٌ في قِدْرٍ فيُطبَخَ ليَطعَمَ مِن جميعِه، مع أنَّه ساقَ مِئةً مِن الإبلِ ونحَرَ بيدِه ثلاثًا وستينَ، وجعَل عليًّا يَنحَرُ ما بقِي منها؛ كما جاء في "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ جابرٍ (٥).
стр. 1773
وأفضلُ الإطعامِ أن يكونَ للأشدِّ فقرًا؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾، والبائسُ: المُضطرُّ الذي طهَرَ بؤسُةُ مع فقرِه، وهو قدرٌ زائدٌ عن مجرَّدِ الفقرِ.
ويُستحَبُّ الأكلُ مِن الهَدْيِ كلِّه واجبِهِ ومستحَبِّهِ عندَ عامَّةِ السلفِ وجماهيرِ العلماءِ.
خلافًا للشافعيِّ؛ فقد ذهَبَ الى أنَّه لا يأكُلُ المُهدِي مِن لحمِ هَدْيِهِ الواجبِ؛ لأنَّه هَدْيٌ وجَبَ بالإحرامِ، فلم يَجُزِ الأكلُ منه؛ كدَمِ الكَفَّارةِ، وأجاز الأكلَ مِن هَدْيِ التطوُّع فقطْ.
وهذا يُخالِفُ ما ثبَتَ في السُّنَّةِ، فلم يُفرِّقِ النبيُّ ﷺ بينَ الهَدْيِ الواجبِ والمستحَبِّ، ولا علَّمَ أصحابَهُ ذلك مع كثرةِ هَدْيِهم ودخولِ بعضِهِ في بعضٍ.
ولا يأكُلُ المُهدِي مِن جزاءِ صيدِهِ وفِدْيةِ أَذَاهُ.
وذهَبَ بعضُهم: إلى وجوبِ الأكلِ مِن الهَدْيِ والأُضْحِيَّةِ؛ لظاهرِ الأمرِ في الآيةِ، وهو قولٌ لأحمدَ.
والأظهَرُ: الاستحبابُ؛ لأنَّ اللَّهَ إنَّما أمَر بذلك؛ لأنَّ العربَ كانتْ تعتقِدُ حُرْمةَ الأكلِ مِن هَدْيِهم، فجاء الأمرُ رافعًا لِما توهَّموهُ مِن حظرٍ، لا موجِبًا لحُكْم، وفرقٌ بينَ أمرٍ جاء عندَ استواءِ الأمرَيْنِ بينَ حظرٍ وإباحةٍ، وبينَ أمرٍ جاء بعدَ حظرٍ، فالأمرُ وحدَهُ بعدَ الحظرِ لا يُفيدُ الوجوبَ إلَّا بغيرِهِ مِن عملٍ وقرينةٍ أُخرى.
نقسيمُ الهَدْيِ والأُضْحِيَّةِ:
وأخَذ بعضُ الفقهاءِ منِ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ نقسيمَ الهَدْيِ والأُضْحِيَّةِ إلى نِصْفَيْن: نصفٌ يَطعَمُهُ صاحبُ الهَدْيِ وأهلُ بيتِه، ونصفٌ للفقراءِ.
стр. 1774
وذهَبَ جماعةٌ: إلى أنَّه يُقسَّمُ ثلاثةَ أقسامٍ؛ أخذًا مِن قولِهِ تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]؛ وبه قال ابنُ مسعودٍ وابنُ عمرَ، وإليه ذهَب أحمدُ والشافعيُّ.
والتقسيمُ ثلاثًا أصَحُّ، ولم يصحَّ عن أحدٍ مِن الصحابةِ تقسيمُ الهَدْيِ إلى نِصْفَيْنِ.
وقد روى نافعٌ، عن ابنِ عمرَ؛ قال: "الضَّحَايَا والهدايَا ثُلُثٌ لِأَهْلِك، وثُلُثٌ لك، وثُلُثٌ للمساكينِ"؛ رواهُ ابنُ حزمٍ (١).
وروى ابنُ أبي شَيْبةَ والطبراني، عن علقمة، عن ابنِ مسعودٍ ﵁: "كَانَ يَبْعَثْ بِالْبُدْنِ مَعَ عَلْقَمَةَ، وَلَا يُمْسِكُ عَمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ المُحْرِمُ، ثُمَّ يَأْمُرُهُ إِذَا بَلَغتْ مَحِلَّهَا أنْ يَتَصَدَّقَ ثُلُثًا، وَيَأْكُلَ ثُلُثًا، وَيَبْعَثَ إِلَى ابْنِ أَخِيهِ عَنْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ثُلُثًا" (٢).
وهي صحيحةٌ، ويُروى في ذلك مِن حديثِ ابن عبَّاسٍ في صفةِ أُضْحِيَّةِ النبيِّ ﷺ ، قال: (ويُطْعِمُ أَهْلَ بَيْتِهِ الثُّلُثَ، وَيُطْعِمُ فُقَرَاءَ جِيرَانِهِ الثُّلُثَ، وَيَتَصَدَّقُ عَلَى السُّؤَّالِ بالثُّلُثِ) (٣).
ويُروى عندَ مُسدَّدٍ في "مسندِه"؛ مِن حديثِ إبراهيمَ مؤذِّنِ أهلِ المدينةِ، عن أبيهِ؛ قال: "شهِدتُّ أبا هُرَيرةَ ﵁ بالمصلَّى قال لرجُلَيْنِ: ما عندَكما ما تُضحيِّانِ به؟ قالا: لا، فانطلَقَ بهما الى منزلِهِ وأخرَجَ شاتَهُ، قال تقبَّلَ اللَّهُ مِن أبي هُرَيْرةَ ومِن فلانٍ وفلانٍ، ثمَّ أخَذ كَبِدَها أو شيئًا منها، فأكَلُوا منها، ثمَّ حزَّأَها ثلاثةَ أجزاءٍ، فانقلَبَ الرجُلانِ بثلُثَيْها،
стр. 1775
ودخَلَ بيتَ أبي هريرةَ ﵁ الثُلثُ" (١)؛ وفيه جهالةٌ.
وكان السلفُ يُفْتُونَ بذلك في العقيقةِ أيضًا؛ كما روى عبدُ القُدُّوسِ، عن عطاء ومجاهدٍ؛ أنَّهما قالا: "كانوا يقولونَ في العقيقةِ: ثُلُثٌ للجيرانِ، وثُلُثٌ للمساكينِ، وثُلُثٌ لأهلِ البيتِ"؛ أخرَجَه أبو طاهرٍ السِّلَفِيُّ في "المشيخةِ البغداديَّةِ" (٢).
واختُلِفَ في القَدْرِ الذي تُقسَّمُ عليه الأُضْحِيَّةُ والهَدْيُ: هل تُقسَّمُ أثلاثًا أم ثلاثًا؟ فلا يَلزَمُ مِن كلِّ تثليتٍ أن يكونَ أثلاثًا، كما لا يَلزَمُ مِن التشطيرِ تَساوِي القَدْرِ في الاثنَيْنِ، ولا يَظهَرُ أنَّ السلفَ يتكلَّفونَ الوزنَ، والأظهَرُ: أنَ تقسيمَ الهَدْيِ والأُضْحِيَّةِ يكونُ بحسَب الحالِ؛ فإنْ تقارَبَتْ حالُ المُضحِّي والمُهدِي مِن حالِ غيرِهِ الذي يُهدِيهِ أو يتصدَّقُ عليه، فإنَّه يُقسِّمُها أثلاثًا، وإن كانتِ الحاجةُ في إحدى الجهاتِ أشَدَّ، فإنَّه يُقسِّمُها ثلاثًا لا أثلاثًا، ويَزيدُ في الجهةِ المحتاجةِ.
ولا حَدَّ لقَدْرِ كلِّ قِسْمٍ يَلزَمُ معه تَساوِيها؛ وذلك أنَّه قد تكونُ الحاجةُ إلى الإطعام أشَدَّ مِن الأكلِ، والحاجةُ إلى الأكلِ أشَدَّ مِن الإطعامِ، فيَزِيدُ في هذا، وينقُصُ مِن هذا؛ وذلك لِما جاء عندَ التِّرْمِذِيِّ مِن حديثِ بُريدةَ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (كُلُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا) (٣)، وأصلُه في مسلمٍ (٤)، وجاء في "الصحيحَيْنِ"، مِن حديثِ عائشةَ بلفظِ: (فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتصَدَّقُوا) (٥)، وعندَهما مِن حديثِ جابرٍ، وفيه: (كُلُوا وَتَزَوَّدُوا) (٦)، وعندَهما مِن حديثِ سَلَمةَ بنِ
стр. 1776
الأكوعِ، وفيه: (كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا) (١)، وهو كما قال مالكٌ: "لا حَدَّ فيما يأكُلُ ويتصدَّقُ ويُطعِمُ الفقراءَ والأغنياءَ؛ إنْ شاءَ نِيئًا، وإن شاءَ مطبوخًا" (٢).
وظاهرُ عملِ النبيِّ ﷺ : التوسعةُ في الأُضْحِيَّةِ مِن المأكولِ والمتصدَّقِ به والمُهْدَى منه، وقد روى مسلمٌ في "صحيحِه"، عن ثوبانَ؛ قال: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَحِيَّتَهُ، ثُمَّ قَالَ: (يَا ثَوْبَانُ، أَصْلِحْ لَحْمَ هَذِهِ)، فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ المَدِينَةَ (٣).
وأمَّا ما جاء في حديثِ عائشةَ، عندَ أبي داودَ؛ مِن طريقِ مالكٍ -وهو في "موطَّئِه" (٤) - عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي بكرٍ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، وفيه أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (ادَّخِرُوا الثُّلُثَ، وَتَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ) (٥)، فالأظهَرُ: أنَّه تصحيفٌ، واللفظُ: (ادَّخِرُوا لِثَلَاثٍ)؛ يعني: لثلاثةِ أيامٍ، وليس (الثُّلُثَ)؛ لمناسبةِ السياقِ، والحديثُ في مسلمٍ؛ مِن طريقِ مالكٍ؛ قال ﷺ : (ادَّخِرُوا ثَلَاثًا، ثُمَّ تَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ) (٦).
وفقهُ مالكٍ يُخالِفُ ذِكْرَ الثُّلُثِ، وهذا مِن قرائنِ تحريفِها، وإنْ كانتْ في نُسَخٍ عتيقةٍ؛ فهذا يقعُ مِثلُهُ في كتُب السُّنَّةِ؛ وقد تكلَّم عليه الأئمةُ النُّقَّاد.
ومِن الفقهاءِ: مَن أوجَبَ التصدُّقَ مِن لحمِ الأُضْحِيَّةِ إنْ كانتْ تطوُّعًا، ولو قليلًا بما يُطلَقُ علبه اسمُ الصدَقةِ؛ وهو قولٌ في مذهبِ
стр. 1777
أحمدَ، وهو الصحيحُ مِن مذهبِ الشافعيَّةِ وقولُ جمهورِهم المتقدِّمينَ، والأفضلُ عندَهم: التصدُّقُ بأكثرِها.
* * *
* قال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩].
يُشرَعُ يومَ النَّحْرِ أنْ يأخُذَ الحاجُّ بأسبابِ التحلُّلِ، وأوَّلُها رميُ جمرةِ العَقَبةِ، وبها يتخلَّلُ تحلُّلَهُ الأولَ على الأرجحِ، ويُستحَبُّ أن يأتيَ بأعمالِ النحرِ؛ كما فعَلَها رسولُ اللَّهِ ﷺ مرتَّبةً، فيَبدأْ بجَمْرةِ العَقَبةِ، ثمَّ يَنحَرُ هَدْيَه، ثمَّ يَحلِقُ، ثُمَّ يطوفُ بالبيت؛ وذلك أنَّ اللَّه تعالى يقولُ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
ولو قدَّم أو أخَّر شيئًا على شيءٍ مِن أعمالِ يومِ النحرِ، جاز له ذلك؛ وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ فعَلَ هذه الأعمالَ ولم يُلزِمْ بها، بل خَفَّفَ لمَن اجتهَدَ وقد قَدَّمَ بينَها وأَخَّرَ، كما ثبَت في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قَالَ: (اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ)، فَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: (ارْمِ وَلَا حَرَجَ)، فَمَا سُئِلَ يَومَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدَّمَ وَلَا أُخِّرَ، إِلَّا قَالَ: (افْعَلْ وَلَا حَرَجَ) (١).
والتَّفَثُ في قولِه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ هي أعمالُ النحرِ؛ مِن الرَّمْيِ، والحَلْقِ، ولُبْسِ المَخِيطِ، وقَصِّ الأظفارِ والشاربِ، وجاء عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمرَ أنَّها جميعُ أعمالِ المناسكِ (٢).
стр. 1778
وقولُه تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ هو الذَّبْحُ يومَ النحرِ.
وفي هذه الآيةِ: دليلٌ على مشروعيَّةِ نحرِ الهَدْيِ في جميعِ الأَنْسَاكِ: الإفرادِ والقِرَانِ والتمتُّعِ، فقد جعَلَهُ اللَّهُ عملًا مِن أعمالِ يومِ النحرِ ولم يُخصِّصْ، وقد كان الصحابةُ يُهدُونَ في كلِّ أَنْسَاكِهم وإنْ لم يكنْ واجبًا عليهم، وكان النبيُّ ﷺ يَسُوقُ هَدْيَهُ معه حتى في العمرةِ كما في الحُدَيْبِيَةِ، بل قد كان يَبعثُ بهَدْيِهِ إلى مَكَّةَ ليُذبَحَ يومَ النحرِ، وهو في المدينةِ حلالٌ.
وفي قولِه تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾؛ يعني: طوافَ الحجِّ، وهو طوافُ الإفاضةِ، وهو ركنُ الحجِّ بالإجماعِ، والطوافُ آخِرُ أعمالِ يومِ النحرِ.
وفي الآيةِ: دليلٌ على أنَّ الحجَّ يصحُّ بطوافِ الإفاضةِ؛ لأنَّه آخِرُ الأركانِ وبه يتحلَّلُ، وأمَّا غيرُهُ، فواجِباتٌ أو مستحبَّاتٌ؛ لا تُسقِطُ الحجَّ ولا تُبطِلُه، ولكنَّها تَنْقُصُه.
وتشرَعُ المبادَرَةُ بإنجازِهِ؛ كما فعَلَ النبيُّ ﷺ ؛ فقد طاف ضُحًى.
* * *
* قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾ [الحج: ٣٠ - ٣٣].
حُرُماتُ اللَّهِ كثيرةٌ، والمرادُ هنا حُرُماتُه في الحجِّ، وهي شعائرُ دِينِهِ التي أمَرَ بإقامتِها، فامتثالُ أمرِهِ في النُّسُكِ بفعلِ المأمورِ واجتنابِ
стр. 1779
المحظورِ مِن محظوراتِ الحجِّ: ذلك مِن تعظيمِ حُرُماتِهِ وشعائرِه.
وبَيَّنَ اللَّهُ في قولِه: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أنَّه سبحانَهُ جعَلَ الأصلَ في البهائمِ الحِلَّ، وجعَلَ المُستثنَى قليبلًا مَتْلُوًّا، وأضمَرَ الحلالَ لكثرتِه، وسمَّى الحرامَ لقِلَّتِه.
وقولُه تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾، في هذه الآيةِ: بيانُ أنَّ المَقصَدَ الأعظَمَ مِن الحجِّ هو إقامةُ توحيدِ اللَّهِ ونبذُ الشِّرْكِ؛ حيثُ ذكَرَ اللَّهُ اجتنابَ الأوثانِ وأمَر بالحنيفيَّةِ مِلَّةِ إبراهبمَ بأحكامِ المناسكِ؛ ليُشعِرَ أنَّها المرادةُ، وقد كان الجاهليُّونَ لا يُقِيمُونَ شعيرةً مِن المناسكِ إلَّا خلَطُوها بشِرْكٍ وكفرٍ.
وفي الآيةِ: تعظيمُ شهادةِ الزُّورِ وقَرْنُها بالشِّرْكِ، وهو الافتراءُ بقولِ الباطلِ مع زَعْمِ رؤيتِه، وهو مِن المُوبِقاتِ، وأعظَمُ أنواعِهِ ما كان فيه شركٌ وتبديلٌ لدِينِ اللَّهِ، ثمَّ ما كان فيه أَكلٌ لأموالِ الناسِ بالباطلِ، ويأتي كلامٌ يسيرٌ عليه عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)﴾ [الفرقان: ٧٢].
قولُهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾: المرادُ بشعائرِ اللَّه هنا كلُّ المناسكِ، وأَخَصُّها بالذَّكرِ: الهَدْيُ؛ وذلك لأنَّه قال بعدَ ذلك: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ وعطاءٌ والضحَّاكُ (١)، وتعظيمُ شعيرةِ الهَديِ باختيارِ الطيِّبِ السَّمِينِ.
وقد كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يتحرَّى الطَّيِّبَ فيُضحَّي به؛ كما جاء عن أنسٍ: "أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ ضحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ" (٢).
стр. 1780
وذِكْرُ أنسٍ لهذا الوصفِ دليلٌ على أنَّهما قُصِدَا تلمُّسًا للطَّيِّبِ مِن الغنمِ، ولو لم يكنِ الوصفُ مؤثِّرًا، ما ذكَرَهُ في سياقِ عبادةٍ.
وقد ذكَرَ بعضُهم الإجماعَ على استحسانِ لونِ الأُضْحِيَّةِ كالنوويِّ (١)؛ ففي "السُّنَنِ"؛ مِن حديثِ أبي سعيدٍ: "أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ ضَحَّى بِكَبْشٍ أَقْرَنَ فَحِيلٍ، يَأُكُلُ فِي سَوَادٍ، وَيَمْشِي فِي سَوَادِ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ" (٢).
وقد قال أبو أمامةَ بنُ سهلٍ: "كُنَّا نُسَمِّنُ الأُضحِيَّةَ بِالمَدِيَنَةِ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ يُسَمِّنُونَ"؛ رواهُ البخاريُّ (٣).
وفي قولِه: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إباحةُ الانتفاعِ بالهَدْيِ قبلَ نحرِه، وذلك بركوبِه، والحَمْلِ عليه، والانتفاعِ بصُوفِهِ ووَبَرِهِ وشَعَرِه، وفي "الصحيحَيْنِ"، عن أنسٍ؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ لَهُ: (ارْكَبْهَا)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا بَدَنَةٌ؟ ! قَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الرَّابِعَةِ: (ارْكَبْهَا وَيْلَكَ، أَوْ وَيْحَكَ! ) (٤).
وفي الحجِّ مناسكُ وشعائرُ عظيمةٌ، نعظيمُها وامتثالُ التعبُّدِ بها بما جاء عن النبيِّ ﷺ : مِن تعظيمِ شعائرِ اللَّهِ؛ فقد قال ﷺ : (لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ) (٥)؛ يعني: عنه؛ فكلُّ أعمالِ المناسكِ مِن شعائرِ اللَّهِ؛ كالصَّفا والمروةِ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، ومِن شعائرِ اللَّهِ: الأشهُرُ الحرُمُ، والقلائدُ، وقاصدو البيتِ الحرامِ،
стр. 1781
والهَدْيُ؛ كما قال تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]، وكذلك فى البُدْنِ والهَدْيِ كما يأتي؛ في قولِهِ تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦]
وقد تقدَّمَ الكلامُ على تلك الشعائرِ في مواضعِها.
* * *
* قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤)﴾ [الحج: ٣٤].
إراقةُ الدِّماءِ بذَبْحِ ونَحْرِ بهائمِ الأنعامِ شريعةٌ لكلِّ الأُممِ، وفيه يَظهرُ فيهم التوحيدُ، وبه يُفارِقونَ المشرِكِين، فقد ذكَرَ اللَّهُ نَحْرَ الهَدْيِ وذِكْرَ اسم اللَّهِ عليه، وبيَّنَ أنَّ الغايةَ منه إقامةُ شعيرةِ الوحيدِ؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾، فأمَرَ بذِكرِ اسمِهِ وحدَه، لا كما يذكُرُهُ الجاهليُّونَ على هَدْيِهم مِن ذِكْرِ آلهتِهم.
وقولُه تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾: فيه مشروعيَّةَ التسميةِ عندَ الذبح والنحرِ، وقد تقدَّمَ تفصيلُ ذلك عندَ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] وقولِهِ تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]، وقولِهِ تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾ [الأنعام: ١١٨]، وقولِهِ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١].
* * *
стр. 1782
* قال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾ [الحج: ٣٦].
بعدَما ذكَرَ اللَّهُ بهيمةَ الأنعامِ على سبيل الإجمالِ، لم يُسَمِّ اللَّهُ هنا إلَّا، البُدْنَ منها، ويتَّفِقُ العلماءُ على أنَّ الإبلَ مِن البُدْنِ في الآيةِ، وإنَّما اختلَفُوا في دخولِ البقرِ فيها؛ وذلك أنَّ البُدْنَ في لغةِ العربِ هو ما ضَخُمَ مِن الأشياءِ:
وقد ذهَبَ ابنُ عمرَ وعطاءٌ وابنُ المسيَّبِ والحسنُ أنَّ البقرَ داخلٌ في البُدْنِ في الآيةِ (١).
وقد قال مجاهدٌ: ليس البُدْنُ إلَّا الإبلَ (٢)؛ وذلك لنَفَاسَتِها وفضلِها، ومِن هذا أخَذَ العلماءُ فضلَ البُدْنِ في الهَدْيِ على غيرِها؛ وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا حَجَّ في حجةِ الوداعِ، ساقَ مِئَةً مِن الإبلِ، ونحَر بيدِهِ ثلاثًا وستينَ، ولم يَنحَرْ بقرةً ولا شاةً بيدِه، وإن كان ﷺ أَهدى عن نسائِهِ بالبَقَرِ؛ كما في "الصحيحَيْنِ" (٣).
ولا يختلِفُ العلماءُ: أنَّ البَدَنَةَ والبَقَرةَ تُجزِئُ عن سبعةٍ، ولا يَختلِفونَ أنَّ البقرةَ لا تَزِيدُ في إجزائِها عن ذلك، ولكنَّهم اختلَفوا في البَدَنةِ، وفد ثبَتَ أنَّ البدَنةَ تُجزِئُ عن سبعةٍ؛ كما في حديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ؛ قال: "نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ". أخرَجَه مسلمٌ (٤).
стр. 1783
ومنهم: مَن جعَلَ البدَنةَ عن عَشَرةٍ؛ وبه قال إِسحاقُ؛ وذلك لِما رواهُ أحمدُ وأهلُ "السنن"، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّه قال: "كنا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَ الأَضْحَى، فَاشْتَرَكْنَا فِي البَقَرَةِ سَبْعَةً، وَفِي البَعِيرِ عَشَرَةً" (١).
والشاةُ لا بجوزُ الاشتراكُ في تملُّكِها لِمَنْ أراد أن يُضحِّيَ بها، مع جوازِ أن يُشرِكَ غيرَهُ في الأجرِ بها، مِن أهلِ بيتِهِ وغيرِهم، كما فعَلَ النبيُّ ﷺ ، وأمَّا الاشتراكُ في مِلْكِ البقرةِ والبعيرِ، فيجوزُ لمَن أراد أن يُضحِّيَ أو يُهدِيَ هَدْيًا واجبًا أن يُشرِكَ غيرَهُ فيها الى سبعهِ أشخاصٍ؛ لِما تقدَّمَ، ولم يكنِ الصحابةُ يتشارَكونَ في مِلْكِ الهَدْيِ والأُضْحِيَّةِ إلَّا في الإبلِ والبقرِ، ولم يثبُتْ عنهم ذلك في الغنمِ.
وأمَّا ما رواهُ أحمدُ؛ مِن حديثِ أبي الأشَدِّ، عن أبيه، عن جدِّه؛ قال: "كنْتُ سَابعَ سَبْعَةٍ مَعَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ؛ قَالَ: فَأَمَرَنَا نَجمَعُ لِكُلِّ رَجُلِ مِنَّا دِرْهَمًا، فَاشْتَرَيْنَا أُضْحِيَّةً بِسبْعَةِ الدَّرَاهِمِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ أَغْلَيْنَا بِهَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إِنَّ أَفْضَلَ الضَّحَايَا أَغْلَاهَا وَأَسْمَنُهَا)، فأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ رَجلٌ بِرِجْلٍ، وَرَجُلٌ بِرِجْلٍ، وَرَجُلٌ بِيَدٍ، وَرَجُلٌ بِيَدٍ، وَرَجُلٌ بِقَرْنٍ، وَرَجُلٌ بِقَرْنٍ، وَذَبَحَهَا السَّابعُ، وَكَبَّرْنَا عَلَيْهَا جَمِيعًا" (٢)، فلا يصحَّ؛ وذلك أنَّ في سندِهِ جهالةً، ولو صحَّ، فليس في الحديثِ أنَّ الأُضْحِيَّةَ مِن الغنمِ.
ويجوزُ أن يشترِكَ اثنانِ في مِلْكِ شاةٍ يُريدانِ أن يُضَحِّيَا عن شخصٍ واحدِ غيرِهما؛ لأنَّه مِن التبرُّعِ، وبابُه واسعٌ، وذلك كما لو قامَا بدفعِ قيمتِها إلى المُضحَّى عنه؛ ليَشترِيَها ثمَّ يَذْبَحَها.
стр. 1784
وقولُه تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾؛ يعني: الأجرَ في الآخِرةِ، والنفعَ في الدُّنيا مِن اللبنِ والركوبِ.
وقولُه تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ فيه مشروعيَّةُ نحرِ الإبلِ قائمةً معقولةً، وفي "الصحيحَيْنِ"، عن ابنِ عمرَ: "أنَّه أَتَى عَلَى رَجُلِ قَدْ أَنَاخَ بَدَنَتَهُ يَنْحَرُهَا، قَالَ: ابْعَثْها قِيامًا مُقَيَّدَةً؛ سُنُّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ " (١).
وبهذا كان يعملُ الصحابةُ كما عندَ أبي داودَ؛ مِن حديثِ جابرٍ (٢)، وقد قال ابنُ عبَّاسٍ: "إذا أَردتَّ أن تنحَرَ البدَنةَ، فأَقِمْها على ثلاثِ قوائمَ معقولةً، ثمَّ قلْ: باسمِ اللَّه واللَّهُ أكبرُ، اللَّهُمَّ منك ولك" (٣).
وقولُه تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ وجَبَتْ جُنُوبُها؛ يعني: سقَطَتْ، ثمَّ أمَرَ بالأكلِ منها، والفاءُ هنا للتعقيبِ، مع أنَّها لا تُؤكَلُ نِيئَةً؛ ولكنْ للإشعار بالإسراع بذلك، كما فعَلَ النبيُّ ﷺ بهَدْيِهِ فنحَرَ ثلاثًا وستينَ ببدِه، ثمَّ جُزِرَت وقُطِّعَتْ وطُبِخَتْ، وأكَلَ مِن جميعِها، وهو ما زال في ضُحَا يوم النحرِ.
وفيه: مشروعيَّةُ الإطعامِ مِن الهَدْي، والتماسُ الفقيرِ، وهو المُعتَرُّ، والتماسُ المتعفِّفِ الذي يُظهِرُ القناعةَ وهو محتاجٌ، وهو القانعُ، وفي هذه الآيةِ تأكيدٌ على تتبُّعِ أحوالِ الناسِ في مِثْلِ هذا اليومِ، ومِثلِ هذا المكانِ، والتماسِ المحتاجِ منهم.
وقد اختلَفَ العلماءُ في صفةِ تقسيم الهَدْيِ، وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]؛ مِن هذه السورةِ.
* * *
стр. 1785
* قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾ [الحج: ٣٧].
بيَّنَ اللَّهُ أنَّ ما يفعلُهُ المُسلِمونَ في يومِ النحرِ مِن طاعتِهِ؛ بسَوْقِ الهَدْي، واستسمانِ الأضاحيِّ، واختبارِ طيِّبِها: أنَّ هذا نفعٌ لأنفُسِهم، وتقويمٌ لقلوبِهم على تَقوَى اللَّهِ، وليس ذلك مِن نفعِ اللَّهِ في شيءٍ، فما يصلُ الى اللَّهِ تَقْوَاهُم، لا لحومُهُمْ وهَدْيُهم، فيأجُرُهم على ما يَعلمُ مِن صِدْقِهم وما عمِلُوهُ مِن عملٍ صالحٍ.
وقيل: إنَّ الجاهليِّينَ كانوا يَنحَرُونَ هَدْبَهم ويَنْصِحُونَ بدماءِ الهَدْيِ البيتَ لإظهارِ التقرُّبِ إلى اللَّهِ؛ فبيَّنَ اللَّهُ أنَّه أرادَ ظهورَ التقوى في قلوبِكم، لا أنْ تتكلَّفوا ذلك في بيتِه، فلن يصلَ ذلك إلى اللَّهِ كما يتوهَّمُهُ الجاهليُّونَ؛ لأنَّه بِدْعةٌ وضلالةٌ.
* * *
* قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾ [الحج: ٣٩ - ٤٠].
في هذه الآيةِ: إشعارٌ للنبيِّ بالقتالِ لمَّا أخرَجَهُ قومُهُ مِن مَكَّةَ ظُلْمًا وبغيًا، وهذه الآيةُ أولُ ما نزَلَ مِن آياتِ القتالِ، قال ابنُ عبَّاسٍ: "لمَّا خرَجَ النبيُّ ﷺ مِن مَكَّةَ، قال أبو بكرِ: أَخرَجُوا نبيَّهم، إنَّا للَّهِ وإنَّا إليه راجِعونَ، لَيَهْلِكَنَّ القومُ! فنزَلَتْ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾
стр. 1786
الآيةَ، قال أبو بكرٍ: فعَلِمتُ أنَّه سيكونُ قتالٌ؛ قال ابنُ عبَّاسِ وهي أولُ آيةِ نزَلت في القتالِ" (١).
وبهذا قال عروةُ؛ أنَّها أولُ آيةٍ نزَلَت في الجهادِ (٢).
قد قال ابنُ زَيْدٍ: "أذِنَ لهم في قتالِهم، بعدَما عفا عنهم عَشْرَ سنينَ" (٣).
وإنَّما تأخَّر تشريعُ الجهادِ تلك المدةَ؛ لأنَّ الصحابةَ كالوا في زمنِ صَعْفٍ وقلةِ عددٍ، وكان الكافرونَ في موضعِ قوةٍ وبأسٍ، واللَّهُ لا يأمُرُ الناسَ بشيءٍ إلَّا وهو مُقترِنٌ بأسابٍ كونيَّةٍ ظاهرةٍ، ما لم يَجعَلِ اللَّهُ مِن ذلك إعجازَا لنبيٍّ مِن أنبيائِه، واللَّهُ لا يُرِيدُ ذلك في كل أفعالِ الأنبياءِ؛ حتى لا يُصابَ أتباعُ الأنبياءِ بالوَهْنِ والضَّعْفِ مِن بعدِ موتِ أنبيائِهم، ولكنَّ اللَّهَ جعَلَ نصرَ الأنبياءِ مِن جنسِ نصرِ الصحابةِ؛ فذلك أَدْعَى لثَباتِهم وقوَّتِهم وشدةِ عزائمِهم بعدَ استخلافِهِ لهم بعدَهم.
ويُؤخَذ مِن تأخُّرِ نزولِ الآيةِ مع شِدَّةِ البأسِ والعذاب على الصحابةِ: أنَّه يجبُ على الناسِ عندَ تسلُّطِ عدوِّ ظالِمِ عليهم ألَّا يَغلِبَ عليهم حظُّ أنفُسِهم بالتشفِّي والانتقامِ على النظرِ إلى عاقبةِ الدِّينِ؛ فإنَّ للنفوسِ إقبالًا، على الانتصارِ لنفسِها والانتقامِ مِن عدوِّها ولو هلَكَت.
والواجبُ: النظرُ الى عاقبةِ الحقِّ، ومدى قُدْرةِ العدوِّ على استئصالِهِ باستئصالِهم؛ فإنَّهم -وإن كانوا قد باعوا أنفُسَهم اللَّه- يجبُ أن يَعلَموا أنَّ اللَّهَ استوْدَعَهُمْ حِفْظَ دِينِه، فهم باعوا أنفُسَهم ولم يَبِيعُوا دِينَهُ
стр. 1787
ولا يَملِكونَ ذلك، بل يجبُ عليهم حِفظُهُ والتمكينُ له، وأن يتجرَّدُوا مِن الجُبْنِ فلا يتظاهَروا بالحِكْمةِ، وأن يتجرَّدوا مِن التهوُّرِ والعَجَلةِ والانتقامِ للنَّفْسِ فلا يتظاهَروا بالشجاعةِ، وقد يقَعُ في النفوسِ الصادقةِ حبٌّ عظيمٌ للحقَّ فتستعجِلُ الانتصارَ له، بل يجبُ عليها التجرُّدُ والوقوفُ عندَ أوامرِ اللَّهِ وحدودِه، والنظرُ إلى العواقبِ بتجرُّدٍ، كما تجرَّدَ الصحابةُ عندَما وجَدُو مِن أنفسِهم حبًّا للحقِّ عظيمًا، فاستأذَنُوا للانتقامِ مِن عدوِّهم مِن أولِ يومٍ بمَكَّةَ؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧] ويُروى أنَّه لمَّا بايَعَ أهلُ يَثْرِبَ ليلةَ العَقَبةِ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، وكانوا نيِّفًا وثمانينَ، قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، ألَا نَمِيلُ على أهلِ الوادي -يَعْنُونَ أهلَ مِنًى- لياليَ مِنًى فنَقتُلَهم؟ فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنِّي لَمْ أُومَرْ بِهَذَا) (١).
وقولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾، بيَّنَ اللَّهُ فيه: أنَّ المقصودَ بأولئك المظلومينَ الذين يُقاتَلونَ هم الذين أُخرِجوا مِن ديارِهم، وهي مَكَّةُ، بغيرِ حقٍّ، إلَّا أنَّهم وحَّدوا اللَّهَ وعَبَدُوهُ بلا شريكٍ.
وقولُه تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾، فيه: أنَّ اللَّهَ يَدفَعُ المشرِكِينَ بالمؤمِنينَ ليُقيمَ دِيَنَهُ ويُعْلِيَ ذِكْرَه، وفي هذا: بيانٌ للمَقصَدِ مِن الجهادِ، وهو إعلاءُ كلمةِ اللَّهِ؛ كما قال ﷺ : (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيِلِ اللَّهِ) (٢).
وتدُلُّ هذه الآبةُ على أنَّه يجوزُ القتالُ لدَفْعِ الإنسانِ عن أرضِهِ، وأنَّه
стр. 1788
في سبيلِ اللَّهِ، وقد بيَّنَّا ذلك عندَ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: ٢٤٦]، وقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥].
وفي قولِه تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ بيانُ أنَّ نَصْرَ اللَّهِ يكونُ بمِقْدارِ نصرِ دِينِه؛ لأنَّ نصرَهُ يكونُ بعَوْنِهِ وكفايتِه، وكفايةُ اللَّهِ تكونُ بمِقْدارِ عبوديَّتِهِ سبحانَه، وقد تقدَّم الكلامُ على الأسبابِ الشرعيَّةِ والكونيَّةِ للنصرِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧].
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ أمرٌ للأخذِ بأسبابِ النصرِ، فاللَّهُ قادرٌ على إحداثِ إعجازٍ بنصرِهم بلا قتالٍ ولا عملٍ، ولكنَّه يُرِيدُ مِن المُسلِمينَ الأخذَ بالأسبابِ التي يَنتصِرونَ بها؛ حتى لا تتواكَلَ نفوسُهم عن العملِ للَّهِ ولدِينِه، فإنَّ مَن يتحقَّقُ له النصرُ بلا سببٍ ولا تعبٍ، بماذا يَسْتحِقُّ الجنةَ؟ ! ولو كان كلُّ مُتَّبِعٍ للإسلامِ والرسالةِ المحمديَّةِ ينتصِرُ بلا سببٍ يأخُذُ به، ولا محنةٍ وشِدَّةٍ تمُرُّ عليه، وتُسيِّرُهُ الأقدارُ بلا اختيارٍ، لأقبَلَ على الإسلام كلُّ أحدٍ؛ لِمَا يَرَوْنَهُ مِن عاجلِ الدُّنيا والتمكينِ فيها، واللَّهُ لا يُريدُ لدِينِهِ إلَّا مقبِلًا بصدقٍ وإخلاصٍ يُرِيدُ اللَّهَ والدارَ الآخِرةَ.
* * *
* قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤١].
بيَّنَ اللَّهُ حالَ الذين يُمكِّنُهُمُ اللَّهُ في الأرضِ مِن القيامِ بأمرِهِ وإظهارِ
стр. 1789
دِينِه، والعباداتُ تجبُ على الإنسانِ بمقدارِ تمكُّنِهِ في الأرضِ؛ فمِن العباداتِ ما يتعلَّقُ بالفردِ، ومنها ما يتعلَّقُ بالجماعةِ، وكلَّما ضَعُفَ تمكينُ الإنسانِ، تقلَّصَتِ الواجباتُ عليه، حتى لا يجبَ عليه إلَّا ما يَصِحُّ به إسلامُه، وإذا زاد تمكينُة، زاد تكليفُهُ، ومَن لم يَعرِفْ مقدارَ تمكينِه، اضطرَبَ في محرفةِ تكليفِه؛ فإمَّا أن يستعجلَ أحكامًا لا تجبُ عليه؛ فيُضِرَّ بنفسِهِ وبدِينِه، وإمَّا أن يَتراخى في الإتيانِ بما يجبُ عليه؛ فيُقصَّرَ في حقِّ اللَّهِ عليه.
وكثيرٌ مِن الناسِ يَعرِفونَ مقاديرَ التكليفِ، ولكنَّهم لا يَعرِفونَ مقاديرَ التمكينِ؛ فيُخطِئونَ في تقديمِ الدَّينِ أو تأخيرِه، وقد كان النبيُّ ﷺ يُعلِّمُ أصحابَهُ الأمرَيْنِ؛ حتى يستقيمَ دِينُ العبدِ ودِينُ الدَّوْلةِ.
وأوَّلُ ما يَبدأُ التمكينُ: مِن الأفرادِ، ثمَّ يكونُ في الجماعاتِ، ثمَّ يكونُ في الدولِ، ومَن لم يُفرِّقْ بينَ تمكينِ الأفرادِ وتمكينِ الجماعاتِ وتمكينِ الدُّوَلِ، وجعَلَ واحدةً في منزِلةِ الأُخرى، أَخَلَّ باستقرارِ الشريعةِ، فلا يَلزَمُ مِن تمكيِن الفردِ تمكينُ الجماعةِ، ولا مِن تمكينِ الجماعةِ تمكينُ الدولةِ، ولكنَّه يَلزَمُ مِن تمكينِ الجماعةِ تمكينُ الفردِ، ومِن تمكينِ الدولةِ تمكينُ الجماعةِ والفردِ.
وقد بَيَّنَ النبيُّ ﷺ ذلك كلَّه.
وقد يقعُ في المؤمنِ مِن الغَيْرةِ والحميَّةِ للَّهِ ولدِينِه ما يجعلُهُ يتعجَّلُ حُكْمًا قبلَ تمكينِ، فلا يجدُ الحُكْمُ أرضَ تمكينٍ فيسقُطُ وينهارُ؛ فإنَّ التمكينَ للتكليفِ كالأرضِ المستويةِ لقواعدِ الكُرْسِيِّ، فاستقرارُ التكليفِ ودوامُهُ باستواءِ التمكينِ، ومَن أقامَ تكليفًا على غيرِ تمكينٍ، تكلَّفَ في تثبيتِهِ تكلُّفًا يشُقُّ عليه مشقةً شديدةً، وغالبًا أنَّه لا يدومُ إلَّا مع مخالفةِ أمرِ اللَّهِ، فيَعْصِي اللَّهَ في الدفعِ عمَّا استعجَلَ إقامتَهُ مِن حيثُ يُرِيدُ أن
стр. 1790
يُرضِيَهُ؛ لأنَّه يَخشى أن يقَعَ في التفريطِ أن تسقُطَ شرائعُ اللَّهِ وهو يَرَاها، فيقَعُ في مخالَفةِ أمرِ اللَّهِ في تثبيتِها، وقد كان في سَعَةٍ لو عرَفَ مراحلَ التمكينِ في إقامةِ دِينِ اللَّهِ التي بيَّنها اللَّهُ لنبيِّه، ولو مات العبدُ وهو يسيرُ إلى التمكينِ لآتاهُ أجرَ النهايةِ ولو كان في البدايةِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠]؛ فاللَّهُ احتسَبَ الأجرَ لِمَنْ خرَجَ مِن بيتِهِ قاصدًا الهجرةَ ولو كان على عَتَبةِ بابِه، ما لم يُقِمْ في دارِهِ راكنًا إلى دُنياه.
مَرَاتِبُ التمكينِ وشروطُهُ:
وللتمكينِ مراتبُ ودرجاتٌ يجبُ على المُصلِحينَ إبصارُها؛ حتى يَعرِفوا مقدارَ ثباتِ ما يُقِيمُونَ عليه دِينَ اللَّهِ؛ فليستِ الدُّوَلُ ولا الأممُ على مرتبةٍ واحدةٍ في التمكينِ، وقد قال تعالى في ذلك: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦]، وكلَّما زادتُ أسبابُ القوةِ وقَبُولِ الناسِ، زادتْ أسبابُ التمكينِ، فقد يكونُ للإنسانِ بَسْطَةٌ في مالِهِ وسُلْطانِهِ، وليس له بسطةٌ على الناسِ، فالمالُ وحدَهُ ليس تمكينًا ما لم يكنْ معه رجالٌ يُمكِّنونَ له؛ ولهذا لمَّا أراد ذو القَرْنَيْنِ بناءَ سَدِّ يأجوجَ ومأجوجَ، عَلِمَ أنَّه بحاجةٍ إلى تمكينَيْنِ: تمكينِ مالٍ، وتمكينِ رجالٍ، ولمَّا قيل له: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)﴾ [الكهف: ٩٤]، عرَضُوا عليه المالَ، وهو (الخَرَاجُ)، ردَّ عليهم: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف: ٩٥]، فكان لدَيْهِ تمكينُ مالٍ، ومع الناسِ تمكينُ رِجالٍ، فاجتمَعَ التمكينانِ على القيامِ ببناءِ الرَّدْمِ بينَ الناسِ وبينَ يأجوجَ ومأجوجَ.