← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

الآيةَ، قال أبو بكرٍ: فعَلِمتُ أنَّه سيكونُ قتالٌ؛ قال ابنُ عبَّاسِ وهي أولُ آيةِ نزَلت في القتالِ" (١). وبهذا قال عروةُ؛ أنَّها أولُ آيةٍ نزَلَت في الجهادِ (٢). قد قال ابنُ زَيْدٍ: "أذِنَ لهم في قتالِهم، بعدَما عفا عنهم عَشْرَ سنينَ" (٣). وإنَّما تأخَّر تشريعُ الجهادِ تلك المدةَ؛ لأنَّ الصحابةَ كالوا في زمنِ صَعْفٍ وقلةِ عددٍ، وكان الكافرونَ في موضعِ قوةٍ وبأسٍ، واللَّهُ لا يأمُرُ الناسَ بشيءٍ إلَّا وهو مُقترِنٌ بأسابٍ كونيَّةٍ ظاهرةٍ، ما لم يَجعَلِ اللَّهُ مِن ذلك إعجازَا لنبيٍّ مِن أنبيائِه، واللَّهُ لا يُرِيدُ ذلك في كل أفعالِ الأنبياءِ؛ حتى لا يُصابَ أتباعُ الأنبياءِ بالوَهْنِ والضَّعْفِ مِن بعدِ موتِ أنبيائِهم، ولكنَّ اللَّهَ جعَلَ نصرَ الأنبياءِ مِن جنسِ نصرِ الصحابةِ؛ فذلك أَدْعَى لثَباتِهم وقوَّتِهم وشدةِ عزائمِهم بعدَ استخلافِهِ لهم بعدَهم. ويُؤخَذ مِن تأخُّرِ نزولِ الآيةِ مع شِدَّةِ البأسِ والعذاب على الصحابةِ: أنَّه يجبُ على الناسِ عندَ تسلُّطِ عدوِّ ظالِمِ عليهم ألَّا يَغلِبَ عليهم حظُّ أنفُسِهم بالتشفِّي والانتقامِ على النظرِ إلى عاقبةِ الدِّينِ؛ فإنَّ للنفوسِ إقبالًا، على الانتصارِ لنفسِها والانتقامِ مِن عدوِّها ولو هلَكَت. والواجبُ: النظرُ الى عاقبةِ الحقِّ، ومدى قُدْرةِ العدوِّ على استئصالِهِ باستئصالِهم؛ فإنَّهم -وإن كانوا قد باعوا أنفُسَهم اللَّه- يجبُ أن يَعلَموا أنَّ اللَّهَ استوْدَعَهُمْ حِفْظَ دِينِه، فهم باعوا أنفُسَهم ولم يَبِيعُوا دِينَهُ

стр. 1787

ولا يَملِكونَ ذلك، بل يجبُ عليهم حِفظُهُ والتمكينُ له، وأن يتجرَّدُوا مِن الجُبْنِ فلا يتظاهَروا بالحِكْمةِ، وأن يتجرَّدوا مِن التهوُّرِ والعَجَلةِ والانتقامِ للنَّفْسِ فلا يتظاهَروا بالشجاعةِ، وقد يقَعُ في النفوسِ الصادقةِ حبٌّ عظيمٌ للحقَّ فتستعجِلُ الانتصارَ له، بل يجبُ عليها التجرُّدُ والوقوفُ عندَ أوامرِ اللَّهِ وحدودِه، والنظرُ إلى العواقبِ بتجرُّدٍ، كما تجرَّدَ الصحابةُ عندَما وجَدُو مِن أنفسِهم حبًّا للحقِّ عظيمًا، فاستأذَنُوا للانتقامِ مِن عدوِّهم مِن أولِ يومٍ بمَكَّةَ؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧] ويُروى أنَّه لمَّا بايَعَ أهلُ يَثْرِبَ ليلةَ العَقَبةِ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، وكانوا نيِّفًا وثمانينَ، قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، ألَا نَمِيلُ على أهلِ الوادي -يَعْنُونَ أهلَ مِنًى- لياليَ مِنًى فنَقتُلَهم؟ فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : (إِنِّي لَمْ أُومَرْ بِهَذَا) (١). وقولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾، بيَّنَ اللَّهُ فيه: أنَّ المقصودَ بأولئك المظلومينَ الذين يُقاتَلونَ هم الذين أُخرِجوا مِن ديارِهم، وهي مَكَّةُ، بغيرِ حقٍّ، إلَّا أنَّهم وحَّدوا اللَّهَ وعَبَدُوهُ بلا شريكٍ. وقولُه تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾، فيه: أنَّ اللَّهَ يَدفَعُ المشرِكِينَ بالمؤمِنينَ ليُقيمَ دِيَنَهُ ويُعْلِيَ ذِكْرَه، وفي هذا: بيانٌ للمَقصَدِ مِن الجهادِ، وهو إعلاءُ كلمةِ اللَّهِ؛ كما قال ﷺ : (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيِلِ اللَّهِ) (٢). وتدُلُّ هذه الآبةُ على أنَّه يجوزُ القتالُ لدَفْعِ الإنسانِ عن أرضِهِ، وأنَّه

стр. 1788

في سبيلِ اللَّهِ، وقد بيَّنَّا ذلك عندَ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: ٢٤٦]، وقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥]. وفي قولِه تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ بيانُ أنَّ نَصْرَ اللَّهِ يكونُ بمِقْدارِ نصرِ دِينِه؛ لأنَّ نصرَهُ يكونُ بعَوْنِهِ وكفايتِه، وكفايةُ اللَّهِ تكونُ بمِقْدارِ عبوديَّتِهِ سبحانَه، وقد تقدَّم الكلامُ على الأسبابِ الشرعيَّةِ والكونيَّةِ للنصرِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧]. وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ أمرٌ للأخذِ بأسبابِ النصرِ، فاللَّهُ قادرٌ على إحداثِ إعجازٍ بنصرِهم بلا قتالٍ ولا عملٍ، ولكنَّه يُرِيدُ مِن المُسلِمينَ الأخذَ بالأسبابِ التي يَنتصِرونَ بها؛ حتى لا تتواكَلَ نفوسُهم عن العملِ للَّهِ ولدِينِه، فإنَّ مَن يتحقَّقُ له النصرُ بلا سببٍ ولا تعبٍ، بماذا يَسْتحِقُّ الجنةَ؟ ! ولو كان كلُّ مُتَّبِعٍ للإسلامِ والرسالةِ المحمديَّةِ ينتصِرُ بلا سببٍ يأخُذُ به، ولا محنةٍ وشِدَّةٍ تمُرُّ عليه، وتُسيِّرُهُ الأقدارُ بلا اختيارٍ، لأقبَلَ على الإسلام كلُّ أحدٍ؛ لِمَا يَرَوْنَهُ مِن عاجلِ الدُّنيا والتمكينِ فيها، واللَّهُ لا يُريدُ لدِينِهِ إلَّا مقبِلًا بصدقٍ وإخلاصٍ يُرِيدُ اللَّهَ والدارَ الآخِرةَ. * * * * قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤١]. بيَّنَ اللَّهُ حالَ الذين يُمكِّنُهُمُ اللَّهُ في الأرضِ مِن القيامِ بأمرِهِ وإظهارِ

стр. 1789

دِينِه، والعباداتُ تجبُ على الإنسانِ بمقدارِ تمكُّنِهِ في الأرضِ؛ فمِن العباداتِ ما يتعلَّقُ بالفردِ، ومنها ما يتعلَّقُ بالجماعةِ، وكلَّما ضَعُفَ تمكينُ الإنسانِ، تقلَّصَتِ الواجباتُ عليه، حتى لا يجبَ عليه إلَّا ما يَصِحُّ به إسلامُه، وإذا زاد تمكينُة، زاد تكليفُهُ، ومَن لم يَعرِفْ مقدارَ تمكينِه، اضطرَبَ في محرفةِ تكليفِه؛ فإمَّا أن يستعجلَ أحكامًا لا تجبُ عليه؛ فيُضِرَّ بنفسِهِ وبدِينِه، وإمَّا أن يَتراخى في الإتيانِ بما يجبُ عليه؛ فيُقصَّرَ في حقِّ اللَّهِ عليه. وكثيرٌ مِن الناسِ يَعرِفونَ مقاديرَ التكليفِ، ولكنَّهم لا يَعرِفونَ مقاديرَ التمكينِ؛ فيُخطِئونَ في تقديمِ الدَّينِ أو تأخيرِه، وقد كان النبيُّ ﷺ يُعلِّمُ أصحابَهُ الأمرَيْنِ؛ حتى يستقيمَ دِينُ العبدِ ودِينُ الدَّوْلةِ. وأوَّلُ ما يَبدأُ التمكينُ: مِن الأفرادِ، ثمَّ يكونُ في الجماعاتِ، ثمَّ يكونُ في الدولِ، ومَن لم يُفرِّقْ بينَ تمكينِ الأفرادِ وتمكينِ الجماعاتِ وتمكينِ الدُّوَلِ، وجعَلَ واحدةً في منزِلةِ الأُخرى، أَخَلَّ باستقرارِ الشريعةِ، فلا يَلزَمُ مِن تمكيِن الفردِ تمكينُ الجماعةِ، ولا مِن تمكينِ الجماعةِ تمكينُ الدولةِ، ولكنَّه يَلزَمُ مِن تمكينِ الجماعةِ تمكينُ الفردِ، ومِن تمكينِ الدولةِ تمكينُ الجماعةِ والفردِ. وقد بَيَّنَ النبيُّ ﷺ ذلك كلَّه. وقد يقعُ في المؤمنِ مِن الغَيْرةِ والحميَّةِ للَّهِ ولدِينِه ما يجعلُهُ يتعجَّلُ حُكْمًا قبلَ تمكينِ، فلا يجدُ الحُكْمُ أرضَ تمكينٍ فيسقُطُ وينهارُ؛ فإنَّ التمكينَ للتكليفِ كالأرضِ المستويةِ لقواعدِ الكُرْسِيِّ، فاستقرارُ التكليفِ ودوامُهُ باستواءِ التمكينِ، ومَن أقامَ تكليفًا على غيرِ تمكينٍ، تكلَّفَ في تثبيتِهِ تكلُّفًا يشُقُّ عليه مشقةً شديدةً، وغالبًا أنَّه لا يدومُ إلَّا مع مخالفةِ أمرِ اللَّهِ، فيَعْصِي اللَّهَ في الدفعِ عمَّا استعجَلَ إقامتَهُ مِن حيثُ يُرِيدُ أن

стр. 1790

يُرضِيَهُ؛ لأنَّه يَخشى أن يقَعَ في التفريطِ أن تسقُطَ شرائعُ اللَّهِ وهو يَرَاها، فيقَعُ في مخالَفةِ أمرِ اللَّهِ في تثبيتِها، وقد كان في سَعَةٍ لو عرَفَ مراحلَ التمكينِ في إقامةِ دِينِ اللَّهِ التي بيَّنها اللَّهُ لنبيِّه، ولو مات العبدُ وهو يسيرُ إلى التمكينِ لآتاهُ أجرَ النهايةِ ولو كان في البدايةِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾ [النساء: ١٠٠]؛ فاللَّهُ احتسَبَ الأجرَ لِمَنْ خرَجَ مِن بيتِهِ قاصدًا الهجرةَ ولو كان على عَتَبةِ بابِه، ما لم يُقِمْ في دارِهِ راكنًا إلى دُنياه. مَرَاتِبُ التمكينِ وشروطُهُ: وللتمكينِ مراتبُ ودرجاتٌ يجبُ على المُصلِحينَ إبصارُها؛ حتى يَعرِفوا مقدارَ ثباتِ ما يُقِيمُونَ عليه دِينَ اللَّهِ؛ فليستِ الدُّوَلُ ولا الأممُ على مرتبةٍ واحدةٍ في التمكينِ، وقد قال تعالى في ذلك: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦]، وكلَّما زادتُ أسبابُ القوةِ وقَبُولِ الناسِ، زادتْ أسبابُ التمكينِ، فقد يكونُ للإنسانِ بَسْطَةٌ في مالِهِ وسُلْطانِهِ، وليس له بسطةٌ على الناسِ، فالمالُ وحدَهُ ليس تمكينًا ما لم يكنْ معه رجالٌ يُمكِّنونَ له؛ ولهذا لمَّا أراد ذو القَرْنَيْنِ بناءَ سَدِّ يأجوجَ ومأجوجَ، عَلِمَ أنَّه بحاجةٍ إلى تمكينَيْنِ: تمكينِ مالٍ، وتمكينِ رجالٍ، ولمَّا قيل له: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)﴾ [الكهف: ٩٤]، عرَضُوا عليه المالَ، وهو (الخَرَاجُ)، ردَّ عليهم: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف: ٩٥]، فكان لدَيْهِ تمكينُ مالٍ، ومع الناسِ تمكينُ رِجالٍ، فاجتمَعَ التمكينانِ على القيامِ ببناءِ الرَّدْمِ بينَ الناسِ وبينَ يأجوجَ ومأجوجَ.

стр. 1791

وأولُ ما يَبدأْ التمكينُ: في الفردِ، ولكنَّ التمكينَ إذا أُطلِقَ في القرآنِ لا يُراد به تمكينُ الأفرادِ؛ وإنَّما يُرادُ به تمكينُ الجماعةِ والأمَّةِ، ومَن ظَنَّ أنَّ الفردَ إنْ تمكَّنَ مِن إقامةِ دِينِهِ، فيعني دلك تمكينَ دِينِه، فقد أخطَأَ؛ ولهذا لمَّا طلَبَ الصحابةُ مِن النبيِّ ﷺ بمكَّةَ قتالَ قريشٍ لمَّا آذَوْهُمْ وفتَنُوهم، منَعَهُمُ اللَّهُ مِن ذلك؛ لعدمِ تمكينِهم؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧]، فلم يَجْعَلِ اللَّهُ إقامتَهم للصلاةِ وإيتاءَهم للزكاةِ تمكينًا لجماعتِهم ودَوْلَتِهم، فالصلاةُ والزكاةُ تمكينُ أفرادٍ، والجهادُ تمكينُ جماعةٍ ودَوْلةٍ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥]، فقد جعَلَ اللَّهُ تمكينَ أمَّتِهِمْ واستخلافَهُمْ في الأرضِ مُمْسِكينَ بأسبابِها -بعدَ إيمانِهم وعملِهم الصالحِ في أنفُسِهم- فلم يجعلْ مجرَّدَ إيمانِ الأفرادِ وعملِهم الصالحِ تمكينًا واستخلافًا، بل جعَلَ التمكينَ والاستخلافَ بعدَه؛ وذلك أنَّ تمكينَ الأفرادِ يكونُ مع خوفٍ، وتمكينَ الدَّولةِ يكونُ مع أمنٍ؛ وهذا ظاهرٌ في قولِه: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥]؛ يعني؛ أنَّهم كان زمنُ إيمانِهم وعملِهم الصالحِ الخاصِّ زَمَنَ خَوْفٍ، والتمكينُ كان زمنَ الأمنِ. ومِن هذا: ما كان عليه موسى؛ فقد كان ومَنْ آمَنَ معه على إيمانٍ وعملٍ صالحٍ، ولم يكونوا على تمكينٍ؛ ولهذا وصَفَهم اللَّهُ بالضَّعْفِ والخوفِ، قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [القصص: ٥]؛ يعني: موسى ومَن معه، ثمَّ ذكَرَ تمكينَهُمْ بعدَ ذلك، فقال: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٦]، فمع إيمانِهم وعملِهم الصالحِ الخاصِّ لم يَجْعَلْهم اللَّهُ ممكَّنِين؛ بسببِ الضَّعْفِ والخوفِ.

стр. 1792

وتحقُّقُ التمكينِ التامِّ له شروطٌ ثلاثةٌ: الشرطُ الأولُ: الأخذُ بأسبابِ الأرضِ، والقُدْرةُ على الانتفاعِ منها، وذلك بحَرْثِها وغَرْسِها وسَقْيِها وحَصَادِها وصَرَامِها؛ فمَنْ كان في أرضٍ ولا يَملِكُ أن ينتفِعَ بأرضِها لخوفٍ أو ضَعْفٍ، فليس ممكَّنًا فيها، ومِن ذلك قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠]، ومَن لم يتمكَّنْ معاشُهُ مِن أرضِهِ مِن مُبتداهُ إلى مُنتهاهُ، فليس ممكَّنًا فيها، فمَنْ له سلطانٌ على الأرضِ، مَلَكَها ومَلَكَ انتفاعَهُ بها، وكان له قدرةٌ على تمكينِ الناسِ مِن الانتفاعِ منها بمَنْحِهم وإقطاعِهم؛ كما كان النبيُّ ﷺ يُقطِعُ بالمدينةِ بعضَ أصحابِه لمَّا تمكَّنَ مِن أرضِها. وليس مِن التمكينِ على الأرضِ مَنْ يأخُذُ ثمارَها ولا يتمكَّنُ مِن مُبتدى ذلك بحرثٍ وغَرْسٍ وحصادٍ؛ لأنَّ أخذَ ثمارِها فقطْ يَقدِرُ عليه مَن لم يتمكَّنْ؛ وذلك كأخذِهِ بتخويفِ أهلِها، وقد يَقدِرُ عليه السُّرَّاقُ الذين يُبَيُتُونَ الناسَ على أرزاقِهم، وقد كان النبيُّ ﷺ متمكِّنًا مِن خَيْبَرَ، وصالَحَ اليهودَ عليها، فأَذِنَ لهم بحَرْثِها وغَرْسِها وسَقْيِها وصَرَامِها، فجعَلَهم كالعمَّالِ فيها، فهو قادرٌ ﷺ على أن يجعلَ المُسلِمينَ يقومونَ بذلك، ولكنَّه صالَحَ اليهودَ عليها. الشرطُ الثاني: السَّيْرُ في الأرضِ بأمانٍ، فمَن كانوا في الأرضِ لا يتمكَّنونَ مِن السيرِ فيها والتبوُّءِ والسكَنِ منها حيثُ شاؤوا، لا يُعتَبَرُونَ ممكَّنينَ فيها؛ فاللَّهُ لم يجعلْ يوسُفَ ﵇ ممكَّنًا في مصرَ حتى أمكَنَه السيرُ فيها حيثُ شاءَ؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ [يوسف: ٥٦]، فمَنْ كان لا يسيرُ في أرضِهِ إلَّا خائفًا متستِّرًا، فلا يُعَدُّ ممكَّنًا فيها، فالتمكينُ لا يجتمعُ مع شدةِ الخوفِ،

стр. 1793

ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥]، وقد قال اللَّهُ عن تمكينِ قريشٍ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧]، فقد كان لكفارِ قريشٍ تمكينُ أرضٍ، لكنْ ليس لدَيْهِمْ تمكينٌ مِن العملِ الصالحِ، وقد كان للنبيِّ ﷺ تمكينٌ مِن العملِ الصالحِ، ولكنْ ليس لدَيْهِ تمكينٌ في أرضِ مَكَّةَ حِينَها، فلم يُؤمَرْ بإقامةِ كثيرٍ مِن التكاليفِ؛ لأنَّ قدْرَ التمكينِ أقصَرُ منها، فقُصِرَتِ التكاليفُ معها، ولو اجتمَعَ التمكينانِ له، لأُمِرَ بإقامةِ شعائرِ اللَّهِ كلِّها في مكَّةَ كما أقامَها في المدينةِ. الشرطُ الثالثُ: الأخذُ بأسبابِ الناسِ حتى ينقادوا أمرًا ونهيًا؛ رغبةً أو رهبةً، ومِن هذا تمكينُ النبيِّ ﷺ في المدينةِ، فقد تمكَّنَ في الأرضِ أولَ قدومِهِ وأَمِنَ فيها، ولم يكنِ الناسُ كلُّهم على انقيادٍ تامٍّ فيها، وإنَّما تدرَّجَ تمكينُه، ومع تدرُّجِ تمكينِه تدرَّجَ تكليفُه؛ ولهذا نزَلَتْ عليه الشرائعُ والأحكامُ والحدودُ تِبَاعًا. وقد يتحقَّقُ لسلطانٍ أو قومٍ أحدُ شروطِ التمكينِ ويَفقِدُ غيرَها، فلا يكونُ متحقِّقَ التمكينِ، وذلك كحالِ النَّجَاشِيِّ في الحبشةِ؛ فقد كان مَلِكًا على الحبشةِ، له البَسْطةُ على أرضِها والانتفاعُ منها، وآمِنًا فيها؛ لكنَّه لا يَملِكُ الأخذَ بأسبابِ الناسِ أمرًا ونهيًا في الحقِّ، فقد جاءَهُ الحقُّ وآمَنَ به وحدَه، وأُمَّتُهُ كلُّها نصرانيِّةٌ، فلو أمَرَهُمْ ونهاهُم، لَمَا أطاقوا أمرَهُ، ولقاموا عليه، فأسلَمَ وكتَمَ إيمانَه، ولم يُعادِ الحقَّ وأهلَه، بل نصَرَهُمْ، وعذَرَهُ اللَّهُ لعدمِ تمامِ تمكينِةِ بالحقِّ، ولو كان مستوفِيًا تمامَ التمكينِ، لم يكنْ معذورًا عندَ اللَّهِ، فلمَّا عُذِرَ، دَلَّ على أنَّه صحَّ إسلامُهُ وعُذِرَ بما ترَكَ لعَجْزِه، وهذا يختلِفُ عمَّن كان ممكَّنًا بالحقِّ ولكنَّه أكرَهَ الناسَ على الباطلِ.

стр. 1794

وفرقٌ بينَ مَن كانتْ وِلايتُهُ على باطلٍ، فتدرَّجَ بنَقْضِ عُرَا الباطلِ، وبينَ مَن كانتْ وِلايتُهُ على حقٍّ، فتدرَّجَ بنَقْضِ عُرَا الحقِّ. وقد يكونُ لأحدٍ تمكينٌ كاملٌ وأخذٌ بأسبابِ الأرضِ والناسِ جميعًا، وهذا مِن جنسِ تمكينٌ اللَّهِ لذي القَرْنَيْنِ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤)﴾ [الكهف: ٨٤]. وبتمامِ التمكينِ تقومُ شرائعُ كثيرةٌ، وبنقصِهِ يُعذَرُ العاجزونَ عنها، كما يُعذَرُ العبدُ في نفسِه في أداءِ الصلاةِ قائمًا لمرضٍ، فيُصلِّيها قاعدًا أو على جَنْبٍ. وفي قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: ذِكْرٌ لأسبابِ دوامِ التمكينِ وحِفْظِه، فما مِن أحدٍ يُتِمُّ اللَّهُ له تمكينَهُ، ثمَّ يقومُ بحِفظِ شعيرةِ الصلاةِ في نفسِهِ وفي الناسِ كما أمَرَ اللَّهُ، ويأخُذُ الزكاةَ ويَقسِمُها بالعدلِ كما أمَرَ اللَّهُ، ويأمُرُ ويَنهَى على ما أمَرَ اللَّهُ، إلَّا دامَ تمكينُهُ بمقدارِ حِفْظِهِ لهذه الثلاثةِ، ويَنقُصُ تمكينُهُ بمقدارِ نقصِها، ومَن أقامَ التكاليفَ أكثَرَ مِن قدرِ التمكينِ له في الأرضِ، لم يَدُمْ تمكينُه، وقد يظُنُّ فيه بعضُ المُنافِقِينَ والظالِمِينَ أنَّه لم يُمكَّنْ إلَّا بسببِ عدمِ صلاحِ شريعتِهِ ودِينِه، وإنَّما هو بسببِ تعجُّلِ التكليفِ قبلَ التمكينِ، ففَتَنَ الناسَ وصرَفَهُمْ عن الحقِّ، فأساؤُوا الظنَّ به، فهزائمُ أهلِ الحقِّ فتنةٌ لأهلِ الباطلِ بثباتِهم على باطلِهم؛ وفي هذا يقولُ تعالى: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٨٥]؛ قال مجاهدٌ في معناهُ: "لا تُصِبْنا بعذابٍ مِن عندِك ولا بإيدِيهِم، فيُفتَتَنُوا ويقولوا: لو كانوا على حقٍّ، ما سُلَّطْنا عليهم ولا عُذِّبُوا" (١).

стр. 1795

وأمَّا عن شريعةِ الجهادِ، فقد تقدَّم الكلامُ على زمنِ مشروعيَّةِ القتالِ ومراحلِه، وبعضِ معاني التمكينِ، ووجوبِ الجمعِ بينَ الأسبابِ الشرعيَّةِ والكونيَّةِ للنصرِ، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ٧٧]. * * * * قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)﴾ [الحج: ٦٠]. أَذِنَ اللَّه للمؤمِنينَ بالعقابِ بمِثْلِ ما عُوقِبَ الإنسانُ به، وجعَلَ ذلك حقًّا له، وتوعَّدَ الباغيَ بعدَ ذلك بالهزيمةِ، والمنتصِرَ بالنصرِ؛ وهذه الآيةُ في معنى قولِهِ تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. وقد تقدَّم الكلامُ على الانتصارِ للنَّفْسِ بمِثْلِ ما بُغِيَ عليها عندَ قولِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وسيأتي بيانُ أحوالِ الانتصارِ للنَّفْسِ عندَ قولِهِ تعالى في سورةِ الشعراءِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾ [الشعراء: ٢٢٧]. ويُروى أنَّ هذه الآيةَ نزَلَتْ في سَرِيَّةٍ مِن الصحابةِ، لَقُوا جمعًا مِن المشرِكِينَ في شهرِ المحرَّمِ، فناشَدَهُمُ المُسلِمونَ لئلا يُقاتِلوهم في الشهرِ الحرامِ، فأبى المشرِكُونَ إلَّا قتالَهم وبغَوْا عليهم، فقاتَلَهُمُ المُسلِمونَ، فنصَرَهم اللَّهُ عليهم؛ روى ابنُ أبي حاتمٍ هذا عن مُقاتِلٍ (١)، ورواهُ ابنُ جريرٍ الطبريُّ عن ابنِ جُرَيْجٍ (٢). * * *

стр. 1796

* قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٨]. في هذا: فضلُ جهادِ اللِّسانِ؛ فهذه الآيةُ مكيَّةٌ، وقد شرَعَ اللَّهُ فيها مجاهَدَةَ الكفارِ بالحُجَّةِ والبيانِ والبرهانِ، وحينَما أمَرَ اللَّهُ بجهادِ اللِّسانِ، وصَفَ النوعَ الذي يأمُرُ به بوصفَيْنِ في كتابِهِ لم يَصِفْ بهما جهادَ السِّنانِ مع عظَمتِهِ وفضلِهِ وجلالةِ قَدْرِه: الأولُ: أنَّه جهادٌ كبيرٌ؛ كما في قولِهِ تعالى في سورةِ الفُرْقانِ: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢]. والثاني: أنَّه حقُّ الجهادِ؛ كما في هذه الآيةِ: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾. وجهادُ اللِّسانِ أمضَى من جهادِ السِّنانِ لمَن قدَرَ عليه وسدَّدَهُ اللَّهُ. وقولُه تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾: المرادُ بالأُبوَّةِ: الأبوَّةُ الدينيَّةُ؛ فإبراهيمُ إمامُ الحُنَفاءِ، وهو أبٌ للمؤمِنينَ بهذا المعنى تعظيمًا وإجلالًا، وكما تُطلَقُ الأبوَّةُ على إبراهيمَ بهذا المعنى، فإنَّها تُطلَقُ على النبيِّ ﷺ ؛ فإنَّما أخَذَتْ أُمَّهاتُ المؤمِنينَ منه الأُمُومةَ، وفي قراءةِ ابنِ مسعودٍ وأُبيِّ بنِ كعبٍ وابنِ عبَّاسٍ، ومجاهدٍ والحسنِ وقتادةَ: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ) (١).

стр. 1797

سورة المؤمنون سورةُ المؤمِنونَ مكيَّةٌ، وتَظهَرُ مكيَّتُها في مَعانِيها ودَلالاتِها؛ فغايتُها بيانُ وَحْدانيَّةِ اللَّهِ بذِكْرِ آياتِه في خَلْقِه؛ كتدبيرِ الأكوانِ، وخَلْقِ الإنسانِ، وتسخير الأنعامِ، وعاقبةِ الظالمينَ مِن الأُممِ السابقِين؛ تذكيرًا بعاقبةِ كفرِهم وعنادِهم، وأنَّ مَن لَحِقَ بطريقِهم فنهايتُهُ كنهايتِهم. وقد صلَّى النبيُّ ﷺ بالناسِ بمَكَّةَ، وقرَأَ بهذه السورةِ في صلاةِ الصُّبْحِ بالناسِ؛ كما روى مسلمٌ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ السائب؛ قال: "صَلَّى لَنَا النَّبِيُّ ﷺ الصُّبْحَ بِمَكَّةَ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ المُؤْمِنِينَ، حَتَّى جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ، أَوْ ذِكْرُ عِيسَى -شكَّ بعضُ الرُّواةِ- أَخَذَتِ النَّبِيَّ ﷺ سَعْلَةٌ، فَرَكَعَ" (١). * * * * قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]. قدَّمَ اللَّه الخشوعَ في الصلاةِ على سائرِ صفاتِ المؤمِنينَ؛ لأنَّ قوةَ إيمانِ الإنسانِ بمِقْدارِ خشوعِهِ في صلاتِه، وكأنَّ ما يلي مِن صفاتٍ هي تَبَعٌ لهذه الصفةِ؛ فكاملُ الخشوعِ في الصلاةِ حاضِرُ القلبِ فيها: لا بدَّ أن يكونَ محقَّقًا لغيرِ ذلك مِن صفاتِ الخيرِ منها؛ كالإعراضِ

стр. 1798

عن اللَّغْوِ، وأداءِ الزكاةِ، وحِفْظِ الفُرُوجِ، ومراعاةِ الأمانةِ والعهدِ. معنى الخشوعِ: والخشوعُ هو السكونُ والذُّلُّ عندَ أوامرِ اللَّهِ وكلامِهِ هَيْبةً ورَهْبةً وتعظيمًا؛ كما قال تعالى في حالِ الظالِمِينَ: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الشورى: ٤٥]، ومِن ذلك سُمِّيَتِ الأرضُ خاشعةً: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصلت: ٣٩]، فحركةُ الجسم تُنافي خشوعَهُ، ومِثْلُها الحركةُ في الصلاةِ، فخشوعُ الشيءِ ثباتُهُ وسكونُهُ مع انكسارِهِ؛ كقولِه: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ [القلم: ٤٣، والمعارج: ٤٤]. وبينَ الصلاةِ والخشوعِ تلازُمٌ، فلا تكتمِلُ الصلاةُ إلَّا بخشوعٍ، ولا يكتمِلُ الخشوعُ إلَّا مع الصلاةِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]؛ يعني: أنَّ الصلاةَ ثقيلةٌ وكبيرةٌ على مَنْ لم يَخْشَعْ فيها. وممَّا يُعِينُ العبدَ على الخشوعِ كثرةُ ذِكْرِ اللَّهِ، وقراءةُ القرآنِ بتدبُّرٍ وتأمُّلٍ؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]، وبيَّنَ أنَّ قسوةَ القلبِ بسببِ قراءتِه بلا تدبُّرٍ: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]، وكذلك فإنَّ الذِّكرَ كلَّه والسجودَ مع حضورِ القلبِ يَزيدُ في الخشوعِ ويُقوِّيهِ، كما قال تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ [الإسراء: ١٠٩]. وقدَّمَ اللَّهُ الخشوعَ في سورةِ (المؤمِنونَ) على الحِفَاظِ على الصلاةِ، مع أنَّه لا يَخشَعُ في صلاتِهِ إلَّا مَن حافَظَ عليها؛ لأنَّ الخشوعَ هو المقصودُ مِن الصلاةِ، وليس حركةَ البَدَنِ بقيامٍ وركوعٍ وسجودٍ مجرَّدٍ.

стр. 1799

حُكْمُ الخشوعِ في الصلاةِ: والخشوعُ في الصلاةِ عظيمُ القَدْرِ؛ به رِفْعةُ العبدِ وبه وَضْعُه، وهو قلبُ الصلاةِ ولُبُّها، وهو مَنَاطُ استحقاقِ الأجرِ فيها؛ فإنَّه ليس للإنسانِ إلَّا ما عقَلَ مِن صلاتِه، وقد روى أحمدُ؛ مِن حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عَنَمَةَ؛ قال: رَأَيْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ دَخَلَ المَسْجِدَ فَصَلَّى، فَأَخَفَّ الصَّلَاةَ، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ، قُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ، لَقَدْ خَفَّفْتَ! قَالَ: فَهَلْ رَأَيْتَنِي انْتَقَصْتُ مِنْ حُدُودِهَا شَيْئًا؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَإِنَّي بَادَرْتُ بِهَا سَهْوَةَ الشَّيْطَانِ؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ مَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْهَا إِلَّا عُشُرُهَا، تُسُعُهَا، ثُمُنُهَا، سُبُعُهَا، سُدُسُهَا، خُمُسُهَا، رُبُعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا) (١). فجعَلَ النبيُّ ﷺ أجرَ الصلاةِ بمقدارِ خشوعِ المُصلِّي فيها، وفَهِمَ عمارُ بنُ ياسرٍ أنَّ العِبْرةَ بحضورِ القلبِ، لا بمجرَّدِ طولِها. وعندَ الكلامِ على حُكْمِ الخشوعِ في الشرعِ، فلا بدَّ مِن الكلامِ عليه مِن جهتَيْنِ: الجهةُ الأُولى: حُكْمُهُ مِن جههِ أصلِه: فأمَّا أصلُه، فمختلَفٌ فيه، وفي ذلك روايتانِ عن أحمدَ، والأرجحُ: أنَّ أصلَهُ مستحَبٌّ لا واجبٌ، وحكى النوويُّ الإجماعَ على عدمِ وجوبِهِ، وفيه نظرٌ؛ فقد قال بوجوبِهِ جماعةٌ؛ فهو روايةٌ عن أحمدَ، قال بها الغزاليُّ مِن الشافعيَّةِ، ورجَّحَها ابنُ حامدٍ وابنُ تيميَّةَ مِن الحنابلةِ، وجعَلَهُ الرازيُّ شرطَ صحةٍ. والصوابُ سُنيَّتُهُ مع جلالةِ فضلِه؛ وذلك أنَّ الخشوعَ لو قيل بوجوبِهِ، لكان في ذلك مشقةٌ؛ إذْ لا يَسلَمُ أحدٌ حِينَها مِن إثمٍ، إذْ لا

стр. 1800

يَسلَمُ أحدٌ مِن سهوٍ يَتْبَعُهُ استرسالٌ عن عمدٍ بمقدارِ إيمانِ الإنسانِ، منهم مَن يقطعُهُ مِن أولِه، ومنهم مَن يأخُذُ منه لحظةً ومنهم لحظاتٍ، والقولُ بتأثِيمِ أولئك أمرٌ دقيقٌ، لو كان، لم تترُكِ الشريعةُ التشديدَ فيه. ويَظهرُ أنَّ نصوصَ الكتابِ والسُّنَّةِ جاءتْ ببيانِ فضلِ الخشوعِ، ولم تأتِ بألفاظِ الوعيدِ لتاركِه؛ فدَلَّ على قصدِ الفضلِ، ووجودِ الحرَجِ بالإيجابِ، ويَعْضُدُ ذلك قولُ عمرَ بنِ الخطَّابِ: "إنِّي لأُجهِّزُ جيشي وأنا في الصلاةِ"؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي شيبةَ (١)؛ وهو صحيحٌ عنه، وعلَّقَهُ البخاريُّ فى كتابِ الصلاةِ مِن "صحيحِه"، في بابِ تفكُّرِ الرجُلِ الشيءَ في الصلاةِ (٢). وهذا مِن عُمَرَ لا يكونُ إلَّا مع شيءٍ ولو يسيرًا مِن الاسترسالِ المقصودِ، ولو كان يُغالِبُ أصلَه، ومنه ما لا يَقْوى عليه ولا يشعُرُ به، وقد رُوِيَ: "أنَّ عمرَ صلَّى المغرِبَ فلَم يَقرأْ، فلمَّا انصرَفَ، قالوا: يا أميرَ المؤمِنينَ، إنَّك لم تَقرأْ؟ ! قال: إِنِّي حَدَّثْتُ نَفْسِيَ وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ بِعِيرٍ وَجَّهْتُهَا مِنَ المَدِيَنَةِ، فَلَمْ أَزَلْ أُجَهَّزُهَا حَتَّى دَخَلَتِ الشَّامَ! ثمَّ أَعَادَ الصَّلَاةَ وَالْقِرَاءَةَ" (٣). ورَوَى مالكٌ بلاغًا عن عمرَ؛ قال: "إنِّي لأضطجِعُ على فِرَاشِي، فما يأتيني النَّوْمُ، وأقومُ إلى الصلاةِ فما تتوجَّهُ إليَّ القراءةُ؛ مِن اهتمامِي بأمرِ الناسِ" (٤). ورُوِيَ عنه: "إِنِّي لَأَحْسُبُ جِزْيَةَ الْبَحْرَيْنِ وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ" (٥).

стр. 1801

وحكايةُ عمرَ ذلك عن نفسِهِ ليستْ في سياقِ ارتكابِ المحرَّمِ والتحدُّثِ به؛ وإنَّما لبيانِ ما يُغلَبُ عليه وهو معذورٌ به ولو كان منه استرسالٌ فيه. بل إنَّ بعضَ الأئمَّةِ يَرى أنَّ الخاطِرةَ التي تَغلِبُ صاحِبَها ولو كانتْ تطولُ لو فكَّر بها، وتركُها يُشوَّشُ عليه: لا يجبُ عليه الخروجُ منها، كما نصَّ على ذلك الشاطبيُّ، فقال: "لا يجبُ على مَن ابتُلِيَ بالخاطرِ الخروجُ منه، إذا كان خروجُهُ يُشوِّشُ خاطرَهُ أكثَرَ". ويَبقى بعدَ هذا النَّظرُ في وجوبِ إعادةِ الصلاةِ أو استحبابِها أو سقوطِها. ومِن قرائنِ الفضلِ والاستحبابِ وعدمِ الوجوبِ: ما جاء في حديثِ عمارِ بنِ ياسرٍ السابقِ: "إِنَّ الْعَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ مَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْهَا إِلَّا عُشُرُهَا، تُسُعُهَا، ثُمُنُهَا، سُبُعُهَا. . . " (١)، فذكَرَ نُقْصانَ الأجرِ، ولم يذكُرْ لَحَاقَ الوِزْرِ، ولو كان الفعلُ محرَّمًا، لَذَكَرَ الإثمَ، ولكنَّه بيَّنَ نُقْصانَ الأجرِ؛ لعدمِ التمامِ فيها، لا لارتكابِ محرَّمٍ. الجهةُ الثانيةُ: حُكْمُهُ مِن جهةِ أثرِه؛ فإنَّ أثرَ الخشوعِ عظيمٌ على الإيمانِ، وأثرُ فقدِهِ كبيرٌ عليه كذلك على ما تقدَّمَ؛ فإنَّ اللَّهَ لم يُقدَّمِ الخشوعَ على بقيَّةِ أوصافِ المؤمِنينَ إلَّا لأثرِهِ عليه، وأنَّ تفويتَهُ سببٌ لإطلاقِ اللِّسانِ باللَّغْوِ، وعدمِ حِفْظِ الفروجِ، وتضييعِ الزكاةِ، وتضييعِ الأماناتِ، وخَرْمِ العهودِ، فتركُ الخشوعِ المتسبِّبُ في ذلك يأثَمُ به صاحبُه، وإنْ لم نَقُلْ بوجوبِ أصلِ الخشوعِ، ولكنَّ القَدْرَ الذي يفحُشُ حتى يُفضِيَ إلى ضَعْفِ الإيمانِ، والابتلاءِ بالمحرَّماتِ، وتضييعِ الأماناتِ والعهودِ: محرَّمٌ، فيجبُ مِن الخشوعِ القَدْرُ الذى يَحفَظُ للعبدِ خشيةَ اللَّهِ، ويحُولُ بينَهُ وبينَ ما حَرُمَ، وهذا القَدْرُ -وإن تعسَّرَ على كثيرٍ مِن الناسِ

стр. 1802

تمييزُهُ في الكتابةِ وتحريرِ العِلمِ- إلَّا أنَّهم يستطيعونَ تمييزَهُ في العملِ والعبادةِ؛ فللصَّلاةِ أثرٌ على صاحِبِها بمقدارِ خشوعِهِ فيها، واللَّهُ أعلَمُ. * * * * قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]. في هذه الآيةِ: وجوبُ حِفْظِ الفَرْجِ مِن جميعِ الفواحشِ، وصيانتِهِ مِن الحرامِ؛ وهذا مِن أخَصِّ أوصافِ المؤمِنينَ، واستثنَى اللَّهُ مِن حِفْظِ الفَرْجِ: الزوجاتِ وما ملَكَتِ الأَيْمانُ، فرفَعَ اللَّه اللومَ في ذلك ولو استكثَروا؛ فإنَّ اللَّهَ لم يُحرِّمْ حرامًا إلَّا وفي الحلالِ غُنْيَةٌ عنه. حُكْمُ الاستمناءِ: وبهذه الآيةِ استدَلَّ مالكٌ على منعِ الاستمناءِ، وتُسمِّيهِ العربُ: جَلْدَ عُمَيْرَةَ، وهي التي تُسمَّى في اصطلاحِ أهلِ الاجتماعِ اليومَ بالعادةِ السِّرِّيَّةِ، وسُمِّيَتْ بذلك لقُبْحِها؛ لأنَّ مَن فعَلَها يعتادُها ويستتِرُ بها عن الخَلْقِ حتى عن زوجِهِ وما مَلَكَتْ يمينُهُ؛ لأنَّه مِن الفِعْلِ المكروهِ الذي يَحِيكُ في النَّفْسِ، وقد قال حَرْمَلةُ بنُ عبدِ العزيزِ: سألتُ مالكًا عن الرجُلِ يَجْلِدُ عُمَيْرَةَ؟ فتلا هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (١). ولا يختلِفُ العلماءُ على أنَّ مَن خَشِيَ على نفسِهِ الزِّنى؛ لقُرْبِهِ منه،

стр. 1803

وانفتاحِ أبوابِهِ عليه: أنَّ ذلك الفعلَ لا يحرُمُ عليه، وكذلك فإنَّه يُباحُ فعلُهُ ببدَنِ الزوجةِ، ومنهم مَن حكى الاتِّفاقَ على هذا، وقد كَرِهَ فِعْلَهُ بها بعضُ الفقهاءِ مِن الشافعيَّةِ والحنفيَّةِ. وأمَّا أصلُ الفعلِ، فقد اختُلِفَ ليه على قولَيْنِ، وهما روايتانِ في مذهبِ أحمدَ. وجماهيرُ العلماءِ على المنعِ منه، ومنهم مَن نصَّ على تحريمِه، وهو الأظهَرُ؛ لأنَّه يُزهَّدُ في النكاحِ المشروعِ، ويَدفعُ صاحِبهُ في كثيرٍ مِن الأحيانِ إلى الحرامِ ويُرغِّبُهُ فيه أكثَرَ مِن صَرْفِهِ عنه، ويذكُرُ أهلُ الطبِّ ضرَرَهُ على فاعلِهِ في بَدَنِهِ ونَفْسِه. والأحاديثُ الواردةُ في الاستمناءِ لا يصحُّ منها شيءٌ، وقد كَرِهَهُ عطاءٌ، وقال: "مكروهٌ؛ سمِعتُ أنَّ قومًا يُحشَرونَ وأيدِيهِم حُبَالَى، فأظُنُّ أنَّهم هؤلاءِ" (١). * * * * قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢١ - ٢٢]. في هذه الآيةِ: نعمةُ اللَّهِ على العبادِ بأنْ رزَقَهُمْ ما يَشرَبونَ مِن ألبانِ الأنعامِ، وما يأكُلُونَ مِن لحومِها، وذِكْرُ منافعِها الكثيرةِ، ومنها الركوبُ، ومنها الانتفاعُ بالجلودِ والشَّعَرِ والصوفِ. وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ﴾ قدَّمَ الاعتبارَ على الانتفاعِ؛ لأنَّه أعظَمُ وأجَلُّ؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى تعظيمِ الخالقِ وعبادتِهِ

стр. 1804

والخضوعِ له، وأمَّا الاتفاعُ مِن غيرِ اعتبارٍ، فإنَّه يُؤدِّي إلى بَطَرٍ وكِبْرٍ وغَفْلةِ عن حقِّ اللَّهِ. وقد تقدَّم الكلامُ على مسألةِ جلودِ الأنعام عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾ [النحل: ٥]. وتقدَّم الكلامُ على ركوبِ البحرِ وأحوالِهِ وحُكْمِ الغزوِ فيه وفضلِهِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: ٢٢]. * * * * قال تعالى لنوحٍ: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٧]. في هذه الآيةِ: وجوبُ حِفْظِ أرزاقِ العِبادِ ومنافعِهم عندَ الكوارثِ، ووجوبُ تنميتِها، وحِفْظِ الحيوانِ مِن الانقراضِ؛ فلا يجوزُ استئصالُ جنسِ أُمَّةٍ مِن الحيوانِ؛ كما تقدَّمَ ذلك عندَ قولهِ تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾ [هود: ٤٠]. * * * * قال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩)﴾ [المؤمنون: ٢٨ - ٢٩]. يُستحَبُّ ذِكْرُ اللَّهِ عندَ الركوبِ، وعندَ نزولِ مَنزِلٍ لم يَنزِلْهُ مِن قبلُ؛

стр. 1805

فإنَّ في ذلك تبرُّكًا بالمذكورِ سبحانَهُ، وتعرُّضًا لكفايتِهِ وحِفْظِه، وتبرُّؤًا مِن حَوْلِ الإنسانِ وقُوَّتِهِ في حُسْنِ الاختيارِ للجهةِ ومكانِ النزولِ، وقد تقدَّم الكلامُ على ذِكْرِ الركوب ودعاء السَّفَرِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)﴾ [هود: ٤١]. دعاءُ نزولِ المَنْزلِ: وأمَّا دعاءُ نزولِ المنزلِ، فظاهرٌ في قولِه تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩)﴾، وظاهرُهُ: أنَّه في نزولِ منزِلٍ لم يُنزَلْ مِن قبلُ، وليس في نزولِ المنزِلِ الذي يعتادُةُ الإنسانُ؛ كدخولِهِ بيتَهُ وبُستانَهُ والمكانَ الذي يَبْدُو فيه، فلو كان الأمرُ كذلك، لاشتهَرَ القولُ به والعملُ عليه في السُّنَّة. ويكونُ هذا الدعاءُ عندَ اتِّخاذِ المنازلِ الجديدةِ والرِّباطِ الجديدِ في ثَغْرٍ مِن الثُّغُورِ، ولو كان النزولُ عارضًا لا دائمًا؛ كمَنْ يَبْدُو في بَرِّيَّةٍ، أو يَتَّخذُ مكانًا لماشيتِهِ مِن غنمٍ وإبلٍ وغيرِ ذلك. وأمَّا إنْ كان النزولُ في مكانٍ يعتادُهُ، أو جديدٍ كذلك، فيُستحَبُّ له الدعاءُ بما ورَدَ في مسلمٍ؛ مِن حديثِ خَوْلَةَ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا، ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ، حَتَّى يَرْتَحِلَ مِن مَنْزِلِهِ ذَلِكَ) (١). وهذا يُستحَبُّ في كلِّ مكانٍ يُنزَلُ ولو اعتادَهُ، وأمَّا بيتُ الرجُلِ ومسكنُهُ الدائمُ، فلا يُستحَبُّ قولُ ذلك إلَّا عندَ كلِّ نزولٍ. والنزولُ في الحديثِ يُرادُ به المُكْثُ في مكانٍ جديدٍ أو مكانٍ عَتِيقٍ، لكنْ بعدَ انقطاعٍ عنه؛ وهذا ظاهرٌ في حديثِ خولةَ السابقِ؛ حيثُ

стр. 1806

قال فيه: (حَتَّى يَرْتَحِلَ مِن مَنْزِلِهِ)؛ يعني: أنَّه ليس مسكَنًا له، ومِثلُ ذلك حديثُ أنسٍ عند أحمدَ وأهل "السنن"؛ قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا نَزَلَ مَنزِلًا، لَمْ يَرْتَحِلْ حَتَّى يُصَلِّيَ الظُّهْرَ" (١)، فالمَنازلُ تُطلَقُ على ما يحُطُّ المسافِرُ والعابرُ فيه رَحْلَه. ومَن كان يدخُلُ في بيتِهِ ويخرُجُ وهو مقيمٌ في بلدِهِ لا يُسمَّى دخولُهُ بيتَهُ كل يومٍ مرَّاتٍ: نزولًا؛ وإنَّما النزولُ الذي يكونُ بعدَ سفرٍ، أو كان في مكانٍ جديدٍ يُسكَنْ مِن قبلُ، ومَن كان في بيتِهِ ساكنًا حاضرًا لا يُسمَّى الدخولُ فيه نزولًا إلَّا لِمَنْ كان غريبًا، فيُقالُ: نزَل فلانٌ عندَ فلانٍ، ولا يُقالُ لصاحبِ الدارِ: نازلٌ، إلَّا إن كان بعدَ سفرٍ، أو طولِ عهدٍ، أو في مكانٍ جديدٍ. ويُستحَبُّ لمَن كانتْ هذه حالَهُ -أي: في غيرِ موضعِ إقامةٍ- الدعاءُ بما في الآيةِ؛ لأنَّها تتضمَّنُ طلَبَ البَرَكةِ في مكانِهِ وموضعِهِ الجديدِ، والدعاءُ بما في الحديثِ؛ لأنَّه يتضمَّنُ الالتجاءَ مِن شرِّ مَن فيه وشرِّ عامِرِيه. * * *

стр. 1807

سورة النور سورةُ النورِ مدَنيَّةٌ، وقد حُكِيَ الإجماعُ على ذلك (١)، ويَظهرُ ذلك في تفاصيلِ أحكامِها مِن أحكامِ النظرِ، والحِجَابِ، والتحيَّةِ، والاستئذانِ عندَ الدخولِ، وحقوقِ البيوتِ وأهلِها، والحدودِ الواردةِ فيها كحَدِّ الزِّنى والقذفِ، ممَّا لم يكنْ مِثلُهُ يَنزِلُ بمَكَّةَ، وهذه الأحكامُ والتفاصيلُ نزَلَتْ بالمدينةِ بعدَ استقرارِ التوحيدِ وتحقُّقِ التمكينِ للنبيِّ ﷺ . وفي هذا: إشارةٌ إلى أنَّ الأحكامَ العامَّةَ والحدودَ إنَّما يُؤمَرُ بها عندَ التمكينِ في الأرضِ وعندَ التمكُّنِ مِن الناسِ وقَبُولِ كثيرٍ منهم للحقِّ، لأنَّ الحقَّ إذا أُقِيمَ في ناسِ لا يُريدونَهُ جمعًا، كان مَدْعاةً للتنكُّرِ له وجحوده وحَرْبِهِ ورَدِّهِ كلِّه، حتى وإنْ كان الاعتراضُ على بعضِه، فلا تُقامُ الحدودُ إلَّا عندَ التمكينِ ووجودِ ناصرٍ مِن الناسِ يَحمِيهِ عندَ تمرُّدِ بعضِ الناسِ عليه، وقد تقدَّمَ الكلامُ على التمكينِ ومَراتبِهِ وشروطِهِ وأحوالِهِ مفصَّلًا عندَ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [الحج: ٤١]. * * * * قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ [النور: ٢]. بيَّنَ اللَّهُ تحريمَ الزِّنى وعِظَمَ خطرِهِ وكَوْنَهُ مِن المُوبِقاتِ، وهو مِن

стр. 1808

الأفعالِ المنبوذةِ التي لو رضِيَها الإنسانُ في عِرْضِ غيرِهِ، لم يَرْضَها في عِرْضِه؛ وذلك أنَّ النفوس تَعْمَى عندَ الحرامِ إنْ كان لها، وتُبصِرُهُ إنْ كان لغيرِها؛ لأنَّ المتعةَ إن قامتْ في النَّفْسِ، عَميَتِ الأنفُسُ عن التمييزِ. وقد تقدَّم الكلامُ على فاحشةِ الزِّنى وبشاعتِها، وبيانُ أولِ ما نزَلَ في عقوبةِ فاعلِها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ [النساء: ١٥]. حَدُّ الزاني والزَّانِيَةِ: في هذه الآيةِ: بيانٌ لحدِّ الزانيَيْنِ، وقد جاءتِ الآيةُ بالإطلاقِ هنا مِن غيرِ تفريقٍ بينَ مُحْصَنٍ وغيرِ مُحصَنٍ، ولكنَّ السُّنَّةَ قد خصَّصتْهُ بالبِكْرِ لا الثَّيِّب، وفي السُّنَّةِ تفصيلُ ذلك: فأمَّا البِكْرُ: فلا خلاف عندَ العلماءِ أنَّ عليه الجَلْدَ مِئَةً؛ لظاهرِ الآيةِ: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، ولِمَا يأتي مِن أحاديثَ. وأمَّا العبدُ والأمَةُ إنْ زنَيَا، فعليهما نِصْفُ ما على المُحصَنِ مِن العذاب ولو كانا ثَيِّبَيْنِ في قولِ جماهيرِ الفقهاءِ، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وقد حَكَى غيرُ واحدٍ مِن الأئمَّةِ أنَّ العبدَ والأَمَةَ لا يُرجَمادِ في الزِّنى بلا خلافٍ عندَ السلفِ، وقد قال الشافعيُّ: "ولم يَختلِفِ المُسلِمونَ في أنْ لا رَجْمَ على مملوكٍ في الزِّنى" (١).

стр. 1809

وأمَّا المُحْصَنُ: فهو الذي وَطِئَ بنكاحٍ صحيحٍ وهو حرٌّ عاقلٌ بالغٌ، وحدُّهُ الرجمُ بلا خلافٍ، وقد رَجَمَ النبيُّ ﷺ ورجَمَ خلفاؤُهُ مِن بعدِه، ولم يَختلِفِ الأمرُ في ذلك في القرونِ المفضَّلةِ، ولا عندَ فقهاءِ الإسلامِ في سائرِ المذاهب الفقهيَّةِ، وقد كان الرجمُ مِن أحكام القرآنِ، فنُسِخَ لفظًا وبَقِيَ حُكمًا، وهي كما قال عمرُ: "كان ممَّا أنزِلَ عليه: آيةُ الرَّجْمِ: (الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيًا، فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ) (١). ورَوَى مسلمٌ، عن عُبَادةَ بنِ الصامتِ، عن النبيِّ ﷺ ؛ قال: (خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا؛ الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ وَالرَّجْمُ) (٢). ومِن ذلك ما ثبَت في "الصحيحين"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ، وزيدِ بنِ خالدٍ؛ قالا: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَّا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَامَ خَصْمُهُ، وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ، فَقَالَ: اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَأْذَنْ لِي، قَالَ: (قُلْ)، قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بامْرَأَتِهِ، فَافْتَدَيتُ مِنْهُ بِمئَةِ شاةٍ وَخَادِمٍ، ثُمَّ سَأَلْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، فَأخبَرُونِي: أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِئَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَعَلَى امْرَأَتِهِ الرَّجْمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَقْضِيَنَّ بَينَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ -جَلَّ ذِكْرُهُ-: المِئَةُ شَاةٍ وَالخَادِمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا)، فغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفتْ فَرَجَمَهَا (٣).

стр. 1810

وبهذا يَعمَلُ وَيقضِي الخلفاءُ، وفي "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄؛ قال: قال عمرُ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ، حَتَّى يَقُولَ قَائِلٌ: لَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، أَلَا وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ أَحْصَنَ، إِذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الحَبَلُ، أَوِ الِاعْتِرَافُ، أَلَا وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ (١). ولم يَختلِفِ الفقهاءُ في ذلك، وقد ظهَر في الزمنِ المتأخِّرِ مَنْ أدرَكَهُ وَهَنُ الغربِ، والْتمَسَ مِن الفهومِ ما يُذلِّلُ به ما يتوهَّمُهُ من قسوةِ الشريعةِ على الفجورِ والظُّلْمِ، فقالوا ببُطْلانِ الرَّجْمِ، وأنَّه ليس مِن الحدودِ، ومنهم مَن نفَى شرعيَّتَةً، ولا يُوجَدُ مَن تشرَّبَ اللَّيبراليَّةَ إلَّا أصابَهُ وَهَنُ الغربِ في إضعافِ المحرَّماتِ، فرَقَّتْ في قلبِهِ عظَمةُ الزِّنى، ورَقَّ في قلبِهِ منزِلةُ الحجابِ والاختلاطِ بالنِّساءِ، فمَن ضَعُفَ في قلبِهِ منزِلةُ الزِّنى وبشاعتُه، ضَعُفَتْ في قلبِهِ منزِلةُ حدودِه، فاستكثَرَ واستعظَمَ الحدَّ على ما رَقَّت منزلتُهُ في قلبِه، ولو نطَق بخلاتِ ذلك تهيُّبًا للشريعةِ. ويدُلُّ على أنَّه لا يُنكِرُ حدَّ الرجمِ إلَّا مَن كانتْ منزِلةُ الزِّنى في قلبِهِ ليستْ منزلتَهُ في الشريعةِ والفِطْرةِ الصحيحةِ: أنِّي لم أرَ أحدًا ممَّن أنكَرَ الرجمَ اليومَ ولو كان ممَّن يُظهِرُ التديُّنَ والفقهَ إلَّا وذرائعُ الزِّنى هيِّنةٌ في قلبِهِ كالححابِ والاختلاطِ والخَلْوةِ، ومِن علاماتِ ضَعْفِ بشاعةِ الزِّنى: ضَعْفُ ذرائعِهِ في النَّفسِ؛ فإنَّ هوانَ الوسائلِ يدُلُّ على هوانِ الغاياتِ، وهوانُ الغايةِ يدفعُ الى استعظامٍ واستبشاعِ الرجمِ عليها، والزِّنى أهونُ الأفعالِ اليومَ في الغربِ؛ يُشرِّعونَهُ ولا يُحرِّمونَهُ، ولكثرتِهِ وانتشارِهِ فيهم وتشريعِهِ في محاكمِهم؛ لا يَتصوَّرونَ عقوبةً تقعُ على مِثْلِ ما شاعَ فيهم ورأَوْهُ في أنفْسِهم.

стр. 1811

وأمَّا ما يشتبِهُ على بعضِهم ممَّا ورَدَ عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي أَوْفَى ﵁: "أنَّه سُئِلَ: هل رجَمَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فقَالَ: نَعَمْ، ثمَّ سُئِلَ: بَعْدَمَا أُنزِلَتْ سُورَةُ النُّورِ أَمْ قَبْلَهَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي" (١). فجعَلُوا نزولَ سورةِ النورِ ناسخًا للفعلِ السابقِ، وتكلَّفُوا أنَّ الرجمَ كان قبلَها؛ لعدمِ عِلْمِ ابنِ أبي أَوفى، فعبدُ اللَّهِ بنُ أبي أَوفى لم يُنكِرِ الرجمَ، بل نَفَى عِلْمَهُ بتوقيتِهِ، فحمَلُوا نفيَهُ للزمانِ على شَكِّهِ في الحُكْمِ، وهذا باطلٌ لم يقُلْهُ ولا فَهِمَهُ عنه أحدٌ مِن السلفِ ولا الفقهاءِ في قرونِ الإسلامِ الفاضلةِ، والرجمُ كان بعدَ سورةِ النورِ قطعًا؛ وذلك أنَّ نزولَ سورةِ النورِ كان في قصةِ الإفكِ، وهي بينَ الأربعِ والستِّ للهجرةِ، لا قبلَ ذلك ولا بعدَهُ، والرجمُ كان بعدَها، وقد حضَرَهُ أقوامٌ مِن الصحابةِ، وإنَّما كان إسلامُهم بعدَ حادثةِ الإفكِ كأبي هُرَيْرةَ، فقد حضَرَهُ وإنَّما أسلَمَ هو قبلَ وفاةِ النبيِّ ﷺ بأربعِ سِنِينَ؛ كما قالهُ حُمَيْدُ بنُ عبدِ الرحمنِ عنه (٢)، وهو مِن أخصِّ أصحابِه، وحضَرَ الرجمَ ابنُ عبَّاسٍ وقد جاء مع أمِّه إلى المدينةِ بعدَ نزولِ سورةِ النورِ وحادثةِ الإفكِ؛ وذلك سنةَ تسعٍ. حُكْمُ الجَلْدِ مع الرجمِ للمُحْصَنِ: وإنَّما الخلافُ عندَ الفقهاءِ في الجمعِ بينَ الرجمِ والجَلْدِ للمُحصَنِ: فهل يُجلَدُ قبلَ رَجْمِهِ فيبقى حُكْمُ الرجمِ عليه أو لا؟ على خلافٍ عندَهم، على قولَيْنِ: ذهَبَ جمهورُ الفقهاءِ: إلى أنَّ حُكْمَ الرجمِ على المُحصَنِ يُسقِطُ الجَلْدَ عنه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يثبُتْ أنَّه مَن رجَمَهُ كمَاعِزٍ والأَسْلَمِيَّةِ،

стр. 1812

وأمَر أُنَيْسًا أن يَغْدُوَ إلى امرأةِ الرجُلِ فإنِ اعرَفَت فيَرْجُمُها، ولم يأمُرْهُ بجَلْدِها. وحديثُ عُبادةَ السابقُ متقدِّمٌ، وهو في أولِ حدِّ الزِّنى. وذهَبَ أحمدُ وإسحاقُ: إلى الجمعِ بينَ الجَلْدِ والرجمِ؛ وذلك لظاهرِ حديثِ عُبادةَ السابقِ في الجمعِ بينَهما؛ حيثُ قال ﷺ : (وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ وَالرَّجْمُ) (١)؛ فالجَلْدُ للزِّنى، والرجمُ للإحصانِ. وبهذا فعَلَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁؛ حيثُ جَلَدَ شُرَاحَةَ الهَمْدَانيَّةَ يومَ الخميسِ، ورجَمَها يومَ الجمعةِ، وقال: "أَجْلِدُهَا بكِتَابِ اللَّهِ، وَأَرْجُمُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ "؛ رواهُ البخاريُّ وغيرُهُ (٢). حُكْمُ التغريبِ: واختلَفَ الفقهاءُ في التغريبِ؛ وذلك لأنَّ اللَّهَ لم يذكُرْهُ في سورةِ النورِ: وقد ذهَبَ مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ: إلى بقائِهِ، وأنَّه مُحكَمٌ، وعدمُ ذِكرِهِ كعدمِ ذِكْرِ الرجمِ، وكلاهُما ثابتٌ في السُّنَّةِ، وقد صحَّ التغريبُ عن النبيِّ ﷺ ، وورَدَ مِن حديثِ جماعةٍ؛ كعُبَادةَ وأبي هُرَيْرةَ وزيدِ بنِ خالدٍ، وبه قضى الصحابةُ كأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ وابنِ مسعودٍ وأبي الدرداءِ. ولم يقُلْ بالتغريب أبو حنيفةَ وأصحابُهُ؛ وهذا بناءً على أصلِهم مِن منعِ القولِ بنسخِ الكتابِ بالسُّنَّةِ، ويرَوْنَ أنَّ الزيادةَ على حُكْمِ القرآنِ نسخٌ له، وجعَلَ أبو حنيفةَ التغريبَ الى الإمامِ، وجعَلَهُ اجتهادًا في التأديبِ لا حدَّا لازمًا.

стр. 1813

وأمَّا مالكٌ، فقال بالتغريبِ؛ ولكنَّه ذهَبَ إلى تغريب الرجُلِ دونَ المرأةِ؛ لأنَّ تغريبَها يُضِرُّ بمَحْرَمِها، ويَلزَمُهُ لَحَاقُهُ بها، وهذا ضررٌ؛ فقد تغرَّبَ كما تغرَّبتْ. ويقومُ الحبسُ اليومَ مقامَ التغريبِ؛ كالحبسِ في البيوتِ وعدمِ الخروجِ، وهو للنِّساءِ خاصَّةً أحسَنُ من حَبْسهِنَّ في دُورٍ يَختلِطُ بها النِّساءُ المحبوساتُ في مُوجاتٍ شتَّى؛ كسَرِقةٍ وقتلٍ وغيرِ ذلك. شهودُ الجَلْدِ والرَّجْمِ: قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ويُرادُ مِن ذلك: تأديبُ النفوسِ المريضةِ التي تُرِيدُ الفاحشةَ أو تفعلُها؛ لِتخشَى مَغَبَّةَ فِعْلِها وعاقبتَهُ، وليكونَ ذلك الفعلُ مستبشَعًا في النفوسِ فيزدادَ بشاعةً فيها، ويَكسرَ سَوْرَةَ مَن تَستحسِنُهُ نفسُه. وشهودُ الناسِ للحَدِّ مستحَبٌّ لا واجبٌ في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ، مع اختلافِهم في حدِّ الطائفةِ، وصحَّ عن ابنِ عباسٍ وعِكْرِمةَ ومجاهدٍ: أنَّ الواحدَ طائفةٌ (١). ولا ينبغي أن يكونَ هناك خلافٌ أنَّ الاستتارَ بالحدودِ كلِّها، وإخفاءَها عن الناسِ حتى لا يُظَنَّ أنَّ الحدودَ تُقامُ: لا يجوزُ؛ فإنَّ المقصودَ مِن إقامةِ الحدودِ هو الجزاءُ لِمَنِ اقترَفَها، وتأديبُ مَن يطمعُ فيها؛ كما قال اللَّهُ في السرقةِ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨]. وحينَما يقولُ العلماءُ بعدمِ وجوبِ الإشهارِ، لا يُريدونَ مِن ذلك: تعطيلَه؛ وإنَّما لا يجبُ في كلِّ حدٍّ حتى لا يصحَّ إلَّا به، ولكنْ لا يجوزُ إخفاؤُهُ مطلَقًا؛ حتى لا يظُنَّ الناسُ تعطيلَ الحدودِ. * * *

стр. 1814

* قال تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]. في هذا: تحريمُ الزِّنى وبيانُ عَظَمتِه، وأنَّه لا تُطاوعُ عليه إلَّا زانيةٌ أو مشرِكةٌ، ولا يُطاوعُ المرأةَ عليه إلَّا زانٍ أو مشرِكٌ؛ وأُرِيدَ مِن ذلك تنزيهُ أهلِ الإيمانِ عن ذلك. وفيه: التنفيرُ مِن نكاحِ الزَّوَانِي واتِّخاذِهِنَّ زوجاتٍ حتى يَتُبْنَ إلى اللَّهِ، وقد حرَّم اللَّهُ نِكَاحَ الزانيةِ العاهِرةِ، وقرَنَ نكاحَها بالاقترانِ بالمشرِكِ: ﴿لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، وظاهرُ الآيةِ: تبشيعُ الزِّنى، وأنَّه لا يَلِيقُ وقوعُهُ مِن المؤمِنينَ، وأنَّه يقَعُ مِن المشرِكينَ الذين لا يُقيمونَ لِحُرُماتِ اللَّهِ وَزْنًا، وليس المرادُ بذلك تحقُّقَ مفهومِه؛ أنْ يجوزَ للمُسلِمةِ الزانيةِ نكاحُ المشرِكِ، أو للمسلِمِ الزاني نكاحُ المشرِكةِ غيرِ الكتابيَّةِ. وقد تقدَّم الكلامُ على حُرْمةِ إنكاحِ المشرِكينَ ونكاحِ المشرِكاتِ، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، وحُكْمِ نكاحِ الكتابيَّاتِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. حُكْمُ نكاحِ الزانيةِ وإنكاحِ الزاني: اختلَفَ العلماءُ في المرادِ بالنكاحِ في قولِه تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾؛ فقيل: المرادُ له وَطْءُ الزِّنى، وقيل: المرادُ به وطءُ النكاحِ الصحيحِ: ذهَب أحمدُ: إلى أنَّه لا تُزوَّجُ العفيفةُ مِن الزاني الباقي على فجورِه، ولا يُزوَّجُ العفيفُ مِن الزانيةِ الباقيةِ على فجورِها.

стр. 1815

وكان أحمدُ بنُ حنبلٍ لا يَرَى صحةَ العقدِ الذي يكونُ بينَ عفيفٍ وزانيةٍ، أو عفيفةٍ وزَانٍ. ويُروى عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّ طُرُوءَ الزِّنى يَفسَخُ النكاحَ. وذهَبَ الجمهورُ: إلى الجوازِ، وكَرِهَهُ مالكٌ والشافعيُّ، ولم يُحرِّماه. والصحيحُ عن ابنِ عبَّاسٍ: عدمُ فَسْخِه، وحملُ الآيةِ على الزِّنى لا النكاحِ بعقدٍ صحيحٍ؛ قال: "ليس هذا بالنكاحِ؛ وإنَّما هو الجِمَاعُ؛ لا يَزني بها إلَّا زانٍ أو مشرِكٌ" (١). ومِن القرائنِ الدالَّةِ على تصويب مرادِ ابنِ عبَّاسٍ هذا، وأنَّ المقصودَ بالنكاحِ: وَطْءُ الزِّنى: ذِكْرُ الإشراكِ في الآيةِ، فلا يَحِلُّ لمسلمٍ زانٍ أنْ يَنكِحَ مشرِكةً ولو عفيفةً عن الفاحشةِ؛ لأنَّ اللَّهَ قال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، فقال: ﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، ولم يقُلْ: حتى يَعْفِفْنَ أو يُحْصَنَّ، ومِثلُهُ فإنَّ الزانيةَ لا يَحِلُّ لها نكاحُ المشرِكِ ولو كان عفيفًا مِن الفاحشةِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾، فقال: ﴿حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾، ولم يقُلْ: حتى يُحصَنُوا أو يَعِفُّوا. وحملُ النكاحِ في الآيةِ على النكاحِ الصحيحِ مُحتمِلٌ أيضًا؛ فقد جاءتْ رواياتٌ عديدةٌ في أسبابِ نزولِ الآيةِ في أقوامٍ أرادُوا الزواجَ مِن زانياتٍ يَعرِفونَهُنَّ في الجاهليَّةِ، فمُنِعُوا مِن ذلك، وحملُ الآيةِ على معنَيْينِ لاستيعابِ وإصلاحِ أمرَيْنِ في الناسِ واردٌ، وتَقتضيهِ سَعةُ ألفاظِ الوحيِ واعجازُ لغةِ القرآنِ.

стр. 1816

والأظهَرُ: أنَّه لا يجوزُ تزويجُ العفيفِ الزانيةَ، ولا الزاني العفيفةَ؛ وهذا قولُ أحمدَ وجماعةٍ مِن السلفِ؛ كالحسَنِ وقتادةَ. وأمَّا حديثُ ابنِ عبَّاسٍ: جاءَ رجُلٌ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقال: إِنَّ عِنْدِي امْرَأَةَ، هِيَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَهِيَ لَا تَمَنَعُ يَدَ لَامِسٍ؟ ! قَالَ: (طَلِّقْهَا)، قَالَ: لَا أَصْبِرُ عَنْهَا، قَالَ: (اسْتَمْتِعْ بِهَا)، فقد رواهُ أبو داودَ والنَّسَائيُّ (١)، وقال أحمدُ: حديثٌ منكَرٌ (٢)، وقال النَّسَائيُّ: ليس بثابتٍ (٣)، ولو صحَّ، فليسِ المرادُ بذلك الزِّنى على الأرجحِ؛ فقد حمَلَهُ بعضُهم على السَّخَاء المُسرِفِ الذي يُهدِرُ مالَ الزَّوْج؛ وبهذا قال الأصمعيُّ وأحمدُ (٤)، والنبيُّ ﷺ لا يُقِرُّ رجلًا أن يكونَ دَيُّوثًا، فقد جاءَهُ مَن يتَّهِمُ زوجتَهُ في الزِّنى، فقال له: (البَيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ في ظَهْرِكَ) (٥). وأمَّا تزويجُ الزانيَيْنِ بعضِهما مِن بعضٍ، فأكثرُ السلفِ على جوازِه، وقال ابنُ عبَّاسٍ (٦) وابنُ عمرَ (٧): "أولُه سفاحٌ، وآخِرُه نكاحٌ". وصحَّ عن ابن المسيَّبِ وعلقمةَ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ وعطاءٍ ومجاهِدٍ، وقال عِكْرمةُ: "هو بمنزِلةِ رجلٍ سرَقَ نخلةً ثمَّ اشتراها" (٨). ومنَعَ من تزويجِ الزانيَيْنِ بعضِهما مِن بعضٍ بعضُ السلفِ، وليس كلُّ مَن قال بمنعِ نكاحِ الزانيَيْنِ ببنَهما جعَلَهُ مؤبَّدًا، بل الصحيحُ عندَهم: عدمُ تأبيده؛ وإنَّما في حالِ عدمِ التوبةِ، ومِن السلفِ: مَن يَرى منعَ الجمعِ ببنَ مجلودَيْنِ في حدِّ الزِّنى.

стр. 1817

وثبَت عن عمرَ جوازُ تزويجِ الزانيةِ بعدَ التوبةِ؛ وهو الصحيحُ؛ بشرطينِ: الأولُ: التوبةُ ممَّا بدَرَ منها؛ فمَن تاب مِن ذنبٍ، كان في حُكْمِ مَن لم يَقترِفْهُ، وقد روى طارقُ بنُ شهابٍ: "أنَّ رجلًا أراد أن يُزَوِّجَ ابنةً، فقالتْ: إنِّي أخشى أنْ أَفضحَكَ؛ إنِّي قد بَغَيْتُ! فإتى عمرَ، فقال: أليستْ قد تابتْ؟ قال: نعم، قال: فزوِّجْها"؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي شيبةَ (١). ورُوِيَ عن عمرَ: "أنَّه أمَرَ بسَتْرِها وتزويجِها على ما صلَح مِن حالِها" (٢). الثاني: وجوبُ استبراءِ الرحمِ؛ فلا يجوزُ إنكاحُ الأمَة والزانيةِ حتى يُستبرَأَ رحمُها مِن ماءِ غيرِها بحَيْضَةٍ. ومِن السلفِ مَن عَدَّ هذه الآيةَ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ منسوخةً بقولِهِ تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]؛ وبهذا قال ابنُ المسيَّبِ (٣) والشافعيُّ (٤)، ولا تعارُضَ بينَ الآيتَيْنِ؛ فكلٌّ له بابُه، والثانيةُ عامَّةٌ، والأولى خاصَّةٌ في حُكْمِ الزانيَينِ. * * * * قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤ - ٥]. قذفُ المُحصَناتِ مِن أكبرِ الكبائرِ، وهو مِن المُوبِقاتِ المُهلِكاتِ

стр. 1818

لصاحِبِها؛ وذلك لِما يَلحَقُ المؤمِنينَ مِن أذًى، وأعظَمُ الأذى القذفُ في العِرْضِ، وما يَتْبَعُهُ مِن طعنٍ في النَّسَبِ، وزُهْدِ الناسِ في القُربِ مِن المقذوفِ، وتَعدِّي ذلك إلى أهلِهِ وولدِ ومَنِ اتصَلَ به بسببٍ ونَسَبٍ؛ ولهذا قدَّرَ اللَّهُ على بعضِ نِسَاءِ الأنبياءِ الكُفْرَ، ولكنَّه لم يُقدِّرْ على واحدةٍ منهنَّ العَهْرَ؛ لأنَّ العَهْرَ يتعدَّى إلى عِرْضِ الزوجِ، والكفرُ لازمٌ لمَن كفَرَ لا يتعدَّى إلى أهلِهِ؛ ولذا عَدَّ النبيُّ ﷺ قَذْفَ المُحصَناتِ مِن المُوبِقاتِ؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ من حديثِ أبي هريرة؛ قال ﷺ : (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: (الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ) (١). والحِكْمةُ في عدمِ ذِكْرِ النبيِّ ﷺ (الزِّنى) مِن السَّبْعِ المُوبِقاتِ في حديثِ أبي هريرةَ: أنَّه ذكَر قَذْفَ المُحصَناتِ به؛ للدَّلالةِ على بشاعتِه؛ فإنَّ مجرَّدَ القذفِ به مُوبِقٌ ومُهلِكٌ، فكيف بالوقوعِ فيه؟ ! فاتِّهامُ بريءٍ به مِن السَّبْعِ المُوبِقاتِ، فكيف لو زَنى القاذفُ نفسُه؟ ! وهذا نظيرُ اتهامِ أحدٍ بالكفرِ وهو بريءٌ منه، فهو عظيمٌ، ووقوعٌ القاذفِ في الكفرِ أعظَمُ مِن ذلك. القذفُ الصَّرِيحُ والكنايةُ: لا يختلِفُ الفقهاءُ على أنَّ القذفَ الصريحَ يُقامُ فيه الحَدُّ كالرمي بالزِّنى، وإنَّما اختلَفُوا في إقامتِهِ على القذفِ غيرِ الصريحِ؛ وذلك لاختلافِ الناسِ في مُرادِ المتكلِّمِ وفهمِ السامعِ له؛ فإنَّ ألفاظَ الكنايةِ تختلِفُ في قُرْبها مِن الصريحِ، فليستْ متطابِقةً في مُرادِ السامعِ ولا في

стр. 1819

مُرادِ المتكلِّمِ، ويختلِفُ الناسُ فيها مِن بلدٍ إلى بلدٍ؛ كالوصفِ بالعَهْرِ وعدمِ الشرَفِ ونحوِ ذلك ممَّا يَحتمِلُ معانيَ، منها الزِّنى، وقد اختلَفوا في ذلك على قولَيْنِ، هما روايتانِ عن أحمدَ: فرأى بعضُهم إقامةَ الحدِّ؛ وهو قولُ مالكٍ، وبه قَضَى عمرُ. وذهَبَ أبو حنيفةَ والشافعيُّ: إلى عدمِ إقامةِ الحدِّ؛ وهؤلاء الذين يُسقِطونَ الحدَّ لا يُسقِطونَ التعزيرَ بغيرِ الحدِّ بحسَبِ ما يَراهُ الحاكمُ مِن زجرٍ وتأديبٍ. والأظهَرُ: أنَّ الحاكمَ يُقِيمُ حدَّ القذفِ في قذفِ الكنايةِ إنْ غلَبَ استعمالُهُ بينَ الناسِ على الزِّنى، ما لم يكنْ في سياقِ القولِ قرينةٌ تَصرِفُهُ عن الغالبِ؛ كمَن يتَّهِمُ غيرَهُ بعدَمِ الشرَفِ في سياقِ الحديثِ عن الرِّشْوةِ في الحقوقِ ونحوِ ذلك. قذفُ الحُرَّةِ والأَمَةِ والكافِرةِ: وحدُّ الحُرِّ في القذفِ ثمانونَ بلا خلافٍ، سواءٌ كان ذَكَرًا أو أُنثى. ولا خلافَ أنَّ حدَّ القذفِ حقٌّ للمقذوفِ؛ وإنَّما يَختلِفونَ في إقامتِهِ لحقِّ اللَّهِ عندَ عفوِ صاحبِ الحقِّ: والجمهورُ: أنَّه لا يُقامُ حتى يُطالِبِ المقذوفُ بحقِّه؛ لأنَّه حقٌّ له، تَلحَقُهُ مَعَرَّتُهُ، وله إسقاطُه؛ وبهذا قال الشافعيُّ وأحمدُ. ولا خلافَ أنَّ الحدَّ لا يسقُطُ بتوبةِ القاذفِ قبلَ طلبِ المقذوفِ. وقيَّد اللَّهُ الحدَّ على قاذفِ المُحصَناتِ، وليس على مَن قذَفَ غيرَهُنَّ، وقد تقدَّم الكلامُ على مَعاني الإحصانِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وذكَرْنا أنَّه يُطلَقُ على الإسلامِ والعَفافِ والحريَّةِ والنِّكاحِ، والمرادُ به هنا هو العِفَّةُ بلا خلافٍ؛ وإنَّما اختُلِفَ في إرادةِ بعضِ مَعاني الإحصانِ الأُخرى

стр. 1820

-كالإسلامِ والحريَّةِ- في آيةِ حدِّ القذفِ للمُحصَناتِ - على قولَيْنِ: القولُ الأولُ: أنَّ الحريَّةَ والإسلامَ مقصودانِ في هذه الآيةِ؛ وبهذا قال جمهورُ العلماءِ، وقد قَيَّدَ اللَّهُ القذفَ بالإيمانِ في قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور: ٢٣]، فذِكْرُهُ للإيمانِ للدَّلالةِ على الإسلامِ، وذِكرُهُ للغَفْلةِ للدَّلالةِ على العفافِ، ودَلَّ ذلك على أنَّه أرادَ بالإحصانِ في قولِه: ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ الحريَّةَ، وقد رَوَى عليُّ بن أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّه فسَّر المُحصَناتِ في الآيةِ بالحرائرِ (١). ويُروى في الحديثِ: (مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ، فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ)؛ رواهُ الدارقطنيُّ؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ (٢)، وهو متكلَّمٌ في رفعِه. القولُ الثاني: أنَّ الحريَّةَ والإسلامَ غيرُ مُرادَيْنِ؛ وبهذا قال مالكٌ. وعلى هذَيْنِ القولَيْنِ يتفرَّعُ عندَ أصحابِهما القولٌ بحدِّ قاذقِ الأَمَةِ والكافرةِ. والعبدُ والأَمَةُ يُجلَدانِ في القذفِ نِصْفَ حدِّ الحُرِّ والحُرِّةِ، وعلى هذا الأئمَّةُ الأربعةُ، خلافًا للأوزاعيِّ وأبي ثورٍ وأهلِ الظاهرِ. قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾: فيه زجرٌ للقاذفِ وردعٌ له، حينَما وقَعَ في أعظَمِ ما يختَصُّ بعِرْضِ الإنسانِ وشَرَفِه، ولا يختلِفُ العلماءُ في أنَّ شهادتَهُ مردودةٌ قبلَ توبتِه؛ لأنَّه أسقَطَ عدالتَهُ بقَذْفِه. شهادةُ القاذفِ بعد توبتِهِ: ويختلِفُ العلماءُ في قَبُولِ شهادتِهِ بعدَ توبتِه، والجمهورُ على قَبُولِها بعدَ توبتِه، خلافًا لأبي حنيفةَ؛ حيثُ أسقَطَها مطلَقًا؛ لظاهرِ قولِه

стр. 1821

﴿أَبَدًا﴾، ولكنَّ هذا الإطلاقَ قُيِّدَ بعدَهُ بقولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾؛ والاستثناءُ عائدٌ على الشهادةِ والفسقِ جميعًا. ويُشترَطُ للتوبةِ إظهارُها بعملٍ صالحٍ، وأمَّا حديثُ: (لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلَا مَحْدُودٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ)، فقد رواهُ أحمدُ وغيرُهُ؛ مِن حديثِ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه (١)، ولا يصحُّ، والرُّواةُ عن عمرٍو متكلَّمٌ فيهم، ولو صحَّ فهو كعمومِ الآيةِ يُقيَّدُ بزوالِ العلةِ، وهي عدمُ التوبةِ. وبقَبُولِ شهادتِهِ بعدَ توبتِه أخَذَ عمرُ بنُ الخطَّابِ وابنُ عبَّاسٍ وابنُ المسيَّبِ وعطاءٌ وطاوُسٌ ومجاهدٌ والشَّعْبيُّ وقتادةُ. وذهَب الى عدمِ قَبُولِها مِن السلفِ ما دام حيًّا وإنْ تابَ: سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ والحسَنُ ومكحولٌ والنخَعيُّ. ومَن لم يَقبَلْ شهادةَ القاذفِ أبدًا، جعَلَ الاستثناءَ في الآيةِ عائدًا على الفسقِ فقطْ. * * * * قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٦ - ١٠] بعدَما ذكَرَ اللَّهُ حدَّ الزانيَيْنِ، وعقوبةَ القذفِ، بيَّنَ اللَّهُ تعالى حُكمَ قذفِ الزوجِ لزوجتِه؛ لأنَّ الأمرَ يختلِفُ؛ لأنَّ قذفَ الرجُلِ لعِرضِهِ ثقيلٌ

стр. 1822

عليه وعلى أهلِهِ وولدِه، وأثرُهُ على الزوجةِ وما تَستقبِلُهُ مِن أمرِها ونسَبِ ولدِها عظيمٌ، وقذفُ الأَبعدِينَ بعضِهم بعضًا قد يقعُ كُرْهًا وانتقامًا، ولا يتضرَّرُ القاذفُ، بل يتضرَّرُ المقذوفُ، ولكنَّ الزوجَيْنِ يتضرَّرانِ جميعًا، فجعَلَ اللَّهُ لقذفِ الزوجِ لزوجتِهِ حُكْمًا خاصًّا يختلِفُ عن أحوالِ القذفِ الأُخرى. سببُ نزولِ لِعانِ الزَّوْجَيْنِ: ويَظهرُ أنَّ سببَ نزولِ هذه الآيةِ كان في هِلَالِ بنِ أُمَيَّةَ وزوجتِهِ، واتَّهَمَ بها شَرِيكَ بنَ سَحْمَاءَ، ومثلُهُ وقَعَ مع عُوَيْمِرٍ العَجْلَانِيِّ وزوجتِه، وكِلا الحديثَيْنِ في "الصحيحَيْنِ"، وفيهما جميعًا: أنَّ اللَّهَ أنزَلَ فيهما؛ ففي قصةِ هلالٍ وزوجتِهِ، قال ابنُ عبَّاسٍ -وهو راوي الخبرِ-: "فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾، فقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ " (١)، وفي قصةِ عُوَيمِرٍ وزوجتِه، قال سهل بن سعدٍ راوي الخبرِ: إِنَّ النبيَّ ﷺ قال لعُوَيمِرٍ: (قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ) (٢). أمَّا حديثُ ابنِ عبَّاسٍ، فقد رواهُ البخاريُّ عنه: أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (البَيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ البَيِّنَةَ؟ ! فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: (البَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ)، فَقَالَ هِلَالٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، إِنِّي لَصَادِقٌ، فَلَيُنزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾، فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَرْسَلَ إلَيْهَا، فَجَاءَ هِلَالٌ فَشَهِدَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أحَدَكُمَا كَاذِبٌ،

стр. 1823

فَهَل مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ )، ثُمَّ قَامَت فَشَهِدَت، فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الخَامِسَةِ وَقَّفُوهَا، وَقَالُوا. إِنَّهَا مُوجِبَةٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ، ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ اليَوْمِ، فَمَضَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (أَبْصِرُوهَا؛ فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ العَيْنَيْنِ، سَابِغَ الأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ)، فَجَاءَت بهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ) (١). وأمَّا حديثُ سهلِ بنِ سعدٍ، فرواهُ الشيخانِ عنه؛ أَنَّ عُوَيْمِرًا العَجْلَانِيَّ جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَاصِمُ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتَهِ رَجُلًا، أَيَقتُلُهُ فَتَقتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَن ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَسأَلَ عَاصِمٌ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسَائِلَ وَعَابَهَا، حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ الَى أَهْلِهِ، جَاءَ عُوَيْمِرٌ، فَقَالَ: يَا عَاصِمُ، مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ عَاصِمٌ: لَم تَأْتِنِي بِخَيْرٍ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا، قَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا، فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَسْطَ النَّاسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا)، قَالَ سَهْلٌ: فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا فَرَغَا، قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٢). وشرَعَ اللَّهُ لِعانَ الزوجَيْنِ لأمرَيْنِ:

стр. 1824

الأولُ: إذا قذَفَ الزوجُ زوجتَهُ بالزِّنى، ولم يأتِ بالشهودِ الأربعةِ على قولِه، فإنَّه يُلاعِنُ لِيَدْرَأَ الحدَّ عن نفسِه. والثاني: أن يُرِيدَ نفيَ الولدِ الذي وضَعَتْهُ زوجتُهُ عنه. وقد اختلَفَ الفقهاءُ في اشتراطِ تقييدِ قذفِ الزوجِ لزوجتِهِ بمُشاهدتِهِ لها على الفاحشةِ على قولَيْنِ: فذهب مالكٌ: إلى اشتراطِ تقييدِ رؤيتِهِ لها على الفاحشةِ؛ وذلك لظاهِرِ قصةِ هلالِ بنِ أُميَّةَ مع زوجتِهِ، وقصةِ عُوَيمِرٍ العَجْلانيِّ مع زوجتِه. والذي عليه جمهورُ الفقهاءِ: عدمُ اشتراطِ هذا القيدِ، ولا يَلزَمُ أن يكونَ الزوجُ مُقِرًّا برؤيتِهِ لزِنَى زوجتِهِ حتى يُقبَلَ منه اللِّعانُ؛ لأنَّه قد يُلاعِنُ لنفي الولدِ، فيَرَى أنَّه ليس بولدِه، كأنْ يَدَّعِيَ أنَّه لم يَطَأْ زوجتَهُ مطلَقًا؛ لمرَضٍ، أو ضَعْفٍ وعجزٍ، أو هجرٍ، أو غيابٍ بسجنٍ، أو هجرةٍ ونفيٍ عنها، فحمَلَتْ ولم يرَ زوجتَهُ على الزِّنى، لكنَّه أراد نفيَ الولدِ، فيُلاعِنُهَا على قذفِهِ لها؛ لأنَّه لا يقعُ حملٌ إلَّا بوَطْءٍ، والوطءُ: إمَّا مِن نِكَاحٍ، وإمَّا مِن سِفاحٍ. وقد اختُلِفَ في آيةِ اللِّعانِ وكونِها مخصِّصةً لآيةِ القذفِ أم مؤسِّسةً لحُكْمٍ جديدٍ: فذهَب جماعةٌ: إلى أنَّ آيةَ القذفِ عامَّةٌ لكلِّ فاذفٍ ولو كان زوجًا لزوجتِه، ثمَّ خصَّصَ اللَّهُ قذفَ الزوجِ لزوجتِه بآيةِ اللِّعانِ. ومنهم: مَن قال: إنَّ آيةَ القذفِ نزَلَتْ ولم يدخُلْ فيها الزوجانِ ابتداءً، فقذفُ الزوجِ لزوجتِه له حُكْمُهُ بآيتِه. وذهَب آخَرونَ: إلى أنَّ آيةَ اللِّعانِ مخصِّصةٌ لآيةِ القذفِ، وأنَّ آيةَ القذفِ يدخُلُ فيها الزوجانِ قبلَ نزولِ اللِّعانِ المخصِّصِ لهما؛ وذلك لقولِ النبيِّ ﷺ لهلالِ بنِ أميَّةَ: (البَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ)، فقال هلالٌ:

стр. 1825

"وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، إِنِّي لَصَادِقٌ، فَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الحَدِّ"، قال ابنُ عبَّاسٍ: "فَنَزَلَ جِبْرِيلُ" (١)، فأَجْرَى النبيُّ ﷺ حالَ هلالٍ مجرَى كلِّ قاذفٍ، وهو الحدُّ. وقد قال بعمومِ آيةِ اللِّعانِ في كلِّ زوجٍ قاذفٍ مسلمٍ أو كافرٍ، حرٍّ أو عبدٍ: مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ في روايةٍ. وقال بأنَّها خاصَّةٌ بالزوجَيْنِ المُسلِمَينِ الحرَّيْنِ العدلَيْنِ أبو حنيفةَ، وجعَلَ الشروطَ في المتلاعنَيِنِ كالشروطِ في الشهودِ؛ وذلك أنَّ اللَّهَ سمَّاهما شهودًا في قولِه تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾؛ فكلُّ ما لا تصحُّ شهادتُهُ لا يصحُّ لِعانُهُ عندَهُ لأجلِ ذلك، ولكنَّ اللَّهَ يُسمِّي اليمينَ شهادةً، كما قال تعالى عن المُنافِقينَ: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١]، ثمَّ سمَّى اللَّهُ فِعلَهم بعدَ ذلك يمينًا بقولِه: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢]. مَرَاحِلُ قَذْف الزَّوْجِ لزوجتِهِ: وقذفُ الزوجِ لزوجتِهِ على مراحلَ خمسٍ: المرحلةُ الأُولى: طلبُ الشهودِ؛ وبهذا يتَّفقُ الزوجُ مع غيرِهِ مِن الناسِ الذي يقَعونَ في القذفِ، فكلُّهم يُطالَبُ بأربعةِ شهداءَ لإثباتِ قولِهِ؛ يَشهَدونَ أنَّهم رأَوُا الفاحشةَ بأعينهم رأوُا الوطءَ الصريحَ كالمِيلِ في المُكْحُلَةِ، فإن جاءَ الزوجُ بالشهودِ، أُقِيمَ الحدُّ على الزوجةِ، وهو الرجمُ، ولا تُطالَبُ بالشهادةِ لنفسِها، ولا يَدْرَأُ عنها العذابَ شيءٌ، بعدَ بيِّنِة الشهودِ، ويَنتهي أمرُ القذفِ بذلك. خلافًا للشافعيِّ، فإنَّه يَرى أنَّها تَدفَعُ عن نفسِها العذابَ بالشهادةِ
следующие страницы →