← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

﴿أَبَدًا﴾، ولكنَّ هذا الإطلاقَ قُيِّدَ بعدَهُ بقولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾؛ والاستثناءُ عائدٌ على الشهادةِ والفسقِ جميعًا. ويُشترَطُ للتوبةِ إظهارُها بعملٍ صالحٍ، وأمَّا حديثُ: (لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلَا مَحْدُودٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ)، فقد رواهُ أحمدُ وغيرُهُ؛ مِن حديثِ عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه (١)، ولا يصحُّ، والرُّواةُ عن عمرٍو متكلَّمٌ فيهم، ولو صحَّ فهو كعمومِ الآيةِ يُقيَّدُ بزوالِ العلةِ، وهي عدمُ التوبةِ. وبقَبُولِ شهادتِهِ بعدَ توبتِه أخَذَ عمرُ بنُ الخطَّابِ وابنُ عبَّاسٍ وابنُ المسيَّبِ وعطاءٌ وطاوُسٌ ومجاهدٌ والشَّعْبيُّ وقتادةُ. وذهَب الى عدمِ قَبُولِها مِن السلفِ ما دام حيًّا وإنْ تابَ: سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ والحسَنُ ومكحولٌ والنخَعيُّ. ومَن لم يَقبَلْ شهادةَ القاذفِ أبدًا، جعَلَ الاستثناءَ في الآيةِ عائدًا على الفسقِ فقطْ. * * * * قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٦ - ١٠] بعدَما ذكَرَ اللَّهُ حدَّ الزانيَيْنِ، وعقوبةَ القذفِ، بيَّنَ اللَّهُ تعالى حُكمَ قذفِ الزوجِ لزوجتِه؛ لأنَّ الأمرَ يختلِفُ؛ لأنَّ قذفَ الرجُلِ لعِرضِهِ ثقيلٌ

стр. 1822

عليه وعلى أهلِهِ وولدِه، وأثرُهُ على الزوجةِ وما تَستقبِلُهُ مِن أمرِها ونسَبِ ولدِها عظيمٌ، وقذفُ الأَبعدِينَ بعضِهم بعضًا قد يقعُ كُرْهًا وانتقامًا، ولا يتضرَّرُ القاذفُ، بل يتضرَّرُ المقذوفُ، ولكنَّ الزوجَيْنِ يتضرَّرانِ جميعًا، فجعَلَ اللَّهُ لقذفِ الزوجِ لزوجتِهِ حُكْمًا خاصًّا يختلِفُ عن أحوالِ القذفِ الأُخرى. سببُ نزولِ لِعانِ الزَّوْجَيْنِ: ويَظهرُ أنَّ سببَ نزولِ هذه الآيةِ كان في هِلَالِ بنِ أُمَيَّةَ وزوجتِهِ، واتَّهَمَ بها شَرِيكَ بنَ سَحْمَاءَ، ومثلُهُ وقَعَ مع عُوَيْمِرٍ العَجْلَانِيِّ وزوجتِه، وكِلا الحديثَيْنِ في "الصحيحَيْنِ"، وفيهما جميعًا: أنَّ اللَّهَ أنزَلَ فيهما؛ ففي قصةِ هلالٍ وزوجتِهِ، قال ابنُ عبَّاسٍ -وهو راوي الخبرِ-: "فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾، فقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ " (١)، وفي قصةِ عُوَيمِرٍ وزوجتِه، قال سهل بن سعدٍ راوي الخبرِ: إِنَّ النبيَّ ﷺ قال لعُوَيمِرٍ: (قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ) (٢). أمَّا حديثُ ابنِ عبَّاسٍ، فقد رواهُ البخاريُّ عنه: أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (البَيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ البَيِّنَةَ؟ ! فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: (البَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ)، فَقَالَ هِلَالٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، إِنِّي لَصَادِقٌ، فَلَيُنزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾، فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَرْسَلَ إلَيْهَا، فَجَاءَ هِلَالٌ فَشَهِدَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أحَدَكُمَا كَاذِبٌ،

стр. 1823

فَهَل مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ )، ثُمَّ قَامَت فَشَهِدَت، فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الخَامِسَةِ وَقَّفُوهَا، وَقَالُوا. إِنَّهَا مُوجِبَةٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ، ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ اليَوْمِ، فَمَضَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (أَبْصِرُوهَا؛ فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ العَيْنَيْنِ، سَابِغَ الأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ)، فَجَاءَت بهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ) (١). وأمَّا حديثُ سهلِ بنِ سعدٍ، فرواهُ الشيخانِ عنه؛ أَنَّ عُوَيْمِرًا العَجْلَانِيَّ جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَاصِمُ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتَهِ رَجُلًا، أَيَقتُلُهُ فَتَقتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَن ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَسأَلَ عَاصِمٌ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسَائِلَ وَعَابَهَا، حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ الَى أَهْلِهِ، جَاءَ عُوَيْمِرٌ، فَقَالَ: يَا عَاصِمُ، مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ عَاصِمٌ: لَم تَأْتِنِي بِخَيْرٍ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا، قَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا، فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَسْطَ النَّاسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا)، قَالَ سَهْلٌ: فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا فَرَغَا، قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٢). وشرَعَ اللَّهُ لِعانَ الزوجَيْنِ لأمرَيْنِ:

стр. 1824

الأولُ: إذا قذَفَ الزوجُ زوجتَهُ بالزِّنى، ولم يأتِ بالشهودِ الأربعةِ على قولِه، فإنَّه يُلاعِنُ لِيَدْرَأَ الحدَّ عن نفسِه. والثاني: أن يُرِيدَ نفيَ الولدِ الذي وضَعَتْهُ زوجتُهُ عنه. وقد اختلَفَ الفقهاءُ في اشتراطِ تقييدِ قذفِ الزوجِ لزوجتِهِ بمُشاهدتِهِ لها على الفاحشةِ على قولَيْنِ: فذهب مالكٌ: إلى اشتراطِ تقييدِ رؤيتِهِ لها على الفاحشةِ؛ وذلك لظاهِرِ قصةِ هلالِ بنِ أُميَّةَ مع زوجتِهِ، وقصةِ عُوَيمِرٍ العَجْلانيِّ مع زوجتِه. والذي عليه جمهورُ الفقهاءِ: عدمُ اشتراطِ هذا القيدِ، ولا يَلزَمُ أن يكونَ الزوجُ مُقِرًّا برؤيتِهِ لزِنَى زوجتِهِ حتى يُقبَلَ منه اللِّعانُ؛ لأنَّه قد يُلاعِنُ لنفي الولدِ، فيَرَى أنَّه ليس بولدِه، كأنْ يَدَّعِيَ أنَّه لم يَطَأْ زوجتَهُ مطلَقًا؛ لمرَضٍ، أو ضَعْفٍ وعجزٍ، أو هجرٍ، أو غيابٍ بسجنٍ، أو هجرةٍ ونفيٍ عنها، فحمَلَتْ ولم يرَ زوجتَهُ على الزِّنى، لكنَّه أراد نفيَ الولدِ، فيُلاعِنُهَا على قذفِهِ لها؛ لأنَّه لا يقعُ حملٌ إلَّا بوَطْءٍ، والوطءُ: إمَّا مِن نِكَاحٍ، وإمَّا مِن سِفاحٍ. وقد اختُلِفَ في آيةِ اللِّعانِ وكونِها مخصِّصةً لآيةِ القذفِ أم مؤسِّسةً لحُكْمٍ جديدٍ: فذهَب جماعةٌ: إلى أنَّ آيةَ القذفِ عامَّةٌ لكلِّ فاذفٍ ولو كان زوجًا لزوجتِه، ثمَّ خصَّصَ اللَّهُ قذفَ الزوجِ لزوجتِه بآيةِ اللِّعانِ. ومنهم: مَن قال: إنَّ آيةَ القذفِ نزَلَتْ ولم يدخُلْ فيها الزوجانِ ابتداءً، فقذفُ الزوجِ لزوجتِه له حُكْمُهُ بآيتِه. وذهَب آخَرونَ: إلى أنَّ آيةَ اللِّعانِ مخصِّصةٌ لآيةِ القذفِ، وأنَّ آيةَ القذفِ يدخُلُ فيها الزوجانِ قبلَ نزولِ اللِّعانِ المخصِّصِ لهما؛ وذلك لقولِ النبيِّ ﷺ لهلالِ بنِ أميَّةَ: (البَيِّنَةَ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ)، فقال هلالٌ:

стр. 1825

"وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، إِنِّي لَصَادِقٌ، فَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الحَدِّ"، قال ابنُ عبَّاسٍ: "فَنَزَلَ جِبْرِيلُ" (١)، فأَجْرَى النبيُّ ﷺ حالَ هلالٍ مجرَى كلِّ قاذفٍ، وهو الحدُّ. وقد قال بعمومِ آيةِ اللِّعانِ في كلِّ زوجٍ قاذفٍ مسلمٍ أو كافرٍ، حرٍّ أو عبدٍ: مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ في روايةٍ. وقال بأنَّها خاصَّةٌ بالزوجَيْنِ المُسلِمَينِ الحرَّيْنِ العدلَيْنِ أبو حنيفةَ، وجعَلَ الشروطَ في المتلاعنَيِنِ كالشروطِ في الشهودِ؛ وذلك أنَّ اللَّهَ سمَّاهما شهودًا في قولِه تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾؛ فكلُّ ما لا تصحُّ شهادتُهُ لا يصحُّ لِعانُهُ عندَهُ لأجلِ ذلك، ولكنَّ اللَّهَ يُسمِّي اليمينَ شهادةً، كما قال تعالى عن المُنافِقينَ: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١]، ثمَّ سمَّى اللَّهُ فِعلَهم بعدَ ذلك يمينًا بقولِه: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢]. مَرَاحِلُ قَذْف الزَّوْجِ لزوجتِهِ: وقذفُ الزوجِ لزوجتِهِ على مراحلَ خمسٍ: المرحلةُ الأُولى: طلبُ الشهودِ؛ وبهذا يتَّفقُ الزوجُ مع غيرِهِ مِن الناسِ الذي يقَعونَ في القذفِ، فكلُّهم يُطالَبُ بأربعةِ شهداءَ لإثباتِ قولِهِ؛ يَشهَدونَ أنَّهم رأَوُا الفاحشةَ بأعينهم رأوُا الوطءَ الصريحَ كالمِيلِ في المُكْحُلَةِ، فإن جاءَ الزوجُ بالشهودِ، أُقِيمَ الحدُّ على الزوجةِ، وهو الرجمُ، ولا تُطالَبُ بالشهادةِ لنفسِها، ولا يَدْرَأُ عنها العذابَ شيءٌ، بعدَ بيِّنِة الشهودِ، ويَنتهي أمرُ القذفِ بذلك. خلافًا للشافعيِّ، فإنَّه يَرى أنَّها تَدفَعُ عن نفسِها العذابَ بالشهادةِ

стр. 1826

واللَّعْنةِ ولو أتى الزوجُ بالشهودِ عليها، ففَرْقٌ بينَ شهودِ الزوجِ على زوجتِهِ وبينَ شهودِ الرَّجُلِ الأجنبيِّ عليها؛ فشهودُ الأجنبيِّ يُقامُ به عليها الحدُّ بالإجماعِ، وأمَّا شهودُ زوجِها، فاستثناهُمُ الشافعيُّ في حُكْمِ اللِّعانِ. وأمَّا إنْ كان لدى الزوجِ شهودٌ، فهل له أن يختارَ اللِّعَانَ ويَدَعَ إقامةَ البيِّنِة، ليتحقَّقَ نفيُ الولدِ، ويُرفَعَ عنها الحدُّ فلا تُرجَمَ؟ فقد اختُلِفَ في ذلك: وقد ذهَب مالكُ والشافعيُّ: إلى أنَّه يَحِقُّ للزوجِ اختيارُ اللِّعَانِ وإن قامَتِ البيِّنةُ عندَه بالشهودِ. وذهَبَ أبو حنيفة وداوُد: إلى عدَمِ جوازِ اللِّعانِ إن قامَتِ البيِّنةُ بالشهودِ على زِناها. المرحلة الثانيةُ: إذا لم يكنْ لدى الزوجِ شهودٌ على قَذْفِهِ لزوجتِه؛ فإنَّه يُطلبُ منه الشهادةُ لنفسِهِ بالصِّدْقِ أربعًا، ويَلعَنُ في الخامسةِ نفسَهُ إنْ كان كاذبًا، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، وشهادتُهُ ولعنُهُ لنفسِهِ ليس بيِّنةً على زوجتِهِ بوقوعِها في الفاحشةِ، ولكنَّه يَرفَعُ عنه الحدَّ فقطْ، وقد يكونُ كاذبًا وقد يكونُ صادقًا. وإنِ امتنَعَ الزوجُ عن الشهادةِ واللعنِ، فإنَّه يُجلَدُ حدَّ القذفِ ثمانينَ جَلْدةً؛ كما يُجلَدُ كلُّ قاذفٍ بلا بيِّنةٍ؛ وبهذا قال جمهورُ العلماءِ. خلافًا لأبي حنيفةَ؛ فإنَّه رأَى تعزيرَهُ بحبسٍ، ولم يجعلْ في نُكُولِهِ حَدًّا؛ لعدمِ النصِّ عليه، ولكنَّه معنًى ثْبَتَ بدَلَالةِ السياقِ بلا نصٍّ، بدَلَالةِ ذِكْرِ اللَّهِ نُكُولَ المرأةِ أنَّه يُوجِبُ الحَدَّ عليها بقولِهِ تعالى، ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ وظاهرُ السياقِ: أنَّ الشهادةَ تَدرأُ عنه العذابَ كذلك.

стр. 1827

المرحلةُ الثالثةُ: طلبُ الشهادةِ مِن الزوجةِ بعدَ شهادةِ الزوجِ لتُبرِّئَ نَفْسَها مِن تُهَمَتِه، فإنْ شهِدَت على زوجِها بالكذبِ أربعًا، وشَهِدَت في الخامسةِ أنَّ عليها الغضبَ إنْ كان زوجُها صادقًا-: بَرِئَتْ مِن الحدِّ؛ وذلك قولُه تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾. وإن لم تَشهَدْ على نفسِها، وامتنعَتْ ناكِلةً، فقد اختُلِفَ في الحدِّ المقصودِ في قولِه تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾: فجمهورُ العلماءِ: على أنَّ المرادَ بالعذابِ هو حدُّ الزِّنى. خلافًا لأبي حنيفةَ؛ فإنَّه لم يَجعَلِ العذابَ في الآيةِ حَدًّا؛ وإنَّما جعَلَهُ تعزيرًا فقال بحَبْسِها حتى تُلاعِنَ، ودفَعَ عنها الدمَ بأنَّ الأصلَ عِصْمةُ الدمِ؛ كما في حديثِ: (لَا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسْلِمٍ) (١)، ولا بدَّ مِن بيِّنةٍ، والنكولُ ليس ببيِّنةٍ تُوجِبُ سفكَ الدمِ، وإلى قولِهِ ذهَبَ بعضُ الفقهاءِ مِن الشافعيَّةِ؛ كالجُوَيْنِيِّ، وبعضُ الفقهاءِ مِن المالكيَّةِ؛ كابنِ رشدٍ. ولا يختارُ الموتَ ويترُكُ اليمينَ في مِثلِ هذه الحالِ إلَّا مَن قام الحقُّ عليه، ومنَعَهُ مِن اليمينِ عاقبتُها وشؤمُها في الدارَيْنِ. المرحلة الرابعةُ: التفريقُ بينَ المتلاعنَيْنِ بعدَ اللِّعانِ؛ وذلك لقولِهِ ﷺ لعُوَيمِرٍ العَجلَانِيِّ: (لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا) (٢)، وقد اختلَفَ العلماءُ في سببِ التفريقِ: هل هو حُكْمٌ لازِمٌ في الشرعِ فيكونَ أبديًّا، أو لأجلِ حُكْمِ الحاكمِ فيه؟ على قولَيْنِ: قال بالتفريقِ شرعًا مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ، وقال بالتفريقِ بحُكْمِ الحاكمِ أبو حنيفةَ.

стр. 1828

نَفْيُ الوَلَدِ باللِّعَانِ: المرحلة الخامسةُ: نفيُ الولدِ؛ فلا خلافَ أنَّ الزوجَينِ إنْ لم يتلاعَنَا بعدَ قذفِ الزوجِ لزوجتِه، فإنَّ الولدَ لا يُنفى؛ بل يَبقى نسَبُهُ لأبيه، ولو قذَفَ أُمَّهُ به، فالولدُ للفِرَاشِ حتى يُلاعِنَ صاحبُه، وقد ثبَت في "الصحيحَيْنِ"، عن أبي هريرةَ؛ أَنَّ أعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَت غُلَامًا أَسْوَدَ، وَإنِّي أَنْكَرْتُهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ )، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (فَمَا أَلْوَانُهَا؟ )، قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: (هَل فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ )، قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقَا، قَالَ: (فَأَنَّى تُرَى ذَلِكَ جَاءَهَا؟ )، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِرْقٌ نَزَعَهَا، قَالَ: (وَلَعَلَّ هَذَا عِرْقٌ نَزَعَهُ)، وَلَم يُرَخِّصْ لَهُ فِي الِانْتِفَاءِ مِنْهُ (١). وفي روايةٍ لمسلمٍ؛ قال أبو هُرَيرةَ في الرجُلِ: "وَهُوَ حِينَئِذٍ يُعَرِّضُ بِأَنْ يَنْفَيَهُ" (٢). وإذا لاعَنَ الزوجُ زوجتَهُ، فإنَّه لا يَلزَمُ مِن اتِّهامِ زوجتِهِ بالزِّنى أنْ يَجعَلَ ما في بطنها مِن الزِّنى؛ فإنَّ قذفَه لها وملاعنتَهُ قد يكونُ لأجلِ الوقوعِ في الفاحشةِ، لا لأجلِ الولدِ، وربَّما يكون لأجلِ الولدِ ولو لم يَرَها تَفعَل شيئًا بعينِه، فإنْ كاد الزوجُ لا يُريدُ نفيَ الولدِ، فإنَّه لا يَنتفي، ويَبقى ولدَهُ ولو بعدَ اللِّعانِ. وأمَّا إنْ كان يُريدُ نفيَهُ، فالثابتُ أنَّه يَنفيهِ بعدَ اللِّعَانِ، وهذا طاهرُ السُّنَّةِ؛ ففي "الصحيحَيْنِ"، عن ابنِ عمرَ ﵄، أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا، فَفَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا، وَأَلْحَقَ الوَلَدَ بِالمَرْأَةِ (٣).

стр. 1829

وصحَّ إلحاقُ الولدِ بأمِّه عن ابنِ عبِّاسٍ؛ رواهُ عنه عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ (١). ولا وجهَ للقولِ بأنَّ الولدَ لا ينتفي مِن أبيهِ إنْ أرادَ نفيهُ باللِّعانِ، بحُجَّةِ أنَّ كلَّ واحدٍ مِن الزوجَيْنِ شَهِدَ على نفسِهِ بالصِّدْقِ ولعَنَ نفسَهُ إنْ كان كاذبًا؛ وذلك لأمورٍ: أولًا: أنَّ الشهادةَ لِدَرْءِ الحدِّ عن الزوجَينِ؛ فالزوجُ يَشهدُ ليَدفعَ عن نفسِه حدَّ القذفِ، والزوجةُ تَشهدُ لتَدرأ عنها حدَّ الزِّنى؛ كما هو في ظاهرِ الآيةِ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، والولدُ لا يتعلَّق حُكْمُهُ بمجرَّدِ وقوعِ التلاعُنِ بينَهما؛ لأنَّ القذفَ قد يكونُ لأجلِ الفاحشةِ، وقد يكونُ لأجلِ نفيِ الولدِ، فربَّما يتَّهِمُ الزوجُ زوجتَهُ بالفاحشةِ ولا يتَّهِمُها بولدِها. ثانيًا: أنَّ أعظَمَ أسابِ المُلاعَنةِ نفيُ الولدِ، وقد قال ابنُ القيِّم: "إنَّه أجَلُّ فوائدِ اللِّعانِ" (٢). وأكثرُ الناسِ لو رأى زوجتَهُ على فاحشةٍ ولا يَخشى الولدَ منها ولا يُرِيدُها، فَارَقَها؛ لأنَّه بعدَ فذفِهِ ثمَّ مُلاعَنتِهِ لها لا يتحقَّقُ له إلَّا المُفارَقةُ منها، وهذا يستطيعُهُ بلا قذفٍ ولا لِعانٍ؛ بطلاقٍ أو خُلْعٍ، فلا حاجةَ له إلى تقحُّمِ القذفِ واللِّعانِ والتشهيرِ بنفسِهِ وزوجِهِ وولدِهِ السابقِ منها وهو قادرٌ على المُفارَقةِ لو لم يكنْ ولدٌ، والحقُّ وظاهرُ الدليلِ: أنَّ نفيَ الولدِ حقٌّ للزَّوْجِ؛ فله أن يَنفيَهُ وله أن يُبقيَهُ، وأمَّا حقُّ زوجتِهِ مِن اللِّعانِ، فتَدْرَأُ عن نفسِها العذابَ، ويَلحَقُ الولدُ بها، ولا يؤخَذُ منها لمجرَّدِ نفيِ أبيهِ له؛ كما ثبَتَ في "الصحيحِ"، في ولدِ زوجةِ عُوَيْمِرٍ، قال سهلٌ: "فَكَانَ بَعْدُ يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ" (٣)، وفي "المسنَدِ"، وعندَ أبي داودَ؛ مِن حديثِ

стр. 1830

ابنِ عبَّاسٍ؛ قال في قصةِ هلالِ بنِ أميَّةَ وزوجتِهِ وولدِها: "فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا، وَقَضَى أَلَّا يُدْعَى وَلَدُهَا لِأبٍ، وَلَا تُرْمَى، وَلَا يُرْمَى وَلَدُهَا، وَمَن رَمَاهَا أَوْ رَمَى وَلَدَهَا، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ" (١). ثالثًا: لو كان الزوجُ لا يَقدِرُ على نفيِ الولدِ بعدَ اللِّعَانِ لمجرَّدِ شهادةِ الزوجةِ ومُلاعَنتِها، فهذا يُبقهِ منسوبًا إله وهو في عِلْمِهِ أنَّه ليس ولدَهُ، وهذا مَجْلَبةٌ لمَفاسِدَ عظيمةٍ لاحِقةٍ بينَهُ وبينَ زوجِهِ والولدِ، والشريعةُ ما جاءت باللِّعانِ إلَّا لتُغلِقَ البابَ على شرٍّ وفتنةٍ طويلةٍ. وأمَّا ما جاء في قصةِ هلالِ بنِ أميَّةَ وزوجِهِ؛ حيثُ قال النبيُّ ﷺ : (أَبْصِرُوهَا؛ فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ العَيْنَيْنِ، سَابغَ الآليَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَينِ، فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ) (٢)، وما جاء في قصةِ عُوَيْمِرٍ وزوجِهِ؛ حيثُ قال النبيُّ ﷺ : (انْظُرُوا؛ فَإنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ، أَدْعَجَ العَيْنَيْنِ، عَظِيمَ الأَلْيَتَينِ، خَدَلَّجَ السَّاقَينِ، فَلَا أَحْسِبُ عُوَيمِرًا إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَت بِهِ أُحَيْمِرَ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ، فَلَا أَحْسِبُ عُويمِرًا إِلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا) (٣)، فإنَّ النبيَّ ﷺ لم يُرِدْ بالأَشْبَاهِ أنَّ إلحاقَ الولدِ غيرُ مُعتبِرٍ باللِّعانِ فيه، فذلك لم يَفهَمْه أحدٌ مِن الصحابةِ؛ وإنَّما أراد النبيُّ ﷺ بيانَ الصادقِ مِن الكاذبِ، وأنَّ الشهادةَ واللعنَ تَدرأُ عن صاحِبِها الحَدَّ ولو قامَتِ القرائنُ عليه، ولو كانتِ الأشباهُ تُلحِقُ النَّسَبَ، لَمَا رَدَّ النبيُّ ﷺ الرجُلَ لاختلافِ لونِ ولدِهِ عنه، فذكَّرَهُ باختلافِ ألوانِ إبلِه. والعلماءُ يتَّفقونَ على أنَّ الزوجَ يَنتفي ولدُهُ بعدَ اللعانِ إنْ كان لِعانُهُ لها لأجلِ نفي الولدِ؛ وإنَّما الخلافُ عندَهم في زمنِ نفي الولدِ.

стр. 1831

والصحيحُ: أنَّ اللعانَ يكونُ حالَ الحَمْلِ وقبلَ الوضعِ في قولِ جمهورِ العلماءِ. خلافًا لأبي حنيفةَ وصاحبَيْه والمُزَنِيِّ، فقد منَعوا مِن اللِّعانِ قبلَ الوضعِ. وظاهرُ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ وسهلٍ: أنَّ اللِّعانَ كان زمنَ الحَمْلِ لا الوضعِ. وأمَّا حديثُ: (الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَللْعَاهِرِ الحَجَرُ) (١)، فهو في غيرِ لِعانِ الزوجِ لزوجِتهِ لنفي الولدِ، والفِراشُ قد ارتفَعَ باللِّعانِ، ولو لم يكنْ لعانٌ، لكان الولدُ له. ومَن أرادَ نفيَ الولدِ، ولم يَتَّهِمْ زوجتَهُ بالزِّنى، فقال: الولدُ ليس لي، ولا أتَّهِمُها بزِنًى، فقد اختلَفَ العلماءُ في ذلك على قولَيْنِ، هما قولانِ للشافعيِّ، وروايتانِ عن أحمدَ: الأُولى: أنَّهما يَتلاعَنانِ، ويَنتفي الولدُ. والثانيةُ: أنَّه لا لعانَ، والولدُ للفِراشِ. قَذْفُ الزوجةِ لزوجِها: وإذا قذَفتِ الزوجةُ زوجَها، فهي تأخُذُ أحكامَ القذفِ لا اللِّعانِ؛ لأنَّ اللِّعانَ خاصٌّ بقذفِ الزوجِ لزوجتِه؛ كما في الآيةِ والأحاديثِ، لا بقذفِ الزوجةِ لزوجِها؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾. * * *

стр. 1832

* قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩]. حرَّم اللَّهُ إشاعةَ الفاحشةِ، وبيَّنَ عاقبةَ مشِيعِها في العاجلِ والآجلِ؛ وذلك أنَّ إشاعةَ الفاحشةِ بينَ الناسِ؛ بالحديثِ عنها، وبتحبيبِها إليهم، وتزيينِها لهم: أعظَمُ مِن فعلِ الرَّجُلِ الفاحشةَ في نفسِها مستتِرًا بها؛ وذلك لأنَّ الأشاعةَ تُفسِدُ جماعةً مِن الناسِ وتُوقِعُهم فيها، فيأخُذُ المُشِيعُ إِثْمَهم جميعًا، وفاعلُ الفاحشةِ يأخُدُ إثمَ نفسِه. وإشاعةُ الفاحشةِ محرَّمٌ ولو كانتْ صحيحةً، كمَن يتحدَّثُ عن واقعةِ فُحْشٍ بينَ الناسِ وان لم يُسَمِّ أهلَها، فلا يَحِلُّ له ذلك ولو كان صادقًا، فالشريعةُ لم تَنْهَ عن إشاعةِ الفاحشةِ لكونِها كذبًا؛ بل نَهَتْ عنها؛ حتى لا يُرقِّقَ ذلك النفوسَ عن تعظيمِ الحرامِ وتبشيعِهِ؛ فإنَّ الحديثَ عن الفاحشةِ يُشوِّفُ إليها ويُهوِّنُها، وقد أخرَجَ ابنُ أبي حاتمٍ، عن عطاءٍ؛ قال: "مَن أشاعَ الفاحشةَ، فعليه النَّكَالُ، وإنْ كان صادقًا" (١). إشاعةُ الفاحشةِ وسَبَبُ عَدَمِ جعلِ الشريعةِ لها حَدًّا: وإشاعةُ الفاحشةِ تعظُمُ بمقدارِ إشاعتِها بينَ الناسِ، وعَدَدِ مُتلقِّيها، وحجمِ تأثيرِها فيهم؛ وهذا هو السببُ في أنَّ الشريعةَ لم تَجْعَلْ حدًّا لإشاعةِ الفاحشةِ؛ لأنَّها تختلِفُ، ولا تنضبِطُ؛ فبينَ يسيرِها وجليلِها كما بينَ المشرِقِ والمغرِبِ، بخلافِ بقيَّةِ الآثامِ التي وضَعَتِ الشريعةُ لها حَدًّا كالزِّنى والسَّرِقةِ والقتلِ وشربِ الخَمرِ وغيرِها، فأوصافُها محدودةٌ مضبوطةٌ، ولو وضَعَتِ الشريعةُ حَدًّا لإشاعةِ الفاحشةِ، لوُصِفَتِ الشريعةُ

стр. 1833

بالتناقُضِ ومساواةِ ما لا يَتشابَهُ في الصورةِ في العقوبةِ، ولاستَوَتْ إشاعةُ الفاحشةِ في مَجلِسٍ فيه واحدٌ مع إشاعتِها في وسائلَ إعلاميَّةٍ يُشاهِدُها ألوفٌ مؤلَّفةٌ؛ ولهذا كانت عقوبةُ إشاعةِ الفاحشةِ التعزيرَ؛ تَبدأُ بأدنى العقوباتِ، وتَننهي بأشَدِّها؛ وهو القتلُ والصَّلْبُ. وتعظيمُ إشاعةِ الفاحشةِ الذي تُقدَّرُ به عقوبةُ المُشِيعِ لها تعزيرًا - مرتهِنٌ بأمورٍ ثلاثةٍ: الأولُ: نوعُ الفاحشةِ المُشاعةِ؛ فالفواحشُ تختلِفُ في نوعِها؛ منها الصريحُ، ومنها الكنايةُ، ويختلِفُ الصريحُ منها في نوعِه، منه ما يُخالِفُ الفِطْرةَ كاللِّواطِ والسُّحَاقِ ونكاحِ المَحارمِ ونحوِه، ومنه ما يُوافِقُ الفِطْرةَ مِن وجهِ ويُخالِفُها مِن وجهٍ؛ كمَيْلِ الجنسينِ بعضِهما إلى بعضٍ؛ فهذا يُوافِقُ الفِطْرةَ مِن هذا الوجهِ، ويُخالِفُها إذا كان الميلُ بغيرِ ما أحَلَّ اللَّهُ كالزِّنى. وقد يكونُ فعلُ الرَّجُلِ ما أحَل اللَّهُ له علانيَةً مِن إشاعةِ الفاحشةِ؛ لأنَّ اللَّهَ ما جعَلَ كلَّ حلالٍ يجوزُ المُجاهَرةُ به، فإذا فعَلَ الرجلُ مع زوجتِهِ في الأسواقِ والطُّرُقاتِ ما يُستحْيَا منه ولا يُفعَلُ إلَّا في البيوتِ، عُوقِبَ على ذلك ولو كانت زوجتَهُ؛ لأنَّ هذا يدفعُ الناسَ إلى تقليدِهِ ومحاكاتِه، ويدفعُ مَن يَتَّخِذ أَخْدَانًا أن يفعلَ مِثلَ فعلِه؛ فإنَّ المحرَّماتِ تبدأُ مِن المكروهاتِ، ولا تفسُدُ أخلاقُ الأُممِ إلَّا بعدَ سقوطِ سُورِ المروءاتِ؛ فليس كلُّ المروءاتِ واجبةً؛ ولكنَّها سُورٌ يَحمي النفوسَ مِن الجُرأةِ على الحرامِ. الثاني: مِقْدارُ إشاعتِها؛ فبمقدارِ سَعَةِ إشاعةِ الفاحشةِ تعظُمُ؛ فمَن يُشِيعُها في مجلِسِ غيرُ مَن يُشِيعُها في قريةٍ وبلدٍ، ومَن يُشيعُها في بلدِ غيرُ مَن يُشيعُها في كلِّ بلدٍ، وبمقدارِ سَعَتِها تُغلَّظُ العقوبةُ عليه، واليومَ يَقدِرُ

стр. 1834

كثيرٌ مِن أهلِ الفسادِ على إشاعةِ الفاحشةِ في وسائلَ إعلاميَّةٍ تَصِلُ إلى بُلْدانٍ ودُوَلٍ وملايينِ الناسِ. الثالثُ: مكانُ إشاعتِها؛ فإنَّ إشاعةَ الفاحشةِ في موضعٍ مُعظَّمٍ كالمساجدِ تختلِفُ عن المَجالِسِ، وإشاعتُها في البُلْدانِ المقدَّسةِ كمكَّةَ والمدينةِ وبيت المَقدِسِ تختلِفُ عن غيرِها؛ لأنَّ محادَّةَ اللَّهِ فيها أعظَمُ مِن غيرِها؛ لأن مُقتضى تحريمِ المسجدِ الحرامِ ومُقتضى تعظيمِ المدينةِ وبيتِ المَقْدِسِ والبَرَكةِ فيها: إجلالُها وتعظيمُها والبُعْدُ عن عِصْيانِ اللَّهِ فيها. وقول اللَّهِ تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ آخِرَ الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ اللَّهَ حرَّم إشاعةَ الفاحشةِ وشدَّد فيها؛ لأنَّ لها أثرًا لا يَعلَمُهُ إلَّا هو، وأكثرُ حِكْمَتِهِ غائبةٌ، ولو أدرَكَ الناسُ تمامَ الحِكْمةِ لَسَلَّموا وتيقَّنوا جميعًا بصلاحِ الحُكْمِ، ولكنَّهم يَحْكُمونَ على ما ظَهَر، ويَغِيبُ عنهم ما خَفِيَ مِن الأَثَر. * * * * قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢٧ - ٢٨]. نَهَى اللَّهُ عن دخولِ البيوتِ إلَّا بإذنِ أهلِها؛ فإنَّ لها حُرْمةً وعَوْرةً لا يجوزُ الاطِّلاعُ عليها، حتى وإنْ غلَبَ على ظنِّ الإنسانِ الإذنُ له، أو أنَّه لا يَرَى شيئًا يَكرَهُهُ أهلُها لكونِهم أهلَ احتشامٍ دائمٍ، فهذا لا يجوزُ؛ كما أنَّه لا يجوزُ له أن ينظُرَ مِن ثَقْبِ بابٍ، أو مِن فوقِ سُورٍ بحُجَّةِ أنَّ أهلَهُ أهلُ احتشامٍ دائمٍ! لأنَّ الحُكْمَ تعلَّقَ بالفعلِ ولو لم تُوجَدِ العِلَّةُ.

стр. 1835

وفي قولهِ تعالى: ﴿غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ دَلَالةٌ على أنَّ بيتَ الإنسانِ لا يجبُ عليه الاستئذانُ ممَّن فيه، بل يدخُلُهُ بلا استئذانٍ ممَّن فيه؛ وهذا ظاهرُ قولِهِ تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]. وقولُه تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾: الاستئناسُ؛ يعني: الاسئذانَ مِن أهلِها، وقد قرَأَها ابنُ مسعودٍ وابنُ عبَّاسِ وأبَيٌّ وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: (حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا) (١)، وسُمِّيَ الاستئذانُ استئناسًا؛ لأنَّه يُؤنِسُ صاحبَ الدارِ ويُبعِدُ عنه الوَحْشةَ والوجَلَ والخَوْفَ. حُكْمُ الاستئذانِ عندَ دخولِ البيوتِ وصِفَتُهُ وعددُهُ: وتحريمُ دخولِ البيوتِ إلَّا بالاستئذانِ دليل على وجوب الاستئذانِ، لأنَّ المحرَّمَ الذي لا يُستحَلُّ إلَّا بشرطٍ، فذلك الشرطُ واجبٌ له. والاستئذانُ شُرِعَ لحُرْمةِ الدُّورِ وحُرْمةِ أهلِها، فلا يجوزُ دخولُها بدونِه؛ وقد رَوَى البخاريُّ ومسلمٌ، عن سهلِ بنِ سعدٍ، قال: اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَ النَّبيِّ ﷺ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأسَهُ، فَقَالَ: (لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ، لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ؛ إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِن أَجْلِ البَصَرِ) (٢). وأمَّا صفَة الاستئذانِ عندَ إرادةِ دخولِ البيوتِ، فتكونُ بإيصالِ صوتِ الداخلِ إلى أهلِها مِن غيرِ أن يدخُلَ فيها، ولا أن يَقِفَ وَسَطَ أبوابِها، بل يتنحَّى عنها يمينًا أو شمالًا؛ حتى لا يَرى مَن فيها؛ كما روى أبو داودَ؛ مِن حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ بُسْرٍ؛ قال: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا

стр. 1836

أَتَى بَابَ قَوْمِ، لَمْ يَسْتَقْبِلِ الْبَابَ مِن تِلْقَاءِ وَجْهِهِ، وَلَكِنْ مِن رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ أَوِ الْأَيْسَرِ، وَيَقُولُ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ)؛ وَذَلِكَ أَنَّ الدُّورَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ سُتُورٌ (١). ويكونُ ذلك بطلبِ الإذنِ بالدخولِ؛ كقولِه: (أأدخُلُ)، أو رفعِ الصوتِ بالنحنحةِ، ويدخُل في ذلك كلُّ صوتٍ أو كلامٍ مُشعِرٍ بوجودِ مُستأذِنٍ للدخولِ؛ لاختلافِ أعرافِ أهلِ البُلْدانِ في ذلك. ويكونُ الاستئذانُ ثلاثًا لا أكثَرَ مِن ذلك؛ حتى لا يكونَ مؤذِيًا لهم؛ فقد يكون أهلُ البيتِ نيامًا أو في شُغْلٍ، وفي "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي سعيدٍ؛ قال ﷺ : (إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَليَرْجِعْ) (٢)، وأمَّا إطالةُ الاستئذانِ فوقَ ثلاثٍ، فلا يجوزُ إلَّا مِن ضرورةٍ؛ كنذيرِ القومِ، وصاحِبِ النازلةِ المستجيرِ منها. ورخَّص مالكٌ في الزيادةِ في الاستئذانِ فوقَ ثلاثٍ لمَن عَلِمَ أنَّه لم يُسمَعْ، فلا يَرَى بأسًا أن يَزِيدَ إذا استيقَنَ أنَّه لم يُسمَعْ. ويَلحَقُ بالاستئذانِ ثلاثًا الاتصالُ عبرَ وسائلِ الاتصالِ، فيكونُ ثلاثًا لا يُجاوِزُها؛ لأنَّ الاتصالَ في حُكمِ الاستئذانِ لا يكونُ فوقَ ثلاثٍ. ويسقُطُ الاستئذانُ للدخولِ لِمَنْ دُعِيَ، فجاء مُجِيبًا في الزمانِ والمكانِ الذي دُعِيَ فيه، وقد رَوَى أبو الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ؛ قال: "إذا دُعِيتَ، فهو إِذْنُك؛ فسَلِّمْ ثمَّ ادخُلْ" (٣). وقولُه تعالى: ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ فيه مشروعيَّةُ السلامِ عندَ دخولِ البيوتِ؛ إشعارًا لهم بالأمانِ والطُّمَأْنِينةِ مِن الداخلِ عليهم، وقد تقدَّمَ

стр. 1837

الكلامُ على حُكمِ بَذْلِ السلامِ وأحوالِهِ وفضلِهِ ومَراتبِه عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦]. السلامُ عندَ دخولِ البيوتِ وصفَتُهُ وعددُهُ: ويُشرَعُ السلامُ عندَ دخولِ البيوتِ، ويكونُ ثلاثًا بما يُسمِعُ به أهلَ البيتِ، ما لم يكنْ داخلًا على واحدٍ بعينِهِ ليس في الدارِ غيرُهُ فيكفي مرةً واحدةً، وفي "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ أنس ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا سَلَّمَ، سَلَّمَ ثَلَاثًا، وإذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ، أَعَادَهَا ثَلَاثًا" (١). وفد زار رسولُ اللَّهِ ﷺ سعدَ بنَ عُبَادةَ، فقال: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ)، فلم يَرُدُّوا، ثمَّ قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ)، فلم يَرُدُّوا، ثمَّ قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : (السَّلَامُ عَلَيكُمْ)؛ فانصرَفَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فلمَّا فقَدَ سعدٌ تسليمَهُ، عرَفَ أنَّه قد انصرَفَ، فخرَجَ سعدٌ في أثرِهِ حتى أدرَكَهُ، فقال: وعليكم السَّلَامُ يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما أَرَدْنا أن نَستكثِرَ مِن تسليمِكَ، وقد واللَّهِ سَمِعْنا، فانصرَفَ رسولُ اللَّهِ ﷺ مع سَعْدٍ حتى دخَلَ بيتَه (٢). ولا يكفي الاستئذانُ عن السلامِ، وقد كان السلفُ يَعُدُّونَ السلامَ مِفْتاحَ الدخولِ، والسلامُ قد ينوبُ عن الاستئذانِ، ولكنَّ الاستئذانَ لا ينوبُ عن السلامِ؛ فقد رَوَى عطاءٌ؛ قال: "سمعتُ أبا هريرةَ يقولُ: إذا قال: أأدخلُ؟ ولم يُسلِّمْ، فقل؛ لا، حتى تأتيَ بالمفْتاحِ، قلتُ: السلامُ؟ قال: نَعَمْ"؛ رواهُ البخاريُّ في "الأدبِ" (٣). ورَوَى صالحٌ البغدادي؛ قال: "بَعَثَنِي أَهْلِي الَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ

стр. 1838

بِهَدِيَّةٍ، فَانْتَهَيْتُ إِلَى الْبَابِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقُلْتُ: أَدْخُلُ؟ فَسَكَتَ، ثَلَاثًا، قَالَ: قُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، قَالَ: فَدَخَلْتُ، فَقَالَ: لَمْ أَرَك تَهْتَدِي إِلَى السُّنَّةِ، فَعَلَّمْتُك"؛ رواهُ ابن أبي شَيْبةَ (١). وأمَّا إنْ كان صاحبُ الدارِ قريبًا يَسمَعُ أولَ كلامِ الداخلِ، فيُشرَعُ تقديمُ السلامِ على الاستئذانِ؛ لأنَّ السلامَ هنا أخَذَ حُكْمَ اللقاءِ؛ فقد رَوَى أحمد وأهلُ "السنن"؛ مِن حديثِ رِبْعِيٍّ؛ قال: حدَّثَنا رجلٌ مِن بَني عامرٍ: أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتٍ، فَقَالَ: أَلِجُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِخَادِمِهِ: (اخْرُجْ إِلَى هَذا، فَعَلِّمْهُ الِاسْتِئذَانَ، فَقُلْ لَهُ: قُلِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأدْخُلُ؟ )، فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَدَخَلَ (٢). * * * * قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [النور: ٢٩]. رخَّص اللَّهُ بدخولِ البيوتِ التي لا ساكِنَ لها، وليس المرادُ بذلك أنَّه يجوز دخولُ البيتِ الذي ليس فيه أهلُهُ لسفرٍ أو غيرِه، وإنَّما المرادُ بالبيوتِ غيرِ المسكونةِ التي ليس لها عامِرٌ، أو لها عُمَّارٌ ولكنْ مِن الأماكنِ العامَّةِ التي يسكُنُها الناسُ كالمستَشْفَيَاتِ والمساكنِ المُشاعةِ التي لا تَختَصُّ بساكنٍ. وذكَرَ اللَّهُ جوازَ ذلك بقولِه: ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾، للإشارةِ إلى أنَّ

стр. 1839

الولوجَ والخروجَ في البيوتِ والمساكنِ ولو كانتْ غيرَ مسكونةٍ ينبغي أن يكونَ لسببٍ وحاجةٍ، لا عن فضولٍ. * * * * قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠]. أمَرَ اللَّهُ المؤمِنينَ بغضِّ البصرِ، قبلَ أمرِهم بحِفظِ الفروجِ؛ لبيانِ أنَّ إطلاقَ البصرِ جالِبٌ للفاحشةِ وبابٌ لها، وحبلٌ من حبالِ الشيطانِ الموصِّلةِ إليها، فقدَّمَ الوسيلةَ على الغايةِ، وجعَلَ اللَّهُ ذلك ﴿أَزْكَى لَهُمْ﴾؛ يعني: أنَّه أطهَرُ للنفوسِ وأطيَبُ لها. الحِكمةُ مِن تقديمِ أمرِ الرِّجالِ على أمرِ النِّساءِ بغضِّ البصرِ: وإنَّما قدَّمَ اللَّهُ أمرَ الرِّجالِ بغضِّ البصرِ قبلَ أمرِ النِّساءِ بذلك؛ لأمورٍ: منها: أنَّ الرِّجالَ أكثَرُ عُرْضةً لرؤيةِ العَوْراتِ؛ لكثرةِ خروجِهم وكَسْبِهم وتعرُّضِهم للتعامُلِ مع الناسِ، فالأصلُ في الرجالِ: الخروجُ والكسبُ، والأصلُ في النساءِ: القَرَارُ والكفايةُ؛ ولهذا نَهَى النبيُّ ﷺ الرجالَ عن الجلوسِ في الطُّرُقاتِ؛ حتى لا يتعرَّضوا لرؤيةِ العَوْراتِ، فلما أبْدَوْا حاجتَهم بها، أمَرَهم بغضِّ البصرِ؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ قال: (إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ في الطُّرُقَاتِ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّتُ فِيهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ)، قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: (غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ) (١).

стр. 1840

ومنها: أنَّ أثرَ النظرِ على الرجالِ أشَدُّ مِن أثرِهِ على الشاءِ، وفتنةَ النساءِ للرِّجالِ أشَدُّ مِن فتنه الرجالِ للنساءِ، كما قال ﷺ فى "الصحيحَيْنِ" (مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ) (١)، فناسَبَ تقديمَ أمرِهم بغضِّ البصرِ قبلَ أمرِ النساءِ. ومنها: أنَّ الرجالَ أجسَرُ على مَدِّ البصرِ مِن النساءِ؛ فإنَّ الرجلَ إن كان ضعيفَ الإيمانِ مريضَ القلبِ فهو أجسَرُ على مدِّ البصرِ وإطالتِه، بخِلافِ نظرِ المرأةِ إلى الرجُلِ، فهي أضعَفُ؛ لِما جُبِلَت عليه مِن حياءٍ وضَعْفٍ وخوفٍ. ومنها: أنَّ الرجالَ أجسَرُ على ما يَتْبَعُ البصرَ مِن تتبُّعِ الفاحشةِ، بخلافِ المرأةِ؛ فإنَّ الرجلَ قد يُتبعُ البصرَ مِن مَناهي الكلامِ كالفُحْشِ والتغزُّلِ ما لا تفعلُهُ المرأةُ؛ فإنَّها تُطلِقُ البصرَ وتتهيَّبُ الإقدامَ على ما وراءَهُ، وقد سمَّى النبيُّ ﷺ نظرَ العينِ زِنَاها، وجعَلَ النظرَ أُولى خُطُواتِ الرجُلِ إلى الزِّنى؛ يَبدأُ به ثمَّ يتْبِعُهُ بكلامِ ثمَّ مشي القدَمِ والمسِّ؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ: (كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَى، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ؛ فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ) (٢). لا تلازُمَ بينَ غضِّ البصرِ وسُفُورِ النساءِ: ولمَّا كان النهيُ عامًّا في الآيةِ: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾، دَلَّ على أنَّ المرادَ تحريمُ النظرِ إلى جميعِ العَوْراتِ ولو في غِيرِ النساءِ كالنظرِ إلى

стр. 1841

الأَمْرَدِ، وكذلك في النساءِ، فَنَظَرُهُنَّ بَعْضِهِنَّ إلى بعضٍ بشهوةٍ داخلٌ في هذا البابِ. وأمَّا ما يحتجُّ به بعضُ أهلِ الأهواءِ على جوازِ سفورِ المرأةِ لأنَّ اللَّهَ أمَرَ الرجالَ بغضِّ البصرِ؛ لأنَّه لو لم يَكُنَّ كاشفاتٍ، لم يأمُرِ الرجالَ بغضِّ أبصارِهم، فهذا غلطٌ؛ وذلك لأنَّ اللَّهَ نَهَى عن نظرِ الرجلِ لا إلى موضعِ معيَّن مِن المرأةِ، وإنَّما نَهى نهيًا عامًّا لكلِّ ما يحرُمُ النظرُ إليه، وما لم يحرُمِ النظرُ إليه إذا كان فيه فِتْنةْ كنظرِهِ الى لِبَاسِها وشَخْصِها طُولًا وعَرْضًا، وكذلك في نظرِ الرجلِ إلى الرجلِ الذي مثِلُهُ يُفتَنُ به، فلو قيل بذلك، لجاز القولُ: إنَّ الرجالَ والنساءَ يجوزُ لهم كشفُ ما يشاؤونَ مِن أبدانِهم؛ لأنَّ اللَّهَ أمَرَ بغضِّ البصرِ، ولا يأمُرُ بغضِّ البصرِ إلَّا عن شيءٍ مكشوفِ السترِ، فلا تلازُمَ عندَ العلماءِ بينَ عَوْرةِ السَّتْرِ وعورةِ النَّظَرِ؛ فقد يأمُرُ اللَّه بغضِّ البصرِ عن شيءٍ أمَرَ بسَتْرِه؛ كسَتْرِ المرأةِ عن غيرِ مَحْرَمِها، وعورةِ الرجالِ عن الرجالِ، وقد يأمُرُ بغضِّ البصرِ عن شيءٍ لم يأمُرْ بسَتْرِه؛ كشاخصِ المرأةِ، وكما قد يُوجَدُ في بعضِ النفوسِ المريضةِ مِن ميلِ إلى بعضِ نسائِه مِن مَحَارِمِهِ، كأُختِهِ وعمَّتِهِ وخالتِهِ وبنتِه، فاللَّهُ أمَرَهُ بغضِّ بصرِهِ عمَّا يَفتِنُهُ منهنَّ ممَّا أجازَ لهُنَّ إظهارَهُ، ولا تناقُضَ ببنَ نصوص الكشفِ ونصوصِ النظرِ؛ فلكلٍّ جهتُهُ وموضعُهُ؛ ولهذا قال ﷺ : (لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا المَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ المَرْأَةِ)؛ رواهُ مسلمٌ عن أبي سعيدٍ (١)؛ فنَهَى اللَّهُ الرجُلَ عن النظرِ إلى عورةِ الرجلِ، مع أمرهِ الرجلَ بسَتْرِ عورتِهِ؛ كما في الحديثِ عند أحمد وأهلِ السُّننِ: (احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِن زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ) (٢)، فذاك حُكْمُ الناظرِ، وهذا حُكْمُ المنظورِ.

стр. 1842

حُكْمُ نَظَرِ الرَّجُلِ الى المرأةِ: لا يختلِفُ العلماءُ أنَّ نظرَ الرجلِ إلى ما يجوزُ للمرأةِ إظهارُهُ بشهوةٍ، أو عَلِمَ أنَّ نظرَهُ إليها يُثِيرُ فتنةً فيه: أنَّه حرامٌ، سواءٌ كانت شابَّةً أو قاعدًا، وسواءٌ كانتِ المرأةُ على الحقيقةِ أو صُورةً لها، ولو لم يكنْ يَعرِفُها؛ لأنَّ اللَّهَ حَرَّمَ النظرَ إلى المرأةِ لعِلَلٍ كثيرةٍ، مِن أَجَلِّها ما يَتْبَعُ النظرَ مِن إثارةِ الفتنةِ في الناظرِ وتشوُّفِهِ إلى الفاحشةِ؛ فالنظرُ يُحبِّبُ الحرامَ ولو في غيرِ المنظورِ إليها، وجُلُّ مَن وقَعُوا في النظرِ الحرامِ لم يقَعُوا في الزِّنى بِجُلِّ مَن نظَروا إليهِنَّ؛ وإنَّما في أُخْرَيَاتٍ غيرِهن؛ فالنظرُ الحرامُ وَقُودُ الزِّنى. والأصلُ: أنَّ نظرَ الرجلِ إلى المرأةِ يُثِيرُ فتنةً؛ ولهذا جاء الأصلُ بالنهيِ عنه مِن غيرِ تقييدٍ؛ فإنَّ الفتنةَ قد لا تُوجَدُ مِن أولِ نظرةٍ ولا ثانيها ولا ثالثِها؛ وإنَّما تَحْيَا بالقلبِ مع إدامةِ النظرِ، فجاء النهيُ عن أولِه؛ حتى لا ينتهي بصاحِبِهِ إلى فتنةٍ في آخِرِه، ولمَّا كانتِ الفتنةُ غالبةً في النظرِ -خاصَّةَ المتكرِّرَ- جاء النهيُ عامًّا، ويشتدُّ الإثمُ بمقدارِ ورودِ الفتنةِ في صاحِبِه، وقد يكونُ النظرُ المحرَّمُ سهلًا في أولِه؛ لعدمِ قيامِ الفتنةِ فيه، ولكنَّه مع إدامتِهِ يكونُ كالقَيدِ الذي يُفتَلُ ويُوثِقُ صاحِبَهُ، والعينُ تَفتِلُ قيدَ القلب بإدامةِ النظرِ حتى يتقيَّدَ ولا يستطيعَ صَرْفَ البصرِ؛ ولذا لمَّا سأَل جريرٌ ﵁ رسولَ اللَّهِ ﷺ عن نظرِ الفَجْأَةِ، قال له: (اصْرِفْ بَصَرَكَ) (١). ويجوزُ نظرُ الرجُلِ إلى المرأةِ للضرورةِ؛ كنظرِ القاضي في الخُصُوماتِ والحقوقِ الى وجهِ المرأةِ عندَ استشكالِهِ لحقيقتِها، إنْ لم يُوجَدْ مَن ينوبُ عنه في ذلك مِن النساءِ. * * *

стр. 1843

* قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]. أمَرَ اللَّهُ المؤمناتِ بغضِّ البصرِ، وقدَّمَ غضَّ البصرِ على حِفْظِ الفَرْجِ، لأنَّ إطلاقَ البصرِ طريقٌ يَنتهي بإضاعةِ الفَرْجِ؛ فقدَّمَ اللَّهُ حِفْظَ الوسيلةِ لتُحفَط الغايةُ، ثمَّ نَهَى اللَّهُ نساءَ المؤمنِينَ عن إبداءِ الزِّينةِ، وثَمَّةَ تلازُمٌ بينَ إطلاقِ البصرِ وبينَ الزَّينةِ؛ وذلك أنَّه لا تُكثِرُ التزيُّنَ للرِّجالِ الأجانبِ إلَّا مَن أطلَقَت بصَرَها فيهم، فتشوَّفَتْ إليهم ببَصَرِها، فَزيَّنَتْ بدَنَها ولِبْسَها، ولو لم تُطلِقْ بصَرَها لم يكنْ في القلبِ داعٍ للتزيُّنِ لهم، ومَن حَفِظَت بصَرَها، حَفِظَت فَرْجَها، ولم يقعْ في قلبِها جذبُ الرجالِ إليها في الزينةِ؛ لأنَّ القبَ خالٍ منهم؛ ولهذا قدَّمَ اللَّهُ حِفظَ البصرِ على حِفظِ الفَرْجِ والنهي عن الزينةِ؛ لأنَّ البصرَ حبلٌ يَجذِبُ القلوبَ ويحرِّكُها إلى التزيُّنِ لإغراءِ الرِّجالِ وإغرائِهم والوقوعِ فى الحرامِ. وشدَّدَ اللَّهُ على الرَّجُلِ في غضِّ البصرِ، وشَدَّدَ على المرأةِ في الحِجَابِ؛ حتى يُقلِّلَ ما بينَهما مِن تجاذُبٍ ومَيْلٍ، ولا يعني هذا أنَّه يجوزُ للرجلِ إبداءُ مَفَاتِنِه، ولا أنَّه يجوزُ للمرأةِ إطلاقُ بَصَرِها فتُفتَنَ، ولكنَّ الوحيَ يشُدُّ الحبالَ المُرتَخِيَة في النفوسِ أشَدَّ مِن الحبالِ الثابتةِ فيها، وأقرَبُ الناسِ إلى السقوطِ يُجذَبُ أشَدَّ مِن البعيدِ عنها؛ حتى تكتمِلَ فِطْرةً العَفَافِ وتَصِحَّ، فإذا لم يَغُضَّ الرجلُ بَصَرَهُ، فإنَّ المرأةَ تَدْفَعُ فِتنتَهُ

стр. 1844

بحجابِها، وإنْ لم تتحجَّبِ المرأةً، فالرجلُ يدفعُ فِتنتَها بغضِّ بصرِه؛ ولهذا ربَطَ اللَّهُ بينَ غضِّ البصرِ وبينَ الزِّنى؛ لأنَّه سببٌ له، فقال للرِّجالِ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]، وقال للنِّساءِ: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾؛ ولكنَّه زادَ في النساءِ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾. ولا يختلِفُ العلماءُ على أنَّ نظرَ المرأةِ إلى ما يَفتِنُها مِن الرجالِ محرَّمٌ، سواءٌ كان نظرًا الى أَبْشَارِهم أو شخوصِهم، وأمَّا نظَرُ المرأةِ الى ما يجوزُ للرجلِ إبداؤُهُ مِن غيرِ فتنةٍ فيه، فقد وقَعَ في ذلك نزاعٌ بينَ الفقهاءِ: فمِن العلماءِ: مَن أخَذَ بعمومِ النهي في الآيةِ، ولأنَّ الغالِبَ أنَّ نظرَ المرأةِ الى الرجلِ أنَّه فِتْنةٌ آجِلةٌ أو عاجِلةٌ؛ فمَن أطلَقَتْ بصرَها، انتهى بها إلى الافتتانِ؛ وهذا الصحيحُ مِن مذهب الشافعيِّ وأحمدَ، وعلى هذا جمهورُ الصحابةِ والتابعِين. واللَّهُ قد أمَرَ النساءَ بمِثلِ ما أمَرَ به الرجالَ، ولم يفرِّق بينَهم، بل زاد النساءَ عدمَ إبداءِ الزينةِ. وذهَب قومٌ: إلى جوازِ نظرِ المرأةِ إلى الرجلِ بغيرِ شَهْوةٍ؛ وذلك لأنَّ النبيَّ ﷺ أَذِنَ لعائشةَ نَظَرَها إلى الحبشةِ وهم يَلْعَبونَ في المسجدِ، وظاهرُهُ: أنَّ عائشةَ تنظُرُ إلى لَعِبِهِمْ، لا إلى وجوهِهم، ولم تكنْ قريبةً منهم، فلم تكنْ تخُصُّ واحدًا منهم بل ترى حَرَكةَ الجماعةِ، ولم تكنْ أمامَ وجوهِهم بحيثُ تأخُذُ حُكمَ المُتقابلَيْنِ، ولم يكنِ النبيُّ ﷺ يَأذَنُ لنسائِهِ بمحادَثَةِ الرجالِ وجهًا لوجهٍ، فتنظُرُ إليهم كما ينظُرُ الرجلُ إلى جليسِه. وغالبًا ما تُطلِقُ المرأةُ أو الرجُلُ البصرَ ولا يَجِدَانِ الفتنةَ مِن النظرةِ

стр. 1845

الأُولى، ثمَّ ما يزالُ الشيطانُ يُسوِّلُ لهم الجوازَ؛ لإنعدامِ العِلَّةِ الداعيةِ للنهي؛ حتى تتولَّدَ الفِتْنةُ مع تَكْرارِهِ، فيُوقِعَهُمُ الشيطانُ في شِرَاكِه؛ فله خطواتٌ تَبدأُ بالمُباحِ وتَنتهي بالحرامِ الذي لا ينفكُّ منه صاحبُهُ. وقولُه تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾: نَهى اللَّه المرأةَ عن ابداءِ زينتها عندَ الرجالِ الأجانبِ، وهذه الآية دالَّةٌ بصريحِ الخِطَابِ على سَتْرِ الزينةِ حتى لا تَفتِن الرجالَ، ولم يأمُرِ اللَّه الرجالَ بعدمِ إبداءِ الزينةِ؛ لأنَّ المرأةَ فُطِرَتْ على التزيُّنِ أكثَرَ مِن الرجلِ، وتميلُ إليه فِطْرةَ، وتتنوَّعُ فيه، وتستكثِرُ فه، وتنشأُ عليه؛ كما قال تعالى عنها: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]، ولأنَّ زينةَ المرأةِ تَجذِبُ الرجلَ أشدَّ مِن جذبِ زينةِ الرجلِ للمرأةِ، ولأنَّ الرجلَ أجسَرُ على إطلاقِ البصرِ المرأةِ. وقولُه تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾: الخِمَارُ: اسمُ مصدرٍ؛ خَمَّرَ يُخمِّرُ تخميرًا، يعني: غطَّى، ومنه سُمِّيَ الخَمْرُ خمْرًا؛ لأنَّه يُغطِّي العقلَ، والخِمَارُ: لِبَاسٌ تَلَبَسُهُ وتشُدُّهُ المرأةُ في أعلاها على الرأسِ وما دونَه، ويُسمَّى النَّصيفَ، ويُستعملُ الخِمَارُ لتغطيةِ ثلاثةِ مواضعَ وشَدِّها، وكل واحدٍ منها يُضرَبُ عليه بالخمارِ: الأولُ: الرأسُ؛ لظاهرِ الآيةِ، فالرأسُ مُرتكَزُ الخِمارِ وقاعدتُهُ، وفي بعضِ الأحاديثِ تُسمَّى عمامةُ الرَّجُلِ خِمَارًا؛ جاء ذلك مِن حديثِ المُغِيرةِ (١) وثَوْبانَ (٢) وبلالٍ (٣) وسَلْمانَ (٤)، وكانت أمُّ سلمةَ تمسحُ على

стр. 1846

خمارِها (١)؛ يعني: بدلَ شَعَرِ رأسِها، وصحَّ عن نافعٍ مَوْلى ابنِ عمرَ؛ قال: "رأيتُ صفيَّةَ بنتَ أبي عُبَيْدٍ توضَّأَتْ وأنا غلامٌ، فإذا أرادت أنْ تَمْسَحَ رأسَها، سلَخَتِ الخِمارَ" (٢). وصحَّ نحوُهُ عن ابنِ المسيَّبِ (٣) والنخَعيِّ (٤). وصحَّ عن عطاءِ بنِ أبي رياح في المرأةِ إذا أرادت أن تَمَسَحَ رأسَها، قال: "تُدخِلُ يدَيها تحتَ الخِمَارِ، فتَمْسَحُ مُقدَّمَ رأسِها يُجزِئُ عنها" (٥). وصحَّ عن ابنِ سيرينَ: "أنَّه كَرِهَ أن تُصلِّيَ المرأةُ وأُذُنُها خارجةٌ مِن الخِمارِ" (٦). الثاني: الصَّدْرُ، لظاهرِ قولِهِ: ﴿عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾، لأنَّ الجيوبَ هي ما على الصدورِ مِن الثيابِ، والضَّرْبُ يأتي مِن أعلى ويَنْزِل على جَيْبِ المرأةِ، وهو صَدْرُها؛ فالجبوبُ هي الصدورُ؛ ولذا جاء في الحديثِ نَهْيُ النبيِّ ﷺ عن شَقِّ الجيوبِ (٧)، نهيًا للمرأةِ أن تشُقَّ جَيْبَها عندَ المصيبةِ. الثالثُ: الوجهُ؛ فإنَّ الخِمَارَ قماشٌ طويلٌ ممتدٌّ مشدودٌ تُنزِلُهُ المرأةُ مِن قاعدتِه، وهي الرأسُ، على ما شاءتْ، ومنه الوجهُ، وصحَّ عن هشامٍ، عن حفصةَ بنتِ سِيرِينَ أمِّ الهُذَيْلِ؛ قالتْ: "تُخمَّرُ المرأةُ الميِّتةُ

стр. 1847

كما تُخمَّرُ الحيَّة، وتُدَرَّعُ مِن الخِمَارِ قَدْرَ ذِرَاعٍ تُسْدِلُهُ على وَجْهِها" (١). وقال الفَرَزْدَقُ: نِسَاءٌ بِالمَضَايِقِ مَا يُوَارِي … مَخَازِيَهُنَّ مُنْتَقِبُ الخِمَارِ وكذلك: فإن الخِمارَ يُسمَّى نَصِيفًا عندَ العربِ، وفي لغةِ الشرعِ؛ ولذا جاء في "الصحيحِ"؛ مِن حديثِ أنسٍ مرفوعًا: (لَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِن نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ اطَّلعَتْ إِلَى الأَرْضِ، لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَمَلَأَتْ مَا بَينَهُمَا رِيحًا، وَلَنَصِيفهَا -يَعْنِي: الخِمَارَ- خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) (٢)، وقد جاء في "المسنَدِ"، مِن حديثِ أبي هريرةَ تفسيرُ الخِمارِ بالنَّصيفِ صريحًا مِن قولِ أبي هريرةَ (٣). والنَّصِيفُ -وهو الخِمارُ- تُطلِقُه العربُ على ما يُغطَّى به الوجهُ، وقد قال: سَقَطَ النَّصِيفُ وَلَمْ تُرِدْ إِسْقَاطَهُ … فَتَنَاوَلَتْهُ وَاتَّقَتنَا بِالْيَدِ ويُستعمَلُ الخِمارُ لهذه الثلاثةِ أو بعضها، ولكنَّ أصلَ استعمالِ النساءِ للخِمارِ: أنَّ له محيطًا ووسطًا؛ يَبْدَأُ مِن الرأسِ ويُحيطُ به، ويَنزِلُ تَبَعًا على الكَتِفَيْنِ والوجهِ والصدرِ؛ كما قال ابنُ خُزَيمَةَ في "الصحيحِ": "الخِمارُ الذي تستُرُ به وجهَها، بل تُسدِلُ الثوبَ مِن فوقِ رأسِها على وجهِها" (٤). وإنْ كشَفَتِ المرأةُ خِمارَها عن وَجْهِها لمَحْرَمِها، بَقِيَ مُحيطًا بوجهِها، وقد جاء في حديثِ مُسلمِ بنِ أبي حُرَّةَ؛ قال: "لمَّا حُصِرَ ابنً الزُّبَيْرِ، دخَلَ على أُمِّهِ أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، فقَبَّلَها وقبَّلَ ما بينَ

стр. 1848

الخِمَارِ إلى الوَجْهِ فوقَ الجبهةِ"؛ رواهُ الحاكمُ (١). والأصلُ: أنَّ الخِمارَ لا يَبقى على الرأسِ، بل يكونُ منه على ما دونَهُ؛ ففي "صحيحِ البخاريِّ": "أنَّ عائشةَ كانَتْ تذكُرُ نَذْرَها -الذي نذَرَتْهُ ألَّا تُكلِّمَ عبدَ اللَّهِ بنَ الزُّبيرِ- فتَبْكِي حتى تَبُلَّ دُمُوعُها خِمَارَها" (٢). قال أبو نُعَيْمٍ الأصبهانيُّ: "الجِلْبابُ فوقَ الخِمَارِ ودونَ الرِّداءِ تَستوثِقُ المرأةُ صدرَها ورأسَها" (٣). والغالبُ: أنَّ المرأةَ عندَ تغطيتِها لوجهِها تأخُذُ الخِمَارَ مِن أسفلِهِ الذي على صدرِها وتَرفَعُهُ على وجهِها، وبالنسبةِ للجلبابِ تُدْنِيهِ مِن فوقِ رأسِها وتسدِلُهُ أو تَضرِبُ به على وجهِها، ويصحُّ العكسُ، خاصَّةً إن كان الخِمارُ واسعًا، سدَلَتْ منه شيئًا مِن رأسِها على وجهِها. أنواعُ زِينَةِ المَرْأةِ: وللمرأةِ زينةٌ في بَدَنِها خُلِقَتْ عليها، ولها زينةٌ مُكتسَبةٌ تضَعُها: فأمَّا زينتُها التي خُلِقَت عيها: فوَجْهُها وشَعَرُها، ولَوْنُها وصُورةً خِلْقَتِها. وأمَّا الزينةُ المكتسَبةُ: فهي ما تَلبَسُهُ مِن حُلِيٍّ وثيابٍ، وما تضعُهُ مِن لونٍ، كحِنَّاءٍ وأصباغٍ على وجهِها ويدَيهَا وشَعْرِها. واللَّهُ ذكَرَ في الآيةِ الزينةَ، وجعَلَها إجمالًا على نوعَيْنِ:

стр. 1849

الأُولى: الزينةُ الباطنةُ التي لا تَظهَرُ لأحدٍ، وهذا في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾، ثمَّ أَتْبَعَها بالاستثناءِ. الثانيةُ: الزينةُ الظاهرةُ، التي تَظهَرُ لمَنْ خَصَّهُمُ اللَّهُ بها، بقولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، وبعضُ الناظرِينَ لتفسيرِ السلفِ لقولِه: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يَحمِلُ تفسيرَهُمْ أنَّهم يُظهِرُونَهُ للأجانبِ غيرِ المَحارِمِ، فيَنْقُلُونَ عن جماعةٍ مِن الصحابةِ والتابعينَ قولَهُمْ في ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أنَّه (الكَفُّ والوجهُ)؛ كما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمرَ والضحَّاكِ (١)، أو (الكُحْلُ والخضَابُ والخاتَمُ)؛ كما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ (٢) ومجاهدٍ (٣) وابنِ جُبَيْرٍ (٤)، أو (الكُحْلُ والخاتَمُ)؛ كما رُوِيَ عن أنسٍ (٥)، أو (الخِضَابُ والكُحْلُ)؛ كما رُوِيَ عن عطاءٍ (٦)، أو (الكُحْلُ)؛ كما رُوِيَ عن الشعبيِّ وقتادةَ، أو (الوجهُ والثيابُ)؛ كما رُوِيَ عن الحسنِ وقتادةَ أيضًا (٧)، أو (الوجهُ وثُغْرةُ النَّحْرِ)؛ كما جاء عن عِكرِمةَ (٨)، أو (الكُحْلُ والثيابُ)؛ كما جاء عن الشَّعْبيِّ (٩)؛ وهذا أصحُّ ما جاء عن الصحابهِ والتابعبنَ مِن تفسيرِ آيةِ الزينةِ. والأظهَرُ أنَّ كلامَ هؤلاء السلفِ إنَّما هو في الزِّينةِ الظاهِرةِ للمَحارِمِ مِن النَّسَبِ والرَّضَاعِ، والصحابهُ والتابعونَ كانوا على قَدْرٍ شديدٍ مِن العفافِ والسترِ، حتى إنَّهم قلَّما يُسْأَلُونَ عمَّا تُبْدِيهِ الحُرَّةُ للرجلِ الأجنبيِّ.

стр. 1850

ويوضِّحُ أنَّ مرادَ الصحابةِ والتابعينَ كشفُ الزينةِ الظاهرةِ للمَحَارِمِ لا الأجانب: نصوصُهُمُ الأُخرى ونصوصُ غيرِهم الصريحةُ في ذلك، التي لا تتفِقُ وتجتمِعُ إلَّا على هذا المعنى؛ وذلك مِن أربعةِ وجوهٍ: الوجهُ الأولُ: أنَّ جميعَ مَن صَحَّ عنه نفسيرُ الزينةِ الظاهِرةِ في آيةِ النورِ: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، قد صحَّ عنه ما يَحمِلُ تفسيرَهُ على تخصيصِهِ للمَحَارِمِ صريحًا في موضعِ آخَرَ: أما عبدُ اللَّهِ بنُ عبَّاسٍ: فصحَّ عنه أنَّه قال: "الزينةُ الظاهرةُ: الوجهُ وكُحْلُ العَيْن وخِضَابُ الكفِّ والخاتَمُ، فهذا تُظهِرُهُ في بيتِها لمَنْ دخَلَ عليها" -ثمَّ قال صريحًا-: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾، والزينةُ التي تُبدِيها لهؤلاءِ الناسِ قُرْطَاهَا وقِلَادَتُها وسِوَارَاها، فأمَّا خَلْخَالُها ومِعْضَدَتُها ونَحْرُها وشَعَرُها، فلا تُبديهِ إلا لزوجِها". أخرَجَهُ البيهقيُّ، عن عليٍّ، عن ابنِ عبَّاسٍ، وهو صحيحٌ (١). وصحَّ عن ابنِ عبَّاسِ أيضًا لمَّا ذكَرَ المَحارِمَ: "الزِّينةُ التي تُبدِيها لهؤلاءِ: قُرْطَاهَا وقِلادتُها وسِوَارَاها، وأمَّا خَلْخَالاهَا ومِعْضَدَاهَا ونحرُها وشعرُها، فإنَّها لا تُبديهِ إِلَّا لزوجِها"؛ أخرَجَهُ ابنْ جريرٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عبَّاسٍ (٢). وعلى هذا اتَّسَقَ جميعُ تفسيرِ ابنِ عبَّاسِ وأقوالِهِ في كلِّ أبوابِ الفقهِ؛ كالحجِّ وآيةِ الأحزابِ، وفي آيةِ القواعدِ (العجائزِ): ﴿فَلَيْسَ

стр. 1851

عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠]، قال: (الجلابيبُ) (١)، وهي التي على الشابَّةِ؛ كما صَحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ قولُهُ: "أمَرَ اللَّهُ نساءَ المؤمِنينَ إذا خرَجْنَ مِن ببوتِهنَّ في حاجةٍ أن يُغَطِّنَ وجوهَهُنَّ مِن فوقِ رؤوسِهنَّ بالجلابيبِ، ويُبدِينَ عينًا واحدةً" (٢)، وصحَّ عنه أيضًا قولُه: "تُدْلِي الجلبابَ على وَجْهِها" (٣). وجميعُ أصحابِ ابنِ عبَّاسٍ الذين رُوِيَ عنهم ما يُشابِهُ قولَهُ - لم يكونوا يُسألونَ عن غيرِ المَحَارِمِ، والسؤالُ عنهم غيرُ واردٍ؛ لوضوحِهِ وجلائِه، وقد كانوا على نوعٍ مِن العفافِ والسِّتْرِ شديدٍ، فيُطلِقونَ إطلاقاتٍ لا يَفهَمُها مَن تأثَّرَ بواقعِ السُّفُورِ والتعرِّي، حتى أصبَحَتْ مِن النساءِ مَن تَلبَسُ عندَ الأجانبِ ما لا تَلبَسُهُ نساءُ السلفِ عندَ أبيها وأخيها وابنِها، ومَن جمَعَ أقوالَ أولئِكَ السلفِ المفسِّرينَ للزِّينةِ مِن أبوابِ السَّتْرِ والعَوْراتِ، ظهَر له مرادُهم جليًّا: فأمَّا سعيدُ بنُ جُبيرٍ: فصحَّ عنه أنَّ تخفيفَ اللَّهِ عن القواعدِ (العجوزِ) هو وضعُ (الجلابيبِ) فقطْ؛ قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: لا تتبرَّجْنَ بوضعِ الجلبابِ أن يُرى ما عليها مِن الزينةِ (٤)، والجلابيبُ هي ما يستُرُ الوجوهَ على ما يأتي بيانُهُ في آيةِ القواعدِ: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٦٠]، وآيةِ الأحزابِ: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [٥٩]، فإنْ كانتْ هذه هي الرُّخْصةَ عندَ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ للعجوزِ، فهي ليستْ رخصةً للشابَّةِ، وقد أجمَعَ العلماءُ أنَّه لا يَحِلُّ للعجوزِ إظهارُ شَعَرِها؛ حَكَى الإجماعَ

стр. 1852

ابنُ حَزْمٍ (١) والجَصَّاصُ (٢). وأمَّا عطاءُ بنُ أبي رباحٍ: فقد صحَّ عنه تفضيلُهُ سَتْرَ الشعرِ عن المَحارمِ؛ ففد قال في الرجُلِ يَرى مِن النساءِ ما يحرُمُ عليه نكاحُهُ: "رؤوسُهُنَّ إنْ سُتِرَتْ أحَبُّ إليَّ، وإنْ رأَى فلا بأس"؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي شيبةَ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ (٣)، وهو صحيحٌ. ثمَّ إنَّه قد صحَّ عن عطاءٍ ما صحَّ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ في العجوزِ أنَّه تضعُ جلبابَها، والجلبابُ ما على الوجهِ. وأما مجاهِدُ بنُ جَبْرٍ: فصحَّ عنه أنَّه لا يَرى وضعَ الخِمَارِ عندَ المرأةِ الكافِرةِ، نكيف يُحمَلُ قولُه في الزينةِ الظاهرةِ: (الخاتَمُ والكحلُ) أنَّها للرجالِ الأجانب مشرِكِينَ ومسلِمينَ؟ ! فقد روى ليثٌ، عن مجاهدٍ؛ قال: "لا تضعُ المسلِمةُ خمارَها عندَ مشرِكةٍ ولا تُقبِّلُها؛ لأن اللَّهَ تعالى يقولُ: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾؛ فليس مِن نسائِهنَّ"؛ رواهُ البيهقيُّ عنه (٤)، وروايةُ ليثٍ عن مجاهدٍ كتابٌ ونُسْخةٌ؛ ذكَرَهُ ابن حِبَّانَ. وقد صحَّ عن مجاهدٍ كما صحَّ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ وعطاءٍ في العجوزِ، وأنَّ اللَّهَ رخَّصَ لها بوضعِ جبابِها (٥)، وهذه خصيصةُ العجوزِ عندَه عن الشابَّةِ. وأمَّا قولُ عامرٍ الشَّعْبيِّ: (الكحلُ والثيابُ)، وقولُ عِكرِمةَ مَولى ابنِ عبَّاسٍ: (الوجهُ وثُغْرةُ النَّحْرِ): فقد صحَّ عنهما أنَّهما كانا يَنْهَيانِ أن تضَعَ المرأةُ خِمارَها عندَ عمِّها وخالِها؛ خلافًا لجمهورِ العلماءِ، فكيف

стр. 1853

يُحمَلُ قولُهما في ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: أنَّ المرأةَ تُبدِي وجهَها وكفَّيْها وكُحْلَها للأجانبِ الأبعدِيَن، وهما يُشدِّدَانِ في المحارمِ غيرِ المذكورِينَ في الآية؟ ! فقد روى داودُ، عن الشَّعْبيِّ وعِكْرِمةَ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ حتى فرَغ منها، قالا: "لم يُذكَرِ العمُّ والخالُ؛ لأنَّهما يَنعَتانِ لأبنائِهما، وقالا: لا تضعُ خِمَارَها عندَ العمِّ والخالِ"؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي شيبةَ (١) وابنُ جريرٍ (٢) وابنُ المنذِرِ (٣). ويعضُدُ هذا: ما رواهُ جابرٌ، عن عامرٍ: "أنَّه كَرِهَ أن ينظُرَ إلى شَعَرِ كلِّ ذي مَحْرَمٍ"؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي شيبةَ (٤). ثمَّ إنَّه قد صحَّ عن الشَّعْبيِّ (٥) ما صحَّ عن ابنِ جُبَيْرٍ وعطاءٍ ومجاهدٍ في العجوزِ. وأمَّا الحسَنُ البصريُّ: فإنَّه لا يَرَى أن يَرَى الأخُ أختهُ بلا خمارٍ على رأسِها؛ فقد صحَّ عن هشامٍ، عن الحسنِ، في المرأةِ تَضَعُ خِمَارَها عندَ أخيها؟ قال: "واللَّهِ؛ ما لها ذاك"؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي شيبةَ (٦)؛ وهو صحيحٌ، وهذا دليلٌ أنَّه يَقصِدُ المحارِمَ، وما كانوا يُسألونَ عن غيرِ المَحارمِ، ولا يَقصِدونَ غيرَهم، لشِدَّةِ ورعِهم. وقد صحَّ عن الحسنِ البصريِّ مِثْلُ ما صحَّ عن ابنِ جُبَيْرٍ وعطاءٍ ومجاهِدٍ والشَّعْبيِّ في العجوزِ، وأنَّ اللَّهَ خصَّها بوضعِ الجلبابِ (٧).

стр. 1854

وأمَّا الضحَّاكُ: فيدُلُّ على أنَّه يتكلَّمُ عن المَحارِمِ، ما رواهُ مزاحمٌ عنه أنَّه قال: "لو دخَلْتُ على أمِّي، لقلتُ: غطِّي رأسَكِ"؛ أخرَجَهُ ابنُ أبي شيبةَ (١). وأمَّا قتادةُ: فصَحَّ عنه ما صَحَّ عن ابنِ جُبَيْرٍ وعطاءٍ ومجاهدٍ والشعبيِّ والحسنِ في العجوزِ (٢). وعلى هذا المعنى لم يخرُجْ واحدٌ مِن أصحابِ ابنِ عبَّاسٍ وغيرِهم مِن التابعِين؛ فقد روى عِكْرِمةُ وأبو صالحٍ: أنَّ الزينةَ الظاهِرةَ (الدِّرْعُ) (٣)، والدِّرْعُ: ثَوْبُ البيتِ لا ثَوْبُ الخروجِ؛ كما هو معروفٌ، لأنَّ الدرعَ يَظهَرُ معه الشَّعرُ والنَّحْرُ، وهو محرَّمٌ بالإجماعِ. وصحَّ عن طاوُسٍ: "ما كان أكرَهَ إليه مِن أن يَرَى عَورةً مِن ذاتِ مَحرَمٍ، قال: وكان يَكْرَهُ أن تَسلَخَ خِمارَها عندَه"؛ رواهُ عبدُ الرزاقِ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيهِ (٤)؛ وهو صحيحٌ. وأمَّا عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ: فإنه قد صحَّ عنه أنَّه جعَلَ ما استثناهُ اللَّهُ للعجوزِ أن تَكشِفَهُ هو جِلْبَابَها (٥)، ويتفقُ العلماءُ أنْ لا خصيصةَ للعجوزِ في ذلك، فبَقِيَ جلبابُ الوجوهِ على الشابَّةِ، ولا يليقُ بفقهِ الصحابةِ ولا بعقولِهم وفَهْمِهم ضربُ أقوالِهم في البابِ البيِّنِ الواضحِ، كحجابِ المرأةِ ولباسِها. وعلى هذا بوَّبَ البيهقيُّ في "سُنَنِه"؛ فقد ترجَمَ على تفسيرِ ابنِ عباسٍ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾؛ فقال: "بابُ ما

стр. 1855

تُبدِي المرأةُ مِن زينتِها للمذكورينَ في الآيةِ مِن مَحَارِمِها"، ثمَّ أورَدَ قولَ ابنِ عبَّاسٍ الذي فيه: والزينةُ الظاهِرةُ: الوجهُ وكُحْلُ العَيْنِ وخِضَابُ الكفِّ والخاتَمُ، فهذا تُظهِرُهُ في بيتِها لمَنْ دخَلَ عليها (١). ونَصَّ على هذا ابنُ عبدِ البَرِّ، فجعَلَ كشفَ الزِّينةِ وإظهارَها للمَحارِمِ لا للأجانبِ، فقال: "إنَّ ذَوي المَحارِمِ مِن النَّسَبِ والرَّضاعِ لا يُحتجَبُ منهم ولا يُستتَرُ عنهم إلَّا العَوْراتُ، والمرأةُ فيما عَدَا وجهَها وكفَّيْها عَوْرةٌ" (٢). ومَن نظَرَ إلى تفسيرِ بقيَّةِ الصحابةِ في ذلك، وجَدَ أنَّه يتطابَقُ مع هذا المعنى ويُوافِقُهُ؛ كما صحَّ عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ؛ أنَّ الزِّينةَ الظاهِرةَ (الثيابُ) (٣)؛ وعلى هذا جميعُ أصحابِهِ وغيرُهم مِن العراقيِّينَ، كأبي الأحوصِ والنخَعيِّ والحسنِ وابنِ سيرينَ وغيرِهم، وقال به مجاهِدٌ (٤)، ومرادُهُ بالثيابِ التي تكونُ تحتَ الجِلْبابِ ممَّا على الثيابِ الداخليَّةِ مِن رخرفةٍ وزينةٍ، فالجلبابُ يستُرُ زينةَ الملابسِ الداخليَّةِ، فلِلْمَحَارِمِ رؤيةُ ذلك؛ لأنَّ الزينةَ تكونُ بالثيابِ؛ كما في قولِه تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]؛ يعني: زينةَ ثيابِكم، وبهذا فسَّر أبو إسحاقَ السَّبِيعيُّ قولَ ابنِ مسعودٍ؛ فقد تلا هذه الآيةَ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ لمَّا روى تفسيرَ ابنِ مسعودٍ عن أبي الأخْوَصِ عنه (٥). الوجهُ الثاني: أنَّ فِقْهَ السلفِ في غيرِ التفسيرِ في بقيَّةِ أبوابِ السَّتْرِ والنظرِ دالٌّ على هذا المعنى؛ فقد صحَّ عن ابنِ شهابِ الزُّهْريِّ قولُهُ:

стр. 1856

"لا بأسَ أن ينظُرَ الرجلُ إلى قُصَّةِ المرأةِ مِن تحتِ الخِمَارِ إذا كان ذا مَحرَمٍ، فأمَّا أن تَسلَخَ خِمارَها عندَهُ، فلا" (١). وعن الزّهْريِّ أيضًا في المرأةِ تَسلَخُ خِمارَها عندَ ذي مَحْرَمٍ، قال: "أمَّا أنْ يرى الشيءَ مِن دونِ الخِمَارِ، فلا بأسَ، وأمَّا أن تَسلَخَ الخِمارَ، فلا"؛ أخرَجَهُ عبدُ الرزاقِ، عن مَعمَرٍ، عنه (٢)؛ وهو صحيحٌ. ومَن جمَعَ أقوالَ السلفِ في جميعِ الأبوابِ، ونظَرَ فيها في سياقٍ واحدٍ، أدرَكَ حَجْمَ وَرَعِهم وتحفُّظِ نسائِهم، وأدرَكَ أنَّهم يَدُورُونَ في دائرةٍ أخرى مِن العِفَّةِ والاحتياطِ على غيرِ ما يَحمِلُهُ كثيرٌ مِن الكتَّابِ عنهم، فإنَّهم لا يُرِيدونَ مِن معنى الزينةِ التي تتعلَّقُ بالوجهِ وما حولَهُ للأجانبِ الأبعدِين، وهم لا يختلِفونَ في جوازِ كشفِ المرأةِ لوجهِها للأقرَبِينَ، ولا يخوضونَ في ذلك؛ وإنَّما يذكُرونَ الوجهَ اختصارًا لإجازةِ زينتِهِ تَبَعًا مِن الكُحْلِ والقُرْطِ والخِضابِ، ويذكُرونَ اليدَ اختصارًا ليدخُلَ فيها زينتُها مِن الخاتَمِ والخِضَابِ والسِّوَارِ، ولا يَعْنُونَ الوجهَ بذاتِه، ومَن نظَر في مجموعِ تفسيرِهم، أدرَكَ ذلك يقينًا. الوجهُ الثالثُ: أن اللَّهَ رخَّصَ للقواعدِ أنْ يَضَعْنَ ثيابَهُنَّ، فقال: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠]، وقد اتَّفَقَ المفسرونَ مِن الصحابةِ والتابعينَ: أنَّ الثيابَ التي رخَّصَ اللَّهُ بها للعجوزِ هي (الجلابيبُ)؛ جاء ذلك بسندٍ صحيحٍ عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ مسعودٍ وابنِ عمرَ والشَّعْبيِّ وابنِ جُبَيْرٍ والحسنِ ومجاهِدٍ وعطاءٍ وعِكْرِمةَ وقتادةَ وغيرِهم، وهؤلاءِ كلُّهم لهم تفسيرٌ للزِّينةِ؛ كما تقدَّمَ

стр. 1857

أنها: "الزينة الظاهرة"، واتفَقوا هنا على أنَّ ما تَختَصُّ به العجوزُ عن الشابَّةِ رفعُ الجلبابِ فقطْ، والجلابيبُ هي ما تَختصُّ بسَتْرِ الوجهِ مِن بَشَرةِ الجسمِ، وتكونُ فوقَ بقيَّةِ الثيابِ ثوبًا على ثوبٍ، فالجلبابُ فوقَ الخِمَارِ، ويدُلُّ على أنَّ الجلابيِبَ ما كانتْ تستُرُ الوجوهَ للشابَّةِ جُمْلةٌ مِن تفسيرِ أفصحِ الناسِ وأقرَبِهم إلى الوحي، وهم الصحابةُ والتابعونَ: منها: قولُ عائشةَ: "تُسدِلُ المرأةُ جِلْبابَها مِن فوقِ رَأْسِها على وَجْهِها"؛ أخرَجَهُ سعيدُ بنُ منصورٍ بسندٍ صحيحٍ (١)، وقولُها في "الصحيحَيْنِ": "فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي" (٢). ومنها: قولُ ابنِ عبَّاسٍ: "تُدْلي الجِلْبابَ على وجهِها"؛ أخرَجَهُ أبو داودَ في "المسائلِ" بسندٍ صحيحٍ (٣)، وقولُه: "أمَرَ اللَّهُ نساءَ المؤمِنينَ إذا خَرَجْنَ مِن بُيُوتِهِنَّ في حاجةٍ أنْ يُغَطِّينَ وجوهَهُنَّ مِن فوقِ رؤوسِهِنَّ بالجلابيبِ، ويُبدِينَ عينًا واحدةً"؛ رواهُ ابنُ جريرٍ بسندٍ صحيحٍ (٤). ومنها: ما رواهُ عاصمٌ الأحولُ؛ قال: كنَّا ندخُلُ على حَفْصةَ بنتِ سيرينَ، وقد جعَلَتِ الجلبابَ هكذا، وتَنَقَّبَتْ به، فنقولُ لها: رَحِمَكِ اللَّهُ! قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠]، وهو الجلبابُ؟ قال: فتقولُ لنا: أىُّ شيءٍ بعدَ ذلك؟ فنقولُ: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠]، فتقولُ: هو إثباتُ الجِلْبابِ (٥). وإذا اتَّفَقَ الصحابةُ على أنَّ رُخْصةَ النساءِ العجائزِ وضعُ الجلابيبِ، وكشفُ الوجهِ مِن غيرِ زينةٍ، فماذا يُحِلُّونَ للمرأةِ الشابَّةِ أمامَ الأجانبِ؟ !

стр. 1858

وقد حكى الإجماعَ غيرُ واحدٍ مِن العلماءِ على أنَّه لا يجوزُ للعجوزِ أنْ تَكشفَ شَعَرَها للأجانبِ مهما بلَغَ سِنُّها؛ حكى الإجماعَ ابنُ حَزمٍ (١)، والجَصَّاصُ (٢)، وغيرُهما، فشعَرُ العجوزِ عورةٌ للأجانبِ كشَعَرِ الشابَّةِ بلا خلافٍ. وإذا كان تفسيرُ ابنِ عمرَ وابنِ عبَّاسٍ وابنِ جُبَيْرٍ وعِكرِمةَ والحسنِ والشَّعْبيِّ والضَّحَّاكِ ومجاهدِ وقتادةَ لآيةِ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: أنَّها الوجهُ والكَفَّانِ ويُرادُ بها للأجانبِ، فما الفائدةُ مِن تزولِ آيةِ القواعدِ، والترخيصِ لها بالجلبابِ؟ ! الوجهُ الرابعُ: أنَّ اللَّهَ نَهى عن إظهارِ الزينةِ بقولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾، ثمَّ استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، ثمَّ أرادَ أنْ يُبيِّنَ المَعْنِيِّينَ بالإظهارِ مُفصِّلًا لمَراتبِهم بحسَب قُرْبِهم، فقال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ الآية، وقد يَستشكِلُ البعضُ ذِكْرَ الزوجِ مع أنَّه لا يُستثنى دونَهُ شيءٌ، وإنَّما ذُكِرَ مع غيرِهِ مِن المَحارمِ مِن بابِ حصرِ المعنيِّينَ؛ حتى لا يُظَن أن الخِطابَ للأبعَدِينَ، وليس المرادُ أنَّ الزِّينةَ له كالزِّينةِ لغيرِه؛ ولذا بدَأَ به للخَصُوصِيَّةِ، فالمفسِّرونَ يَعلَمونَ اختلاف مَراتبِ المذكورينَ؛ روى ابنُ وهبٍ، عن ابنِ زيدٍ؛ قال: "والزوجُ له فضلٌ، والآباءُ مِن وراءِ الرجُلِ لهم فضلٌ، قال: والآخَرونَ يتفاضَلونَ، قال: وهذا كلُّه يَجمَعُهُ ما ظهَرَ مِن الزينةِ"؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ (٣). فقولُ عبدِ الرحمنِ بنِ زيدِ بنِ أسلَمَ: "وهذا كلُّه يَجمَعُهُ ما ظهَرَ مِن

стр. 1859

الزينةِ"؛ يعني: أنَّ المذكُورِينَ هم المَحارِمُ، وهم المعنيُّونَ بقولِه قبلَ ذلك: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، وليس الأجانِبَ، فذُكِرُوا للبيانِ والإيضاحِ، والزوجُ له فضلٌ على الجميعِ وخَصوصِيَّةٌ؛ كما قاله ابنُ زيدٍ. التدرُّجُ في فَرْضِ الحِجابِ: يذهب بعضُ المفسِّرينَ: أنَّ الحِجابَ لم يُفرَض جُمْلةً واحدةً؛ وإنَّما جاء متدرجًا، فأوَّلُ ما نزَلَ وذُكِرَ فيه عمومُ المؤمناتِ: آياتُ النورِ، ثمَّ آياتُ سورةِ الأحزابِ، ومِن هؤلاء ابنُ جريرِ الطَّبَرِيُّ وأبو بكرٍ الجَصَّاصُ وابنُ تيميَّةَ وغيرهم، وهؤلاء يتَّفقونَ مع غيرِهم في الغايةِ والنهايةِ التي استقَرَّ عليها الحُكْمُ، وإنِ اختلَفوا مع غيرِهم في المراحلِ. وكثيرٌ ممَّن ينظُرُ في كتُبِ المفسِّرينَ فينظُرُ في سورةِ النورِ فيَراهُم ينقُلونَ كلامَ السلفِ في الزينةِ الظاهرةِ بإجمالٍ، ثمَّ يُعلِّقُ أولئك الأئمَّةُ في سورةِ النورِ ويَنُصُّونَ على جوازِ كشفِ المرأةِ لوجهِها وكفَّيْها، ولو نظَروا في كلامِهم في سورةِ الأحزابِ، لَوَجَدوا أنَّهم يَمنَعونَ، وليس هذا اضطرابًا ولا قولَينِ؛ فالمؤلِّفُ واحدٌ، والكِتابُ واحدٌ؛ وإنَّما لأنَّهم يرَوْنَ تقدُّمَ آيةِ الحِجابِ مِن سورةِ النورِ على آيةِ الحِجابِ مِن سورةِ الأحزابِ، فيُفسِّرونَ كلَّ موضعٍ بحسَبِ ما فهِمُوهُ في موضعِهِ، ومَن جَهِلَ المتقدِّمَ والمتأخِّرَ مِن السُّوَرِ عندَ الأئمَّةِ، لم يَفهَمْ مَقاصدَ القرآنِ وأحكامَهُ عندَ المفسِّرينَ: قال ابنُ جريرٍ الطبريُّ في سورةِ الأحزابِ: "لا يَتَشَبَّهْنَ بالإماءِ في لباسِهِنَّ إذا هُنَّ خَرَجْنَ مِن بيوتِهنَّ لحاجتِهنَّ، فكشَفْنَ شُعُورَهنَّ ووُجُوهَهنَّ، ولكنْ لِيُدْنِينَ عليهنَّ مِن جلابيبِهنَّ" (١)، وذكَرَ تفسيرَ السلفِ

стр. 1860

لتغطيةِ الوجهِ بالجلابيبِ، وهكذا فسَّر آيةَ القواعدِ في سورةِ الأحزابِ. وقولُهُ هنا في سورةِ النورِ بأنَّ المرأةَ تُبدِي وجهَها يَحكي المرحلةَ الأولى مِن فَرْصِ الحِجابِ، وآيةُ الأحزابِ بعدَها. وابنُ جريرٍ إمامٌ بصيرٌ ينقُلُ أقوالَ السلفِ في الموضعِ ويُبيِّنُه، ولو كانتِ الآيةُ في حُكْمٍ سابقٍ، ثمَّ تَبِعَتْهُ آياتٌ تَزِيدُ عليه في الحُكْمِ، فيذكُرُ عندَ كلِّ آياتٍ حُكْمَها، وهذا له نظائرُ كثيرةٌ في "تفسيرِه". وهكذا الإمامُ الجصَّاصُ ذكَرَ معنى ما ذكَرَهُ ابنُ جريرٍ في آيةِ النورِ؛ لأنَّها سابقةٌ، ثمَّ في آيةِ الأحزابِ المتأخِّرةِ قال: "في هذه الآيةِ دَلَالةٌ على أن المرأةَ الشابَّةَ مأمورةٌ بسَتْرِ وجهِها عن الأجنبيِّينَ، وإظهارِ السَّتْرِ والعفافِ عندَ الخروجِ" (١). وهكذا كثيرٌ مِن المفسِّرينَ؛ يُفسِّرونَ آيةَ النورِ على حالٍ سابقةٍ؛ كما جاء عن ابنِ جريرٍ، ثمَّ يَنُصُّونَ صراحةً على منعِ المرأةِ مِن كشفِ وجهِها عندَ آيةِ الآحزابِ، ومِن هؤلاء المفسِّرينَ: أبو الليثِ نَصْرٌ السَّمَرقَنديُّ الحَنَفيُّ في "تفسيرِه" (٢)، وأبو عبدِ اللَّهِ بنُ أبي زَمَنِينَ (٣)، والثعلبيُّ (٤)، والْكِيَا الهرَّاسيُّ (٥)، والزمخشريُّ (٦)، والعِزُّ بنُ عبدِ السلام (٧)، والبيضاويُّ (٨)، والنَّسَفِيُّ (٩)، وابنُ جُزَيٍّ (١٠)، والسُّيُوطيُّ (١١)، والبِقَاعيُّ (١٢)، وأبو السعودِ (١٣) وغيرُهم.
следующие страницы →