← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

والاستحبابُ بالتعجيلِ لا خلافَ فيه، والأصلُ: البراءةُ مِن الإثمِ، فإذا رُخِّصَ له بالفِطْرِ في رمضانَ، ووُسِّعَ له في ذلك، فإنَّ الشارعَ أَولى بأن يرخِّصَ له ويوسِّعَ في القضاءِ؛ فإنَّ رمضانَ محدَّدٌ بأيامٍ، ومَن ألزَمَ قبلَ رمضانَ الآتي، حدَّدَ القضاءَ بأيَّامٍ معلومةٍ، وهذا يفتقِرُ إلى دليلٍ خاصٍّ. واتَّفَقَ العلماءُ على أنَّ المريضَ والمسافِرَ لا يَقْضِيانِ ولا يُطْعِمانِ؛ إذا لم يكُنْ قضاؤُهما بعدَ رمضانَ الآتي، وإذا كان بعدَ الآتي ولكن كان المرَضُ مستمِرًّا أو السَّفَرُ متَّصِلًا، فيجبُ القضاءُ بلا إطعامٍ. وقولُه تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّه كان يَقرؤُها: "وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ" (١)، والقراءةُ الأُولى متواتِرةٌ، وهي الأشهرُ. مراحلُ تشريعِ صومِ رمضان: كان صيامُ رمضانَ في ابتداءِ الأمرِ على التخييرِ؛ فمَنْ شاءَ صامَ، ومن شاءَ أفطَرَ وأطعَمَ؛ جاء هذا في حديثِ ابنِ أبي ليلى، عن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ (٢). ونسَخَ اللهُ تعالى التخييرَ بالآيةِ التاليةِ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ روى البخاريُّ ومسلمٌ، عن يَزِيدَ مَوْلى سَلَمةَ بنِ الأَكْوَعِ، عن سَلَمةَ بنِ الأَكْوَعِ؛ أنَّه قال: "كنَّا في عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ مَنْ شاءَ صام، ومَنْ شاءَ أفطَرَ وافتَدَى بطعامِ مِسْكِينٍ، حتَّى أُنزِلَتْ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] " (٣). ورُوِيَ هذا عن عَلقمةَ وعطاءٍ وعِكْرِمةَ والحسَنِ والشَّعْبيِّ والزُّهْريِّ وغيرِهم.

стр. 212

ورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمرَ بسنَدٍ ليِّنٍ. وقد نسَخَ اللهُ التخييرَ وأَبْقَى أهلَ الأعذارِ؛ كالمريضِ والمسافِرِ. المعذورون بِتَرْكِ الصومِ مع الطاقة: وحمَلَ بعضُهُمْ قولَهُ تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ على الشيخِ الكبيرِ والمرأةِ العجوزِ، وهم مَن يُطِيقُ الصومَ، فرخَّص اللهُ لهما بالفِطْرِ، ولِمَنْ في حُكْمِهما؛ كالحامِلِ والمرضِعِ وشبْهِهما، ثمَّ نسَخَ اللهُ التَّخييرَ لهما، ورخَّصَ لهما عندَ المشقَّةِ والخوفِ على الصِّحَّةِ والنَّفْسِ أو الخوفِ على الوَلَدِ. فقد روى ابنُ جريرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ؛ قال: "كان الشَّيْخُ الكبيرُ والعَجُوزُ الكَبِيرةُ وهما يُطِيقَانِ الصَّوْمَ، رُخِّصَ لهما أنْ يُفطِرَا إنْ شاءَا ويُطْعِمَا لكلِّ يومٍ مِسْكِينًا، ثمَّ نُسِخَ ذلك بعد ذلك: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وثبَتَ للشيخِ الكبيرِ والعجوزِ الكبيرةِ، إذا كانا لا يُطيقانِ الصَّوْمَ، وللحُبْلَى والمُرْضِعِ إذا خَافَتا" (١). ومِن السَّلَفِ مَنْ يرى التخييرَ للحامِلِ والمرضِعِ باقيًا ولو بلا مشقَّةٍ؛ رُوِيَ هذا عن قَتَادةَ، عن عِكْرِمةَ؛ قال: "نُسِخَتِ الرُّخْصةُ عن الشَّيْخِ والعجوزِ إذا كانا يُطِيقانِ الصَّوْمَ، وبَقِيَتِ الحامِلُ والمرضِعُ أن يُفطِرَا ويُطعِما" (٢). والأظهَرُ: اشتراكُ الشيخِ والعجوزِ في حكمِ الحاملِ والمرضِعِ، وأمَّا التفريقُ بينَهم مع اشتراكِهم في التخييرِ وهم ممَّن يُطِيقُ، والتفريقُ بينَهم بعدَ النسخِ بعيدٌ؛ فيكونُ حكمُهم جميعًا قبل النسخِ التخييرَ، وبعدَ النسخ عند المشقَّةِ والخوفِ على النَّفْسِ أو على الولدِ، فمتى وُجدَتْ، جازَ الفِطرُ.

стр. 213

ورُوِيَ عن مجاهدٍ القولُ بعَدَمِ نسخِ الآيةِ، وهو قولٌ لابنِ عبَّاسٍ ﵁، وحمَلَ معناها على المشقَّةِ في الصيامِ مع القدرةِ عليه؛ فروى ابنُ أبي حاتمٍ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: "لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، لا يُرَخَّصُ هَذَا إِلا لِلْكبِيرِ الَّذِي لا يُطِيقُ, أَوْ مَرِيضٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يَشْفَى" (١). وهو المعنى الذي يقولُ به مَن قال بالنسخِ، ولكنَّ مجاهِدًا يفرِّقُ بين الشيخِ الكبيرِ والحاملِ والمرضعِ في القضاءِ، فيُلزِمُهُ على الحاملِ والمرضِعِ، ويَرفعُهُ عن الشيخِ الكبيرِ، ويَجعلُ عليه الإطعامَ فقطْ، ومرادُهُ أنَّ الشيخَ الكبيرَ إنَّما أفطَرَ لكِبَرِهِ، والكِبَرُ لا يَرتفِعُ بل يزيدُ، بخلافِ الحملِ والرَّضَاعِ، فهو عارضٌ ويزولُ. فِطْرُ الحاملِ والمُرْضِعِ: والعلماءُ يَختلِفونَ في أمرِ الحاملِ والمرضعِ؛ هل يجبُ عليهما القضاءُ والإطعامُ جميعًا، أو يجبُ عليهما أحَدُهما؟ وإنَّما وقَعَ عندَهم الخلافُ: أنَّ منهم مَن جعَلَ الحَمْلَ والرَّضَاعَ عِلَّةً وعذرًا عارضًا كالسَّفَرِ، فلا يجبُ على الإنسانِ إلَّا القضاءُ، وأنَّ الحاملَ والمرضِعَ يختلِفانِ عن الشيخِ الكبيرِ؛ وذلك لأنَّ عُذْرَهُ دائمٌ أو غالبٌ، وهما كحالِ المسافرِ المطيقِ للصومِ، ولكنَّه يَشُقُّ عليه أو يَشُقُّ على رفقتِهِ لو صامَ فيُفطِرُ ويَقضي فقطْ، قالوا: وهكذا الحامِلُ والمرضِعُ. ومنهم مَن جعلَ حُكْمَهما مقصودًا في الآيةِ، ولم يحتَجْ إلى القياسِ؛ فأوجَبَ الإطعامَ، فمنهم مَن جعَلَ معه القضاءَ, ومنهم مَن لم يجعَلْ معه القضاءَ، والخلافُ عندَهم على قَولَيْنِ: القولُ الأوَّلُ: ذهَبَ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ: إلى أنَّ

стр. 214

المرضِعَ والحامِلَ عليهما أن يُطْعِمَا عن كلِّ يومٍ مسكينًا، ولا يجبُ عليهما القصاءُ؛ سواءٌ خافَتا على نفسَيْهِما، أو خافَتا على ولدَيْهِما، وهذا رُوِيَ عنهما؛ كما رواهُ البيهقيُّ في "سُنَنِه"، وكذا عبدُ الرزَّاقِ بأسانيدَ صحيحةٍ صحَّحَها الدارقطنيُّ وغيرُه. روى الدارقطنيُّ عن أيُّوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمرَ: "أنَّ امرأتَهُ سألَتْهُ وهي حُبْلَى، فقال: أَفْطِرِي، وأَطْعِمِي عن كلِّ يومٍ مِسْكِينًا، ولا تَقْضِي" (١). وبنحوِه عن سعيدِ بنِ حُبَيْرٍ عن ابنِ عبَّاسٍ (٢). ولابنِ عبَّاسٍ قراءةٌ في قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾؛ قال: "يُطَوَّقُونَهُ"؛ مِن الطَّوْقِ الذي يحاطُ بالعُنُقِ؛ أي: يستطيعُ الصيامَ مع المشقَّةِ؛ كأنَّه قد أحاطَ بعنقِهِ، فيستطيعُ الصومَ مع الكُلْفةِ؛ كالشيخِ الكبيرِ، والمرأةِ العجوزِ، والحامِلِ، والمرضِعِ؛ لهذا عليه أن يُطعِمَ على هذا المعنى. وقد قرأَ بها حَفْصةُ، وسعيدُ بنُ المسيَّبِ، وعِكْرِمةُ مَوْلى عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وعطاءٌ، ومجاهدٌ، وغيرُهم، ولم يقرَأْ بها أحدٌ من العَشَرةِ؛ لمخالفتِها الرَّسْمَ. وعلَّلَ بعضُهم ترجيحَ هذا القولِ: أنَّ فيه دفعًا لمشقَّةٍ كبيرةٍ على المرأةِ الحامِلِ والمرضِعِ، قالوا: يحصُلُ كثيرًا أن تُنجبَ المرأةُ خمسةَ أولادٍ مثلًا على التتابُعِ؛ فتكونُ المرأةُ سَنَةً حاملًا وسنتَينِ مُرضِعًا في كلِّ ولَدٍ مِن أولادِها، فهذه خمسَ عَشْرةَ سنةً بين حملٍ وإرضاعٍ، فإيجابُ القضاءِ عليها أن تصومَ خمسةَ عشَرَ شهرًا فيه حرَجٌ بالغٌ وشديدٌ، فكيف إذا زادَتِ المرأةُ على خمسةِ أولادٍ؟ !

стр. 215

ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ خلافُه. القولُ الثَّاني: ذهَبَ أحمدُ والشافعيُّ، ومالكٌ وأبو حنيفةَ: إلى أنَّ المرضِعَ والحامِلَ يجبُ عليهما أن يَقْضِيَا، واختُلِفَ في الإطعامِ، والحاملُ والمرضعُ في ذلك على حالَيْنِ: أوَّلًا: إذا خافَتا على نفسَيْهِما؛ فهما يُقاسانِ على المريضِ باتفاقِ الأئمَّةِ الأربعةِ. ثانيًا: إذا خافَتَا على ولدَيْهِما؛ كأنْ تكونَ المُرضِعُ قد جَفَّ حليبُها، وتخشى أنَّها إن لم تَطْعَمْ، قَلَّ دَرُّها وتضرَّرَ صبيُّها، أو تكونَ حاملًا وتتناولَ علاجًا لصبيِّها في بطنِها: فذهَبَ أحمدُ وهو المشهورُ مِن مذهبِه، وهو قولُ الشافعيِّ في روايةِ المُزَنيِّ: إلى أنَّها تُفطِرُ وتُطعِمُ وتَقضي، واستَدَلَّ بقولِ اللَّهِ : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. وهذا القولُ لم يَصِحَّ القولُ به عن أحدٍ من السَّلَفِ - فيما أعلمُ - إلَّا مجاهدَ بنَ جَبْرٍ، وحكاهُ ابنُ أبي حاتمٍ عن بعضِ العراقيِّينَ؛ كالحسنِ والنَّخَعِيِّ في قولٍ له. روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن عُثْمانَ بنِ الأَسْوَدِ؛ قَالَ: سَأَلْتُ مجاهِدًا عن امْرَأَتِي، وكَانَتْ حَامِلًا، فوافَقَ تاسعُها شَهْرَ رَمَضانَ فِي حَرٍّ شديدٍ، فشَكَتْ إليَّ الصَّوْمَ، قد شَقَّ عليها، قالَ: "مُرْهَا، فَلْتُفْطِرْ وَتُطْعِمْ مِسْكِينًا كُلَّ يَوْمٍ، فَإِذَا صَحَّتْ فَتَفْضِ" (١). قال أبو عبدِ اللهِ المروزيُّ: "لا نعلمُ أحدًا صَحَّ عنه أنَّه جمَعَ عليهما الأمرَيْنِ: القضاءَ والإطعامَ، إلَّا مجاهدًا".

стр. 216

ورُوِيَ عن عطاءٍ وابنِ عمرَ؛ ولا يصحُّ. وذهبَ أبو حنيفةَ وأصحابُهُ، وهو قولُ الحسَنِ البَصْريِّ، وعطاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ، والضَّحَّاكِ، والنَّخَعيِّ، والزُّهْريِّ، وربيعةَ، والأوزاعيِّ، والليثِ، وأبي ثورٍ، وأبي عُبيدٍ، والطبريِّ: إلى أنَّ عليهما القضاءَ بلا إطعامٍ. وهو الأوجَهُ؛ فإنَّ ما في بطنِ المرأةِ الحاملِ منها كعضوٍ مِن أعضائِها، غيرُ منفصِلٍ عنها، وقد تؤثِّرُ صِحَّتُها عليه وصحَّتُهُ عليها، وكذلك المرضِعُ؛ فعليها إرضاعُهُ، وهو جهدٌ تبذلُهُ لِحَقِّ غيرِها، كالجهدِ الذي تبذُلُهُ لكفايةِ أهلِ بيتِها من طَبْخٍ وغَسْلٍ، فإذا كانتِ المرأةُ إذا صامَت تَعجِزُ عن الطَّبْخِ لأهلِ بيتِها بسببِ ضَعْفٍ في بدنِها، جاز لها الفِطْرُ، وكذلك المرأةُ المرضِعُ. وهذا الذي يعضُدُهُ ظاهرُ الدليلِ والقياسُ الصحيحُ. ولابنِ عبَّاسٍ وابنِ عُمَرَ قولٌ بوجوبِ القضاءِ فقطْ في الحالَيْنِ: روى عبدُ الرزَّاقِ في "مصنَّفِه"؛ من حديثِ ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّه قال بالقضاءِ (١). وروى البيهقيُّ في "السُّننِ" عن عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ عثمانَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ؛ مِثلَه. روى أنسُ بنُ مالكٍ الكَعْبيُّ، قال: أتَيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ فوَجَدتُّهُ يتغدَّى، فقال: (ادْنُ فَكُلْ)، فقلتُ: إنِّي صائمٌ، فقال: (ادْنُ أُحَدِّثْكَ عَنِ الصَّوْمِ، أَوِ الصِّيَامِ؛ إِنَّ اللهَ تَعَالَى وَضَعَ عَنِ المُسَافِرِ الصَّوْمَ، وَشَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الحَامِلِ أَوِ المُرْضِعِ الصَّوْمَ، أَوِ الصِّيَامَ)؛ رواهُ أحمدُ

стр. 217

والتِّرمِذيُّ والنَّسَائيُّ وابنُ ماجهْ؛ وصحَّحه ابنُ خُزَيْمةَ (١). وقد قرَنَ النبيُّ ﷺ الحامِلَ والمرضِعَ بالمسافرِ في وضعِ الصيامِ, ويجبُ على المسافِرِ القضاءُ، وكذلك المرضعُ والحامِلُ، وفي حديثِ أَنَسٍ اختلافٌ. وقولُ اللهِ تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] دليلٌ على أنَّه لا يُعذَرُ بالفِطْرِ مِن غيرِ بدَلٍ، إلَّا العاجزُ عجزًا دائمًا. وقد روى البُوَيْطِيُّ عن الشافعيِّ ذلك؛ أنَّ الحاملَ لا إطعامَ عليها، وهي كالمريضِ تقضي عِدَّةً مِن أيَّامٍ أُخَرَ. مقدارُ الإطعامِ عن رمضانَ: وقولُه: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: الفِدْيةُ: الجزاءُ؛ فَدَيْتُ هذا بهذا؛ أيْ: جزَيْتُهُ به، وأعطيتُهُ بدلًا منه. وأكثرُ مفسِّري السَّلَفِ يجعَلونَ الطعامَ مقدارَ نصفِ صاعٍ؛ لأنَّه هو الغالبُ في حدِّ الكفايةِ لطعامِ الواحدِ، وليس المرادُ به هو عدَمَ جوازِ ما دونَه حتَّى لو كَفَى المسكينَ، فلا أحدَ مِن السَّلفِ ينفي اعتبارَ الكفايةِ، فلو كَفَي المُدُّ للجائعِ، جاز. ولم يأتِ تقديرُ الإطعامِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بشيءٍ. وقولُه: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ﴾، فأحالَ الأمرَ إلى الفداءِ، وهو الجزاءُ المساوي، وهذا إحالةٌ إلى العُرْفِ؛ فكما أنَّه لم يقيِّدْ أَمْرَ الإطعامِ بجنسٍ أو نوعٍ، فهو لم يحدِّدْ مقدارَهُ، فالاعتبارُ إنَّما هو بما جرَتْ عليه العادةُ، فيُطعِمونَ مِن أوسطِ ما يُطعِمون أَهْلِيهم. ويؤيِّدُ هذا قولُهُ تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾

стр. 218

[المائدة: ٨٩]؛ وهذا في كفَّارةِ الأَيْمانِ، وعامَّةُ المفسِّرينَ مِن السَّلَفِ في هذه الآيةِ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ﴾ [المائدة: ٨٩] يذكُرونَ نوعَ الطعامِ ويفصِّلونَ فيه، وكلٌّ يفسِّرُهُ بنوعٍ بحسَبِ عُرْفِ بلدِه؛ لأنَّ المِقْدارَ عندَهم لم يَحُدَّهُ الشارعُ كزكاةِ الفِطْرِ؛ فأرجَعُوهُ إلى العُرْفِ. ويذكُرُ أكثرُهم نصفَ الصاعِ مِن غيرِ الطعامِ المطبوخِ؛ للتغليبِ، وما دونَهُ فيه شكٌّ. وأمَّا إذا كان الطعامُ طبيخًا، فلا يَحُدُّهُ أحدٌ منهم بشيءٍ إلَّا بما يتحقَّقُ منه الإطعامُ، وهو الشِّبَعُ. وقد يتجوَّزُ بعضُهم بالمقدارِ دونَ نصفِ الصاعِ؛ لذا قال ابنُ عمرَ بالمُدِّ في إطعامِ الحامِلِ والمرضِعِ، وقال ابنُ المسيَّبِ بالمُدِّ من الحِنْطةِ، وهذا الذي يَجري عليه عملُ أهلِ المدينةِ: فروى إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: أنَّ المُدَّ يُجزِئُ بالمدينةِ. وبيَّنَ مالكٌ: أنَّ الأمرَ إلى العُرْفِ بقولِه: "وأمَّا البُلْدانُ، فإنَّ لهم عَيْشًا غيرَ عيشِنا؛ فأرى أنْ يُكفِّروا بالوسَطِ مِن عيشِهم" (١). وجاء عن غيرِ واحدٍ مِن السَّلَفِ مِن المفسِّرينَ عمومُ الإفطارِ؛ كابنِ عبَّاسٍ وغيرِه. وأكثَرُ الفقهاءِ مِن الصحابةِ والتابعينَ على هذا، وبعضُهم يذكُرُ مقاديرَ وأنواعًا متبايِنةً؛ لتبايُنِ العرفِ وتنوُّعِ الأصنافِ التي يستعملُها الناسُ في البلدِ الواحدِ، واختلافُ الزَّمَنِ له أثرٌ أيضًا. والإطعامُ في سائرِ الأبوابِ - في الصيامِ أو الكفَّاراتِ - مقدارُهُ واحدٌ سواءٌ عندَ العلماءِ.

стр. 219

قال ابنُ عبدِ البرِّ في "الاستذكارِ": "الفقهاءُ في الإطعامِ في هذا البابِ، وفي سائرِ أبوابِ الصيامِ وسائرِ الكفَّاراتِ، على أصولِهم؛ كلٌّ على أصلِهِ، والأطعامُ عندَ الحجازيِّينَ مُدًّا بمُدِّ النبيِّ، وعندَ العراقيِّينَ نصفَ صاعٍ" (١). وتفسيرُ بعضِهم الفِدْيةَ في كفارةِ الصيامِ بنصفِ صاعٍ؛ كمجاهِدٍ وغيرِه؛ للاحتياطِ، وأنَّ الأغلبَ أنَّ في نصفِ الصاعِ كفايةً، وهذا ما يَظهرُ مِن النصِّ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾؛ يعني: مَن زاد في الإطعامِ ليحتاطَ، فهو خيرٌ. كلُّ ما لم يقدِّرْهُ الشارعُ، مردُّهُ إلى العرف: وهكذا كلُّ ما لم يقدِّرْهُ الشارعُ بشيءٍ معيَّنٍ، فمَرَدُّهُ إلى العُرْفِ؛ كطعامِ المرأةِ والولَدِ، والمملوكِ والأجيرِ بمِلْءِ بطنِه، وهكذا الكِسْوةُ، وحقُّ الضيفِ، وحقُّ الضيافةِ المشروطةِ على أهلِ الذِّمَّةِ. ولهذا: فمَن جمَعَ مساكينَ على وَلِيمةٍ، فأكَلُوا منها بلا مِقدارِ حتَّى شَبِعُوا، أجزَأَهُ بعَدَدِهم، ولو كان من الأَرُزِّ أو الخبزِ أو المأكولاتِ الحديثةِ من (السَّنْدَوِتْشاتِ) وغيرِها؛ وهذا الذي يجري عليه قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ، وقولُ أحمدَ في روايةٍ. ثمَّ إنَّ اللهَ أمَرَ بالإطعامِ، ولم يأمُرْ بالتمليكِ؛ لا كحالِ زكاةِ الفِطْرِ؛ فزكاةُ الفطرِ تمليكٌ للمِسْكِينِ، ولا يَلزَمُ مِن ذلك أَكْلُه، وأمَّا الكفارةُ فهي إطعامٌ، ويكفي في ذلك تحقُّقُه بأيِّ نوعٍ وبأيِّ مقدارٍ؛ ما أشبَعَ الجائعَ. ولا حرَجَ على مَن عليه فِدْيةٌ متعدِّدةٌ إخراجُها مرَّةً واحدةً؛ فقد روى الدارقطنيُّ؛ مِن حديثِ سعيدِ بنِ أبي عَرُوبةَ وهشامٍ، عن قَتَادةَ، عن أنَسِ بنِ مالكٍ: "أنَّه كَبِرَ، فأمَرَ أن يُطعَمَ عنه؛ عن كلِّ يومٍ مسكينًا، فأطعَمَ عن ثلاثينَ يومًا" (٢).

стр. 220

وقولُه: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: التطوُّعُ: هو التنفُّلُ والزيادةُ على الفَرْضِ، والمرادُ به هنا: الزيادةُ على القَدْرِ الواجبِ مِن الإطعامِ، فمَن زادَ على الأكلِ الذي يكفي الواحدَ - كمَن تصدَّقَ بصاعٍ - فهو خيرٌ وأفضلُ. رُوِيَ هذا عن ابنِ عَبَّاسٍ ومُجَاهدٍ، وطاوُسٍ وعطاءٍ والحسَنِ، وغيرِهم (١). * * * قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. الشَّهْرُ: مِن ارتفاعِ الشَّيْءِ وظهورِه؛ يقالُ: "شهَرَ الرَّجُلُ سَيْفَهُ: انتَضَاهُ ورفَعَهُ على الناسِ". أصلُ تسميةِ رمضانَ: ورمضانُ هو الشَّهْرُ القَمَريُّ التاسعُ، واختُلِفَ في سببِ تسميتِه برمضانَ؛ على أقوالٍ: فقيل: لأنَّ وقتَ فرضِه كان وقتَ حرٍّ شديدٍ.

стр. 221

قال ابنُ دُرَيْدٍ: "لمَّا نقَلُوا أسماءَ الشهورِ عن اللغةِ القديمةِ، أَسْمَوْها بالأزمنةِ التي وقعَتْ فيها، فوافقَ رمَضَانُ أيَّامَ رمَضِ الحرِّ وشِدَّتِه؛ فسُمِّيَ به" (١)، ثم كَثُرَ استعمالُها في الأَهِلَّةِ، وإن لم تُوافِق ذلك الزمانَ. ويُقالُ: إنَّ أولَ مَن سمَّاها بهذه الأسماءِ كِلَابُ بنُ مُرَّةَ مِن قُرَيْشٍ، واسمُ رَمَضانَ في الجاهليَّةِ: النَّاتِقُ أو النَّاطِلُ؛ مِن الناقةِ الناتِقِ؛ أيْ: كثيرةِ الولادةِ، أو مِن الناطِلِ وهو: كيلُ السَّوَائِلِ. ويذكُرُ الفَلَكيُّونَ: أنَّ التسميةَ الجديدةَ للشهورِ وقعَتْ في الخريفِ، وهو ليس شديدَ الحَرِّ، وهذا يعكِّرُ عليه القولُ بتسميتِهِ لِشِدَّةِ الحرِّ كما قال ابنُ دُرَيْدٍ وغيرُه. وقيل: مأخوذٌ مِن رَمَضِ الصائمِ، وهو حَرُّ جَوْفِهِ مِن شِدَّةِ العطشِ. وقيل: لأنَّه يَرْمَضُ الذنوبَ ويَحْرِقُها بالرحمةِ والمغفرةِ التي تتنزَّلُ فيه؛ فرمضانُ مِن أعظمِ مكفِّراتِ الذنوبِ لمَنِ احتسَبَ صيامَهُ وقيامَه، وقد جاء في "الصحيحَيْنِ" مرفوعًا: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ) (٢)، فالصومُ يَرْمَضُ الذنبَ ويَحْرِقُهُ، كما أنَّ الصومَ يَرْمَضُ النَّفْسَ؛ فالجزاءُ مِن جنسِ العملِ. وقيل: هو مِن: رمَضْتُ النَّضْلَ أَرْمِضُهُ رَمْضًا: إذا دقَقْتَهُ بينَ حجرَيْنِ لِيَرِقَّ؛ سُمِّيَ بذلك؛ لأنَّه شهرُ مشقَّةٍ ومكابَدةٍ، وعُسْرٍ وجُوعٍ، يذكِّرُ الصائمينَ بما يقاسِيهِ أهلُ النارِ فيها. وقيل: لأنَّهم كانوا يَرْمِضُونَ أسلحتَهم فيه - أيْ: يرقِّقُونَها - ليُحارِبوا بها في شَوَّالٍ قبلَ دخولِ الأشهُرِ الحرُمِ.

стр. 222

ورُوِيَ عن بعضِ السَّلَفِ؛ كمجاهِدِ بنِ جَبْرٍ: أنَّ رمضانَ اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ تعالى. رواهُ سُفْيانُ عنه؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ (١). ورواهُ ابنُ عساكِرَ في "تاريخِ دِمَشْقَ"، عن سُنَيْدِ بنِ داودَ، نا وكيعٌ، عن طَلْحةَ بنِ عَمْرٍو، عن مجاهدٍ؛ قال: "لا تقولوا: رَمَضانُ، ولكن قولوا: شهرُ رَمَضانَ؛ لعلَّه اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ " (٢). وقد كَرِهَ مَن قالَ بأنَّ رَمَضانَ مِن أسماءِ اللهِ: أنْ يُطلَقَ رمضانُ على الشَّهْرِ دون أنْ يُجعَلَ مضافًا إليه، فلا يجوزُ أن يُقالَ: رمضانُ؛ وإنَّما تقولُ شهرُ رمضانَ؛ لأنَّه شهرُ اللهِ، وليس هو اللهَ. وهذا القولُ لا دليلَ عليه، ولا يثبُتُ شيءٌ في الوحيِ أنَّ رمضانَ مِن أسماءِ اللهِ، وأسماءُ اللهِ وصفاتُهُ توقيفيَّةٌ. وأمَّا ما روى ابن أبي حاتمٍ؛ قال: حدَّثنا محمَّدُ بنُ بكَّارِ بنِ الرَّيَّانِ، حدَّثنا أبو مَعْشَرٍ، عن محمَّدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ، وسعيدٍ - هو المَقْبُريُّ - عن أبي هريرةَ، قال: "لا تقولوا: رمضانُ؛ فإنَّ رمضانَ اسمٌ مِن أسماءِ اللهِ تعالى، ولكنْ قولوا: شهرُ رمضانَ" (٣): فمنكَرٌ لا يصحُّ؛ فأبو مَعْشَرٍ: هو نَجِيحُ بنُ عبدِ الرحمنِ المَدَنيُّ إمامُ المغازي والسِّيَرِ، وفيه ضَعْفٌ، وقد رواهُ ابنُه محمَّدٌ عنه، عندَ البيهقيِّ في "سننِه"؛ فجعلَهُ مرفوعًا عن أبي هريرةَ (٤). قال ابنُ كَثِيرٍ ﵀ لمَّا ساقَهُ في "تفسيرِهِ": "وقد أنكرَهُ عليه الحافظُ

стр. 223

ابنُ عَدِيٍّ، وهو جَدِيرٌ بالإنكارِ؛ فإنَّه متروكٌ، وقد وَهِمَ في رفعِ هذا الحديثِ" (١). ورُوِيَ عن أبي مَعْشَرٍ مِن قولِ محمَّدِ بنِ كَعْبٍ، وهو أشبَهُ؛ قاله البيهقيُّ (٢). وقد روى ابن النَّجَّارِ في "كتابِهِ"، وأبو طاهرِ بنُ أبي الصَّقْرِ في "مَشْيَخَتِهِ" خبرًا منكَرًا؛ مِن حديثِ أحمدَ بنِ عليِّ بنِ خَلَفٍ، حدَّثنا موسى بنُ إبراهيمَ الأنصاريُّ، حدَّثنا أبو معاويةَ الضَّرِيرُ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ ﵂؛ قالت: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، ما معنى رمضانَ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ (يَا حُمَيْرَاءُ، لَا تَقُولِي: رَمَضَانُ؛ فَإِنَّهُ اسْمٌ مِنْ أسْمَاءِ اللهِ، وَلَكِنْ قُولِي: شَهْرُ رَمَضَانَ؛ يعني: رمَضَانُ أَرْمَضَ فِيهِ ذُنُوبَ عِبَادِهِ، فَغَفَرَها)، قالتْ عائشةُ: فقُلْنا: شَوَّالٌ يا رسولَ اللهِ؟ فقال: (شَالَتْ لَهُمْ ذُنُوبُهُمْ، فَذَهَبَتْ) (٣). وهو خبرٌ منكَرٌ أيضًا (٤). وقد أعلَّ البخاريُّ الأحاديثَ الوارِدةَ في البابِ موقوفةً ومرفوعةً؛ حيثُ ترجَمَ، فقال: "بابٌ: هل يقالُ: رمضانُ، أو شهرُ رمضان؟ ومَن رأَى كلَّه واسعًا" (٥). وساق أحاديثَ في ذلك، منها: (مَن صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ) (٦)، ونحوُ ذلك. وقد ترجَمَ النَّسَائيُّ في "سننِه" نحوَ ذلك، فقال: "بابُ الرُّخْصةِ في

стр. 224

أنْ يُقالَ لشهرِ رمضانَ: رمضانُ" (١). ثمَّ أورَدَ حديثَ أبي بَكْرةَ مرفوعًا: (لَا يَقُولنَّ أحَدُكُمْ: صُمْتُ رَمَضَانَ، وَلَا قُمْتُهُ كُلَّهُ) (٢)، وغيرَه. والأحاديثُ التي فيها ذِكْرُ رمضانَ مجرَّدًا تبلُغُ المِئِينَ، لكنَّ الغرَضَ يحصُلُ بحديثٍ واحدٍ. وقد كَرِهَ بعضُ السَّلَفِ أن يُجمَعَ رمضانُ؛ إذْ يُجمَعُ في العربيَّةِ على وزنِ جمعِ المؤنَّثِ السالمِ، وعلى أوزانِ جموعِ التكسيرِ؛ فيُقالُ: رَمَضَاناتٌ، ورَمَاضِينُ، وأَرْمِضَةٌ، وأَرْمِضَاءُ. . . إلى آخرِه. قولُه: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾: أُنزِلَ القرآنُ في رَمَضانَ بلا خلافٍ؛ وإنَّما اختَلَفوا في المرادِ بالآيةِ؛ هل هو نزولُهُ إلى السماءِ الدُّنْيا، أو نزولُهُ على النبيِّ ﷺ أوَّلَ ما نزَل بمكَّةَ؟ : القولُ الأوَّلُ: جاء عن ابنِ عبَّاسٍ والشَّعْبيِّ وغيرِهما؛ قال ابنُ عبَّاسٍ: "أُنزِلَ القرآنُ كلُّهُ جُمْلةً واحدةً في ليلةِ القَدْرِ في رمضانَ إلى السماءِ الدُّنْيا، فكان اللهُ إذا أراد أن يُحدِثَ في الأرضِ شيئًا أنزَلَ منه، حتى جمَعَهُ" (٣). ورُوِيَ هذا بألفاظٍ مختلِفةٍ؛ رواه عنه سعيدُ بنُ جُبَيرٍ وعِكْرِمةُ ومِقسَمٌ (٤). وهو الأشهرُ من أقوالِ المفسِّرين.

стр. 225

والقولُ الثاني: رُوِيَ عن الشَّعْبيِّ أيضًا وابنِ إسحاقَ في "السِّيرَةِ" وغيرِهما؛ والأوَّلُ أصحُّ عن الشَّعْبيِّ. روى ابنُ جريرٍ، عن داودَ، عن الشَّعبْيِّ؛ قال: "بلَغَنا أنَّ القرآنَ نزَلَ جملةً واحدةً إلى السماءِ الدُّنيا" (١). وفي قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ إشارةٌ إلى نزولِه إلى السماءِ الدُّنْيا فيها، وهذا محتمِلٌ أن يكونَ القرآنُ نزَلَ مجمَلاً إلى السماءِ الدُّنْيا في ليلةِ القدرِ، ونزَلَ أوَّلَ ما نزَلَ فيها أيضًا؛ فهدايةُ الناسِ وانتفاعُهم ببيِّناتِهِ، وكونُهُ فَيْصلًا وفُرْقانًا للحقِّ الملتبِسِ في عقولِهم عن الباطلِ، لا يكونُ إلَّا مع نزولِهِ على النبيِّ ﷺ في الأرضِ. ويؤيِّدُ هذا قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣] فالإنذارُ المذكورُ في الآية: إمَّا وعدٌ بكونِهِ نذيرًا للناسِ عندَ نزولِه؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]؛ فيُحمَلُ على القولِ الثاني، وإمَّا إخبارٌ بأثَرِه في الناسِ عندَ نزولِه؛ فيُحمَلُ على القولِ الأوَّلِ. ولا يختلِفُ القولُ الثاني عن القولِ الأوَّلِ؛ إذا قيلَ بأنَّ اللهَ أنزَلَهُ في ليلةِ القدرِ جملةً واحدةً، ثمَّ أنزَلَهُ فيها على نبيِّه ﷺ : فمَن قال بنزولِ القرآنِ إلى الأرضِ في ليلةِ القدرِ، لا يَنفي قولَ مَن قال: إنَّه نزَلَ جُمْلةً إلى السماءِ الدُّنيا، ولكنَّه يُثبِتُ معنًى زائدًا بعدَ الإنزالِ مجمَلًا. ومَن قال: إنَّ المقصودَ إنزالُهُ جملةً في ليلةِ القدر، يسكُتُ ولا يَنفي نزولَهُ إلى الأرضِ في ليلةِ القدرِ؛ وهذا الذي يَظهَرُ مِن الأقوالِ المرويَّةِ

стр. 226

عن ابنِ عبَّاسٍ في هذا البابِ، ممَّا رواهُ ابنُ جَرِيرٍ والنَّسائيُّ والبيهقيُّ والحاكمُ والطَّبَرانيُّ. والقرآنُ في اللَّوْحِ المحفوظِ قبلَ نزولِهِ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢]، وقد أنزَلَه اللهُ إلى السماءِ الدُّنيا جملةً كما سبَقَ. أصلُ تسمية القرآنِ: واختَلَفوا في "القرآنِ"؛ هل هو مشتقٌّ أو لا؟ : وقيل: هو اسم لكلامِه يَجري مجرى الأعلامِ في أسماءِ غيرِه. قال الشافعيُّ: "القُرَانُ اسمٌ، وليس بمهموزٍ، ولم يُؤخَذْ مِن قَرَأْتُ، ولكنَّه اسمٌ لكتابِ اللهِ تعالى، مِثلُ التَّوْراةِ والإنجيلِ"؛ رواهُ البيهقيُّ عنه كما في "المناقبِ". وقيل: إنَّه مشتقٌّ، واختُلِفَ في اشتقاقِهِ؛ فقيل: مأخوذٌ مِن قَرَنْتُ الشيءَ بالشيءِ: إذا ضمَمْتَ أحدَهما إلى الآخَرِ؛ فسُمِّيَ به؛ لاقترانِ السُّوَرِ والآياتِ والحروفِ؛ لذا يُقالُ للجمعِ بين التَّمرتَيْنِ: إقرانٌ، ويُقالُ للجمعِ بينَ الحجِّ والعُمْرةِ: قِرَانٌ. والقرآنُ هدًى للناسِ يَهْدِيهم ويُرشِدُهم، وهو بيِّناتٌ مِن الهُدَى والفُرقانِ، يَفصِلُ الحلالَ عن الحَرَامِ، ويبيِّنُهُ ويَدْعو إليه؛ كلٌّ بقَدْرِهِ وقيمتِه؛ فمنه الحلالُ ومنه الحرام، والحرامُ منه الكبيرةُ ومنه الصغيرةُ، والحلالُ منه المأكولُ ومنه المشروبُ، ومنه المركوبُ ومنه الملبوسُ. وبيَّن اللهُ فيه الحدودَ وتفاصيلَها وأحوالَها، وأحوالَ فاعِليها في الدُّنيا والآخِرةِ. قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾: مَنْ كان حاضِرًا رمضانَ وليس هو من أهلِ الأعذارِ، فيجبُ عليه

стр. 227

صومُهُ؛ وهذا هو الظاهرُ مِن الآيةِ، وفي حديثِ سلَمةَ بنِ الأَكْوَعِ في أنَّ الصيامَ كان أوَّلَ أمرِهِ على التخييرِ؛ مَنْ شاء صام رمضانَ، ومَن شاء أفطَرَهُ وأَطْعَمَ، ثمَّ أوجَبَهُ اللهُ بهذه الآيةِ؛ فالمقصودُ مِن شهودِ الشهرِ هو طلوعُ هلالِه على المكلَّفِ بلا عُذْرٍ. السفرُ بعدَ رؤيةِ هلالِ رمضانَ: ورُوِيَ عن بعضِ السَّلَفِ: أنَّ المرادَ به: مَن رأى الهلالَ مقيمًا، وجَبَ عليه الصومُ، ولا يُعذَرُ بسفَرِه بعدَ ذلك للشهرِ كلِّه، ومِن بابِ أولى مَن أصبَحَ صائمًا، ثمَّ أرادَ السفرَ نهارًا: أنَّه لا يُفطِرُ؛ رُوِيَ هذا عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ؛ رواهُ ابنُ أبي حاتمٍ، عن عَبِيدةَ السَّلْمَانِي، عَنْ عَلِيِّ؛ قَالَ: "مَن أدْرَكَهُ رَمَضَانُ وَهُوَ مُقِيمٌ، ثُمَّ سَافَرَ بَعْدُ، لَزِمَهُ الصَّوْمُ؛ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ " (١). ورُوِيَ عن عَبِيدةَ السَّلْمانيِّ؛ رواهُ ابنُ جَرِيرٍ، عن محمَّدٍ، عن عَبِيدةَ - في الرَّجُلِ يُدرِكُهُ رمضانُ، ثمَّ يسافِرُ - قال: "إذا شهِدتَّ أوَّلَهُ، فصُمْ آخِرَهُ؛ ألَا تراهُ يقولُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾؟ ! " (٢). روى عبدُ الرزَّاقِ في "المصنَّفِ"؛ مِن حديثِ ابنِ سِيرينَ، عن عَبِيدةَ السَّلْمانيِّ؛ أنَّه قال: "مَنْ سَافَرَ فِي رَمَضَانَ، وَقَدْ كَانَ صَامَ أَوَّلَهُ مُقِيمًا، فَلْيَصُمْ آخِرَهُ؛ ألَا تَسْمَعُ أَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ " (٣). ورُوِيَ هذا عن غيرِ واحدٍ مِن الصحابةِ بأسانيدَ لا تخلو مِن عِلَّةٍ؛ رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ، وجاء عنه خلافُهُ؛ وهو أصحُّ. وما جاء عن عائشةَ لا يُفيدُ الأمرَ بالصومِ لمَن رأى الهلالَ مقيمًا

стр. 228

أن يصومَ في السَّفَرِ؛ وإنَّما هو فيمَن شهِدَ الهلالَ: ألَّا يسافِرَ وهو ليس على الإلزامِ؛ فروى ابنُ جريرٍ، عن أبي يَزِيدَ، عن أُمِّ ذَرَّةَ، قالتْ: "أتيتُ عائشةَ في رَمَضانَ، قالتْ: مِن أين جِئْتِ؟ قلتُ: مِن عندِ أخي حُنَيْنٍ، قالتْ: ما شأنُه؟ قالتْ: ودَّعْتُهُ يُرِيدُ يرتحلُ، قالتْ: فأَقْرِئِيهِ السَّلَامَ، ومُرِيهِ فليُقِمْ، فلو أدركَني رمضانُ وأنا ببعضِ الطَّريقِ لَأَقَمْتُ له" (١). وهذا ظاهرٌ في قولِها: "لَأقَمْتُ لَهُ"؛ لأنَّها تكرَهُ أنْ يرتكبَ الإنسانُ سببًا يُوجِبُ فِطْرَهُ وقد طلَعَ عليه الهلالُ حاضرًا. ولعلَّها تريدُ دَفْعَ التساهلِ في صيامِ رمضانَ، والتغافُلِ عن ساعاتِهِ ولياليهِ الفاضلةِ بسَفَرٍ مُبَاحٍ أو طاعةٍ مرجوحةٍ، ولا خلافَ عندَ السَّلَفِ: أنَّ الإقامةَ في رمضانَ للصومِ والعبادةِ أفضلُ من السَّفَرِ المباحِ ولو صام فيه الإنسانُ؛ لأنَّه ولو صامَ ينشغلُ ويَعجِزُ عن بقيَّةِ الطاعاتِ؛ فكيف بمَن يُسافِرُ ويُفطِرُ؟ ! والمسافِرُ له الترخُّصُ بالفطرِ عندَ عامَّةِ السَّلَفِ، وأنَّ الصيامَ لا يجبُ عليه إذا دخَلَ عليه رمضانُ وهو حاضِرٌ؛ رُوِيَ هذا عن ابنِ المسيَّبِ والحسَنِ والنَّخَعيِّ، والحكَمِ وحمَّادٍ. فالمرادُ بالشهودِ هنا: شهودُهُ وحضورُ هلالِه مع التكليفِ بلا عذرٍ، وجَبَ على شاهِدِه صيامُهُ. وقد قال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ: مَن شَهِدَ رمضانَ وهو صحيحٌ عاقلٌ بالغٌ، فعليه صومُهُ، فإنْ جُنَّ بعدَ دخولِهِ عليه وهو بالصفةِ التي وصَفْنا، ثمَّ أفاقَ بعدَ انقضائِه، لَزِمَهُ قضاءُ ما كان فيه مِن أيَّامِ الشهرِ مغلوبًا على عقلِه؛ لأنَّه كان ممَّن شهِدَهُ وهو ممَّن عليه فُرِضَ.

стр. 229

قالوا: ومِثلُهُ مَن شَهِدَ رمضانَ وهو مكلَّفٌ؛ كمَن به جنونٌ حتى بَقِيَ مِن الشهرِ يومٌ، قالوا: يجبُ عليه قضاؤُه. قالوا: ومَن خرَجَ الشهرُ وهو مجنونٌ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ، ثمَّ أفاقَ: لا يجبُ عليه شيءٌ؛ لأنَّه لم يَشْهَدْهُ. فمَن كان مِن أهلِ التكليفِ قبلَ رمضانَ، ثمَّ جُنَّ في رمضانَ، وأفاقَ بعدَهُ، يجبُ عليه القضاءُ بكلِّ حالٍ؛ وهذا الذي عليه فُتيا السَّلَفِ، وقد حكاهُ ابنُ جريرٍ إجماعًا (١). فالتكليفُ لا يرتبِطُ بشهودِ شيءٍ مِن الشهرِ؛ أوَّلَهُ أو آخِرَهُ؛ فالآيةُ تقصدُ الخطابَ بالتكليفِ أداءً لا قضاءً، والآيةُ ناسخةٌ للتخييرِ الذي كان عليه أمرُ الصومِ قبلَ ذلك، لا أنَّها مشرِّعةٌ تشريعًا ابتدائيًّا بلا علمٍ سابقٍ، فالصحابةُ يَعلَمونَ تشريعَ الصومِ وحالَهُ، والخطابُ إنَّما هو بالإلزامِ به لمَنْ شَهِدَهُ، ورُخِّصَ لأهلِ العذرِ بفِطْرِه. صومُ المريضِ: وقولُه: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾: والمرضُ الذي يَعجِزُ معه الإنسانُ عن الصومِ، أو يشُقُّ عليه مشقَّةً تُؤْذِيهِ، أو تُرجِئُ عنه الشفاءَ، فضلًا عن المرضِ الذي يخافُ معه على نفسِه؛ فكلُّ ذلك يجوزُ للإنسانِ أن يُفطِرَ لِأَجْلِه، ولا خلافَ عندَ السلفِ في ذلك. حدود المرضِ المجيزِ للفطرِ: وإنَّما يختلِفونَ في حدِّ المرضِ ووصفِهِ الذي يُوجِبُ الفِطْرَ؛ قال الحسَنُ والنَّخَعيُّ: "إذا لم يَستطِعِ المريضُ أن يصلِّيَ قائمًا، أفطَرَ" (٢). وقد قيّده أحمد بعدم الاستطاعة، فقيل له: مثل الحمى؟ قال: وأي

стр. 230

مرض أشد من الحمى؟ ! قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] (١). روى الربيعُ، عن الشافعيِّ: "أنَّه كلُّ مرضٍ كان الأغلبُ مِن أمرِ صاحبِهِ بالصومِ الزيادةَ في عِلَّتِهِ زيادةً غيرَ مُحتمَلةٍ" (٢). ومرادُهُ: المرضُ الذي يُصيبُ عمومَ بدَنِهِ، فيُعجِزُهُ عن القيامِ، ولا يدخُلُ في هذا مرضُ القَدَمِ اللازمُ الذي لا يُؤذي بقيَّةَ البدنِ؛ مِن كسرٍ أو بترٍ دائمٍ لِقَدَمٍ يستطيعُ معه الإنسانُ الصومَ؛ فهذا مرضٌ للقَدَمِ، لا مرضٌ للبدَنِ ينتشِرُ في الجسمِ أذاهُ. حكمُ صومِ المسافرِ: وعامَّةُ السلفِ - وهو قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ -: أنَّ مَن صام وهو مسافِرٌ، انعقَدَ صيامُهُ. ورُوِيَ عن بعضِ السلفِ: عدَمُ جوازِ الصيامِ في السفرِ وعدَمُ انعقادِه؛ وهذا يخالِفُ ظاهرَ القرآنِ والسُّنَّةِ. وخالَفَ في هذا قِلَّةٌ من الصحابةِ، وفي صِحَّتِهِ وصراحتِهِ عن مجموعِهم نظَرٌ. ومَن غلَبَ على ظَنِّهِ الأذى وشدةُ المشقَّةِ، كُرِهَ أو حَرُمَ عليه الصومُ؛ قال أبو سعيدٍ مَوْلى المَهْريِّ: "قَدِمْتُ مِن العمرةِ ومعي صَحْبٌ لي، فنَزَلْنا عندَ أبي هُرَيْرةَ - عليه رضوانُ اللهِ تعالى - بأرضِهِ، فأصبَحْنا مُفطِرِينَ إلا صاحبًا لنا، فجاء أبو هريرةَ - عليه رضوانُ اللهِ تعالى - في نصفِ النهارِ، ورأى صاحِبَنا يلتمِسُ بَرْدَ النَّخْلِ، فقال: ما بالُ صاحبِكم؟ قُلْنا: إنه صائمٌ، فقال أبو هريرةَ - عليه رضوانُ اللهِ تعالى -: "أمَا يَعْلَمُ أنَّها رخصةٌ مِن اللهِ؟ ! لو مات، ما صَلَّيْتُ عليه" (٣).

стр. 231

وهو صحيحٌ عنه. ولا يُؤخَدُ منه وجوبُ الفِطْرِ؛ لأنَّ أبا هريرةَ قاله في حقِّ مَن قتَلَ نفسَهُ من الجوعِ. قال ابنُ المُنذِرِ - عليه رحمةُ اللهِ -: "ورُوِيَ هذا عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ أنه قال: "مَنْ صام في السَّفَرِ، قضَاهُ"، ورُوِيَ نحوُهُ عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، ورُوِيَ عن عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، عليه رضوانُ اللهِ تعالى أنَّه قال: "الصَّوْمُ في السَّفَرِ كالفِطْرِ في الحَضَرِ"، ورُوِيَ هذا عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ وابنِ شِهَابٍ الزُّهْريِّ وغيرِهما" (١). ومنَعَ غيرُ واحدٍ من الظاهريَّةِ مِن الصومِ في السفرِ. واختلَفَ الأئمَّةُ الأربعةُ في التفاضُلِ بينَ الصومِ والفِطْرِ في السفرِ على ثلاثةِ أقوالٍ: ١ - ذهَبَ جمهورُ العلماءِ، وهو قولُ أبي حنيفةَ ومالكٍ والشافعيِّ: إلى أنه يجوزُ الترخُّصُ بالفطرِ في السفرِ، إلا أنَّ الصومَ أفضلُ. ٢ - وذهَبَ أحمدُ في المشهورِ عنه: إلى أنَّ الرُّخْصةَ للصائمِ أن يُفطِرَ في السفرِ إلا أنَّ الفطرَ أفضلُ؛ وهذا مرويٌّ عن عبدِ اللهِ بن عمرَ؛ فقد روى نافعٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ؛ أنه قال: "إنِّي أُحِبُّ أن أُفطِرَ في السفرِ، وألَّا أصومَ" (٢). ٣ - ورُوِيَ عن أحمدَ روايةٌ أخرى، وهو قولُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وقال به ابنُ المنذرِ: أنَّ الأمرَ مبنيٌّ على السَّعَةِ والقُدْرة؛ فإن استطاعَ الإنسانُ أن يصومَ بلا مشقَّةٍ، كان الصيامُ أفضَلَ، وإنْ كان ثَمَّةَ مشقَّةٌ،

стр. 232

فالفطرُ أفضلُ، والرخصةُ له في الحالَيْنِ بالصومِ أو الفطرِ ما لم يُؤْذِ نفسَهُ بالصومِ. وهذا أقرَبُ الأقوالِ، وبه تجتمعُ النصوصُ، وعليه تُحمَلُ أحوالُ الصحابةِ والتابعينَ، وتَباينُهُمْ في الصومِ في السفرِ. وقد جاءتِ الرواياتُ عن رسولِ اللهِ ﷺ متبايِنةً بالنهيِ والإقرارِ؛ بالنهيِ عن الصيامِ في السفرِ، وبإقرارِ الصحابةِ على صَوْمِهم وفِطْرِهم؛ فقد روى مسلِمٌ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ؛ قال: "غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِسِتَّ عَشْرةَ مَضَتْ مِن رَمَضَانَ، فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ" (١). وأضعفُ هذه الأقوالِ: القولُ بعدمِ انعقادِ الصومِ في السفرِ، وأنَّه محرَّمٌ بكلِّ حالٍ؛ فاللهُ قد رخَّصَ لهذه الأمَّةِ بالفِطْرِ، والرخصةُ لا تَلْزَمُ صاحبَها؛ وقد روى أحمدُ وابنُ خُزَيْمةَ في "صحيحِه"؛ مِن حديثِ عُمَارةَ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ ؛ أنَّه قال: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ) (٢). ورُوِيَ عن حمزةَ بنِ عمرٍو الأَسْلَميِّ؛ أنَّه قال: يا رسولَ اللهِ، أَجِدُ بي قُوَّةً على الصيامِ في السفرِ، فهل عليَّ جُنَاحٌ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : (هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ؛ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَن أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ) (٣). قولُه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾: جعَلَ اللهُ الصيامَ يُسْرًا في أصلِ تشريعِهِ، فكان مستحَبًّا ثلاثةُ أيامٍ

стр. 233

مِن كلِّ شهرٍ، مفرَّقةً لا متتابِعةً، وفَرْضًا على قولٍ؛ وذلك ترويضًا للنفسِ وتعويدًا لها. ثمَّ شرَعَ اللهُ الصيامَ لرمَضَانَ اختيارًا، ثمَّ جعَلَهُ اللهُ فرضًا، يصامُ شهرًا واحدًا في السَّنَةِ، وهو الشهرُ التاسعُ من السَّنةِ القمريَّةِ، وجعَلَ لأهلِ الأعذارِ الفِطْرَ رُخْصةً، بل ربَّما وجَبَ إذا كان يَخشى معه على نَفْسِهِ الهلاكَ. والإرادةُ في الآيةِ هي إرادةُ التشريعِ، وهو معنى التيسيرِ في الحُكْمِ، وهذا أيضًا معنى التوسُّطِ في قولِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ يَعني: عَدْلًا، والعدلُ هو إنصافُ المكلَّفِينَ وأهلِ الحقِّ بما يَعمَلُونَ ويستحِقُّون، والوَسَطيَّةُ شريعةٌ ثابتةٌ، لا حُكْمٌ يُبحَثُ عنه؛ فاللهُ يقولُ: ﴿جَعَلْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ فاللهُ جعَلَ وأرادَ وقضى الأمرَ؛ فكُلُّ أمرِهِ ونهِيهِ وسَطٌ ويُسْرٌ ورحمةٌ، والخروجُ عنه ظُلْمٌ وتشدُّدٌ وتفريطٌ وإفراط. ومِن يُسْرِ اللهِ وعدلِهِ: الترخيصُ لأهلِ الأعذارِ - كالمسافرِ والمريضِ، والحاملِ والمرضعِ، والشيخِ الكبيرِ وشبهِهم - بالفِطْرِ. روى ابنُ جريرٍ، وابنُ أبي حاتمٍ، عنْ عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ؛ في قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾؛ قَال: "اليُسْرُ الإفْطَارُ فِي السَّفَرِ" (١). ورُوِيَ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ والضَّحَّاكِ نحوُهُ (٢). قولُه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾:

стр. 234

أي: إنَّ اللهَ يُريدُ مِن عبادِه إكمالَ العِدَّةِ بالأداءِ لمَن استطاعَ الأداءَ، أو بقضاءِ أيَّامٍ أُخَرَ لِمَنْ كان معذورًا، أو بالإطعامِ بدلًا عن الصيامِ لمن عجَزَ وعجزُهُ دائمٌ كالشيخِ الكبيرِ. فالعِدَّةُ هي عِدَّةُ رمضانَ؛ قاله الربيعُ (١). التكبيرُ ليلةَ العيدِ: وفي الآيةِ: دليلٌ على مشروعيَّةِ التكبيرِ ليلةَ العيدِ، ويَبدأُ مِن بعدِ غروبِ الشمسِ مِن آخِرِ يومِ مِن رمضانَ، حتى دخولِ الإمامِ لصلاةِ العيدِ وشروعِهِ في خُطْبَتِه؛ تعظيمًا للهِ وشُكْرًا له على إتمامِ النِّعْمةِ والهدايةِ إلى الخيرِ؛ قال ابنُ زيدٍ: "كان ابنُ عباسٍ يقولُ: حقٌّ على المسلِمِينَ إذا نظَرُوا إلى هلالِ شَوَّالِ أن يكبِّروا اللهَ حتى يَفْرُغوا مِنْ عِيدِهم؛ لأنَّ اللهَ - تعالى ذِكرُهُ - يقولُ: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ "؛ رواهُ ابنُ جريرٍ (٢). وصحَّ عن ابنِ عمرَ؛ أنَّه كان إذا غدا إلى المصلَّى يومَ العِيدِ، كبَّرَ ورفَعَ صوتَهُ بالتكبيرِ. ورُوِيَ مرفوعًا ولا يصحُّ. والذي عليه عملُ الفقهاءِ في المدينةِ: التكبيرُ حتى يبلُغَ صلاةَ العيدِ؛ روى ابنُ جريرٍ, عن ابنِ وهبٍ: "قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ: والجماعةُ عندَنا على أنْ يَغْدُوا بالتكبيرِ إلى المصلَّى" (٣). وهذا الذي عليه عملُ الفقهاءِ في البُلْدانِ؛ قال الشافعيُّ: "وأُحِبُّ أن يكبِّرَ الإمامُ خَلْفَ صلاةِ المغربِ والعشاءِ والصبحِ وبين ذلك، وغاديًا حتى ينتهيَ إلى المصلَّى" (٤).

стр. 235

وجاء عن غيرِ واحدٍ من السَّلَفِ تكبيرُهم من المسجدِ مِن ليلةِ العيدِ بعدَ المَغْرِب؛ جاء عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، وعروةَ بنِ الزُّبَيْرِ، وأبي سَلَمةَ ينِ عبدِ الرحمَنِ، وأبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ: "كانوا يكبِّرون ليلةَ الفِطْرِ في المسجدِ، يَجهَرونَ بالتكبيرِ". ولا يختلِفُ الأئمَّةُ الأربعةُ في استحبابِ التكبيرِ، وما رُوِيَ عن أبي حنيفةَ مِن عدمِ مشروعيَّتِهِ، فخطأٌ، فمرادُهُ عدمُ الجهرِ بالتكبيرِ، لا أصلُ التكبيرِ. وعن أبي حنيفةَ روايةٌ بالجهرِ بالتكبيرِ؛ اختارَها الطحَاويُّ وغيرُهُ. التكبيرُ في عيد الفطرِ أشدُّ من الأضحى: وكانوا يُكبِّرونَ في الفِطْرِ أشدَّ مِن تكبيرِهم في الأضحى، وبهذه الآية استدل أحمد على ذلك، فإنه سئل عن التكبير في الفطر والأضحى، فقال: هو في الفطر أوجب لقول الله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، ونقل ابنه عبد الله عنه قوله: "يوم الفطر أشد" (١)؛ لأنَّ الفِطْرَ يعقُبُ عملًا يَشهَدُهُ كلُّ الناسِ، وهو صومُ رمضانَ، بخلافِ الأضحى؛ فهو يصاحِبُ عَمَلًا يشهدُهُ الحُجَّاجُ، مع فضلِ تلك الأيامِ العشرِ للحاجِّ وغيرِه، إلَّا أنَّ شهودَ الناسِ وإدراكَهُمْ للعملِ الذي يكلَّفُ به كلُّ قادرٍ وهو الصيامُ - أظهَرُ من أيامِ العشرِ التي لا يجبُ الحَجُّ إلَّا على مَن لم يؤدِّه، وعلى مَن دخَلَ فيه - والعملُ في العشرِ مستَحَبٌّ لا واجب كصومِ رمضانَ. وقد رُوِيَ عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ؛ أنه قال: "كانوا في التكبيرِ في الفِطْرِ أشدَّ منهم في الأضحى" (٢). وقولُه: ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ يُحمَلُ على المعنيَيْنِ للهدايةِ؛ هدايةِ التوفيقِ، وهدايةِ الدلالةِ والإرشادِ؛ فاللهُ قال في أوَّلِ الآيةِ: ﴿هُدًى

стр. 236

لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾؛ يَعني: القرآنَ فيما تضمَّنَهُ مِن أحكامٍ، ومنها أحكامُ الصيامِ، فالمكبِّرُ يعظِّمُ اللهَ ويَحمَدُهُ على تلك الهدايةِ التي دلَّه اللهُ إليها بكتابِه، ويُعظِّمُهُ ويحمَدُهُ في ختامِ الشهرِ على أنْ هداهُ هدايةَ توفيقٍ للصيام وإكمالِ العِدَّةِ؛ وهذا كقولِ أهلِ الجَنَّةِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]؛ فالحمدُ والتعظيمُ في خاتِمَةِ الأعمالِ يكونُ للهدايةِ بنَوْعَيْها. وأَتَمُّ أنواعِ الشُّكْرِ: شُكْرُ المنعِمِ قبلَ العبادةِ ومعَها وبعدَ تمامِها، وعدَمُ نقضِ الشكرِ بعدَ ذلك بكُفْرٍ. * * * قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]. بعدَ أنْ ذكَرَ اللهُ أحكامَ الصيامِ للناسِ، عطفَ عليها بالواوِ خطابًا خاصًّا للنبيِّ ﷺ ؛ مِن بابِ تعظيمِ المُرسِلِ للرسولِ، وأنَّ العملَ بالأحكامِ السابقةِ له جزاءٌ يتحرَّاهُ كلُّ عاملٍ؛ فأجاب اللهُ عن السؤالِ الذي يَرِدُ في ذِهنِ العاملِيِنَ، وأنَّ اللهَ يَطَّلِعُ على العملِ عن قُرْبٍ، ويُحْصِيهِ قليلَهُ وكثيرَهُ، ويُجازي عليه. والإجابةُ مقابِلةٌ للدعاءِ في الآيةِ، والدعاءُ محمولٌ على النوعَيْنِ: الأوَّل: دعاءُ العبادةِ، والمرادُ به: الصيامُ وما يتعلَّقُ به مِن أعمالِ بِرٍّ مِنْ قراءةِ القرآنِ والصلاةِ، والصَّدَقةِ والذِّكْرِ، والإجابةُ هنا القَبُولُ للمُخْلِصِ الصادقِ المُتَّبِعِ بالثوابِ العظيمِ عندَ اللهِ سبحانَهُ. وشرطُ القَبُولِ والإثابةِ على العملِ الصالحِ: هو العملُ بأمرِ اللهِ كما أرادَ اللهُ؛ وذلك لقولِه: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾، والاستجابةُ للهِ طاعتُهُ؛ بامتثالِ

стр. 237

أوامرِه، واجتنابِ نواهيه؛ قاله مجاهدٌ والربيعُ، وابن جُرَيْجٍ وابنُ المبارَكِ (١). الثَّاني: دعاءُ المسألةِ، وهو الذي تُختَمُ به الأعمالُ غالبًا بطَلَبِ القَبُولِ والاستغفارِ من النَّقْصِ، وما يسبِقُ العبادةَ ويصاحِبُها مِن دعاءٍ للهِ بطلبِ العَوْنِ والتسديدِ يدخُلُ في هذا النوعِ. وقد جعَلَ اللهُ السؤالَ في الآيةِ بمعنى الدعاءِ، فقال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي﴾، ثمَّ قال: ﴿دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾. استحبابُ الدعاءِ عند ختامِ الأعمالِ: وقد أخذَ بعضُ الأئمةِ مِن الآيةِ استحبابَ الدُّعاءِ عندَ ختامِ العملِ الصالحِ، وخاصَّةً الصيامَ، وهذا يؤيِّدُه الأحاديثُ الواردةُ في البابِ في دعاءِ الصائمِ عندَ فِطْرِه، وهي - مع ضَعْفِها - يقترِنُ بعضُها ببعضٍ؛ فيؤكِّدُ بعضُها بعضًا، والأصولُ دالَّةٌ على استحبابِ الدعاءِ بالقَبُولِ عَقِبَ العملِ سِرًّا؛ وذلك لأنَّ الأصلَ في الدعاءِ السِّرُّ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، ولقولِه في الآيةِ: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ قرينةً على استحبابِ دعاءِ السِّرِّ، فالسرُّ والعلَنُ عندَ اللهِ سواءٌ، والإسرارُ أقربُ إلى الإخلاصِ؛ فاللهُ يُحِبُّ دعاءَ الخَفَاءِ؛ لأنَّه لا يُناجِيهِ منفرِدًا إلَّا مَن هو موقِنٌ بقُرْبِه. والذِّكْرُ العامُّ والدعاءُ بعدَ العباداتِ مستحَبٌّ؛ شرَعَهُ اللهُ في كثيرٍ مِن العباداتِ؛ كالصلاةِ - وكذلك الصيامُ هنا - والحجِّ؛ كما في قولِهِ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٠٠]. وفي الآيةِ: دليلٌ على أنَّ إجابةَ اللهِ للداعي العابِدِ المُتَّبِعِ أقربُ من العاصي المخالِفِ؛ ولذا قال: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾؛ أي: فإنِ استجابوا

стр. 238

بالطاعةِ، أجبتُهم، وكلَّما كان الإنسانُ للهِ أقرَبَ، كان أَحْرَى بإجابةِ الدعاءِ. وحمَلَ بعضُ السلفِ قولَه تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ على الدُّعاءِ؛ أي: فلْيَدْعوني؛ قاله أنَسُ بنُ مالكٍ (١). وإجابةُ اللهِ لعبدِهِ كما يراهُ اللهُ صالحًا لعبدِهِ في عاجلِهِ وآجِلِهِ، لا كما يراهُ العبدُ؛ فاللهُ لا يعجِّلُ للناسِ الشرَّ لو سألوه إيَّاه: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١]؛ فكيف لو سألَ الإنسانُ خيرًا وهو يؤولُ إلى شرٍّ؟ ! فاللهُ يَعْلَمُ ما لا يعلمُهُ العبدُ، فقد يُحجَبُ الإنسانُ إجابةَ شيءٍ بعَيْنِهِ يُريدُهُ لأنَّه لا يدري حالَهُ معه، فيعوِّضُهُ اللهُ بلطفِه ورحمتِهِ بغيرِه، وأمَّا الاستجابةُ عندَ توافُرِ شروطِها، فهي قطعيَّةٌ بهذا المعنى، وليستْ قطعيَّةً بالإجابةِ بما يُريدُ العبدُ بعينِهِ؛ وذلك يبيِّنُهُ قولُهُ تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ٤١]؛ فقيَّدَ الكشفَ بمشيئتِهِ التي تكونُ فوقَ مشيئةِ العبدِ، ومشيئتُهُ سبحانه تتبَعُ علمَهُ وحِكْمتَهَ. ورُوِيَ من غيرِ وجهٍ: أنَّ سببَ نزولِ قولِه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ أنَّ سائلًا سألَ النبيَّ ﷺ ، فقال: يا محمَّدُ، أقريبٌ ربُّنا فنُناجِيَهُ، أم بعيدٌ فنُنادِيَهُ؟ فأنزَلَ اللهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ﴾؛ الآيةَ؛ أخرجَهُ ابنُ جريرٍ الطَّبَريُّ؛ مِن حديثِ جريرٍ، عن عَبْدَةَ السِّجِسْتانيِّ، عن الصُّلْبِ بنِ حَكِيمٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، به (٢). ورُوِيَ من مُرْسَلِ الحسَنِ وعطاءٍ؛ وهي ضعيفةٌ.

стр. 239

مشروعيَّةُ دعاء الصائم عند فطْرِهِ: وأخذَ بعضُهم مِن هذه الآيةِ: مشروعيَّةَ الدعاءِ عندَ الفِطْرِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى ذكَرَ الدعاءَ بعدَ ذِكْرِ أحكامِ الصيامِ والفِطْرِ، والدعاءُ عندَ الفِطْرِ مستفيضٌ مشتهِرٌ في عملِ السلفِ، وقد جاءتْ فيه أحاديثُ مرفوعةٌ لا يخلو أكثرُها مِن ضَعْفٍ. روى الطَّبَرانيُّ؛ من حديثِ داودَ بنِ الزِّبْرِقانِ، عن شُعْبةَ، عن ثابتٍ، عن أنَسِ بنِ مالكٍ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقولُ: (اللَّهُمَّ، لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ) (١)، وداودُ متروكُ الحديثِ. ورواهُ الطبرانيُّ والدَّارَقُطْنيُّ؛ مِن حديثِ عبدِ الملكِ بنِ هارونَ بنِ عنترةَ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ؛ قال: كان النبيُّ ﷺ : إذا أفطَرَ، قال: (اللَّهُمَّ، لَكَ صُمْنَا، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْنَا، فَتَقَبَّلْ مِنَّا؛ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (٢). وعبدُ الملكِ بنُ هارونَ بنِ عنترةَ منكَرُ الحديثِ. وجاء عندَ أبي داودَ في "المراسيلِ"، و"السنن"، ورواهُ البيهقيُّ أيضًا؛ مِن حديثِ حُصَيْنٍ، عن مُعاذِ بنِ زُهْرةَ، وهو مِن التابعينَ، مُرسَلًا، عن رسولِ اللهِ ﷺ ؛ وهو مرسلٌ صحيحٌ (٣). وأمثَلُ شيءٍ: ما رواهُ أبو داودَ في "السُّننِ"؛ مِن حديثِ الحُسَيْنِ بنِ واقدٍ، عن مروانَ بنِ سالمٍ المقفَّعِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، مرفوعًا: (ذَهَبَ

стр. 240

الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأجْرُ؛ إِنْ شَاءَ اللهُ) (١). وصحَّ عن الربيعِ بنِ خُثَيْمٍ، وهو تابعيٌّ - كما رواهُ ابنُ فُضَيْلٍ في كتابِه "الدعاء" -: أنَّه كان يَدْعُو عندَ فِطْرِهِ (٢). * * * قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]. الأصلُ في وَطْءِ الزَّوْجةِ: الحِلُّ، والبراءةُ الأصليَّةُ ليستْ حُكْمًا شرعيًّا تنصُّ على أنواعِهِ الأدلَّةُ، بل هي البقاءُ على عدمِ التكليفِ الذي كان الناسُ عليه قبلَ ورودِ الشرعِ. الأحوالُ التي تنُصُّ على حِلِّ المباحاتِ فيها: الوحيُ لا يتعرَّضُ للنصِّ على إباحةِ أعيانِ المباحاتِ؛ لأنَّ هذا هو الأصلُ، إلا عندَ مَظِنَّةِ اعتقادِ التحريمِ في نفوسِ السامعينَ؛ وذلك كقولِهِ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] عندَ ظنِّ بعضِ الناسِ تحريمَ التِّجارةِ مع الحجِّ. وتَنُصُّ الشريعةُ على إباحةِ المباحاتِ في موضعٍ ثانٍ، وهو: في موضعِ حصرِ المحرَّماتِ أو الواجباتِ؛ كما في هذه الآيةِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ

стр. 241

الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾؛ لحصرِ الإلزامِ بالإمساكِ في النهارِ، وإخراجِ الليلِ منه، وكذلك في قولِه تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] بعدَ أنْ ذكرَ اللهُ النساءَ المحرَّماتِ، أخرَجَ منهنَّ غيرَهُنَّ ونصَّ على حِلِّهِنَّ. وعادةً مَّا يأتي بعدَ فرضِ الحكمِ بيانُ حدودِهِ وضوابطِهِ ومنهيَّاتِه، فبعدَ أنْ ذكَرَ فرضَ الصيامِ ووجوبَهُ وأهلَ الأعذارِ فيه، ذكَرَ ما يَحِلُّ ويحرُمُ فِعْلُه؛ ضبطًا لحدودِه، وإحكامًا لتشريعهِ، فلا يتسلَّلُ الاجتهادُ في الحُكمِ حتى يُفْسِدَه، والنصُّ يقطعُ الاجتهادَ؛ فلا اجتهادَ معَ النصِّ. وكلَّما جاءتِ الضوابطُ والشروطُ للحُكْمِ أكثَرَ وأدَقَّ في الكتابِ والسُّنَّةِ، دَلَّ على أهميَّتِهِ على غيرِهِ؛ لأنَّ الضوابِطَ والأوامِرَ والشروطَ والأركانَ والمُبْطِلاتِ الواردةَ في الحُكْمِ المنزَّلِ: تدُلُّ على الاهتمامِ به، والاحترازِ مِن دخولِ غيرِهِ فيه، فيشتبِهُ، فتضعُفُ صفتُهُ وهيئتُهُ، وذلك كالمالِ؛ كلَّما وضَعْتَ حِرْزًا عليهِ، دلَّ على أهميَّتِهِ عندَكَ. الحكمةُ من نسخِ تحريمِ جماع الصائمِ ليلًا: وهذهِ الآيةُ ناسِخةٌ لنهيِ الصائمِ عن الجِمَاعِ ليلةَ الصيامِ، وكان ذلك أولَ الأمرِ، فشَقَّ ذلك على الصحابةِ عليهِم رضوانُ اللهِ، والحِكْمةُ الإلهيَّةُ في النهيِ غيرُ منصوصةٍ في النهيِ عن ذلك ليلةَ الصيامِ. ويَحتمِلُ أنْ يكونَ ذلكَ تربيةً وتيسيرًا على النَّفْسِ؛ أن يُؤتَى بالحكمِ الشديدِ، ثمَّ يَعملَ به الناسُ وقتًا يسيرًا، فتظهَرَ المشقَّةُ عليهم، ثمَّ يَنسَخَهُ اللهُ، ويُبقِيَ الحكمَ على الحالِ التي أرادَها اللهُ أن تكونَ عليه، فلو فرَضَ اللهُ الصيامَ ابتداءً، ونهى عن مباشَرةِ النِّسَاءِ نهارًا فقطْ، لكان ذلك أشقَّ على النفوسِ ممَّا لو فرَضَ اللهُ الصيامَ ونهى عنِ المباشَرةِ ليلًا ونهارًا، ثمَّ أباحَ مباشَرةَ اللَّيْلِ تخفيفًا، فيَفرِضُ الأشَدَّ حتَّى تأْنَسَ النفوسُ بما دونَه؛ وهذا من السِّيَاسةِ الدقيقةِ في التشريعِ لو صَحَّ هذا الاحتمالُ.

стр. 242

ويُؤخَذُ منهُ سياسةُ الحاكمِ لنفوسِ الرَّعِيَّةِ عند إرادةِ أمرٍ لصالحِ الأُمَّةِ وهو شديدٌ؛ أنْ يُظهِرَ ما هو أَشَدُّ منه، فإذا جَرَّبُوهُ، خفَّف، ويُبقِي الأَخَفَّ، فيَظهَرُ الشديدُ بصورةِ اليُسْرِ. وفيه: قطعٌ للنفوسِ المريضةِ الَّتي تتربَّصُ بالأحكامِ، وتَصِفُها بالتشديدِ؛ فالنفسُ تَنفِرُ مِنَ الماءِ الدافِئِ، ولا تشربُهُ إلا إذا ذَاقَتْ ما هو أشدُّ حرارةً منه، فتستلِذُّ ما دُونَه؛ خاصَّةً أنَّ فرضَ صيامِ رمضانَ جاء بعد صيامِ يومٍ في السَّنَةِ، ثمَّ تدرَّجَ، فشرَعَ صيامَ رمضانَ على التخيِيرِ بينَهُ وبينَ الإطعامِ، ثمَّ فرَضَهُ بعينِه، وهذا انتقالٌ كبيرٌ، فاحتاجَ مِثلُهُ إلى إظهارِ قُدْرةِ الناسِ عليه لو رأَوْا ما هو أشدُّ منه. ومِنَ العلماءِ مَن قال: إنَّه لم يأتِ في الشرعِ نَهيٌ عن المباشَرةِ ليلًا، ولكنَّ بيانَ حِلِّ المباشَرةِ جاءَ هنا دَفْعًا لتوهُّمِ ظَنِّ، وربَّما نَسْخًا لما بَقِيَ مِن شريعةِ الأُمَمِ السابقةِ، فقد أنكَرَ أبو مسلِمٍ الأَصْفَهانِيُّ أن يكونَ هذا نَسْخًا لشيءٍ تقرَّرَ في شَرْعِنا، وقال: هو نَسخٌ لِمَا كان في شريعةِ النصارَى. والرَّفَثُ: هو حديثُ الرَّجُلِ مع المَرْأَةِ في شأنِ اللَّذَّةِ، وأُطلِقَ على الجِمَاعِ أيضًا كنايةً. وأصلُ إطلاقِ الرَّفَثِ عندَ العربِ إنَّما ينصرِفُ إلى الكلامِ الفاحِشِ؛ قال العَجَّاجُ: وَرَبِّ أَسْرَابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ … عنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ (١) ويرادُ بِالرَّفَثِ فِي هذه الآيةِ: الجِمَاعُ؛ روى ابنُ أبي حاتمٍ، عن أبي إِسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، قال: "الرَّفَثُ: الجِمَاعُ" (٢).

стр. 243

وروى ابنُ جريرٍ، عن بَكْرِ بنِ عَبْدِ اللهِ المُزَنِيِّ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: "الرَّفَثُ: الجِمَاعُ، ولكِنَّ اللهَ كريمٌ يَكْنِي" (١). ورُوِيَ هذا عن عامَّةِ المفسِّرينَ مِنَ السلفِ. حكمُ الجماعِ ليلَ رمضانَ: وقدْ بيَّن اللهُ إباحةَ الرَّفَثِ إلى النِّساءِ، وأنَّ المرادَ به الجِمَاعُ في قولِه: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾، وهو شِدَّةُ الالتصاقِ؛ وذلك أنَّ تحريمَ قُرْبِ النساءِ ليلًا بِالمباشَرةِ شاقٌّ؛ لأنَّه وقتُ ضِجْعَةٍ وقُرْبٍ، وفي النهارِ يسيرٌ؛ لأنَّه وقتُ بُعْدٍ عنِ النساءِ بِالكَسْبِ وطَلَبِ العَيْشِ، ويَظهَرُ أثرُ المشقَّةِ في قولِهِ تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ أيْ: تُقدِمونَ وتُبيِّتونَ في نفوسِكُمُ القُرْبَ مِن النساءِ، وتَرجِعونَ مَرَّةً وتُقْدِمُونَ أُخرَى؛ كحالِ الخائِنِ المتربِّصِ المتهيِّبِ. وسَمَّى اللهُ النساءَ لِبَاسًا للرَّجُلِ، والرَّجُلَ لِبَاسًا للمرأةِ؛ كنايةً عنْ سَتْرِ ما يُبدِيهِ الإنسانُ من رَغْبةِ أحدِهِما في الجِنْسِ الآخَرِ، وطَمَعِهِ في قضاءِ وَطَرِهِ، فالمرأةُ تَقضِي حاجةَ الرَّجُلِ فتَسْتُرُ نَزْوَتَهُ، والرَّجُلُ يَقْضِي حاجةَ المرأَةِ وَيَسْتُرُ نَزْوَتَها؛ فوقوعُ الجِنسَيْنِ بعضِهِما بِبعضٍ بِمَسٍّ أو رَفَثٍ أو جِمَاعٍ محرَّمٌ، وهذه الأَفعالُ يستُرُها أحدُهُما عند زواجِهِ بالآخَرِ. وقولُه: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾؛ أَيْ: جازَتْ لكمُ المباشَرةُ بظهورِ الحُكْمِ مِنَ اللهِ المُزِيلِ لما تَجِدُونَهُ مِن مشقَّةِ التحريمِ. وقَولُه: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ يَعنِي: الوَلَدَ وقضاءَ الوَطَرِ. وفي قولِه تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ

стр. 244

الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ قطعٌ للتوهُّمِ بأنَّ الأَكْلَ في الليلِ إنَّما هو عِندَ الغروبِ إلى العشاءِ للفِطْرِ، وقبلَ الفَجْرِ للسُّحورِ، وما بينَهُما يحرُمُ؛ وذلك لأنَّه مِن عادَتِهم أنَّهم كانُوا ينامُونَ بعدَ صلاةِ العشاءِ وقيامِها، فَإذا صَلَّوْا، لم يَأْكُلوا إلا أُكْلةَ السحورِ، فبيَّن اللهُ أنَّ وقتَ الإفطارِ هو ما بَينَ المَغرِبِ إلى الفجرِ. وقتُ فطرِ الصائمِ: وفي الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ المعتبَرَ في الفِطرِ: تحقُّقُ الغروبِ وثبوتُهُ، وأنَّ مَن ثبَتَ عندَهُ ذلك، تأكَّدَ في حقِّهِ التعجيلُ ولو لم يَسمَعِ الأذانَ؛ لأنَّ الأذانَ علامةٌ على ثبوتِ الغروبِ، فالمؤذِّنُ والصائِمُ كلٌّ منهما مرتبِطٌ بِالأذانِ على السَّواءِ، ولا يُشرَعُ لمن ثبَتَ عِندَهُ الغروبُ تأخيرُ الفِطْرِ حتَّى يَسمَعَ الأذانَ. وإنَّما أمَرَ بِالأكلِ والشربِ بعدَ بيانِ حكمِ الجِمَاعِ، مع أنَّ الأكلَ والشربَ أَظْهَرُ في إفسادِ الصيامِ؛ وذلكَ لأنَّ أمرَ الجِمَاعِ أشدُّ إشكالًا في نفوسِهم، فأزالَهُ أوَّلًا قبلَ الأكلِ والشربِ. وقولُه: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ الليلِ، فلا ينتقِلُ منه إلا ببيَّنةٍ، فيُمسِكُ بِعلْمٍ كما بَقِيَ على عِلْمٍ، وهذا في التبيُّنِ في حالِ البقاءِ على الليلِ؛ فإنَّ التبيُّنَ في البقاءِ على الإمساكِ أَوْلَى، فلا يُفطِرُ حتَّى يتبيَّنَ الغروبَ، ومَن أفطَرَ بالظنِّ، أعادَ، ومَن أفْطَرَ باليقينِ فبَانَ أنَّه في نهارٍ، صَحَّ صِيَامُهُ؛ ولذا قالَ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾؛ أيْ: على ذلك التحرِّي والتبيُّنِ يجبُ أن يكونَ الإتْمامُ. النية في الصومِ: و"ثُمَّ" في عَطْفِ الجُمَلِ للتراخي في الترتيبِ، وَقد تكلَّفَ بعضُ الفقهاءِ مِن الحنفِيَّةِ كأبِي جعفرٍ الخَبَّازِ السَّمَرْقَنْدِيِّ، فاستدَلَّ بهذه الآيةِ

стр. 245

على صِحَّةِ تأخِيرِ النِّيَّةِ عنِ الفَجرِ إلى الضُّحَا؛ تدلِيلًا على صِحَّةِ مذهبِ الحنفيَّةِ، وليس هذا مِن معاني "ثُمَّ" في التراخِي في عطفِ الجُمَلِ. والخيطُ الأبيضُ والأسوَدُ المرادُ بهِ سَوَادُ الليلِ وبياضُ النهارِ، وقد ظنَّه عَدِيٌّ أنَّه الحبْلُ من الصُّوفِ ونحوِه، وهو تفسيرٌ صحيحٌ في اللغةِ، ولكنَّه ليس بصحيحٍ في اصطلاحِ الشارعِ والشرعِ؛ صحيحٌ لغةً؛ لأنَّه نزَلَ بلُغَةِ العربِ، ولكنَّ اللُّغةَ عامَّةٌ فينزلُ القرآنُ كثيرًا على بعضِ أفرادِها، ويُعرَفُ باصطلاحِ الشارعِ المعاني الخارجةُ في اللغةِ منه. وفي الآيةِ: إشارةٌ إلى النِّيَّةِ، فتقسيمُ الحُكْمِ والزمَنِ وتفصيلُهما لا يتحقَّقُ إدراكُهُ في الإنسانِ إلَّا بحضورِ قلبٍ؛ فقد ذكَرَ محرَّماتٍ يتخلَّلُها مباحاتٌ، فالأصلُ الصيامُ، ثمَّ يتخلَّلُهُ ليلٌ يُفطِرُ فيه، وفي الليلِ يُؤكَلُ ويُشرَبُ ويُرفثُ، وينتهي ذلك إلى الفجرِ؛ لأنَّه قال: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. ووضوحُ الخيطَيْنِ إنما يكونُ في لَحْظةٍ يسيرةٍ لدقائِقَ معدودةٍ لا يميِّزُها إلا متحَرٍّ وراصدٌ مستحضِرٌ، وهذا معنى النيةِ المقصودُ في الآيةِ، فكما أنَّه يجبُ استحضارُ النيةِ للإمساكِ إلى الليلِ، فيجبُ استحضارُ النيةِ بالفطرِ إلى الصبحِ. وروى أهلُ السُّنَنِ، عنِ ابنِ عمرَ، عن حَفْصةَ، عن النبيِّ ﷺ ؛ قال: (مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ) (١). وقد رُوِيَ عن نافعٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ؛ قولَهُ موقوفًا؛ وهو أصحُّ. صوَّبَ الوقفَ البخاريُّ والترمذيُّ (٢) وأبو حاتمٍ والنَّسَائيُّ وغيرُهم.

стр. 246

ويكفي في إيجابِ النِّيَّةِ في الأعمالِ قولُهُ ﷺ : (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) (١)؛ أيْ: إنَّما قَبُولُ الأعمالِ أو رَدُّها يكونُ بالنِّيَّةِ. وقد اختَلَفُوا في صومِ النافلةِ، والصوابُ: جوازُ نيتِهِ مِن النهارِ؛ لحديثِ عائشةَ أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُصبِحُ مُمْسِكًا فإنْ لم يَجِدْ طعامًا، أَتَمَّ (٢). واختَلَفُوا في النيةِ؛ هل هي واجبةٌ لكلِّ ليلةٍ من رمضانَ، أم تكفي نيةٌ واحدةٌ له كلِّه؛ وهما روايتانِ في مذهبِ أحمدَ: أُولاهما: يُجزِئُ لصيامِ رمضانَ نيةٌ واحدةٌ؛ وهذا هو المشهورُ عندَ المالكيَّةِ، وعليه جماعةٌ من السَّلفِ. ثانيتُهما: وجوبُ النيةِ لكلِّ ليلةٍ. ويكفي المسلِمَ أن يَعْلَمَ أنَّ غدًا رمضانُ، ويريدَ صومَهُ، والأصلُ صيامُهُ له؛ فبعلمِهِ وإرادتِهِ يكونُ قد نَوَى. وقولُهُ: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: ذكَرَ الاعتكافَ بعدَ حُكْمِ الصيامِ؛ لأنَّ غالِبَ الاعتكافِ يكونُ في رمضانَ، في عَشْرِهِ أو عِشْرينِهِ الأخيرةِ؛ حتَّى لا يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ إطلاقَ حِلِّ إتيانِ النساءِ في ليلِ الصيامِ يدخُلُ فيه المعتكِفُ، فالمعتكِفُ يحرُمُ عليه مباشَرَة المرأةِ ما دام معتكِفًا، ولو كان في غيرِ رمضانَ أو كانَ غيرَ صائِمٍ؛ لأنَّ العِلَّةَ في ذلك الاعتكافُ؛ ولذا قال: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾؛ يعني: حالَ اعتكافِكم. روى ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن

стр. 247

ابنِ عَبَّاسٍ؛ في قَوْلِه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾: "هذا في الرَّجُلِ يَعْتَكِفُ فِي المَسْجِدِ فِي رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ، فَحَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْكِحَ النِّسَاءَ لَيْلًا وَنَهَارًا حَتَّى يَقْضِيَ اعْتِكَافَهُ" (١). وقاله ابنُ مسعودٍ وعطاءٌ ومجاهدٌ والحسنُ وقتادةُ (٢). والمرادُ بالاعتكافِ هو لزومُ الشيءِ وحَبْسُ النفسِ عن غيرِه، فيقالُ: اعتكَفَ فلانٌ على كذا؛ أيْ: لَزِمَهُ، واعتكَفَ فلانٌ في المسجدِ: إذا لزِمَهُ. قال الطِّرِمَّاحُ بنُ حَكِيمٍ: فَبَاتَ بَنَاتُ اللَّيْلِ حَوْلِيَ عُكَّفًا … عُكُوفَ البَوَاكِي بَيْنَهُنَّ صَرِيعُ والمرادُ بالمباشرةِ: الجِماعُ. صَحَّ هذا عنِ ابنِ عبَّاسٍ؛ رواهُ ابنُ جريرٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ. وصحَّ عن عطاءٍ ومجاهدٍ والضَّحَّاكِ (٣). وروى عنِ ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ؛ قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: "مَن خرَجَ مِن بيتِهِ إلى بيتِ اللهِ، فلا يَقْرَبِ النِّساءَ" (٤). مباشَرَةُ المعتكِفِ لزوجتهِ: والذي عليه العملُ والفُتيا عند السلفِ: أنَّ المعتكِفَ لا يَقْرَبُ زَوْجَتَهُ بشهوةٍ بحالٍ، وأمَّا مسُّه لها والأخذُ بيدِها وتقبيلُها بلا شَهْوةٍ؛ كقُبلةِ الرَّحْمةِ والعَطْفِ، فلا بأسَ به؛ لما قد صَحَّ عن عائشةَ: "أنَّ

стр. 248

رسولَ اللهِ ﷺ كان إذا اعتَكَفَ، يُدْنِي إليَّ رأسَهُ فأُرَجِّلُهُ" (١). وأمَّا ما كان بِلَذَّةٍ، فيُنْهَى عنه؛ قال مالكُ بنُ أنسٍ: "لا يَمَسُّ المعتكِفُ امرأتَهُ، ولا يباشِرُها، ولا يتَلذَّذُ منها بشيءٍ؛ قُبْلةً ولا غيرَها" (٢). وذلك لأنَّ المقامَ مقامُ تفرُّغٍ وتعظيمٍ للهِ، وانقطاعٍ عن اللذائِذِ، وحبسٍ للنَّفْسِ عنها؛ فإنَّ الانصرافَ إلى الجِمَاعِ يَصرِفُ النَّفْسَ إلى التَّرَفِ والانشغالِ بالاستمتاعِ. وفي ذلك: تربيةٌ للنَّفْسِ على المجاهَدةِ، وابتلاءٌ للنَّفْسِ؛ لتَعرِفَ نِعَمَ اللهِ على العبدِ؛ مِن معرفةِ حريَّتِهِ في خروجِهِ ودخولِه، وضربِهِ في الأرضِ، واستمتاعِهِ بما أَحَلَّ اللهُ له منها؛ فنِعَمُ اللهِ لا تُحصَى، وما يُعرفُ منها يُنسَى، والعبدُ بحاجةٍ إلى تذكيرٍ، وحرمانُهُ منها باختيارِهِ وبغيرِ اختيارِهِ يذكِّرُهُ عظيمَ النِّعْمةِ التي مُنِعَ مِن الوصولِ إليها. وفيه: شَغْلٌ للنَّفْسِ بالعبادةِ؛ حتى تستكثِرَ مِن الأجورِ، فتغتنمَ شيئًا ممَّا فاتَ؛ فالنفسُ إنْ خلَتْ، أكثَرَتِ التفكُّرَ والتأمُّلَ والمحاسَبةَ، فتتذكَّرُ مِن التقصيرِ ما لا تتذكَّرُهُ في سَكْرةِ مُتْعَتِها. لا اعتكافَ إلا في مسجدٍ: وقولُه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ دليلٌ على أنْ لا اعتكافَ إلا في المساجِدِ، وأمَّا اعتكافُ الأسواقِ والمصلَّيَاتِ، والمرأةُ تتَّخِذُ لها مكانًا تعتزِلُ فيه في بيتِها -: فلا أصلَ له؛ وبعضُ متأخِّري المالكيةِ يجوِّزُ ذلكَ، وهو قولٌ لا يعوَّلُ عليه. وقولُه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾:

стр. 249

تنبيهٌ على أنَّ تلك الأحكامَ - تحريمًا وتحليلًا - حدودٌ وضَعَها اللهُ وحَدَّها لعبادِهِ، يجبُ أن تُمتَثَلَ، ويَظهرُ التشديدُ في قولِه: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، والقربُ هو مرحلةٌ قبلَ التصرُّفِ، ويُصاحِبُهُ العزمُ على التغييرِ والتبديلِ لها، وهو محرَّمٌ، والتبديلُ لها والتحريفُ لتلك الحدودِ محرَّمٌ يُوجِبُ العقابَ؛ فهي آياتٌ بيِّناتٌ واضحةٌ؛ حتَّى يتحقَّقَ العملُ بها، فتُتَّقى محارمُ اللهِ وتُجتنَبَ، وتُؤخَذَ رُخَصُ اللهِ وتُستباحَ؛ وهذه حقيقةُ التقوى والطاعةِ للهِ. * * * قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]. بيَّن اللهُ حُرْمةَ الأموالِ؛ لأنَّ بها صلاحَ الدُّنْيا، كما بيَّنَ حُرْمةَ الدِّينِ؛ لأنَّ به صلاحَ الآخِرةِ، فالمالُ والدِّينُ حَقٌّ للهِ لا يُتصرَّفُ فيهما بغيرِ إذنِه؛ ولذا نسَبَهُما اللهُ إليه تعظيمًا لحُرْمَتِهما؛ فقال النبيُّ ﷺ في المالِ: (إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللهِ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ) (١)، وقال اللهُ في دِينِهِ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨]، فسمَّى اللهُ التعدِّيَ على مالِهِ وآياتِهِ خَوْضًا. أحوالُ تعدِّي الإنسان على المالِ: والتَّعدِّي على المالِ إمَّا أن يكونَ بيدِ صاحبِهِ الذي ملَّكَهُ اللهُ إيَّاهُ، وهو الإنسانُ، أو بيدِ غيرِهِ؛ فليس للإنسانِ تمامُ التصرُّفِ في مالِهِ ولو ملَكَهُ؛ لأنَّه ومالَهُ مِلْكٌ للهِ؛ فإفسادُ الإنسانِ لمالِهِ حرامٌ كأَخْذِهِ لمالِ غيرِه

стр. 250

بغيرِ حقٍّ؛ ولذا قالَ تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، فجعَلَ اللهُ آكِلَ مالِ أَخِيهِ بالباطلِ، كالآكِلِ مالَ نَفْسِهِ بالباطلِ؛ فالأوَّلُ أفسَدَهُ على أخيهِ، والثاني أفسَدَهُ على نفسِهِ، وحرمةُ المالِ في حقيقتِهِ واحدةٌ. وفي الآيةِ: إشارةٌ إلى أنَّ الشُّحَّ والطَّمَعَ وعدَمَ الإيثارِ هو الذي يدفعُ النفوسَ إلى التجاوزِ على حقوقِ الناسِ بغيرِ حَقٍّ؛ فالنفوسُ التي ترى حقَّ أخيها كحقِّها في الحُرْمةِ تعظِّمُ مالَ غيرِها كتعظيمِها لمالِ نَفْسِها؛ ولذا قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾؛ أيْ: فأنتَ تأكُلُ مالَ نَفْسِك؛ وهذا كقولِهِ: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١]، وقولِهِ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]؛ فحُرْمةُ المالِ بالأخذِ، والعِرْضِ باللَّمْزِ، والنَّفْسِ بالقتلِ: واحدةٌ كحُرْمةِ أنفسِهم. وقد بيَّن اللهُ في هذه الآيةِ التعدِّيَ على المالِ بالعدوانِ من غيرِ صاحبِهِ بأَكْلِهِ بالباطلِ، سواءٌ بغَصْبٍ أو سَرِقةٍ أو رِبًا أو غَرَرٍ ونحوِها، وأعظَمُ مِن ذلك أن يُؤخَذَ المالُ الحلالُ بصورةٍ تشرِّعُهُ، وتُسقِطُ حقَّ صاحبِه؛ إمِّا لعدمِ بَيِّنَتِهِ فيه بعدَ أخذِه منه، أو لتشريعِ أَخْذِهِ وسَلْبِهِ بالباطلِ. روى عليُّ بنُ أبي طَلْحةَ، عنِ ابنِ عباسٍ؛ أنَّه قال في هذه الآيةِ: "هذا في الرجلِ يكونُ عليه مالٌ وليس عليه فيه بيِّنةٌ، فيَجْحَدُ المالَ ويُخاصِمُ إلى الحُكَّامِ، وهو يَعْرِفُ أنَّ الحقَّ عليه، وهو يَعْلَمُ أنَّه آثِمٌ آكِلٌ الحرامَ" (١). وبنحوِ هذا ومعناهُ قال مجاهِدٌ وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمةُ والحسَنُ وغيرُهم. وروى ابنُ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهِدٍ: قال: "لا تُخاصِمْ وأنتَ تعلمُ أنَّك ظالِمٌ"؛ أخرَجَهُ سعيدُ بنُ منصورٍ في "تفسيرِه" (٢).
следующие страницы →