← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 151179

التفسير والبيان لأحكام القرآن

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (2 210 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

"لا بأسَ أن ينظُرَ الرجلُ إلى قُصَّةِ المرأةِ مِن تحتِ الخِمَارِ إذا كان ذا مَحرَمٍ، فأمَّا أن تَسلَخَ خِمارَها عندَهُ، فلا" (١). وعن الزّهْريِّ أيضًا في المرأةِ تَسلَخُ خِمارَها عندَ ذي مَحْرَمٍ، قال: "أمَّا أنْ يرى الشيءَ مِن دونِ الخِمَارِ، فلا بأسَ، وأمَّا أن تَسلَخَ الخِمارَ، فلا"؛ أخرَجَهُ عبدُ الرزاقِ، عن مَعمَرٍ، عنه (٢)؛ وهو صحيحٌ. ومَن جمَعَ أقوالَ السلفِ في جميعِ الأبوابِ، ونظَرَ فيها في سياقٍ واحدٍ، أدرَكَ حَجْمَ وَرَعِهم وتحفُّظِ نسائِهم، وأدرَكَ أنَّهم يَدُورُونَ في دائرةٍ أخرى مِن العِفَّةِ والاحتياطِ على غيرِ ما يَحمِلُهُ كثيرٌ مِن الكتَّابِ عنهم، فإنَّهم لا يُرِيدونَ مِن معنى الزينةِ التي تتعلَّقُ بالوجهِ وما حولَهُ للأجانبِ الأبعدِين، وهم لا يختلِفونَ في جوازِ كشفِ المرأةِ لوجهِها للأقرَبِينَ، ولا يخوضونَ في ذلك؛ وإنَّما يذكُرونَ الوجهَ اختصارًا لإجازةِ زينتِهِ تَبَعًا مِن الكُحْلِ والقُرْطِ والخِضابِ، ويذكُرونَ اليدَ اختصارًا ليدخُلَ فيها زينتُها مِن الخاتَمِ والخِضَابِ والسِّوَارِ، ولا يَعْنُونَ الوجهَ بذاتِه، ومَن نظَر في مجموعِ تفسيرِهم، أدرَكَ ذلك يقينًا. الوجهُ الثالثُ: أن اللَّهَ رخَّصَ للقواعدِ أنْ يَضَعْنَ ثيابَهُنَّ، فقال: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠]، وقد اتَّفَقَ المفسرونَ مِن الصحابةِ والتابعينَ: أنَّ الثيابَ التي رخَّصَ اللَّهُ بها للعجوزِ هي (الجلابيبُ)؛ جاء ذلك بسندٍ صحيحٍ عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ مسعودٍ وابنِ عمرَ والشَّعْبيِّ وابنِ جُبَيْرٍ والحسنِ ومجاهِدٍ وعطاءٍ وعِكْرِمةَ وقتادةَ وغيرِهم، وهؤلاءِ كلُّهم لهم تفسيرٌ للزِّينةِ؛ كما تقدَّمَ

стр. 1857

أنها: "الزينة الظاهرة"، واتفَقوا هنا على أنَّ ما تَختَصُّ به العجوزُ عن الشابَّةِ رفعُ الجلبابِ فقطْ، والجلابيبُ هي ما تَختصُّ بسَتْرِ الوجهِ مِن بَشَرةِ الجسمِ، وتكونُ فوقَ بقيَّةِ الثيابِ ثوبًا على ثوبٍ، فالجلبابُ فوقَ الخِمَارِ، ويدُلُّ على أنَّ الجلابيِبَ ما كانتْ تستُرُ الوجوهَ للشابَّةِ جُمْلةٌ مِن تفسيرِ أفصحِ الناسِ وأقرَبِهم إلى الوحي، وهم الصحابةُ والتابعونَ: منها: قولُ عائشةَ: "تُسدِلُ المرأةُ جِلْبابَها مِن فوقِ رَأْسِها على وَجْهِها"؛ أخرَجَهُ سعيدُ بنُ منصورٍ بسندٍ صحيحٍ (١)، وقولُها في "الصحيحَيْنِ": "فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي" (٢). ومنها: قولُ ابنِ عبَّاسٍ: "تُدْلي الجِلْبابَ على وجهِها"؛ أخرَجَهُ أبو داودَ في "المسائلِ" بسندٍ صحيحٍ (٣)، وقولُه: "أمَرَ اللَّهُ نساءَ المؤمِنينَ إذا خَرَجْنَ مِن بُيُوتِهِنَّ في حاجةٍ أنْ يُغَطِّينَ وجوهَهُنَّ مِن فوقِ رؤوسِهِنَّ بالجلابيبِ، ويُبدِينَ عينًا واحدةً"؛ رواهُ ابنُ جريرٍ بسندٍ صحيحٍ (٤). ومنها: ما رواهُ عاصمٌ الأحولُ؛ قال: كنَّا ندخُلُ على حَفْصةَ بنتِ سيرينَ، وقد جعَلَتِ الجلبابَ هكذا، وتَنَقَّبَتْ به، فنقولُ لها: رَحِمَكِ اللَّهُ! قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠]، وهو الجلبابُ؟ قال: فتقولُ لنا: أىُّ شيءٍ بعدَ ذلك؟ فنقولُ: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠]، فتقولُ: هو إثباتُ الجِلْبابِ (٥). وإذا اتَّفَقَ الصحابةُ على أنَّ رُخْصةَ النساءِ العجائزِ وضعُ الجلابيبِ، وكشفُ الوجهِ مِن غيرِ زينةٍ، فماذا يُحِلُّونَ للمرأةِ الشابَّةِ أمامَ الأجانبِ؟ !

стр. 1858

وقد حكى الإجماعَ غيرُ واحدٍ مِن العلماءِ على أنَّه لا يجوزُ للعجوزِ أنْ تَكشفَ شَعَرَها للأجانبِ مهما بلَغَ سِنُّها؛ حكى الإجماعَ ابنُ حَزمٍ (١)، والجَصَّاصُ (٢)، وغيرُهما، فشعَرُ العجوزِ عورةٌ للأجانبِ كشَعَرِ الشابَّةِ بلا خلافٍ. وإذا كان تفسيرُ ابنِ عمرَ وابنِ عبَّاسٍ وابنِ جُبَيْرٍ وعِكرِمةَ والحسنِ والشَّعْبيِّ والضَّحَّاكِ ومجاهدِ وقتادةَ لآيةِ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: أنَّها الوجهُ والكَفَّانِ ويُرادُ بها للأجانبِ، فما الفائدةُ مِن تزولِ آيةِ القواعدِ، والترخيصِ لها بالجلبابِ؟ ! الوجهُ الرابعُ: أنَّ اللَّهَ نَهى عن إظهارِ الزينةِ بقولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾، ثمَّ استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، ثمَّ أرادَ أنْ يُبيِّنَ المَعْنِيِّينَ بالإظهارِ مُفصِّلًا لمَراتبِهم بحسَب قُرْبِهم، فقال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ الآية، وقد يَستشكِلُ البعضُ ذِكْرَ الزوجِ مع أنَّه لا يُستثنى دونَهُ شيءٌ، وإنَّما ذُكِرَ مع غيرِهِ مِن المَحارمِ مِن بابِ حصرِ المعنيِّينَ؛ حتى لا يُظَن أن الخِطابَ للأبعَدِينَ، وليس المرادُ أنَّ الزِّينةَ له كالزِّينةِ لغيرِه؛ ولذا بدَأَ به للخَصُوصِيَّةِ، فالمفسِّرونَ يَعلَمونَ اختلاف مَراتبِ المذكورينَ؛ روى ابنُ وهبٍ، عن ابنِ زيدٍ؛ قال: "والزوجُ له فضلٌ، والآباءُ مِن وراءِ الرجُلِ لهم فضلٌ، قال: والآخَرونَ يتفاضَلونَ، قال: وهذا كلُّه يَجمَعُهُ ما ظهَرَ مِن الزينةِ"؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ (٣). فقولُ عبدِ الرحمنِ بنِ زيدِ بنِ أسلَمَ: "وهذا كلُّه يَجمَعُهُ ما ظهَرَ مِن

стр. 1859

الزينةِ"؛ يعني: أنَّ المذكُورِينَ هم المَحارِمُ، وهم المعنيُّونَ بقولِه قبلَ ذلك: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، وليس الأجانِبَ، فذُكِرُوا للبيانِ والإيضاحِ، والزوجُ له فضلٌ على الجميعِ وخَصوصِيَّةٌ؛ كما قاله ابنُ زيدٍ. التدرُّجُ في فَرْضِ الحِجابِ: يذهب بعضُ المفسِّرينَ: أنَّ الحِجابَ لم يُفرَض جُمْلةً واحدةً؛ وإنَّما جاء متدرجًا، فأوَّلُ ما نزَلَ وذُكِرَ فيه عمومُ المؤمناتِ: آياتُ النورِ، ثمَّ آياتُ سورةِ الأحزابِ، ومِن هؤلاء ابنُ جريرِ الطَّبَرِيُّ وأبو بكرٍ الجَصَّاصُ وابنُ تيميَّةَ وغيرهم، وهؤلاء يتَّفقونَ مع غيرِهم في الغايةِ والنهايةِ التي استقَرَّ عليها الحُكْمُ، وإنِ اختلَفوا مع غيرِهم في المراحلِ. وكثيرٌ ممَّن ينظُرُ في كتُبِ المفسِّرينَ فينظُرُ في سورةِ النورِ فيَراهُم ينقُلونَ كلامَ السلفِ في الزينةِ الظاهرةِ بإجمالٍ، ثمَّ يُعلِّقُ أولئك الأئمَّةُ في سورةِ النورِ ويَنُصُّونَ على جوازِ كشفِ المرأةِ لوجهِها وكفَّيْها، ولو نظَروا في كلامِهم في سورةِ الأحزابِ، لَوَجَدوا أنَّهم يَمنَعونَ، وليس هذا اضطرابًا ولا قولَينِ؛ فالمؤلِّفُ واحدٌ، والكِتابُ واحدٌ؛ وإنَّما لأنَّهم يرَوْنَ تقدُّمَ آيةِ الحِجابِ مِن سورةِ النورِ على آيةِ الحِجابِ مِن سورةِ الأحزابِ، فيُفسِّرونَ كلَّ موضعٍ بحسَبِ ما فهِمُوهُ في موضعِهِ، ومَن جَهِلَ المتقدِّمَ والمتأخِّرَ مِن السُّوَرِ عندَ الأئمَّةِ، لم يَفهَمْ مَقاصدَ القرآنِ وأحكامَهُ عندَ المفسِّرينَ: قال ابنُ جريرٍ الطبريُّ في سورةِ الأحزابِ: "لا يَتَشَبَّهْنَ بالإماءِ في لباسِهِنَّ إذا هُنَّ خَرَجْنَ مِن بيوتِهنَّ لحاجتِهنَّ، فكشَفْنَ شُعُورَهنَّ ووُجُوهَهنَّ، ولكنْ لِيُدْنِينَ عليهنَّ مِن جلابيبِهنَّ" (١)، وذكَرَ تفسيرَ السلفِ

стр. 1860

لتغطيةِ الوجهِ بالجلابيبِ، وهكذا فسَّر آيةَ القواعدِ في سورةِ الأحزابِ. وقولُهُ هنا في سورةِ النورِ بأنَّ المرأةَ تُبدِي وجهَها يَحكي المرحلةَ الأولى مِن فَرْصِ الحِجابِ، وآيةُ الأحزابِ بعدَها. وابنُ جريرٍ إمامٌ بصيرٌ ينقُلُ أقوالَ السلفِ في الموضعِ ويُبيِّنُه، ولو كانتِ الآيةُ في حُكْمٍ سابقٍ، ثمَّ تَبِعَتْهُ آياتٌ تَزِيدُ عليه في الحُكْمِ، فيذكُرُ عندَ كلِّ آياتٍ حُكْمَها، وهذا له نظائرُ كثيرةٌ في "تفسيرِه". وهكذا الإمامُ الجصَّاصُ ذكَرَ معنى ما ذكَرَهُ ابنُ جريرٍ في آيةِ النورِ؛ لأنَّها سابقةٌ، ثمَّ في آيةِ الأحزابِ المتأخِّرةِ قال: "في هذه الآيةِ دَلَالةٌ على أن المرأةَ الشابَّةَ مأمورةٌ بسَتْرِ وجهِها عن الأجنبيِّينَ، وإظهارِ السَّتْرِ والعفافِ عندَ الخروجِ" (١). وهكذا كثيرٌ مِن المفسِّرينَ؛ يُفسِّرونَ آيةَ النورِ على حالٍ سابقةٍ؛ كما جاء عن ابنِ جريرٍ، ثمَّ يَنُصُّونَ صراحةً على منعِ المرأةِ مِن كشفِ وجهِها عندَ آيةِ الآحزابِ، ومِن هؤلاء المفسِّرينَ: أبو الليثِ نَصْرٌ السَّمَرقَنديُّ الحَنَفيُّ في "تفسيرِه" (٢)، وأبو عبدِ اللَّهِ بنُ أبي زَمَنِينَ (٣)، والثعلبيُّ (٤)، والْكِيَا الهرَّاسيُّ (٥)، والزمخشريُّ (٦)، والعِزُّ بنُ عبدِ السلام (٧)، والبيضاويُّ (٨)، والنَّسَفِيُّ (٩)، وابنُ جُزَيٍّ (١٠)، والسُّيُوطيُّ (١١)، والبِقَاعيُّ (١٢)، وأبو السعودِ (١٣) وغيرُهم.

стр. 1861

وكثيرٌ ممَّن ينقُلُ أقوالَهُمُ السابقةَ في إبداءِ الزينةِ الظاهرةِ يُهمِلُ أقوالَهُمُ المُحْكمةَ في سورةِ الأحزابِ، التي نزَلَتْ بعدَ ذلك. وسواءٌ قيل: إنَّ الحِجابَ نزَل متدرِّجًا أم نزَلَ مرةً واحدةً وتنوَّعتْ نصوصُ القرآنِ في الخِطَابِ، فالغايةُ واحدةٌ، وهو ما ظهَرَ في جميعِ الآياتِ وتجلَّى صريحًا في سورةِ الأحزابِ. ومَن لم يَعرِفْ أزمِنةَ نزولِ آياتِ الحجابِ، ولم يَجمَعْ أقوالَ الصحابةِ في آياتِ الحجابِ والسَّترِ بعضَها إلى بعضٍ، ولم يَنظُرْ في مذاهبِهم فيما تعلَّقَ بباب لِباسِ المرأةِ وسترِها وحجابِها - أشكَلَ عليه ذلك، وضرَبَ بعضَها ببعضٍ على ما تقدَّمَ بيانُه؛ فآياتُ الححابِ في سورةِ النورِ والأحزابِ لم تَنزِلْ دَفْعةً واحدةً، وأقوالُ الصحابةِ في التفسيرِ تتنوَّعُ حسَبَ الحالاتِ والمواضعِ، ولا تتعارَضُ، ومِن بابِ أَولى أقوالُ الصحابيِّ في المسألةِ الواحدةِ؛ كما تقدَّم؛ وقد بَسَطنا أحكامَ لباسِ المرأةِ وحِجابِها في كتابِ "الحجاب في الشَّرْعِ والفِطرة؛ بين الدليل، والقولِ الدَّخِيل". * * * * قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢]. أمَرَ اللَّهُ الأولياءَ بتزويجِ الأَيَامَى؛ يعني: مَنْ لا زوجَ له مِن النِّساءِ والرِّجالِ، الأحرارِ والعبيدِ. حُكْمُ تزويجِ الأَيَامَى: والأمرُ في الآيةِ ظاهرُهُ الوجوبُ؛ أنَّه يجبُ على الوليِّ تزويجُ بنتِهِ إنْ جاءها مَن يَرضى دِيَنهُ وخُلُقَه، وإنْ منَعَها مِن ذلك بلا موجِبٍ شرعيٍّ، فمنعُهُ عَضْلٌ محرَّمٌ، وفتنةٌ له ولها ولِمَنْ خطَبَها مِن الصالِحِينَ ولم

стр. 1862

يُزوِّجْه، وفي التِّرمِذيِّ وغيرهِ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : (إذَا خَطَبَ إلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَونَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ، فَزَوِّجُوهُ؛ إلَّا تَفْعَلُوا، تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ) (١). وذِكرُ الفتنةِ والفسادِ العريضِ في تركِ ذلك دالٌّ على وجوبِ الفعلِ، والفتنةُ المذكورةُ خاصَّةٌ وعامَّةٌ: أمَّا الفتنةُ الخاصَّةُ: ففتنةُ الخاطبِ والمخطوبِ في دِينِهِ عندَ تأخُّرِ تزويجِه، بأن يتعرَّضَ للحرام نظرًا أو قولًا أو لَمْسًا أو مُقارَفةً، وفتنةٌ للوليِّ بإلحاقِ إثمِ العَضْلِ به، أَو الدعاءِ عليه. وأمَّا الفتنةُ العامَّةُ: فإنَّ الناسَ إنْ عطَّلوا إحصانَ نسائِهم ورجالِهم، فُتِحَت أبوابُ الحرامِ والتعدِّي على حدودِ اللَّهِ، وشاعَتِ الفاحشةُ، وتَبِعَتْها عقوبةُ اللَّهِ عليها بأنواعِها، فتَنشأُ المخالَفةُ لأوامرِ اللَّهِ خاصَّةً ثمَّ تكون عامَّةً، وأولُ أسبابِ فتحِ الحرامِ يكون بإغلاقِ أبوابِ الحلالِ، فاللَّهُ لم يخلُقْ في الناسِ مَيلًا إلى شيءٍ إلَّا وجعَلَ في الحلالِ منه كفايةً وسَعَةً بما يُغنِيهِم عن فتحِ أبوابِ الحرام، وفتَحَ أبوابَ الوَطْءِ وحَدَّها وجعَلَ الحرامَ منه فتنةً؛ اختبارًا وابتلاءً لعبادِه، وكلَّما أُغلِقَ بابٌ مِن الحلالِ، قابَلَهُ بابٌ مِن الحرامِ يُفتَحُ، فإذا وجَدتَّ الناسَ قد كثُروا على الحرامِ، فابحَثْ عن أبوابٍ مِن الحلالِ مغلَقةٍ. وقد تُغلَقُ أبوابُ الحلالِ في النكاحِ بعَضْلِ الفتياتِ، أو غلاءِ المَهرِ، أو منعِ التعدُّدِ، وثَمَّةَ دوافعُ للحرامِ كالتعرِّي والسُّفُورِ وإطلاقِ البصرِ وغيرِ ذلك، فتلك دوافعُ للحرامِ، كما للحلالِ دوافعُه؛ كالعفافِ والحِجَابِ وحِفْظِ البصرِ، وكلُّ دافعٍ حرامٍ يُقابِلُهُ مِثلُهُ في الحلالِ. وقد جاء الأمرُ في السُّنَّةِ للشَّبَابِ، كما جاء الأمرُ في القرآنِ للأولياءِ؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ ؛

стр. 1863

أنَّه قال: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ، فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) (١). ومَنْ لم يَقدِرْ على حِفْظِ نفسِهِ مِنْ الحرامِ ولا يَدفَعُهُ عنه إلَّا النكاحُ، فإنَّ النكاحَ واجبٌ عليه بلا خلافٍ. والخِطابُ في الآيةِ توجَّهَ إلى الأولياءِ؛ لأنَّهم يَلُونَ أمرَ البناتِ، والنفعُ مُتبادَلٌ بينَ الزوجَيْنِ، وكأن الوليَّ وهو يُزوِّجُ ابنتَه لمسلمٍ فهو يُعِينُ الاثنَيْنِ في التزويجِ والإحصانِ. وفي قولِه تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ أنَّ نكاحَ العبدِ والأَمَةِ لا يصحُّ إلَّا بإذنِ سيِّدِه، وقد روى ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ : (إِذَا نَكَحَ الْعَبْدُ بِغَيرِ إذنِ مَوْلاهُ، فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ) (٢)، وعن جابرٍ بنحوِه (٣)؛ رواهُما أبو داودَ، وقد حكى الإجماعَ على هذا غيرُ واحدٍ، كابنِ المُنذِرِ (٤) وغيرِه. وقد تقدَّم الكلامُ على شرطِ الوليِّ للحُرَّةِ في النكاحِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١]. وفي قولِه تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: أنَّ مِن أسبابِ الغِنى والكفايةِ الزواجَ، فلا يَمنَعُ الفقيرَ فقرُهُ أن يتزوَّجَ؛ فاللَّهُ لم يأمُرْ بشيءٍ إلَّا وقد تكفَّلَ برِزقِ أهلِهِ فيه، ولكنَّ الناسَ يُبتلَوْنَ بضَعْفِ اليقينِ، فيُوكَلُونَ إلى ظنِّهم بربِّهم، واللَّهُ عندَ ظنِّ عبدِهِ به. * * *

стр. 1864

* قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)﴾ [النور: ٣٣]. أمَر اللَّهُ مَن لم يَجِدْ قدرةً على النكاحِ؛ كمَنْ لا يَجِدُ مهرًا يُنفقُهُ، ولا دارًا تُؤوِيهِ: أن يَسْتَعِفَّ بسَعْيِهِ في طلبِ الرِّزقِ بالكسبِ حتى يُغنيَهُ اللَّهُ مِن فضلِه، وفي هذا أمرٌ بالأخذِ بالأسبابِ حتى لا يتواكَلَ الناسُ. وقد أمَرَ اللَّهُ مَن لم يجدْ مالًا يتزوَّجُ به أن يتكسَّبَ، ولم يأمُرْهُ بالترهُّبِ والتخلِّي للعبادةِ والانقطاعِ لها؛ لأنَّ النكاحَ سُنَّةُ الإنسانِ وفطْرةُ الحيوانِ. وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾: فيه مشروعيَّةُ مُكاتَبةِ المَوَالي إنْ أرادُوها وفيهم قدرةٌ على الوفاءِ، فمَنْ رَغِبَ مِن العبيدِ في المُكاتَبةِ لإعتاقِ نفسِه، فيُكاتَبُ إنْ ظهَرَتْ قُدرَتُهُ على الوفاءِ وحُسْنُ قصدِه. والجمهورُ على أنَّ المكاتَبةَ للاستحبابِ لا للوجوبِ، وهو الأظهَرُ، ومنهم مَن جعَلَ المكاتبةَ واجبةً، وهذا رُوِيَ عن عطاءٍ وأبي حنيفةَ؛ وبه يقولُ أهلُ الظاهرِ. والذي عليه الجمهورُ: أنَّ الخيرَ في الآيةِ هو المالُ، وصحَّ هذا عن عطاءٍ (١) ومجاهدٍ. قال مجاهدٌ: "إنْ علِمتُم لهم مالًا، كائنةً أخلاقُهُمْ وأديانُهُمْ ما كانتْ" (٢).

стр. 1865

وفي هذا أنَّ مَن لا حِرْفةَ له ولا كسْبَ يُحسِنُهُ: أنَّ الأفضلَ عدمُ مكاتبتِه؛ حتى لا يَعِدَ ولا يَفِيَ، وربَّما أصابَ المالَ بحرام؛ ليتخلَّصَ مِن مُطالبتِه؛ ولو كاتَبَ مَن لا كَسْبَ له، جازَ، كما كاتَبَ أَهلُ بَرِيرَةَ بَرِيرَةَ ولا كَسْبَ لها، وقد جاءتْ إلى عائشةَ تطلُبُ العونَ (١). والمرادُ بقولِه تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ إعانتُهُم بالتخفيفِ عنهم بإسقاطِ بعضِ المكاتَبَةِ، وقد كاتَبَ عمرُ وابنُهُ وابنُ عبَّاسٍ عَبِيدًا، ووضَعُوا عنهم شيئًا مِن مُكاتَبَتِهم. * * * * قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: ٣٦]. في هذه الآيةِ: فضلُ بناءِ المساجدِ وتشييدِها، ورفعِها وإبرازِها؛ لِيَراها الناسُ؛ فيَقصِدُوها للعبادةِ مِن صلاةٍ واعتكافٍ وذِكرٍ. وقد صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ قولُه: "هي المساجدُ يكرِمونَهُنَّ، ونَهى عن اللَّغْوِ فيها" (٢). وصحَّ هذا عن مجاهدٍ وقتادةَ وغيرِهما (٣). ومِن السلفِ: مَن حمَلَ البيوتَ على مساكنِ الناسِ عامَّةً؛ كعِكْرِمةَ (٤)، وجعلَ في ذلك مشروعيَّةَ ذِكْرِ اللَّهِ فيها وعمارتها بطاعتِه. ومنهم: مَن خصَّها ببيوتِ النبيِّ ﷺ (٥).

стр. 1866

وقولُه تعالى: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ الأصلُ فيه أنَّه رفعٌ معنويٌّ بالذِّكْرِ والعبادةِ، وتنزيهِها عن اللَّغوِ والنَّجَسِ. وقد تقدَّمَ الكلامُ على عِمَارةِ المساجدِ وتشييدِها وبنائِها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ [البقرة: ١٢٧]. وقولُه تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾، يعني: الصلاةَ فيها بُكْرةً وعَشِيًّا، فالتسبيحُ هنا الصلاةُ، وهذا نظيرُ قولِهِ تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١]، ويُشرَعُ في هذا الوقتِ الذِّكرُ والصلاةُ؛ ففيه مع صلاةِ الصبح وصلاةِ العَشيِّ أذكارُ الصباحِ وأذكارُ المساءِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. * * * * قال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧]. ذكَرَ اللَّهُ التجارةَ وعَدَّها مِن العوارضِ التي لا تُلهِي أهلَ الإيمانِ؛ إشارةً إلى أنَّها مِن أكثرِ ما يُلهي غيرَهم؛ وذلك لِما للمالِ مِن فتنةٍ وجاهٍ ومتعةٍ. تركُ الأسواقِ والبَيْعِ وقتَ الصلاةِ: قولُه تعالى: ﴿تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾ ذكَرَ اللَّهُ البيع بعدَ ذِكْرِهِ التجارةَ مع أنَّ التجارةَ بيعٌ وشراءٌ فلا يدورُ مالُ التاجرِ إلَّا بهما؛ لأنَّ المقصودَ أهلُ البيعِ، وهم الباعةُ، وأهلُ المَتاجِرِ، وفي ذِكْرِ (البيعِ) في الآيةِ مَقاصِدُ وحِكَمٌ أظهرُها -واللَّهُ أعلَمُ-:

стр. 1867

أولا: أن الفتنةَ والشُّغْلَ بالبيعِ أكثَرُ مِن الفتنةِ بالشراءِ؛ فإنَّ ذِهْنَ مَن يبيعُ سِلْعةً ينشغِلُ بها أكثَرَ ممَّن يبحثُ عن سلعةٍ يَشترِيها، والبائعُ يهتمُّ بتدويرِ مالِه، بخلافِ المُشترِي، فغالبًا الناسُ تَشترِي لتستهلِكَ، والبائعُ يبيعُ سلعتَهُ ليشترِيَ مِثلَها ويبيعَهُ ويتكسَّبَ. ثانيًا: أنَّ المقصودَ بها أهلُ الحوانيتِ والدكاكينِ والمَتاجِرِ، وهؤلاء يَبِيعونَ فيها أكثَرَ مما يَشترونَ، والبائعُ ثابِتٌ والمُشترِي عابرٌ، والتاجِرُ في مَتجَرِهِ يَشغَلُهُ البيعُ أكثَرَ مِن الشراءِ؛ لأنَّه يشترِي الشيءَ الكثيرَ مرةً واحدةً ثمَّ يبيعُهُ مُجَزَّأً، فيَعرِضُونَ سِلَعَهُمْ للناسِ طُولَ اليومِ، وهذا خِطابٌ لهم أنَّهم إن سَمِعوا النداءَ للصلاةِ أنْ يُجيبوا، ولا تَشغَلَهُمْ مَتاجرُهم وأسواقُهم عن الصلاةِ. ثالثًا: أنَّ البائعَ يتحكَّمُ في السلعةِ والسوقِ أكثَرَ مِن المُشترِي، والبائعُ أقدَرُ على حِرْمانِ المشترِي مِن الانتفاعِ مِن السلعةِ، وهو يتمكَّنُ مِن الاحتكارِ والتسعيرِ والإضرارِ بالسوقِ والناسِ. رابعًا: أنَّ البائع غالبًا تاجرٌ، وأمَّا المشترِي فكثيرًا ما يكونُ محتاجًا وربَّما فقيرًا؛ فهو يَشترِي لانتَفاعِهِ لنفسِه. أمْرُ الناسِ وأهلِ الأسواقِ بالصلاةِ: ويَظهَرُ مِن هذا تعظيمُ قَدْرِ صلاةِ الحماعةِ، وتأكيدُ تركِ الأسواقِ لها، وهذه الآيةُ نزَلَت في تركِ أهلِ الأسواقِ أسواقَهُمْ لأداءِ الصلاةِ، وقد أمَرَ اللَّهُ بالجماعه عندَ التقاءِ الصفينِ في القتالِ؛ فكيف لا يُؤمَرُ بها عندَ التقاءِ المتبايِعَينِ في الأسواقِ؟ ! ولم تكنِ الأسواقُ تُفتَحُ في المدينةِ بعدَ الأذانِ تعظيمًا لهذه الشعيرةِ، فقد روى ابنُ مَرْدَويهِ في "تفسيرِه"، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عبَّاسٍ ﵁؛ قال: " ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾: كانوا رجالًا يَبتغونَ مِن

стр. 1868

فضلِ اللَّهِ يَشتَرُونَ ويَبِيعُونَ، فإذا سَمِعُوا النداءَ بالصلاةِ، ألقَوْا ما بأيدِيهِم وقاموا الى المساجدِ فصَلَّوْا" (١). ورَوَى عليُّ بنُ أبى طَلْحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: "عن الصلاةِ المكتوبةِ" (٢). وأخرَجَ عبدُ الرزاقِ وابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ، عن عمرِو بنِ دِينارٍ، عن سالمٍ، عن ابنِ عمرَ: "أنَّه كان في السوقِ فأقيمَتِ الصلاةُ، فأغلَقوا حوانيتَهم، ثمَّ دخَلُوا المسجدَ، فقال ابنُ عمرَ: فيهم نزَلتْ ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ " (٣). وأخرَجَ سعيدُ بنُ منصورٍ وابنُ جريرٍ، عن ابنِ مسعودٍ: "أنَّه رأى ناسًا مِن أهلِ السوقِ سَمِعُوا الأذانَ، فترَكُوا أمتعتَهُمْ وقاموا إلى الصلاةِ، فقال: هولاء الذين قال اللَّهُ: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ " (٤). وكان هديُهُ ﵊ تنبيهَ الناسِ في الطريقِ وإقامتَهُمْ إلى الصلاةِ، وألَّا يكِلَهُمْ إلى إيمانِهم وصلاحِهم، ولا إلى سماعِهم النداءَ؛ كما جاء عن مسلمِ بنِ أبي بَكْرةَ، عن أبيه؛ قال: "خرَجْتُ مع النبيِّ ﷺ لصلاةِ الصبحِ، فكان لا يمُرُّ برجُلٍ إلَّا ناداهُ بالصلاةِ أو حرَّكَهُ برِجْلِهِ"؛ رواهُ أبو داودَ (٥). ورُوِيَ هذا في أحاديثَ كثيرةٍ بمعناهُ؛ فقد روى أحمدُ في "مسندِه"،

стр. 1869

عن عبدِ اللَّهِ بنِ طِهْفَةَ؛ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ كان إذا خرَجَ، جعَلَ يُوقِظُ الناسَ: (الصلاةَ، الصلاةَ! ) (١). وقد كانتِ الأسواقُ في زمنِ النبيِّ ﷺ تُفتَحُ مع صلاةِ الفجرِ، فبيَّنَ بعضُ الصحابةِ خطورةَ التخلُّفِ عن صلاةِ الجماعةِ، والمبادَرَةِ إلى الأسواقِ قبلَها؛ فقد روى ابنُ أبي عاصمٍ في "الوُحْدَانِ"، ومِن طريقِهِ أبو نُعَيْمِ بسندٍ صحيحٍ، عن مِيثَمٍ رجلٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ قال: "يَغْدُو المَلَكُ برايتِهِ مع أولِ مَن يَغدُو إلى المسجدِ، فلا يزالُ بها معه حتى يَرجعَ فيَدْخُلَ بابَ مَنْزِلِهِ، وإنَّ الشيطانَ لَيَغْدُو برايتِهِ مع أوَّلِ مَنْ يَغدُو إلى السُّوقِ" (٢). وكان عملُ الصحابةِ ﵃ عدمَ البيعِ وقتَ الصلاةِ، بلِ الانصرافَ مِن السوقِ وتركَهُ إلى المساجدِ؛ فروَى أحمدُ بسندٍ جيِّدٍ، عن زيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنِيِّ، قال: "كُنَّا نُصلِّي مع النبيِّ ﷺ المَغْرِبَ، وننصرِفُ إلى السُّوقِ" (٣). يعني: أنَّهم قطَعوا الضَرْبَ في الأسواقِ عصرًا بدخولِ وقتِ المغرِبِ، ثمَّ انصرَفوا إلى سُوقِهِمْ مرةً أُخرى. وكان الأمرُ بذلك والطوافُ على الناسِ وتنبيهُهُمْ في أولِ الأمرِ في المدينةِ وفي آخرِ حياتِهِ ﷺ ، وفي أسفارِهِ أيضًا، كما في حَجَّةِ الوداعِ؛ كما رواهُ أبو نُعَيْمٍ في "معرفةِ الصحابةِ"، عن مسلم بنِ يَسَارٍ، عن أَبيهِ؛ قَالَ: خرَجْتُ مع مَوْلايَ فَضَالَةَ بنِ هِلَالٍ في حَجَّةِ الوداعِ، فسَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: (الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ! ) (٤).

стр. 1870

وقد جاء في أولِ الأمرِ ما رواهُ ابنُ خُزَيمةَ في "صحيحِه"، والطبرانيُّ، عن خالدٍ الحَذَّاءِ، عن أبي قِلابةَ، عن أنسٍ؛ قال: "كانتِ الصلاةُ إذا حضَرَتْ على عهدِ النبيِّ ﷺ ، سعى رجلٌ إلى الطريقِ، فنادَى: الصلاةَ الصلاةَ! " (١). وكان هذا العملُ في زمنِ الخلفاءِ الراشدِين: يُنَبِّهونَ على الصلواتِ النائمين، فضلًا عن القائِمِنَ والقاعِدِينَ في الأسواقِ، ويأمُرُونَهم بذلك؛ فقد اشتهَرَ هذا في فعلِ الخلفاءِ عمرَ وعليٍّ يقومونَ به بأنفُسِهِمْ لا يُنِيبُونَ عليه أحدًا؛ قال أبو زَيْدٍ المجاجيُّ في شرحِهِ على "مختصرِ ابنِ أبي جَمْرةَ": "ذكَرَ غيرُ واحدِ ممَّن ألَّفَ في السِّيَرِ أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ وعليًّا كانا مِن عادتِهما إذا طلَعَ الفجرُ، خرَجَا يُوقِظانِ الناس لصلاةِ الصبحِ" (٢). وروَى كثيرٌ مِن أهلِ المسانيدِ والسِّيَرِ؛ كالطبريِّ وابنِ عساكِرَ والخطيبِ، بأسانيدَ أكَثرَ مِن أن تُساقَ في موضعٍ، ومتونٍ أشهَرَ مِن أن يَتطرَّقَ إليها احتمالُ الشكِّ بضَعْفٍ، منها عن ثابتٍ البُنانيِّ، عن أبي رافعٍ: "كان عمرُ يَخْرُجُ يُوقِظُ الناس للصَّلاةِ صلاةِ الفجرِ". وروَى ابنُ سعدٍ بإسنادٍ صحيحٍ إلى الزُّهريِّ: "خرَجَ عمرُ يُوقِظُ الناسَ للصَّلاةِ صلاةِ الفجرِ، وكان عُمَرُ يَفعلُ ذلك" (٣). وإذا كان هذا حالَ النائمِ في زمنِهِ، فكيف باليَقْظانِ يبيعُ ويَشترِي ويَفترِشُ الطرُقاتِ؟ ! بل قد كان الأعرابيُّ يَقدَمُ المدينةَ ومعه الجَلَبُ ليبيعَهُ في سوقِ المدينةِ وقتَ الصلاةِ ولا يجدُ الناسَ في السوقِ، فيَلزَمُ الصلاةَ معهم، ويخرُجُ بعدَها إلى السوقِ، كما رواهُ ابنُ أبي الدُّنيا في "إصلاحِ

стр. 1871

المالِ"، عن أَصْبَعَ بنِ نُبَاتَةَ؛ قال: "خرَجتُ أنا وأبي من ذِرْوَدٍ -وهو جبلٌ مِن أطرافِ الباديةِ- حتى ننتهيَ الى المدينةِ في غَلَسٍ والناسُ في الصلاةِ، فانصرَفَ الناسُ مِن صلاتِهم، فخرَجَ الناسُ على أسواقِهم، ودفَع الينا رجلٌ معه دِرَّةٌ له، فقال: يا أعرابيُّ، أتبيعُ؟ فلم أزَلْ أساوِمُ به حتى أرضاهُ على ثَمَنٍ، وإذا هو عمرُ بنُ الخطَّابِ، فجعَلَ يطوفُ في السُّوقِ يأمُرُهُم بتقوى اللَّهِ يُقبِلُ فيها ويُدبِرُ" (١). وكما ثبَتَ هذا عن غيرِ واحدٍ من التابعينَ؛ كأيُّوبَ بنِ أبي تَمِيمةَ السَّخْتيَانيِّ؛ كما رواهُ البيهقيُّ في "الشُّعبَ"، عن ضَمرةَ، عن ابنِ شَوْذَبٍ؛ قال: "كان أيوبُ يَؤُمُّ أهلَ مسجدِهِ -يعني: في البصرةِ- ويقولُ هو للناسِ: الصلاةَ الصلاةَ! " (٢). يعني: يطوف عليهم مذكِّرًا لهم. ويُستحَبُّ في حقِّ الوالي أن يمنحَ الأعمى والعاجِزَ ما يُوصِلُهُ إلى المسجدِ جماعةً مِن قائدٍ ومَركَبٍ، ما تيسَّرَ على المُسلِمينَ المالُ ولم بشُقَّ على المصلِّي؛ فقد روى ابنُ سعدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمةَ؛ قال: "جاء عمرُ ﵁ سعيدَ بنَ يَرْبُوعٍ إلى منزلِه، فعزَّاهُ في ذَهَابِ بصرِهِ، وقال: لا تَدَعِ الجُمُعةَ ولا الصلاةَ في مسجِدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، قال: ليس لي قائدٌ، فقال الفاروقُ: فنحن نَبْعَثُ إليك بقائِدٍ، فبعَثَ إليه بغلامٍ مِن السَّبْيِ" (٣). وكانتِ الأسواقُ لا تُقامُ والصلاةُ حاضِرةُ في الحواضرِ، وإذا قَدِمَ أهلُ البَوادِي، أخَذُوا حُكْمَ الحواضرِ؛ كما رواهُ أحمدُ في "مسندِه"،

стр. 1872

والبيهقيُّ في "الشُّعَبِ" -واللفظُ له- وغيرُهما، عن المغيرةِ بنِ عبدِ اللَّهِ اليشكُريِّ، عن أبيه؛ قال: "قَدِمتُ الكُوفةَ أنا وصاحبٌ لي لِأَجلِبَ منها نعالًا، فغدَوْنا إلى السُّوقِ ولمَّا تُقَمْ، فقلتُ لصاحبي: لو دخَلْنا المسجدَ" (١). ورُوِيَ عن الحسنِ: "واللَّهِ، لقد كانوا يَتبايَعُونَ في الأسواقِ، فإذا حضَرَ حقٌّ مِن حقوقِ اللَّهِ، بدؤوا بحقِّ اللَّهِ حتى يَقْضُوهُ، ثمَّ عادُوا إلى تجارتِهم" (٢). وفي "الحِليَةِ" لأبي نُعَيمٍ، عن سُفْيانَ الثوريِّ: "كانوا يَشْتَرُونَ وَيَبِيعُونَ، ولا يَدَعُونَ الصلواتِ المكتوباتِ في الجماعةِ" (٣). وكان جماعةٌ مِن المفسِّرينَ مِن التابعينَ على تبايُنِ بُلْدانِهم، يَحمِلونَ قولَ اللَّهِ تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ على تركِ البيعِ والشراءِ والانصرافِ للصلواتِ، وممَّن قال بهذا: عطاءُ بنُ أبي رَبَاحٍ، وأبو العاليةِ رُفَيْعُ بنُ مِهرانَ، وأيوبُ، والحسنُ، وقتادةُ، ومطرٌ الورَّاقُ، والربيعُ بنُ أنسٍ، والسُّدِّيُّ، والثوريُّ، ومقاتلُ بنُ حَيَّانَ، والضحَّاكُ بن مَخْلَدٍ (٤). وقد كانتِ الأسواقُ في بُلْدانِ المُسلِمينَ على ذلك؛ كانوا يَدَعُونَ أسواقَهُمْ، ويتَّجهونَ إلى الصلاةِ؛ كما قال أبو طالبِ المَكِّيُّ في "قُوتِ القلوبِ"، ذاكرًا حالَ الأسواقِ عندَ السالِفِينَ: "إذا سَمِعوا الأذانَ، ابتدَرُوا المساجِدَ، وكانتِ الأسواقُ تخلو مِن التجارِ، وكان في أوقاتِ

стр. 1873

الصلاةِ معايشُ للصِّبْيانِ وأهلِ الذِّمَّةِ، وكانوا يستأجِرُونَهم التجارُ بالقراريطِ والدوانيقِ؛ يَحْفَظُونَ الحوانيتَ إلى أوانِ انصرافِهم مِن المساجدِ" (١). وقال أبو حامدٍ الغزاليُّ في "الإحياءِ": "كان السلفُ يَبتدِرونَ عندَ الأذانِ، ويُخلُونَ الأسواقَ للصِّبْيانِ وأهلِ الذِّمَّةِ، وكانوا يُستأجَرُونَ بالقراريطِ لحفظِ الحوانيتِ في أوقاتِ الصلواتِ" (٢). وقال ابنُ تيميَّةَ في "الفتاوى": "إذا تعمَّدَ الرجُلُ أن يَقعُدَ هناك ويترُكَ الدخولَ إلى المسجِدِ كالذين يقعُدُونَ في الحوانيتِ، فهؤلاءِ مُخطِئونَ مُخالِفونَ للسُّنَّة" (٣). وأكثرُ المؤرخينَ لا يَنُصُّونَ عليه؛ لاشتهارِهِ؛ وإنَّما يذكُرونَه على سبيلِ مناقبِ الأفرادِ المخصوصِينَ ببعضِ الوِلَاياتِ، وبَلَغَ عملُ الحكَّامِ به أقاصيَ بلادِ الإسلامِ حتى بلادِ المغرِبِ الأقصى؛ كالسُّلطانِ أبي عنانَ المَرِينِيِّ حاكمِ المغرِبِ الأوسطِ كلِّه في القرنِ الثامنِ، كما ذكَرَهُ أبو زيدٍ الفاسيُّ في تاريخِهِ "تاريخ بيوتاتِ قاسٍ" لدى كلامِه على بيتِ بَنِي زَنْبَقٍ؛ ذكَر أنَّ السُّلْطانَ يُنِيبُ أبا المكارمِ منديلَ بنَ زَنْبَقٍ؛ ليُحرِّضَ الناسَ في الأسواقِ على الصلاةِ في أوقاتِها، ويَضرِبَ عليها بالسِّياطِ والمَقَارعِ بأمرِ أميرِ المؤمنينَ أبي عنانَ (٤). والأمرُ بذلك إلى اليومِ في الحجازِ ونجدٍ وسائرِ جزيرةِ العربِ؛ يُؤمَرُ به ويُعمَلُ، وأكثرًا الناسِ يَدَعُونَ متاجِرَهم رَغْبةً لا رَهْبةً. * * *

стр. 1874

* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٨]. أمَرَ اللَّهُ باستئذانِ المَوَالِي عندَ دخولِهم بيوتَ أسيادِهم، والأحرارِ الصِّغَارِ الذين لم يبلُغُوا الحُلُمَ، في أوقاتٍ ثلاثةٍ: الأولُ: قبلَ صلاةِ الفجرِ؛ لأنَّه موضعُ نومٍ وتكشُّفٍ. الثاني: عندَ الظهيرةِ؛ لأنَّها موضعُ القيلولةِ وما فيها مِن راحةٍ تُوضَعُ فى مِثْلِها الثيابُ. الثالثُ: بعدَ صلاةِ العشاءِ؛ لأنَّه موضعُ وضعِ لِبَاسٍ وراحةٍ ومُعَاشَرةٍ. والخِطابُ تَوجَّهَ إلى المَوَالي والصِّغَارِ؛ وذلك أنَّهم يُعلَّمُونَ حُكمَ اللَّهِ فيهم إن لم يُدركُوهُ بأنفُسِهم. وقد بيَّنَ اللَّهُ العلةَ مِن الأمرِ بالاستئذانِ، وهي ظهورُ العَوْراتِ وما يَكرَهُ الإنسان رؤيتَهُ، وذلك في قوله: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾. وأصل لفظِ العورةِ يُطلَقُ على النقصِ والخللِ، ولمَّا كان صاحبُ النقصِ يَكْرَهُ أن يُرى وينكشِفَ نقصُهُ، دخَلَ في معنى (العَورةِ) كلُّ ما يَشترِكُ في كراهةِ رؤيتِهِ عقلًا أو شرعًا أو عُرفًا ولو كان في حقيقتِهِ كامِلًا: ففي العُرْفِ لا يُحبُّ الناسُ أن تُرى بيوتُهُمْ مِن الداخلِ إلَّا بإذنِهم؛ فقال اللَّهُ على لسانِ المُنافِقينَ: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣] تُدخَلُ ونحن نَكْرَهُ ولا أحدَ يَمنَعُ، فتُسمَّى البيوتُ المفتوحةُ عَوْرةً ولو كانتِ البيوتُ لا عَيبَ فيها ولا نقصَ.

стр. 1875

ويُطلَقُ على الجهةِ التي يَكرَهُ الإنسانُ أن يُدخَلَ عليه منها عَوْرةٌ؛ كبابِ البيتِ ونافذتهِ وثَقْبِ البابِ، وجهةِ الحيِّ والمدينةِ التي لا حارسَ عليها مِن عدوٍّ أو سارقٍ؛ قال لَبِيدٌ: حَتَّى إِذَا أَلْقَتْ يَدًا فِي كَافِرٍ … وَأَجَنَّ عَورَاتِ الثُّغُورِ ظَلَامُهَا ومن هذا جاء النهيُ في هذه الآيةِ حتى لا يُرى صاحب البيتِ مِن خادمِهِ ومولاتِهِ والصغيرِ على حالِ يَكرَهُها ولو لم تكن خَطَأً أو حرامًا؛ كتخفُّقهِ مِن لِباسِهِ أو مباشرتِهِ لزوجتِه، وقد صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ قولُهُ: "إذا خلا الرجلُ بأهلِهِ بعدَ العِشاءِ، فلا يدخُل عليه خادمٌ ولا صبيٌّ إلَّا بإذنِهِ حتى يُصلِّيَ الغَدَاةَ" (١). وقد عَدَّ بعضُ السلفِ الآيةَ منسوخةً؛ وذلك لأنَّهم رأَوْا أنَّها نزَلَت في حالِ ضَعْفِ الحالِ وعدم الستر والأبوابِ والغُرَفِ التي تُحكَمُ وتُغلَقُ بأبوابٍ وأقفالٍ، قالوا: "ولذلك يرتفِعُ الحرَجُ عن المَوَالي والصِّغَارِ". والصحيحُ: إحكامُها، وارتفاعُ العلةِ لا يعني ارتفاعَ الحُكْمِ؛ فقد تعودُ العلةُ؛ فيعودُ الحُكمُ معها، ثمَّ إنَّها لم تَرتفِع بإطلاقٍ وإنِ ارتفَعَت مِن عامَّةِ الناسِ لليسارِ والنعيمِ الذي هم فيه. وقد روى أبو داودَ، عن عُبَيدِ اللَّهِ بنِ أبي يزيدَ، سَمِعَ ابنَ عبَّاسٍ يقولُ: لَم يُؤمَرْ بهَا أَكْثرُ النَّاسِ؛ آيَةَ الإذنِ، وإنِّي لَآمُرُ جَارِيتِي هَذِهِ تَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ" (٢). وروى أيضًا عن عِكْرِمةَ: "أنَّ نَفَرًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالُوا: يَا بْنَ عَبَّاسٍ، كَيْفَ تَرَى فِي هَذِهِ الآيَةِ الَّتي أُمِرنَا فِيهَا بمَا أُمِرْنَا، وَلَا يَعْمَلُ بِهَا أحَدٌ: قول اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ

стр. 1876

وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ إلى ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ حَلِيِمٌ رَحِيمٌ بِالمُؤْمِنِينَ يُحِبُّ السَّتْرَ، وَكَانَ النَّاسُ لَيْسَ لِبُيُوتِهِمْ سُتُورٌ وَلَا حِجَالٌ (جمعُ: حَجَلَةٍ، وهي بيتٌ كالقُبَّةِ يُسْتَرُ بالثيابِ، يَجْعَلُونَها للعَرُوسِ)، فَرُبَّمَا دَخَلَ الْخَادِمُ أَوِ الْوَلَدُ أَوْ يَتِيمَةُ الرَّجُلِ وَالرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ، فَأَمَرَهُمُ اللَّه بالاِسْتِئْذَانِ فِي تِلْكَ الْعَوْرَاتِ، فَجَاءَهُمُ اللَّهُ بِالسُّتُورِ وَالْخَيْرِ، فَلَمْ أرَ أَحَدًا يَعْمَلُ بِذَلِكَ بَعْدُ" (١). وأمرُ الصبيِّ في الآيةِ ليس مُتوجِّهًا إليه؛ لأنَّه غيرُ مكلَّفٍ؛ وإنَّما يتوجَّهُ إلى وليِّهِ أن يأمُرَهُ ويُعلِّمَهُ ويُؤدِّبَهُ إنْ خالَفَهُ؛ وذلك كقولِهِ ﷺ : (مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ) (٢). * * * * قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٩]. في هذا: تشديدٌ على الصِّغارِ بعدَ بُلوغِهم في دخولِهم على والدِيهِمْ وإخوانِهم وأخواتِهم وأعمامِهم وخالاتِهم، وأنَّ ثبوتَ المَحْرَمِيَّةِ لا يعني جوازَ الدخولِ بلا إذنِ؛ لأنَّ ثَمَّةَ عَوْراتٍ لا يصحُّ لأحدٍ أن يَراها حتى الأرحامُ سوى الزوجاتِ، وثَمَةً أحوالٌ يَكرَهُ الإنسانُ رؤيتَهُ عليها ولو مِن زَوْجِه. وكان ابنُ مسعودٍ يقولُ: "عليكم الإذنَ على أمَّهاتِكم" (٣).

стр. 1877

وقولُه تعالى: ﴿بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ﴾ خطابٌ لأطفالِ الناسِ، وليس لأطفالِ الأَبعدِينَ، فإنْ كان هذا الحُكْمُ في أطفالِهم، فأطفالُ الأبعَدِينَ مِن بابِ أَولى. وقولُه تعالى: ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أى: إنَّهم أخَذُوا حُكْمَ مَن سبَقَهم مِن البالغِين، على ما تقدَّمَ بيانُهُ مِن صفةِ الاستئذانِ وبَذْلِ السلامِ. واللَّهُ قد خفَّفَ على الصِّغارِ في حالِ صِغَرِهم، ولكنَّه بعدَ البلوغِ أَلْحَقَهم بمَن سبَقَهُمْ مِن الحالِمين، فقد جعَلَ الأطفالَ الصِّغارَ والمواليَ يَستأذِنونَ في الأوقاتِ الثلاثةِ، ولكنْ جعَلَ استئذانَهُمْ بعدَ بُلُوغِهم: كلَّ وقتٍ، كما تقدَّمَ في غيرِهم. وقد صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ قولُهُ: "أمَّا مَن بلَغَ الحُلُمَ، فإنَّه لا يدخُلُ على الرجُلِ وأهلِهِ -يعني: مِن الصِّبْيانِ الأحرارِ- إلَّا بإذنٍ على كلِّ حالٍ، وهو قولُه: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ " (١). وجاء عن عطاءٍ في قوله: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾؛ قال: "واجبٌ على الناسِ أجمَعِينَ أنْ يَستَأْذِنُوا إذا احتلَمُوا، على مَن كان مِن الناسِ" (٢). * * *

стр. 1878

* قال تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠]. المرأةُ القاعِدُ: هي التي قعَدَتْ عن الحَيْضِ والوَلَدِ لكِبَرِها، ولا تُرغَبُ غالبًا مِن الرِّجالِ؛ فيجوزُ لها وضعُ ثيابِها غيرَ متزيِّنةٍ. حِجابُ القواعدِ مِن النِّساءِ: اتَّفَقَ المفسِّرونَ مِن الصحابةِ والتابعينَ: أنَّ الثيابَ التي رخَّصَ اللَّهُ بها للعجوزِ هي (الجلابيبُ)، والجلابيبُ جمعُ جِلْبابٍ، وهو ما يكونُ مِن لِباسٍ فَضْفَاضٍ فوقَ الخِمَارِ يَستوعِبُ أعلى الَبَدَنِ ووَسَطَه، ويُسدَلُ فيُغطَّى به الوجهُ والصدرُ؛ ففي "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ عائشةَ ﵂؛ قالتْ: "فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي" (١). والجِلْبابُ قريبٌ مِن العَبَاءةِ اليومَ، لكنَّه غيرُ مفصَّلٍ، ويُسمَّى القِنَاعَ أو المُلَاءةَ. والفرقُ بينَ الخِمارِ والجلبابِ: أنَّ الخِمارَ يكونُ تحتَ الجلبابِ، والخِمارُ تَلبَسُهُ المرأةُ وتشُدُّهُ على رأسِها وما دونَه، ويكونُ ملاصقًا للجسمِ مشدودًا، بخلافِ الجِلْبابِ فهو غطاءٌ زائدٌ فوقَهُ فَضْفاضٌ يُرخَى غالبًا ولا يُشَدُّ؛ لا على الوجهِ، ولا على الصدرِ، بحيثُ يُبرِزُ حجمَ العضوِ؛ ولذا ورَدَ في "صحيحِ مسلمٍ"، عن أمِّ سُلَيْمٍ: (أنَّها خَرَجَتْ مُسْتَعْجِلَةً تَلُوثُ خِمَارَهَا) (٢)؛ يعني: تُدِيرُهُ على رأسِها وتشُدُّه، والخِمَارُ

стр. 1879

هو الذي تَصُرُّ بطرَفِهِ بعضُ النِّساءِ الأوائلِ دنانيرَها؛ لتَماسُكِهِ وثباتِهِ عليها. والصحابةُ والتابعونَ رخَّصُوا للقاعدِ أنْ تضَعَ الجلبابَ الذي تُؤمَرُ به الشابَّةُ كما في آيةِ الأحزابِ، وقد جاء بسندٍ صحيحٍ ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ مسعودٍ وابنِ عمرَ والشَّعْبيِّ وابنِ جُبَيْرٍ والحسنِ ومجاهِدٍ وعطاءٍ وعِكرِمةَ وقتادةَ وغيرِهم، وهؤلاءِ كلُّهم لهم تفسيرٌ للزِّينةِ الظاهرةِ التي تُنهى الشابَّة عن إبدائِها إلَّا لِمَنْ أذِنَ اللَّهُ لهنَّ أنْ يُبدِينَه؛ كما تقدَّمَ في قولِه: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]. واتفَقوا هناك على أنَّ ما تَختَصُّ به العجوزُ عن الشابَّةِ رفعُ الجلبابِ فقطْ، والجلابيبُ: هي ما تَختَصُّ بسَتْرِ الوجهِ مِن بَشَرةِ الجسمِ، وتكونُ فوقَ بقيَّةِ الثيابِ ثوبًا على ثوبٍ، فالجلبابُ فوقَ الخِمَارِ، ويدُلُّ على أنَّ الجلابيبَ ما كانتْ تستُرُ الوجوهَ للشابَّةِ جملةٌ مِن تفسيرِ أفصَحِ الناسِ وأقرَبِهم إلى الوحي، وهم الصحابةُ والتابعونَ، ولقد تقدَّم ذكْرُ هذه الآثارِ عند تفسيرِ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾؛ فلتنظَرْ هناك. واتِّفاقُ الصحابةِ والتابعينَ على هذا المعنى دليلٌ على القَدْرِ الباقي الذي اختصَّتْ به الشابَّةُ وميَّزَها عن القاعدِ، وما اختصَّتْ به القاعدُ عن الشابَّةِ. ولا يتحقَّقُ فَهْمُ حِجابِ القواعدِ إلَّا بفَهْمِ حجابِ الشابَّةِ، ويُعِينُ فهمُ حجابِ القواعدِ على فهمِ حجابِ الشابَّةِ. * * *

стр. 1880

* قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١]. لمَّا أنزَلَ اللَّهُ على الناسِ تحريمَ أكلِ أموالِهِمْ بالباطلِ وشدَّدَ في ذلك عليهم، تحرَّجُوا لوَرَعِهِمْ مِن الأكلِ مِن بيوتِ بعضِهم بعضًا ممَّا كانوا يَتسامَحُونَ به قبلَ ذلك؛ فبيَّنَ اللَّه لهم أنْ لا حرَجَ مِن الأكلِ مِن بيوتِ قرَاباتِهم وما جَرَتِ العادةُ بالإذنِ به كبيوتِ الأصدقاءِ والقَرَاباتِ وغيرِهم، وقد صحَّ عن ابنِ عباسِ أنَّه قال: "لمَّا أنزَلَ اللَّهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]، قال المُسلِمونَ: إنَّ اللَّه قد نَهَانَا أن نأكُلَ أموالَنا بينَنا بالباطلِ، والطعامُ هو أفضلُ الأموالِ، فلا يَحِلُّ لأحدٍ منَّا أن يأكُلَ عندَ أحدٍ، فكَفَّ الناسُ عن ذلك؛ فأنزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾، إلى قولِه: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ "؛ رواهُ الطبريُّ وابنُ أبي حاتمٍ (١). وبنحوِه قال عِكْرِمةُ والحسنُ. وفي قولِه تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ الآيةَ: دليلٌ على جوازِ الأكلِ مِن بيوتِ القَرَاباتِ التي جَرى العُرْفُ بالتسامُحِ فيها، ولا يَلزَمُ أن تَستأذِنَ الزوجةُ مِن زوجِها لإطعامِ

стр. 1881

قَرَابَاتِهِ وقراباتِها في بيتِه؛ قال السُّدِّيُّ: "كان الرجُلُ يدخُلُ بيتَ أبيهِ أو أخيهِ أو ابنِهِ، فتُتحِفُهُ المرأة بشيءٍ مِن الطعامِ، فلا يأكُلُ مِن أَجلِ أنَّ رَبَّ البيتِ ليس ثمَّ" (١). وقولُه تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾؛ يعني: المَوالِيَ والخَدَمَ ومَن يخلُفُ الرجلَ في بيتِهِ عندَ ذَهَابِهِ للغزوِ، فيأكُلونَ مِن بيتِهِ بالمعروفِ؛ قال بهذا عائشةُ (٢)، وبنحوِه عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ والسُّدِّيِّ (٣). وقولُه: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾؛ يعني: أنَّ دخولَ الرَّجُلِ إلى بيتِ صديقِه وإذنُهُ له بالدخولِ يُجِيزُ له الأكلَ بلا حَرَجٍ في ذلك مما يجدُهُ ولو لم يَستأذِنهُ، وقد صحَّ عن قتادةَ قولُه: "لو دخَلْتَ على صديقٍ ثمَّ أكَلتَ مِن طعامِهِ بغيرِ إذنِه، لكان لك حلالًا" (٤). وقد حمَلَ بعضُ السلفِ هذه الآيةَ يةَ على تركِ الجهادِ لِمَن كان معذورًا عندَ وجوبِهِ على الناسِ كزَمَنِ النفير والدفعِ، وحمَلُوها على معنى قولِه تعالى في التوبةِ: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١]؛ وهذا يُروى عن عطاءٍ الخُرَاسانيِّ (٥) وابنِ زيدٍ (٦).

стр. 1882

ومنهم: مَن حمَلَهُ على تحرُّجِهم مِن الأكلِ مع الأعمى؛ لأنَّه لا يُبصِرُ الأكلَ وما فيه مِن طيِّباتٍ، فتحرَّجُوا مِن الاستئثارِ بأكلِ الطيِّبِ دونَهُ، والأعرجِ الذي لا يستقيمُ مقعدُهُ لتناوُلِ الأكلِ كالصحيحِ المُعافَى، والضعيفِ المريضِ الذي لا يَقْوَى على أكلِ ما تَشتَهِيهِ نفسُهُ فيمنعُهُ العجزُ أو المرضُ؛ وهذا رُوِيَ عن ابنِ جُبيرٍ ومِقْسَمِ والضحاكِ وسُلَيْمانَ بنِ موسى (١). وصحَّ عن قتادةَ أنَّه قال: "مُنِعَتِ البيوتُ زمانًا كان الرجلُ لا يُطعِمُ أحدًا ولا يأكُلُ في بيتِ غيرِهِ تأثُّمًا من ذلك؛ فكان أولُ مَن رُخِّصَ له في ذلك الأعمى، ثم رُخِّصَ بعدَ ذلك للناسِ عامَّةٌ" (٢). وقد قال مجاهدٌ: "كان الرجلُ يذهبُ بالأعمى والمريضِ والأعرجِ إلى بيتِ أبِيهِ، أو إلى بيتِ أخيهِ، أو عمِّه، أو خالِه، أو خالتِه، فكان الزَّمْنَى يَتحرَّجونَ من ذلك؛ يقولونَ: إنَّما يَذْهَبُونَ بنا إلى بيوتِ غيرِهم، فنزلَت هذه الآيةُ رُخْصةَ لهم"؛ رواهُ ابنُ جريرٍ، وابنُ أبي حاتمٍ (٣). قولُهُ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾؛ جاء عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّه قال: "كانوا أيضًا بَأنَفُونَ ويتحرَّجونَ أن يأكُلَ الرجلُ الطعامَ وحدَهُ حتى يكونَ معه غيرُه؛ فرخَّصَ اللَّهُ لهم في ذلك؛ فقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ "؛ أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ (٤).

стр. 1883

ورُوِيَ نحوُهُ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ وقتادةَ (١). فضلُ الاجتماعِ على الطعامِ: وقد جاء استحبابُ الأكلِ جماعةٌ في أحاديثَ وآثارٍ؛ وذلك لِمَا في جَمعِ الناسِ على الطعامِ مِن بَرَكةِ الإطعامِ، والدُّعَاءِ، وذِكرِ اللَّهِ عليه، وحَمْدِهِ على تلك النِّعْمةِ، وما فيه مِن الإكرامِ والإحسانِ إلى الآكِلِ ولو كان غنيًّا. وفي "المسنَدِ"، و"السُّنَنِ"؛ أنَّ رجلًا قال للنبيِّ ﷺ : إِنَّا نَأْكُلُ وَلَا نَشْبَعُ؟ ! قال (لَعَلَّكُمْ تَأْكُلُون مُتَفَرِّقِينَ؟ )، قالُوا: نَعَمْ، قالَ: (فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ" (٢). ويُروى عندَ ابنِ ماجَهْ؛ مِن حديثِ عُمَرَ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ؛ أنَّه قال: (كُلُوا جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ) (٣). ويُروى من حديثِ جابرٍ مرفوعًا: (إِنَّ أَحَبَّ الطَّعَام إِلَى اللَّهِ مَا كَثُرَتْ عَلَيْهِ الأَيْدِي)؛ رواهُ أبو يَعْلَى (٤) وغيرُهُ. قولُه تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، فيه: مشروعيَّةُ بَذْلِ السلامِ والتحيَّةِ عندَ دخولِ البيوتِ والأماكنِ ولو لم تكنْ دُورًا مملوكةً، وقد صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ والنَّخَعيِّ حملُ قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا﴾ على المساجدِ (٥).

стр. 1884

وصحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ عمومُ البيوتِ (١). ويُستحَبُّ ذلك حتى في دخولِ الرجُلِ بيتَهُ، فيُسلِّمُ على مَنْ فيه مِن زوجِهِ وولدِهِ وخادمِهِ وعبدِهِ وأَمَتِه، بل لو لم يكن فيه أحدٌ؛ لوجودِ الملائكةِ، وفيه إيناسٌ وإذهابٌ للوَحْشةِ حتى في باذلِ السلامِ، والبيوتُ مُنَكَّرةٌ في الآيةِ: ﴿بُيُوتًا﴾؛ لتشملَ كلَّ مَسْكَنٍ. وقولُه تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾؛ كقولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]؛ فالمرادُ المُسْلِمونَ، فهو دليلٌ على أنَّ السلامَ خاصٌّ بالمؤمِنينَ على ما تقدَّمَ بيانُهُ؛ وذلك أنَّ الكافرَ ليس مِن أنفُسِهم، ولكنْ لهم أنْ يُحَيُّوهُ بغيرِ تحيَّةِ الإسلامِ؛ لأنَّ تحيَّةَ الإسلامِ السلامُ، وهي مِن عندِ اللَّهِ مباركةٌ طيِّبةٌ، وتلك لا تكونُ لكافرٍ. وقد تقدَّمَ الكلامُ على أحكامِ التحيَّةِ وحُكْمِها عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٦]. * * * * قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢]. فيه: تعظيمُ أمرِ النبيِّ ﷺ وطاعتِه، وبمقدارِ الإيمانِ به يكونُ الامتثالُ له، وهذه الآيةُ وإن كان نزولُها خاصًّا، فهي عامَّةٌ في كلِّ أمرٍ.

стр. 1885

وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ هو في كلِّ أمرٍ يَلزَمُ فيه اجتماعُ الناسِ وشهودُهُمْ؛ كالجهادِ، والجُمُعةِ، والعيدَيْنِ. ودليلُ الخِطَابِ مِن الآيةِ يُجِيزُ الذَّهَابَ مِن غيرِ استئذانٍ في غيرِ الأمرِ الجامعِ؛ كالتقاءِ الناسِ جماعاتٍ في الأسواقِ والولائمِ ونحوِها مِن الأمورِ التي الأصلُ في الانصرافِ منها: عدمُ الإذنِ. * * * * قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. كان الناسُ يَتجوَّزونَ في مُناداةِ النبيِّ ﷺ باسمِهِ أو كُنيتِهِ؛ كما يَفْعَلُونَ بأنفُسِهم، فنَهَاهُمُ اللَّهُ عن ذلك، وأمَرَهُمْ بدُعائِهِ بأوصافِ الإجلالِ والتكريمِ؛ كقولِهم: يا رسولَ اللَّهِ، أو يا نبيَّ اللَّهِ، أو يا أيُّها النبيُّ؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى وهو الخالقُ المعبودُ، والنبيُّ ﷺ مخلوقُهُ وعبدُهُ: يقولُ له في ندائِه: "يا أيُّها النبيُّ". وناسبَتْ هذه الآيةُ ما قبلَها أنَّ اللَّهَ أمَرَ في الآيةِ السابقةِ أنْ يَستأذِنُوا النبيَّ ﷺ عندَ ذَهَابِهم مِن عندِهِ في الأمورِ الجامِعةِ، فكان مناسِبًا تعليمُهُمْ أسلوبَ النِّداءِ عندَ الاستئذانِ والخطابِ. وقد جاء عن ابنِ عبَّاسٍ ومجاهِدٍ وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ: "أنَّ الناسَ كانوا يقولونَ: يا محمَّدُ، يا أبا القاسمِ، فنَهاهُم اللَّهُ عن ذلك" (١). قولُه تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾: المرادُ به

стр. 1886

الذين يَنسحِبُونَ مُتسلِّلِينَ مُسْتَخْفِينَ عن الأعيُنِ مُخالِفينَ أمرَ اللَّهِ بطاعةِ نبيِّه، وهذا نَزَلَ في المُنافِقِينَ الذي يُحبُّونَ المُخالَفَةَ ولا يُرِيدونَ أن يَرَاهُم أحدٌ عليها، ولا يَفعلُونَ الطاعةَ إلَّا إنْ رآهُم الناسُ؛ تَظاهَرُوا بها وتصنَّعُوها ولو كانوا يَكْرَهُونَها. وقولُه تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فيه: أنَّه بمقدارِ المُخالَفةِ لأمرِ رسولِ اللَّه تكونُ الفتنةُ، ولا يَدفَعُ الفتنةَ عن الناسِ إلَّا اتِّباعُ النبيِّ ﷺ . * * *

стр. 1887

سورة الفرقان سورةُ الفُرْقانِ مكيَّةٌ بكاملِها، وعامَّةُ السلفِ على هذا، ويُحكى عن ابنِ عبَّاسٍ وقتادةَ؛ أنَّهما قالا: إلَّا ثلاثَ آياتٍ منها نزَلَتْ بالمدينةِ، وهي قولُه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]، إلى قولِه: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠] (١)، والصحيحُ عن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ هذه الآياتِ الثلاثَ مكيَّةٌ أيضًا كما في الصحيحِ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ؛ أنَّه سألَ سعيدَ بنَ جُبَيْرٍ: "هَلْ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨]، فقال سعيدٌ: قَرَأْتُهَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا قَرَأْتَهَا عَلَيَّ، فَقَالَ: هَذِهِ مَكِّيَّةٌ نَسَخَتْهَا آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ" (٢)؛ يُريدُ: قولَهُ تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآيةَ [٩٣]. ولم يُوافَقِ الضَّحَّاكُ على قولِهِ: إنَّها مدنيَّةٌ إلَّا الآياتِ الثلاثَ مِن أوَّلها إلى قولِه: ﴿وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٣] (٣)، وآياتُ السُّورةِ ومقاصدُها دالَّةٌ على كونِها مكيَّةً لا مدنيَّةً؛ فإنَّ اللَّهَ ذكَرَ في السورةِ فَضْلَه بإنزالِ القرآنِ، وشيئًا مِن صِفاتِه، وقرَّر توحيدَه، وحذَّر مِن ضلالِ المشرِكينَ باتِّخاذِ إلهٍ مع اللَّهِ، وذكر ما طلَبَهُ المشركونَ إلى النبيِّ ﷺ بمكَّةَ مِن معجزاتٍ مقتَرَحةٍ تعنُّتًا وعنادًا، وبيَّنَ عاقِبَتَهم في الآخِرةِ، وذكَرَ سببَ ذلك، وأنَّ أعظَمَ ما

стр. 1888

وقَعوا فيه الشِّرْكُ والقتلُ والزِّنى، وقد حرَّم اللَّهُ الزِّنى بمكَّةَ؛ لأنَّه أصلٌ فِطْريٌّ، ثمَّ تأخَّرَ تشريعُ تحريمِ وسائلِه وضبطُها في المدينةِ؛ لأنَّ مَن لا يُقِرُّ بالغايةِ لا يشدَّدُ عليه في الوسيلةِ حتى يُؤمِنَ بحُرْمةِ الغايةِ. * * * * قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧]. في هذه الآيةِ: ما كان عليه النبيُّ ﷺ وسائرُ الأنبياءِ مِن مخالَطةِ الناسِ وفِعْلِ ما يَفعلونَ، وعدمِ الترفُّعِ عمَّا هم عليه مِن مَلْبَسٍ ومأكلٍ ومَشْرَبٍ ومكْسَب، وأنَّه لا يجوزُ لِمَنْ سلَك طريقَ الأنبياءِ أنْ يَتَّخِذَ مِن الدِّينِ سُلَّمًا إلى دنياه، فيَتخِذَ جاهًا ومالًا وسلطانًا لنفسِه، ولمَّا كان كفارُ قُريشٍ أصحابَ دُنيا وحُبِّ للسُّؤْدَدِ والعُلُوِّ والجاهِ، لم يسلِّموا للنبيِّ ﷺ ؛ لكونِه يَدْعوهم إلى اتِّباعِه وهو مِثلُ الناسِ في مأكلِه ومَشْرَبِه ومَمْشَاه، وإنَّما لم بجعَلْه اللَّهُ عاليًا في مَالِه وسلطانِه عليهم؛ لأنَّهم سيُؤمِنونَ طمعًا لا صِدْقًا، وخوفًا ورهبةً لا رغبةً ويقينًا، ثمَّ إنَّ دلك سيُتَّخَذُ سُنَّةً مِن بعدِه لأتباعِه؛ أنْ يَطلُبوا الدُّنيا والعلوَّ والسُّلْطانَ بالدِّينِ، فيُصبحُ الدِّينُ سُلَّمًا لمُبتغِي الدُّنيا لا لمُبتغي الآخِرةِ، ويَدخُلُه كلُّ صاحبِ طمعٍ، ويحرَّفُ الدِّينُ لتُحَقَّقَ الغاياتُ، وكلُّ سلطانٍ وصاحبِ جاهٍ يَتَّخِذُ النبيَّ ﷺ له أُسوةً في قصدِ المالِ والشرَفِ. والأصلُ: أنَّ النَّفسَ إنِ امتلأتْ مِن الدُّنيا، لم يبقَ للدِّينِ شيءٌ، وقد جعَل اللَّهُ فيها مِن كلِّ واحدٍ نصيبًا، ونصيبُ الدِّينِ هو الأكبرُ. ويُستحَبُّ للعلماءِ ألَّا يَخرُجوا عن عاداتِ الناسِ ما لم تُخالِفْ أمرَ اللَّهِ، فيكونونَ مِثلَهم في مَلْبَسِهم ومَشْرَبِهم ومَأْكَلِهم ومَسْكَنِهم

стр. 1889

ومَمْشاهم وقضاءِ حوائجِهم، وألَّا يَتكلَّفوا حالًا تميِّزُهم عنهم، فلا يُوجَدُ في الإسلامِ زِيٌّ يُسمَّى زِيَّ العلماءِ، ولا لِباسٌ يُسمَّى لِباسَ الصالحِين؛ وإنَّما الذي فيه زِيُّ المُسلِمينَ ولباسُهم، فهم فيه سواءٌ، ومَن خرَج عن هذا اللِّباسِ هو الذي امتاز عن المُسلِمينَ بالمخالَفةِ؛ كمَن يَلبَسُ الحريرَ والذهبَ من الرجالِ، ولِباسَ الشُّهْرةِ والمُسْبَلَ مِن الثيابِ، وقد كان النبيُّ ﷺ يَلبَسُ كما يَلبَسُ قومُه: عمامةً وإزارًا ورِداءً، وربَّما ثوبًا وقميصًا وجُبَّةً، ويَتخِذُ لونًا كألوانِهم، وحذاءً كأحذيتِهم، ومَرْكَبًا كمَراكِبِهم، ومَسْكَنًا مِثلَهم، ويَقضي حاجتَهُ وحاجةَ أهلِه كما يَقضي الناسُ حاجتَهم، وهذا هَدْيُ جميعِ الأنبياءِ مِن قبلِه؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠]. وقد جعَلَ اللَّهُ هذا التفاضُلَ بينَ الخَلْقِ: رفيعٌ ووضيعٌ، وقويٌّ وضعيفٌ، وغنيٌّ وفقيرٌ، ومَلِكٌ ومملوكٌ، وسيِّدٌ وعبدٌ - فتنةً، ليستْ بذاتِها حقًّا ولا باطلًا، وإنَّما الذي يُميِّزُ الحقَّ مِن الباطلِ تمييزُهما بنفسَيْهما؛ فالحقُّ حقٌّ بنفسِه؛ فقد يكونُ مع عبدٍ وقد يكونُ مع سيِّدٍ، وقد يكونُ مع رفيعٍ وقد يكونُ مع وضيعٍ؛ قال عِكْرِمةُ في قولِه تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠]: هو التفاضُلُ في الدُّنْيا والقُدْرةِ وقهرِ بعضِكم لبعضٍ؛ فهي الفتنةُ التي قال اللَّهُ: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠] (١) فهي فتنةٌ وابتلاءٌ للتمايُزِ، وتحقيقِ سُنَّةِ التدافُعِ، وتركيبِ منظومةِ الكونِ ليستقيمَ أمرُه؛ فإنَّه لا يصحُّ كونٌ الخلقُ فيه مِن جنسٍ ونوعٍ واحدٍ. * * *

стр. 1890

* قال تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]. اشتكى النبيُّ ﷺ لربِّه مِن هَجْرِ قومِه للقرآنِ، وعدمِ أخذِهم له، مع كونِهِ كلامَ ربِّهم الذي خلَقَهم. هَجَرُ القرآنِ وأنواعُه: وهجرُ القرآنِ هو تركُهُ وعدمُ الاعتبارِ به قراءةً وتدبُّرًا وعملًا، وأعظَمُ مِن ذلك إذا تَبِعَ هجرَ القرآنِ عُدْوانٌ عليه بوصفِهِ بالسِّحْرِ والخُرَافةِ، أو إهانتِهِ بتمزيفِهِ ورميِه، وهكذا كانتْ تَفْعَلُ قريشٍ؛ حيثُ هجَروه وكفَروا به، وقالوا فيه الباطلَ؛ ليَصُدُّوا الناسَ عنه، فهم قد زادُوا على مجرَّدِ تركِه في أنفُسِهم قولَ الباطلِ فيه؛ ليترُكَهُ غيرُهم فيَصُدُّوا الناسَ عنه؛ كما قال تعالى عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]. وفي قولِه تعالى: ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾؛ قال مجاهدٌ: يقولونَ: هو سِحْرٌ (١)، وقال النخَعيُّ: قالوا فيه غيرَ الحقِّ (٢)، وقال ابنُ زيدٍ: لا يُريدونَ أنْ يَسْمَعوه (٣). وهجرُ القرآنِ على مَراتِبَ وأنواعٍ ثلاثةٍ: النوعُ الأولُ: هجرُ قراءتِه وتلاوتِه: وتُشرَعُ قراءةُ القرآنِ لمَن يَحْفَظُه ومَن لا يَحْفَظُه، والقرآنُ شديدُ

стр. 1891

التفلُّتِ أكثَرَ مِن غيرِه مِن الكلامِ، وقد جعَلَ اللَّهُ فيه خَصلتَيْنِ مُتقابلتَيْنِ؛ أنَّ مَن أقبَلَ على القرآنِ أقبَلَ عليه، ومَن أدبَرَ عنه أدبَرَ عنه: فالأُولى: أنَّ اللَّهَ جعَل حِفْظَهُ أسهَلَ مِن غيرِه لمَنْ حَسُنَت نيَّتُه وسَلِمَ قصدُه؛ وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]. والثانيةُ: أنَّ نِسيانَه أسرَعُ مِن غيرِه مِن الكلامِ المحفوظِ. فقد جعَل اللَّهُ إقبالَهُ سهلًا يسيرًا لقاصدِه، وإدبارَهُ سريعًا عن المُعرِضِ عنه؛ فلا يَبقى فى قلبِ مَن زهِد فيه ورغِب عنه؛ كما قال ﷺ (بِئْسَمَا لِأَحَدِهِم يَقُولُ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ، اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ؛ فَلَهُوَ أَشدُّ تَفَصِّيَّا من صُدُورِ الرِّجَالِ، مِنَ النَّعَمِ بِعُقُلِهَا)؛ رواهُ الشيخانِ مِن حديثِ ابنِ مسعودٍ (١). وفي الصحيحينِ أيضًا، عن أبي موسى الأشعريِّ مرفوعًا: "تَعَاهَدُوا هَذَا القُرآنَ؛ فَوَالَّذي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَهُوَ أشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا" (٢). ولمَّا كانتِ المَعاصي مِن الإعراضِ عنه ولو إعراضَ عملٍ، فإنَّ القرآنُ يُعرضُ عن صاحِبِه بمقدارِ هجرِه للعملِ به؛ كما روى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن الضَّحاكِ؛ قال: مَا تَعَلَّمَ رَجُلٌ القُرآنَ ثُمَّ نَسِبَهُ إِلَّا بِذَنبٍ؛ ثمَّ قرأ الضَّحَّاكُ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، ثمَّ قال الضَّحَّاكُ: وَأَيُّ مُصيبَةٍ أَعْظَمُ مِن نِسْيَانِ القُرْآنِ؟ ! (٣). ومَن قرَأ القرآنَ لنفسِه، فلا يجبُ عليه أن يَسمَعَه مِن غيرِه، لكنْ يُستحَبُّ له ذلك ويُسَنُّ؛ لأنَّ للأُذُنِ حقًّا كما أنَّ للِّسانِ والقلبِ حقًّا، وقد

стр. 1892

كان النبيُّ ﷺ يَفعلُ ذلك، كما روى الشيخانِ، مِن حديثِ عبدِ اللَّهِ؛ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : (اقْرَأْ عَلَيَّ)، قَالَ: قُلْتُ: أَقْرَأْ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ ! قَالَ: (إنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِن غَيرِي)، قَالَ: فقَرَأْتُ النِّسَاءَ حَتَّى إِذَا بَلَغتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، قَالَ لِي: (كُفَّ -أَو أَمْسِكْ-)، فَرَأَيْتُ عَينَيهِ تَذْرِفَانِ (١). أَدْنَى الزمنِ الذي يُشرَعُ فيه خَتْمُ القرآنِ وأَعْلاه: أَدْنَى الزمنِ الذي يُشرَعُ فيه خَتْمُ القرآنِ ثلاثةُ أيامٍ، ونقَلَ ابنُ حزمٍ اتِّفاقَهم على جوازِ الخَتْمِ في ثلاثةِ أيامٍ (٢)؛ وإنَّما خلافُهم في دونِ الثلاثِ على قولَيْنِ: والواردُ: النهيُ عن قراءتِه في دونِ ثلاثِ؛ كما في السُّنن؛ مِن حديث عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو مرفوعًا: (لَا يَفْقَه مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ) (٣). وصحَّ عن ابنِ مسعودٍ قولُه: "اقرَؤُوا القرآنَ في سَبْعٍ، ولا تَقْرَؤوهُ في أقلَّ مِن ثلاثٍ"؛ رواهُ سعيدٌ (٤). وكَرِهَ ذلك معاذُ بنُ جبلٍ؛ كما رواهُ أبو عُبَيْدٍ عنه (٥). وذلك أنَّ مَن قرَأَهُ في أقلَّ مِن ثلاثٍ، لم يَعقِلْ غالبًا ما قرَأَ؛ ففوَّت

стр. 1893

التدبُّرَ والتأمُّلَ، وحتى لا يَغلبَ عليه حبُّ التكثُّرِ بإقامةِ الحروفِ على إقامةِ المعاني، وحتى تأخُذَ النَّفسُ نصيبَها مِن القرآنِ خشوعًا وخضوعًا؛ فإنَّ النَّفْسَ لا تخشعُ على الحقيقةِ إلَّا إذا فَهِمَتِ المعانيَ -وأمَّا خشوعُها بلا فهمٍ للمعنى، فغالبًا يكونُ لأجلِ صوتِ القارئِ؛ فإنْ قرأه بالتحزينِ، حَزِنَ مَن لم يَفهمِ المعنى، وإنْ قرَأ بالتغنِّي، وجَدَ في نفسِه نشوةً- ويجدُ السامعُ خشوعًا ولو لم يَفهمِ المعنى؛ لأثرِه في طردِ الشياطينِ ووساوسِ النفسِ وكونِه شفاءً لِما في الصدورِ، ولكنَّ هذا الأثرَ يزولُ غالبًا إن ترَك القراءةَ، أمَّا فهمُ مَعاينه، فتُورِثُ في القلبِ خضوعًا وخشوعًا وإيمانًا يدومُ في القلبِ ما دام فيه ذلك المعنى حاضرًا. وذهَبَ بعضُ السلفِ: إلى جوازِ قراءتِهِ دونِ ثلاثٍ، وبه عمِل بعضُهم؛ كعثمانَ وتميمٍ الداريِّ وسعيدِ بنِ جُبَيرٍ وأبي بكرِ بنِ عيَّاشٍ ومنصورِ بنِ زاذانَ ويحيى بنِ سعيدٍ القَطَّانِ، كانوا: يَختِمونَ كلَّ يومٍ (١)، وصحَّ عن مجاهدٍ والشافعيِّ: تخصيصُ رمضانَ بالخَتْمِ فيه كلَّ يومٍ؛ فيَختِمُ مجاهدٌ مرَّةً، والشافعيُّ مرَّتَيْنِ؛ رواهُ عن مجاهدٍ ابنُ أبي داودَ (٢)، وعن الشافعيِّ رواهُ الرَّبيعُ، وأسنَدَه عنه البيهقيُّ (٣)، ورُوِيَ عن أبي حنيفةَ نحوُه (٤). وكان ابنُ المسيَّبِ يختمُ في ليلتَيْنِ (٥)، وكان الأسودُ بنُ يزيدَ يختمُهُ في رمضانَ كلَّ ليلتَيْنِ (٦).

стр. 1894

والأفضلُ: عدمُ الخَتْمِ دونَ ثلاثٍ إِلَّا في الأزمنةِ الفاضلةِ كالعَشْرِ الأخيرِ مِن رمضانَ، والناسُ يتفاوتونَ في مقدارِ ذكائهم وقُدْرتِهم على التدبُّرِ والتأمُّلِ؛ ولكنَّ الغالبَ أنَّ مَن قرَأ دونَ ثلاثٍ، فاتَهُ كثيرٌ من معاني القرآنِ أو أكثرها، وإذا كان السلفُ، وهم مَن هم في الفصاحةِ والبيانِ، ونزَل القرآنُ على لسانِهم، يذهب أكثرُهم إلى عدمِ القراءةِ دونَ ثلاثٍ، فغيرُهم في الزمنِ المتأخِّرِ مع شدةِ العُجْمةِ وضَعْفِ اللسانِ - أولى بالتزامِ ذلك. ويُسَنُّ ألَّا يَتجاوزَ في قراءةِ القرآنِ الأربعينَ، فإنْ تجاوَزَها، كُرِهَ له ذلك، وهو أقصى حدٍّ ثبَت فيه الخبرُ؛ قال أحمدُ: "أكثرُ ما سَمِعتُ أنْ يَختِمَ القرآنَ في أربعينَ" (١). وقد ثبَت في "الصحيحَيْنِ"؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال لعبدِ اللَّه بنِ عمرٍو: (اقْرَأ القُرْآنَ فِي شَهْرٍ)، قال: إِنِّي أجِدُ قُوَّةَ، حَتَّى قَال: (فَاقْرَأهُ فِي سَبْعٍ وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِك) (٢). وقد روى أبو داودَ؛ أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرٍو سَألَ النَّبِيَّ ﷺ : كَم يُقْرَأ القُرْآنُ؟ قَال: (فِي أَرْبَعِينَ يَومًا)، ثُمَّ قَالَ: (فِي شَهْرٍ)، ثُمَّ قَالَ: (فِي عِشْرِينَ)، ثُمَّ قَالَ: (فِي خَمْسَ عَشْرَةَ)، ثُمَّ قَالَ: (فِي عَشْرٍ)، ثُمَّ قَالَ: (فِي سَبْعٍ)، لَمْ يَنْزِلْ مِنْ سَبْعٍ (٣). نِسْيانُ القرآنِ: لا يَختلِفُ العلماءُ: أنَّ نِسيانَ القرآنِ إن كان عن إعراضٍ وصدٍّ زهدًا فيه ورغبةً عن العملِ به: أنَّ ناسيَهُ يأثمُ بذلك، وأنَّ نِسيانَهُ إن كان مِن غيرِ قصدٍ، لا يأثمُ به صاحبهُ؛ كمَنْ يَنساهُ لكِبَرٍ وهَرَمٍ أو

стр. 1895

مصيبةٍ ونازلةٍ أفقَدَتْهُ حضورَ ذهنِه، ونقَلَ ابنُ رشدِ المالكيُّ الإجماعَ على أنَّ مَن نَسِيَ القرآنَ لاشتغالِه بعلمٍ واجبٍ أو مندوبٍ، فهو غيرُ مأثومٍ (١). وقد اختلَفَ العلماءُ في نسيانِ القرآنِ تهاونًا وكسلًا: هل يأثمُ به صاحبُه؟ على قولَيْنِ: القولُ الأولُ: قال قومٌ يأثمِ ناسِيهِ؛ إلى هذا ذَهَبَ جماعةٌ مِن أصحابِنا، وبه قال ابنُ تيميَّةَ، وهو مذهب الشافعيَّةِ، ومنهم مَن جعَل ذلك كبيرةً كالرافعيِّ، ومِثْلُه ابنُ حجرِ الهيتميُّ في "الزَّوَاجرِ" (٢)، ونقَل العلائيُّ عن النوويِّ ذلك، ولعلَّه أراد سكوتَه عن كلامِ الرافعيِّ، فجعَلَهُ إقرارًا، والنوويُّ أعَلَّ الحديثَ الذي استُدِلَّ به على كونِه كبيرةً، ولم يجعل بعضُ الشافعيَّةِ هذا قولًا للنَّوويِّ كالبُلقَينِيِّ والزَّرْكَشيِّ (٣)، واحتَجَّ مَن جعَلَهُ كبيرةً بما رواهُ أبو داودَ والترمذي، عن أنسٍ مرفوعًا: (عُرضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي، فَلَمْ أَرَ ذَنبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورةٍ مِنَ القُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيَهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا) (٤). ورَوَى أيضًا عن سعدِ بنِ عُبَادةَ مرفوعًا: (مَا مِنِ امرِئٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ثُمَّ يَنسَاهُ، إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَجْذَمَ) (٥). وحديثُ أنسٍ مُنْكَرٌ؛ أنكَرَه ابنُ المَدِينيِّ والبخاريُّ (٦)، وحديثُ سعدٍ ضعيفٌ؛ لانقطاعِه، وفيه يزيدُ بن أبي زيادٍ، وفيه كلامٌ معروفٌ، وقد
следующие страницы →