التفلُّتِ أكثَرَ مِن غيرِه مِن الكلامِ، وقد جعَلَ اللَّهُ فيه خَصلتَيْنِ مُتقابلتَيْنِ؛ أنَّ مَن أقبَلَ على القرآنِ أقبَلَ عليه، ومَن أدبَرَ عنه أدبَرَ عنه:
فالأُولى: أنَّ اللَّهَ جعَل حِفْظَهُ أسهَلَ مِن غيرِه لمَنْ حَسُنَت نيَّتُه وسَلِمَ قصدُه؛ وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧].
والثانيةُ: أنَّ نِسيانَه أسرَعُ مِن غيرِه مِن الكلامِ المحفوظِ.
فقد جعَل اللَّهُ إقبالَهُ سهلًا يسيرًا لقاصدِه، وإدبارَهُ سريعًا عن المُعرِضِ عنه؛ فلا يَبقى فى قلبِ مَن زهِد فيه ورغِب عنه؛ كما قال ﷺ (بِئْسَمَا لِأَحَدِهِم يَقُولُ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ، اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ؛ فَلَهُوَ أَشدُّ تَفَصِّيَّا من صُدُورِ الرِّجَالِ، مِنَ النَّعَمِ بِعُقُلِهَا)؛ رواهُ الشيخانِ مِن حديثِ ابنِ مسعودٍ (١).
وفي الصحيحينِ أيضًا، عن أبي موسى الأشعريِّ مرفوعًا: "تَعَاهَدُوا هَذَا القُرآنَ؛ فَوَالَّذي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَهُوَ أشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا" (٢).
ولمَّا كانتِ المَعاصي مِن الإعراضِ عنه ولو إعراضَ عملٍ، فإنَّ القرآنُ يُعرضُ عن صاحِبِه بمقدارِ هجرِه للعملِ به؛ كما روى ابنُ أبي شَيْبةَ، عن الضَّحاكِ؛ قال: مَا تَعَلَّمَ رَجُلٌ القُرآنَ ثُمَّ نَسِبَهُ إِلَّا بِذَنبٍ؛ ثمَّ قرأ الضَّحَّاكُ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، ثمَّ قال الضَّحَّاكُ: وَأَيُّ مُصيبَةٍ أَعْظَمُ مِن نِسْيَانِ القُرْآنِ؟ ! (٣).
ومَن قرَأ القرآنَ لنفسِه، فلا يجبُ عليه أن يَسمَعَه مِن غيرِه، لكنْ يُستحَبُّ له ذلك ويُسَنُّ؛ لأنَّ للأُذُنِ حقًّا كما أنَّ للِّسانِ والقلبِ حقًّا، وقد
стр. 1892
كان النبيُّ ﷺ يَفعلُ ذلك، كما روى الشيخانِ، مِن حديثِ عبدِ اللَّهِ؛ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : (اقْرَأْ عَلَيَّ)، قَالَ: قُلْتُ: أَقْرَأْ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ ! قَالَ: (إنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِن غَيرِي)، قَالَ: فقَرَأْتُ النِّسَاءَ حَتَّى إِذَا بَلَغتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، قَالَ لِي: (كُفَّ -أَو أَمْسِكْ-)، فَرَأَيْتُ عَينَيهِ تَذْرِفَانِ (١).
أَدْنَى الزمنِ الذي يُشرَعُ فيه خَتْمُ القرآنِ وأَعْلاه:
أَدْنَى الزمنِ الذي يُشرَعُ فيه خَتْمُ القرآنِ ثلاثةُ أيامٍ، ونقَلَ ابنُ حزمٍ اتِّفاقَهم على جوازِ الخَتْمِ في ثلاثةِ أيامٍ (٢)؛ وإنَّما خلافُهم في دونِ الثلاثِ على قولَيْنِ:
والواردُ: النهيُ عن قراءتِه في دونِ ثلاثِ؛ كما في السُّنن؛ مِن حديث عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو مرفوعًا: (لَا يَفْقَه مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ) (٣).
وصحَّ عن ابنِ مسعودٍ قولُه: "اقرَؤُوا القرآنَ في سَبْعٍ، ولا تَقْرَؤوهُ في أقلَّ مِن ثلاثٍ"؛ رواهُ سعيدٌ (٤).
وكَرِهَ ذلك معاذُ بنُ جبلٍ؛ كما رواهُ أبو عُبَيْدٍ عنه (٥).
وذلك أنَّ مَن قرَأَهُ في أقلَّ مِن ثلاثٍ، لم يَعقِلْ غالبًا ما قرَأَ؛ ففوَّت
стр. 1893
التدبُّرَ والتأمُّلَ، وحتى لا يَغلبَ عليه حبُّ التكثُّرِ بإقامةِ الحروفِ على إقامةِ المعاني، وحتى تأخُذَ النَّفسُ نصيبَها مِن القرآنِ خشوعًا وخضوعًا؛ فإنَّ النَّفْسَ لا تخشعُ على الحقيقةِ إلَّا إذا فَهِمَتِ المعانيَ -وأمَّا خشوعُها بلا فهمٍ للمعنى، فغالبًا يكونُ لأجلِ صوتِ القارئِ؛ فإنْ قرأه بالتحزينِ، حَزِنَ مَن لم يَفهمِ المعنى، وإنْ قرَأ بالتغنِّي، وجَدَ في نفسِه نشوةً- ويجدُ السامعُ خشوعًا ولو لم يَفهمِ المعنى؛ لأثرِه في طردِ الشياطينِ ووساوسِ النفسِ وكونِه شفاءً لِما في الصدورِ، ولكنَّ هذا الأثرَ يزولُ غالبًا إن ترَك القراءةَ، أمَّا فهمُ مَعاينه، فتُورِثُ في القلبِ خضوعًا وخشوعًا وإيمانًا يدومُ في القلبِ ما دام فيه ذلك المعنى حاضرًا.
وذهَبَ بعضُ السلفِ: إلى جوازِ قراءتِهِ دونِ ثلاثٍ، وبه عمِل بعضُهم؛ كعثمانَ وتميمٍ الداريِّ وسعيدِ بنِ جُبَيرٍ وأبي بكرِ بنِ عيَّاشٍ ومنصورِ بنِ زاذانَ ويحيى بنِ سعيدٍ القَطَّانِ، كانوا: يَختِمونَ كلَّ يومٍ (١)، وصحَّ عن مجاهدٍ والشافعيِّ: تخصيصُ رمضانَ بالخَتْمِ فيه كلَّ يومٍ؛ فيَختِمُ مجاهدٌ مرَّةً، والشافعيُّ مرَّتَيْنِ؛ رواهُ عن مجاهدٍ ابنُ أبي داودَ (٢)، وعن الشافعيِّ رواهُ الرَّبيعُ، وأسنَدَه عنه البيهقيُّ (٣)، ورُوِيَ عن أبي حنيفةَ نحوُه (٤).
وكان ابنُ المسيَّبِ يختمُ في ليلتَيْنِ (٥)، وكان الأسودُ بنُ يزيدَ يختمُهُ في رمضانَ كلَّ ليلتَيْنِ (٦).
стр. 1894
والأفضلُ: عدمُ الخَتْمِ دونَ ثلاثٍ إِلَّا في الأزمنةِ الفاضلةِ كالعَشْرِ الأخيرِ مِن رمضانَ، والناسُ يتفاوتونَ في مقدارِ ذكائهم وقُدْرتِهم على التدبُّرِ والتأمُّلِ؛ ولكنَّ الغالبَ أنَّ مَن قرَأ دونَ ثلاثٍ، فاتَهُ كثيرٌ من معاني القرآنِ أو أكثرها، وإذا كان السلفُ، وهم مَن هم في الفصاحةِ والبيانِ، ونزَل القرآنُ على لسانِهم، يذهب أكثرُهم إلى عدمِ القراءةِ دونَ ثلاثٍ، فغيرُهم في الزمنِ المتأخِّرِ مع شدةِ العُجْمةِ وضَعْفِ اللسانِ - أولى بالتزامِ ذلك.
ويُسَنُّ ألَّا يَتجاوزَ في قراءةِ القرآنِ الأربعينَ، فإنْ تجاوَزَها، كُرِهَ له ذلك، وهو أقصى حدٍّ ثبَت فيه الخبرُ؛ قال أحمدُ: "أكثرُ ما سَمِعتُ أنْ يَختِمَ القرآنَ في أربعينَ" (١).
وقد ثبَت في "الصحيحَيْنِ"؛ أنَّ النبيَّ ﷺ قال لعبدِ اللَّه بنِ عمرٍو: (اقْرَأ القُرْآنَ فِي شَهْرٍ)، قال: إِنِّي أجِدُ قُوَّةَ، حَتَّى قَال: (فَاقْرَأهُ فِي سَبْعٍ وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِك) (٢).
وقد روى أبو داودَ؛ أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرٍو سَألَ النَّبِيَّ ﷺ : كَم يُقْرَأ القُرْآنُ؟ قَال: (فِي أَرْبَعِينَ يَومًا)، ثُمَّ قَالَ: (فِي شَهْرٍ)، ثُمَّ قَالَ: (فِي عِشْرِينَ)، ثُمَّ قَالَ: (فِي خَمْسَ عَشْرَةَ)، ثُمَّ قَالَ: (فِي عَشْرٍ)، ثُمَّ قَالَ: (فِي سَبْعٍ)، لَمْ يَنْزِلْ مِنْ سَبْعٍ (٣).
نِسْيانُ القرآنِ:
لا يَختلِفُ العلماءُ: أنَّ نِسيانَ القرآنِ إن كان عن إعراضٍ وصدٍّ زهدًا فيه ورغبةً عن العملِ به: أنَّ ناسيَهُ يأثمُ بذلك، وأنَّ نِسيانَهُ إن كان مِن غيرِ قصدٍ، لا يأثمُ به صاحبهُ؛ كمَنْ يَنساهُ لكِبَرٍ وهَرَمٍ أو
стр. 1895
مصيبةٍ ونازلةٍ أفقَدَتْهُ حضورَ ذهنِه، ونقَلَ ابنُ رشدِ المالكيُّ الإجماعَ على أنَّ مَن نَسِيَ القرآنَ لاشتغالِه بعلمٍ واجبٍ أو مندوبٍ، فهو غيرُ مأثومٍ (١).
وقد اختلَفَ العلماءُ في نسيانِ القرآنِ تهاونًا وكسلًا: هل يأثمُ به صاحبُه؟ على قولَيْنِ:
القولُ الأولُ: قال قومٌ يأثمِ ناسِيهِ؛ إلى هذا ذَهَبَ جماعةٌ مِن أصحابِنا، وبه قال ابنُ تيميَّةَ، وهو مذهب الشافعيَّةِ، ومنهم مَن جعَل ذلك كبيرةً كالرافعيِّ، ومِثْلُه ابنُ حجرِ الهيتميُّ في "الزَّوَاجرِ" (٢)، ونقَل العلائيُّ عن النوويِّ ذلك، ولعلَّه أراد سكوتَه عن كلامِ الرافعيِّ، فجعَلَهُ إقرارًا، والنوويُّ أعَلَّ الحديثَ الذي استُدِلَّ به على كونِه كبيرةً، ولم يجعل بعضُ الشافعيَّةِ هذا قولًا للنَّوويِّ كالبُلقَينِيِّ والزَّرْكَشيِّ (٣)،
واحتَجَّ مَن جعَلَهُ كبيرةً بما رواهُ أبو داودَ والترمذي، عن أنسٍ مرفوعًا: (عُرضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي، فَلَمْ أَرَ ذَنبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورةٍ مِنَ القُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيَهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا) (٤).
ورَوَى أيضًا عن سعدِ بنِ عُبَادةَ مرفوعًا: (مَا مِنِ امرِئٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ثُمَّ يَنسَاهُ، إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَجْذَمَ) (٥).
وحديثُ أنسٍ مُنْكَرٌ؛ أنكَرَه ابنُ المَدِينيِّ والبخاريُّ (٦)، وحديثُ سعدٍ ضعيفٌ؛ لانقطاعِه، وفيه يزيدُ بن أبي زيادٍ، وفيه كلامٌ معروفٌ، وقد
стр. 1896
ضعَّف الحديثَ الدارقطنيُّ (١) وابنُ عبدِ البَرِّ (٢).
والأحاديثُ الواردةُ في تأثيمِ ناسِي حِفْظِ القرآنِ معلولةٌ؛ وإنَّما عامَّةُ السلفِ على النهي عن ذلك والتشديدِ فيه، وصحَّ عن أبي العاليةِ -وهو مِن كبارِ التابعِين-: "كنَّا نَعُدُّ مِن أعظَمِ الذنوبِ أن يتعلَّمَ الرجُلُ القرآنَ ثمَّ ينامَ عنه حتى يَنساه" (٣).
وعن ابنِ سِيرينَ في الذي يَنسى القرآنَ: كانوا يَكرَهونَهُ ويقولونَ فيه قولًا شديدًا (٤).
وقد قال أحمد: "ما أشَدَّ ما جاء فيمَن حَفِظَهُ ثمَّ نَسِيَه" (٥).
القولُ الثاني: قال قومٌ: إنَّ ناسيَ حروفِ القرآنِ يُكرَهُ له ذلك، ولكنَّه لا يأثمُ ما دام عاملًا به ولم يترُك حدودَه، وحمَلُوا النِّسيانَ الواردَ في الأحاديثِ على هجرِ العملِ به، وممَّن قال بهذا: ابنُ عُيَينَةَ، وأبو يوسُفَ صاحبُ أبي حنيفةَ، وأبو شامةَ شيخُ النوويِّ، وقد سمَّى اللَّهُ الإعراضَ عن القرآنِ وتركَ العمل به نِسْيانًا؛ كما في قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦]، وفيه قال اللَّهُ: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [الأنعام: ٤٤, الأعراف: ١٦٥]، أي: تَرَكوا، وقال ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: ٣٤]، وقال: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥]، قال ابنُ عُيَيْنَةَ: "ليس مَن اشتهى حِفْظَهُ وتفلَّتَ منه بنَاسٍ له إذا كان يحلِّلُ
стр. 1897
حلالَه ويحرِّمُ حرامَه، قال: ولو كان كذلك، ما نَسِيَ النبيُّ شيئًا منه؛ قال اللَّهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦ - ٧]، وقد نَسِيَ رسولُ اللَّهِ منه أشياءَ، وقال: (ذَكِّرَني هَذَا آيَةً أُنْسِيتُهَا) " (١).
وحمَل أبو يوسفَ معنى النِّسيانِ الواردِ في وعيدِ نَاسِي القرآنِ: على نِسيانِ قراءتِه من المصحفِ، فيَنْسَى عِلمَ القراءةِ وحروفَ العربِ.
النوعُ الثاني من الهجرِ: هجرُ تدبُّرِ مَعانيهِ وأحكامِه:
والمقصودُ مِن إنزالِ القرآنِ: تدبُّرُه وتأمُّلُه للعملِ بما فيه، ومَنْ شغَلَتْه حروفُ القرآنِ عن حدودِهِ فضَيَّعَها، كان ذلك أظهَرَ القوادحِ في نِيَّتِهِ وقصدِه، وأنَّه يطلُبُه لغيرِ اللَّهِ، ومَن عَمِلَ بالقرآنِ ولم يَعرِف حروفَهُ خيرٌ ممَّن يُقِيمُ الحروفَ وهو مضيِّعٌ للحدودِ.
وقراءةُ القرآنِ مع عدمِ تدبُّرٍ مِن صفاتِ المُنافِقينَ؛ كما قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، وتدبرُ القرآنِ يفتحُ القلبَ للحقِّ ويُرقِّقُهُ للاتِّباعِ، وعدمُ التدبُّرِ عَلَامةٌ على الأعراضِ، ولا يُحرَمُ عبد تدبُّرَ القرآنِ إلَّا بذنبٍ، فيَقْسُو قلبُه به، ثمَّ يُعرِضُ عنه، يكونُ ثقيلًا عليه؛ قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].
النوعُ الثالثُ: هجرُ العملِ بما فيه مِن أوامرَ وأحكامِ:
وهو أعظَمُها وأشَدُّها؛ لأنَّ المقصودَ مِن التلاوة والقراءةِ العملُ، فقد يَقْرَأُ القارئُ القرآنَ ولا يعملُ به، وقد يتدبَّرُ مَعانِيَهُ ويعرِفُ أحكامَهُ ويُعرِضُ عنها، وكلَّما كان الإنسان بالقرآنِ أعلَمَ، كان التكليفُ عليه أشَدَّ، والإعراضُ منه أكبَرَ؛ فإنَّما يُؤاخَذُ العبدُ بتركِ ما عَلِمَ، لا بتركِ ما لم يَعلَم.
стр. 1898
وهجرُ العملِ به على أنواعٍ كثيرةٍ: منها هجرُ الإيمانِ به، وهجرُ امتثالِ أوامرِهِ. واجتنابِ نواهيِهِ، وهجرُ الحاكمِ والسُّلطانِ والقاضي لأحكامِه وتعطيلُها، والقضاءُ بالهوى والرأي، وسَنُّ القوانينِ المُخالِفةِ له.
* * *
* قال تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢].
المرادُ بالجهادِ هنا: هو الجهادُ باللِّسَانِ، وبيانُ الحقِّ بالقرآنِ وحُجَحِه وبراهينِه، وجهادُ اللِّسَانِ والبيانِ أعظَمُ مِن جهادِ السِّنَان؛ فإنَّ الأولَ قد يقومُ بدونِ الثاني، والثانيَ لا يقومُ إلَّا بالأولِ، وهذه الآيةُ مكيَّةٌ كهذه السُّورةِ، ونزَلَتْ ولم يُفرَضِ الجهادُ بعدُ.
وحِينَما أمَر اللَّهُ بجهادِ اللِّسَانِ وصَفَ النوعَ الذي يأمُرُ به بوَصْفَيْنِ في كتابِه لم يَصِفْ بهما جهادَ السِّنَانِ؛ الأولُ: أنَّه جهادٌ كبيرٌ؛ كما في الآيةِ، والثاني: أنَّه حقُّ الجهادِ؛ كما في قولِه تعالى في سورةِ الحجِّ: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [٧٨].
* * *
* قال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٥٧].
في هذه الآيةِ: وجوبُ تجرُّدِ المُصلِحِ وإعراضِهِ عن دُنيا الناسِ؛ حتى لا يظُنُّوا به سُوءًا؛ كطمعٍ في الدُّنيا والجاهِ؛ وذلك أنَّ أولَ ظنِّ الظاِلمينَ بالمُصلِحِينَ حينَما يُنكِرونَ عليهم ضلالَهم: أنَّهم يُرِيدونَ مُزاحَمَتَهم على سُلْطانِهم وجَاهِهم؛ لأنَّ نفوسَهم تتشرَّبُ مِنِ اتِّباعِ ذلك،
стр. 1899
فيَخافُ الإنسانُ على أنفَسِ شيءٍ عليه؛ لذا يَخافُونَ المُزاحَمة؛ فيَشُكُّونَ في المُصلِحيِنَ، وهكذا ظَنُّوا بالنبيِّ ﷺ بمكَّةَ، فعرَضُوا عليه المالَ والنِّساءَ، وفي "المسنَدِ"، عن عبدِ الرحمنِ بنِ شِبْلٍ؛ أنَّه قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ يقولُ: (تَعلَّمُوا الْقُرآنَ، فَإِذَا عَلِمْتُمُوهُ، فَلَا تَغْلُوا فِيهِ، وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ، وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ، وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ) (١).
وقد تقدَّمَ الكلامُ على الحِكْمةِ مِن نهي الأنبياءِ وأَتْباعِهم عن ذلك، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [هود: ٢٩].
* * *
* قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤].
في هذا: تعظيمُ نافلةِ الليلِ وفضلُها على نافلةِ النهار؛ حيثُ ذكَرَها اللَّهُ في خصائصِ عبوديَّةِ أهلِ الإيمانِ، ولا يخلِفُ العلماءُ على أنَّ نافلةَ الليلِ المُطلَقةَ أفضَلُ مِن نافلةِ النهارِ المطلَقةِ؛ كما قال ﷺ (أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ المُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ)، رواهُ مسلمٌ مِن حديثِ أبي هريرةَ (٢).
ويأتي الكلامُ على قيامِ الليلِ، وكيفيَّةِ تقسيمِهِ في سورةِ المُزَّمِّلِ؛ بإذنِ اللَّهِ.
* * *
стр. 1900
* قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧].
في هذه الآيةِ: مشروعيَّةُ القصدِ والاعتدالِ حتى في النفقةِ والصَّدَقةِ؛ فلا يُجحِفُ المتصدِّقُ على نفسِهِ ويضيِّعُ مَن يَعُولُ، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك في قولِه تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦].
* * *
* قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]
الزُّورُ: الكذبُ والبُهْتانُ؛ ومِن ذلك قولُه تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان: ٤]، وقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]، وكلُّ قولٍ مُفترًى فهو زُورٌ، ويعظُمُ إذا كان مقرونًا بالشهادةِ، فيَشهَدُ الإنسانُ على شيءٍ لم يَرَهُ ولم يَسمَعْه، وهذا أعظَمُ مِن مجرَّدِ قولِ الزُّورِ وفِعْلِه؛ فإنَّ الإنسانَ قد يقولُ الباطلَ فينسُبُ باطلًا لأحدِ ولم يَزعُم أنَّه رآهُ ولا سَمِعَه منه، فهذا مع كونِه عظيمًا إلَّا أنَّ الأعظَمَ منه إذا زعَم أنَّه شاهِدٌ عليه بِسَمعِه أو بصرِه؛ فهذه شهادةُ الزُّورِ.
وقد غلَّظ النبيُّ ﷺ شهادةَ الزُّورِ، وحذَّر منها تحذيرًا شديدًا؛ كما في "الصحيحَيْنِ"، مِن حديثِ أبي بكرةَ ﵁، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ (أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ -ثَلَاثًا-؟ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الِوالِدَينِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ -أو قَولُ الزُّورِ-)، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَمَا
стр. 1901
زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيتَهُ سَكَتَ (١).
وقد قرَن النبيُّ ﷺ شهادةَ الزُّورِ بالإشراكِ مع اللَّهِ شيئًا، وفي ذلك يُروى حديثٌ في "السُّننِ"، مِن حديثِ خُرَيْمِ بنِ فَاتِكٍ الأسدِيِّ، قال: صلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ صلاةَ الصُّبْحِ، فلمَّا انصرَفَ، قامَ قائمًا، فقال: (عُدِلَتْ شَهَادَة الزُّورِ بِالإِشرَاكِ بِاللَّهِ) ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠ - ٣١] (٢).
وكِتمانُ الشهادةِ شبيهٌ بشهادةِ الزُّورِ؛ قال تعالى: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦]، وقد قال ابنُ عبَّاسٍ في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]: "شهادةُ الزُّورِ مِن أكبرِ الكبائرِ، وكتمانُها كذلك" (٣).
قال السُّدَّيُّ: ﴿آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ "أي: فاجرٌ قلبُه" (٤).
وقد قال قتادةُ: لا تقُلْ: "رأيتُ" ولم تَرَ، و"سَمِعتُ" ولم تَسمَعْ، و"عَلِمْتُ" ولم تَعلَمْ؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى سائلُك عن ذلك كلِّه" (٥).
* * *
стр. 1902
سورة الشعراء
* قال تعالى: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١ - ١٨٣].
فيه: تعظيمُ بَخْسِ الحقوقِ وظُلْمِ الخَلْق؛ حيثُ كان قومُ شُعَيْبٍ إذا اكتالُوا لأنفسِهم زادُوا، وإذا كالُوا للناسِ، بَخَسُوهم، وقولُه: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾؛ يعني: المُنقِصِينَ للكَيلِ.
وعقابُ الظُّلْمِ في حقوقِ الناسِ أعجَلُ مِن الظُّلْمِ في حقِّ اللَّهِ؛ لأنَّ اللَّهَ ينتصِرُ لعِبادِه المظلومِينَ في حقوقِهم أسرَعَ مِن انتصارِه لحقِّه سبحانَه؛ لكمالِ غِناهُ وعلوِّ شأنِه، إذْ لا يَضُرُّه مخلوقٌ، ويُمهِلُ الخَلقَ في حقِّه غالبًا، ويعجِّلُ في حقوقِ العِباد؛ لأنَّ هذا مُقتضى ربوبيَّتِه لهم، وقد كان السلفُ يُحذِّرونَ مِن البقاءِ بأرضِ يَظهرُ فيها ظُلمُ الناسِ ويَشِيعُ ويُشرَّعُ، وقد صحَّ عن ابنِ المسيَّبِ قولُه: "إذا كنتَ بأرضٍ يُوفُونَ المكيالَ والميزانَ، فلا تَعجَلْ بالخروجِ منها، وإذا كنتَ بأرضٍ لا يُوفُونَ المكيالَ والميزانَ، فعَجِّلْ بالخروجِ منها" (١).
وهذه الآيةُ في قومِ شُعَيْبٍ وما وقَعوا فيه مِن ظُلْمِ الأموالِ، وقد تقدَّم الكلامُ على ما وقَعُوا فيه مِن أكلِ أموالِ الناسِ بالباطلِ عندَ
стр. 1903
قولِه تعالى: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٨٥].
* * *
* قال تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢١٨ - ٢٢٠].
جاء ذِكْرُ النبيِّ ﷺ حينَ قيامِهِ وتقلُّبِهِ في الساجدِين، ورؤيةِ اللَّهِ له في ذلك؛ فمِن السلفِ مَن حمَل المعنى على تقلُّبِه في صُلبِ آبائِه؛ كما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ (١)، وجاء عن مجاهدِ أنَّه حمَلَ معنى قوله: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ على رؤيتهِ لمَن خَلْفَهُ وهو يصلِّي (٢).
وحمَلَ عِكْرِمةُ وقتادةُ وعطاءٌ الخُرَاسانيُّ قولَه: ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ على صلاةِ النبيِّ ﷺ منفرِدًا، وقولَه: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ على صلاتهِ جماعةً مع المصلِّين (٣).
وفي هذا: مشروعيَّةُ أن يكونَ للعبدِ صلاةٌ منفرِدًا مع صلاتِهِ جماعةً مع المُسلِمينَ، يخلُو بانفرادِهِ بها بربِّه يُناجِيهِ؛ ليتطهَّرَ باطنُهُ مِن آثارِ رؤيةِ الخَلْقِ له وسماعِهم لذِكْرِه، فيكونُ في موضعٍ لا يَسمَعُهُ إلَّا اللَّهُ ولا يُبصِرُهُ إلَّا هو، وهذا إنِ احتاج إليه الأنبياءُ مع عِصْمَتِهم وطهارةِ قلوبِهم، فإنَّ حاجةَ غيرِهم آكَدُ وأعظَمُ.
وقد تقدَّم الكلامُ على حُكمِ الصلاةِ جماعة عندَ قولِه تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].
* * *
стр. 1904
* قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧].
في هذه الآيةِ: مشروعيَّةُ انتصارِ المظلومِ مِن ظالمِهِ بمقدارِ مَظْلِمَتِهِ مِن غيرِ بَغْيٍ، وقد جاء في القرآنِ حمدُ العفوِ عمَّن ظلَمَ في مواضع؛ منها قولُهُ تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩]، وقولُهُ تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، وقولُهُ تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤].
انتصارُ المظلومِ مِن ظالمِه وأحوالُه:
وفي هذه الآيةِ حَمِدَ اللَّهُ المنتصِرَ بعدَ ظُلمِه: ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾؛ وذلك أنَّ الانتصارَ مِن الظالمِ على نوعَيْنِ:
النوعُ الأولُ: انتصار خالص للنَّفس ممَّن ظلَم؛ فهذا الانتصارُ حقُّ، ولكن العفوَ عندَ القدرةِ والتحمُّلَ للأذى أفضَلُ؛ وهذا أكثَرُ حمدِ العفوِ عليه في الكتابِ والسُّنَّةِ.
النوعُ الثاني: انتصارٌ للَّهِ ولِدِينِه، ولو امتزَجَ بشيءٍ مِن حقِّ النَّفْسِ، فالانتصارُ للَّهِ متأكِّدٌ وواجب، ما لم تَقُم مَفسَدةٌ في الدِّينِ أعظَمُ مِن مَفْسَدةِ البَغْيِ الذي يُرادُ الانتصارُ منه، وقد كان النبيُّ ﷺ لا يَنتصِرُ لنفسِه؛ وإنَّما ينتصرُ للَّهِ وحُرُماتِه إذا انتُهِكَت، وهذه الآيةُ انتصارٌ للَّهِ؛ وذلك أنَّ سببَ نزولِها كان بسببِ ظُلْمِ قريشٍ للنبيِّ ﷺ بإنشادِ الشِّعْرِ فيه
стр. 1905
وسبِّه وتشويهِ رسالتِه، فقام بعضُ الأنصارِ مِن الصحابةِ بالانتصارِ منهم بمِثْلِ ما قالوهُ مِن الشِّعْرِ؛ قال ابنُ عبَّاسٍ: "يرُدُّونَ على الكفارِ الذين كانوا يَهجُونَ به المؤمنِينَ" (١).
وفي "الصحيحَيْنِ" أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال لحسَّانَ: (اهْجُهُمْ -أَوْ هَاجِهِمْ- وَجِبْرِيلُ مَعَكَ) (٢).
* * *
стр. 1906
سورة النمل
* قال تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل: ١٩].
سمَّى اللَّهُ تبسُّمَ سليمانَ ضحِكًا؛ وبهذه الآيةِ استدَل بعضُ السلفِ على أنَّ التبسُّمَ في الصلاةِ يأخُذُ حُكْمَ الضحكِ، وفيه نظرٌ؛ كما روى الحكمُ بنُ عطيَّةَ، عن ابنِ سيرينَ، أنَّه سُئِلَ عن التبسُّمِ في الصلاةِ؟ فقرَأَ هذه الآيةَ: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾: لا أعلَم التبسُّمَ إلَّا ضحكًا؛ أخرَجَهُ ابن أبي شيبةَ (١).
حُكْمُ الضحكِ في الصلاةِ والتبسُّمِ:
الضحكُ في الصلاةِ مُبطِلٌ لها؛ لأنَّه يُخالِفُ وقارَها، وهو أشَدُّ وأعظَمُ من كثيرِ الحركةِ والالتفاتِ، وإن كانتِ العربُ لا تَعُدُّ الضحكَ كلامًا، إلَّا أنَّه أعظَمُ مِن الكلامِ في الصلاةِ وأبشَعُ منه؛ فإنَّه قد يكونُ الكلامُ في الصلاةِ مع خشوعٍ وخضوعٍ وحاجةٍ، وأمَّا الضحكُ والقهقهةُ، فليس فيها خضوعُ قلبٍ ولا حضورُه، ولا تعظيمٌ للموقوفِ بينَ يدَيْه، وعامَّةُ السلفِ على بُطْلانِ صلاةِ مَن قَهْقَهَ في صلاتِهِ وضَحِكَ؛ صحَّ هذا عن جابرٍ (٢)، ولا مُخالِفَ له مِن الصحابةِ.
стр. 1907
وصحَّ عن حُمَيْدِ بنِ هلالٍ، قال: كانوا في سفرٍ فصلَّى بهم أبو موسى؛ فسقَطَ رجلٌ أعورُ في بئرٍ أو شيءٍ، فضَحِكَ القومُ كلُّهم غيرَ أبي موسى والأحنفِ؛ فأمَرَهم أن يُعبدوا الصلاةَ (١).
وقد حكَى ابنُ المُنذِرِ (٢) الإجماعَ على بطلانِ صلاةِ مَن ضَحِكَ.
وأمَّا التبسُّمُ مِن غيرِ ضحكٍ وقهقهةٍ، فقد ذهَب عامَّةُ السلفِ إلى عدمِ بطلانِ الصلاةِ بالتبسُّمِ، وفرَّقوا بينهُ وبينَ القهقهةِ، وقد قال جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ: "التبسُّمُ لا يَقطَعُ، ولكنْ تقطعُ القرقرةُ" (٣).
وبهذا قال مجاهدٌ (٤)، والحسنُ (٥)، والنَّخَعيُّ (٦)، ويُروى هذا عن ابنِ مسعودٍ (٧)؛ وهو الصحيحُ الذي لا ينبغي خلافُه؛ لأنَّ التبسُّمَ تعابيرُ في الوجهِ، وقد يكونُ الحاملُ له معنًى مِن مَعاني القرآنِ؛ كالفرَحِ بنعيمِ الجنةِ وسَعَةِ فضلِ اللَّهِ ورحمتِه، وليس هو مِن جنسِ ضَحِكِ القهقهةِ الذي لا يكونُ عن تعظيمٍ وسرورٍ بالحقِّ؛ وإنَّما خروج عن مَقَامِ الصلاةِ وعَظَمتِها.
وقد رُوِيَ عن ابنِ سيرينَ أنَّه جعَل التبسُّمَ ضحكًا؛ كما رواهُ الحكمُ بنُ عطيُّةَ، عن ابنِ سيرينَ؛ أنَّه سُئل عن التبسُّمِ في الصلاةِ؟ فقرَأ
стр. 1908
هذه الآيةَ: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾: لا أعلَمُ التبسُّمَ إلَّا ضحكًا (١).
ولا أعلَمُ مَن قال بقولِ ابنِ سيرِينَ هذا مِن الصحابةِ ولا مِن التابعينَ في أنَّ التبسُّمَ يُبطِلُ الصلاةَ، وتفرَّدَ به عنه الحكمُ بنُ عطيَّةَ، وقد ضعَّفَه النَّسَائيُّ (٢)، وقد قال فيه أحمدُ: "حدَّث بمناكيرَ"؛ قال المَرُّوذيُّ؛ "كأنَّه ضعَّفه" (٣).
ويتَّفقُ العلماءُ على أنَّ الضحكَ والقهقهةَ خارجَ الصلاةِ لا يُبطِلُ الوضوءَ؛ كما حكاهُ ابنُ المُنذِرِ (٤)، وأنَّ الضحكَ بلا قهقهةٍ لا ينقُضُ الوضوءَ في أثناءِ الصلاةِ؛ كما حكاهُ النوويُّ؛ وإنَّما خلافُهم في الضحكِ مع القهقهةِ في أثناءِ الصلاةِ: هل يُبطِل الصلاةَ والوضوءَ، أم يُبطِلُ الصلاةَ فحَسْبُ؟ والصحيحُ: عدمُ نقضِهِ الوضوءَ، وهو قولُ جمهورِ العلماءِ؛ لعدمِ الدليلِ الصحيحِ على ذلك، خلافًا لأبي حنيفةَ، بل الصحيحُ عن الصحابةِ: عدمُ النقضِ؛ فقد ثبَت عن جابرٍ قولُه: "إذا ضحِك في الصلاةِ، أعادَ الصلاةَ ولم يُعِدِ الوضوءَ" (٥)
وكلُّ الأحاديتِ الواردةِ في نقضِ الوضوءِ بالضحكِ معلولةٌ، وقد بيَّنتُها في "كتابِ العللِ".
* * *
стр. 1909
* قال تعالى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١].
في هذا: وعيدُ سليمانَ للهُدهُدِ بالعذابِ الشديدِ أو الذَّبْحِ، وجاء أنَّ سببَ تفقُّدِ سليمانَ للهُدهُدِ وتوعُّدِه له عن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّه جلَسَ إلى عبدِ اللَّهِ بنِ سَلَامٍ، فسأله عن الهُدْهُدِ: لِمَ تَفقَّدَه سليمانُ مِن بينِ الطيرِ؟ فقال عبدُ اللَّهِ بن سَلَامٍ: إنَّ سليمانَ نزَلَ منزلةً في مسيرٍ له، فلم يَدرِ ما بُعْدُ الماءِ، فقال: مَن يَعلَمُ بُعْدَ الماءِ؟ قالوا: الهدهدُ؛ فذاك حينَ تفقَّدَه؛ رواهُ ابنُ جريرٍ (١).
قولُه تعالى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، وقد توعَّدَه بعذابِه، وقد صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ (٢)، ومجاهدٍ (٣): أنَّ عذابَه بنَتْفِ رِيشِه.
حُكْمُ تأديبِ الحيوانِ وتعذيبِه:
في هذه الآيةِ: تجويزُ تعذيبِ الحيوانِ، وهو الهدهدُ، وإنَّما توعَّدَهُ سليمانُ؛ لأنَّ الحيوانَ يُدرِكُ أَمرَ سليمانَ له؛ فقد علَّم اللَّهُ سليمانَ مَنطِقَ الطيرِ، ولكنَّ اللَّهَ لم يعلمِ الطيرَ مَنطِقَ سليمانَ، فالإعجاز لنبيِّ اللَّهِ لا للطَّيرِ؛ لأنَّ اللَّهَ قال على لسانِ سليمانَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦]، وفي الحيوان نوعُ إدراكٍ، ولكنْ ليس ببنَهُ وبينَ بني آدمَ خطابٌ مفهومٌ، وقد حجَبَ اللَّه الخطابَ بينَهم؛ فلم يَستطِعِ الإنسانُ خطابَ الحيوانِ بلِسَانِه، ولا الحيوانُ خطابَ الإنسانِ بلسانِه.
وفي الآيةِ: جوازُ تأديب الحيوانِ؛ ففي الحيوانِ نوعُ إدراكِ،
стр. 1910
فيُعاقَبُ حسَبَ ما يُدرِكُ، والحيواناتُ تتبايَنُ مِنْ جهةِ إدراكِها ومقدارِه ونوعِه؛ ولهذا جعَلَ منها ما يَقبَلُ التعليمَ؛ كالكَلْبِ والطَّيرِ والفَرَسِ، ومنها ما لا يَقبَلُهُ؛ كالجرادِ والفَرَاشِ والنملِ.
وقد دلَّ الدليلُ على أنَّ الحبوانَ يُدرِكُ تقديرَهُ الفِطْريَّ الذي أوجَدَهُ اللَّهُ لأجلِه، بل يُدرِكُ بعضَ الحقوقِ عليه في الدُّنيا، ويُحاسَبُ على مِثْلِها في الآخِرةِ بالقِصَاصِ فقطْ بلا جنةٍ ولا نارٍ؛ كما في الصحيحِ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: (لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ، مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ) (١)، وعلى هذا فسَّر بعضُهم قولَهُ تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وفي "المسنَدِ"، عن أبي ذَرٍّ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى شَاتَيْنِ تَنْتَطِحَانِ، فَقَالَ: (يَا أَبَا ذَرٍّ، هَلْ تَدْرِي فِيمَ تَنْتَطِحَانِ؟ )، قَالَ: لَا، قَالَ: (لَكِنَّ اللَّهَ يَدْرِي، وَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا) (٢).
ورُوِيَ في الفصلِ بين الهائمِ؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ، وعبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو (٣).
وقد روى عبدُ الرزَّاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (كَانَتِ الضِّفْدَعُ تُطْفِئُ النَّارَ عَنْ إِبْرِاهِيمَ، وَكاَنَ الْوَزَغُ يَنْفُخُ فِيهِ)، فنَهى عن قتلِ هذا، وأمَرَ بقتلِ هذا (٤).
وفي "المسنَدِ" وابنِ ماجَهْ، عن سائبةَ مولاةِ الفاكِهِ: أَنَّهَا دَخَلَت عَلَى عَائِشَةَ، فَرَأَت فِي بَيْتِهَا رُمْحًا مَوْضُوعًا، فَقَالَتْ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، مَا تَصْنَعِينَ بِهَذَا؟ ! قَالَت: نَقْتُلُ بِهِ هَذِهِ الأَوْزَاغَ؛ فَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَنَا؛ أنَّ
стр. 1911
إِبْرَاهِيمَ لمَّا أُلْقِيَ فِي النَّارِ، لَمْ تَكُنْ فِي الأَرْضِ دَابَّةٌ إِلَّا أَطْفَأَتِ النَّارَ، غَيْرَ الْوَزَغِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ تَنْفُخُ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِهِ (١).
ولم يُؤاخَذِ الوزغُ إلَّا لأنَّه يَعلَمُ ما فعَلَ، ويُدرِكُ إبراهيمَ مِن غيرِه.
واقتصاصُ اللَّهِ بينَ البهائمِ حقوقَها دليلٌ على أنَّ فيها نوعَ إدراكٍ، لأنَّ اللَّهَ لا يقتصُّ ببنَ مَجَانِينِ بني آدمَ وأطفالِهم الحقوقَ التي تكونُ بينَهم؛ لأنَّهم لا يُدرِكونَ، فدَلَّ على أنَّ إدراكَ البهائمِ فوقَ إدراكِهم، ولكنَّ اللَّهَ حجَب الوساطةَ والرابطةَ بينَ الحَيَوانِ وبينَ بَني آدمَ، وهو اللِّسَانُ، ولم يَخُصُّ بها إلَّا سليمانَ ومَن شاء مِن خَلْقِه.
وضربُ الحيوانِ لتعليمِه، أو لتأديبِهِ وعقابِهِ على جنايتِهِ وخطئِه - على نوعَيْنِ:
النوعُ الأولُ: ضربُ الحيوانِ على ما يتعلَّمُه؛ كضربِ الكلبِ ليَتعلَّمَ، والفرَسِ والجمَلِ ليُسرعَ، وكذلك عقابُهُ على خطئِه؛ كضربِ الكلب إنْ أكَلَ مِن الصَّيدِ دونَ إذنِ سيِّدِه، ويكونُ ضربُهُ وتأديبُهُ بما يحصُل المقصودُ منه، لا يَزِيدُ عليه فيُعذِّبَهُ؛ فإنَّ الزيادةَ على ذلك محرَّمةٌ.
ولا يجوز ضربُ الحيوانِ الذي لا يَتعلَّمُ مِثلُهُ بقصدِ تعليمِه، ولا تعذيبُ مَن لا يُدرِكُ خطَأَهُ مِن الحيوانِ بقصدِ زجرِه عن تَكرارِ فِعلِه؛ وإنَّما يجوز ضربُهُ لدفعِهِ عن الإضرارِ وحمايةِ النفسِ منه بما يَدْفَعُه.
النوعُ الثاني: تعذيبٌ وضربٌ له على ما لا يُدرِكُه مِن تصرُّفِه، وعلى ما لا يَتأدَّبُ عن تركِهِ أو فعلِه؛ لأنَّه لا يَفْهَمُ المقصودَ مِن الضربِ، ولا على أيِّ شيءٍ نزَلَ به، فهذا لا يجوزُ إلَّا بمقدارِ ما يَدْفَعُ الإنسان عن حقِّه مِن مالٍ وزرعٍ ومَسْكَنٍ، وإذا كان لا يندفعُ أذاهُ إلَّا بقتلِه، قتَلَه؛ كما أَذِنَ النبيُّ ﷺ بقتلِ الفواسقِ الخمسِ.
стр. 1912
قولُه تعالى: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: لم يُنزِلْ سليمانُ العذابَ بالهدهدِ حتى أمهَلَهُ لِيَأْتِيَهُ ببيِّنةٍ تَعذِرُهُ غيابِه؛ وفي هذا أنَّه لا يجوزُ إنزالُ العقابِ على المخطئِ حتى تُسمَعَ حُجَّتُه، وإنْ طلَب الإمهالَ يُمهَلُ ليأتيَ ببيِّنِتهِ وشاهِدِه، وفي الصحيحِ: أنَّ الأشعثَ بنَ قيسٍ جاء مُدَّعِيًّا إلى النبيِّ ﷺ على يهوديٍّ، فقال له النبيُّ ﷺ : (ألَكَ بَيِّنَةٌ؟ ) (١)، ولمَّا جاءه هلالُ بن أمَيَّةَ، وقد قذَفَ زوجتَهُ، قال له النبيُّ ﷺ (البَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ) (٢).
* * *
* قال تعالى: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣].
استنكَرَ الهدهدُ ما رآهُ مِن قومِ سَبَأٍ ومَلِكَتِهم، فذكَرَ ما لم تَجْرِ العادةُ به، وهو مُلْكُ المرأةِ على القومِ والبُلْدانِ؛ وفي هذا أنَّ فِطَرَ الحيوانِ والإنسانِ جُبِلَتْ على قيامِ الرِّجالِ بالمُلْكِ وسيادةِ البُلْدانِ وسياسةِ الناسِ.
وليس في الآياتِ إقرارٌ مِن سليمانَ لها على مُلْكِها لقومِها، بل فيها إقرارٌ مِن سليمانَ للهدهدِ على استنكارِه، وقومُ سبأٍ لم يكونوا على الإسلامِ، والأنبياءُ يُخاطِبونَ الأُمَمَ بأعظَمِ أخطائِهم، وهو الكفرُ والشِّرْكُ، ولا يشتغِلُونَ بما دونَهُ حتى يُصلِحوا ما هو أعلى منه؛ ولهذا لمَّا دخَلَت ملكةُ سبأٍ في مُلْكِ سليمانَ، لم يُوَلِّها شيئًا.
стр. 1913
وِلَايةُ المرأةِ:
ووِلَايةُ المرأةِ على نوعَيْنِ:
النوعُ الأولُ: وِلَايةٌ عامَّةٌ، وما تجزَّأَ عنها؛ فهذه ولايةٌ لا تجوزُ للمرأةِ، ويتَّفقُ الصحابةُ على هذا، وذلك أنَّ كلَّ ما جعَلَهُ اللَّهُ إلى السُّلْطانِ والإمامِ، فهو ممَّا قال فيه النبيُّ ﷺ : (لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً) (١).
وما يتجزَّأُ مِن وِلَايةِ الإمامِ: القضاءُ؛ وذلك لتضمُّنِهِ العقوبةَ والحَبْسَ والجَلْدَ والقِصَاصَ والتغرب، وولايةُ الشُّرَطِ والجندِ والجيوشِ، وإمارةُ الجهادِ، وتنفيذِ الحدودِ، وولايةُ البُلْدانِ والقُرَى، وتلك الولاياتُ التي تجزَّأت عن ولايةِ الإمامِ لا يُقالُ: "إنَّها جائزةٌ، لكونِها ليستْ ولايةً عامَّةً"؛ بل هي ولايةُ عامَّةٌ تجزَّأتْ، ولو صَحَّتْ أنْ تَلِيَها المرأةً، لجازَ للإمامِ الأعظَمِ أنْ يقسِّمَ ولاياتِهِ إلى أجزاءٍ، ويضَعَ على كلِّ جزءٍ امرأةً، ويُنِيبَهُنَّ عنه؛ فتكونُ حينَها الولايةُ الكبرَى بيدِ المرأةِ في صورةِ رجلٍ؛ وهذا لا يجوزُ.
واللَّهُ قد جعَل الرِّجَالَ قوَّامينَ على النِّساءِ؛ كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛ فلا يصحُّ أن تكونَ المرأةُ في بيتِها تَأْتَمِرُ بأمرِ زوجِها وتخرُجُ منه بإذنِه، ثمَّ تَنتهي ولايتُهُ وقِوامتُهُ عليها عندَ خروجِها لِتَلِيَ أمرَ زَوْجِها وأمْرَ الأمَّةِ، فإنْ كانتْ في بيتِها، كانتْ تحتَ قِوامتِه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]، وإن خرَجَتْ، كانتِ الأمَّةُ تحتَ قِوَامَتِها؛ وهذا لا تقرِّرُ مِثلَه الشريعةُ.
стр. 1914
وعملُ الأُمَّةِ في كلِّ القرونِ الفاضلةِ وما بعدَها على ذلك في سائرِ البُلْدانِ وفي عملِ سائرِ المذاهب؛ لم تكنِ المرأةُ تَلِي شيئًا مِن هذا النوع مِن الوِلَايةِ، كما قال القَرَافِيُّ: "لم يُسمَعْ في عصرٍ مِنَ العصورِ أنَّ امرأةً وَلِيَتِ القضاءَ؛ فكان ذلك إجماعًا، لأنَّه غيرُ سبيلِ المؤمنينَ. . . وقياسًا على الإمامةِ العُظْمى" (١).
وقد كانتْ أمَّهاتُ المؤمنينَ أفضَلَ نساءِ زمانِهِنَّ، ومات النبيُّ ﷺ عن أكثرِهِنَّ، وكذلك نساءُ الصحابةِ مِن المُهاجِراتِ والأنصاريَّاتِ، لم يثبُت أنَّ الصحابةَ وَلَّوُا امرأةً منهنَّ، مع عَقْلِهنَّ ودِينِهنَّ وعِلْمِهنَّ.
وينسُبُ بعضهم إلى ابنِ جريرٍ الطبريِّ القولَ بِولَايةِ المرأةِ للقضاءِ؛ وهذا لا يثبُتُ عنه، وهو مِن الكذب عليه، فلا يُوجَدُ في كتبِه صريحًا، ولا أُصولُهُ تَجري على مِثْلِ هذا القوَلِ.
وأمَّا قولُ أبي حنيفةَ: إن المرأةَ تَقضي فيما تَشهَدُ فيه، فليس ذلك توليةً لها للقضاءِ فتتولاهُ وتنتصِبُ له؛ وإنَّما يصحُّ منها الفصلُ العارضُ؛ لأنَّ إمضاءَ الحُكْمِ شيءٌ، والانتصابَ للوِلَايةِ عليه شيءٌ؛ فأبو حنيفةَ يَكرَهُ للمرأة الشابَّةِ خُرُوجَها إلى المساجدِ نهارًا؛ حتى لا يراها الرجالُ؛ فكيف يُنصِّبُها قاضيةً لهم؟ !
ويُنسَبُ توليةُ المرأةِ مَنْصِبَ القضاءِ إلى الحنفيَّةِ، وهذا باطلٌ أيضًا؛ وفقهاءُ الحنفيَّةِ عبرَ القرونِ الماضيةِ مع انتشارِ مذهبِهم في الدولةِ العثمانيَّةِ لم يكنْ واحدٌ منهم يعملُ بذلك، ولا جوَّزَهُ للسُّلْطانِ، ولا وضَعُوا مدارسَ لتعليمِ المرأةِ القضاءَ والفصلَ ببنَ الخصومِ، ولم يثُبُتْ في عصورِ دولةِ الإسلامِ تَوَلِّي امرأةٍ للقضاءِ إلَّا أمَّ موسى القَهْرَمَانةَ حينَما وَلَّتْها في بغدادَ أمُّ المُقتدِرِ حينَما تولَّى ابنُها وهو دونَ البلوعِ، فوَلَّتْها باستبدادٍ وقهرٍ، لا بعِلْمٍ وفُتْيا، ولم يُوَلِّها خليفةٌ مسلِمٌ، وكانتْ معروفةٌ بالشرِّ
стр. 1915
والظُّلْمِ، ويأتيها الناسُ ضرورةً لا اختيارًا، ولم تكنْ مهمتُها إلَّا التوقيعَ على الصكوكِ والمراسمِ، لا الفصلَ والفضاءَ، ثمَّ لمَّا رأى المقتدِرُ بعدُ فسادَهَا في الأموالِ والتصرُّفاتِ، حبَسَها.
النوعُ الثاني: وِلَايةٌ خاصَّةٌ، وهي ولايةُ المنافعِ، وهي ما لا يَتجزَّأُ عن ولايةِ الإمامِ، ويصحُّ أن يقومَ به الرجالُ والنساءُ مِن غيرِ إمامٍ؛ كوِلَايةِ المنافعِ مِن ولايةِ المرأةِ على البيعِ والشراءِ، وولايتِها على الأيتامِ والأراملِ أفرادًا أو جماعاتٍ أو مؤسَّساتٍ، وولايتِها على نساءِ جنسِها بتعليمِهِنَّ، وولايتِها على المدارسِ والمَصَحَّاتِ التي لا يتَّصلُ بها مَفاسِدُ تتعدَّى بها إلى محرَّمٍ؛ فتحرُمُ حينئذٍ لأجلِ غايتِها، لا لأجلِ مجرَّدِ الولايةِ؛ كولايةِ المرأةِ على تعليمِ الرجالِ والنساءِ؛ فذلك لا يصحُّ، لا لأجلِ كونِها ولايةً؛ ولكنْ لكونِ ذلك يَلزَمُ منه مَفاسِدُ، كاختلاطِها بالرجالِ الأجانبِ؛ فهي إمَّا أن تختَلِط بهم أو تُقصِّرَ في ولايتِها؛ وكلا الأمرينِ لا يجوزُ؛ فامتنَعَ تَوَلِّيها.
وإنَّما حازتْ هذه الأنواعُ؛ لأنَّها ولاياتٌ لا يَلْزَمُ في قيامِها إذنُ الإمامِ، وليستْ مِن ولايتِهِ ولا جزءًا منها، فيجوزُ للناسِ أن يُعلِّموا صبيانَهم، ويَحفَظوا أموالَهم، ويُعالِجوا أنفسَهم، ويَبْنُوا دُورًا لذلك، ولا يُشترَطُ عندَ الفقهاءِ إذنُ الإمامِ بهذا؛ لأنَّها ليستْ مِن ولايتِهِ ولا مِن أجزائِها، ما لم يكنْ قد وضَعَ الأمامُ نظامًا يُصلِحُ أحوالَ الناسِ ويَضبِطُ حياتَهم؛ حتى لا يَبغِيَ بعضُهم على بعضٍ، فيُلتزَمُ ذلك، لا لكونِهِ لا يصحُّ عمل الناسِ وتلك الولايةُ إلَّا به، ولكنْ لأنَّه أصلَحُ للناسِ فتجبُ طاعتُه.
وهذا بخلافِ ولايةِ الجُنْدِ والجيشِ والقضاءِ وإمارةِ البُلْدانِ والقُرَى، فهذا لا بدَّ له مِن إذنِ الإمامِ؛ لأنَّه مِن ولايتِه وأجزائِها؛ إذْ لا يجوزُ للناسِ أن يضَعُوا لقريتِهم أوَ حيَّهم قاضيًا أو أميرًا -دون إذن
стр. 1916
الإمام- يَفصِلُ في أمرِهم ويُقِيمُ الحدودَ ويأمُرُ ويَنهى، ما لم يكونوا في بلدٍ لا إمامَ أكبرَ فيه.
وولايةُ المرأةِ قد تحرُمُ لذاتِها، وقد تحرُمُ لِمَا تُفضي إليه:
أمَّا تحريمُها لذاتِها: فهي ما تقدَّمَ مِن الوِلَايةِ الكُبرى وما تجزَّأَ عنها مِن ولايةِ الإمامِ.
وأمَّا تحريمُها لِمَا تُفضي إليه: فكولايتِها الجائزةِ في ذاتِها، ولكنَّها تُفضي الى محَّرمٍ؛ كأنْ تُؤَدِّيَ إلى سفرٍ بلا مَحَّرَمٍ، أو اختلاطٍ بالرِّجالِ، أو بُروزٍ دائمٍ إليهم.
وأمَّا ما ينقُلُه بعضُهم أنَّ عمرَ وَلَّى الشِّفَاءَ الحِسْبةَ على السوقِ، فليس لهذا أصلٌ، وقد أنكَرَهُ ابنُ العَرَبيِّ، وقال: "هو مِن دسائسِ المُبتدِعةِ" (١).
* * *
* قال تعالى: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨].
يُشرَعُ كتابةُ الحاكمِ المسلِمِ إلى ملوكِ البُلْدانِ ورؤوسِ الناسِ غيرِ المُسلِمينَ، ودعوتُهم إلى الإسلامِ؛ وهذا أعظَمُ مهمَّاتِ صاحبِ الولايةِ: حِفْظُ الدِّينِ على الناسِ، ونشرُهُ وتبليغُه؛ لأنَّه ينوبُ عن النبيِّ ﷺ في ذلك.
ولا يجوزُ للحاكمِ أن تَختَصَّ صِلاتُهُ ومكاتَبَاتُه مع الأُمَمِ والدولِ غيرِ المسلمةِ بالمَصَالِحِ الدُّنيَوِيَّةِ كالاقتصادِ والأنظمةِ، ويَتْرُكَ الأعظَمَ، وهو دَعْوَتُهم إلى الإسلامِ، ولو كانتِ الدعوةُ تقومُ بغيرِه؛ لأنَّ قيامَهُ بهذه المهمةِ تعظيمٌ لها، وهيَ مهمةُ الخُلَفاءِ الأُولى؛ فالمُكاتَبةُ منه لها أثرٌ على
стр. 1917
الناسِ والرؤساءِ والملوكِ، بخلافِ غيرِه، ودعوةُ مَن دُونَهُ لا تصلُ غالبًا إلى رؤوسِ الناسِ؛ وإنَّما تقتصِرُ على الشعوبِ، وفي نفوسِ الكُبَرَاءِ والرؤساءِ أنَفةٌ وكِبْرٌ وعلوٌّ لا يَقبَلونَ غالبًا إلَّا مِن مِثْلهم.
وقد كتَبَ سليمانُ إلى مَلِكَةِ سبأٍ يدْعُوها إلى الإسلام؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٠ - ٣١].
وقد كاتَبَ النبيُّ ﷺ رؤوسَ الأممِ وملوكَ الأقطارِ يَدْعُوهم إلى الإسلامِ:
- فقد أرسَلَ دِحْيَةَ الكَلْبيَّ إلى هِرَقْلَ إمبراطورِ بِيزَنْطةَ؛ فسلَّمَهُ ببُصْرَى كتابَ النبيَّ ﷺ .
- وأرسلَ عبدَ اللَّهِ بنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ إلى كِسْرَى مَلِكِ الفُرْسِ؛ فتسلَّمَهُ في المدائنِ، ومزَّق كتابَ النبيِّ ﷺ .
- وأرسَلَ عمرَو بنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ إلى النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الحبشةِ؛ وبه أسلَمَ واتَّبَعَ الحقَّ بنفسِه.
- وأرسَلَ حاطِبَ بنَ أبي بَلْتَعَةَ إلى المُقَوْقِسِ حاكمِ مصرَ؛ فسلَّمَهُ في الإسكندريَّةِ.
- وأرسَلَ العلاءَ بنَ الحَضْرَمِيِّ إلى المُنذِرِ بنِ سَاوَى التميميِّ مَلِكِ البحرَيْنِ، وهي ما فوقَ الأحساءِ إلى ما وراءَ القطيفِ؛ فأسلَمَ وتبع النبيَّ ﷺ .
- وأرسَلَ سَلِيطَ بنَ عمرٍو إلى هَوْذَةَ بنِ عليٍّ ملِكِ اليمامةِ.
- وأرسَلَ إلى الحارثِ الغَسَّانيِّ رأسِ الغَسَاسِنَةِ، والحارثِ الحِميَرِيِّ ملِكِ حِمْيَرَ، وغيرُهم كثيرٌ.
* * *
стр. 1918
* قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٠ - ٣١].
ابتدَأَ سليمانُ كتابَهُ إلى مَلِكةِ سبأٍ بباسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ؛ تيمُّنًا وتبرُّكًا، وتعظيمًا للَّهِ تعالى واستعانةً به، وبراءةً مِن الحَوْلِ والقوةِ إلَّا به سبحانَهُ، وإشعارًا للمخاطَبِ بمَقَامِ الكتابِ والمكتوبِ؛ فإن البسملةَ تكونُ في الأمورِ والمَصَالِحِ الشريفةِ ذاتِ البالِ، ولا تكونُ في الوضيعةِ.
البَداءةُ بالبَسْمَلَةِ والفَرْق بينَها وبينَ الحَمْدَلَةِ:
يُشرَعُ عندَ المُكاتَباتِ والمُراسَلاتِ بينَ الناسِ البَدَاءة بالتسميةِ، وخاصَّةً عندَ الأمورِ الجليلةِ ذاتِ البالِ، ومِثلُ دلك عقودُ التجارةِ والديونِ والرهنِ والأجارةِ والصلحِ والإقطاعِ، وغيرُ ذلك.
وقد كان النبيُّ ﷺ يَبدأُ بالبسملةِ في مُراسَلاتِه؛ كما في كتاباتِه إلى رؤوسِ البُلْدانِ وملوكِهم؛ ككتابِه إلى كِسْرَى فارسٍ، وهِرَقْلَ عظيمِ الرومِ، والمُقَوْقِسِ عظيمِ القِبْطِ، والنجاشِي مَلِكِ الحبشةِ، وملِكِ البحرَيْنِ المُنذِرِ بنِ سَاوَى، وقد جاء في "الصحيحَيْنِ" كتابُه إلى عظيمِ الرومِ، وفيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ مِن محَمَّدِ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: سَلَامٌ عَلَى مَن اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ. . . " (١).
وكان يَبْدَأُ بالبَسْملةِ في عقودِ الصلحِ كصُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وكتاباتِ الإقطاعِ، كما في كتاباتِهِ لإقطاعِ بعضِ أصحابِه ككتابِهِ لتميمٍ الداريِّ، وسَلَمةَ بن مالكٍ، وغيرِهما.
стр. 1919
والبداءةُ بالبسملةِ مشروعةٌ لذلك، ولأنَّ اللَّهَ ابتدَأ بها أعظَمَ كلامٍ، وهو كلامُهُ، والبسملةُ مِن كلامِ اللَّهِ -كما في سورةِ النملِ هنا- فالبداءةُ بها بَرَكةٌ وتيمُّنٌ.
وأمَّا الفرق بينَ البداءةِ بالبَسْمَلةِ وبينَ البداءةِ بالحَمْدَلةِ، فذلك أنَّ البسملةَ تكونُ في المراسَلاتِ والمَقَالاتِ، ومِثلُها أوراقُ العقودِ الماليَّةِ، وعقودُ الصلحِ؛ فلمَّا صالَحَ النبيُّ ﷺ كفارَ قريشٍ في الحُدَيْبِيَةِ، كَتَبَ البسملةَ ولم يكتُبِ الحَمْدَلةَ.
وأمَّا الحَمْدَلةُ، فتكونُ في الخُطَبِ وما في حُكمِها، ولا تبتدئُ الخُطَبُ بالبَسْملةِ؛ وإنَّما بالحَمَّدَلةِ، ومِثلُ الخُطَبِ: الكتُبُ المؤلَّفةُ لبسطِ عِلْمٍ ونشرِ فقهٍ، وما شابَهَ المُراسَلاتِ مِن الكُتبِ لصغرِه، فلا حرَجَ مِن الاكتفاءِ بالبسملةِ فقطْ؛ لمناسَبةِ مَقَامِهِ بمَقَامِ المُراسَلاتِ والعقودِ، واللَّهُ أعلَمُ.
والشِّعْرُ كالنَّثْرِ؛ فما كان مِن مَعَانِيهِ الحَسَنةِ الحميدةِ، فيُبْدَأُ فيه بالبسملةِ أو الحمدلةِ بحسَبِ مَقامِه وموضوعِه، ولا يثبُتُ عن النبيِّ ﷺ ولا عن الصحابةِ التفريقُ بينَ كتابةِ الشِّعْرِ والنثرِ في البداءةِ بالبسملةِ، وما جاء عن الزُّهْريِّ والشَّعْبيِّ مِن كراهةِ البداءةِ بالبسملةِ في الشِّعْرِ، فلا يصحُّ عنهما، وعن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ جاء الجوازُ، وفي سندِهِ كلامٌ، وكلُّها رواها الخطيبُ في "الجامعِ لأخلاقِ الرَّاوي" (١)، والأصلُ اشتراكُ الشِّعْرِ والنَّثْر في الحُكْمِ، ولا يحتاجُ الجوازُ إلى دليلٍ خاصٍّ.
* * *
стр. 1920
* قال تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٥ - ٣٧].
لمَّا جاء كتابُ سليمانَ إلى مَلِكةِ سبإٍ وقرَأَتْه، أرسَلَت بكتابٍ إليه تَسْتَمِيلُهُ لكفِّ ما يُرِيدُه، مِن لَحَاقِها به، وخضوعِها للَّه، ونزولِها تحتَ حُكْمِه، وأرادتْ أن تَختبِرَ صِدْقَ دعْواه: هل هو صاحبُ دُنْيا؛ فتُسكِّنَهُ الهديَّةُ -لأنَّ صاحبُ الدُّنيا إنْ جاءه ما يُريدُ، سكَنَ طمعُه؛ لتحقُّقِ مقصودِهِ- أو صاحبُ دِينٍ ومقصودُهُ عبادةُ اللَّهِ وحدَه؟ كما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّه قال: بعَثَتْ إليه بوصائِفَ ووُصَفَاءَ، وألبسَتهُمْ لِبَاسًا واحدًا؛ حتى لا يُعرَفَ ذكَرٌ مِن أُنثى، فقالتْ: إن زَيَّلَ بينَهم حتى يَعرِفَ الذَّكَرَ مِن الأُنثى، ثمَّ ردَّ الهديَّةَ، فإنَّه نبيٌّ، وينغي لنا أنْ نترُكَ مُلْكَنا، ونتَّبعَ دِينَه، ونَلحَقَ به (١).
وقال ابنُ زيدٍ: إنَّها قالتْ: إنَّ هذا الرجلَ إنْ كان إنَّما هِمَّتُهُ الدُّنيا، فسنُرْضِيه، وإنْ كان إنَّما يُرِيدُ الدِّينَ، فلن يَقبَلَ غيرَهُ (٢).
حُكْمُ قَبُولِ الهديَّةِ التي يُرادُ منها صَرْفٌ عن الحقِّ:
ولمَّا جاءتِ الهديَّة سليمانَ، رَدَّها ولم يَقْبَلْها؛ لأنَّ اللَّهَ لم يبعَثْهُ جابيًا للمالِ باحثًا عنه؛ وإنَّما مريدًا للناسِ العِبادةَ واستسلامَهُمْ للَّهِ، لا له.
وفي هذه الآيةِ: دليلٌ على عدمِ جوازِ قَبُولِ العالِمِ والمُصلِحِ الهديَّةَ إنْ كان مُهدِيها يُريدُ بها استمالةَ المُصلِحِ إلى ضلالِهِ أو إسكاتَهُ عنه؛ فإنَّ
стр. 1921
النفوسَ مجبولةٌ على حُبِّ مَنْ أحسَنَ إليها، وسليمانُ لم يَرُدَّ هديَّةَ مَلِكةِ سبإٍ إلَّا لأنَّها جاءتْ بعدَ كتابِهِ إليها بالدخولِ في الإسلامِ.
ومَنْ كان قائمًا بأمرِ اللَّهِ، منابِذًا للكفرِ، رافعًا رايةَ الإصلاحِ: لا يجوزُ له قَبولُ هدايا المُعانِدينَ؛ خشيةَ كَسْرِ نفسِه وسكونِها.
ونظرُ العالمِ إلى حالِ المُهْدِي عندَ بَذْلِ الهديَّةِ واجبٌ؛ فإنَّ أحوالَ المُهدِينَ تَنطوِي تحتَها مَقاصدُهم، ومَقَامُ العالِمِ ليس كمَقَامِ غيرِه؛ فمِن الناسِ مَن يبذُلُ الهديَّةَ حبًّا في الإسلامِ وأهلِه، ومنهم مَن ببذُلُها كُرْهًا لهم فيَراهم شرًّا لا يُدفَعُ إلَّا بالمالِ، وإهداءُ المالِ ليس عَلَامةً على المودَّةِ في كلِّ حالٍ.
وقد يُبذَلُ المالُ وتُهدَى الهديَّةُ ويَقصِدُ به قابلُها تأليفًا لقلبِ المُهدِي، لا رغبةً في الدُّنيا؛ كما قَبِلَ النبيُّ ﷺ هدايا الملوكِ كالمُقَوْقِسِ وغيرِه.
وقد تقدَّمَ الكلامُ على أخذِ الأَجْرِ على نشرِ الخيرِ وقَبُولِ الهدايا والعطايا عليه، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [هود: ٢٩].
* * *
стр. 1922
سورة القصص
سورةُ القَصَصِ مكيَّةٌ، ويتجلَّى هذا في مَعاني آياتِها وخِطابِها، ومِن علاماتِ السُّوَرِ المكيَّةِ: تقريرُ التوحيدِ، وذِكرُ القَصَصِ والعِبَرِ؛ ولهذا لم يكنْ في سورةِ القَصَصِ تشريعاتٌ وأحكامٌ ظاهرةٌ.
* * *
* قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧].
في هذا: أنَّ أَوْلى الناسِ برَضَاعِ الصغيرِ أُمُّه، وإنْ رَغِبَتْ في ذلك، فلا يجوزُ أن يُنقَلَ إلى غيرِها، وقد تقدَّم الكلامُ على الرَّضَاعِ وأحكامِه في سورةِ البقرةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [٢٣٣]، ويدُلُّ على الرَّضاع قولُه تعالى في هذه السورةِ: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: ١٢]، وفيها وجوبُ كفالةِ الصغيرِ ورعايته، وتقدَّم الكلامُ على الكفالةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧].
* * *
* قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠].
ائتمَرَ فرعونُ وشاوَرَ قومَه في قتلِ مرسى، وتواطَؤوا على ذلك،
стр. 1923
ولم يكن ذلك مُعلَنًا؛ حتى لا يَعلَمَ موسى، فيَهْرُبَ وينجوَ مِن ظُلْمِهم، فجاء رجلٌ فأخبَرَ موسى بأمرِهم.
وفي هذا: أنَّه لا حُرْمةَ للأسرارِ إنْ كانتْ تُضِر بمظلومٍ، فيجبُ إفشاؤُها لِمَنْ بُغِيَ عليه ومَن له حقُّ النُّصْرةِ؛ حتى يُدفَعَ الظُّلْمُ عن المظلومِ.
حِفْظُ الأسرارِ وإفشاؤُها:
وقصدُ فرعونَ ومَنْ معه قَتْلَ موسى كان سِرًّا؛ كما في ظاهرِ السياقِ وما يَقتضيهِ الحالُ.
وإفشاءُ الأسرارِ التي تَنطوي على ظُلْمٍ وبغيٍ وحربٍ للَّهِ ومُحَادَّهٍ للَّهِ - واجبٌ، ويدُلُّ على وجوبِه أمرانِ:
الأولُ أنَّ حِفظَ الأسرارِ واجبٌ، ولا يَنتفِضُ الوجوبُ إلَّا بما هو مِثلُهُ أو آكَدُ منه؛ وذلك أنَّ مَنِ اؤْتُمِنَ على شيءٍ، وجَبَ عليه حِفظُهُ وعدمُ الخيانةِ فيه؛ كما ثبَتَ في "الصحيحَيْنِ"، في حديثِ أبي هريرةَ؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: (آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) (١).
الثاني: أنَّ دفعَ الظُّلْمِ والبَغي واجبٌ على الكفايةِ، ويتعيَّنُ الدفعُ على مَنْ لا يَقدِرُ عليه إلَّا هو، فمَن عرَفَ سرًّا فيه بغيٌ وظُلْمٌ وعُدْوان على الناسِ في أنفُسهم أو أموالِهم أو أعراضِهم أو دِينِهم، تعيَّنَ عليه دفعُهُ بإفشاءِ ما يَعلَمُ إلى مَن يستطيعُ الاحترازَ مِن ظُلْمِ الظالم وبَغْي الباغي.
стр. 1924
وقولُه تعالى على لسانِ الرجُلِ: ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ دليلٌ على أنَّ فِعلَه بِرٌّ واحسانٌ ونصحٌ، لا خيانةٌ للأمانةِ.
* * *
* قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣].
لمَّا جاء موسى إلى مَدْيَنَ، ورَدَ موضعَ ماءٍ يجتمعُ الناسُ عليه لِيَسْقُوا، وقد هيَّأَ اللَّهُ لموسى خروجَ المرأتينِ ليكونَ بدايةً لصلاحِ أمرِهِ وأمانِه.
قولُه تعالى: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾: قال: ﴿مِنْ دُونِهِمُ﴾؛ أي: ليستَا معهم؛ للدَّلَالةِ على أنَّ المرأةَ لا تَختلِط بمَجامِعِ الرِّجالِ، بل تَعتزِلُهم، فقد كانتَا تَذُودَانِ؛ قال ابنُ عبَّاسٍ: "يعني لذلك حابستَيْنِ غَنَهما" (١)، وقال أبو مالكٍ: "تَحبِسانِ غنَمَهما حتى يفرُغَ الناسُ وتَخْلُوَ لهما البئرُ" (٢).
ويظهَرُ هذا في قولِهما: ﴿لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾، وفي هذا استحبابُ عَرضِ قضاءِ حاجةِ المرأةِ عندَ ظهورِ تعطيلِها؛ لأنَّهُنَّ غالبًا يَمنعُهُنَّ حياؤُهُنَّ عن طلبِ مُسَاعدةِ الرِّجالِ.
وقولُهما: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ دليلٌ على ما سبَقَ؛ ففيه بيانُ عُذرِهما بحضورِهما إلى هذا الموضعِ مِن مواضعِ الرجالِ، ويُرِدْنَ بذلك
стр. 1925
بيانَ أنَّ أباهُما كان يقومُ بذلك، ولكنْ لمَّا كَبِرَ، لم تَجِدَا بُدًّا مِن الإتيانِ إلى هذا الموضع، وقد تقدَّم الكلامُ على حُكْمِ اختلاطِ المرأةِ بالرجالِ، وبيانِ أحوالِهِ وأَنواعِه، في مواضعَ مضَتْ؛ منها عندَ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقولِه تعالى: ﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١]، وقولِه: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]، وقولِه تعالى في هود: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [٧١]، وقولِه في طه: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [١٠]، ويأتي الإشارةُ إلى ذلك في قولِه: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [الحجرات: ١١]، وقد بَيَّنْتُ ذلك مفصَّلًا في كتابِ: "الاختلاطُ: تحريرٌ، وتقريرٌ، وتعقبٌ".
وفي قوله تعالى: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ وجوب قيامِ الرَّجُلِ بالكسب ومَؤُونَةِ أهلِه، زوجًا كان أو أبًا، أو أخًا أو ابنًا؛ وذلك لِما جعَلَ اللَّهُ فيهم مِن خَصِيصةٍ وقوَامةٍ؛ فاللَّهُ فَضَّلَهُمْ لأجلِ أشياءَ، منها كَسْبُهم ونفقتُهم على أهلِيهِم ومَنْ يَلُونَ مِن النساءِ ومَن لا يَملِكُ قوةً وكفايةً، فبناتُ صاحبِ مَدْيَنَ اعتذَرْنَ عن أبيهِنَّ، وذلك لأنَّ السؤالَ قام في ذهنِ موسى وغيرِه، فأَجَبْنَ مع أنَّه لم يَسْأَلهُنَّ، لأنَّ المَقامَ ليس مَقامَهُنَّ؛ بل مَقامُ وَليِّهِنَّ.
وقد بيَّنَّا ذلك عندَ قولِه تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]، وقولِه تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥]، وقولِه تعالى لآدمَ وحَوَّاءَ: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧]؛ أي: تَخْرُجانِ جميعًا والشقاء لآدمَ؛ لأنَّه مكفيٌّ في الجنةِ مِن الضَّرْب في الأرضِ والعملِ والتكسُّبِ، وأمَّا في الدُّنيا، فسيَشْقَى وحدَه، ومَحَلُّ حَوَّاءَ في
стр. 1926
قَرَارِها، واللَّهُ أمَر الرِّجالَ ولم يَنْهَ النِّسَاءَ عن التكسُّبِ إنِ احتَجْنَ إليه مِن غيرِ تبرُّجٍ ولا اختلاطٍ بالرِّجالِ الأجانبِ.
* * *
* قال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦].
فيه: جوازُ اتِّخاذِ الخادمِ، وعملُ الرفيعِ جمع مَنْ هو دُونَهُ أو مِثلُهُ في الفضلِ، ومشاورةُ البنتِ لأبيها، وقَبُولُ رأيِها.
وفي هذه الآيةِ: دليلٌ على صحةِ الإجارةِ في الشريعةِ، وهذا محلُّ اتِّفاقِ عندَ الجميعِ، وقد تقدَّم الكلامُ على الفَرقِ ينَ الإِجَارةِ والجِعَالةِ عندَ قوله تعالى في سورةِ يُوسُفَ: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [٧٢].
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ بيانٌ لأركانِ وشروطِ مَن يصلُحُ للأمانةِ والوِلَايةِ على الأموالِ، وقد تقدَّمَ هذا عندَ قولِه تعالى في سورةِ يوسُفَ: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [٥٥].
وتتضمَّنُ الآيةُ ما تقدَّمَ مِن إيجابِ الكسبِ على الرجالِ، وأنَّ الرجُلَ إنْ عَجَزَ عن الكسب لبَناتِهِ وقدَرَ على استئجارِ مَن يَكْفِيهِنَّ المؤونةَ، وجَبَ عليه، ما لمَ يكن فقيرًا أو لم يَجِدْ مَن يأتمِنُهُ على أهلِه، فيُعذَرُ؛ لأنَّ استئجارَ صاحبِ مَدْيَنَ لموسى: يَكفي بناتِهِ مِن الخروجِ إلى مواضعَ يَلْزَمُ منها خِلْطَةٌ بالرِّجَالِ كوُرُودِ الماءِ وشِبْهِه، وطلبُ بناتِ صاحبِ مَدْيَنَ جَرى على الفِظرةِ الصحيحةِ التي فُطِرَ عليها البشرُ.
ولمَّا استأجَرَهُ صاحبُ مَدْيَنَ مع ما رأى فيه مِن ديانةٍ وأمانةٍ، عرَضَ عليه الزواجَ مِن إحدى بناتِهِ مقابِلَ عملِهِ معه ثمانيَ سنينَ مَهرًا لها؛ حتى
стр. 1927
لا يدومَ بقاءُ غيرِ مَحْرَمٍ في البيتِ وليس فيه إلَّا نساءٌ وأَبُوهُنَّ شيخٌ كبيرٌ، كما ظهَر ذلك في الآيةِ بعدَه، وهذا جريًا على الفِطْرةِ، لا تغليبًا للتُّهَمَةِ؛ فإنَّ التزامَ الشرعِ في الحجابِ وغضِّ الطَّرْفِ وتحريمِ الخَلْوةِ والاختلاطِ مع قرارٍ: عامٌّ لجميعِ المكلَّفين؛ لا مقامَ فيه لتمييزِ الصالحينَ عن غيرِهم.
* * *
* قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧].
لمَّا رأى صاحبُ مَدْيَنَ مِن موسى أمانَتَهُ وصيانتَهُ لعِرْضِهِ وهو غريبٌ، لَمَسَ منه الوِلَايةَ والدِّيَانةَ، فعرَضَ عليه الزواجَ مِن ابنتِه.
عَرْضُ البناتِ لتزويجِهِنَّ:
وفي قوله تعالى: ﴿أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ استحبابُ عَرْضِ البناتِ والأخواتِ على الأزواجِ الأكفَاءِ، وذلك لا يَعِيب الرجلَ ولا ابنتَهُ، وقد عرَضَ عمرُ بنُ الخطَّابِ حَفْصةَ على بعضِ خِيارِ الصحابةِ كأبي بكرٍ وعثمانَ؛ كما أخرَجَ الإمامُ البخاريُّ في بابِ (عَرْضِ الإنسانِ ابنتهُ أو أختَهُ على أهلِ الخيرِ): "أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ حِينَ تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنْ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَة السَّهْمِيِّ، وَكَانَ مِن أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَتُوُفيَ بِالمَدِينَةِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، فَعرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ، فَقَالَ: سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي، فَلَبَثْتُ لَيَالِيَ ثُمَّ لَقِيَنِي، فَقَالَ: قَدْ بَدَا لِى أَلَّا أتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا، قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ زَوَّجْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، فَصَمَتَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمْ يَرْجِع إِلَيَّ شَيْئًا، وَكُنْتُ أَوْجَدَ عَلَيهِ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ، فَلَبِثتُ لَيَالِيَ، ثُمَّ خَطَبَهَا