عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي)؛ وهذا لأنَّه تحريمٌ لِمَا أحَلَّ اللَّهُ، وإلحاقٌ له بما حرَّمَهُ اللَّهُ تحريمًا مغلَّظًا أبديًّا، وفيه تَعَدٍّ على حدودِ اللَّهِ وشريعتِه؛ ولذا قال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾، وبيَّن اللَّهُ أنَّ هذا القولَ لا يَجْعَلُ مِن زوجاتِهم أُمَّهاتِهم: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾، ولا يَختلِفُ المُسلِمونَ في حُرْمةِ الظِّهَارِ لأجلِ ذلك؛ فقد سمَّاهُ اللَّه مُنكَرًا وزورًا، وهو شِدَّةً الكذبِ.
وكان الجاهليُّونَ يُفارِقونَ نساءَهم بعباراتٍ متعدِّدةِ، منها الظِّهارُ، فيَجْعلونَها فِراقًا مغلَّظًا، فنَهى اللَّهُ عن ذلك، وأثبَتَ المُفارَقةَ بالطلاقِ بحدودِه.
ألفاظُ الظِّهارِ المُتَّفَقُ والمُختلَفُ فيها:
لا يَختلِفُ السلَفُ والخلَفُ على أنَّ قولَ الزوجِ لزوجِه: (أنتِ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي)؛ أنَّه ظِهارٌ، ولكنَّهم يَختلِفونَ فيمَن ذكَرَ شيئًا غيرَ ظَهْرِ أُمِّهِ كبَطْنِها وفَرْجِها، والذي عليه الجماهيرُ: أنَّه ظِهارٌ، وهو قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ، وللشافعيِّ قولٌ: أنَّه ليس بظِهارٍ، وجاء عن أبي حنيفةَ: أنَّه يكون ظِهَارًا في كلِّ عضوٍ مِن أُمِّه يحرُمُ نظرُهُ إليه، ومرادُهُ أنَّه إنْ قال لزوجتِه: أنتِ عليَّ كيَدِ أُمِّي ووَجْهِها, فإنَّها لا تحرُمُ؛ لأنَّه لا يحرُمُ عليه النظرُ إلى ذلك مِن أُمِّه.
والأظهَرُ؛ أنَّ ذِكْرَ العضوِ ليس مقصودًا لِذَاتِه؛ وإنَّما إنْ لم يذكُرْ عضوًا مِن أُمِّه وحرَّمَها كأُمِّه، فهو ظِهارٌ، ولو ذكَرَ لِباسَ أُمِّه الذي لا يَظهَرُ إلَّا لزوجِها، وقصَدَ به حُرْمةَ النِّكاحِ، فهو ظِهار، والشريعةُ جاءتْ على ذِكْرِ قولٍ عندَ العربِ، والغايةُ مِن التحريمِ: عدمُ مشابَهةِ الزوجةِ لحُرْمةِ الأُمِّ، والأُمُّ أغلَظُ المحرَّماتِ على الرجُلِ؛ فكلُّ ما دَلَّ على هذا المعنى وقُصِدَ به تحريمُ الزوجةِ كتحريم الأُمِّ، فهو ظِهارٌ.
стр. 2106
واختلَفُوا فيما إذا جعلَ زوجتَهُ كأُختِه، فقال: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أُختي أو عمَّتي أو خالتي، وغيرِها مِن المَحَارِمِ.
والذي عليه جمهورُ العلماءِ؛ أنَّ ذلك كلَّه ظِهارٌ؛ وهو الصوابُ؛ لأنَّ الشريعةَ إنَّما حرَّمَتِ الظِّهارَ الملفوظَ في زمانِهم لِعلَّتِه، لا لمجرَّدِ ألفاظِه؛ فلا فرقَ بين ظَهْرِ الأمِّ وبطنِها؛ بل لو قال: فَرْجُها، لكان أغلَظَ مِن بطنِها، لأنَّ العلةَ فيه أظهَرُ وأصرَحُ، وكذلك أيضًا فالعلةُ في جميعِ المَحَارِمِ سواءٌ كانتِ ابنتهُ أو أختَهُ أو عمَّتَهُ أو خالتَهُ.
ولا يصحُّ مُظاهَرةُ المرأةِ لزوجِها، كأنْ تقولَ: (أنتَ عليَّ كأبي وأخي)؛ باتِّفاقِ الأئمَّةِ الأربعةِ؛ لأنَّ الظِّهارَ يُرادُ منه المفارَقةُ والطلاقُ، والعصمةُ بيدِ الرجُلِ لا بيدِ المرأةِ.
وليس في مُظاهَرتِها كفارة ظِهارٍ ولا يمينٍ، على الصحيحِ.
ومِن العلماءِ: مَن جعَلَ ظِهارَها مِن زوجِها يمينًا عليها يجبُ عليها فيها الكفارةُ، وقد أوجبَ الكفارةَ عليها كفارةَ يمينٍ: الأوزاعيُّ (١).
كفارةُ الظِّهارِ:
قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾: في العَودِ المذكورِ في الآيةِ خلافٌ عندَ السلفِ ومَنْ بعدَهم مِن الفقهاءِ، على أقوالٍ:
منهم مَن قال: إنَّ المرادَ بالعَوْدِ هو العودةُ إلى المُظاهَرةِ بعدَ تحريمِها، فحمَلُوا العَوْدَ على الظِّهارِ؛ وهذا رُوِيَ عن مجاهِدٍ (٢) وطاوسٍ (٣)، وروايةٌ عن أبي حنيفةَ، ولازمُ هذا القولِ: أنَّ كفارةَ الظِّهارِ تجبُ بمجرَّدِ المُظاهَرةِ ولو رَغِبَ الزوجُ في مُفارَقةِ زوجِته بلا رجعةٍ.
стр. 2107
ومنهم مَن قال: إنَّ العَودَ هو تَكْرارُ الظِّهارِ أكثَرَ مِن مرةٍ، فجعَلُوا التَّكْرارَ عَوْدًا؛ وهذا قولُ داودَ (١)؛ وفيه نظرٌ؛ لأنَّ التَّكرارَ إنَّما هو تأكيدٌ لا عَوْدٌ.
ومنهم مَن قال: إنَّ المرادَ بالعَوْدِ هو العودةُ إلى الزوجةِ والرغبةُ في إبقائِها في عِصْمَتِهِ وعدمِ مُفارَقتِها؛ وهذا الأرجحُ، وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ، وبه قال جماعةٌ مِن السلفِ؛ كأبي العاليةِ وسعيدِ بنِ جُبَيْرِ والحسنِ وقتادةَ (٢)، ولازمُهُ: أنَّ الزوجَ إنْ ظاهَرَ وأَمضى ظِهَارَهُ وفارَقَها، فلا شيءَ عليه.
ولكنَّ منهم: مَن قيَّد العَودَ بالوطءِ كمالكٍ، ومنهم: مَن وسَّعَهُ وجعَلَهُ إرادةَ الوطءِ والإبقاءَ بالعِصْمةِ ولو مِن غيرِ وطءٍ، والأخيرُ أظهَرُ؛ وهو قولٌ لأبي حنيفةَ وأحمدَ، وظاهرُ كلامِ الشافعيِّ.
وأمَّا الظِّهارُ المؤقَّتُ؛ كأنْ يقولَ: أنتِ عليَّ كأُمِّي شهرًا كاملًا، فيُعتبَرُ فيه التوقيتُ في قولِ جمهورِ العلماءِ؛ فمَن فارَقَ زوجتَهُ مدةَ توقيتِه، فظِهارُهُ يَنتهي بتوقيتِهِ، وتسقُطُ عنه الكفارةُ؛ وهو مذهب الحنفيَّةِ والحنابلةِ والشافعيةِ في القولِ الأظهَرِ، ولا يكونُ المُظاهِرُ عائدًا إلَّا بالوطءِ في المُدَّةِ.
وذهَبَ المالكيَّةُ وبعضُ الشافعيَّةِ في غيرِ الأظهَرِ: إلى أنَّ الظِّهارَ لا يصحُّ فيه التوقيتُ، فإنْ قيَّدَهُ بوقتٍ، تأبَّدَ كالطلاقِ، ويَصيرُ مظاهِرًا أبدًا؛ لوجود سببِ الكفارةِ.
ومنهم: مَن جعَلَ الظِّهارَ المؤقَّتَ لَغْوًا، فلم يُرتِّبْ عليه شيئًا، وهو قولٌ لبعضِ الشافعيَّةِ؛ وفيه نظرٌ.
стр. 2108
وحُمِلَتِ اللامُ في قولِه: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ على معنى (في)؛ وذلك نحوُ قولهِ تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]؛ يعني: "فيه"، وقوله: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]؛ يعني: في وقتها.
وكفارةُ الظِّهارِ كما في الآيةِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾، والكفارةُ على الترتيبِ المذكورِ بلا خلافٍ.
ولا يجوزُ له قُرْبُ زوجتِهِ بجِمَاعٍ قبلَ تكفيرِه؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، وصحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّ المَسَّ الجِمَاعُ (١)، وبه قال عطاءٌ والزُّهريُّ وقتادةُ ومُقاتِلُ بن حَيَّانَ (٢)، وهو قولُ أحمدَ والشافعيِّ.
وذهبَ جمهورُ العلماءِ: إلى أنَّ المسَّ هو المباشَرةُ ولو دُونَ الفَرْجِ، وهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ والشافعيِّ في قولٍ له، وقد قال الزُّهْريُّ: "ليس له أنْ يُقبِّلَها ولا يَمَسَّها حتى يُكفِّرَ" (٣).
وقد جعَلَ مالكٌ النظرَ إلها بتلذُّذٍ في حُكْمِ المسِّ.
ومَن مَسَّ امرأتَهُ بعدَ ظِهارهِ منها وقَبلَ كفَّارته، فلا يُسقِطُ مسُّهُ وجوبَ الكفارةِ عليه، وهو بفعلِهِ ذلك آثِمٌ يجب عليه التوبةُ، وقد رَوَى أهلُ السُّننِ؛ مِن حديثِ عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ أنَّ رجلًا قال: يا رَسولَ اللَّهِ، إِنِّي ظَاهَرتُ مِنِ امْرَأَتِي، فَوَقَعْتُ قَبلَ أَنْ أَكَفِّرَ؟ قَالَ: (وَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ )، قَالَ: رَأَيْتُ خَلخَالَهَا فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ,
стр. 2109
فَقَالَ: (لَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَ اللَّهُ (١).
والصوابُ إرسالُهُ عن عِكْرِمةَ (٢).
وذهَبَ بعضُهم: إلى أنَّ على مَنْ مَسَّ قبلَ الكفارةِ كفارتَيْنِ.
والصحيحُ: أنَّ عليه كفَّارةً واحدةً؛ وهو قولُ الأئمَّةِ الأربعةِ، وقد روَى سليمانُ بنُ يَسَارٍ، عن سلَمةَ بنِ صَخْرٍ البَياضِيِّ، عن النبيِّ ﷺ ؛ فِي المُظَاهِرِ يوَاقِعُ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ، قَالَ: (كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) (٣).
* * *
* قال اللَّهُ تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ٨ - ١٠].
كان اليهودُ إن مَرَّ بهم مسلِمٌ تناجَوْا؛ حتى يظُنَّ المسلِمُ أنَّهم يَقصِدُونَهُ ويَأتمِرونَ عليه لِيَحْزَنَ ويَخشى، وقد كانوا يُحَيُّونَ رسولَ اللَّهِ ﷺ بغيرِ تحيَّةِ الإسلامِ، فيقولونَ: (السَّامُ عليكَ)؛ ليُوهِمُوهُ بأنَّهم يُسلِّمونَ عليه، وهم يدْعُونَ عليه بالموتِ.
وفي "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ عائشةَ ﵂؛ أنَّ اليَهُودَ دَخَلُوا عَلَى
стр. 2110
النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، فَلَعَنتهُم، فَقَالَ: (مَا لَكِ؟ )، قُلتُ: أَوَ لَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ ! قَالَ: (فَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ؟ ! ) (١).
وقد وجَّه اللَّهُ الخِطَابَ بعدَ ذلك للمؤمنينَ محذِّرًا مِن مشابَهةِ اليهودِ بالتَّناجِي على طريقتِهم، بما يُوغِرُ الصدورَ ويُوقِعُ البَغْضاءَ؛ فلا يجوزُ أن يتناجَى أحدٌ مع أحدٍ بقصدِ إحزانِ أحدِ الحاضِرِينَ ولو لم يكنْ مقصودًا بذلك؛ فما دام أنَّه يَظُن أنَّه المرادُ، فلا يجوز التناجِي أمامَهُ ولو كان في المَجلِسِ غيرُه؛ وذلك لظاهرِ الآيةِ.
أنواعُ النَّجوَى المنهيِّ عنها:
وقد نَهى اللَّهُ ونبيُّه عن النَّجْوَى والمُسَارَّةِ في الحديثِ في حالاتٍ ثلاثٍ:
الحالةُ الأُولى: التناجِي بالإثمِ والعُدْوانِ، والغِيبةِ والنميمةِ، والمَكْرِ والخديعةِ، فهذه مع كونِها محرَّمةً في ذاتِها إلا أنّه خُصَّ النهيُ عن التناجِي بها؛ لأنَّ الإسرارَ بالشرِّ يُنمِّيهِ ويجسِّرُ النفوسَ على المزيدِ منه وفعلِه، ولا يجدُ فاعلُهُ مُنكِرًا عليه؛ لأنَّ الناسَ لا يَرَوْنَهُ، ولو قُصِدَ أحدٌ بسُوءٍ بتلك النجوى، لم يَحتَطْ لنفسِه مِن شرِّهم، وأمَّا الجهرُ به، فمع كونه محرَّمًا إلَّا أنَّ فاعلَهُ يجدُ مُنكِرًا يُنكِرُ عليه لو سَمِعَهُ، والنَّفْسُ تَنفِرُ مِن المُجاهَرةِ بالسُّوءِ بطَبْعِها، والمُنكَرُ المُعلَنُ لا يدومُ؛ لأنَّ الفِطْرةَ والناسَ يُقاوِمونَهُ ويَدفَعونَه، بخلافِ المُنكَرِ الذي يَستتِرُ به، فيَدومُ وتتوطَّنُ عليه النَّفْسُ؛ ولهذا تَبدَأُ الشرورُ سِرًّا في الناسِ حتى يَتطبَّعوا عليها، ثمَّ يُعلِنونَ بها، فالسِّرُّ أصلُ كلِّ شرٍّ.
الحالةُ الثانيةُ: التناجِي لإحزانِ أحدٍ أو جماعةٍ مِن المؤمِنِينَ،
стр. 2111
وذلك بإظهارِ التآمُرِ عليهم، وقصدِ عَيْبِهم وغِيبتَهم؛ فهذا محرَّمٌ ولو كان المتناجُونَ في جَمْعِ مِن الناسِ، ما دام قصدُهم هذا، وما دام يُفهَمُ منهم ذلك، ومِن الناسِ مَن يُناجِي صاحِبَهُ وليس لدَيْهِ قول سوءٍ؛ وإنَّما لِيُشعِرَ مَن يَكرَهُهُ أنَّه يطعُنُ يه عندَ أخيهِ، وهذا محرَّمٌ، ومِن النجوى المنهيِّ عنها.
الحالةُ الثالثة: أن يَتناجَى اثنانِ عندَ وجودِ الثالثِ ولو لم يكنْ مقصودًا بالنجوى، وقد ثبَتَ في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ ابنِ عمرَ؛ أن النبيَّ ﷺ قال: (إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً، فلا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دونَ الآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُحْزِنَهُ) (١).
وإذا كثر الناسُ، فالأمرُ أخَفُّ، ما لم يكنِ القصدُ معروفًا عندَ واحدٍ مهم، فيَغلبُ على ظنِّه أنَّه المَعْنيُّ بالنجوى، وقد رَوَى ابنُ حِبَّانَ، عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عمرَ؛ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهِمَا، فَإنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ)، قَالَ أبو صَالِحٍ: فَقُلْتُ لِابنِ عُمَرَ: فَأرْبَعَةٌ؟ قَالَ: لا يَضُرُّكَ (٢).
وقد رَوى مالكٌ في "موطَّئِه"، عن عبدِ اللَّهِ بنِ دِينارٍ؛ قال: كُنْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ عِنْدَ دَارِ خَالِدِ بنِ عُقْبَةَ الَّتِي بِالسُّوقِ، فَجَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ ينَاجِيَهُ، فَدَعَا عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُ الرَّجُل الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُنَاجِيَهُ، فَدَعَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ رَجلًا آخَرَ حَتَّى كُنَّا أَرْبَعَةً، فَقَالَ لِي وَللرَّجُلِ الَّذِي دَعَاهُ: اسْتَأْخِرَا شَيئًا! فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ؛ (لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ) (٣).
стр. 2112
ويدخُلُ في حُكْمِ النجوى حديثُ الإنسانِ بلُغَةٍ لا يَفهَمُها إلَّا هو ومن يتحدَّثُ معه عندَ مَن يَسمَعُها ولا يَفهَمُ المرادَ، ويَعلَمُ تكلُّفَهُمْ بقصدِ عدمِ إفهامِه ما يقولونَ؛ كمَن يتكلَّمُ بالفارسيَّةِ والإنجليزيَّةِ عندَ مَن لا يَعرِفُ إلَّا العربيَّةَ، وهم يَعرِفونَ جميعًا الكلامَ بالعربيَّةِ مِثلَه؛ ولكنَّهم تَكلَّفُوا تَرْكَها، لعدمِ فهمِهِ لمرادِهم.
* * *
* قال اللَّهُ تعالى؛ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ [المجادلة: ١١].
هذه الآية في آدابِ المَجالِس، وفيها حثٌّ على حِفْظِ حقِّ الداخِلينَ بالجلوسِ، وفضلُ التوسعةِ لهم وإيوائِهم؛ ففي ذلك من المودَّةِ والمحَبَّةِ والرحمةِ ما يُؤلَّفُ به بين القلوبِ، وعلى هذا كان يَحرِصُ السلفُ، وقد قال سعيدُ بنُ العاصِ: "لجليسي عليَّ ثلاثُ خِصالٍ: إذا دَنَا رَحَّبْتُ به، وإذا جلَسَ وَسَّعْتُ له، وإذا حدَّث أَقْبَلْتُ عليه" (١).
ما يُستحَبُّ للداخِلِ إلى المَجالِسِ:
ويُستحَبُّ للداخِلِ أحكامٌ؛ منها: الاستئذانُ، وبَذْلُ السلامِ، على ما تقدَّم في سُورةِ النورِ وغيرِها، ومنها: أن يَجلِسَ حيثُ يَنتْهي به المَجلسُ، وهكذا كان يَفْعَلُ النَّبيُّ ﷺ وأصحابُهُ؛ فقد رَوَى أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ وغيرُهُم عن جابرِ بنِ سَمرَةَ؛ قال: "كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ ، جَلَسَ أَحَدُنَا حَيْثُ يَنْتَهِي" (٢).
стр. 2113
وقد رَوَى الطبرانيُّ؛ مِن حديثِ شَيْبةَ بنِ عثمانَ مرفوعًا، قال: (إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى المَجْلِسِ، فَإِنْ وُسِّعَ لَهُ، فَلْيَجْلِسْ؛ وَإِلا فَلينظرْ إِلَى أَوْسَعِ مَكَانٍ يَرَى، فَلْيَجْلِسْ) (١).
ولا يقومُ بالتفريقِ بينَ اثنَيْنِ ليَجلِسَ بينَهما؛ فقد يكونُ بينَهما حديثٌ أو مودَّةٌ أو مصلحةٌ، فيَقطَعُ ذلك؛ فيَحمِلانِ في نَفْسَيْهما عليه! ففي "المسنَدِ"، و"السُّننِ"؛ من حديثِ عمرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيهِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: (لَا يَحِلُّ لِرَجلٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ إلَّا بإذْنِهِمَا) (٢).
ويُستحَبُّ للداخِلِ: ألَّا يُضيِّقَ على جالسٍ فيُزاحِمَهُ وفي المكانِ سَعةٌ، ولا أن يَجلِسَ في مَجلِسِ مَنْ قام عنه ليَجلِس مكانَه! فربَّما قام حياءً فيَجلِسُ مكانَه كِبْرًا، ما لم يَتيقَّنْ أنَّه يَفرَحُ بإجابةِ دَعْوَتِهِ لمكانِه؛ لأنَّه يُحِبُّ إكرامَهُ ويدخُلُ السرورُ عليه بذلك، ورَوَى أحمدُ وأبو داود، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي عَمْرَةَ الأنصاريِّ؛ قال: أُخبِرَ أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ بِحِنَازةٍ، فَعَادَ تَخَلَّفَ حَتَّى إِذَا أَخَذَ النَّاسُ مَجَالِسَهُمْ، ثمَّ جَاءَ، فَلَمَّا رَآهُ الْقَوْمُ، تَشَذَّبُوا عَنْهُ، فَقَامَ بَعضُهمْ لِيَجْلِسَ فِي مَجْلِسِهِ، فَقَالَ: لَا؛ إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ خَيْرَ المَجَالِسِ أَوْسَعُهَا)، ثُمَّ تَنَحَّى وَجَلَس فِي مَجلسٍ وَاسِعٍ (٣).
وأمَّا إقامةُ أحدٍ للجلوسِ مكانَهُ، فهذا لا يجوزُ بصريح السُّنَّة؛ فقد صحَّ عن ابنِ عمرَ؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: (لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَقْعَدِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ؛ وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا) (٤).
وإنْ قام مِن مَجلسِه قريبًا، فعاد إليه، فهو أحَقُّ به، ما لم يكنْ ذلك من المَجالسِ العامَّةِ والمَرَافِقِ والمَيَادِينِ، التي لا يتوطَّنُ الإنسانُ فيها
стр. 2114
موضعًا خاصًّا، وقد رَوَى مسلمٌ، عن أبي هريرةَ؛ أنَّ رسولَ اللَّهِ قَالَ: (إِذَا قَامَ أحَدُكُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) (١).
ومِن السلفِ: مَن حمَلَ الآيةَ على صفوفِ الجهادِ ومَجالسِها، فحمَلَ التفسُّحَ على النَّفيرِ في قولِه: ﴿تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾، ويُروى هذا عن ابنِ عبَّاسٍ وغيرِه (٢).
وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾؛ يعني؛ الإجابةَ لكلِّ داعٍ يدعو إلى خيرٍ وهدًى، فيجبُ أن يُجابَ.
* * *
* قال اللَّهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة: ١٢ - ١٣].
لمَّا أكثَرَ الناسُ المسائِلَ على رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وأثقلُوا عليه في الجليلِ والدقيقِ، أراد اللَّه أن يُخفِّفَ عن نبيِّه ﷺ ذلك، فأمَر مَنْ أراد أن يَسألَ نبيَّه أن يُقدِّمَ بينَ يَدَيْ نَجْوَاهُ صدقةً لفقراءِ المُسلِمِينَ يُنفِقُها رسولُ اللَّهِ ﷺ عليهم؛ لأنَّه لا تَحِلُّ له الصدقةُ ولا لآلِه، ولم تُقدَّرِ الصدقةُ بقَدْرٍ معيَّنٍ؛ وإنَّما بما يَقدِرُ عليه السائلُ ثمَّ لمَّا شَقَّ عليهم ذلك، نسَخَهُ اللَّه بقولِه: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾، وقد تحقَّقَ المراد بنزولِ هذه الآيةِ ولو نُسِخَتْ، فأدرَكَ الناسُ إثقالَهُمْ على رسولِ اللَّهِ ﷺ بما أنزَلَ اللَّه في ذلك ونسَخَهُ.
стр. 2115
سورة الحشر
سورةُ الحَشرِ مدَنيَّةٌ، وقد قال ذلك ابنُ عباسٍ وابنُ الزُّبَيْرِ (١)، وقد حكى الإجماعَ على ذلك غيرُ واحدٍ (٢)، وقد أنزَلَها اللَّهُ على نبيِّه لبيانِ بعضِ أحكامِ تعامُلِه مع بعضِ أعدائِهِ! كبني النَّضِيرِ مِن اليهودِ، وما يُفِيءُ اللَّهُ به عليه مِن أموالِهم، وبيَّن اللَّه فيها فضلَ الصحابةِ وخطرَ المُنافِقينَ، وأحوالَ الفريقينِ في الآخرةِ، وقد كان ابنُ عبَّاسٍ يُسمِّيها سورةَ بني النضيرِ (٣)؛ لأنَّها نزَلت فيهم.
* قال اللَّه تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ [الحشر: ٥].
لمَّا دخَلَ النبيُّ ﷺ أرضَ بني النضيرِ، قطَعَ ثمارَهُمْ مِن نخيلٍ وثمرٍ؛ كما في "الصحيحَيْنِ"، عن ابنِ عمرَ؛ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ حَرَّقَ نَخْلَ بِني النَّضيرِ وَقَطَعَ، وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ (٤).
وقيل: إنَّ الصحابةَ اختلَفُوا في إحراقِ نخلِ اليهودِ وإفسادِه، فأنزَلَ اللَّهُ على نبيِّه هذه الآيةَ، وفي "السُّننِ"؛ مِن حديثِ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ،
стр. 2116
عن ابنِ عبَّاسٍ؛ في قولِه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾؛ قال: اسْتَنْزَلُوهُمْ مِنْ حُصُونِهِمْ، وَأُمِرُوا بِقَطْعِ النَّخْلِ، فَحَاكَ فِي صُدُورِهمْ، فَقَالَ المُسْلِمُونَ: قَدْ قَطَعْنَا بَعْضًا، وَتَرَكْنَا بَعْضًا، فَلَنَسْأَلَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : هَلْ لَنَا فِيمَا قَطَعْنَا مِنْ أَجْرٍ، وَهَلْ عَلَيْنَا فِيمَا تَرَكْنَا مِنْ وِزرٍ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه : ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً﴾ (١).
وفي هذا: أنَّ اللَّهَ لم ينكِر على نبيِّه ولا على صحابتِه فِعْلَهم؛ وهذا ظاهرٌ في قوله تعالى: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾، ولم يكنِ اللَّهُ لِيأذَنَ لنبيٍّ بمحرَّمٍ، بل سمَّاه هنا خِزْيًا على المُنافِقينَ، وذُلًّا وصَغَارًا لهم.
وقد اختلَفَ العلماء في جوازِ إتلافِ حَرْثِ العدوِّ المُحَارِبِ ودُورِهم، على قولَيْنِ:
ذهَبَ جماعةٌ: إلى جوازِ ذلك إنْ كان فيه مصلحة للمُسلِمينَ؛ كأنْ يَعلَموا أن هذا المالَ لن يَؤُولَ إلى المُسلِمِينَ ولن يَنتفِعوا منه؛ وبهذا قال أبو حنيفةَ ومالكٌ والشافعيُّ؛ أخذًا مِن ظاهرِ فِعْلِ النبيِّ ﷺ في بَني النضيرِ، ولم يَنهَهُ اللَّهُ ولم يُعاتِبْهُ على ذلك.
وقد أجاز أحمدُ الحَرقَ إذا كان بلا عبثٍ؛ وإنَّما لمصلحةٍ؛ كالمواضعِ التي لا بدَّ منها، وبنحوِهِ قال إسحاقُ؛ فقد جَوَّزَهُ نِكايةً، بل جعَلَهُ سُنَّةً بذلك القَيْدِ.
وذهب الأوزاعيُّ في قولٍ وغيرُهُ: إلى المنعِ مِن ذلك (٢)، وجعَلَ فِعْلَ الناسِ في بَني النَّضيرِ منسوخًا، وأنَّه قضيَّةُ عَيْنٍ نُهِيَ عنها بعدَ ذلك، واستَدَلَّ بما رَوَى مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ؛ أَنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ بَعَثَ
стр. 2117
جُيُوشًا إلَى الشَّامِ، فَخَرَجَ يَمْشِي مَعَ يَزِيدَ بنِ أبي سُفيَانَ، وَكانَ أَمِيرَ رُبُعٍ مِنْ تِلكَ الأَرْبَاعِ، فقال: "إِنِّي مُوصِيكَ بِعَشْرٍ: لا تَقْتَلنَّ امْرَأَةً، ولا صَبِيًّا، ولا كَبيرًا هَرِمًا، ولا تَقْطَعَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا، ولا تُخَربَنَّ عَامِرًا، ولا تَعْقِرَنَّ شَاةً ولا بَعِيرًا إِلا لِمَأْكَلَةٍ، ولا تَحْرِقَنَّ نَخلًا، ولا تُغَرِّقَنَّهُ، ولا تَغْلُلْ، ولا تَجْبُنْ" (١)، وهو مُرسَلٌ، وقد جاء مِن وجهٍ آخَرَ؛ فرواهُ عثمانُ بنُ عطاءٍ، عن أبيهِ، عن أبي بكرٍ؛ وهو مرسَلٌ أيضًا.
وهذا لا يَتعارضُ مع قولِ مَنْ أجازَ؛ لأنَّ مَنْ قال بجوازِ ذلك، لم ينفِ مَنْعَه عندَ تحقُّقِ كونهِ إفسادًا، أو لم يكنِ العدوُّ منتفِعًا مِن الزرعِ، ولا أثَرَ عليه بحَرْقِه، فإنْ كانتِ الحالُ كذلك، فيُقالُ فيه كما قاله أبو بكرٍ.
* * *
* قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٦ - ٧].
صالَحَ النبيُّ ﷺ يهودَ بني النَّضيرِ في قُرَاهم فَدَكَ وما حَوْلَها، فأَعطَوْهُ مالَهُمْ ليَدْفَعوا عن أنفُسِهم القتالَ، فسمَّى اللَّهُ ذلك المالَ فَيْئًا؛ لأنَّ المالَ الذي يغنَمُ مِن العدوِّ بلا قتالٍ فَيْءٌ؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾؛ يعني: أنَّكم لم
стр. 2118
تُسْرِعوا بخَيْلِكم وإِبِلِكم في غزوٍ ولا كَرٍّ ولا فَرٍّ في قتالِ العدوِّ؛ وإنَّما هو نعمة مِن اللَّهِ أنْ مَكَّنَكم منهم بلا قتالٍ.
والفَيْءُ الذي يُغنَمُ بغيرِ قتالٍ قد اختُلِفَ في تقسيمِه:
فمِن العلماءِ: مَن جعلَهُ خالصًا لرسولِ اللَّهِ ﷺ يُقسِّمُهُ كما يشاءُ؛ لأنَّ اللَّهَ ذكَرَ ذلك ولم يُخَمِّسْهُ؛ كما في قولِه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.
ومِن العلماءِ: مَن جعَلَ الفَيْءَ يُقسَّمُ كالغنيمةِ، وأنَّ الآيةَ ذكَرَتِ الخُمُسَ الخاصَّ برسولِ اللَّهِ ﷺ ، وأمَّا الأخماسُ الأربعةُ الباقيةُ، فمسكوتٌ عنها، وتَلحَقُ في حُكْمِها حُكْمَ الغنيمةِ؛ لأنَّ اللَّهَ ذكَرَ ذلك في الغنيمةِ؛ ذكَر خُمُسَ النبيِّ ﷺ ، وسكَتَ عن الباقي للعِلْمِ به؛ كما قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]؛ ولهذا قال الشافعيُّ؛ فجعَل معنى آيةِ الحَشْرِ كمعنى آيةِ الأنفالِ، وذلك أنَّ الفيءَ يُخمَّسُ كالغنيمةِ، وأربعةُ أخماسِها للنبيِّ ﷺ يَتصرَّفُ بها، وبعدَهُ تكونُ للمُقاتِلِين، والخُمُسُ الباقي فيمَن سمَّى اللَّهُ.
وله قولٌ آخَرُ: أنَّ ما كان لرسولِ اللَّهِ ﷺ يكونُ بعدَ وفاتِهِ في بيتِ مالِ المُسلِمِينَ ومَصَالحِهم.
وقد عَدَّ بعضُ السلفِ آيةَ الفيءِ هنا منسوخةً بما في سورةِ الأنفالِ؛ وذلك أن الفيءَ يُخمَّسُ كالغنيمةِ؛ وبهذا قال قتادةُ وغيرُه (١).
والأرجحُ: أنَّ كِلتا الآيتَيْنِ مُحْكَمةٌ، وأنَّ المالَ الذي يُكسَبُ بلا قتالٍ يَختلِفُ عن المالِ الذي يُغنَمُ بقتالٍ، وفرقٌ بين آيةِ الغنيمةِ وآيةِ الفَيْءِ؛ فآيةُ الغنيمةِ بَيَّنَتْ أنَّ للنبيِّ ﷺ الخُمُسَ بقولِهِ تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ
стр. 2119
خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، فبيَّنتْ أنَّ الباقيَ أربعةُ أخماسٍ، وأمَّا آيةُ الفَيءِ هنا، فلم تذكُرْ أنَّ للنبيِّ ﷺ قدْرًا محدودًا: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآيةَ، ثمَّ أكَّدتْ أنَّ الفَيْءَ على الرسولِ لا على غيرِه، بخلافِ آيةِ الغنيمة، فنَسَبَتِ الغُنْمَ للمُسلِمينَ؛ كما في قولِهِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١]، فالغنيمةُ كسَبُوها فاستحَقُّوها، وأمَّا الفيءُ، فلم يَكْسِبوه؛ وإنَّما هو فضلٌ مِن اللَّهِ خالصٌ؛ ويدُلُّ على ذلك: ما رواهُ أحمدُ والشيخانِ، عن عمرَ ﵁؛ قال: "كَانَت أَمْوَالُ بنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مِمَّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ ولا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَالِصَةً، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ مِنْهَا نَفَقَةَ سَنَتِهِ -وَقَالَ مَرَّةً: قُوتَ سَنَتِهِ- وَمَا بَقِيَ جَعَلَهُ فِي الكُرَاعِ وَالسِّلاحِ عُدَّةَ فِي سَبِيل اللَّهِ " (١).
وبهذا قال مالكٌ وأحمدُ وجماعةٌ.
وقد حمَلَ جماعةٌ مِن المفسِّرينَ قولَهُ تعالى في الفَيْءِ هنا: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ على كلِّ ما غُنِمَ بلا قتالٍ؛ كالجِزْيةِ وخَرَاجِ أرضِ المشرِكِين؛ كما نصَّ على هذا مَعْمَرٌ وغيرُه (٢).
* * *
стр. 2120
سورة الممتحنة
سورةُ المُمْتَحَنَةِ سورةٌ مدَنيَّةٌ بلا خلافٍ (١)، وفيها بيَّن اللَّهُ وجوبَ موالاةِ المؤمنينَ ومعاداةِ الكافرينَ، وبيَّن ما تُخْفِيهِ صدورُ الكافِرِينَ والمُنافِقينَ على الإسلامِ وأهلِه، وبيَّن بعضًا مِن أحكام التعامُلِ والصِّلَةِ بينَ المسلِمِ والمنافِقِ والكافِرِ مُحارِبًا ومُسالِمًا، وبعضَ أَحكامِ المُهاجِراتِ وما لَهُنَّ وعلَيْهِنَّ.
* قال اللَّه تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤)﴾ [الممتحنة: ٤].
أمَر اللَّهُ بالتأسِّي بإبراهيمَ وما هو عليه ومَنْ معه مِنْ توحيدٍ وسُنَّةٍ، في تعامُلِهم مع المُشرِكِينَ، وظاهرُ الآيةِ: أنَّ التأسِّيَ بهم في أصولِ الدِّينِ كما هو ظاهرِ السِّياقِ، واتِّباعُ الأنبياءِ في الأُصولِ ممَّا لا خلافَ فيه، وإنَّما الخلافُ في الشرائعِ، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥].
* * *
стр. 2121
* قال اللَّه تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٨ - ٩].
جعَلَ اللَّهُ الكفارَ على نوعَيْنِ: مُحارِبِينَ ومُسالِمِينَ، فلم يَنْهَ اللَّهُ عن صِلةِ المُسالِمِينَ والإحسانِ إليهم، وأنَّ هذا لا يَقتضي مُخالَفةَ أمرِ اللَّهِ بالبراءةِ مِن المشرِكِينَ، وقد ثبَتَ في "المسنَدِ"، و"الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ ﵄؛ قالتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ في عَهْدِ قُرَيْشٍ إذْ عَاهَدُوا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّه، إِنَّ أُمِّي قَدِمَت وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: (نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ) (١).
وهذه الآية في كلِّ مشرِكٍ غبرِ مُحارِبٍ، والسلفُ إنَّما يَختلِفون في سببِ نزولِها والمقصودِ فيها؛ فقد صحَّ عن مجاهدٍ؛ أنَّ المقصودينَ هم الذين آمَنوا بمَكَّةَ ولم يُهاجِروا ولم يُقاتِلوا (٢).
وقال غيرُهُ: إنَّها في غيرِ مُشرِكِي مكةَ ممَّن لم يُعادِ مِن العربِ، وهي في كلِّ مشرِكٍ مسالِمٍ سواءٌ.
وقال ابنُ عبَّاسٍ بنَسْخِ هذه الآيةِ بسورةِ براءةَ (٣)؛ قال تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١]، ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، وبالنَّسْخِ قال عِكْرِمةُ والحسنُ وقتادةُ وابنُ زَيْدٍ وغيرُهم (٤).
стр. 2122
وثبَتَ النَّسْخُ في حالِ النبيِّ ﷺ وأصحابِهِ؛ لمَّا قَوِيَ أمرُهم وكَمُلَ إتيانُ مَن أراد الحقَّ مِن المشرِكِينَ، فآمَنوا ولَحِقوا بالمؤمِنِينَ، ثمَّ أمَرَ اللَّهُ بقتالِ مَن تبقَّى، والحكمُ باقٍ يُعمَلُ به لمَن كانتْ حالُهُ كحالِهم عندَ نزولِ النصِّ الأول، ويُؤخَذُ بالثاني الناسخِ إنْ كانتْ حالُهم كحالِ المُسلِمِينَ حينَها؛ وذلك أنَّ الصحابةَ ما زالوا يَعمَلونهَ بالحُكْمَيْنِ جميعًا لا يَختلِفونَ في جوازِ البِرِّ بالكافِرِ المُسالِمِ وتأليفِه.
وقد ترجَمَ البخاريُّ في كتابِه الصحيحِ على هذه الآيةِ: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ﴾، وذكَرَ فيه أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ أرسَلَ بهديَّةٍ إلى أخيهِ بمَكَّةَ قبلَ أنْ يُسلِمَ؛ كما في البخاريِّ، عن ابنِ عمرَ ﵄؛ قال: رَأَى عُمَرُ حُلَّةً عَلَى رَجُلٍ تُبَاعُ، فقَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : ابْتَعْ هَذِهِ الحُلَّةَ تَلْبَسْهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَإِذَا جَاءَكَ الوَفْدُ، فَقَالَ: (إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذَا مَنْ لا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ)، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا بِحُلَلٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ مِنْهَا بِحُلَّةٍ، فَقَالَ عُمَرُ: كَيْفَ أَلْبَسُهَا وَقَدْ قُلْتَ فِيهَا مَا قُلْتَ؟ قَالَ: (إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا؛ تَبِيعُهَا، أَوْ تَكْسُوهَا)، فَأَرْسَلَ بِهَا عُمَرُ إِلَى أَخٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ (١).
الإحسانُ إلى الكافرِ بالهديَّةِ وقَبولُ شفاعتِه:
والمشرِكونَ في بابِ الإحسانِ إليهم، والهَدِيَّةِ لهم، والنفقةِ عليهم، علي نوعَيْنِ:
النوعُ الأول: مشرِكونَ مُحارِبونَ؛ فالأصلُ: عدمُ جوازِ الإحسانِ إليهم، والإغلاظُ عليهم، والشِّدَّةُ معهم، وعدمُ اللِّينِ في ذلك؛ لعمومِ قولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣، والتحريم: ٩]، وقولِه تعالى: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣].
стр. 2123
ومَن كان مِن الكفارِ شَرُّهُ لا يَندفِعُ لقوَّتِه وسُوئِه، وعجَز المُسلِمونَ عنه إلَّا بتأليفِه بالمالِ، فهذا يجوزُ في المُحارِبِ على الاستثناءِ لا على الأصلِ؛ كما كان النبيُّ ﷺ عزَمَ على إعطاءِ غطَفانَ بعضَ ثمرِ المدينةِ كفايةً لشرِّها، وكما كان يفعلُهُ مع المُنافِقينَ في المدينةِ مع ظهورِ بَغْيِهم وشَرِّهم.
النوعُ الثاني: مشرِكونَ مُسالِمونَ كأهلِ الذِّمَّةِ والعهدِ؛ فالأصلُ جوازُ الإحسانِ إليهم، وقد يُستحَبُّ ويُؤجَرُ عليه فاعلُهُ إنْ قصَدَ خيرًا مِن تأليفِ قلبِهِ وتقريبِهِ مِن الإسلامِ، وقد كان جماعةٌ مِن الصحابةِ يُهْدُونَ بعضَ الكافِرِينَ مِن جيرانٍ ونحوِهم؛ كابنِ عبَّاسٍ، وعبدِ اللَّه بنِ عمرٍو، وعائشةَ، وغيرِهم.
وصحَّ عن عائشةَ ﵂: أنَّ امرأةً يهوديَّةً سأَلَتْها فأَعْطَتْها (١).
وكان النبيُّ ﷺ يَقبَلُ الهديَّةَ منهم ويُجازِيهم عليها، وكان يَقبَلُ مِن بعضِ المُنافِقينَ؛ ككساءِ عبدِ اللَّهِ بنِ أُبَيٍّ للعبَّاس، ومُجازاةِ النبيِّ ﷺ له بعدَ ذلك، وقد ثبَتَ في "الصحيحَيْنِ"، عن أبي حُمَيدٍ الساعديِّ؛ قال: "أَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَسَاهُ بُرْدًا، وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ" (٢)؛ يعني: بَلَدَهم.
وقد أَهْدَى ملكُ كِسْرَى وأُكَيْدِرُ دُومَةِ الجَنْدَلِ للنبيِّ ﷺ ، فقَبِلَ منهما.
وأمَّا الإهداءُ للكافِرِينَ المُسالِمينَ وقَبُولُ ذلك منهم في يومِ عيدِهم الدنيويِّ، فجائزٌ، وأمَّا أعيادُهم التي يتقرَّبونَ بها لغيرِ اللَّهِ، فلا يجوزُ قَبُولُ ما يتقرَّبونَ به لآلهتِهم مِن مذبوحٍ وغيرِه، وما لم يكنْ قُرْبةً فالأظهَرُ جوازُه.
стр. 2124
وقد كان النبيُّ ﷺ يُبيحُ قَبُولَ شفاعةِ الكافرِ المُحارِبِ، كما في "الصحيحِ"؛ أنَّه قال في أُسَارَى بَدْرٍ: (لَوْ كَانَ المُطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى، لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ) (١).
* * *
* قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [الممتحنة: ١٠ - ١١].
لمَّا صالَحَ النبيُّ ﷺ قريشًا في الحُدَيْبيَةِ، وكان مِن شروطِ صُلْحِهِ: أنَّ مَن أسلَمَ مِن قريشٍ، رَدَّهُ إليهم، ومَن ارتَدَّ مِن المُسلِمِينَ أنَّهم لا يَرُدُّونَه، استثنى اللَّهُ بعدَ ذلك على نبيِّه النِّساءَ المُهاجِراتِ أنَّه لا يَحِلُّ له رَجْعُهُنَّ إليهم.
وقد أمَر اللَّهُ نبيَّه أن يَختبِرَ النِّساءَ وصِدْقَهُنَّ في الهجرةِ أنَّهنَّ لم يُهاجِرْنَ لدُنيا وطمعٍ، وتحوُّلًا مِن بلدٍ إلى بلدٍ، ولا بُغْضًا لأزواجِهِنَّ وفرارًا منهم، فكانوا يَستحلفونَهُنَّ على ذلك.
وجعَلَ بعضُ السلفِ الآيةَ مُخصِّصةً للسُّنَّةِ أو ناسخةً لها.
قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾: ذكَر فيها سببَ عَدَمِ رَجْعِهِنَّ: أنَّ اللَّهَ لا يُحِلُّهنَّ لأزواجِهنَّ
стр. 2125
بشِركِهم، وقد تقدَّم الكلامُ على تزويجِ المُسلِمةِ المُشركَ عندَ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١].
إسلامُ الزوجَيْنِ أو أحدِهما:
إذا أسلَمَ الزوجانِ جميعًا في وقتٍ واحدٍ، فيَمْضي نكاحُهما السابقُ بلا خلافٍ، وإنْ تقدَّم أحدُهما الآخَرَ، لكنْ كان إسلامُهما في زمنِ العِدَّةِ، فيَمضي زواجُهما بعقدِهما السابقِ بلا شهودٍ ولا صداقٍ عندَ أكثرِ العلماءِ؛ وهو قولُ الشافعيِّ وأحمدَ والأوزاعيِّ، وذلك لِما رَوَى مالكٌ في "الموطَّأِ": أنَّ زوجةَ صَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ أسلَمَتْ قبلَ زوجِها بنحوِ شهرٍ، ثمَّ أسلَمَ زَوْجُها، فلم يُفرِّقِ النبيُّ ﷺ بينَهما (١).
وقد أسلَمَتْ أمُّ حَكِيمِ بنتُ الحارثِ بنِ هشامٍ، ولم يُسلِمْ زوجُها عِكْرِمةُ بنُ أبي جهلٍ، ثمَّ أسلَمَ بعدُ، فرَدَّهما النبيُّ ﷺ ، ولم يُذكَرْ عقدٌ (٢).
ولم يكنِ النبيُّ ﷺ ولا أصحابُهُ يَطْلُبونَ ممَّن يدخُلُ الإسلامَ مِن الأزواجِ تجديدَ عَقْدِهما مع إسلامِهما، وإنْ أسلَمَ أحدُهما، وبَقِيَ الآخَرُ مشرِكًا، فهما أجنبيَّانِ عن بعضِهما؛ لا يَحِلُّ استمتاعُ بعضِهما ببعضٍ، إلَّا إنْ أسلَمَ الزوجُ وبقِيَتِ الزوجةُ كتابيَّةً أو نصرانيَّةً، فيَبقى الزواجُ صحيحًا؛ لصحةِ زواجِ المسلمِ مِن الكتابيَّة خاصَّةً.
وقد اختلَفَ العلماءُ في اشتراطِ العَقْدِ الجديدِ لعودةِ أحدِ الزوجَيْنِ إلى الآخَرِ بعدَ انقضاءِ العِدَّةِ على تأخُّرِ إسلامٍ، على أقوالٍ عِدَّةٍ، أَشهرُها:
الأولُ -وهو قولُ أكثرِ الفقهاءِ-: أنَّها إنِ انتهَتْ، خرَجَتْ مِن
стр. 2126
عِصْمَتِه، ويُشتَرطُ أن يكونَ ذلك في زمنِ عِدَّتِها؛ فإنَّ للمُسلِمةِ مِن الزوجِ الكافرِ عِدَّةً كعِدَّةِ المطلَّقةِ، فالمطلَّقةُ تَبْدَأُ عِدَّتُها مِن طلاقِ زوجِها، والزوجةُ تَبدأُ عِدَّتُها بإسلامِها.
الثاني: ذهَبَ بعضُ الأئمَّةِ: إلى أنَّ إسلامَ أحدِ الزوجَيْنِ وتأخُّرَ الآخَرِ لا يَلزَمُ معه عودتُهما بعقدٍ جديدٍ مهما طالتِ المُدَّةُ، ما لم تتزوَّجِ المرأةُ بعدَ زوجِها ثمَّ تُطلَّقْ، وقد رَجَعَ النبيُّ ﷺ ابنتَهُ زينبَ إلى زوجِها أبي العاصِ بنِ الربيعِ بنكاحِها الأولِ (١)، وبينَ إسلامِهما سِنُونَ؛ فقد تَبِعَها بإسلامِهِ سنةَ ثمانٍ.
واحتَجَّ به أحمدُ؛ قيل له: أليس يُروى أنَّه ردَّها بنكاحٍ مستأنَفٍ؟ قال: ليس له أصلٌ (٢).
ويكثُرُ في الصدرِ الأولِ إسلامُ أحدِ الزوجَيْنِ وتأخُّرُ الآخَرِ، ولم يثبُتْ أنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ بعقدٍ جديدٍ.
وأمَّا ما رواهُ عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه مرفوعًا: (أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ ابْنَتَهُ عَلَى أَبِي العَاصِ بِمَهْرٍ جَدِيدٍ ونِكَاحٍ جَدِيدٍ)، فقد أعَلَّه أحمدُ والبخاريُّ والترمذيُّ (٣).
وقد صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ النكاحَ باقٍ ما لم تتزوَّجْ بعدَ انقضاءِ عِدَّتِها؛ كما روى البخاريُّ، عن ابنِ عبَّاسٍ؛ قال: كَانَ المُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَالمُؤْمِنِينَ: كَانُوا مُشْرِكِي أَهْلِ حَرْبٍ؛ يُقَاتِلُهُمْ وَيُقَاتِلُونَهُ، وَمُشْرِكِي أَهْلِ عَهْدٍ؛ لا يُقَاتِلُهُمْ ولا يُقَاتِلُونَهُ، وَكَانَ إِذَا هَاجَرَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الحَرْبِ، لَمْ تُخْطَبْ حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ، فَإِذَا
стр. 2127
طَهُرَتْ، حَلَّ لَهَا النِّكَاحُ، فَإِنْ هَاجَرَ زَوْجُهَا -يعني: أسلَمَ وهاجَرَ- قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ، رُدَّتْ إلَيْهِ (١).
وهذا قولُ عمرَ بنِ الخطَّابِ والنَّخَعِيِّ وجماعةٍ، وقد روى محمدُ بنُ سِيرينَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ يَزيدَ الخَطْمِيِّ: أنَّ نصرانيًّا أسلَمَتِ امرأتُهُ، فخيَّرها عمرُ بنُ الخطابِ: إنْ شاءتْ فارقَتْهُ، وإنْ شاءَتْ أقامَتْ عليه (٢).
ويَذهَبُ بعضُ العلماءِ: إلى أنَّ إسلامَ أحدِ الزوجَيْنِ وتأخُّرَ الآخَرِ يَفسَخُ النكاحَ ولو كان تأخُّرُه يسيرًا، وهذا لم يَقُلْ به -فيما أعلَمُ- أحدٌ مِن الصحابةِ، ولا أحدٌ مِن متقدِّمي فقهاءِ الحجازِ، وهم العمدةُ في الفتوى في مِثلِ هذه الأبوابِ.
ويَفهَم بعضُ المعاصرينَ ما يُروَى في ذلك عن عمرَ وعليٍّ في الزوجةِ التي أسلَمَتْ عن زوجٍ كافرٍ: أنَّ زَوْجَها أَمْلَكُ ببُضْعِها (٣)، وأنَّه أحَقُّ بها ما لم تخرُجْ مِن مِصْرِها (٤) - وحملوا ذلك على أنَّه يَحِلُّ له وطؤُها وهو كافرٌ.
وهذا غلطٌ وتحميلٌ لقولِهما ما لا يَحتمِلُه، ولا يَحِلُّ وطءُ المُشرِكِ للمُسلِمةِ، ومرادُهما: أنَّه أَولى بها مِن غيرِهِ إنْ أرادَها بعدَ إسلامِه، ويَبقى على عقدِه الأولِ ما لم تتزوَّجْ بعدَ عِدَّتِها، ولم يكنِ الصحابةُ يبحثونَ مسألةَ وطءِ الكافرِ لمسلِمةٍ، ولكنْ لمَّا بَعُدَتِ الأفهامُ عن مقاصدِهم ورَقَّ الدِّينُ، حَمَلَ هؤلاءِ كثيرًا مِن محتمِلاتِ ألفاظِهم على غيرِ مُرادِهم.
وقولُه تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾؛ يعني: أزواجَهُنَّ المشرِكينَ يُرسِلُ
стр. 2128
المُسلِمونَ إليهم مُهُورَهمُ التي سلَّموها لأزواجِهم، وهذا مِن عدلِ الإسلامِ في الوفاءِ بما عليه الصلحُ، فلمَّا استثنى اللَّهُ النساءَ مِن التسليمِ وهُنَّ في شروطِه، لم يُسقِطْ حقَّهم في المالِ بذلك.
وقولُه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، فيه: جوازُ نكاحِ المُهاجِراتِ اللاتي أزواجُهُنَّ مشركونَ بعدَ إعطائِهنَّ مهورَهُنَّ، وقد تقدَّم في صدرِ سورةِ النِّسَاءِ الكلامُ على الصَّدَاقِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [٤].
وقولُه تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾، فيه: تحريمُ نكاحِ المسلِمِ للمُشرِكةِ، وقد تقدَّم ذلك في سورةِ البقرةِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [٢٢١]، وتقدَّم الكلامُ على حِلِّ النكاحِ مِن الكتابيَّةِ خاصَّةً، عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
وقولُه تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ فيه المُماثَلةُ؛ فكما أنَّ المُهورَ تُدفَعُ للمُشرِكِينَ، فكذلك يُدفَعُ للمؤمِنِينَ مهورُ نسائِهِمْ عندَ لَحَاقِهِنَّ بأهلِهِنَّ مِن المشرِكِين.
وفي قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ جوازُ إعطاءِ المؤمنِ الذي لَحِقَتْ زوجتُهُ بأهلِها المشرِكِينَ مِن مهورِ أزواجِ المشرِكِينَ اللاتي هاجَرْنَ، فبدلًا مِن إرسالِ المَهْرِ للمُشرِكِ، يُعطَى المسلِمُ الذي رجَعَتْ زوجتُهُ مِن مهورِهم.
وقال بعضُهم: إنَّ العقابَ في قولِه: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾؛ يعني: غَنِمْتُمْ مِن المشرِكِينَ مالًا، فأصبتُمْ منهم عُقْبَى، فيُعطى المسلمُ مهرَ زوجتِهِ الخارجةِ
стр. 2129
ممَّا أصابُوهُ منهم؛ رُوِيَ هذا عن ابنِ عبَّاسٍ ومسروقٍ والزُّهْريِّ وجماعةٍ (١).
* * *
* قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٢].
كان النبيُّ ﷺ يُبايعُ النِّساءَ كما يُبايعُ الرِّجالَ، وكان يُشْرِكُهُنَّ مع الرِّجالِ ببعضِ ألفاظِ البَيعْةِ، وكان يَخُصُّهُنَّ ببعضِ الألفاظِ التي تتعلَّقُ بهنَّ، مع اشتراكِ الجنسَيْنِ في عامَّةِ المحرَّماتِ؛ ولكنَّه قد يَغلِبُ على جنسٍ الوقوعُ في محرَّمِ ويضعُفُ عندَ الآخَر، فأمَرَ اللَّهُ نبيَّه أنْ يُبايعَ النساءَ على عدمِ السرقةِ والزِّنى، وعدمِ قتلِ الأولادِ مِن إملاقٍ أو مِن حياءٍ، ومَنْعِهِنَّ مِن كلِّ بُهْتانٍ ظاهرٍ وخفيٍّ.
وكانتْ عادةُ النبيِّ ﷺ أنَّه يُصافِحُ مَنْ بايَعَهُ، إلَّا أنَّه لم يُصافِحِ النساءَ، ولم يَجْعَلْ رجلًا يُصافِحُهُنَّ عنه.
وقد ذكَرَ بعضُهم أنَّه صافَحَهُنَّ بحائلٍ، وبعضُهُمْ ذكَرَ أنَّه أَوكَلَ المصافحةَ لِعُمَرَ، وهدا منكَرٌ ليس له أصلٌ، وقد كان يقولُ ﷺ : (إِنِّي لا أُصَافِحُ النِّسَاءَ) (٢).
وقد رَوَى البخاريُّ، أنَّ عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ أخبَرَتْ: أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَمْتَحِنُ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِ مِنَ المُؤْمِنَاتِ بِهَذِهِ الآيَةِ
стр. 2130
بقَوْلِ اللَّهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾، إلى قولِه: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا الشَّرْطِ مِنَ المُؤْمِنَاتِ، قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (قَدْ بَايَعْتُكِ) كَلَامًا، ولا وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ فِي المُبَايَعَةِ، مَا يُبَايِعُهُنَّ إِلَّا بِقَوْلِهِ: (قَدْ بَايَعْتُكِ عَلَى ذَلِكِ) (١).
وقد كان يُبايِعُهُنَّ على الفضيلةِ والحياءِ، ويَنهاهُنَّ عن ضدِّ ذلك، وهذا داخلٌ في قولِه تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، وقد رَوَى عمرُو بنُ أبي سَلَمةَ، عن زُهَيْرِ بنِ محمدٍ؛ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾؛ قال: لا يَخْلُو الرجلُ بامرأةٍ (٢).
وقال قتادةُ في قولِه: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾؛ قال: لا يُحَدِّثْنَ رجلًا (٣).
* * *
стр. 2131
سورة الجمعة
سورةُ الجُمُعَةِ مدَنيَّةٌ، ولا خلافَ في ذلك (١)، وقد بيَّن اللَّهُ فيها فَضْلَهُ على الناسِ عَرَبِهم وعَجَمِهم ببعثِ نبيِّه، وحذَّر مِن تدليسِ اليهودِ وطريقتهم في تحريفِ كُتُبِهِ ودِينِه، ثم بيَّن شريعةَ صلاةِ الجُمُعَةِ وفَضْلَها وفضلَ شهودِها، وبعضَ أحكامِها.
* قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٦ - ٧].
كانتِ اليهود تَصْطَفِي نفَسها بينَ الناس، وتَرَى أنَّها صفوةُ خَلْقِ اللَّهِ وأَحِبَّاؤُهُ كذبًا وزورًا عليه؛ كما قال تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨].
ولمَّا كان وليُّ اللَّهِ وحبيبُهُ يتمنَّى لقاءَ محبوبِه، أمَرَهُمُ اللَّهُ بتمنِّي الموتِ للقاءِ اللَّهِ إنْ كانوا صادقِين، ودُعُوا إلى المُباهَلةِ أنَّ الموت على الكاذب، ولكنَّهم يَكذِبونَ وهم أحرَصُ الناسِ على حياةٍ، وأشَدُّهم فرارًا مِن الموت، لأنَّهمِ يَعْلَمونَ جُرمَهُمْ وظُلْمَهُمْ وعنادَهم وتكبُّرَهم، فلن يتمنَّوا الموتَ؛ لأنَّهم يَعْلَمونَ ما يَلقَوْنَ بعدَه؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ
стр. 2132
كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٤ - ٩٥]. وقد رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: يقولُ اللَّهُ لنبيِّه ﷺ : ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ أي: ادعُوا بالموتِ على أيُّ الفريقَينِ أَكْذَبُ، فأبَوْا ذلك على رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٩٥]؛ أي: بعِلْمِهم بما عندَهم مِن العِلْمِ بك، والكفرِ بذلك، ولو تَمَنَّوْهُ يومَ قال لهم ذلك، ما بَقِيَ على الأرضِ يهوديٌّ إلَّا مات (١).
وقد تقدّم الكلامُ على حُكْمِ تمنِّي الموتِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
* * *
* قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾ [الجمعة: ٩ - ١١].
أمَرَ اللَّهُ المؤمِنِينَ بالسَّعْي إلى صلاةِ الجُمُعةِ عندَ سَمَاعِ الأذانِ لها، والمرادُ بالأذانِ هنا هو الأذَانُ الدي يكونُ مع دخولِ الإمامِ وقُبَيْلَ خُطْبتِه.
стр. 2133
وقد تقدَّم الكلامُ على الأذانِ وحُكْمِهِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾ [المائدة: ٥٨]، وتقدَّم الكلامُ على الموضعِ الذي يُؤذِّنُ فيه المؤذِّنُ مِن المسجدِ عندَ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ [البقرة: ١٢٧].
قولُه تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، فيه: إشارةٌ إلى أنَّ الجُمُعةَ على الحواضرِ، لا على المسافِرِينَ؛ لأنَّ الأسواقَ والضَّرْبَ فيها لا يكونُ إلَّا في القُرَى والمُدُن، لا في طرُقِ الأسفار، خاصَّةً في الزمنِ الغابر، فلم تكنِ المَتاجِرُ والأسواقُ في طرُقِ المسافِرِينَ كما هي اليومَ، حتى إنَّ الناسَ يُسافِرونَ أيامًا لا يَتزوَّدونَ لا ماءً ولا طعامًا، وكانوا في السابقِ يتزوَّدُ أحدُهُمْ لو خرَجَ شَطْرَ النهارِ ولو بالماءِ.
مَن تجبُ عليه الجُمُعةُ:
لا يختلِفُ العلماءُ على أنَّ الجُمُعةَ تجب على كلِّ ذَكَرٍ حُرٍّ حاضرٍ مستطيع بالغٍ في قَرْيةٍ، ولم تشرَعْ في السُّنَّةِ إلَّا على أهلِ القُرَى ومَن حولَها؛ على هذا عملُ الصحابة، وقد جاء في ذلك آثارٌ وأحاديثُ؛ منها ما يُروى: "لَا جُمُعَةَ ولا تَشْرِيقَ إِلَّا فِي مِصْرٍ"، وهذا صحيحٌ عن عليٍّ، ولكنَّه لا يصحُّ مرفوعًا، كما رواهُ سعدُ بنُ عُبَيْدةَ، عن أبي عبدِ الرحمنِ؛ قال: قال عليٌّ: "لَا جُمُعَةَ، وَلَا تَشْرِيقَ، وَلَا صَلَاةَ فِطْرٍ وَلَا أَضْحَى، إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ، أَوْ مَدِينَةٍ عَظِيمَةٍ".
رواهُ ابنُ أبي شَيْبةَ (١).
ومَن كان مقيمًا في أطرافِ المدينة، فعليه شهودُ الجُمُعةِ؛ ما لم
стр. 2134
يكنْ بعيدًا عنها لو خرَجَ ماشيًا بعدَ سماعِهِ الأذانَ لم يُدرِكْها.
وأمَّا تقييدُ وجوبِ حضورِ الجُمُعةِ لِمَنْ هم في أطرافِ المدينةِ بخروجِهم إلى الصلاةِ وعَوْدَتِهم قبلَ مَغِيبِ الشمس، فلا يثبُتُ في ذلك شيءٌ، وقد جاء فيه مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: (الجُمُعَةُ عَلَى مَنْ آوَاهُ اللَّيْلُ إِلَى أَهْلِهِ)، رواهُ الترمذيُّ، وأنكَرَهُ أحمدُ جِدًّا (١)، ورُوِيَ نحوُه مِن مُرسَلِ أبي قِلَابةَ، وأنكَرَهُ حمادُ بن زيدٍ (٢).
وفي الترمذيِّ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ كان يأمُرُ أهلَ قُبَاءَ بشهودِ الجُمُعةِ معه (٣)، ولا يصحُّ؛ للجهالةِ فيه.
ومِن مُرسَلِ الزُّهْريِّ: أنَّهم كانوا يَشْهَدونَ الجُمُعةَ مع النبيِّ ﷺ مِن ذي الحُلَيفَةِ؛ رواهُ ابنُ أبي شَيْبةَ (٤)، ومراسيلُه ضعيفةٌ.
وقد جاءت أحاديثُ في تعيينِ مَن تجبُ عليه ومَن لا تجبُ، وليس في ذلك شيءٌ يثبُتُ، إلَّا أنَّ عملَ الصحابةِ والتابعينَ بيِّنٌ في ذلك ولو لم يصحَّ الخبرُ، وقد سُئِلَ أحمدُ بن حنبلٍ: على مَن تجبُ الجُمُعةُ؟ فلم يذكُرْ في ذلك شيئًا (٥)، وعدمُ ذِكْرِهِ لشيءٍ في مِثلِ هذه المسألةِ المشهورةِ دليلٌ على عدمِ صحةِ الأحاديثِ التي تُسمِّي أهلَ الوجوبِ عندَهُ وغرابتِها.
حُكْمُ الجُمُعةِ للمسافرِ:
ولا تجبُ على المسافرِ ولو مَرَّ على قريةٍ يُصلِّي أهلُها الجُمُعةَ، فإِنْ
стр. 2135
صلَّى معهم، صلَّاها بنيَّةِ الظُّهْرِ وشهِد الخُطْبةَ ودعوةَ المُسلِمينَ، وقد صلَّى النبيُّ ﷺ الجُمُعةَ ظهرًا وجمَعَ إليها العصرَ بعَرَفَةَ، ولم يكنِ الصحابةُ يُصلُّونَ الجُمُعةَ وهم مسافِرونَ، ولا كذلك فقهاءُ التابعينَ وخاصَّةً أهلَ الحجاز، وقد صحَّ عن عمرَ بنِ عبد العزيزِ أَنَّه كان مسافرًا فترَكَ شهودَ الجمعةِ وكان في البلد، ففي "مصنَّفِ ابنِ أبي شَيْبةَ"، عن أبي عبيدٍ مَوْلى سيمانَ بنِ عبد الملك، قال: خرَجَ عمرُ بن عبد العزيزِ مِن دَابِقٍ، وهو يومئذٍ أميرُ المؤمِنِينَ، فمَرَّ بحَلَبَ يومَ الجُمُعةَ، فقال لأميرِها: جَمِّعْ؛ فإنَّا سَفْرٌ (١).
وإنْ صلَّى المسافرُ مع المُقِيمِينَ الجُمُعةَ، ونَوَاها جُمُعةً، فليس له أنْ يَجمَعَ إليها العصرَ، وإنْ صلَّاها معهم، ونَوَاها ظهرًا، فله جمعُ العصرِ إليها.
ولا يصحُّ نهيٌ عن السَّفَرِ ضُحَا الجُمُعةِ، فيجوزُ السفرُ للمحتاجِ قبلَ الأذانِ؛ لأنَّه بالأذانِ يجبُ عليه السعيُ إلى الصلاة، وسعيُهُ إلى غيرِهِ مخالفٌ للآيةِ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، ولا يصحُّ في النهي عن السفرِ ضُحَا الجمعةِ حديثٌ.
وأمَّا حديث ابنِ عمرَ مرفوعًا: (مَنْ سَافَرَ يَوْمَ الجُمُعَة، دَعَت عَلَيْهِ المَلَائِكةُ ألَّا يُصْحَبَ فِي سَفَرِهِ):
فقد أخرَجَهُ الدارقطنيُّ في "الأفرادِ"، وفيه ابنُ لَهِيعَةَ؛ وهو مُنْكَرٌ (٢).
ورواهُ الخطيبُ البغداديُّ في كتابِه "الرُّواةِ عن مالكٍ"؛ مِن حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: (مَنْ سَافَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، دَعَا عَلَيْهِ ملَكَاهُ) (٣).
وفيه الحُسينُ بن علوانَ: كذابٌ، قاله يحيى وابنُ أبي حاتمٍ (٤).
стр. 2136
والثابتُ عن الصحابةِ جوازُ ذلك؛ فقد جاء عن عُمَرَ مِن وجهَيْنِ: الجُمُعةُ لا تَمْنَعُ مِن سَفَرٍ (١).
وهو عنه صحيحٌ.
ومِثلُ هذا الحُكْمِ لا يَخفى على عُمَرَ؛ فهي مسألةٌ ظاهرةٌ يُبتلَى بها ويحتاجُ إليها الناسُ، وما تَعُمُّ به البَلْوَى لا يَخفى على مِثْلِ الخُلَفاء، فعملُهم وقولُهم أصلٌ في هذه الأبوابِ حُكْمًا، وله أثرٌ في إعلالِ ما يُروى مرفوعًا.
ولا يصحُّ في النهي عن السفرِ يوم الجُمُعةِ حديثٌ؛ قبلَ أذانِ صلاةِ الجمعةِ ولا بعدَ الجمعةِ.
وقد رَوى أبو داودَ في "المراسيلِ"، عن الزُّهريِّ أنَّه أراد أن يُسافرَ يومَ الجُمُعة ضَحْوةً، فقيل له في ذلك، فقال: إنَّ النبيَّ ﷺ سافَرَ يومَ الجُمعةِ (٢).
وهذا الذي عليه جمهور العلماءِ.
العَدَدُ الذي تَنعقِدُ به الجُمُعةُ:
ولا يثبُتُ عددٌ محدَّدٌ في أهلِ قريةٍ حتى تجبَ الجُمُعةُ عليهم؛ فكلُّ جماعةٍ في قريةٍ يجبُ عليهم صلاةُ الجُمُعةِ، والأحاديثُ الواردةُ في حدٍّ مُلزِمٍ للوجوبِ لا يصحُّ منها شيءٌ، وقد روى الدارقطنيُّ، وغيرُهُ عن جابرٍ مرفوعًا: (مَضَتِ السُّنَّة: أَنَّ فِي كُلِّ ثَلَاثَةٍ إِمَامًا، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ جُمُعَةً، وَأَضْحَى، وَفِطْرًا؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ جَمَاعَةٌ) (٣)، ولا يصحُّ، ورَوى
стр. 2137
الطبرانيُّ تحديدَها بخَمْسِينَ مِن حديثِ أبي أُمامةَ (١)، ولا يصحُّ، ورَوَى ابنُ عديٍّ تحديدَها بثلاثةٍ مِن حديثِ أمِّ عبدِ اللَّهِ الدَّوْسِيَّةِ (٢)، ولا يصحُّ.
ومَن نظَر في السُّنَّة وتأمَّلَ الأثرَ عن الأصحابِ، وجَد أنَّه لا يصحُّ في تعيينِ عددٍ للجُمُعةِ حديثٌ، ولم يكنِ الصحابةُ يُقيِّدونَها به مع الحاجةِ إلى الحُكْمِ وأهميَّتِهِ لأهلِ القُرَى والأمصارِ؛ فأمرُهُ ممَّا تتعلَّقُ به صحةُ الصلاةِ وفسادُها، ولمَّا لم يَرِدْ مِن وجهٍ قويٍّ، وليس فيه شيءٌ مِن أقوالِ الصحابةِ وبيانِهم وتشديدِهم فيه، دلَّ على نُكْرانِ الواردِ فيه ممَّا حمَله بعضُ الضُّعَفاءِ والمتروكينَ، وتعدُّدُ مَخارجِها لا يُقوِّيها.
وفي البابِ: ما يُعارِضُها مِن السُّنَّة المرفوعةِ؛ وهو حديثُ جابرٍ في خروجِ الصحابةِ للتجارةِ والنبيُّ ﷺ يخطُبُ، فبَقِيَ عندَهُ اثنا عشَرَ رجلًا، والحديثُ في "الصحيحَيْنِ" (٣).
وأمَّا ما رواهُ أحمدُ والترمذيُّ، مِن حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ؛ أنَّه قال: جَمَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ أَرْبَعُونَ، فَكُنْتُ فِي آخِرِ مَنْ أَتَاهُ، قَالَ. "إِنَّكُمْ مَنْصُورُونَ، وَمُصِيبُونَ، وَمَفْتُوحٌ لَكُمْ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ، وَلْيَأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ، وَلْيَنْهَ عنِ المُنْكَرِ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) (٤).
فليس صريحًا أنَّ الجَمْعَ لصلاةِ الجُمُعةِ، وليس فيه استحبابُ العددِ ولا اشتراطُه؛ وإنَّما إخبارٌ عنه.
وقد تكلَّم بعضُ الحُفَّاظِ في سماعِ عبدِ الرحمنِ مِن أبيه ابنِ مسعودٍ.
стр. 2138
ومِثلُهُ ما رواهُ أبو داودَ وابنُ ماجَهْ؛ مِن حديثِ محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي أُمامةَ بنِ سهلٍ، عن أبيهِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ كعبِ بنِ مالكٍ، وَكَانَ قَائِدَ أَبِيهِ بَعْدَمَا ذَهَبَ بَصَرُهُ، عَنْ أَبِيهِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، تَرَحَّمَ لِأَسْعَدَ بنِ زُرَارَةَ، فَقُلْتُ لَهُ: إِذَا سَمِعْتَ النِّدَاءَ، تَرَحَّمْتَ لِأَسْعَدَ بنِ زُرَارَةَ؟ قَالَ: "لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِنَا فِي هَزمِ النَّبِيتِ مِنْ حَرَّةِ بنِي بَيَاضَةَ فِي نَقِيعٍ يُقَالُ لَهُ: نَقِيعُ الْخَضِمَاتِ"، قُلْتُ: كَمْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: "أَرْبَعُونَ" (١).
فإنَّما هو إخبارٌ عن الحالِ، لا بيانٌ للحُكمِ ولا التشريعِ.
ومحمدُ بنُ إسحاقَ تفرَّدَ به عن محمدِ بنِ أبي أُمامةَ، وهو صدوقٌ صرَّح بسماعِهِ عندَ الدارقطنيِّ وغيرِه (٢)، ويَمِيلُ أحمدُ إلى ثبوتِ هذا الحديثِ (٣).
قولُه تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: لا يجوزُ البيعُ بعدَ أذانِ الجُمُعةِ وقعودِ الخطيبِ، ولا خلافَ في ذلك، وإنَّما الخلافُ في بُطْلانِ البيعِ وصِحَّتِه.
وقد كان السلفُ يَزجُرونَ مَن يَبِيعُ بعدَ أذانِ خُطْبةِ الجُمُعةِ، بل منهم مَن يُعزِّرُه، وقد ذكَر سُحْنون في "نوازلِهِ" أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ يأمُرُ إذا فُرغَ مِن صلاةِ الجُمُعةِ مَن يخرُجُ، فمَن وجَدَ لم يحضُرِ الجُمُعةَ، ربَطَهُ بعُمُدِ المسجدِ (٤).
стр. 2139
وكان مالكٌ يُخالِفُ قولَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ بالرَّبْطِ في المسجدِ، وإنَّما ينبعي أنْ يُؤدَّبَ على ذلك بالسَّجْنِ أو الضربِ، كما ذكَرَهُ ابنُ رشدٍ (١).
وقد تقدَّم الكلامُ على ما جاء في البيعِ بعدَ أذانِ الصلواتِ الخمسِ عندَ قولِهِ تعالى مِن سورةِ النورِ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ [٣٧].
قيامُ الخطيبِ في الخُطْبةِ:
قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾، فيه: مشروعيَّةُ قيامِ الخطيبِ في أثناءِ خُطْبتِه، وهو مشروعٌ بالاتِّفاقِ، ويُسَنُّ له الجلوسُ عندَ قيامِ المؤذِّنِ للأذانِ، والجلوسُ بينَ الخُطبتَيْنِ، ولو فصَلَ بينَ الخُطبتَيْنِ، ولكنَّه لم يَجلِسْ، صحَّتْ خُطبتَاه.
وقد اختلَفَ العلماءُ في وجوبِ قيامِ الخطيبِ حالَ خُطْبتِه، وهل تصحُّ منه وهو جالسٌ؟ على روايتَيْنِ عن أحمدَ، والأظهرُ: وجوبُ القيامِ عليه إنْ كان مستطيعًا؛ وهو الذي عليه أكثرُ الفقهاءِ وحُكِيَ الإجماعُ؛ وفيه نظرٌ.
ويسقُطُ الوجوبُ عن الخطيبِ الذي يَعجِزُ عن القيامِ، لِمَرَضٍ أو رهبةٍ مِن الناسِ؛ لأنَّ القيامَ ركنٌ في الصلاةِ ويسقُطُ عندَ العجزِ، وهو أَوْجَبُ مِن القيامِ في خُطْبةِ الجمعةِ؛ فإنْ جاز في الصلاةِ المكتوبةِ القعودُ للعجزِ، فإنَّه في خُطْبةِ الجمعةِ مِن بابِ أَولى.
ولم يخطُبِ النبيُّ ﷺ قاعدًا ولو مرةً حتى لمَّا كَبِرَتْ سِنُّهُ وحَطَمَهُ الناسُ، ومِثلُه أبو بكرٍ وعمرُ وعليٌّ، وقد رَوَى مسلمٌ؛ مِن حديثِ جابرِ بنِ
стр. 2140
سَمُرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ نَبَّأَكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا، فَقَدْ كَذَبَ، فَقَدْ وَاللَّهِ صَلَّيْتُ مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ صَلَاةٍ (١).
وقد ثبَت عن كعبِ بنِ عُجْرَةَ؛ أنَّه "دَخَلَ المَسْجِدَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُمِّ الْحَكَمِ يَخْطُبُ قَاعِدًا، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الخَبِيثِ يَخْطُبُ قَاعِدًا، وَقَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ "؛ رواهُ مسلمٌ (٢).
وأمَّا ما يُرْوَى عن عثمانَ مِن الخُطْبةِ جالسًا (٣)، فهو كالصلاةِ جالسًا للعاجزِ؛ فقد كَبِرَتْ سِنُّهُ ومات في عَشْرِ التسعينَ، وكان فيه رِعْدَةٌ لكِبَرِه، ومِثلُه ما جاء عن معاويةَ، فالأصلُ عدمُ تركِ الصحابةِ لِمِثْلِ هذا الأمرِ المستديمِ والتهاوُنِ فيه، وقد رَوَى موسى بنُ طَلْحةَ؛ قال: شَهِدتُّ عُثْمَانَ يَخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ قَائِمًا، وَشَهِدتُّ مُعَاوِيَةَ يَخْطُبُ قَاعِدًا، فَقَالَ: "أَمَا إِنِّي لَمْ أَجْهَلِ السُّنَّةَ؛ وَلَكِنِّي كَبِرَتْ سِنِّي، وَرَقَّ عَظْمِي، وَكَثُرَتْ حَوَائِجُكُمْ، فَأَرَدتُّ أنْ أَقْضِيَ بَعْضَ حَوَائِجِكُمْ وَأَنَا قَاعِدٌ، ثُمَّ أَقُومَ فَآخُذَ نَصِيبِي مِنَ السُّنَّةِ" (٤).
* * *